حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 388-406
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ

صفحات 388-406
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَلَا يَتَنَاوَلُ بِاللَّيْلِ مَطْعُومًا عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجِمَاعَ وَنَحْوَهُ لَا يَمْنَعُ الْوِصَالَ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ هُوَ أَنْ يَسْتَدِيمَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ.
وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيِّ وَابْنُ الصَّلَاحِ نَحْوَهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ فَقَالَ: (وَمَنْ وَطِئَ) بِتَغْيِيبِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا (عَامِدًا) مُخْتَارًا

[حاشية البجيرمي]

الْغَيْبِ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَا يَعْتَرِيهَا عَجْزُ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ جُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ.
فَهَاكَ هَذَا الْجَمْعُ عَفْوًا صَفْحًا فَقَلَّمَا تَرَاهُ مَجْمُوعًا فِي كِتَابٍ وَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ مِنْ الْأَنْجَابِ.
وَقَوْلُهُ: «فَاكْلَفُوا» بَيَّنَ بِهِ حِكْمَةَ النَّهْيِ، وَهُوَ خَوْفُ الْمَلَلِ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِفِ الدِّينِ مِنْ الْقُوَّةِ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَالْخُضُوعِ فِي فَرَائِضِهِ وَالْإِتْيَانِ بِحُقُوقِهَا الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَشِدَّةِ الْجُوعِ تُنَافِيهِ وَتَحُولُ بَيْنَ الْمُكَلَّفِ وَبَيْنَهُ ثُمَّ الْجُمْهُورُ؛ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ لِلْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَاحٌ، وَقَالَ الْإِمَامُ: قُرْبَةٌ وَخُصُوصِيَّةٌ بِهِ عَلَى كُلِّ أُمَّتِهِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَكَابِرِ الْوِصَالُ، قَالَ فِي الْمَطَامِحِ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُ وَاصَلَ سِتِّينَ يَوْمًا مُتَوَالِيَةً.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: فَإِنْ قُلْت: إنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ اُشْتُهِرَ صَلَاحُهُمْ مِمَّنْ لَا يُحْصَى نُقِلَ عَنْهُمْ الْوِصَالُ وَذَلِكَ مَعَ الْقَوْلِ ثُمَّ يُنَافِي حَالَهُمْ السُّنِّيَّ وَقَدْرَهُمْ الْعَلِيَّ؟ قُلْت: الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، وَلَعَلَّ وِصَالَ هَؤُلَاءِ جَاءَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ بَلْ اتَّفَقَ تَرْكُ تَنَاوُلِ الْمُفْطِرِ لِغَفْلَةٍ عَنْهُ إمَّا بِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ بِسَبَبٍ وَهُوَ تَعَلُّقُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالِاسْتِغْرَاقُ فِيهَا وَالِالْتِذَاذُ بِهَا بِحَيْثُ أَلْهَتْهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَهِيَ فِي حَقِّهِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي حَقِّ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَالْإِنْسَانُ شَاهِدٌ فِي الْخَارِجِ عِنْدَ اشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِمَا يَسُرُّ أَوْ يُحْزِنُ الْغَفْلَةُ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَقَدْ فَسَّرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْخُصُوصِيَّةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى كُلِّ أُمَّتِهِ لَا عَلَى أَحَدِ أَفْرَادِهَا، وَالنَّهْيُ تَوَجَّهَ لِلْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (إذْ الْوِصَالُ فِي الصَّوْمِ حَرَامٌ) وَهُوَ تَتَابُعُ الصَّوْمِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا مِنْ غَيْرِ فِطْرٍ لَيْلًا، وَقِيلَ: صَوْمُ السُّنَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْطِرَ الْأَيَّامَ الْمَنْهِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْهُ، وَمُوجِبُ النَّهْيِ أَمْرَانِ: الضَّعْفُ وَالْمَلَلُ وَالْعَجْزُ عَنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ.
وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالتَّنْزِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْحَنَابِلَةِ، فَالْفِطْرُ مَطْلُوبٌ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْغُرُوبِ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْفِطْرِ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا فَتَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَشَدُّ مَنْعًا.
وَكَانَ الْوِصَالُ مُبَاحًا لِمَنْ قَبْلَنَا، لَكِنْ تَحْرِيمُهُ إنَّمَا هُوَ عَلَيْنَا لَا عَلَى الْمُصْطَفَى، فَإِنَّ لَهُ الْوِصَالَ فَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ أُمَّتِهِ عَلَى غَيْرِهَا اهـ. وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: تَنْبِيهٌ: قَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصُّلَحَاءِ الْوِصَالُ فَفِعْلُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ بَلْ لِغَفْلَةٍ أَوْ اسْتِغْرَاقٍ فِي الْمَعَارِفِ.
قَوْلُهُ: (لِلنَّهْيِ عَنْهُ) وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: بُلِيت بِهِ فَقِيهًا ذَا جِدَالٍ ... يُجَادِلُ بِالدَّلِيلِ وَبِالدَّلَالِ طَلَبْت وِصَالَهُ وَالْوَصْلُ عَذْبٌ ... فَقَالَ نَهَى النَّبِيُّ عَنْ الْوِصَالِ أَيْ فَفِيهِ الدَّلِيلُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَالدَّلَالُ بِحَسَبِ التَّوْرِيَةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ) أَيْ الْعُظْمَى لِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَغَيْرِهَا، يُقَالُ لَهُ فِدْيَةٌ غَالِبًا ق ل. وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ قَوْلُ الْمَتْنِ الْآتِي: وَإِنْ خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ وَطِئَ) جُمْلَةُ الشُّرُوطِ أَحَدَ عَشَرَ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: " وَطِئَ ". الثَّانِي: قَوْلُهُ: " جَمِيعُ الْحَشَفَةِ ". الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: " عَامِدًا ". وَالرَّابِعُ: قَوْلُهُ " مُخْتَارًا ". وَالْخَامِسُ: قَوْلُهُ: " عَالِمًا ". وَالسَّادِسُ: قَوْلُهُ: فِي الْفَرْجِ ". وَالسَّابِعُ: قَوْلُهُ: " فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ". وَالثَّامِنُ: قَوْلُهُ: " وَهُوَ مُكَلَّفٌ ". وَالتَّاسِعُ: قَوْلُهُ: " صَائِمٌ ". وَالْعَاشِرُ: قَوْلُهُ: أَثِمَ بِالْوَطْءِ ". وَالْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: " بِسَبَبِ الصَّوْمِ ". وَقَدْ أَخَذَ الشَّارِحُ مُحْتَرَزَ الْجَمِيعِ، وَلَا

عَالِمًا التَّحْرِيمَ (فِي الْفَرْجِ) وَلَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ (فِي نَهَارِ رَمَضَانَ) وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ الْغُرُوبِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ صَائِمٌ آثِمٌ

[حاشية البجيرمي]

بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَفْسَدَ بِوَطْئِهِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ يَقِينًا فَتَكُونُ الشُّرُوطُ اثْنَيْ عَشَرَ؛ وَيُزَادُ عَلَيْهَا إفْسَادُ صَوْمِ يَوْمٍ كَامِلٍ لِيَخْرُجَ مَا إذَا مَاتَ أَوْ جُنَّ فِي أَثْنَائِهِ، فَإِذَا اشْتَبَهَ رَمَضَانُ بِغَيْرِهِ فَاجْتَهَدَ وَصَامَ فَإِذَا وَطِئَ وَلَوْ فِي جَمِيعِ أَيَّامِهِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ شَرْحُ م ر. وَخَرَجَ بِإِفْسَادِ الْيَوْمِ مَا لَوْ وَطِئَ بِلَا عُذْرٍ ثُمَّ جُنَّ أَوْ مَاتَ فِي الْيَوْمِ؛ لِأَنَّهُ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْ صَوْمَ يَوْمٍ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَالَ م د: وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ الشُّرُوطِ أَحَدَ عَشَرَ شَرْطًا: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا عَلَى الْفَاعِلِ، أَعْنِي الْوَاطِئَ، فَخَرَجَ الْمَرْأَةُ الْمَوْطُوءَةُ وَالرَّجُلُ الْمَوْطُوءُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُفْسِدًا، فَخَرَجَ النَّاسِي وَالْجَاهِلُ وَالْمُكْرَهُ وَلَوْ عَلَى الزِّنَا وَإِنْ كَانَ يُفْطِرُ بِهِ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَا أَفْسَدَهُ صَوْمًا، فَخَرَجَ نَحْوَ الصَّلَاةِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ صَوْمُ نَفْسِهِ، فَخَرَجَ الْمُفْطِرُ إذَا جَامَعَ زَوْجَتَهُ الصَّائِمَةَ، الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْإِفْسَادُ بِالْوَطْءِ، فَخَرَجَ الْإِفْسَادُ بِغَيْرِهِ.
السَّادِسُ: أَنْ يَنْفَرِدَ الْوَطْءُ، فَخَرَجَ مَا إذَا أَفْسَدَهُ بِالْوَطْءِ وَغَيْرِهِ مَعًا.
السَّابِعُ: أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ كُلَّ الْيَوْمِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنْ يُفْسِدَ يَوْمًا كَامِلًا، فَيَخْرُجُ مَا إذَا جُنَّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ الْجِمَاعِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ.
الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَدَاءِ رَمَضَانَ يَقِينًا، فَخَرَجَ النَّذْرُ وَالْقَضَاءُ وَمَنْ وَطِئَ فِي رَمَضَانَ إذَا صَامَهُ بِالِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْهُ أَوْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ حَيْثُ جَازَ فَبَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ.
التَّاسِعُ: أَنْ يَأْثَمَ بِهِ، فَخَرَجَ الصَّبِيُّ.
الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ إثْمُهُ بِهِ لِأَجْلِ الصَّوْمِ، فَخَرَجَ الصَّائِمُ الْمُسَافِرُ الْوَاطِئُ زِنًا أَوْ لَمْ يَنْوِ تَرَخُّصًا بِالْإِفْطَارِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِهِ لِلصَّوْمِ بَلْ لِلزِّنَا أَوْ لِعَدَمِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: عَدَمُ الشُّبْهَةِ، فَخَرَجَ مَنْ ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ أَوْ شَكَّ فِيهِ أَوْ فِي دُخُولِهِ فَبَانَ نَهَارًا فَلَا كَفَّارَةَ، وَكَذَا مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ فَوَطِئَ عَامِدًا فَيُفْطِرُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ كَالْحَدِّ تُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ وَطِئَ " وَإِنْ انْفَرَدَ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِحِسَابِهِ أَوْ بِخَبَرِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ فَاسِقًا وَاعْتَقَدَ صِدْقَهُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ كَالرَّائِي.
وَقَدْ نَظَّمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَفَّارَةُ الْجِمَاعِ عِنْدَهُمْ عَلَى ... مُفْسِدِ صَوْمِهِ لِيَوْمٍ كَمُلَا مِنْ رَمَضَانَ فِي الْأَدَاءِ إنْ أَثِمْ ... لِلصَّوْمِ بِالْوَطْءِ وَشُبْهَةِ عَدَمْ قَوْلُهُ: (عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ) أَيْ وَبِكَوْنِهِ صَائِمًا وَبِكَوْنِهِ مِنْ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (فِي الْفَرْجِ وَلَوْ دُبُرًا) لِأَنَّ الدُّبُرَ مِثْلُ الْقُبُلِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ، إلَّا فِي صُوَرٍ مَنْظُومَةٍ فِي قَوْلِهِ: وَالدُّبْرُ مِثْلُ الْقُبْلِ فِي الْإِتْيَانِ ... لَا الْحِلِّ وَالتَّحْلِيلِ وَالْإِحْصَانِ وَفَيْئَةِ الْإِيَّلَا وَنَفْيِ الْعُنَّةِ ... وَالْإِذْنِ نُطْقًا وَافْتِرَاشِ الْقُنَّةِ وَمُدَّةِ الزِّفَافِ وَاخْتِيَارِ ... رَدٍّ بِعَيْبٍ بَعْدَ وَطْءِ الشَّارِي تَصْدُقُ فِي الْحَيْضِ نَفْيُ الرَّجْمِ ... إذَا زَنَى الْمَفْعُولُ فَاحْفَظْ نَظْمِي وَلَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ فِي وَطْءِ أَمَتِهِ وَفِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي اللِّعَانِ وَلَا يَجِبُ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ عَلَى الرَّاجِحِ،.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ دُبُرًا) وَلَوْ دُبُرَ نَفْسِهِ فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا، وَكَذَا بَاقِي الْأَحْكَامِ مِنْ إيجَابِ غُسْلٍ وَفَسَادِ حَجٍّ وَحَدٍّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْبُلْقِينِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ أج.
وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِّ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَشْتَهِي دُبُرَ نَفْسِهِ، وَالْحَدُّ مَنُوطٌ بِكَوْنِ الْفَرْجِ مُشْتَهًى طَبْعًا.
وَقَوْلُهُ وَحَدُّ ضَعِيفٍ اهـ. قَوْلُهُ: (مِنْ آدَمِيٍّ) حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ أَوْ فَرْجٍ مَبَانٍ حَيْثُ بَقِيَ اسْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ ق ل. وَاَلَّذِي فِي ع ش أَنَّ الْوَطْءَ فِيهِ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَقَرَّرَهُ ح ف. قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ الْغُرُوبِ) غَايَةٌ لِلتَّعْمِيمِ، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ عَالِمًا بِطُلُوعِهِ فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمُ انْعِقَادِ صَوْمِهِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَفِي شَرْحِ م ر: وَلَا يَرِدُ عَلَى الضَّابِطِ مَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ عَلَيْهِ مُجَامِعًا فَاسْتَدَامَ حَيْثُ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ مَعَ انْتِفَاءِ إفْسَادِ الصَّوْمِ، إذْ الْإِفْسَادُ فَرْعُ الِانْعِقَادِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا يُفْسِدُ فَكَأَنَّهُ انْعَقَدَ ثُمَّ فَسَدَ اهـ. قَوْلُهُ: (آثِمٌ) بِالْمَدِّ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ.

بِالْوَطْءِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ (فَعَلَيْهِ) وَعَلَى الْمَوْطُوءَةِ الْمُكَلَّفَةِ (الْقَضَاءُ) لِإِفْسَادِ صَوْمِهِمَا بِالْجِمَاعِ (وَ) عَلَيْهِ وَحْدَهُ (الْكَفَّارَةُ) دُونَهَا لِنُقْصَانِ صَوْمِهَا بِتَعَرُّضِهِ لِلْبُطْلَانِ بِعُرُوضِ الْحَيْضِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَمْ تَكْمُلْ حُرْمَتُهُ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهَا الْكَفَّارَةُ فَتَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ الْوَاطِئِ، وَلِأَنَّهَا غُرْمٌ مَالِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ كَالْمَهْرِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ وَلَا عَلَى الرَّجُلِ الْمَوْطُوءِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَاللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ حُكْمُ الْجِمَاعِ فِيمَا ذَكَرَ كَمَا شَمِلَهُ مَا ذَكَرَ فِي الْحَدِّ فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْوَطْءِ الْفِطْرُ بِغَيْرِهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالِاسْتِمْنَاءِ وَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْإِنْزَالِ فَلَا كَفَّارَةَ بِهِ، وَبِقَيْدِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا إدْخَالُ بَعْضِهَا فَلَا كَفَّارَةَ بِهِ لِعَدَمِ فِطْرِهِ بِهِ، وَبِقَيْدِ الْعَمْدِ النِّسْيَانُ لِأَنَّ صَوْمَهُ لَمْ يَفْسُدْ بِذَلِكَ، وَبِالِاخْتِيَارِ الْإِكْرَاهُ لِمَا ذَكَرَ، وَبِعِلْمِ التَّحْرِيمِ جَهْلُهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشْئِهِ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ فِطْرِهِ بِهِ.
نَعَمْ لَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ وَجَهِلَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَبِالْفَرْجِ الْوَطْءُ فِيمَا دُونَهُ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ إذَا أَنْزَلَ، وَبِنَهَارِ رَمَضَانَ غَيْرُهُ كَصَوْمِ نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِ رَمَضَانَ، وَبِالْمُكَلَّفِ الصَّبِيُّ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ، وَبِالصَّائِمِ مَا لَوْ أَفْطَرَ بِغَيْرِ وَطْءٍ ثُمَّ وَطِئَ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ وَأَصْبَحَ مُمْسِكًا وَوَطِئَ فَلَا كَفَّارَةَ حِينَئِذٍ، وَبِالْآثِمِ مَا لَوْ وَطِئَ الْمَرِيضُ أَوْ الْمُسَافِرُ وَلَوْ بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ، وَمَا لَوْ ظَنَّ وَقْتَ الْجِمَاعِ بَقَاءَ اللَّيْلِ أَوْ شَكَّ فِيهِ، أَوْ ظَنَّ بِاجْتِهَادٍ دُخُولَهُ فَبَانَ جِمَاعُهُ نَهَارًا لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ لِانْتِفَاءِ الْإِثْمِ، وَلَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لِإِفْسَادِ صَوْمِهِمَا) أَيْ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (دُونَهَا) أَيْ الْمَوْطُوءَةِ، وَكَذَا الْمَوْطُوءُ الذَّكَرُ كَمَا يَأْتِي.
وَهَذَا خَارِجٌ بِضَمِيرِ صَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: (لِنُقْصَانِ صَوْمِهَا) هَذِهِ الْعِلَّةُ لَا تَجْرِي فِي الرَّجُلِ الْمَوْطُوءِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْغَالِبِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْعِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَائِضِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهِ) كَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهَا) أَيْ بِالْمَرْأَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ " بِهِ " أَيْ بِصَوْمِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهَا) أَيْ الْكَفَّارَةَ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " لِنُقْصَانٍ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (وَاللِّوَاطُ) أَيْ وَحُكْمُ اللِّوَاطِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَدِّ) أَيْ الضَّابِطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " بِتَغْيِيبِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ " شَامِلٌ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُبَاشَرَةُ إلَخْ) أَيْ بِغَيْرِ وَطْءٍ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ (لِعَدَمِ فِطْرِهِ بِهِ) أَيْ إذَا لَمْ يُنْزِلْ.
قَوْلُهُ: (النِّسْيَانُ) هُوَ خَارِجٌ بِقَيْدِ الْآثِمِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِقَيْدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (لِمَا ذَكَرَ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ بِالْإِكْرَاهِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ) لَا مَحَلَّ لِهَذَا الِاسْتِدْرَاكِ فَكَانَ الْأَوْلَى: وَخَرَجَ بِجَهْلِ التَّحْرِيمِ جَهْلُهُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَبِنَهَارِ رَمَضَانَ) الْأَوْلَى وَبِصَوْمِ رَمَضَانَ، إذْ نَهَارُ رَمَضَانَ قَدْ لَا يَكُونُ صَائِمًا فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَهُ رِعَايَةً لِلْمَتْنِ.
وَعِبَارَةُ م ر وحج: وَلَا بِإِفْسَادِ غَيْرِ رَمَضَانَ مِنْ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ أَفْضَلُ الشُّهُورِ وَمَخْصُوصٌ بِفَضَائِلَ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا غَيْرُهُ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ احْتَرَزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " مِنْ رَمَضَانَ ". (قَوْلُهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) أَيْ وَاجِبٌ وَيُسَنُّ.
قَوْلُهُ: (وَبِالصَّائِمِ إلَخْ) لَوْ قَالَ وَبِالصَّائِمِ مَنْ لَيْسَ صَائِمًا لَكَانَ أَوْلَى وَأَخْصَرَ ق ل، أَيْ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ مَنْ كَانَ مُفْطِرًا أَوَّلَ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ وَطِئَ) أَيْ وَطْئًا مُبَاحًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ) قَالَ شَيْخُنَا م د: هَذِهِ الْغَايَةُ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ اهـ. وَوَجْهُ عَدَمِ اسْتِقَامَتِهَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ التَّرَخُّصَ يَكُونُ آثِمًا بِسَبَبِ عَدَمِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ، مَعَ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ بِالْإِثْمِ فَلَا يَنْتَفِي الْإِثْمُ إلَّا إذَا نَوَى التَّرَخُّصَ، وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مُنْتَفِيَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ هَذِهِ الْغَايَةِ بِأَنْ يَقُولَ: بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهَا لِلرَّدِّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ حَكَاهُ فِي الْمِنْهَاجِ، وَهُوَ أَنَّ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ لِلْمُسَافِرِ لَا بُدَّ مِنْهَا، فَإِذَا لَمْ يَنْوِ التَّرَخُّصَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فَتَأَمَّلْ.
وَيُجَابُ عَنْ كَلَامِهِ بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ الْآثِمُ لِأَجْلِ الصَّوْمِ وَإِذَا لَمْ يَنْوِ التَّرَخُّصَ يَكُونُ إثْمُهُ لِعَدَمِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ لَا لِلصَّوْمِ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْغَايَةُ ظَاهِرَةً وَيَكُونُ كَلَامُ الْمُحَشِّي غَيْرَ ظَاهِرٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ظَنَّ بِاجْتِهَادٍ دُخُولَهُ) أَيْ اللَّيْلِ.
وَتَقْيِيدُهُ بِالِاجْتِهَادِ لِأَجْلِ تَعْلِيلِهِ بِعَدَمِ الْإِثْمِ، وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ بِقَيْدٍ لِأَنَّ مِثْلَهُ

كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ جَامَعَ عَامِدًا بَعْدَ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ.
وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ بِهَذَا الْجِمَاعِ كَمَا لَوْ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ بَقَاءِ اللَّيْلِ فَبَانَ خِلَافُهُ، وَلَا عَلَى مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا لِأَنَّ الْفِطْرَ جَائِزٌ لَهُ وَإِثْمُهُ بِسَبَبِ الزِّنَا لَا بِالصَّوْمِ.
تَنْبِيهٌ: قَيَّدَ فِي الرَّوْضَةِ الْجِمَاعَ بِالتَّامِّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ احْتِرَازًا مِنْ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا تُفْطِرُ بِدُخُولِ شَيْءٍ مِنْ الذَّكَرِ فِي فَرْجِهَا وَلَوْ دُونَ الْحَشَفَةِ، وَزَيَّفُوهُ بِخُرُوجِ ذَلِكَ بِالْجِمَاعِ إذْ الْفَسَادُ فِيهِ بِغَيْرِهِ.
وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ كَفَّارَتَاهُمَا سَوَاءٌ كَفَّرَ عَنْ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الثَّانِي أَمْ لَا كَحَجَّتَيْنِ جَامَعَ فِيهِمَا، فَلَوْ جَامَعَ فِي جَمِيعِ أَيَّامِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِهَا، فَإِنْ تَكَرَّرَ الْجِمَاعُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلَا تَعَدُّدَ، وَإِنْ كَانَ بِأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، وَحُدُوثُ السَّفَرِ وَلَوْ طَوِيلًا بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّ السَّفَرَ الْمُنْشَأَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَا يُبِيحُ الْفِطْرَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيمَا وَجَبَ مِنْ

[حاشية البجيرمي]

مَا لَوْ ظَنَّ دُخُولَهُ بِلَا اجْتِهَادٍ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ وَهِيَ ظَنُّ دُخُولِ اللَّيْلِ.
وَبِهَا يَخْرُجُ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ " وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ جَامَعَ إلَخْ " بِدَلِيلِ مَا عَلَّلَ بِهِ، وَكَذَا يَخْرُجُ بِهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ " كَمَا لَوْ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ بَقَاءِ اللَّيْلِ ". وَيُمْكِنُ إخْرَاجُ هَذِهِ بِقَيْدِ الْآثِمِ، ق ل مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (فَبَانَ جِمَاعُهُ نَهَارًا) أَيْ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ، وَقَوْلُهُ " لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ " أَيْ فِي الصُّوَرِ الْخَمْسِ.
قَوْلُهُ: (مُتَرَخِّصًا) لَيْسَ بِقَيْدٍ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَنْوِ التَّرَخُّصَ فَلَا كَفَّارَةَ فَتَعْبِيرُهُمْ بِالتَّرَخُّصِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر أج.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِ " مُتَرَخِّصًا " لِأَجْلِ قَوْلِهِ " وَإِثْمُهُ بِسَبَبِ الزِّنَا " لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْوِ التَّرَخُّصَ فَإِثْمُهُ بِسَبَبِ الزِّنَا وَالْفِطْرِ بِلَا نِيَّةِ التَّرَخُّصِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: وَلَا عَلَى مُسَافِرٍ وَطِئَ زِنًا أَوْ لَمْ يَنْوِ تَرَخُّصًا، أَيْ أَوْ وَطِئَ وَطْئًا مُبَاحًا لَكِنْ لَمْ يَنْوِ تَرَخُّصًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِهِ لِلصَّوْمِ بَلْ لِلزِّنَا أَوْ لِلصَّوْمِ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ؛ وَلِأَنَّ الْإِفْطَارَ مُبَاحٌ لَهُ فَيَصِيرُ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْكَفَّارَةِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (قَيَّدَ فِي الرَّوْضَةِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْفِطْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " فَإِنَّهَا تُفْطِرُ إلَخْ " فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: لَا حَاجَةَ لِهَذَا، لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ " بِالتَّامِّ " أَيْ لِأَنَّهُ قَالَ مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ آثِمٌ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ.
قَوْلُهُ: (احْتِرَازًا مِنْ الْمَرْأَةِ) أَيْ احْتِرَازًا مِنْ جِمَاعِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ تَامٍّ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُفْطِرُ بِدُخُولِ شَيْءٍ مِنْ الذَّكَرِ فَلَمْ يَأْتِ الْجِمَاعُ التَّامُّ إلَّا وَقَدْ أَفْطَرَتْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " احْتِرَازًا مِنْ الْمَرْأَةِ " الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُفْطِرُ بِدُخُولِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الرَّجُلِ فِي هَذِهِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ لِهَذَا الْقَيْدِ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ هُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَجِبُ عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ كَالرَّجُلِ، فَيُقَيِّدُ الْجِمَاعَ بِالتَّامِّ لِإِخْرَاجِ مَا ذَكَرَ، وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (وَزَيَّفُوهُ) أَيْ هَذَا التَّقْيِيدَ، أَيْ ضَعَّفُوا التَّقْيِيدَ بِأَنْ أَبْطَلُوهُ وَأَظْهَرُوا فَسَادَهُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَ، أَيْ مِنْ قَوْلِهِ " إذْ الْفَسَادُ إلَخْ " أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِطْرُ الْمَرْأَةِ بِالْجِمَاعِ لِأَنَّهَا تُفْطِرُ بِدُخُولِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ وَهُوَ لَا يُسَمَّى جِمَاعًا.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَزَيَّفُوهُ بِخُرُوجِ هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْجِمَاعِ، إذْ الْفَسَادُ فِيهَا بِغَيْرِهِ وَبِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فَسَادُ صَوْمِهَا بِالْجِمَاعِ بِأَنْ يُولِجَ فِيهَا نَائِمَةً أَوْ نَاسِيَةً أَوْ مُكْرَهَةً ثُمَّ تَسْتَيْقِظَ أَوْ تَتَذَكَّرَ وَتَقْدِرَ عَلَى الدَّفْعِ وَتَسْتَدِيمَ، فَفَسَادُهُ فِيهَا بِالْجِمَاعِ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْجِمَاعِ جِمَاعٌ مَعَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا فِي الْخَبَرِ إلَّا الرَّجُلُ الْمُوَاقِعُ.
وَقَوْلُهُ " بِالْجِمَاعِ " أَيْ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَصْدُقُ إلَّا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فَأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (بِخُرُوجِ ذَلِكَ) أَيْ فِطْرِ الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (إذْ الْفَسَادُ فِيهِ) أَيْ فِي صَوْمِ الْمَرْأَةِ؛ وَقَوْلُهُ " بِغَيْرِهِ " أَيْ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ.
قَوْلُهُ: (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ) وَيَأْثَمُ بِكُلِّ مَرَّةٍ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (وَحُدُوثُ السَّفَرِ إلَخْ) نَعَمْ إنْ سَافَرَ لِبَلَدٍ مَطْلَعُهُمْ مُخَالِفٌ فَرَآهُمْ مُفْطِرِينَ لَزِمَهُ الْفِطْرُ مَعَهُمْ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ، وَهَذَا خَارِجٌ بِصَوْمِ يَوْمٍ فِي الضَّابِطِ السَّابِقِ ق ل. وَحَيْثُ سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ ثُمَّ عَادَ لِمَحَلِّهِ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ تَقْرِيرِ ز ي وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ) وَإِنَّمَا يُسْقِطُهَا أَحَدُ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: طُرُوُّ الْمَوْتِ أَثْنَاءَ النَّهَارِ، وَطُرُوُّ الْجُنُونِ وَإِنْ تَعَدَّى بِسَبَبِهِ كَأَنْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ

الْكَفَّارَةِ، وَكَذَا حُدُوثُ الْمَرَضِ لَا يُسْقِطُهَا لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ فَيَتَحَقَّقُ هَتْكُ حُرْمَتِهِ.
(وَهِيَ) أَيْ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ مُرَتَّبَةٌ فَيَجِبُ أَوَّلًا (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الظِّهَارِ.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) هَا (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) صَوْمَهُمَا (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) أَوْ فَقِيرًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ هَلَكْتُ قَالَ: وَمَا أَهْلَكَك؟

[حاشية البجيرمي]

فَجُنَّ بِسَبَبِهِ، وَانْتِقَالُهُ إلَى بَلَدٍ رَآهُمْ فِيهِ مُعِيدِينَ مَطْلَعُهُمْ مُخَالِفٌ لِمَطْلَعِ بَلَدِهِ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْكَفَّارَةُ ع ش. وَقَالَ س ل: لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ إذَا تَعَدَّى بِالْجُنُونِ، وَكَذَا لَوْ جَامَعَ فِي بَلَدِهِ يَوْمًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُهُ كَيَوْمِ عِيدٍ وَانْتَقَلَ إلَى بَلَدٍ يُخَالِفُ بَلَدَهُ فِي الْمَطْلَعِ فَرَآهُمْ صِيَامًا فَلَا كَفَّارَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا حُدُوثُ الْمَرَضِ) وَمِثْلُهُ الْإِغْمَاءُ وَالرِّدَّةُ وَإِنْ مَاتَ عَقِبَهُمَا.
قَوْلُهُ: (عِتْقُ رَقَبَةٍ) مِنْ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ.
وَلَمَّا كَانَ الْمِلْكُ كَالْغُلِّ فِي الرَّقَبَةِ وَالْعِتْقُ يُزِيلُهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذَا الْعُضْوِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْغُلِّ.
قَوْلُهُ: (مَرْتَبَةٌ) وَالْحِكْمَةُ فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ أَنَّ مَنْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَيَفْدِي نَفْسَهُ.
وَقَدْ صَحَّ: " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ " وَأَمَّا الصِّيَامُ فَإِنَّهُ كَالْمُقَاصَّةِ بِجِنْسِ الْجِنَايَةِ؛ وَكَوْنُهُ شَهْرَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ بِمُصَابَرَةِ النَّفْسِ فِي حِفْظِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى الْوَلَاءِ، فَلَمَّا أَفْسَدَ مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كَمَنْ أَفْسَدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كَعِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ بِالنَّوْعِ وَكُلِّفَ شَهْرَيْنِ مُضَاعَفَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ لِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّ مُقَابِلَ كُلِّ يَوْمٍ إطْعَامُ مِسْكِينَيْنِ مُدَّيْنِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ.
اهـ. قَسْطَلَّانِيٌّ عَلَى الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا) أَيْ حِسًّا بِأَنْ لَمْ يَجِدْهَا أَصْلًا، أَوْ شَرْعًا بِأَنْ لَمْ يَجِدْ ثَمَنَهَا أَوْ وَجَدَهَا تُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا.
قَوْلُهُ: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فَإِنْ تَكَلَّفَ الْعِتْقَ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ صَوْمِهِمَا أَنَّ لَهُ مَالًا وَرِثَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَعْتَدَّ بِصَوْمِهِ أَيْ عَنْ الْكَفَّارَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَقَعُ لَهُ نَفْلًا فِيمَا يَظْهَرُ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَسُئِلَ الزِّيَادِيُّ عَنْ حِكْمَةِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَوِقَاعِ رَمَضَانَ إذَا عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ، وَعَنْ حِكْمَةِ عَدَمِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إذَا عَجَزَ عَنْ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَتْلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَمَّا كَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَكَذَلِكَ الظِّهَارُ وَالْوِقَاعُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ أَيْضًا غَلَّظَ عَلَيْهِ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ أَكْثَرَ وُقُوعًا مِنْ الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ خَفَّفَ فِيهِ مَا لَمْ يُخَفِّفْ فِي غَيْرِهِ اهـ قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) . فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَنْ دَفْعِ الْكَفَّارَةِ لِلْجِنِّ: هَلْ يُجْزِئُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ إجْزَاءِ دَفْعِهَا لَهُمْ، بَلْ قَدْ يُقَالُ أَيْضًا مِثْلُ الْكَفَّارَةِ النَّذْرُ وَالزَّكَاةُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي الزَّكَاةِ صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» إذْ الظَّاهِرُ مِنْهُ فُقَرَاءُ بَنِي آدَمَ وَإِنْ احْتَمَلَ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ الصَّادِقِي بِالْجِنِّ.
وَقَدْ يُؤَيِّدُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ أَنَّهُ جُعِلَ لِمُؤْمِنِهِمْ طَعَامٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْعَظْمُ وَلَمْ يُجْعَلْ لَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْآدَمِيُّونَ؛ عَلَى أَنَّا لَا نُمَيِّزُ بَيْنَ فُقَرَائِهِمْ وَأَغْنِيَائِهِمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُسْتَحِقَّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا نَظَرَ لِإِمْكَانِ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ لِلْخَوَاصِّ النَّادِرَةِ لِأَنَّا لَا نُعَوِّلُ عَلَى الْأُمُورِ النَّادِرَةِ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قُلْت لِأَبِي هُرَيْرَةَ: لِمَ كُنِّيت بِأَبِي هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: كُنْت أَرْعَى غَنَمَ أَهْلِي، وَكَانَتْ لِي هِرَّةٌ صَغِيرَةٌ فَكُنْت أَجْعَلُهَا بِاللَّيْلِ فِي شَجَرَةٍ وَإِذَا كَانَ بِالنَّهَارِ ذَهَبْت بِهَا مَعِي، فَكُنِّيت بِهَا فَكَنَّوْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ.
وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنْت أَحْمِلُ يَوْمًا هِرَّةً فِي كُمِّي، فَرَآنِي قَالَ: وَاقَعْت امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ.
قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ لَا؟ قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ لَا.
ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا فَقَالَ: عَلَى أَفْقَرَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَيْ جَبَلَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا.
فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» وَالْعَرَقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ مِكْتَلٌ يُنْسَجُ مِنْ خُوصِ النَّخْلِ،

[حاشية البجيرمي]

النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ قُلْت: هِرَّةٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» وَكَانَ يُكَنَّى قَبْلَهَا أَبَا الْأَسْوَدِ " وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ» ذَكَرَهُ الشَّبْرَخِيتِيُّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (رَجُلٌ) اسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ، وَقِيلَ: سَلْمَانُ.
وَإِبْهَامُهُ لَا يَضُرُّ فِي الْحَدِيثِ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ، رَحْمَانِيٌّ.
وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي اسْمِ الْأَعْرَابِيِّ، قِيلَ: هُوَ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ، وَفِي التَّمْهِيدِ أَنَّ الْمُجَامِعَ فِي رَمَضَانَ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ، وَأَظُنُّهُ وَهْمًا مِنْ الرُّوَاةِ؛ أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الْمُظَاهِرُ وَأَمَّا الْمُجَامِعُ فَأَعْرَابِيٌّ، فَهُمَا وَاقِعَتَانِ، فَإِنَّ قِصَّةَ الْمُجَامِعِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا، وَفِي قِصَّةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلًا، فَافْتَرَقَا، وَاجْتِمَاعُهُمَا كَوْنُهُمَا مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ هَلَكْت) يُفِيدُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْحُرْمَةِ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَجَوَابُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ لَهُ لِأَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُفْطِرُ وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ تَأَمَّلْ ق ل. قَوْلُهُ: (مَا تُعْتِقُ) بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ أَعْتَقَ.
قَوْلُهُ: (رَقَبَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ " مَا " الْمَوْصُوفَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الرَّقَبَةِ، وَهِيَ مَفْعُولُ " تَجِدُ " كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ، وَمَفْعُولُ " تُعْتِقُ " مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُعْتِقُهَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُهَا مَفْعُولَ تُعْتِقُ وَعَائِدُ " مَا " مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: هَلْ تَجِدُ شَيْئًا أَوْ مَالًا تُعْتِقُ بِهِ؟ وَهَذَا أَرْجَحُ لِيُوَافِقَ قَوْلَهُ بَعْدَهُ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» فَإِنَّ " سِتِّينَ " مَفْعُولُ " تُطْعِمُ " قَطْعًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ " مَا ". اهـ. سُيُوطِيٌّ.
وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ " مَا تُعْتِقُ " مَوْصُولٌ حَرْفِيٌّ وَتَجِدُ بِمَعْنَى تَسْتَطِيعُ، أَيْ هَلْ تَسْتَطِيعُ إعْتَاقَ إلَخْ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ» لِأَنَّ جَعْلَهَا مَوْصُولًا اسْمِيًّا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ الْعَائِدِ الْمَجْرُورِ بِدُونِ شَرْطِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا تَحِلُّ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَالْفَرْضِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ تَصَدَّقْ) أَيْ كَفِّرْ بِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) " مَا " نَافِيَةٌ حِجَازِيَّةٌ، وَ " أَهْلُ " بِالرَّفْعِ اسْمُهَا، وَ " أَحْوَجَ " بِالنَّصْبِ خَبَرُهَا، " وَبَيْنَ " ظَرْفٌ لِ " أَحْوَجَ " اهـ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَسَبْقُ حَرْفِ جَرٍّ أَوْ ظَرْفٍ كَمَا ... بِي أَنْتَ مَعْنِيًّا أَجَازَ الْعُلَمَا وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ " مَا " نَافِيَةً مُهْمَلَةً، " وَبَيْنَ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، " وَأَهْلُ " بَيْتٍ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَ " أَحْوَجُ " بِالرَّفْعِ صِفَةُ " أَهْلٍ " أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِيَّةِ، " وَلَابَتَيْهَا " تَثْنِيَةُ لَابَةٍ، وَضَمِيرُهَا لِلْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَهُمَا الْحَرَّتَانِ مِنْ جَانِبَيْهَا الْمَحْدُودُ بِهِمَا حَرَمُهَا الشَّرِيفُ.
وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ " لَابَتَيْهَا " جَبَلَاهَا رَدَّهُ ق ل. وَالْحَرَّةُ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ.
قَوْلُهُ: (أَحْوَجَ) فِيهِ بِنَاءُ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ مِنْ فِعْلٍ غَيْرِ ثُلَاثِيٍّ وَهُوَ احْتَاجَ.
قَوْلُهُ: (فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ تَعَجُّبًا مِنْ حَالِ السَّائِلِ فِي كَوْنِهِ جَاءَ هَالِكًا مُتَلَهِّفًا ثُمَّ انْتَقَلَ لِطَلَبِ الطَّعَامِ لِنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، أَوْ تَعَجُّبًا مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِطْعَامِهِ الطَّعَامَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
فَالتَّعَجُّبُ إمَّا مِنْ حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ حَالِ السَّائِلِ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ.
وَالضَّحِكُ غَيْرُ التَّبَسُّمِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ ضَحِكُهُ التَّبَسُّمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ مِنْ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمَ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: 19] فَحَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ وَهْمٌ.
وَعِبَارَةُ ح ل فِي السِّيرَةِ: جُلُّ أَيْ مُعْظَمُ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ.
وَكَوْنُ مُعْظَمِ ضَحِكِهِ

وَكَانَ فِيهِ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَقِيلَ عِشْرُونَ.
وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ وَجَدَ الرَّقَبَةَ نُدِبَ عِتْقُهَا، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْإِطْعَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ نُدِبَ لَهُ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ اسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِأَنْ يُكَفِّرَ بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ مَعَ إخْبَارِهِ بِعَجْزِهِ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي الذِّمَّةِ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةَ إذَا عَجَزَ عَنْهَا الْعَبْدُ وَقْتَ وُجُوبِهَا فَإِنْ كَانَتْ لَا بِسَبَبٍ مِنْهُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ لَمْ تَسْتَقِرَّ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبٍ مِنْهُ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ كَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْحَلْقِ أَمْ لَا، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَالْجِمَاعِ وَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ اسْتَقَرَّتْ لَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَوَاقِعَ بِإِخْرَاجِهَا بَعْدُ.
أُجِيبُ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ وَهُوَ وَقْتُ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ مِنْهَا فَعَلَهَا كَمَا لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَيْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَكْثَرَ رَتَّبَ وَلَهُ الْعُدُولُ عَنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ وَهِيَ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَلَامٍ سَاكِنَةٍ: شِدَّةُ الْحَاجَةِ لِلنِّكَاحِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إلَى عِيَالِهِ كَالزَّكَوَاتِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَبَرِ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» فَفِي الْأُمِّ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِفَقْرِهِ صَرَفَهُ لَهُ صَدَقَةً وَفِي ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ أُخَرُ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ.

(وَمَنْ مَاتَ) مُسْلِمًا كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الْقُوتِ

[حاشية البجيرمي]

ذَلِكَ ضَحِكُهُ لَا يُنَافِي أَنَّهُ ضَحِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَرَى أَيْ غَلَبَ بِهِ الضَّحِكُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ.
وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَائِمَ الْبِشْرِ ضَحُوكَ السِّنِّ، أَيْ أَكْثَرُ أَحْوَالِهِ ذَلِكَ حَسْبَمَا رَآهُ هَذَا الْمُخْبِرُ؛ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ، فَإِنَّهُ بِحَسَبِ مَا كَانَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ.
وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ: قَدْ صَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْحُزْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا وَنَهَاهُ عَنْ الْحُزْنِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَغَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ الْحُزْنُ؟ بَلْ كَانَ دَائِمَ الْبِشْرِ ضَحُوكَ السِّنِّ كَذَا قَالَ وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ لَيْسَ الْمُرَادُ الْحُزْنَ الَّذِي هُوَ الْأَلَمُ عَلَى فَوَاتِ مَطْلُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الِاهْتِمَامُ وَالتَّيَقُّظُ لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ الْأُمُورِ وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْعَيْنِ اهـ. وَفِي الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ: تَنْبِيهٌ: كَانَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَضْحَكُ إلَّا تَبَسُّمًا، قَالَ فِي الْكَشَّافِ: وَكَذَلِكَ ضَحِكُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: (حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) عِبَارَةُ حَجّ فِي شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ: حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، بِالْجِيمِ وَالذَّالِ: الْأَضْرَاسُ، وَهِيَ لَا تَكَادُ تَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ الْمُبَالَغَةِ فِي الضَّحِكِ.
وَهَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ تَبَسُّمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ قَالَ الْبُوصِيرِيُّ: سَيِّدٌ ضَحِكُهُ التَّبَسُّمُ وَالْمَشْيُ ... الْهُوَيْنَا وَنَوْمُهُ الْإِغْفَاءُ وَعِبَارَةُ مُرَاقِيٍّ الْفَلَّاحِ لِبَعْضِ السَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْقَهْقَهَةَ هِيَ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ هُوَ مَا سَمِعَهُ هُوَ دُونَ جِيرَانِهِ، وَالتَّبَسُّمُ مَا لَا صَوْتَ فِيهِ وَلَوْ بَدَتْ بِهِ الْأَسْنَانُ قَوْلُهُ: (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) أَيْ وَاسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ فِيهِ قَدْرُ إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ قَدْرُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً.
قَوْلُهُ: (نُدِبَ عِتْقُهَا) وَيَنْقَلِبُ صَوْمُهُ نَفْلًا وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ التَّيَمُّمِ بِلَا مَانِعٍ؟ قُلْت: كُلُّ خَصْلَةٍ هُنَا أَصْلٌ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْكُلِّ رَتَّبَ.
قَوْلُهُ: (اسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ مُرَتَّبَةً عَلَى الرَّاجِحِ.
قَوْلُهُ: (فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي الذِّمَّةِ) أَيْ لَوْ لَمْ يُكَفِّرْ بِمَا دَفَعَهُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلُهُ " فِي الذِّمَّةِ " أَيْ عِنْدَ الْعَجْزِ.
قَوْلُهُ: (الْمَالِيَّةَ) أَمَّا الْبَدَنِيَّةُ كَالصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) هَذَا يُخَالِفُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ دَفَعَهُ لَهُ لِيُكَفِّرَ بِهِ، نَعَمْ يُنَاسِبُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ صَرَفَهُ لَهُ صَدَقَةً لَا لِيُكَفِّرَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ) أَيْ بَعْدَ قُدْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ) أَيْ مَضْمُومَةٍ.
قَوْلُهُ: (صَرَفَهُ لَهُ صَدَقَةً) أَيْ صَدَقَةً عَلَى عِيَالِهِ، أَيْ وَاسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَجْوِبَةٌ) أَوْلَاهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَّرَ عَنْهُ بِالْعَرَقِ وَدَفَعَهُ لَهُ لِيُطْعِمَهُ لِأَهْلِهِ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَقَدْ عَلِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَكَانَ ذَلِكَ إعْلَامًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْكُلَ هُوَ وَعِيَالُهُ مِنْ كَفَّارَتِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ مَالِهِ بِأَنْ كَفَّرَ غَيْرُهُ عَنْهُ وَلَوْ بِإِذْنِهِ ق ل. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ شُرِعَتْ الْكَفَّارَةُ فِي الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ؟

وَعَلَيْهِ صِيَامٌ) مِنْ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٌ أَوْ كَفَّارَةٌ قَبْلَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ بِأَنْ اسْتَمَرَّ مَرَضُهُ أَوْ سَفَرُهُ الْمُبَاحُ إلَى مَوْتِهِ فَلَا تَدَارُكَ لِلْفَائِتِ بِالْفِدْيَةِ وَلَا بِالْقَضَاءِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَلَا إثْمَ بِهِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ إلَى الْمَوْتِ فَسَقَطَ حُكْمُهُ كَالْحَجِّ هَذَا إذَا كَانَ الْفَوَاتُ بِعُذْرٍ كَمَرَضٍ، وَسَوَاءٌ اسْتَمَرَّ إلَى الْمَوْتِ أَمْ حَصَلَ الْمَوْتُ فِي رَمَضَانَ وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، أَمَّا غَيْرُ الْمَعْذُورِ وَهُوَ الْمُتَعَدِّي بِالْفِطْرِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ وَيَتَدَارَكُ عَنْهُ بِالْفِدْيَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّذْرِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَقْضِ (أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) مِنْ تَرِكَتِهِ (لِكُلِّ يَوْمٍ) فَاتَهُ صَوْمُهُ (مُدَّ طَعَامٍ) وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالرِّطْلِ الْبَغْدَادِيِّ كَمَا مَرَّ وَبِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ نِصْفُ قَدَحٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ لِخَبَرِ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَكَانَ كُلِّ

[حاشية البجيرمي]

فَالْجَوَابُ إنَّمَا شُرِعَتْ لِكَوْنِ الْمُجَامِعِ خَالَفَ أَمَرَ رَبِّهِ وَقَدَّمَ شَهْوَتَهُ عَلَى رِضَا رَبِّهِ عَلَيْهِ وَتَعَرَّضَ بِذَلِكَ لِنُزُولِ الْبَلَاءِ عَلَيْهِ فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ مَانِعَةً مِنْ وُصُولِ الْعُقُوبَةِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ مِنْ ظِهَارٍ وَقَتْلٍ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْجِنَايَاتِ عَلَى الدِّينِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّائِمَ قَدْ تَخَلَّقَ بِاسْمِ صِفَةِ الْحَقِّ تَعَالَى مِنْ عَدَمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَا يَلِيقُ بِهِ النِّكَاحُ الَّذِي تَنَزَّهَ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا عَنْهُ، اهـ ذَكَرَهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ مَاتَ) أَيْ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ رَقِيقٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الْمَتْنِ " مِنْ تَرِكَتِهِ " لَا يُنَاسِبُ إلَّا الْحُرَّ.
وَالتَّعْمِيمُ يُسْتَفَادُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِ " عَلَى " فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَعَلَيْهِ صِيَامٌ ". قَوْلُهُ: (مُسْلِمًا) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْقَدِيمَ وَالْجَدِيدَ الْآتِيَيْنِ يَجْرِيَانِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيَجْرِي فِيهِ الْقَوْلُ الْجَدِيدُ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَإِذَا نَظَرَ لِلْمَتْنِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا يَحْتَاجُ لِهَذَا الْقَيْدِ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ مُرْتَدًّا يُطْعَمُ عَنْهُ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْقُوتِ) هُوَ شَرْحٌ عَلَى الْمِنْهَاجِ لِلْأَذْرَعِيِّ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ اسْتَمَرَّ مَرَضُهُ) أَيْ الْمَرْجُوُّ بُرْؤُهُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا إذْ ذَاكَ فِي مَرِيضٍ غَيْرِ مَرْجُوٍّ بُرْؤُهُ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْفِدْيَةِ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا الْمَرِيضُ الْمَذْكُورُ هُنَا فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ ابْتِدَاءً؛ وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ لِعَجْزِهِ فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَلَا تَدَارُكَ عَنْهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَفُوتَ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ لَا؛ وَالتَّدَارُكُ فِي ثَلَاثَةٍ إذَا فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ مُطْلَقًا، وَكَذَا بِعُذْرٍ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْقَضَاءِ وَلَمْ يَقْضِ؛ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ يَحْتَمِلُهَا كَلَامُ الْمَتْنِ.
وَالرَّابِعَةُ: إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قَضَائِهِ فَلَا تَدَارُكَ عَنْهُ، وَالشَّارِحُ جَعَلَ كَلَامَ الْمَتْنِ مَفْرُوضًا فِيمَا إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ وَتَمَكَّنَ وَجَعَلَ حُكْمَ مَا إذَا فَاتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ مُسْتَفَادًا مِنْ خَارِجٍ، فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ اسْتَمَرَّ) أَيْ الْمَرَضُ أَوْ السَّفَرُ.
قَوْلُهُ: (أَمْ حَصَلَ الْمَوْتُ) بِأَنْ شُفِيَ فِي أَثْنَاءِ رَمَضَانَ فَصَامَ الْبَاقِيَ مِنْهُ ثُمَّ مَاتَ عَقِبَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ) الْمَطْوِيِّ تَحْتَ الْغَايَةِ مَا لَوْ حَصَلَ الْمَوْتُ قَبْلَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَصَرِيحُ الْغَايَةِ مَا إذَا حَصَلَ زَوَالُ الْعُذْرِ ثُمَّ حَصَلَ الْمَوْتُ بَعْدَهُ فِي رَمَضَانَ، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِهَذِهِ الْغَايَةِ لِأَنَّ مَا أَفَادَتْهُ هُوَ عَيْنُ الصُّورَتَيْنِ قَبْلَهَا فِي التَّعْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَدَارَكُ عَنْهُ) سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْقَضَاءُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (بِالْفِدْيَةِ) أَيْ أَوْ بِالصَّوْمِ كَمَا يَأْتِي ق ل. قَوْلُهُ: (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْقَضَاءِ إلَخْ) هَذَا تَقْيِيدٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ، وَهُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ " قَبْلَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ " قَالَ ق ل: لَوْ قَالَ وَمَنْ وَجَبَ التَّدَارُكُ عَنْهُ أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ إلَخْ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا اهـ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لَا يَشْمَلُ غَيْرَ الْمَعْذُورِ، أَيْ مَنْ فَاتَهُ بِلَا عُذْرٍ وَمَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (أَطْعَمَ إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ أُطْعِمَ عَنْهُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، فَيَشْمَلُ غَيْرَ الْوَلِيِّ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ قَضَاءِ دَيْنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَوْلُهُ " وَلِيُّهُ لَيْسَ قَيْدًا " بَلْ مِثْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ تِرْكَتِهِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ لَمْ يَلْزَمْ الْوَلِيَّ إطْعَامٌ وَلَا صَوْمٌ، بَلْ يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي م ر. وَعِبَارَةُ ق ل: صَرِيحُ هَذَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحُرِّ، وَهُوَ غَيْرُ قَيْدٍ كَمَا مَرَّ أَيْ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يُنْدَبُ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ؛ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِالتَّرِكَةِ لِأَجْلِ لُزُومِ الْإِطْعَامِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيُطْعِمْ عَنْهُ إلَخْ) فِيهِ إقَامَةُ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ مَعَ وُجُودِ الْمَفْعُولِ بِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ.
قَوْلُهُ: (وَفِي

يَوْمٍ مِسْكِينًا» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ.
وَفِي الْقَدِيمِ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ بَلْ يُنْدَبُ لَهُ، وَيَجُوزُ لَهُ الْإِطْعَامُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّدَارُكِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَالْقَدِيمُ هُنَا هُوَ الْأَظْهَرُ الْمُفْتَى بِهِ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حُجَّةٌ مِنْ السُّنَّةِ، وَالْخَبَرُ الْوَارِدُ بِالْإِطْعَامِ ضَعِيفٌ، وَمَعَ ضَعْفِهِ فَالْإِطْعَامُ لَا يَمْتَنِعُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالصَّوْمِ، وَعَلَى الْقَدِيمِ الْوَلِيُّ الَّذِي يَصُومُ عَنْهُ كُلُّ قَرِيبٍ لِلْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا وَلَا وَارِثًا وَلَا وَلِيَّ مَالٍ عَلَى الْمُخْتَارِ لِمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِامْرَأَةٍ قَالَتْ لَهُ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْ أُمِّك» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَذَا يُبْطِلُ احْتِمَالَ وِلَايَةِ الْمَالِ وَالْعُصُوبَةِ وَقَدْ قِيلَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ اتَّفَقَتْ الْوَرَثَةُ عَلَى أَنْ يَصُومَ وَاحِدٌ جَازَ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فَفِي فَوَائِدِ الْمُهَذَّبِ لِلْفَارِقِيِّ أَنَّهُ يُقَسَّمُ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ.
وَعَلَى الْقَدِيمِ لَوْ صَامَ عَنْهُ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِهِ بِأَنْ أَوْصَى بِهِ أَوْ بِإِذْنِ قَرِيبِهِ صَحَّ قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ لَوْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ بِالْإِذْنِ يَوْمًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ.
قَالَ وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي اعْتَقَدَهُ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمُسْلِمِ فِيمَا مَرَّ مَا لَوْ ارْتَدَّ وَمَاتَ لَمْ يَصُمْ عَنْهُ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ فِي الْقُوتِ.
وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ اعْتِكَافٌ لَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ عَنْهُ وَلَا

[حاشية البجيرمي]

الْقَدِيمِ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ) مُعْتَمَدٌ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُعَوَّلُ عَلَى الْقَدِيمِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا بُدَّ مِنْ التَّدَارُكِ) أَيْ إذَا خَلَفَ تَرِكَةً، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حُجَّةٌ) أَيْ فِي تَعْيِينِ الْإِطْعَامِ، أَيْ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ، فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِطْعَامِ) أَيْ بِتَعَيُّنِهِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ قَرِيبٍ) أَيْ بَالِغٍ وَلَوْ رَقِيقًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا وَلِيَّ مَالٍ) كَالْأَبِ وَالْجَدِّ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا يُبْطِلُ احْتِمَالَ) لِأَنَّ الْبِنْتَ لَيْسَتْ عَاصِبَةً وَلَا وَلِيَّةَ مَالٍ لَكِنَّهَا وَارِثَةٌ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْإِرْثِ حَدِيثٌ آخَرُ، فَفِي شَرْحِ م ر: وَمِمَّا يُبْطِلُ اشْتِرَاطَ الْإِرْثِ خَبَرُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد: «أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتْ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ قَرِيبَةٌ لَهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا: صُومِي عَنْهَا» فَعَدَمُ اسْتِفْصَالِهِ عَنْ إرْثِهَا وَعَدَمِهِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ اهـ م ر ع ش. قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَنَازَعُوا) بِأَنْ قَالَ كُلٌّ: لَا أَصُومُ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ: أَنَا أَصُومُ، صَامَ الْجَمِيعُ وَلَا يَقْسِمُ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ.
وَقَوْلُهُ " بِأَنْ قَالَ كُلٌّ: لَا أَصُومُ " فِي كَوْنِ هَذَا تَنَازُعًا مُسَامَحَةٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ تَنَازُعٌ فِي عَدَمِ الصَّوْمِ، فَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: نُطْعِمُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَصُومُ؛ قُدِّمَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ وَالْجَدِيدُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ) أَيْ حِصَصِهِمْ مِنْ الْإِرْثِ وَيُكْمِلُ الْمُنْكَسِرَ، فَإِذَا مَاتَ وَخَلَفَ ابْنًا وَبِنْتًا وَعَلَيْهِ رَمَضَانُ صَامَ الِابْنُ عِشْرِينَ وَالْبِنْتُ عَشَرَةً، وَإِذَا خَلَفَ عَشَرَةَ أَوْلَادٍ وَعَلَيْهِ صَوْمُ يَوْمٍ صَامَ كُلُّ وَلَدٍ يَوْمًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَخُصُّهُ عُشْرُةُ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسًا عَلَى الْحَجِّ) أَيْ النَّفْلِ، أَمَّا الْحَجُّ الْفَرْضُ فَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى إذْنٍ كَوَفَاءِ الدَّيْنِ م د. قَالَ سم.
وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّوْمِ أَنَّ الْحَجَّ أَوْسَعُ بَابًا مِنْ الصَّوْمِ، وَلِهَذَا صَحَّ مَعَ الْمَعْضُوبِ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَحَّضْ عِبَادَةً بَدَنِيَّةً، وَقَالَ الْمَرْحُومِيُّ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْحَجَّ أَشْبَهَ الدُّيُونَ فَأُعْطِيَ حُكْمَهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، أَيْ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ مَذْهَبٌ لَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِالْإِذْنِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ إلَّا فِي الْأَجْنَبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ) أَيْ فِي الصَّوْمِ الَّذِي فَاتَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ، وَإِلَّا فَمَالُهُ فَيْءٌ، فَلَا صَوْمَ عَنْهُ وَلَا إطْعَامَ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ إلَخْ) عِبَارَةُ التَّنْوِيرِ وَشَرْحِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَائِتَةٌ وَأَوْصَى بِالْكَفَّارَةِ يُعْطَى لِكُلِّ صَلَاةٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ كَالْفِطْرَةِ، وَكَذَا حُكْمُ الْوِتْرِ وَالصَّوْمِ، وَيُعْطَى مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ وَلَوْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا اسْتَقْرَضَ مِنْ وَارِثِهِ نِصْفَ صَاعٍ مَثَلًا وَيَدْفَعُهُ لِفَقِيرٍ ثُمَّ يَدْفَعُهُ الْفَقِيرُ لِلْوَارِثِ ثُمَّ وَثُمَّ حَتَّى يُتِمَّ مَا عَلَيْهِ، وَلَوْ قَضَاهَا وَرَثَتُهُ بِأَمْرِهِ لَمْ يَجُزْ بِخِلَافِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، وَلَوْ أَدَّى لِلْفَقِيرِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ

فِدْيَةَ لَهُ لِعَدَمِ وُرُودِهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ فَإِنَّهَا تَجُوزُ تَبَعًا لِلْحَجِّ وَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا فَإِنَّ الْبَغَوِيَّ قَالَ فِي التَّهْذِيبِ إنْ قُلْنَا: لَا يُفْرَدُ الصَّوْمُ عَنْ الِاعْتِكَافِ أَيْ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقُلْنَا بِصَوْمِ الْوَلِيِّ فَهَذَا يَعْتَكِفُ عَنْهُ صَائِمًا، وَإِنْ كَانَتْ النِّيَابَةُ لَا تُجْزِئُ فِي الِاعْتِكَافِ.

(وَالشَّيْخُ) وَهُوَ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ وَالْعَجُوزُ وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ (إنْ عَجَزَ) كُلٌّ مِنْهُمْ (عَنْ الصَّوْمِ) بِأَنْ كَانَ يَلْحَقُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ (يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ) إنْ كَانَ حُرًّا (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فَإِنَّ كَلِمَةَ لَا مُقَدَّرَةٌ أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ يُطِيقُونَهُ حَالَ الشَّبَابِ ثُمَّ يَعْجِزُونَ عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَفَائِدَتُهُ اسْتِقْرَارُهَا فِي ذِمَّةِ الْفَقِيرِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَقَوْلُ الْمَجْمُوعِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ هُنَا عَكْسَهُ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ حَالَةَ التَّكْلِيفِ بِالْفِدْيَةِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّ إذَا عَجَزَ عَنْهُ الْعَبْدُ وَقْتَ الْوُجُوبِ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَلْ الْفِدْيَةُ فِي حَقِّ مَنْ ذَكَرَ بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ أَوْ وَاجِبَةٌ ابْتِدَاءً؟ وَجْهَانِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَصَحُّهُمَا فِي الْمَجْمُوعِ الثَّانِي، وَخَرَجَ بِالْحُرِّ الرَّقِيقُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إذَا أَفْطَرَ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَمَاتَ رَقِيقًا.
.

[حاشية البجيرمي]

أَعْطَاهُ الْكُلَّ جَازَ، وَلَوْ فَدَى عَنْ صَلَاتِهِ فِي مَرَضِهِ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ الصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ عَنْهُ) وَفِي كُلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ قَوْلٌ كَالصَّوْمِ، وَفِي الصَّلَاةِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يُطْعَمُ عَنْهُ بِكُلِّ صَلَاةٍ مُدٌّ؛ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَهَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ.
اهـ. ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ.
وَقِيلَ: إنَّ السُّبْكِيَّ صَلَّى عَنْ قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا لَوْ نَذَرَ) أَيْ وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ نَذَرَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا) أَيْ أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا.
قَوْلُهُ: (إنْ قُلْنَا لَا يُفْرِدُ الصَّوْمَ) أَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَصَحُّ) مُعْتَمَدٌ، وَيَكْفِيهِ عَنْ الِاعْتِكَافِ لَحْظَةٌ مَا لَمْ يَكُنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ جَمِيعَ الْيَوْمِ.

قَوْلُهُ: (وَالْعَجُوزُ) وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمُسِنَّةُ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: وَلَا يُؤَنَّثُ بِالْهَاءِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: سُمِعَ تَأْنِيثُهُ؛ مُنَاوِيٌّ عَلَى الشَّمَائِلِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) وَمِثْلُهُ مَنْ يَأْكُلُ الْأَفْيُونَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَهَذَا مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي يَجِبُ كَتْمُهُ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ) أَيْ تُبِيحُ التَّيَمُّمَ م ر. قَوْلُهُ: (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا) فَالْمَعْذُورُ مُخَاطَبٌ بِالْمُدِّ ابْتِدَاءً، فَلَوْ تَكَلَّفَ وَصَامَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْمُدُّ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ مُخَاطَبًا بِالْمُدِّ ابْتِدَاءً كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ الصَّوْمُ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالْمُدِّ ابْتِدَاءً حَيْثُ لَمْ يُرِدْ الصَّوْمَ، وَلَوْ أَخْرَجَ الْمُدَّ ثُمَّ قَدَرَ بَعْدَ الْفِطْرِ عَلَى الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْضُوبِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْذُورَ هُنَا مُخَاطَبٌ بِالْمُدِّ ابْتِدَاءً فَأَجْزَأَ عَنْهُ، وَالْمَعْضُوبَ مُخَاطَبٌ بِالْحَجِّ؛ وَإِنَّمَا جَازَتْ لَهُ الْإِنَابَةُ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ بَانَ عَدَمُهَا ح ل. وَقَالَ ق ل: وَفَارَقَ مَا لَوْ بَرِئَ الْمَعْضُوبُ بَعْدَ الْحَجِّ عَنْهُ حَيْثُ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ وُقُوعِ الْحَجِّ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَجَّ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ كَلِمَةَ " لَا " مُقَدَّرَةٌ) فَإِنْ قُلْت: أَيُّ قَرِينَةٍ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ؟ قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قَرِينَةٌ دَلَّتْ حَالَةَ النُّزُولِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ) التَّنْبِيهُ لُغَةً الْإِيقَاظُ يُقَالُ نَبَّهْتُهُ تَنْبِيهًا أَيْ أَيْقَظْته إيقَاظًا وَاصْطِلَاحًا عُنْوَانُ الْبَحْثِ السَّابِقِ إجْمَالًا.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَفَائِدَتُهُ) أَيْ الْوُجُوبِ عَلَى الْفَقِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ " مَرْدُودٌ " خَبَرٌ.
قَوْلُهُ: (عَكْسَهُ) أَيْ عَكْسَ الِاسْتِقْرَارِ، وَعَكْسُهُ عَدَمُ الِاسْتِقْرَارِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ الْمَالِيَّ) أَيْ الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ كَمَا هُنَا، فَإِنَّهُ تَسَبَّبَ بِالْفِطْرِ.
قَوْلُهُ: (ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ إذَا كَانَتْ بِسَبَبٍ مِنْهُ، وَالسَّبَبُ مِنْهُ هُنَا الْفِطْرُ وَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا إلَيْهِ اهـ م د. قَوْلُهُ: (الثَّانِي) وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا شُفِيَ يَقْضِي عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا يَقْضِي عَلَى الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَ الشِّفَاءُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْفِدْيَةِ أَوْ قَبْلَهُ لِسُقُوطِ الصَّوْمِ عَنْهُ وَعَدَمِ مُخَاطَبَتِهِ بِهِ شَرْحُ م ر مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ الْفِدَاءُ عَنْهُ

(وَالْحَامِلُ) وَلَوْ مِنْ زِنًا (وَالْمُرْضِعُ) وَلَوْ مُسْتَأْجَرَةً أَوْ مُتَبَرِّعَةً (إذَا خَافَتَا) مِنْ حُصُولِ ضَرَرٍ بِالصَّوْمِ كَالضَّرَرِ الْحَاصِلِ لِلْمَرِيضِ (عَلَى أَنْفُسِهِمَا) وَلَوْ مَعَ الْوَلَدِ (أَفْطَرَتَا) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْإِفْطَارُ (وَ) وَجَبَ (عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ) بِلَا فِدْيَةٍ كَالْمَرِيضِ فَإِنْ قِيلَ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مَعَ وَلَدَيْهِمَا فَهُوَ فِطْرٌ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ فَكَانَ يَنْبَغِي الْفِدْيَةُ قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْآيَةَ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 185] إلَى آخِرِهَا وَرَدَتْ فِي عَدَمِ الْفِدْيَةِ فِيمَا إذَا أَفْطَرَتَا

[حاشية البجيرمي]

وَلِقَرِيبِهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ أَوْ يُطْعِمَ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ الصَّوْمُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ كَمَا مَرَّ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ) أَيْ غَيْرُ الْمُتَحَيِّرَةِ، أَمَّا هِيَ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا فِدْيَةٌ لِلشَّكِّ، أَيْ إنْ أَفْطَرَتْ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلَّ، فَإِنْ أَفْطَرَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ لِمَا زَادَ؛ لِأَنَّهَا أَيْ السِّتَّةَ عَشَرَ أَكْثَرُ مَا يَحْتَمِلُ فَسَادَهُ بِالْحَيْضِ، حَتَّى لَوْ أَفْطَرَتْ كُلَّ رَمَضَانَ لَزِمَهَا مَعَ الْقَضَاءِ فِدْيَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ شَرْحُ م ر. وَشَمِلَ قَوْلُهُ " الْحَامِلَ وَلَوْ بِغَيْرِ آدَمِيٍّ "، حَيْثُ كَانَ مَعْصُومًا وَالْمُرْضِعُ كَذَلِكَ وَلَوْ رَقِيقَةً فِيهِمَا، لَكِنْ تَسْتَقِرُّ الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهَا.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا م ر: الْأَوْجَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى الرَّقِيقِ بَعْدَ عِتْقِهَا.
اهـ. ق ل. وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ " وَالشَّيْخُ إلَخْ " مَفْهُومُ مَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ فِي قَوْلِهِ " وَإِطَاقَةٌ لِلصَّوْمِ " أَيْ قُدْرَةٌ حِسًّا وَشَرْعًا، فَالْعَاجِزُ حِسًّا كَمَا هُنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بَلْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِالْفِدْيَةِ ابْتِدَاءً، وَقِيلَ بَدَلًا وَكَذَا قَوْلُهُ " وَالْحَامِلُ إلَخْ " مِنْ مَفْهُومِ مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَاجِزٌ شَرْعًا وَإِنْ كَانَا قَادِرَيْنِ حِسًّا.
فَائِدَةٌ: يُبَاحُ الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ لِسِتَّةٍ: لِلْمُسَافِرِ، وَالْمَرِيضِ، وَالشَّيْخِ الْهَرَمِ، وَالْحَامِلِ، وَالْعَطْشَانِ، وَالْمُرْضِعَةِ، وَنَظَّمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: إذَا مَا صُمْت فِي رَمَضَانَ صُمْهُ ... سِوَى سِتٍّ وَفِيهِنَّ الْقَضَاءُ فَسِينٌ ثُمَّ مِيمٌ ثُمَّ شِينٌ ... وَحَاءٌ ثُمَّ عَيْنٌ ثُمَّ رَاءُ فَالسِّينُ لِلْمُسَافِرِ، وَالْمِيمُ لِلْمَرِيضِ، وَالشِّينُ لِلشَّيْخِ الْهَرَمِ، وَالْحَاءُ لِلْحَامِلِ، وَالْعَيْنُ لِلْعَطْشَانِ، وَالرَّاءُ لِلْمُرْضِعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَعَ الْوَلَدِ) إنْ قُلْت: هُوَ فِي مَعْنَى فِطْرٍ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ؟ قُلْت: نَعَمْ لَكِنْ وُجِدَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَهُوَ خَوْفُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمُقْتَضٍ لِوُجُوبِهَا وَهُوَ خَوْفُهَا عَلَى الْوَلَدِ، فَغَلَبَ الْمَانِعُ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ اهـ حَجّ بِالْمَعْنَى.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِيهَا سَيَأْتِي: " فَهُوَ فِطْرٌ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ " أَيْ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ مِنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ، فَلَا تُرَدُّ هَذِهِ الصُّورَةُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْإِفْطَارُ) مَحَلُّهُ فِي الْمُرْضِعِ إذَا تَعَيَّنَتْ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ مُرْضِعَةٌ مُفْطِرَةٌ غَيْرَهَا أَوْ صَائِمَةٌ لَا يَضُرُّهَا الصَّوْمُ، وَإِلَّا جَازَ لَهَا الْفِطْرُ مَعَ الْإِرْضَاعِ وَالصَّوْمُ مَعَ تَرْكِ الْإِرْضَاعِ ق ل. ثُمَّ مَحَلُّ هَذَا الْقَيْدِ، أَعْنِي إذَا تَعَيَّنَتْ إلَخْ فِي الْمُسْتَأْجَرَةِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا احْتِيَاجُهَا إلَى الْإِفْطَارِ قَبْلَ الْإِجَارَةِ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهَا الِاحْتِيَاجُ إلَى الْإِفْطَارِ إلَّا بَعْدَ الْإِجَارَةِ فَقَدْ تَعَيَّنَتْ بِالْعَقْدِ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْإِفْطَارُ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا، وَإِلَّا فَالْإِجَارَةُ لِلْإِرْضَاعِ لَا تَكُونُ إلَّا إجَارَةَ عَيْنٍ وَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ الْمُسْتَوْفَى مِنْهُ.
اهـ. م ر أج، أَيْ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُنِيبَ غَيْرَهَا فِي الْإِرْضَاعِ وَتَصُومَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَنْفُسِهِمَا) جَمْعٌ بِمَعْنَى الْمُثَنَّى، وَكَذَا قَوْلُهُ " أَوْلَادِهِمَا ". قَوْلُهُ: (ارْتَفَقَ) أَيْ انْتَفَعَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا سَيَأْتِي) أَيْ فِيمَا إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ إلَخْ) . هَذَا الْجَوَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ وَالْمُرْضِعَ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا دَاخِلَانِ فِي عُمُومِ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 185] وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ كَالْمَرِيضِ " يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُمَا ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ تَنْظِيرٌ لَا قِيَاسٌ.
وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ: " أُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ إلَخْ " فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ

خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مَعَ غَيْرِهِمَا أَمْ لَا (وَإِنْ خَافَتَا) مِنْهُ (عَلَى أَوْلَادِهِمَا) فَقَطْ بِأَنْ تَخَافَ الْحَامِلُ مِنْ إسْقَاطِهِ أَوْ الْمُرْضِعُ بِأَنْ يَقِلَّ اللَّبَنُ فَيَهْلَكُ الْوَلَدُ (أَفْطَرَتَا) أَيْضًا (وَ) وَجَبَ (عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ) لِلْإِفْطَارِ (وَالْكَفَّارَةُ) ، وَإِنْ كَانَتَا مُسَافِرَتَيْنِ أَوْ مَرِيضَتَيْنِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: 184] أَنَّهُ نُسِخَ حُكْمُهُ إلَّا فِي حَقِّهِمَا حِينَئِذٍ وَالْقَوْلُ بِنَسْخِهِ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ بِتَأْوِيلِهِ بِمَا مَرَّ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ فِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ مَعَ الْقَضَاءِ مَنْ أَفْطَرَ لِإِنْقَاذِ آدَمِيٍّ مَعْصُومٍ أَوْ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ مُشْرِفٍ عَلَى الْهَلَاكِ بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ تَخْلِيصُهُ إلَّا بِفِطْرِهِ فَهُوَ فِطْرٌ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ، وَهُوَ حُصُولُ الْفِطْرِ لِلْمُفْطِرِ وَالْخَلَاصُ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ أَفْطَرَ لِتَخْلِيصِ مَالٍ فَلَا فِدْيَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْتَفِقْ بِهِ إلَّا شَخْصٌ وَاحِدٌ وَلَا يَجِبُ الْفِطْرُ لِأَجْلِهِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِقُ بِالْفِطْرِ شَخْصَانِ، وَإِنْ نَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْبَهِيمَةِ لِأَنَّهُمْ نَزَّلُوا الْحَيَوَانَ

[حاشية البجيرمي]

الْآيَةَ سَاكِتَةٌ عَنْ الْفِدْيَةِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا وَمُصَرِّحَةٌ بِالْقَضَاءِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: فِيمَا إذَا خَافَتَا إلَخْ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ لَا فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرِيضِ فِي الْآيَةِ حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ حُكْمًا وَمَعْنَى وَهُوَ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَهُمَا حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى الْمَرِيضِ، وَالْمَرِيضُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، فَصَارَتْ الْآيَةُ شَامِلَةً لَهُمَا فَصَحَّ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمَا) أَيْ لِأَنَّ الْخَوْفَ عَلَى النَّفْسِ فِي مَعْنَى الْمَرَضِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَوْلَادِهِمَا) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، إذْ الْحَامِلُ لَا تُسَمَّى ذَاتَ وَلَدٍ لِأَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا يُسَمَّى جَنِينًا لَا وَلَدًا، فَتَسْمِيَتُهُ وَلَدًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ.
قَوْلُهُ: (فَيَهْلَكُ الْوَلَدُ) وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ حَرْبِيًّا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ لِحُرْمَةِ قَتْلِهِ حِينَئِذٍ، خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ، وَالْهَلَاكُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى حُصُولِ ضَرَرٍ بِهِ ع ش. قَوْلُهُ: (وَالْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهُ فِطْرٌ ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَالْكَفَّارَةُ " أَيْ الصُّغْرَى وَهِيَ الْفِدْيَةُ، أَيْ لِتَفْوِيتِ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَرِيضَتَيْنِ) أَيْ وَقَصَدَتَا الْفِطْرَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: نَعَمْ إنْ أَفْطَرَتَا لِأَجْلِ السَّفَرِ أَوْ الْمَرَضِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَتَا فِي الْأَصَحِّ أج.
قَوْلُهُ: (نُسِخَ حُكْمُهُ) أَيْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 184] فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ أَيْ عَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَا كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِأَنَّهُ إخْرَاجُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ؟ قُلْت: إنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي التَّخْصِيصِ بَقَاءُ جَمْعٍ يَقْرُبُ مِنْ مَدْخُولِ الْعَامِّ وَهُوَ هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ شَوْبَرِيٌّ؛ أَيْ لِأَنَّهُ بَقِيَ هُنَا اثْنَانِ فَقَطْ وَهُمَا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي حَقِّهِمَا) فِيهِ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِعَدَمِ نَسْخِهَا فِي حَقِّهِمَا وَنَسْخِهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا يُنَافِيهِ قِرَاءَتُهُ: " يُطَوَّقُونَهُ " بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلَانِ.
فَإِنْ قُلْت: الْآيَةُ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِقَضَائِهِمَا؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ مَنْسُوخٍ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " مُحْكَمٌ ". قَوْلُهُ: (بِمَا مَرَّ) أَيْ بِتَقْدِيرِ " لَا " أَوْ الْمَعْنَى: يُطِيقُونَهُ فِي الصِّغَرِ وَعَجَزُوا عَنْهُ فِي الْكِبَرِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَفْطَرَ لِإِنْقَاذِ إلَخْ) أَيْ فَيُقَالُ: إنْ أَفْطَرَ خَوْفًا عَلَى الْمُشْرِفِ وَحْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَالْفِدْيَةُ، وَإِنْ أَفْطَرَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ مَعَ الْمُشْرِفِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فَقَطْ ق ل. فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ لَا يُقَيِّدَ بِقَوْلِهِ: فِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ.
قَوْلُهُ: (مُشْرِفٍ عَلَى الْهَلَاكِ) أَيْ أَوْ إتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ.
قَوْلُهُ: (ارْتَفَقَ بِهِ شَخْصَانِ) أَيْ فَوَجَبَ بِهِ أَمْرَانِ كَالْجِمَاعِ، لَمَّا حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَجَبَ بِهِ أَمْرَانِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الِارْتِفَاقُ، أَيْ الِانْتِفَاعُ.
قَوْلُهُ: (بَلْ هُوَ جَائِزٌ) وَتَارَةً يَجِبُ الْفِطْرُ بِأَنْ كَانَ الْمَالُ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَلَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الْبَهِيمَةِ) أَيْ وَقَالَ: إنَّهَا

الْمُحْتَرَمَ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ عَنْهُ مَنْزِلَةَ الْآدَمِيِّ الْمَعْصُومِ، وَلَا يُلْحَقُ بِالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فِي لُزُومِ الْفِدْيَةِ مَعَ الْقَضَاءِ الْمُتَعَدِّي بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ بَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَقَطْ، وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إمْكَانِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ لِأَنَّ سِتَّةً مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالُوا بِذَلِكَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَيَأْثَمُ بِهَذَا التَّأْخِيرِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيَلْزَمُهُ الْمُدُّ بِدُخُولِ رَمَضَانَ، أَمَّا مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقَضَاءُ لِاسْتِمْرَارِ عُذْرِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِهَذَا التَّأْخِيرِ.
فَائِدَةٌ: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ هُنَا لِلتَّأْخِيرِ وَفِدْيَةُ الشَّيْخِ الْهَرَمِ وَنَحْوِهِ لِأَصْلِ الصَّوْمِ، وَفِدْيَةُ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ لِتَفْوِيتِ فَضِيلَةِ الْوَقْتِ، وَيَتَكَرَّرُ الْمُدُّ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ لِأَنَّ الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ لَا تَتَدَاخَلُ، وَلَوْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إمْكَانِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ فَمَاتَ أَخْرَجَ مِنْ تَرِكَتِهِ عَلَى الْجَدِيدِ السَّابِقِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّيْنِ، مُدٌّ لِفَوَاتِ الصَّوْمِ وَمُدٌّ

[حاشية البجيرمي]

مَالٌ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهَا؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمْ) تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الْإِفْطَارِ فِي الْحَيَوَانِ كَالْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَقَطْ) لِعَدَمِ وُرُودِ الْفِدْيَةِ فِيهِ.
وَفَارَقَ لُزُومَهَا لِلْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ بِمَا مَرَّ وَبِأَنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بِالْإِثْمِ.
بَلْ إنَّمَا هِيَ حِكَمٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّدَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْحَشُ مِنْ الْوَطْءِ مَعَ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ م د. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَقَوْلُهُ " اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا " أَيْ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ تَارَةً تَكُونُ ظَاهِرَةً كَالْمَشَقَّةِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا السَّفَرُ، وَتَارَةً تَكُونُ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ) مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ، الْأَوَّلُ: كَوْنُهُ قَضَاءَ رَمَضَانَ.
الثَّانِي: قَوْلُهُ " مَعَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ " فَأَخَذَ الشَّارِحُ مُحْتَرَزَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ " أَمَّا مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَخْ ". وَأَخَذَ مُحْتَرَزَ الْأَوَّلِ فِيمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ: " وَلَا شَيْءَ عَلَى الْهَرَمِ وَالزَّمِنِ إلَخْ " وَالْمُرَادُ أَخَّرَهُ عَامِدًا عَالِمًا بِحُرْمَةِ التَّأْخِيرِ، بِخِلَافِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْعُلَمَاءِ لِخَفَاءِ ذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَاهِلِ الْجَاهِلُ بِحُرْمَةِ التَّأْخِيرِ لَا بِالْفِدْيَةِ، فَلَا يُعْذَرُ لِجَهْلِهِ بِهَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ عَلِمَ حُرْمَةَ التَّنَحْنُحِ وَجَهِلَ الْبُطْلَانَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ز ي. قَوْلُهُ: (مَعَ إمْكَانِهِ) بِأَنْ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا زَمَنًا يَسَعُ قَضَاءَ مَا عَلَيْهِ، فَإِنْ وَسِعَ بَعْضَهُ لَزِمَهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ لَا مَا زَادَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ) بِمَنْعِ الصَّرْفِ؛ لِأَنَّهُ عَلَمٌ لِمَا بَيْنَ شَعْبَانَ وَشَوَّالٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ فَيَكُونُ عَلِيمَ جِنْسٍ.
وَقَوْلُهُ " آخَرُ " بَدَلٌ لَا صِفَةٌ، فَلَا بُدَّ فِي الْوُجُوبِ مِنْ دُخُولِهِ وَإِنْ أَيِسَ مِنْ الْقَضَاءِ، كَمَنْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَأَخَّرَ حَتَّى بَقِيَ لِرَمَضَانَ خَمْسَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا فَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ عَنْ الْخَمْسَةِ الْمَأْيُوسِ مِنْهَا، أَيْ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، فَإِنْ دَخَلَ وَجَبَتْ وَحَيْثُ عَلِمْت أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوُجُوبِ عَلِمْت أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا وَمَا سَيَأْتِي مِنْ جَوَازِ تَعْجِيلِ فِدْيَةِ التَّأْخِيرِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ ق ل وم ر. قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ) أَيْ إنْ كَانَ حُرًّا، أَمَّا الْقِنُّ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ عِتْقِهِ عَلَى الْأَوْجَهِ م ر. وَهَذَا، أَيْ قَوْلُهُ " وَإِنْ أَيِسَ إلَخْ " مَحَلُّهُ فِي الْحَيِّ كَمَا فِي م ر، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي: وَلَوْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ، إلَى قَوْلِهِ: فَمَاتَ؛ فَإِنَّ كَلَامَهُ فِيمَا يَأْتِي فِي الْمَيِّتِ وَمَا هُنَا فِي الْحَيِّ.
أَمَّا مَنْ مَاتَ وَقَدْ أَيِسَ مِنْ الْقَضَاءِ وَلَوْ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ لَمَّا أَيِسَ مِنْ قَضَائِهِ قَبْلَ رَمَضَانَ، فَفِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ يُخْرِجُ لِتَأْخِيرِ الْقَضَاءِ أَمْدَادَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ الْمَأْيُوسِ مِنْ قَضَائِهَا.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِمْرَارِ عُذْرِهِ) كَأَنْ اسْتَمَرَّ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا أَوْ مُرْضِعًا إلَى قَابِلٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا، وَإِنْ اسْتَمَرَّ سِنِينَ؛ شَرْحُ م ر. وَفِي ذِكْرِ ق ل الْإِعْسَارَ وَالرِّقَّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ لَا فِي تَأْخِيرِ إخْرَاجِ الْمُدِّ.
فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِهَذَا التَّأْخِيرِ) وَإِنْ اسْتَمَرَّ سِنِينَ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأَدَاءِ بِالْعُذْرِ جَائِزٌ فَتَأْخِيرُ الْقَضَاءِ بِهِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (لِلتَّأْخِيرِ) أَيْ وَإِنْ صَامَ.
قَوْلُهُ: (لِأَصْلِ الصَّوْمِ) فَإِنْ تَكَلَّفَ وَصَامَ فَلَا فِدْيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَكَرَّرُ الْمُدُّ) أَيْ فِي التَّأْخِيرِ، وَقَوْلُهُ " بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ " أَيْ إنْ تَمَكَّنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَلَمْ يَصُمْ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ؛ أَيْ إذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَمْدًا، فَإِنْ كَانَ

لِلتَّأْخِيرِ وَعَلَى الْقَدِيمِ وَهُوَ صَوْمُ الْوَلِيِّ إذَا صَامَ حَصَلَ تَدَارُكُ أَصْلِ الصَّوْمِ وَوَجَبَ فِدْيَةٌ لِلتَّأْخِيرِ.
.

(وَالْكَفَّارَةُ) أَنْ تُخْرِجَ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا وَهُوَ) كَمَا سَبَقَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ أَيْ الْبَغْدَادِيِّ وَبِالْكَيْلِ نِصْفُ قَدَحٍ بِالْمِصْرِيِّ، وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ فَقَطْ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَارَّةِ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] وَالْفَقِيرُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، فَإِذَا جَازَ صَرْفُهَا إلَى الْمِسْكِينِ فَالْفَقِيرُ أَوْلَى، وَلَا يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ مِنْ الْفِدْيَةِ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَالْأَمْدَادُ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَّارَاتِ بِخِلَافِ الْمُدِّ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى شَخْصَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ مُدٍّ فِدْيَةٌ تَامَّةٌ، وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى صَرْفَ الْفِدْيَةِ إلَى الْوَاحِدِ فَلَا يَنْقُصُ عَنْهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ امْتِنَاعُ صَرْفِ فَدِيَتَيْنِ إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَاحِدُ مِنْ زَكَوَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

وَجِنْسُ الْفِدْيَةِ جِنْسُ الْفِطْرَةِ وَنَوْعُهَا وَصِفَتُهَا وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُدِّ الَّذِي نُوجِبُهُ هُنَا فِي الْكَفَّارَاتِ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ، وَكَذَا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ.

تَنْبِيهٌ: تَعْجِيلُ فِدْيَةِ التَّأْخِيرِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي لِيُؤَخِّرَ الْقَضَاءَ مَعَ الْإِمْكَانِ جَائِزٌ فِي الْأَصَحِّ كَتَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ الْمُحَرَّمِ وَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْهَرَمِ وَلَا الزَّمِنِ وَلَا مَنْ اشْتَدَّتْ مَشَقَّةُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الْفِدْيَةِ إذَا

[حاشية البجيرمي]

نِسْيَانًا لَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ.
اهـ. م د. وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ الشَّارِحُ هَذَا عَلَى الْفَائِدَةِ لِتَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِهِ فِي الْمِنْهَاجِ.
قَالَ م ر: وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ الْفَوَاتُ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ رَمَضَانُ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَمَاتَ لِبَوَاقِي خَمْسٍ مِنْ شَعْبَانَ لَزِمَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مُدًّا عَشَرَةٌ لِأَجْلِ الصَّوْمِ وَخَمْسَةٌ لِلتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا قَضَاءُ خَمْسَةٍ.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ لُزُومُ الْفِدْيَةِ حَالًّا عَمَّا لَا يَسَعُهُ، وَهُوَ مَا صَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيّ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ صُورَةِ الْمَيِّتِ وَالْحَيِّ بِأَنَّ الْأَزْمِنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ يُقَدَّرُ حُضُورُهَا بِالْمَوْتِ كَمَا يَحِلُّ الْأَجَلُ بِهِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الْحَيِّ إذْ لَا ضَرُورَةَ إلَى تَعْجِيلِ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي حَقِّهِ اهـ بِالْحَرْفِ.
قَوْلُهُ: (وَوَجَبَ فِدْيَةٌ لِلتَّأْخِيرِ) وَلَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ عَنْ مُدِّ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَالْكَفَّارَةُ) أَيْ الْفِدْيَةُ.
فَ " الـ " لِلْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُخْرَجَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَلَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْأَوْلَادِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الْعَقِيقَةِ لِأَنَّهَا فِدَاءٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (دُونَ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ) أَيْ فَلَا يُعْطَوْنَ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ غَيْرَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ اعْتِرَاضِ ق ل. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ) فَيُقَاسُ عَلَيْهِ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ فَيَجُوزُ، بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (إلَى شَخْصَيْنِ) مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْمُدُّ لَازِمًا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إذَا لَزِمَ أَكْثَرَ مِنْ شَخْصٍ كَأَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ يَوْمٌ وَاحِدٌ وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَدْفَعَ وَاجِبَهُ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَنْقُصُ) أَيْ الْوَاحِدُ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى صَرْفَ الْفِدْيَةِ لِوَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (نُوجِبُهُ) أَيْ نُوجِبُ إخْرَاجَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَقِرٌّ فِي ذِمَّةِ الْفَقِيرِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى قُوتِهِ) أَيْ عَنْ قُوتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْقَفَّالِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: قَالَ الْقَفَّالُ: وَيُعْتَبَرُ فَضْلُهَا عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ.

قَوْلُهُ: (لِيُؤَخِّرَ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعْجِيلُ.
قَوْلُهُ: (الْمُحَرَّمِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْحِنْثَ لَكَانَ أَوْلَى سَوَاءٌ كَانَ جَائِزًا أَوْ وَاجِبًا، أَوْ مُحَرَّمًا كَأَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ أَوْ لَا يُصَلِّي الْفَرْضَ أَوْ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ، فَإِنَّ حِنْثَهُ بِشُرْبِهِ حَرَامٌ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ إذَا أَرَادَ الْحِنْثَ بِالشُّرْبِ، وَحِينَئِذٍ فَالْجَامِعُ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا فِي الْحِنْثِ حُرْمَةُ السَّبَبِ، فَهُنَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ لِلْفِدْيَةِ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُ الْقَضَاءِ وَفِي الْيَمِينِ يَجُوزُ

أَخَّرُوهَا عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى، وَلَيْسَ لَهُمْ وَلَا لِلْحَامِلِ وَلَا لِلْمُرْضِعِ تَعْجِيلُ فِدْيَةِ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ لِعَامَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَجَّلَ مَنْ ذُكِرَ فِدْيَةَ يَوْمٍ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَتِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
.

(وَالْمَرِيضُ) ، وَإِنْ تَعَدَّى بِسَبَبِهِ (وَالْمُسَافِرُ) سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا (يُفْطِرَانِ) بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ (وَيَقْضِيَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 184] أَيْ فَأَفْطَرَ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] وَلَا بُدَّ فِي فِطْرِ الْمَرِيضِ مِنْ مَشَقَّةٍ تُبِيحُ لَهُ التَّيَمُّمَ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ أَوْ ذَهَابَ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَرَضُ مُطْبِقًا فَلَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ، أَوْ مُتَقَطِّعًا كَأَنْ كَانَ يُحَمُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ نَظَرَ إنْ كَانَ مَحْمُومًا وَقْتَ الشُّرُوعِ جَازَ لَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ، فَإِنْ عَادَ الْمَرَضُ وَاحْتَاجَ إلَى الْإِفْطَارِ أَفْطَرَ، وَلِمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْجُوعُ أَوْ الْعَطَشُ حُكْمُ الْمَرِيضِ.
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ السَّفَرَ الْمَذْكُورَ فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ

[حاشية البجيرمي]

تَعْجِيلُ الْكَفَّارَةِ مَعَ حُرْمَةِ الْحِنْثِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا.
اهـ. م د. وَلَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالْمُحَرَّمِ لِيَجْتَمِعَا فِي تَمَامِ التَّشْبِيهِ لِيَكُونَ السَّبَبُ حَرَامًا فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَيْءَ عَلَى الْهَرَمِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: " قَضَاءُ رَمَضَانَ ". قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُمْ) أَيْ لِلْهَرَمِ وَالزَّمِنِ وَمَنْ اشْتَدَّتْ مَشَقَّةُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (تَعْجِيلُ فِدْيَةِ يَوْمَيْنِ) وَلَا فِدْيَةِ يَوْمٍ غَيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ جَائِزٌ) وَلَوْ فِي أَوَّلِ لَيْلَتِهِ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَالْمَرِيضُ إلَخْ) هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَفْهُومِ مَا تَقَدَّمَ فِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُمَا عَاجِزَانِ شَرْعًا وَإِنْ كَانَا قَادِرَيْنِ حِسًّا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَعَدَّى بِسَبَبِهِ) كَأَنْ فَعَلَ مَا نَشَأَ عَنْهُ الْمَرَضُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَرَضُ سَابِقًا عَلَى الصَّوْمِ أَوْ بِالْعَكْسِ.
وَقَوْلُهُ " وَالْمُسَافِرُ " أَيْ إذَا كَانَ السَّفَرُ سَابِقًا عَلَى الصَّوْمِ بِأَنْ سَافَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَبَقَ الصَّوْمُ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَلَا يَجُوزُ الْفِطْرُ فِي هَذَا النَّهَارِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ) شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ فِي فِطْرِ الْمَرِيضِ) أَيْ فِي جَوَازِ فِطْرِهِ عَلَى طَرِيقَةِ شَيْخِنَا م ر. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا ز ي: أَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ يُوجِبُ الْفِطْرَ وَمَا دُونَهُ حَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً يُجَوِّزُهُ ق ل. وَقَوْلُهُ " يُوجِبُ الْفِطْرَ " ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُجَوِّزُهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَشَقَّةٍ) أَيْ غَيْرِ خَوْفِ الْهَلَاكِ وَذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْعُضْوِ الْآتِيَيْنِ كَبُطْءِ الْبُرْءِ، إذْ هَذَا فِي جَوَازِ الْفِطْرِ؛ وَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ خَافَ إلَخْ فِي وُجُوبِ الْفِطْرِ، فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِطْرَ الْمَرِيضِ تَارَةً يَكُونُ جَائِزًا وَتَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَجَبَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، فَانْدَفَعَ مَا فِي الْمُحَشِّي.
قَوْلُهُ: (يُحَمُّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
وَمِمَّا جُرِّبَ لَهَا أَنْ يُكْتَبَ فِي وَرَقَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ ابْرَاسُومَا ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: 43] . ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66] . ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178] . ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: 28] . ﴿وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28] . لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك يَا اللَّهُ شِفَاءً لَا يُغَادِرُهُ سَقَمٌ " وَيُبَخَّرُ بِهَا، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ.
قَوْلُهُ: (وَقْتَ الشُّرُوعِ) أَيْ وَقْتَ صِحَّةِ النِّيَّةِ ق ل. وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: قُبَيْلَ الْفَجْرِ اهـ. فَالْمُرَادُ بِهِ قُبَيْلَ الْفَجْرِ الَّذِي هُوَ وَقْتُ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (حُكْمُ الْمَرِيضِ) أَيْ فِي جَوَازِ الْفِطْرِ أَوْ وُجُوبِهِ.
وَهَذَا يَجْرِي فِي نَحْوِ الْحَصَّادِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إنْ لَحِقَتْهُمْ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ تُبِيحُ التَّيَمُّمَ أَفْطَرُوا وَإِلَّا فَلَا.
فَائِدَةٌ: الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ مَنْ أَفْطَرَ تَعَدِّيًا بِالْأَكْلِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ جَامَعَ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ لَيْلًا أَوْ أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرًا ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ مُفْطِرًا أَوْ الْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ أَوْ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ إذَا أَسْلَمَ أَوْ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ أَوْ الْمَرِيضُ أَوْ الْمُسَافِرُ أَوْ الْحَامِلُ أَوْ الْمُرْضِعُ فَهَؤُلَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ؛ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ وَالْإِمْسَاكُ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ.

بِهِ، وَلَكِنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِ إخْلَاءِ الْوَقْتِ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا إذَا تَضَرَّرَ بِهِ لِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ احْتِمَالُهُ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا صَائِمًا فِي السَّفَرِ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ» . نَعَمْ إنْ خَافَ مِنْ الصَّوْمِ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى.
وَلَوْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِالصَّوْمِ فِي الْحَالِ.
وَلَكِنْ يَخَافُ الضَّعْفَ لَوْ صَامَ وَكَانَ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ عَنْ التَّتِمَّةِ وَأَقَرَّهُ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (السَّفَرَ الْمَذْكُورَ) أَيْ الطَّوِيلَ الْمُبَاحَ.
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ) هَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ، ثُمَّ فَصَّلَهُ بِكَوْنِهِ تَارَةً يَكُونُ الْفِطْرُ أَفْضَلَ أَوْ الصَّوْمُ أَوْ وُجُوبُ الْفِطْرِ وَحُرْمَةُ الصَّوْمِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الصَّوْمُ أَفْضَلُ) أَيْ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ.
وَقَوْلُهُ: " أَمَّا إذَا تَضَرَّرَ " مُقَابِلٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ.
قَوْلُهُ: (ظَلَّلَ عَلَيْهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، أَيْ صَنَعَ لَهُ مِظَلَّةً.
وَيَحْتَمِلُ الْبِنَاءَ لِلْمَفْعُولِ.
فَلْتُرَاجَعْ الرِّوَايَةُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَصُومُوا إلَخْ) وَرُوِيَ: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَبِأَمْ بَدَلُ أَلْ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ سَفَرَ حَجٍّ) هَذَا الْقَيْدُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَقَيَّدَ الشَّارِحُ بِهِمَا لِفَضْلِهِمَا.

قَوْلُهُ: (عَنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ) وَصَوْمُ التَّطَوُّعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّنَةِ كَصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ.
وَقِسْمٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأُسْبُوعِ وَهُوَ الِاثْنَيْنُ وَالْخَمِيسُ، وَقِسْمٌ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الشُّهُورِ كَالْأَيَّامِ الْبِيضِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) وَرَدَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَالصَّحِيحُ تَعَلُّقُ الْغُرَمَاءِ بِهِ، أَيْ أَصْلًا وَتَضْعِيفًا كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ.
بِخِلَافِ الْأَيْمَانِ فَلَا يَتَعَلَّقُونَ بِهِ.
وَيَدُلُّك عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ حَدِيثُ: «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ» إلَخْ.
وَحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُهُ بِكَوْنِهِ لَهُ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الرِّيَاءِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ تَزِيدُ عَلَى خَمْسِينَ قَوْلًا، شَرْحُ م ر: وَمَا قِيلَ إنَّ التَّضْعِيفَ فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ لَا يُؤْخَذُ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ فَضْلِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤْخَذُ الْأَصْلُ وَهِيَ الْحَسَنَةُ الْأُولَى لَا غَيْرُ يُرَدُّ لِعُمُومِ خَبَرِ: «يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِ الظَّالِمِ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حَسَنَةٌ وُضِعَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ» فَإِذَا وُضِعَ عَلَيْهِ سَيِّئَتُهُ فَأَوْلَى أَخْذُ جَمِيعِ حَسَنَاتِ الْأَصْلِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ صَارَ لَهُ وَمَحْضُ الْفَضْلِ جَارٍ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
اهـ. حَجّ.
وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ: نَصُّهَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» فَإِضَافَتُهُ تَعَالَى إلَيْهِ إضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: 13] مَعَ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ لِلَّهِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ غَيْرُهُ بِهِ، فَلَمْ تُعَظِّمْ الْكُفَّارُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ مَعْبُودَاتِهِمْ بِالصِّيَامِ وَإِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُمْ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا.
وَقِيلَ: لِأَنَّ الصِّيَامَ بَعِيدٌ عَنْ الرِّيَاءِ لِخَفَائِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَاتِ.
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: مَعْنَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِمْ " لَا رِيَاءَ فِي الصَّوْمِ " أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ بِفِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ بِالْقَوْلِ كَمَنْ يَصُومُ ثُمَّ يُخْبِرُ بِأَنَّهُ صَائِمٌ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، فَدُخُولُ الرِّيَاءِ فِي الصَّوْمِ إنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الرِّيَاءَ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا، وَعَنْ شَدَّادِ ابْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى.
فَلَمَّا تَقَرَّبَ الصَّائِمُ إلَيْهِ بِمَا يُوَافِقُ صِفَاتِهِ أَضَافَهُ إلَيْهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ مُنَاسِبَةٌ لِأَحْوَالِهِمْ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْحَقِّ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الصَّائِمَ تَقَرَّبَ إلَيَّ بِأَمْرٍ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِي وَهِيَ الصَّمَدَانِيَّةُ؛ لِأَنَّ الصَّمَدَ مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، أَوْ لِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ، بِعِلْمِ مِقْدَارِ ثَوَابِهِ وَتَضْعِيفِ حَسَنَاتِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، فَقَدْ أَظْهَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَى مِقْدَارِ ثَوَابِهَا؛ وَلِذَا قَالَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: «وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَقَدْ عُلِمَ بِأَنَّ الْكَرِيمَ إذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْجَزَاءَ اقْتَضَى ذَلِكَ سَعَةَ الْعَطَاءِ.

تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . وَيَتَأَكَّدُ صَوْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَتَحَرَّى صَوْمَهُمَا وَقَالَ إنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» . وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَهُوَ تَاسِعُ ذِي الْحِجَّةِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَاَلَّتِي بَعْدَهُ» وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَحْتَسِبُ عَلَى

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيْ فِي الْجِهَادِ ز ي. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ وَلَا يَفُوتُ بِهِ حَقٌّ وَلَا يَخْتَلُّ قِتَالُهُ بِهِ، وَقَالَ السُّيُوطِيّ: أَيْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (سَبْعِينَ خَرِيفًا) أَيْ عَامًا، فَهُوَ مَجَازٌ.
وَخَصَّ الْخَرِيفَ لِأَنَّهُ أَعْدَلُ فُصُولِ السَّنَةِ.
قَوْلُهُ: (صَوْمُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ) وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْخَمِيسِ فَصَوْمُهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ الْخَمِيسِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ الْأَحَدُ؛ وَنُقِلَ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، لَكِنَّ الَّذِي نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ عَنْ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ السَّبْتُ، شَرْحُ م ر. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيَتَّجِهُ تَفْضِيلُ الِاثْنَيْنِ عَلَى الْخَمِيسِ بِوِلَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ وَوَفَاتِهِ وَبِتَقْدِيمِهِ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ هُنَا وَفِي دُخُولِ الْقَاضِي الْبَلَدَ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يُوجَدُ لِلصَّوْمِ سَبَبَانِ، كَوُقُوعِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ يَوْمَ اثْنَيْنِ أَوْ خَمِيسٍ، وَكَوُقُوعِهِمَا فِي سِتَّةِ شَوَّالٍ فَيَتَأَكَّدُ صَوْمُ مَا لَهُ سَبَبَانِ رِعَايَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنْ نَوَاهُمَا حَصَلَا كَالصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ صَدَقَةً وَصِلَةً، وَكَذَا لَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ.
وَاسْتَشْكَلَ اسْتِعْمَالُ الِاثْنَيْنِ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْمَثْنَى وَالْمُلْحَقَ بِهِ يَلْزَمُ الْأَلِفَ إذَا جُعِلَ عَلَمًا وَأُعْرِبَ بِالْحَرَكَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَيُسْتَدَلُّ بِنُطْقِهَا بِهِ عَلَى أَنَّهُ لُغَةٌ.
قَوْلُهُ: (تُعْرَضُ) أَيْ عَلَى اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةُ تَرْفَعُ تِلْكَ الْأَعْمَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَتُرْفَعُ جُمْلَةُ أَعْمَالِ الْعَامِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، وَكَذَا تُعْرَضُ جُمْلَةُ أَعْمَالِ الْعَامِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ.
وَفَائِدَةُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ إظْهَارُ شَرَفِ الْعَامِلِينَ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ، شَرْحُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (الْأَعْمَالُ) أَيْ أَعْمَالُ الْأُسْبُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَا صَائِمٌ) أَيْ قَرِيبٌ مِنْ زَمَنِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْعَرْضَ بَعْدَ الْغُرُوبِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَفَائِدَةُ الْعَرْضِ إظْهَارُ الْعَدْلِ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ إذْ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (يَوْمِ عَرَفَةَ) وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ لِأَنَّ صَوْمَهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ، وَأَمَّا خَبَرُ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِقَرِينَةِ مَا ذَكَرَ، وَأَفْتَى الْوَالِدُ بِأَنَّ عَشْرَ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِأَنَّ رَمَضَانَ سَيِّدُ الشُّهُورِ شَرْحُ م ر. وَأَفْضَلُ الشُّهُورِ بِالْإِطْلَاقِ ... شَهْرُ الصِّيَامِ فَهُوَ ذُو السِّبَاقِ فَشَهْرُ رَبِّنَا هُوَ الْمُحَرَّمُ ... فَرَجَبٌ فَالْحِجَّةُ الْمُعَظَّمُ فَقِعْدَةٌ فَبَعْدَهُ شَعْبَانُ ... وَكُلُّ ذَا جَاءَ بِهِ الْبَيَانُ وَيُسَنُّ صَوْمُ الثَّمَانِيَةِ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحَاجُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ م ر: وَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى كَثِيرًا بِثُبُوتِ هِلَالِ الْحِجَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا ثُمَّ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ وَظَنَّ صِدْقَهُمْ وَلَمْ يَثْبُتْ، فَهَلْ يَنْدُبُ صَوْمُ السَّبْتِ لِكَوْنِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى تَقْدِيرِ كَمَالِ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ يَحْرُمُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ يَوْمَ الْعِيدِ؟ وَقَدْ أَفْتَى الْوَالِدُ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ دَفْعَ مَفْسَدَةِ الْحَرَامِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَنْدُوبِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ عَادَةٌ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ عَلَى احْتِمَالِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ؛ شَيْخُنَا ح ف. فَيَكُونُ كَيَوْمِ الشَّكِّ أَوْ يَحْرُمُ صَوْمُهُ مُطْلَقًا حَتَّى لِسَبَبٍ.
وَالظَّاهِرُ الثَّانِي أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ.
تَذْنِيبٌ: قَوْلُهُمْ دَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ هَلْ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ الْأَوْلَى؟ . قُلْت.
رَأَيْنَا فِي بَعْضِ التَّأْلِيفِ لِأَكَابِرِ الشَّافِعِيَّةِ مَا نَصُّهُ: وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: الْمَفَاسِدُ عَلَى قِسْمَيْنِ مَظْنُونَةِ الْوُقُوعِ وَمُتَوَهَّمَتِهِ، فَالْأُولَى يَجِبُ رِعَايَتُهَا عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَالثَّانِيَةُ الْأَوْلَى رِعَايَتُهَا لَا وُجُوبُهَا اهـ أج مَعَ زِيَادَةٍ.

اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» وَصَوْمُ تَاسُوعَاءَ وَهُوَ تَاسِعُ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِهِ: «لَئِنْ بَقِيت إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» فَمَاتَ قَبْلَهُ، وَصَوْمُ سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» وَتَتَابُعُهَا عَقِبَ الْعِيدِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ الْحَاجِّ) أَمَّا الْحَاجُّ فَخِلَافُ الْأَوْلَى إنْ كَانَ يَصِلُ عَرَفَةَ نَهَارًا، فَإِنْ كَانَ يَصِلُهَا لَيْلًا أَيْ لَيْلَةَ التَّاسِعِ فَلَا كَرَاهَةَ وَلَا خِلَافَ الْأَوْلَى؛ وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْوُحُوشَ فِي الْبَادِيَةِ كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ أَخَذَ لَحْمًا وَذَهَبَ بِهِ إلَى الْبَادِيَةِ وَرَمَاهُ لِنَحْوِ الْوُحُوشِ فَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَأْكُلْ وَصَارَتْ تَنْظُرُ إلَى الشَّمْسِ وَتَنْظُرُ إلَى اللَّحْمِ حَتَّى إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَقْبَلَتْ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ) أَيْ أَرْجُو مِنْ اللَّهِ وَرَجَاؤُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَقَّقٌ فَ " عَلَى " بِمَعْنَى " مِنْ " وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: احْتَسَبَ الْأَجْرَ عَلَى اللَّهِ ادَّخَرَهُ عِنْدَهُ لَا يَرْجُو ثَوَابَ الدُّنْيَا.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ (السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) الْمُرَادُ بِالسَّنَةِ الَّتِي قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ السَّنَةُ الَّتِي تَتِمُّ بِفَرَاغِ شَهْرِهِ، وَبِالسَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهُ السَّنَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ الَّذِي يَلِي الشَّهْرَ الْمَذْكُورَ؛ إذْ الْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ شَرْحُ م ر. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ فَزِيَادَةٌ فِي الْحَسَنَاتِ.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: التَّكْفِيرُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْغُفْرَانِ وَبِمَعْنَى الْعِصْمَةِ، فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَالثَّانِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلَةِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلَةِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ كَانَ مَغْفُورًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْ تَكْفِيرِ السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ فِيهَا لِأَنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَرَاجِعْهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَقَدْ رَاجَعْته فَوَجَدْته كَمَا ذَكَرَ، فَقَدْ قَالَ الْمَدَابِغِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ مَا نَصُّهُ: فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَهَذِهِ بُشْرَى بِحَيَاةِ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ لِمَنْ صَامَهُ، إذْ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَشَّرَ بِكَفَّارَتِهَا فَدَلَّ لِصَائِمِهِ عَلَى الْحَيَاةِ فِيهَا، إذْ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى.
قَوْلُهُ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» وَفَارَقَ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِ عَاشُورَاءَ لِمُشَارَكَةِ مُوسَى لَنَا فِيهِ ق ل. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ مُحَمَّدِيٌّ وَصَوْمَ عَاشُورَاءَ مُوسَوِيٌّ " لِأَنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ مُحَمَّدِيٌّ أَيْضًا لِأَنَّهُ صَامَهُ بِوَحْيٍ لَا تَبَعًا لِمُوسَى إذْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا نُسِبَ لِمُوسَى لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَامَهُ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصَّغَائِرِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ فَقَطْ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ أَوْ رَحْمَةُ اللَّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَفَّرَ الْوُضُوءُ كَمَا وَرَدَ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الصَّلَاةُ؟ وَإِذَا كَفَرَتْ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الْجُمُعَتَانِ وَرَمَضَانُ وَكَذَلِكَ صَوْمُ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ وَعَاشُورَاءُ كَفَّارَةُ سَنَةٍ؟ وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ؟ فَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَذِهِ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً كُتِبَ لَهُ بِهَا حَسَنَاتٌ وَرُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَاتٌ، وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ فَقَطْ رَجَوْنَا أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ اهـ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ قَوْلُهُ: «إلَى قَابِلٍ» بِالتَّنْوِينِ، تَقْدِيرُهُ: إلَى عَامٍ قَابِلٍ.
قَوْلُهُ: «لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» أَيْ مَعَ عَاشُورَاءَ.
وَأَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِأَنَّ مَنْ صَامَ عَاشُورَاءَ مَثَلًا عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَصَوْمُ سِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ) أَيْ وُجُودُ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ نَفَاهَا، أَوْ صَامَهَا عَنْ نَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ أَوْ قَضَاءٍ عَنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ؛ نَعَمْ لَوْ صَامَ شَوَّالًا قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ وَقَصَدَ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ لَمْ تَحْصُلْ مَعَهُ فَيَصُومُهَا مِنْ الْقَعْدَةِ، وَيُنْدَبُ مُوَالَاتُهَا لِيَوْمِ الْعِيدِ وَتَتَابُعُهَا وَتَفُوتُ بِفَوَاتِ شَوَّالٍ ق ل. وَالْأَوْلَى حَذْفُ التَّاءِ إذْ إثْبَاتُ التَّاءِ مَعَ حَذْفِ الْمَعْدُودِ لُغَةٌ، وَالْأَفْصَحُ حَذْفُهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ اهـ أج.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ التَّاءِ هُوَ الْأَفْصَحُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْدُودُ مَحْذُوفًا لِأَنَّ الْأَفْصَحَ أَنْ يَكُونَ كَالْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» أَيْ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَذَلِكَ، أَمَّا لَوْ صَامَ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فِي بَعْضِ السِّنِينَ دُونَ بَعْضٍ فَالسَّنَةُ الَّتِي صَامَ السِّتَّ فِيهَا يَكُونُ صَوْمُهَا كَسَنَةٍ وَاَلَّتِي لَمْ يَصُمْ فِيهَا تَكُونُ كَعَشْرَةِ أَشْهُرٍ،.
اهـ. ع ش عَلَى شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: «ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ» قَضِيَّتُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ لَا يُسَنُّ لَهُ صِيَامُ سِتَّةِ شَوَّالٍ؛ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ

أَفْضَلُ.

وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» . وَكَذَا إفْرَادُ السَّبْتِ أَوْ الْأَحَدِ لِخَبَرِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» وَلِأَنَّ الْيَهُودَ تُعَظِّمُ يَوْمَ السَّبْتِ وَالنَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ.

. وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرَ يَوْمَيْ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ، وَمُسْتَحَبٍّ لِغَيْرِهِ لِإِطْلَاقِ الْأَدِلَّةِ

وَيَحْرُمُ صَوْمُ الْمَرْأَةِ تَطَوُّعًا وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ إلَّا بِإِذْنِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ»

" وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ فَلَهُ قَطْعُهُمَا، أَمَّا الصَّوْمُ فَلِقَوْلِهِ

[حاشية البجيرمي]

كَثِيرٍ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَحْصُلُ أَصْلُ سُنَّةِ الصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ لِتَرَتُّبِهِ فِي الْخَبَرِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ.
وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ «ثُمَّ أَتْبَعَهُ» إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ لَمْ يَصُمْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْصُلُ قَبْلَ قَضَائِهِ، وَقَدْ يُقَالُ التَّبَعِيَّةُ تَشْمَلُ التَّقْدِيرِيَّةَ لِأَنَّهُ إذَا صَامَ رَمَضَانَ بَعْدَهَا وَقَعَ عَمَّا قَبْلَهَا تَقْدِيرًا، أَوْ التَّبَعِيَّةُ تَشْمَلُ الْمُتَأَخِّرَةَ كَمَا فِي نَفْلِ الْفَرَائِضِ التَّابِعِ لَهَا اهـ. فَيُسَنُّ صَوْمُهَا وَإِنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ، أَيْ بِعُذْرٍ؛ فَإِنْ تَعَدَّى بِفِطْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ صَوْمُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ الْفَوْرِيِّ وَتَفُوتُ بِفَوَاتِ شَوَّالٍ وَلَا تُقْضَى، نَعَمْ قَالَ شَيْخُنَا م ر: مَنْ صَامَ شَهْرَ شَوَّالٍ عَنْ رَمَضَانَ وَقَصَدَ تَأْخِيرَهَا إلَى الْقَعْدَةِ قَضَاهَا فِيهِ وَإِلَّا دَخَلَتْ فِي صَوْمِ شَوَّالٍ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: «كَصِيَامِ الدَّهْرِ» أَيْ فَرْضًا، أَيْ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ الْفَرْضِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِيَّةِ رَمَضَانَ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ مَعْنًى، إذْ مَنْ صَامَ شَهْرًا غَيْرَ رَمَضَانَ مَعَ سِتَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الدَّهْرِ أَيْ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةَ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ بِعَشَرَةٍ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةِ أَمْثَالِهَا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ صَامَهَا مَعَ رَمَضَانَ كُلَّ سَنَةٍ يَكُونُ صِيَامُ الدَّهْرِ فَرْضًا بِلَا مُضَاعَفَةٍ، وَمَنْ صَامَ شَهْرًا وَسِتَّةً غَيْرَهَا كَذَلِكَ يَكُونُ كَصِيَامِهِ نَفْلًا بِلَا مُضَاعَفَةٍ؛ شَرْحُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (عَقِبَ الْعِيدِ) الْأَوْلَى: وَعَقِبَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَنَةٌ أُخْرَى ق ل.

قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ) أَيْ بِلَا سَبَبٍ بِأَنْ كَانَ نَفْلًا مُطْلَقًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّمَا نُهِيَ عَنْ صِيَامِهِ مُفْرَدًا لِأَنَّهُ يَوْمُ عِبَادَةٍ وَتَبْكِيرٍ وَذِكْرٍ وَغُسْلٍ وَاجْتِمَاعٍ، فَيُسَنُّ فِطْرُهُ مُعَاوَنَةً عَلَيْهَا وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ زَوَالُ الْكَرَاهَةِ بِصَوْمِ يَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ مِنْ الْفُتُورِ فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ يَجْبُرُهُ الصَّوْمُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.
وَفِي خَبَرٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ تَعْلِيلُ مَنْعِ صَوْمِهِ بِأَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ لَا يُصَامُ مَعَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمَّا أَشْبَهَ الْعِيدَ أَخَذَ مِنْ شَبَهِهِ النَّهْيَ عَنْ تَحَرِّي صَوْمِهِ وَبِصَوْمِهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ يَنْتَفِي التَّحَرِّي، أَمَّا لَوْ صَامَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ لِمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ يَوْمًا بَعْدَهُ» وَخَبَرُ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِمِ: «إنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ وَذِكْرٍ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ وَلَكِنْ اجْعَلُوهُ يَوْمَ فِطْرٍ وَذِكْرٍ إلَّا أَنْ تَخْلِطُوهُ بِأَيَّامٍ» . اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ» أَيْ وَحْدَهُ، فَإِنْ صَامَهُ مَعَ الْأَحَدِ لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ لَمْ يُعَظِّمْهُ أَحَدٌ.
وَبِهَذَا انْدَفَعَ اعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ ضَمَّ الْمَكْرُوهِ لِلْمَكْرُوهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: «فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» أَيْ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ فَلَا يُكْرَهُ الْإِفْرَادُ فِيهَا ق ل.

قَوْلُهُ: (وَاجِبٍ) كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَقَوْلُهُ أَوْ مُسْتَحَبٍّ كَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا الْمُسْتَحَبَّةِ.
وَ " مُسْتَحَبٍّ " مَعْطُوفٌ عَلَى مَكْرُوهٍ، أَيْ وَمَعَ اسْتِحْبَابِهِ فَصَوْمُ يَوْمٍ وَفِطْرُ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْهُ اهـ مَرْحُومِيٌّ.
وَسُئِلَ الشِّهَابُ م ر عَمَّنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا فَوَافَقَ يَوْمَ فِطْرِهِ يَوْمًا مِمَّا يُطْلَبُ صَوْمُهُ كَيَوْمِ الِاثْنَيْنِ أَوْ الْخَمِيسِ هَلْ فِطْرُهُ أَفْضَلُ أَمْ صَوْمُهُ وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَفْضَلَ صَوْمُهُ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَمَّا ذَكَرَ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ حَقٍّ وَلَا ضَرَرًا.

قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ صَوْمُ الْمَرْأَةِ إلَخْ) هَذَا حَيْثُ جَازَ التَّمَتُّعُ بِهَا وَإِلَّا فَلَا، كَأَنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ الْوَطْءِ كَإِحْرَامٍ أَوْ اعْتِكَافٍ، وَحَيْثُ لَمْ يَقُمْ بِهَا مَانِعٌ كَالرَّتْقِ وَالْقَرْنِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِإِذْنِهِ) وَعِلْمُهَا بِرِضَاهُ كَإِذْنِهِ.
كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَمَحَلُّهُ فِي الصَّوْمِ الْمُتَكَرِّرِ فِي السَّنَةِ كَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، بِخِلَافِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ لِأَنَّهُمَا نَادِرَانِ فِي السَّنَةِ مَرَّةً.
قَوْلُهُ: «وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ» أَيْ حَاضِرٌ.

قَوْلُهُ: (بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ) وَمِثْلُهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ إلَّا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَالْجِهَادَ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ مُنْفَرِدًا،

  • عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ.
    .

وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمٍ وَاجِبٍ أَوْ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ سَوَاءٌ كَانَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ كَصَوْمِ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، أَوْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ بِلَا عُذْرٍ أَمْ لَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِذَلِكَ.
تَتِمَّةٌ: أَفْضَلُ الشُّهُورِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، ثُمَّ رَجَبٌ، ثُمَّ بَاقِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، ثُمَّ شَعْبَانُ.

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل