حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 371-410
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ

صفحات 371-410
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

الْفَحْلِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ (إلَى الْمَرْأَةِ) وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ (عَلَى سَبْعَةِ أَضْرُبٍ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ، فَخَرَجَ بِقَيْدِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَسَيَأْتِي حُكْمُ نَظَرِهَا لِمِثْلِهَا لَكِنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ خُرُوجَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَهُ فِي النَّظَرِ حُكْمُ الرَّجُلِ، وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ الْمَمْسُوحِ فَنَظَرُهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ جَائِزٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَنَظَرِ الْفَحْلِ إلَى مَحَارِمِهِ.
تَنْبِيهٌ شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: الرَّجُلَ الْفَحْلَ وَالْخَصِيَّ وَهُوَ مَنْ قُلِعَتْ أُنْثَيَاهُ وَبَقِيَ ذَكَرُهُ، وَالْمَجْبُوبَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ مَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَبَقِيَ أُنْثَيَاهُ، وَالْعِنِّينَ وَالشَّيْخَ الْهَرَمَ وَالْمُخَنَّثَ وَهُوَ بِكَسْرِ النُّونِ عَلَى الْأَفْصَحِ الْمُتَشَبِّهِ بِالنِّسَاءِ.
وَبِقَيْدِ الْبَالِغِ الصَّبِيُّ وَلَوْ مُمَيِّزًا لَكِنَّ الْمُرَاهِقَ هُنَا كَالْبَالِغِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِقَيْدِ الْعَاقِلِ الْمَجْنُونُ فَنَظَرُهُ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ

[حاشية البجيرمي]

بَعْضُهُمْ: إنَّمَا قُيِّدَ بِالْفَحْلِ لِإِخْرَاجِ الْمَمْسُوحِ فَقَطْ دُونَ مَنْ عَدَاهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ صَنِيعِهِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (الْبَالِغِ) ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ الْبَالِغُ، أَوْ يُقَالُ ذَكَرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الرَّجُلَ مُرَادٌ بِهِ مَا قَابَلَ الْأُنْثَى فَيَشْمَلُ الصَّغِيرَ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الصَّبِيَّ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْمَرْأَةِ) الْمُرَادُ بِهَا مَنْ بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ) لِكِبَرٍ لَا لِصِغَرٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي الْمَرْأَةِ ق ل. قَوْلُهُ: (عَلَى سَبْعَةِ أَضْرُبٍ) الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ هُوَ النَّظَرُ لِأَجْلِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا ذِكْرُ بَقِيَّةِ الْأَقْسَامِ فَلِلْمُنَاسَبَةِ وَتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ.
وَوَجْهُ التَّقْسِيمِ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ مُطْلَقًا وَذَلِكَ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَذَلِكَ فِي الْمَحَارِمِ وَالْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ أَوْ الْمُعْتَدَّةِ أَوْ نَحْوِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ لِأَجْلِ الْخِطْبَةِ وَذَلِكَ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، وَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ لِأَجْلِ الْمُدَاوَاةِ وَذَلِكَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَإِمَّا لِلْمُعَامَلَةِ وَالشَّهَادَةِ وَذَلِكَ لِلْوَجْهِ فَقَطْ؛ فَإِنْ كَانَ لِلشَّهَادَةِ عَلَى رَضَاعٍ أَوْ زِنًا فَبِالنَّظَرِ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِتَقْلِيبِ أَمَةٍ يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَذَلِكَ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيبِهَا مِنْ الْبَدَنِ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ اهـ م د. قَوْلُهُ: (نَظَرِهَا لِمِثْلِهَا) وَهُوَ أَنَّ نَظَرَهَا لِمِثْلِهَا كَنَظَرِ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ عِبَارَتَهُ تُوهِمُ) مَا لَمْ يُرِدْ الرَّجُلَ وَلَوْ احْتِمَالًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخُنْثَى مَعَ النِّسَاءِ كَالرَّجُلِ وَمَعَ الرِّجَالِ كَالْمَرْأَةِ وَكَذَلِكَ مَعَ الْخَنَاثَى بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ لِلِاحْتِيَاطِ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء تَغْسِيلُهُ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ تَنْقَطِعُ مَعَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ الْمَمْسُوحِ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَحْلِ مَا عَدَا الْمَمْسُوحَ، وَقَوْلُهُ الْآتِي شَمِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الرَّجُلَ الْفَحْلَ وَالْخَصِيَّ وَالْمَجْبُوبَ وَالْعِنِّينَ وَالشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالْمُخَنَّثَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَحْلِ مَا عَدَا الْخَمْسَةَ الَّتِي بَعْدَهُ؛؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ تَنَاقُضٌ.
ثُمَّ رَأَيْت لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ " وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ إلَخْ " يَقْتَضِي أَنَّ مُقَابِلَ الْفَحْلِ الْمَمْسُوحُ فَقَطْ وَأَنَّ الْمَجْبُوبَ وَالْخَصِيَّ مِنْ الْفَحْلِ، وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْآتِي يَقْتَضِي أَنَّ الثَّلَاثَةَ تُقَابِلُ الْفَحْلَ، فَتَنَاقَضَ كَلَامُهُ وَمَا فِي التَّنْبِيهِ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلُّغَةِ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ وَبِقَيْدِ الْفَحْلِ غَيْرُهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ مَمْسُوحًا فَجَائِزٌ نَظَرُهُ وَإِنْ كَانَ خَصِيًّا أَوْ مَجْبُوبًا فَكَالْفَحْلِ؛ وَلَعَلَّ اقْتِصَارَ الشَّارِحِ فِي الْإِخْرَاجِ عَلَى الْمَمْسُوحِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْإِخْرَاجِ وَأَنَّ فِي مَفْهُومِ الْفَحْلِ تَفْصِيلًا فَلَا يُنَاقِضُ مَا ذُكِرَ فِي التَّنْبِيهِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: (الْمَمْسُوحُ) هُوَ ذَاهِبُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَهْوَةٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ فَإِنْ بَقِيَتْ فَكَالْفَحْلِ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ اهـ قِ ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ وَيُسَمَّى الْمَمْسُوحُ طَوَاشِيًا.
قَوْلُهُ: (فَنَظَرُهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ جَائِزٌ) أَيْ إنْ كَانَ عَدْلًا.
وَعِبَارَةُ م ر: وَنَظَرُ مَمْسُوحِ ذَكَرِهِ كُلِّهِ وَأُنْثَيَاهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبْقَى فِيهِ مَيْلٌ لِلنِّسَاءِ أَصْلًا، وَإِسْلَامِهِ فِي الْمُسْلِمَةِ وَعَدَالَتِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالْعَدَالَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ حَرَامٌ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَمَالَ إلَيْهِ السُّبْكِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَنَظَرِ الْفَحْلِ) أَيْ فَيَنْظُرُ الْمَمْسُوحُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا.
قَوْلُهُ: (قُلِعَتْ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْقَطْعِ وَلِفَقْدِهِمَا أَصَالَةً أَيْ خِلْقَةً.
قَوْلُهُ: (الْمُرَاهِقَ إلَخْ) بِكَسْرِ الْهَاءِ هُوَ مَا قَارَبَ الِاحْتِلَامَ، أَيْ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ سِنِّهِ وَهُوَ قُرْبُ خَمْسَةَ عَشْرَ سَنَةً فِيمَا يَظْهَرُ.
وَخَرَجَ بِالْمُرَاهِقِ غَيْرُهُ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ حِكَايَةَ مَا يَرَاهُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ فَكَالْمُحْرِمِ، أَوْ بِشَهْوَةٍ فَكَالْبَالِغِ، أَوْ لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ فَكَالْعَدِمِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ اهـ م ر؛ فَغَيْرُ

كَالْبَهِيمَةِ.
(أَحَدُهَا نَظَرُهُ) أَيْ الرَّجُلِ (إلَى) بَدَنِ امْرَأَةٍ (أَجْنَبِيَّةٍ) غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ قَصْدًا (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) مِمَّا سَيَأْتِي (فَغَيْرُ جَائِزٍ) قَطْعًا وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ، وَأَمَّا نَظَرُهُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَحَرَامٌ عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ تَدْعُو إلَى الِاخْتِلَاءِ

[حاشية البجيرمي]

الْبَالِغِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ.
قَوْلُهُ: (كَالْبَالِغِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ النَّظَرِ وَيَحْرُمَ عَلَيْهِنَّ الْكَشْفُ عِنْدَهُ هَكَذَا ظَهَرَ لِي.
قَوْلُهُ: (فَنَظَرُهُ لَا يُوصَفُ إلَخْ) أَيْ وَكَذَا نَظَرُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ لَا يُوصَفُ بِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (كَالْبَهِيمَةِ) لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَى الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ النَّظَرُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُهَا نَظَرُهُ إلَى بَدَنِ أَجْنَبِيَّةٍ إلَخْ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَحْرُمُ رُؤْيَةُ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا وَإِنْ أُبِينَ كَظُفْرٍ وَشَعْرِ عَانَةٍ وَإِبْطٍ وَدَمِ حَجْمٍ وَفَصْدٍ، لَا نَحْوِ بَوْلٍ كَلُعَابٍ وَالْعِبْرَةُ فِي الْمُبَانِ بِوَقْتِ الْإِبَانَةِ، فَيَحْرُمُ مَا أُبِينَ مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ وَإِنْ نَكَحَهَا وَلَا يَحْرُمُ مَا أُبِينَ مِنْ زَوْجَةٍ وَإِنْ أَبَانَهَا.
وَشَمِلَ النَّظَرُ مَا لَوْ كَانَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ أَوْ مُهَلْهَلِ النَّسْجِ، وَخَرَجَ بِهِ رُؤْيَةُ الصُّورَةِ فِي نَحْوِ الْمِرْآةِ وَمِنْهُ الْمَاءُ فَلَا يَحْرُمُ وَلَوْ مَعَ شَهْوَةٍ.
وَيَحْرُمُ سَمَاعُ صَوْتِهَا وَلَوْ نَحْوَ الْقُرْآنِ إنْ خَافَ مِنْهُ فِتْنَةً أَوْ الْتَذَّ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالْأَمْرَدُ فِيمَا ذُكِرَ كَالْمَرْأَةِ اهـ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر: أَنَّهُ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا شَعْرٌ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ، وَلَا نَظَرَ لِانْفِصَالِهِ فِي وَقْتٍ كَانَ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ النَّظَرُ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ الْتَذَّ بِهِ " أَيْ وَمَا وَقَعَ فِي ع ش عَلَى م ر مِنْ جَوَازِ السَّمَاعِ وَإِنْ الْتَذَّ بِهِ فَسَهْوٌ مِنْ الشَّيْخِ، فَفُهِمَ أَنْ يَقُولَ م ر: وَكَذَا سَمَاعُ الصَّوْتِ رَاجِعٌ لِلنَّفْيِ قَبْلَهُ، فَرُتِّبَ عَلَيْهِ الْجَوَازُ مَعَ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ، أَيْ وَكَذَا سَمَاعُ الصَّوْتِ فَلَا يَجُوزُ بِدَلِيلِ قَوْلِ م ر بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ، فَإِنَّ الَّذِي بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ إنَّمَا هُوَ الْحُرْمَةُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا.
وَمِنْ الصَّوْتِ الزَّغَارِيتُ كَمَا فِي ع ش. وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ: هَلْ بَوْلُ الْمَرْأَةِ كَدَمِ فَصْدِهَا فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ أَوْ لَا؟ وَيُفَرَّقُ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ جُزْءٌ مِمَّنْ يَحْرُمُ نَظَرُهُ، فَإِنَّ الْبَوْلَ لَا يُعَدُّ جُزْءًا بِخِلَافِ الدَّمِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. أَقُولُ: الْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ لِمَا عُلِّلَ بِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ: بَوْلُك طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: دَمُك اهـ. وَرُؤْيَةُ الدَّمِ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَالْبَوْلِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) أَخْرَجَهُمَا لِأَجْلِ حِكَايَةِ الْخِلَافِ الْآتِي فِيهِمَا.
وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ وُجُودِ الشَّهْوَةِ وَالْفِتْنَةِ وَعَدَمِهِمَا أَوْ وُجُودِ أَحَدِهِمَا وَعَدَمِ الْآخَرِ؛ وَلَكِنَّ الْمُنَاسِبَ لِقَوْلِهِ الْآتِي، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِذَلِكَ إسْقَاطُ قَوْلِهِ غَيْرَ إلَخْ.
قَوْله: (وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ) غَايَةٌ فِي الْحُرْمَةِ.
قَوْلُهُ: (قَصْدًا) خَرَجَ مَا لَوْ وَقَعَ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا يَحْرُمُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا سَيَأْتِي) أَيْ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ لِلشَّهَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ.
قَوْلُهُ: (فَغَيْرُ جَائِزٍ قَطْعًا) أَيْ لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَّا هُوَ فَقَدْ اُخْتُصَّ بِإِبَاحَةِ النَّظَرِ إلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْخَلْوَةِ بِهِنَّ وَإِرْدَافِهِنَّ عَلَى الدَّابَّةِ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ لِعِصْمَتِهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنْ قِصَّةِ أُمِّ حَرَامٍ فِي دُخُولِهِ عَلَيْهَا وَنَوْمِهِ عِنْدهَا وَتَفْلِيَتِهَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ وَلَا زَوْجِيَّةٌ، وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً مِنْ رَضَاعٍ فَرَدَّهُ الدِّمْيَاطِيُّ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ.
وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ كَانَ يُصَافِحُ النِّسَاءَ فِي بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ وَذَلِكَ لِعِصْمَتِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ مُصَافَحَةُ الْأَجْنَبِيَّةِ لِعَدَمِ أَمْنِ الْفِتْنَةِ اهـ مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ؛ لَكِنْ رَأَيْت فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ أَيْ يُبَايِعُهُنَّ، فَإِذَا أَحْرَزْنَ أَيْ حَفِظْنَ الْمُبَايَعَةَ قَالَ: اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ» اهـ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ) هِيَ مَيْلُ النَّفْسِ وَدُعَاؤُهَا إلَى الْجِمَاعِ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا نَظَرُهُ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَحَرَامٌ) وَفِي وَجْهٍ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِالْوَجْهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمَالِكِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا فِي طَرِيقِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَعَلَى الرِّجَالِ غَضُّ الْبَصَرِ عَنْهُنَّ، وَصَوْتُهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنْ يَحْرُمُ الْإِصْغَاءُ إلَيْهِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَإِذَا قَرَعَ بَابُ الْمَرْأَةِ أَحَدٌ فَلَا تُجِيبُهُ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ بَلْ تُغْلِظُ صَوْتَهَا بِأَنْ تَأْخُذَ طَرَفَ كَفَّيْهَا بِفِيهَا وَتُجِيبَ.
وَفِي الْعُبَابِ: وَيُنْدَبُ إذَا خَافَتْ دَاعِيًا أَنْ تُغْلِظَ صَوْتَهَا بِوَضْعِ ظَهْرِ كَفِّهَا عَلَى فِيهَا اهـ. قَوْلُهُ: (فَحَرَامٌ) وَيُجِيبُ هَذَا الْقَائِلُ عَنْ الْآيَةِ الْآتِيَةِ بِأَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي الصَّلَاةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ) أَيْ بِأَنْ يُفْتَنَ عَقْلُهُ، وَهَذَا قَيْدٌ لِأَجْلِ قَوْلِهِ " بِالْإِجْمَاعِ ". وَقَوْلُهُ " تَدْعُو إلَى الِاخْتِلَاءِ " كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ ذَلِكَ وَيَقُولُ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ،

بِهَا لِجِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ نَظَرَ إلَيْهِمَا بِشَهْوَةٍ وَهِيَ قَصْدُ التَّلَذُّذِ بِالنَّظَرِ الْمُجَرَّدِ وَأَمِنَ الْفِتْنَةَ حَرُمَ قَطْعًا، وَكَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِمَا عِنْدَ الْأَمْنِ مِنْ الْفِتْنَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ.
وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ، وَبِأَنَّ النَّظَرَ مَظِنَّةُ الْفِتْنَةِ وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] وَاللَّائِقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ سَدُّ الْبَابِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَنَسَبَهُ الْإِمَامُ لِلْجُمْهُورِ وَالشَّيْخَانِ لِلْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: إنَّهُ الصَّوَابُ لِكَوْنِ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ اهـ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِذَلِكَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْقَصْدِ مَا إذَا حَصَلَ النَّظَرُ اتِّفَاقًا فَلَا إثْمَ فِيهِ

(وَ) الضَّرْبُ (الثَّانِي نَظَرُهُ) أَيْ الرَّجُلِ (إلَى) بَدَنِ (زَوْجَتِهِ وَ) إلَى بَدَنِ (أَمَتِهِ) الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا (فَيَجُوزُ)

[حاشية البجيرمي]

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَدْعُو صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْفِتْنَةِ؛ لِأَنَّهَا مَيْلُ النَّفْسِ إلَى الِاخْتِلَاءِ بِهَا بِجِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَظَرَ إلَيْهِمَا) أَيْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الشَّهْوَةُ قَصْدُ التَّلَذُّذِ، أَيْ وَهِيَ التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ الْمَقْصُودِ لِيُوَافِقَ تَفْسِيرَ غَيْرِهِ لَهَا بِأَنَّهَا التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ، فَلَا مُخَالَفَةَ وَلَا إيرَادَ.
قَوْلُهُ: (الْمُجَرَّدِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ جِمَاعٍ وَلَا مُقَدِّمَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَوَجَّهَهُ) أَيْ تَحْرِيمَ النَّظَرِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (سَافِرَاتِ الْوُجُوهِ) أَيْ كَاشِفَاتٍ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَمُحَرِّكٌ) أَيْ مُثِيرٌ لَهَا.
قَوْلُهُ: (سَدُّ الْبَابِ) أَيْ بَابِ النَّظَرِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَمْ لَا.
وَقَوْلُهُ " وَالْإِعْرَاضُ " عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ) أَيْ بَيْنَ الشَّهْوَةِ وَالْفِتْنَةِ وَعَدَمِهَا وَالْعَدَالَةِ وَعَدَمِهَا.
قَوْلُهُ: (كَالْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَصِّلُوا فِي ذَلِكَ بَلْ حَرَّمُوا الِاخْتِلَاءَ بِهَا مُطْلَقًا سَدًّا لِبَابِ الْفَسَادِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ لَا يَحْرُمُ) أَيْ النَّظَرُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: 31] أَيْ مَوَاضِعَهَا، أَوْ أَنَّهُ أَطْلَقَ الزِّينَةَ عَلَى مَحَلِّهَا مَجَازًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أَيْ إلَّا مَا غَلَبَ ظُهُورُهُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ فِي الْآيَةِ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ؛؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا فَيُبْدِينَهُ أَيْ يُظْهِرْنَهُ مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فَالْجَوَابُ مَا تَقَدَّمَ هَذَا وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذِهِ وَارِدَةٌ فِي عَوْرَةِ الصَّلَاةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا عَامَّةٌ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ.
قَوْلُهُ مَا ظَهَرَ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ) أَيْ الدَّلِيلِ وَالْمَأْخَذِ، أَيْ فَالْمُدْرَكُ وَهُوَ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ عَدَمِ الْحُرْمَةِ؛ وَلَكِنَّ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ لِلِاحْتِيَاطِ اهـ م د، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ الِاسْتِدْرَاكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّك إنْ نَظَرْت لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور: 30] وَلِقَوْلِهِ سَدُّ الْبَابِ رَجَّحْت الْحُرْمَةَ، وَإِنْ نَظَرْت لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] رَجَّحْت جَوَازَ النَّظَرِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ غَيْرُ خَاصَّةٍ بِالصَّلَاةِ.
وَهَذَا بِالنَّظَرِ لِلدَّلِيلِ، أَمَّا الْفَتْوَى وَالْمَذْهَبُ فَعَلَى كَلَامِ الْمِنْهَاجِ مِنْ الْحُرْمَةِ مُطْلَقًا؛ ثُمَّ رَأَيْت فِي الزِّيَادِيِّ مَا نَصُّهُ: لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ الْعِرَاقِيِّ أَنَّ الْبُلْقِينِيُّ قَالَ: التَّرْجِيحُ بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي الْمِنْهَاجِ، أَيْ أَنَّ الْمُدْرَكَ مَعَ مَا فِي الْمِنْهَاجِ وَهُوَ سَدُّ بَابِ النَّظَرِ اهـ. وَالْمُدْرَكُ بِضَمِّ الْمِيمِ مَعَ فَتْحِ الرَّاءِ أَيْ مَحَلُّ الْإِدْرَاكِ وَهُوَ الدَّلِيلُ وَأَمَّا الْفَتْحُ فَهُوَ تَحْرِيفٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (شَامِلٌ لِذَلِكَ) أَيْ لِمَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ حُرْمَةِ النَّظَرِ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (اتِّفَاقًا) أَيْ وَلَوْ تَكَرَّرَ.

قَوْلُهُ: (نَظَرُهُ) وَكَذَا مَسُّهُ حَتَّى الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي الْمَسِّ، بِخِلَافِ نَظَرِ الْفَرْجِ فَيُكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ) قَيْدٌ فِي كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَمِثْلُهَا الْمُكَاتَبَةُ وَالْمُشْتَرَكَةُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي.
وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الَّتِي يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِمَا لِيَرْجِعَ لِلزَّوْجَةِ أَيْضًا لِتَخْرُجَ الرَّجْعِيَّةُ وَالْمُعْتَدَّةُ عَنْ شُبْهَةٍ، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ حَذْفٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلَى زَوْجَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ

حِينَئِذٍ (أَنْ يَنْظُرَ إلَى) كُلِّ بَدَنِهِمَا حَالَ حَيَاتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اسْتِمْتَاعِهِ (مَا عَدَا الْفَرْجَ) الْمُبَاحَ مِنْهُمَا، فَلَا يَجُوزُ جَوَازًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ فَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَإِلَى بَاطِنِهِ أَشَدُّ كَرَاهَةٍ «قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا رَأَيْت مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّي» أَيْ الْفَرْجَ.
وَأَمَّا خَبَرُ: «النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ يُورِثُ الطَّمْسَ» أَيْ الْعَمَى كَمَا وَرَدَ كَذَلِكَ، فَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ فِي الضُّعَفَاءِ بَلْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِ النَّظَرِ، وَخَالَفَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَحَسُنَ إسْنَادُهُ وَقَالَ: أَخْطَأَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ يُوهِمُ الْحُرْمَةَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ يُورِثُ الْعَمَى فَقِيلَ فِي النَّاظِرِ وَقِيلَ فِي الْوَلَدِ وَقِيلَ فِي الْقَلْبِ، وَنَظَرُ الزَّوْجَةِ إلَى زَوْجِهَا كَنَظَرِهِ إلَيْهَا.
تَنْبِيهٌ شَمِلَ كَلَامُهُمْ الدُّبُرَ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ: وَالتَّلَذُّذُ بِالدُّبُرِ بِلَا إيلَاجٍ جَائِزٌ صَرِيحٌ فِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الدَّارِمِيُّ وَقَالَ بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ.
وَيَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ وَطْءِ الْغَيْرِ بِشُبْهَةٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إلَى عَوْرَةِ زَوْجِهَا إذَا مَنَعَهَا مِنْهُ بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ بِهَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ مَا بَعْدَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَنْظُرَ إلَخْ لَكِنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَيَسْتَثْنِي زَوْجَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا حَذْفَ مِنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ حَلَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْظُرَ) خَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ، فَلَا خِلَافَ فِي حِلِّهِ وَلَوْ لِلْفَرْجِ اهـ. قَوْلُهُ: (حَالَ حَيَاتِهِمَا) قُيِّدَ فِيهِمَا، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُحْتَرَزَهُ فِي الْأَمَةِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالْمُقَايَسَةِ وَخَرَجَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَحْرُمُ بِشَهْوَةٍ كَمَا قَالَهُ م ر. قَوْلُهُ: (الْمُبَاحِ) أَخْرَجَ الْفَرْجَ الَّذِي لَا يُبَاحُ وَطْؤُهُ وَهُوَ الدُّبُرُ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (جَوَازًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ) أَيْ بَلْ يَجُوزُ مَعَ تَرْجِيحِ الْكَرَاهَةِ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا.
وَلَا كَرَاهَةَ فِي نَظَرِ الدُّبُرِ لَكِنْ فِي الَأُجْهُورِيُّ عَنْ م ر أَنَّهُ يُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَمِثْلُهُ فِي الزِّيَادِيِّ، فَمَا فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ أَنَّ الدُّبُرَ لَا كَرَاهَةَ فِي النَّظَرِ إلَيْهِ سَهْوٌ وَلَعَلَّ تَقْيِيدَ الشَّارِحِ الْفَرْجَ بِالْمُبَاحِ لِإِخْرَاجِ الدُّبُرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ خِلَافًا هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْفَرْجِ سَوَاءٌ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ عَائِشَةُ إلَخْ) هَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الْكَرَاهَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَفْيُهَا الرُّؤْيَةَ لِشِدَّةِ الْحَيَاءِ.
قَوْلُهُ: (فِي الضُّعَفَاءِ) أَيْ فِي الْأَحَادِيثِ الضُّعَفَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْمُسَمَّى بِالنَّظَرِ) أَيْ بِالْبَصِيرَةِ وَقَوْلُهُ فِي أَحْكَامِ النَّظَرِ أَيْ بِالْبَصَرِ.
قَوْلُهُ: (وَخَالَفَ ابْنُ الصَّلَاحِ) أَيْ خَالَفَ ابْنَ حِبَّانَ فِي عَدِّهِ فِي الضُّعَفَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَحَسَّنَ إسْنَادَهُ) أَيْ نَقَلَ تَحْسِينَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا يُمْكِنُ التَّحْسِينُ فِي زَمَانِنَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ) أَيْ حُمِلَ النَّهْيُ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: (يُوهِمُ الْحُرْمَةَ) أَيْ حَيْثُ قَالَ: مَا عَدَا الْفَرْجَ، فَيُوهِمُ إخْرَاجَهُ مِنْ طَرَفِ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (كَنَظَرِهِ إلَيْهَا) أَيْ جَائِزٌ، وَلَيْسَ التَّشْبِيهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يُكْرَهُ نَظَرُهَا لِفَرْجِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ فِي قُبُلِ الْمَرْأَةِ خِلَافًا لِلدَّارِمِيِّ فِي الدُّبُرِ بِلَا مَانِعٍ لَهُ أَيْ لِلنَّظَرِ لِكُلٍّ.
قَوْلُهُ: (شَمِلَ كَلَامُهُمْ) أَيْ الْأَئِمَّةِ، وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَا يَشْمَلُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْفَرْجَ بِالْمُبَاحِ فَأَخْرَجَ الدُّبُرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ الْإِمَامِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.
قَوْلُهُ " صَرِيحٌ ". قَوْلُهُ: (وَالتَّلَذُّذُ بِالدُّبُرِ بِلَا إيلَاجٍ جَائِزٌ) شَامِلٌ لِمَسِّهِ بِذَكَرِهِ بِلَا إيلَاجٍ سم.
وَقَوْلُهُ " صَرِيحٌ فِيهِ " أَيْ فِي الشُّمُولِ.
قَوْلُهُ: (بِحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ) أَيْ الدُّبُرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّبُرَ فِيهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: قِيلَ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَثْنِي) أَيْ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ، وَأَمَّا عَلَى تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَلَا اسْتِثْنَاءَ وَكَانَ الْأَوْلَى، وَخَرَجَ بِحِلِّ التَّمَتُّعِ إلَخْ أَوْ يَقُولُ أَمَّا الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذَا بِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الْمَتْنِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ) أَيْ مَا سِوَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ إذَا مَنَعَتْهُ مِنْ النَّظَرِ.
وَقَوْلُهُ " فَلَهَا النَّظَرُ " مَا لَمْ يَمْنَعْهَا فَإِنْ مَنَعَهَا حَرُمَ النَّظَرُ لِمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، هَذَا مَا تَحَرَّرَ بَعْدَ التَّوَقُّفِ ز ي. وَفِي ع ش عَلَى م ر: قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا، أَيْ فَإِنْ مَنَعَهَا حَرُمَ عَلَيْهَا النَّظَرُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ لِغَيْرِ الْعَوْرَةِ، وَكُتِبَ أَيْضًا: قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَمْنَعْهَا اعْتَمَدَ ابْنُ حَجَرٍ

الْمَوْتِ فَيَصِيرُ الزَّوْجُ فِي النَّظَرِ حِينَئِذٍ كَالْمَحْرَمِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ بِالْمَحْرَمِ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِشَهْوَةٍ فِي غَيْرِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَإِلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ، وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ

[حاشية البجيرمي]

الْجَوَازَ وَلَوْ مَنَعَهَا، وَكَتَبَ عَلَيْهِ سم فَرْعُ الْخِلَافِ الَّذِي فِي النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ لَا يَجْرِي فِي مَسِّهِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ؛ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ بِتَحْرِيمِ مَسِّ الْفَرْجِ لَهُ وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ اهـ سُبْكِيٌّ.
وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ بِلَا ضَرَرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اهـ قَالَ أج: وَلَوْ مَنَعَ وَالِدَتَهُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا نَظَرُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ نَظَرَ الْوَالِدَةِ إلَى وَلَدِهَا جَائِزٌ بِنَصِّ الشَّرْعِ وَلَا كَذَلِكَ الزَّوْجَةُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْحَيَاةِ ق ل، لَكِنْ بِلَا شَهْوَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ حَتَّى الْفَرْجِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ) مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ الرَّمْلِيِّ عَدَمُ الْحُرْمَةِ، وَيَحِلُّ بِلَا شَهْوَةٍ نَظَرٌ لِصَغِيرَةٍ لَا تُشْتَهَى خَلَا فَرْجٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ، أَمَّا الْفَرْجُ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ ذَكَرٍ أَمْ مِنْ أُنْثَى؛ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْأُمَّ زَمَنَ الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ اهـ مَرْحُومِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " لَا تُشْتَهَى " أَيْ عِنْدَ أَهْلِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ تُشْتَهَ لَهُمْ لِتَشَوُّهٍ بِهَا قُدِّرَ فِيمَا يَظْهَرُ زَوَالُ تَشَوُّهِهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ مُشْتَهَاةً لَهُمْ حِينَئِذٍ حَرُمَ نَظَرُهَا وَإِلَّا فَلَا.
وَفَارَقَتْ الْعَجُوزُ بِسَبْقِ اشْتِهَائِهَا وَلَوْ تَقْدِيرًا، فَاسْتُصْحِبَ، وَلَا كَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي مَظِنَّةٍ أَيْ فِي زَمَنِ مَظِنَّةٍ إلَخْ، أَوْ " فِي " زَائِدَةٌ.
وَقَوْلُهُ " أَمَّا الْفَرْجُ " أَيْ الْقُبُلُ أَوْ الدُّبُرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ فِي الْقُبُلِ بِالنَّاقِضِ بَلْ حَتَّى مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ غَالِبًا.
وَقَوْلُهُ " الْأُمَّ " أَيْ وَنَحْوَهَا كَمُرْضِعٍ لَهَا أَوْ مُرَبٍّ لَهَا فَيَجُوزُ لَهَا نَظَرُهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَسَّهُ لِلْحَاجَةِ كَغُسْلِهِ وَمَسْحَهُ لِلْحَاجَةِ كَذَلِكَ.
وَالتَّعْبِيرُ بِالْإِرْضَاعِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَدَارُ عَلَى مَنْ يَتَعَهَّدُ الصَّبِيَّ بِالْإِصْلَاحِ وَلَوْ ذَكَرًا، كَإِزَالَةِ مَا عَلَى فَرْجِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ مَثَلًا كَدَهْنِ الْفَرْجِ بِمَا يُزِيلُ ضَرَرَهُ، ثُمَّ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَتَعَاطَى صَلَاحَهُ بَيْنَ كَوْنِ الْأُمِّ قَادِرَةً عَلَى كَفَالَتِهِ وَاسْتِغْنَائِهَا عَنْ مُبَاشَرَةِ غَيْرِهَا وَعَدَمِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الْفَرْجِ مَحَلُّهُ إذَا خُلِقَ بِلَا فَرْجٍ أَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ إعْطَاءً لَهُ حُكْمُ الْفَرْجِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر؛ قَالَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ: جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى فَرْجِ الصَّغِيرَةِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْعِدَّةِ الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِجَوَازِ النَّظَرِ إلَى فَرْجِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى وَالصَّغِيرِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: فِيهِ وَجْهَانِ؛ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَتَبْقَى الْإِبَاحَةُ إلَى بُلُوغِهِ بِسِنِّ التَّمْيِيزِ.
وَأَمَّا الْعَجُوزُ فَقَدْ أَلْحَقَهَا الْغَزَالِيُّ بِالشَّابَّةِ، فَإِنَّ الشَّهْوَةَ لَا تَنْضَبِطُ وَهِيَ مَحَلٌّ لِلْوَطْءِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا يُؤْمَنُ الِافْتِتَانُ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا جَازَ النَّظَرُ إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ إلَخْ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ وَإِلَى أَمَتِهِ إلَخْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ " وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ " أَيْ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ فِي حَقِّ أَمَتِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْمَحْرَمِ فَهُوَ مَفْرُوضٌ فِي الْمَوْتِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيَاةِ.
وَقَوْلُهُ " الَّتِي يَحِلُّ إلَخْ " لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَقَوْلُهُ " أَمَّا الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ فِيهَا ذَلِكَ " مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَإِلَى بَدَنِ أَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَلَيْسَ مَفْهُومٌ مَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّك عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ؛ هَكَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَشْمَاوِيُّ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ سَرَتْ لِلشَّارِحِ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ غَافِلًا عَمَّا سُبِقَ لَهُ، فَإِنَّهُ قَيْدٌ فِيهَا بِالزَّوْجِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا سَبَقَ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَيَصِيرُ الزَّوْجُ إلَخْ، فَقُيِّدَ بِالزَّوْجِ وَحَمْلُهُ عَلَى حَالَةِ الْحَيَاةِ يُصَيِّرُهُ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَإِنَّهُ شَامِلٌ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ.
وَقَوْلُهُ " أَمَّا الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ فِيهَا ذَلِكَ " يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَفْهُومُ مَا يَلِيهِ مِنْ قَوْلِهِ: " الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا " فَيَكُونُ رَاجِعًا لِحَالَةِ الْمَوْتِ، لَكِنْ لَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْمَفْهُومِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كَالْمَحْرَمِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَا الَّتِي لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَلَا فَرْقَ بَعْدَ

بِهَا، أَمَّا الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ فِيهَا ذَلِكَ بِكِتَابَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ كُفْرٍ كَتَوَثُّنٍ وَرِدَّةٍ وَعِدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ وَنَسَبٍ وَرَضَاعٍ وَمُصَاهَرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ مِنْهَا إلَى مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ دُونَ مَا زَادَ أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ قَرِيبِ الزَّوَالِ كَحَيْضٍ وَرَهْنٍ فَلَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهَا.

(وَ) الضَّرْبُ الثَّالِثُ (نَظَرُهُ إلَى ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ (أَوْ) إلَى (أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ) وَمِثْلِهَا الَّتِي يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا كَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ، فَيَجُوزُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فِيمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ مَعْنًى يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُنَاكَحَةِ، فَكَانَا كَالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالْمَانِعُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَمَةِ صَيْرُهَا كَالْمَحْرَمِ، أَمَّا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ فِي الْمَحْرَمِ إجْمَاعًا، وَمِثْلُ الْمَحْرَمِ الْأَمَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِنَظَرِ الْمَحْرَمِ وَالسَّيِّدِ فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي تَبَعًا لِغَيْرِهِ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ عَدَمِ الشَّهْوَةِ النَّظَرُ بِهَا، فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا فِي كُلِّ مَا لَا يُبَاحُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ

[حاشية البجيرمي]

الْمَوْتِ بَيْنَ الَّتِي يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَبَيْنَ الَّتِي لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَحِينَئِذٍ فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومُ قَوْلِ الشَّارِحِ سَابِقًا الَّتِي يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا فَيَكُونُ رَاجِعًا لِحَالَةِ الْحَيَاةِ إذْ هِيَ الَّتِي يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ مَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَمَا لَا يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (بِكِتَابَةٍ) أَيْ صَحِيحَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَرِكَةٍ) وَإِنَّمَا حَلَّ نَظَرُهُ لِأَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَيْ وَلَمْ يَحِلَّ لِلْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى سَيِّدَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَقْوَى مِنْ الْمَمْلُوكِيَّةِ، فَأُبِيحَ لِلْمَالِكِ مَا لَا يُبَاحُ لِلْمَمْلُوكِ اهـ م ر. وَعِبَارَةُ الشَّعْرَانِيِّ فِي الْمِيزَانِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ عَبْدَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا فَيَجُوزُ نَظَرُهُ إلَيْهَا وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالنَّوَوِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ لِسَيِّدَتِهِ، وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِهِ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَحْرَمٌ لَهَا لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ، وَالْآيَةُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْإِمَاءِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَقَامَ السِّيَادَةِ كَمَقَامِ الْأُمُومَةِ فِي نَفْرَةِ الطَّبْعِ مِنْ التَّلَذُّذِ بِالِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَمْ يُشَاهِدْهُ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدَتِهِ مِنْ الْهَيْبَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ السِّيَادَةَ تَنْقُصُ عَنْ مَقَامِ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَسَبٍ) أَيْ مَحْرَمِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُصَاهَرَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ أُمَّ زَوْجَتِهِ أَوْ زَوْجَةَ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ أَوْ بِنْتَ زَوْجَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَانِعٍ لَا يَزُولُ أَوْ بَعِيدِ الزَّوَالِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " وَنَحْوِ ذَلِكَ " لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ أُخْتُ مَوْطُوءَتِهِ أَوْ عَمَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذَا إذَا كَانَ الْمَانِعُ غَيْرَ زَائِلٍ أَوْ بَعِيدَ الزَّوَالِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ إلَخْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ إلَخْ " مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ " بِكِتَابَةٍ أَوْ تَزْوِيجٍ إلَخْ " لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا رَاجِعًا لِلْأَمَةِ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ فِيهَا وَفِي الزَّوْجَةِ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِكِتَابَةٍ إلَخْ خَاصٌّ بِالْأَمَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ أَمَّا الْمُحَرَّمَةُ بِعَارِضٍ رَاجِعٍ لِكُلِّ مِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ فَقَوْلُهُ كَحَيْضٍ رَاجِعٌ لَهُمَا وَقَوْلُهُ وَرَهْنٍ رَاجِعٌ لِلْأَمَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهَا) أَيْ لِكُلِّ بَدَنِهَا وَلَوْ بِشَهْوَةٍ، وَأَمَّا مَسُّ الْحَائِضِ فَيَجُوزُ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ دُونَ مَا بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الْمَرْهُونَةُ فَيَجُوزُ كُلٌّ مِنْ النَّظَرِ وَالْمَسِّ لِكُلِّ بَدَنِهَا.

صَاحِبَاتِ فَإِضَافَتُهَا بَيَانِيَّةٌ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ، أَوْ الْمُرَادُ بِالذَّوَاتِ الْأَبْدَانُ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحَارِمِ الْأَقَارِبُ؛ وَكَأَنَّهُ قَالَ: إلَى ذَوَاتِ أَقَارِبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعْتَدَّةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ) أَيْ النَّظَرُ دُونَ الْمَسِّ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ شَهْوَةٍ) أَيْ وَلَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تُحَرِّمُ الْمُنَاكَحَةَ فَكَانَا كَالرَّجُلَيْنِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ مِنْ قَوْمٍ يَعْتَقِدُونَ حِلَّ الْمَحَارِمِ كَالْمَجُوسِ امْتَنَعَ نَظَرُهُ وَخَلْوَتُهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (مَعْنًى) أَيْ وَصْفٌ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا بَيْنَ إلَخْ) كَذَا بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمُنَاسِبُ: أَمَّا مَا بَيْنَ إلَخْ تَأَمَّلْ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) عِبَارَةُ ح ل: وَأَمَّا السُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ فَلَا يَحْرُمَانِ عِنْدَ شَيْخِنَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ مَا يُفِيدُ حُرْمَةَ نَظَرِهِمَا اهـ نَعَمْ يَحْرُمُ نَظَرُ الْجُزْءِ الْمُلَاصِقِ لِلْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ اهـ قِ ل. قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ) أَيْ عِبَارَةُ الْمَتْنِ، وَقَوْلُهُ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي حَيْثُ قَالَ: فَيَجُوزُ النَّظَرُ فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِمَا فَوْقَ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ

بِهِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ فِي الْخِطْبَةِ يَجُوزُ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ كَمَا سَيَأْتِي

فِي قَوْلِهِ.
(وَ) الضَّرْبُ (الرَّابِعُ النَّظَرُ) الْمَسْنُونُ (لِأَجْلِ النِّكَاحِ) فَيَجُوزُ بَلْ يُسَنُّ إذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا وَرَجَا رَجَاءً ظَاهِرًا أَنَّهُ يُجَابُ إلَى خِطْبَتِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَقَدْ خَطَبَ امْرَأَةً: اُنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ» وَمَعْنَى يُؤْدَمُ يَدُومُ قُدِّمَتْ الْوَاوُ عَلَى الدَّالِ وَقِيلَ مِنْ الْإِدَامِ مَأْخُوذٌ مِنْ إدَامِ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ يَطِيبُ بِهِ حَكَى الْأَوَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالثَّانِيَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَوَقْتُ النَّظَرِ قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَبَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْعَزْمِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَبَعْدَ الْخِطْبَةِ قَدْ يُفْضِي الْحَالُ إلَى التَّرْكِ فَيَشُقُّ عَلَيْهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ النَّظَرُ عَلَى إذْنِهَا وَلَا إذْنِ وَلِيِّهَا اكْتِفَاءً بِإِذْنِ الشَّارِعِ، وَلِئَلَّا تَتَزَيَّنَ فَيَفُوتُ غَرَضُهُ.
وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ هَيْئَتَهَا فَلَا يَنْدَمُ بَعْدَ النِّكَاحِ.
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ الْحَاجَةُ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَسَوَاءٌ أَكَانَ بِشَهْوَةٍ أَمْ بِغَيْرِهَا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالرُّويَانِيُّ وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي نَظَرِهِ بِشَهْوَةٍ نَظَرٌ وَيَنْظُرُ فِي الْحُرَّةِ (إلَى) جَمِيعِ (الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) ظَهْرًا وَبَطْنًا؛ لِأَنَّهُمَا مَوَاضِعُ مَا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْحِكْمَةُ

[حاشية البجيرمي]

بِعِبَارَةِ، وَضَمَّنَ الْعِبَارَةَ مَعْنَى التَّعْبِيرِ فَعَدَّاهَا بِالْبَاءِ، وَإِلَّا فَكَانَ الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: وَهِيَ مَا فَوْقَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ مَا لَا يُبَاحُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهِ) آدَمِيًّا أَوْ جَمَادًا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّ النَّظَرَ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ " مُطْلَقًا " فَإِنَّهُ شَامِلٌ حَتَّى لِلنَّظَرِ لِلنِّكَاحِ.

قَوْلُهُ: (الْمَسْنُونُ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِأَجْلِ الْإِضْرَابِ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَا رَجَاءً ظَاهِرًا أَنَّهُ يُجَابُ إلَى خِطْبَتِهِ) وَإِنْ اسْتَوَتْ الْإِجَابَةُ وَعَدَمُهَا فَفِيهِ احْتِمَالَانِ، وَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ سم.
وَيُشْتَرَطُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنْ تَكُونَ خَلِيَّةً عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ.
تَنْبِيهٌ لَوْ رَأَى امْرَأَتَيْنِ مَعًا مِمَّنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُمَا فِي النِّكَاحِ لِيُعْجِبَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا يَتَزَوَّجُهَا جَازَ؛ وَلَا وَجْهَ لِمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ الْحُرْمَةِ.
وَيُؤَيِّدُ مَا نُقِلَ مَا لَوْ خَطَبَ خَمْسًا مَعًا حَيْثُ تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ حَتَّى يَخْتَارَ شَيْئًا اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ خَطَبَ) أَيْ عَزَمَ وَأَرَادَ خِطْبَتَهَا.
وَعِبَارَةُ حَجّ الْهَيْثَمِيِّ فِي كِتَابِهِ الْإِفْصَاحِ فِي أَحَادِيثِ النِّكَاحِ نَصُّهَا عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ» أَيْ أَرَادَ خِطْبَتَهَا، بِدَلِيلِ رِوَايَةٍ أُخْرَى: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالطَّبَرَانِيُّ.
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ الْمَرْأَةَ فَلْيَسْأَلْ عَنْ شَعْرِهَا فَإِنَّهُ أَحَدُ الْجَمَالَيْنِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ النَّجَّارِ وَغَيْرُهُ «عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ خَطَبْت جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لِي: رَأَيْتهَا؟ فَقُلْت: لَا فَقَالَ: فَانْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» أَيْ تَدُومَ الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ.
«فَأَتَيْتهمْ فَذَكَرْت ذَلِكَ إلَى وَالِدَيْهَا فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ فَقُمْت فَخَرَجْت، فَقَالَتْ الْجَارِيَةُ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ فَوَقَفْت نَاحِيَةَ خِدْرِهَا فَقَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَك أَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ فَانْظُرْ وَإِلَّا فَأَنَا أُحَرِّجُ عَلَيْك أَنْ تَنْظُرَ، فَنَظَرْت إلَيْهَا فَتَزَوَّجْتهَا فَمَا تَزَوَّجْت امْرَأَةً قَطُّ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْهَا وَلَا أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْهَا، وَقَدْ تَزَوَّجْت سَبْعِينَ امْرَأَةً» . قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ النَّظَرَ أَحْرَى أَيْ أَحَقُّ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَى يُؤْدَمَ) يَدُومَ قُدِّمَتْ الْوَاوُ عَلَى الدَّالِ وَفُتِحَتْ الدَّالُ فَهُوَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْوَاوِ وَعَلَى الثَّانِي بِالْهَمْزَةِ قَوْلُهُ وَقِيلَ مِنْ الْإِدَامِ عِبَارَةُ م ر وَقِيلَ مِنْ الْأُدْمِ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ الطَّعَامَ قَوْلُهُ: (وَوَقْتُ النَّظَرِ إلَخْ) قَالَ م ر وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ بَقَاءُ نَدْبِ النَّظَرِ وَإِنْ خَطَبَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ أَيْ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ بَعْدَ الْخِطْبَةِ أَيْضًا وَفِي حَاشِيَةِ ح ل فَهُوَ بَعْدَ الْخِطْبَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ بَلْ هُوَ جَائِزٌ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ وَلَا يَتَقَيَّدُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَنَّهُ إذَا اكْتَفَى بِمَرَّةٍ حَرُمَ مَا زَادَ اهـ م د وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّظَرَ بَعْدَ الْخِطْبَةِ قِيلَ إنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَقِيلَ مُبَاحٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ قَوْلُهُ: (اكْتِفَاءً بِإِذْنِ الشَّارِع) عِبَارَةُ

فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الْوَجْهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْجَمَالِ وَفِي الْيَدَيْنِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى خِصْبِ الْبَدَنِ، أَمَّا الْأَمَةُ وَلَوْ مُبَعَّضَةً فَيُنْظَرُ مِنْهَا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَقَالَ إنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ نَظَرُهُ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ بَعَثَ امْرَأَةً أَوْ نَحْوَهَا تَتَأَمَّلُهَا وَتَصِفُهَا لَهُ، وَيَجُوزُ لِلْمَبْعُوثِ أَنْ يَصِفَ لِلْبَاعِثِ زَائِدًا عَلَى مَا يَنْظُرُ فَيَسْتَفِيدُ بِالْبَعْثِ مَا لَا يَسْتَفِيدُهُ بِنَظَرِهِ، وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ أَيْضًا أَنْ تَنْظُرَ مِنْ الرَّجُلِ غَيْرَ عَوْرَتِهِ إذَا أَرَادَتْ تَزْوِيجَهُ فَإِنَّهَا يُعْجِبُهَا مِنْهُ مَا يُعْجِبُهُ مِنْهَا وَتَسْتَوْصِفُ كَمَا مَرَّ فِي الرَّجُلِ.
تَنْبِيهٌ قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَنْظُرُ مِنْ الْآخَرِ مَا عَدَا عَوْرَةَ الصَّلَاةِ وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ فَلَا يَجُوزُ إذْ

[حاشية البجيرمي]

م ر وَلَمْ يُنْظَرْ لِاشْتِرَاطِ إذْنِ مَالِكِ أَمْرِهَا كَأَنَّهُ لِمُخَالَفَةِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعِبَارَةُ النَّسَّابَةِ ثُمَّ الْمَنْظُورُ مِنْهَا الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ ظَهْرًا وَبَطْنًا وَلَا يُنْظَرُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَى الْمَفْصِلِ وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَيْهِمَا نَظَرَ الرَّجُلِ إلَى الرَّجُلِ اهـ قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْحِكْمَةُ تُوجَدُ فِي الْأَمَةِ فَمُقْتَضَاهَا أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ مِنْ الْأَمَةِ إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ كَالْحُرَّةِ لِلْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا قَالَ أَهْلُ الْفِرَاسَةِ وَالْخِبْرَةِ بِالنِّسَاءِ إذَا كَانَ فَمُ الْمَرْأَةِ وَاسِعًا كَانَ فَرْجُهَا وَاسِعًا وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا كَانَ فَرْجُهَا صَغِيرًا ضَيِّقًا وَإِنْ كَانَ شَفَتَاهَا غَلِيظَتَيْنِ كَانَ إسْكَتَاهَا غَلِيظَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ شَفَتَاهَا رَقِيقَتَيْنِ كَانَ إسْكَتَاهَا رَقِيقَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ السُّفْلَى رَقِيقَةً كَانَ فَرْجُهَا صَغِيرًا وَإِنْ كَانَ لِسَانُهَا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ كَانَ فَرْجُهَا جَافًّا مِنْ الرُّطُوبَةِ وَإِنْ كَانَ لِسَانُهَا مَقْطُوعَ الرَّأْسِ كَانَ فَرْجُهَا كَثِيرَ الرُّطُوبَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَدْبَاءَ الْأَنْفِ فَهِيَ قَلِيلَةُ الْغَرَضِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ مَا وَرَاءَ أُذُنِهَا مَخْسُوفًا فَإِنَّهَا شَدِيدَةُ الرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَتْ طَوِيلَةَ الذَّقَنِ فَإِنَّ فَاتِحَةَ الْفَرْجِ قَلِيلَةُ الشَّعْرِ وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةَ الذَّقَنِ فَإِنَّهَا غَامِضَةُ الْفَرْجِ وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةَ الْوَجْهِ غَلِيظَةَ الْعُنُقِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِغَرِ الْعَجُزِ وَكِبَرِ الْفَرْجِ وَضِيقِهِ وَإِذَا كَثُرَ ظَاهِرُ شَحْمِ قَدَمِهَا وَبَدَنِهَا عَظُمَ فَرْجُهَا وَحَظِيَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ نَتِيئَةَ السَّاقَيْنِ فِي صَلَابَةٍ فَإِنَّهَا شَدِيدَةُ الشَّهْوَةِ لَا صَبْرَ لَهَا عَنْ الْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ كَحِيلَةً كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْغُلْمَةِ وَضِيقِ الرَّحِمِ وَصِغَرُ الْعَجُزِ مَعَ عِظَمِ الْأَكْتَافِ يَدُلَّانِ عَلَى عِظَمِ الْفَرْجِ اهـ قَوْلُهُ أَمَّا الْأَمَةُ إلَخْ فَإِنْ قُلْت لِمَ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ هُنَا مَعَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي نَظَرِ الْفَحْلِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ عَلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ قُلْت لِأَنَّ النَّظَرَ هُنَا مَأْمُورٌ بِهِ وَإِنْ خِيفَ الْفِتْنَةُ فَأُنِيطَ بِغَيْرِ الْعَوْرَةِ وَهُنَاكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً بِدَلِيلِ حُرْمَةِ النَّظَرِ إلَى وَجْهِ الْحُرَّةِ وَبَدَنِهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ مَعَ التَّسْوِيَةِ فِي نَظَرِ الْفَحْلِ حَيْثُ يَحْرُمُ نَظَرُهُ لِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا وَلَوْ وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً وَقَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ بِخِلَافِ الرَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ نَظَرِ الْفَحْلِ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّةِ وَرُكْبَةِ الْأَمَةِ إنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ وَقَالَ أَيْضًا بِجَوَازِ نَظَرِهِ إلَى وَجْهِ الْحُرَّةِ وَكَفَّيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي الْمَحَلَّيْنِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ (وَقَالَ إنَّهُ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ) أَيْ تَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ حِلِّ مَا عَدَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ قَوْلُهُ (بَعَثَ امْرَأَةً أَوْ نَحْوَهَا) كَالْمَمْسُوحِ وَالْمَحْرَمِ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ امْرَأَةً تَخْطُبُ لَهُ امْرَأَةً فَقَالَ اُنْظُرِي إلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَعَرَاقِيبِهَا وَشُمِّي عَوَارِضَهَا» اهـ قَوْلُهُ (زَائِدًا عَلَى مَا يَنْظُرُهُ) أَيْ الْبَاعِثُ كَالصَّدْرِ وَالْبَطْنِ وَالْعَضُدَيْنِ قَوْلُهُ (إذَا أَرَادَتْ تَزْوِيجَهُ) أَيْ تَزَوُّجَهُ قَوْلُهُ (وَتَسْتَوْصِفُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ أَيْ إذَا أَرْسَلَتْ وَاحِدًا تَسْأَلُ مِنْهُ عَنْ صِفَاتِهِ قَوْلُهُ (أَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ) أَيْ مِنْ الْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبَةِ وَسَمَّاهُمَا زَوْجَيْنِ نَظَرًا لِلْمَآلِ ق ل قَوْلُهُ (وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ) وَلَوْ لِأَعْمَى فَلَا يَجُوزُ لَهُ فَيُوَكِّلُ مَنْ نَظَرَ لَهُ وَخَرَجَ بِهَا أُخْتُهَا فَلَا يَجُوزُ نَظَرُهُ لَهَا مُطْلَقًا وَأَمَّا أَخُوهَا الْأَمْرَدُ أَوْ وَلَدُهَا إذَا كَانَ يُشْبِهُهَا فَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِشَهْوَةٍ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ

لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.

(وَ) الضَّرْبُ (الْخَامِسُ النَّظَرُ لِلْمُدَاوَاةِ) كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ وَلَوْ فِي فَرْجٍ (فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ فِي التَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ حَرَجًا فَلِلرَّجُلِ مُدَاوَاةُ الْمَرْأَةِ وَعَكْسُهُ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ إنْ جَوَّزْنَا خَلْوَةَ أَجْنَبِيٍّ بِامْرَأَتَيْنِ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ امْرَأَةٍ يُمْكِنُهَا تَعَاطِي ذَلِكَ مِنْ امْرَأَةٍ وَعَكْسُهُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي

[حاشية البجيرمي]

كَالْخَطِيبِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر فِي مَبْحَثِ نَظَرِ الْأَمْرَدِ وَشَرْطُ الْحُرْمَةِ أَنْ لَا تَدْعُوَ إلَى نَظَرِهِ حَاجَةٌ فَإِنْ دَعَتْ كَمَا لَوْ كَانَ لِلْمَخْطُوبَةِ نَحْوُ وَلَدٍ أَمْرَدَ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ رُؤْيَتُهَا وَسَمَاعُ وَصْفِهَا جَازَ لَهُ نَظَرُهُ إنْ بَلَغَهُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُسْنِ وَإِلَّا فَلَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ اهـ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ نَظَرُ أُخْتِهَا لَكِنْ إنْ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَيَنْبَغِي امْتِنَاعُ نَظَرِهَا بِغَيْرِ رِضَا زَوْجِهَا أَوْ ظَنِّ رِضَاهُ وَكَذَا بِغَيْرِ رِضَاهَا إنْ كَانَتْ عَزْبَاءَ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهَا وَمَصْلَحَةَ زَوْجِهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ هَذَا الْخَاطِبِ سم عَلَى حَجّ قَالَ ع ش وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِأَمْنِ الْفِتْنَةِ وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي الْمَخْطُوبَةِ نَفْسِهَا اهـ وَقَوْلُهُ (نَحْوُ وَلَدٍ) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِهِ لِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا تَقَعُ بَيْنَ نَحْوِ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا وَإِلَّا فَلَوْ بَلَغَهُ اسْتِوَاءُ الْمَرْأَةِ وَشَخْصٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهَا وَتَعَذَّرَتْ رُؤْيَتُهَا فَيَنْبَغِي جَوَازُ النَّظَرِ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَسَمَاعُ وَصْفِهَا) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ إرْسَالُ امْرَأَةٍ تَنْظُرُهَا لَهُ وَتَصِفُهَا لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ فَإِنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ كَالْمُعَايَنَةِ فَقَدْ يُدْرِكُ النَّاظِرُ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ مَا تَقْصُرُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ وَقَوْلُهُ (جَازَ لَهُ نَظَرُهُ) قَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ رُؤْيَةِ الْأَمْرَدِ رِضَاهُ وَلَا رِضَا وَلِيِّهِ وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَظَرِ أُخْتِ الزَّوْجَةِ بِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي نَظَرِ الْأَمْرَدِ مَا لَا يُتَسَامَحُ بِهِ فِي نَظَرِ الْمَرْأَةِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْمُعْتَمَدُ جَوَازَ نَظَرِ الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ اهـ ع ش عَلَى م ر

قَوْلُهُ: (وَالْخَامِسُ النَّظَرُ لِلْمُدَاوَاةِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ شُرُوطِ النَّظَرِ لِأَجْلِ الْمُدَاوَاةِ سِتَّةٌ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نَظَرِ مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَاتِّحَادُ الْجِنْسِ أَوْ فَقْدُهُ مَعَ حُضُورِ نَحْوِ مَحْرَمٍ وَفَقْدُ مُسْلِمٍ فِي حَقِّ مُسْلِمٍ وَالْمُعَالِجُ كَافِرٌ وَأَنْ يَكُونَ الطَّبِيبُ أَمِينًا وَأَنْ يَأْمَنَ الِافْتِتَانَ وَوُجُودُ مُطْلَقِ الْحَاجَةِ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَتَأَكُّدُهَا فِيمَا عَدَا السَّوْأَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَمَزِيدُ تَأَكُّدِهَا فِي السَّوْأَتَيْنِ؛ وَزِيدَ سَابِعٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَكْشِفَ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ وَلَا يُحْتَاجَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُغْنِي عَنْهُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيُعْتَبَرُ فِي الْوَجْهِ وَالْكَفِّ أَدْنَى حَاجَةٍ وَفِيمَا عَدَاهُمَا مُبِيحُ تَيَمُّمٍ إلَّا الْفَرْجَ وَقُرْبَهُ، فَيُعْتَبَرُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ اشْتِدَادُ الضَّرُورَةِ حَتَّى لَا يُعَدَّ الْكَشْفُ لِذَلِكَ هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ " وَيُعْتَبَرُ فِي الْوَجْهِ " أَيْ مِنْ الْمَرْأَةِ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا) وَأَمَّا الْمَسُّ فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (بِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ) أَيْ لِلْمُعَالَجِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَحْرَمُ أُنْثَى إنْ كَانَ الْمُعَالَجُ أُنْثَى كَأَمَةٍ مَثَلًا لَا ذَكَرًا كَأَبِيهِ حَذَرًا مِنْ الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَأَمَّا مَحْرَمُ الْمُعَالَجَةِ فَيَكُونُ ذَكَرًا كَأَبِيهَا أَيْ إذَا كَانَ الْمُعَالَجُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى كَأُمِّهَا.
قَوْلُهُ: (إنْ جَوَّزْنَا خَلْوَةَ أَجْنَبِيٍّ بِامْرَأَتَيْنِ) أَمَّا الْخَلْوَةُ بِأَمْرِ دِينٍ فَلَا تَجُوزُ أَصْلًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِيُ مِنْ الْأُخْرَى فَلَا تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا بِحَضْرَتِهَا، بِخِلَافِ الْأَمْرَدِ فَإِنَّهُ قَدْ يُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهِ بِحَضْرَةِ آخَرَ.
وَعِبَارَةُ حَجّ: وَحَلَّ خَلْوَةُ رَجُلٍ بِامْرَأَتَيْنِ ثِقَتَيْنِ وَلَيْسَ الْأَمْرَدَانِ كَالْمَرْأَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا عَلَّلُوا بِهِ مِنْ اسْتِحْيَاءِ كُلٍّ بِحَضْرَةِ الْأُخْرَى لَا يَأْتِي فِي الْأَمْرَدَيْنِ اهـ. قَالَ سم: قَدْ يُقَالُ بَلْ يَأْتِي؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ قَدْ لَا يَسْتَحْيِ بِحَضْرَةِ مِثْلِهِ إذَا كَانَ فَاعِلًا وَيَسْتَحْيِ إذَا كَانَ مَفْعُولًا.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ امْرَأَةٍ يُمْكِنُهَا تَعَاطِي ذَلِكَ) رَتَّبَ الْبُلْقِينِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ: فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً فَيُعْتَبَرُ وُجُودُ امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَصَبِيٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُرَاهِقٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَصَبِيٌّ غَيْرُ مُرَاهِقٍ كَافِرٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَامْرَأَةٌ كَافِرَةٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَمَحْرَمُهَا الْمُسْلِمُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَمَحْرَمُهَا الْكَافِرُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَأَجْنَبِيٌّ مُسْلِمٌ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَأَجْنَبِيٌّ كَافِرٌ اهـ. وَالْمُتَّجَهُ تَأْخِيرُ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ عَنْ الْمَحْرَمِ بِقِسْمَيْهِ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَمَرْأَةٌ تَقَدَّمَتْ عَلَى الصَّبِيِّ ... غَيْرِ مُرَاهِقٍ بِإِسْلَامٍ حَيِّ

زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ ذِمِّيًّا مَعَ وُجُودِ مُسْلِمٍ وَقِيَاسُهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ لَا تَكُونَ كَافِرَةً أَجْنَبِيَّةً مَعَ وُجُودِ مُسْلِمَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ لِعِلَاجِ الْمَرْأَةِ إلَّا كَفَّارَةً وَمُسْلِمًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تُقَدَّمُ؛ لِأَنَّ نَظَرَهَا وَمَسَّهَا أَخَفُّ مِنْ الرَّجُلِ، بَلْ الْأَشْبَهُ عَنْ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهَا تَنْظُرُ مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ.
وَقُيِّدَ فِي الْكَافِي الطَّبِيبُ بِالْأَمِينِ فَلَا يُعْدَلُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ وُجُودِهِ.
وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنْ يَأْمَنَ الِافْتِتَانَ وَلَا يَكْشِفَ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَفِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ نَظَرُ الْخَاتِنِ إلَى فَرْجِ مَنْ يَخْتِنُهُ 53 وَنَظَرُ الْقَابِلَةِ إلَى فَرْجِ الَّتِي تُوَلِّدُهَا، وَيُعْتَبَرُ فِي النَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُطْلَقُ الْحَاجَةِ وَفِي غَيْرِهِمَا مَا عَدَا السَّوْأَتَيْنِ تَأَكُّدُهَا بِأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ كَشِدَّةِ الضَّنَا، وَفِي السَّوْأَتَيْنِ مَزِيدُ تَأَكُّدِهَا بِأَنْ لَا يُعَدَّ الْكَشْفُ بِسَبَبِهَا هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ.

(وَ) الضَّرْبُ (السَّادِسُ النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً أَوْ لِلْمُعَامَلَةِ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ (فَيَجُوزُ) حَتَّى يَجُوزَ فِي الشَّهَادَةِ النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا وَالْوِلَادَةِ، وَإِلَى الثَّدْيِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَإِذَا نَظَر إلَيْهَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا كُلِّفَتْ الْكَشْفَ عَنْ وَجْهِهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فِي نِقَابِهَا، فَإِنْ عَرَفَهَا لَمْ يُفْتَقَرْ إلَى الْكَشْفِ بَلْ يَحْرُمْ النَّظَرُ حِينَئِذٍ.
وَيَجُوزُ النَّظَرُ إلَى عَانَةِ وَلَدِ الْكَافِرِ لِيَنْظُرَ هَلْ نَبَتَتْ أَوْ لَا، وَيَجُوزُ لِلنِّسْوَةِ أَنْ يَنْظُرْنَ إلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَبَالَتَهُ وَامْتَنَعَتْ عَنْ التَّمْكِينِ.
تَنْبِيهٌ هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، فَإِنْ خَافَهَا لَمْ يَنْظُرْ إلَّا إنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَيَنْظُرُ وَيَضْبِطُ نَفْسَهُ، وَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَةِ فَيَنْظُرُ

[حاشية البجيرمي]

وَكَافِرٌ كَذَا فَإِنْ تَعَذَّرَا ... فَمَحْرَمٌ إسْلَامُهُ تَقَرَّرَا فَكَافِرٌ عَلَى الْأَصَحِّ مَحْرَمُ ... فَمَرْأَةٌ بِالْكُفْرِ بَعْدُ تُعْلَمُ فَأَجْنَبِيٌّ مُسْلِمٌ وَبَعْدَهُ ... فَتًى مِنْ الْكُفْرِ يَا ذَا عُدَّهُ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَمْرَدَ يُقَدَّمُ مَنْ يَحِلُّ نَظَرُهُ إلَيْهِ فَغَيْرُ مُرَاهِقٍ فَمُرَاهِقٌ فَمُسْلِمٌ بَالِغٌ فَكَافِرٌ مَحْرَمٌ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْجِنْسُ عَلَى غَيْرِهِ وَيُقَدَّمُ الْمَحْرَمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ مَنْ نَظَرُهُ أَكْثَرُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُقَدَّمُ عِنْدَ اتِّحَادِ النَّظَرِ الْجِنْسُ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ الْمَحْرَمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُوَافِقُ فِي الدِّينِ عَلَى غَيْرِهِ وَهَكَذَا.
فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَالَجَ الْأَجْنَبِيَّ بِشَرْطِهِ الْمَذْكُورِ مِنْ حُضُورِ نَحْوِ مَحْرَمٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ امْرَأَةٍ) " مِنْ " بِمَعْنَى " فِي " وَقَوْلُهُ: " وَعَكْسُهُ " بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " عَدَمُ " أَيْ وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ رَجُلٍ يُمْكِنُهُ تَعَاطِي ذَلِكَ فِي رَجُلٍ، أَيْ إذَا كَانَ الْمُدَاوَى رَجُلًا وَالْمُدَاوِي امْرَأَةً يُشْتَرَطُ عَدَمُ رَجُلٍ يُدَاوِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَكُونَ ذِمِّيًّا إلَخْ) وَلَوْ كَانَ الذِّمِّيُّ حَاذِقًا.
قَوْلُهُ: (إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ) مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَغُضَّ الْبَصَرَ، أَمَّا إذَا غَضَّ الْبَصَرَ فَيَنْبَغِي جَوَازُ كَشْفِ بَقِيَّةِ الْعُضْوِ الزَّائِدِ عَلَى الْحَاجَةِ سم مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَى مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ النَّظَرِ لِلْمُدَاوَاةِ.
وَقَوْلُهُ: " نَظَرُ الْخَاتِنِ إلَخْ " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدَاوَاةٌ

قَوْلُهُ: (النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ) وَيَنْبَغِي جَوَازُ تَكْرِيرِ النَّظَرِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي الضَّبْطِ اهـ سم قَوْلُهُ: (تَحَمُّلًا) بِأَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ اقْتَرَضَتْ مِنْ فُلَانٍ كَذَا مَثَلًا وَأَدَاءً بِأَنْ يُؤَدِّيَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَيَجُوزُ النَّظَرُ لَا الْمَسُّ عِنْدَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُعَامَلَةِ) مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ فَإِذَا بَاعَ لِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَعْرِفْهَا نَظَرَ لِوَجْهِهَا خَاصَّةً لِيَرُدَّ عَلَيْهَا الثَّمَنَ بِالْعَيْبِ، وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ لِوَجْهِهِ لِتَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَى الثَّدْيِ) أَيْ وَإِنْ تَيَسَّرَ وُجُودُ نِسَاءٍ أَوْ مَحَارِمَ يَشْهَدُونَ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي الْمُعَالَجَةِ بِأَنَّ النِّسَاءَ نَاقِصَاتٌ وَقَدْ لَا يَقْبَلْنَ وَالْمَحَارِمَ قَدْ لَا يَشْهَدُونَ، وَأَيْضًا فَقَدْ وَسَّعُوا هُنَا اعْتِنَاءً بِالشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فِي نِقَابِهَا) كَالْبُرْقُعِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (هَذَا كُلُّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي الشَّهَادَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ رُجُوعُهُ لِلْمُعَامَلَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَبَالَتَهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْعَبَالَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً) أَوْ شَهْوَةً.
قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ تَعَيَّنَ) كَذَا فِي نُسَخٍ، وَفِي بَعْضِهَا: إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ أَيْ

إلَى الْوَجْهِ فَقَطْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.

(وَ) الضَّرْبُ (السَّابِعُ النَّظَرُ إلَى) بَدَنِ (الْأَمَةِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهَا) أَيْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا رَجُلٌ أَوْ إلَى بَدَنِ عَبْدٍ إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهُ امْرَأَةٌ (فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَى تَقْلِيبِهَا) فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ إذَا اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ اشْتَرَتْ امْرَأَةٌ عَبْدًا مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا يُزَادُ عَلَى النَّظْرَةِ الْوَاحِدَةِ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى ثَانِيَةٍ لِلتَّحَقُّقِ فَيَجُوزُ.
تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ النَّظَرِ إلَى أَشْيَاءَ اخْتِصَارًا: مِنْهَا النَّظَرُ إلَى التَّعْلِيمِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ، وَاخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ السُّبْكِيُّ إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ كَالْفَاتِحَةِ، وَمَا يَتَعَيَّنُ تَعْلِيمُهُ مِنْ الصَّنَائِعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا بِشَرْطِ التَّعَذُّرِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَمِنْهُمْ النَّوَوِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي الصَّدَاقِ: وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ فَطَلَّقَ قَبْلَهُ، فَالْأَصَحُّ تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ.
وَقَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: وَهُوَ أَيْ التَّعْلِيمُ لِلْأَمْرَدِ خَاصَّةً لِمَا سَيَأْتِي، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ لِلْأَمْرَدِ وَغَيْرِهِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ

[حاشية البجيرمي]

الشَّاهِدُ أَيْ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ.
قَالَ م ر: قَالَ السُّبْكِيُّ وَمَعَ ذَلِكَ يَأْثَمُ بِالشَّهْوَةِ وَإِنْ أُثِيبَ عَلَى التَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ ذُو وَجْهَيْنِ، لَكِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَبَحَثَ الْحِلَّ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا يَنْفَكُّ عَنْ النَّظَرِ، فَلَا يُكَلَّفُ الشَّاهِدُ بِإِزَالَتِهَا وَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا كَمَا لَا يُؤَاخَذُ الزَّوْجُ بِمَيْلِهِ لِبَعْضِ نِسْوَتِهِ وَالْحَاكِمُ بِمَيْلِهِ لِبَعْضِ الْخُصُومِ؛ وَالْأَوْجَهُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بِاخْتِيَارِهِ.
وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ.
وَقَوْلُهُ: " يَأْثَمُ إلَخْ " أَيْ وَهُوَ صَغِيرَةٌ فَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِهَا فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: " فِعْلٌ ذُو وَجْهَيْنِ " أَيْ يُثَابُ مِنْ جِهَةِ التَّحَمُّلِ وَيُعَاقَبُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: " إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ " رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً فِي غَيْرِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَيُّنُ فِي التَّحَمُّلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلشَّاهِدِ التَّسَتُّرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ السِّتِّيرِينَ» وَعِنْدَ الْأَدَاءِ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ تَحَمُّلٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى النَّظَرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا فِي الْمُعَامَلَةِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِي الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَنْظُرُ إلَى الْوَجْهِ فَقَطْ) أَيْ جَمِيعِهِ مَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَتُهَا بِبَعْضِهِ ح ل.

قَوْلُهُ: (أَوْ إلَى بَدَنِ عَبْدٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا دَخِيلٌ هُنَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ لَا عَكْسِهِ، وَقَدْ يُقَالُ ذَكَرَهُ لِلْمُنَاسَبَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ إلَى الْمَوَاضِعِ إلَخْ) أَيْ بِلَا شَهْوَةٍ وَلَا خَوْفِ فِتْنَةٍ وَلَا خَلْوَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ سم، وَأَمَّا الْمَسُّ فَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اشْتَرَتْ امْرَأَةٌ إلَخْ) لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ أَيْ وَتَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إذَا اشْتَرَتْ عَبْدًا إلَخْ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا دَخِيلٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى ثَانِيَةٍ) أَيْ أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ) أَيْ شُرَّاحُ الْمِنْهَاجِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، أَيْ فِي مَعْنَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ هُنَا حَيْثُ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ مَعَ ذِكْرِهِ فِي بَابِ الصَّدَاقِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ النَّظَرِ لِلتَّعْلِيمِ، حَيْثُ قَالَ وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ إلَخْ.
فَتَنَاقَضَ كَلَامُهُ.
فَأَجَابَ السُّبْكِيُّ عَنْهُ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى تَعْلِيمِ مَا يَجِبُ وَمَا فِي الصَّدَاقِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَجَابَ الْمَحَلِّيُّ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى تَعْلِيمِ الْأَمْرَدِ خَاصَّةً وَمَا فِي بَابِ الصَّدَاقِ عَلَى تَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ إلَخْ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: " وَالْمُعْتَمَدُ إلَخْ " إشَارَةً إلَى جَوَابٍ آخَرَ حَاصِلُهُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ وَالْمَحَلِيُّ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمَرْأَةَ وَالْأَمْرَدَ، وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الصَّدَاقِ مِنْ مَنْعِ تَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَنْعَ لِمَعْنًى فِيهَا لَمْ يُوجَدْ فِي غَيْرِهَا، فَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِهَا فَلَا تَنَافِيَ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَظْهَرُ فِيمَا يَجِبُ) أَيْ وَفِيمَا يُبَاحُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَتَعَيَّنُ) أَيْ يَجِبُ وُجُوبًا كِفَائِيًّا؛ لِأَنَّ تَعْلِيمَ الصَّنَائِعِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا فَرْضُ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ التَّعَذُّرِ) أَيْ وَبِشَرْطِ الْعَدَالَةِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ.
وَفِي شَرْحِ م ر: وَيُتَّجَهُ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي الْأَمْرَدِ وَمُعَلِّمِهِ كَالْمَمْلُوكِ بَلْ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَطَلَّقَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ التَّعْلِيمِ ثُمَّ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَنِصْفُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التَّعْلِيمَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهَا أَمَّا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَعَذُّرَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَيْ التَّعْلِيمُ) أَيْ تَعْلِيمُ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، أَيْ جَوَازُ النَّظَرِ إلَيْهِ.
. قَوْلُهُ (وَيُشِيرُ بِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (إلَى

مَنْدُوبًا.
وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ تَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ تَعَلَّقَتْ آمَالُهُ بِالْآخَرِ فَصَارَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا طَمَعَةٌ فِي الْآخَرِ فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مَحَارِمِهَا وَحُكْمُهُ كَعَكْسِهِ، فَتَنْظُرُ مِنْهُ مَا عَدَا مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ.
وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَنَظَرِهِ إلَيْهَا وَمِنْهَا نَظَرُ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ، فَيَحِلُّ بِلَا شَهْوَةٍ إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ فَيَحْرُمُ، وَمِنْهَا نَظَرُ الْأَمْرَدِ وَهُوَ الشَّابُّ الَّذِي لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ أَسَنَّ وَلَا شَعْرَ بِوَجْهِهِ أَمْرُدُ بَلْ يُقَالُ لَهُ ثَطٌّ

[حاشية البجيرمي]

مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ أَنَّهُ لَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ فَالْأَصَحُّ تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهَا، أَيْ تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ لَهَا شَرْعًا.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرًا فِيهِ كُلْفَةٌ، فَلَوْ أَصْدَقَهَا سُورَةً قَصِيرَةً أَوْ آيَاتٍ يَسِيرَةً يُمْكِنُ تَعَلُّمُهَا فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ لَمْ يَتَعَذَّرْ التَّعْلِيمُ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ تُشْتَهَى، فَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى لَمْ يَتَعَذَّرْ التَّعْلِيمُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ لِلْأَمْرَدِ وَغَيْرِهِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي " تَحْرِيرِ الْمَقَالِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مُؤَدِّبُ الْأَطْفَالِ ": وَيَتَأَكَّدُ عَلَى الْمُعَلِّمِ صَوْنُ نَظَرِهِ عَنْ الْأَمْرَدِ الْحَسَنِ مَا أَمْكَنَ وَإِنْ جَازَ لَهُ بِأَنْ كَانَ لِمَحْضِ التَّعْلِيمِ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا خَوْفِ فِتْنَةٍ؛؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّاهُ إلَى رِيبَةٍ أَوْ فِتْنَةٍ فَيَتَعَيَّنُ فَطْمُ النَّفْسِ عَنْهُ مَا أَمْكَنَ، عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَئِمَّتِنَا قَالُوا لَا يَجُوزُ النَّظَرُ لِلتَّعْلِيمِ إلَّا إنْ كَانَ فَرْضًا عَيْنِيًّا كَالْفَاتِحَةِ بِخِلَافِ غَيْرِ تَعْلِيمِ الْفَرْضِ الْعَيْنِيِّ فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ إلَيْهِ، وَتَبِعْتهمْ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، وَقَالَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ: كَشَفْت كُتُبَ الْمَذْهَبِ فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا جَوَازُ التَّعْلِيمِ إلَّا لِلْوَاجِبِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (طَمَعَةٌ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ اسْمٌ لِلْمَرَّةِ مِنْ الطَّمَعِ وَفِي الْقَامُوسِ طَمِعَ فِيهِ وَبِهِ كَفَرِحَ طَمَعًا وَطَمَاعًا وَطَمَاعِيَةً حَرَصَ عَلَيْهِ فَهُوَ طَامِعٌ وَطَمِعٌ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مَحَارِمِهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا نَظَرُ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ) أَيْ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ بِلَا شَهْوَةٍ اتِّفَاقًا.
وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ مِنْ ذَلِكَ فَخِذُ الرَّجُلِ بِشَرْطِ حَائِلٍ وَأَمْنِ فِتْنَةٍ.
وَأُخِذَ مِنْهُ حِلُّ مُصَافَحَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مَعَ ذَيْنِك أَيْ مَعَ الْحَائِلِ وَأَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَأَفْهَمَ تَخْصِيصُهُ الْحِلَّ مَعَهُمَا بِالْمُصَافَحَةِ حُرْمَةَ مَسِّ غَيْرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَلَوْ مَعَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَعَدَمِ الشَّهْوَةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِأَحَدِهِمَا كَالنَّظَرِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْحَقُ بِهَا الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ إطْلَاقُهُمْ حُرْمَةَ مُعَانَقَتِهِ الشَّامِلَةِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ اهـ م ر. وَارْتَضَاهُ النُّورُ الزِّيَادِيُّ، لَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى حَائِلٍ رَقِيقٍ أَمَّا لَوْ كَانَ حَائِلًا كَثِيفًا فَلَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا نَظَرُ الْأَمْرَدِ) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا بِشَهْوَةٍ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَنَظَرُ الْأَمْرَدِ أَشَدُّ إثْمًا مِنْ نَظَرِ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ مِنْ أَكَابِرِ السَّلَفِ: لَا تُجَالِسُوا أَوْلَادَ الْأَغْنِيَاءِ فَإِنَّ لَهُمْ صُوَرًا كَصُوَرِ الْعَذَارَى وَهُمْ أَشَدُّ فِتْنَةً مِنْ النِّسَاءِ، قَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: مَا أَنَا بِأَخْوَفَ عَلَى الشَّابِّ النَّاسِكِ مِنْ سَبُعٍ ضَارٍ مِنْ الْغُلَامِ الْأَمْرَدِ يَقْعُدُ إلَيْهِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ مَعَ أَمْرَدَ فِي مَكَان وَاحِدٍ.
وَحَرَّمَ الْعُلَمَاءُ الْخَلْوَةَ مَعَ الْأَمْرَدِ فِي بَيْتٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ حَمَّامٍ قِيَاسًا عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» وَفِي الْمُرْدِ مَنْ يَفُوقُ النِّسَاءَ لِحُسْنِهِ وَالْفِتْنَةُ بِهِ أَعْظَمُ؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ مَعَهُ مِنْ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ وَالْقَبَائِحِ مَا لَا يُمْكِنُ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَسْهُلُ فِي حَقِّهِ مِنْ طُرُقِ الرِّيبَةِ مَا لَا يَسْهُلُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَكَانَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى وَأَلْيَقَ وَبِالزَّجْرِ عَنْ مُخَالَطَتِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ أَحَقَّ.
وَأَقَاوِيلُ السَّلَفِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُمْ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ.
وَمِنْ الْوُقُوعِ فِي فِتْنَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَكَانُوا - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يُسَمُّونَ الْمُرْدَ الْأَنْتَانَ وَالْجِيَفَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ الشَّرِيفَ وَالدِّينَ الْوَاضِحَ الْمُنِيفَ اسْتَقْذَرَ النَّظَرَ إلَيْهِمْ وَمَنَعَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَالْخَلْوَةِ بِهِمْ لِأَدَائِهَا إلَى الْقَبِيحِ الَّذِي لَا قُبْحَ فَوْقَهُ وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ نَظَرُ الصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُعَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَلَا تَرَى إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَيَكْفِيك بِهِ مِنْ إمَامٍ وَعَالِمٍ وَصَالِحٍ بَلْ انْتَهَتْ إلَيْهِ فِي زَمَنِهِ رِيَاسَةُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَمَعَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ فِي الْحَمَّامِ أَمْرَدُ حَسَنُ الْوَجْهِ فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ عَنِّي فَإِنِّي أَرَى مَعَ كُلِّ امْرَأَةٍ شَيْطَانًا وَمَعَ كُلِّ أَمْرَدَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَيْطَانًا اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَعَهُ صَبِيٌّ فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا مِنْك؟ فَقَالَ: ابْنُ أَخِي، فَقَالَ: لَا تَجِئْ بِهِ إلَيْنَا مَرَّةً أُخْرَى وَلَا تَمْشِ مَعَهُ بِطَرِيقٍ لِئَلَّا يَظُنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُك وَلَا تَعْرِفُهُ سُوءًا.
وَرُوِيَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَمْرَدِ كَمَا مَرَّ بَلْ النَّظَرُ إلَى الْمُلْتَحِي وَإِلَى النِّسَاءِ الْمَحَارِمِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ قَطْعًا.
وَضَابِطُ الشَّهْوَةِ فِيهِ كَمَا قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَأَثَّرَ بِجَمَالِ صُورَةِ الْأَمْرَدِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ مِنْ نَفْسِهِ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُلْتَحِي، فَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ وَلَوْ انْتَفَتْ الشَّهْوَةُ وَخِيفَ الْفِتْنَةُ حَرُمَ النَّظَرُ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَيْسَ الْمَعْنَى بِخَوْفِ الْفِتْنَةِ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِوُقُوعِهَا، بَلْ يَكْفِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ نَادِرًا، وَأَمَّا نَظَرُهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا خَوْفِ فِتْنَةٍ فَيَحْرُمُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَيْضًا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ.
وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى الْأَمَةِ وَهِيَ كَالْحُرَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ

[حاشية البجيرمي]

وَكَانَ فِيهِمْ أَمْرَدُ وَهُوَ حَسَنٌ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ ظَهْرِهِ وَقَالَ: إنَّمَا كَانَتْ فِتْنَةُ دَاوُد مِنْ النَّظَرِ» وَكَانَ يَقُولُ: «النَّظَرُ بَرِيدُ الزِّنَا» وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ: «إنَّهُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إبْلِيسَ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَحْرُمُ صُحْبَةُ الْمُرْدِ وَالْأَحْدَاثِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْآفَاتِ، وَمَنْ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ صَحِبَهُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ وَحِفْظِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ فِي مُعَاشَرَتِهِمْ وَحَمْلِهِمْ عَلَى الرِّيَاضَةِ وَالتَّأْدِيبِ وَمُجَانَبَةِ الِانْبِسَاطِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَغْبَةُ الصِّغَارِ فِي صُحْبَةِ الْكِبَارِ تَوْفِيقٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِطْنَةٌ وَسَعَادَةٌ، وَرَغْبَةُ الْكِبَارِ فِي صُحْبَةِ الصِّغَارِ حُمْقٌ وَخِذْلَانٌ وَخَسَارَةٌ وَحِرْمَانٌ وَفِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ؛ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْقَبِيلِ: تَاللَّهِ مَا الْمُرْدُ مُرَادِي مَذْهَبًا ... وَإِنَّنِي عَنْ حُبِّهِمْ بِمَعْزِلِ وَمَذْهَبِي حُبُّ النِّسَاءِ وَإِنَّهُ ... لَمَذْهَبٌ مُهَذَّبٌ قَوْلٌ جَلِيّ وَلِقَائِلٍ: لَا تَصْحَبَنَّ أَمْرَدًا يَا ذَا النُّهَى ... وَاتْرُكْ هَوَاهُ وَارْتَجِعْ عَنْ صُحْبَتِهْ فَهُوَ مَحَلُّ النَّقْصِ دَوْمًا وَالْبَلَا ... كُلُّ الْبَلَاءِ أَصْلُهُ مِنْ فِتْنَتِهْ وَقَالَ آخَرُ: لَا تَرْتَجِي أَمْرَدًا يَوْمًا عَلَى ثِقَةٍ ... مِنْ حُسْنِهِ طَامِعًا فِي الْخَصْرِ وَالْكَفَلِ فَذَاكَ دَاءٌ عُضَالٌ لَا دَوَاءَ لَهُ ... يَسْتَجْلِبُ الْهَمَّ بِالْأَسْقَامِ وَالْعِلَلِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ الشَّابُّ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الضَّابِطُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَغِيرَةً لَاشْتُهِيَتْ.
وَعِبَارَةُ ح ل: وَحَرُمَ نَظَرُ أَمْرَدَ أَيْ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَمْرَدَ مِثْلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرَدِ مَنْ لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ وَلَمْ يَصِلْ إلَى أَوَانِ إنْبَاتِهَا غَالِبًا وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ صَغِيرَةً اُشْتُهِيَتْ.
وَخَرَجَ بِالنَّظَرِ الْمَسُّ وَلَوْ بِحَائِلٍ حَتَّى عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ، وَالْخَلْوَةُ فَتَحْرُمُ وَإِنْ حَلَّ النَّظَرُ؛ لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ وَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ شَعْرَ الْأَمْرَدِ كَبَاقِي بَدَنِهِ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى شَعْرِهِ الْمُنْفَصِلِ كَالْمُتَّصِلِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (الَّذِي لَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ) بِأَنْ لَمْ تَصِلْ إلَى أَوَانِ إنْبَاتِهَا غَالِبًا أَيْ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ لِلنَّاسِ لَا نَفْسِهِ اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (أَسَنَّ) أَيْ كَبِرَ.
قَوْلُهُ: (وَضَابِطُ الشَّهْوَةِ فِيهِ إلَخْ) وَضَبْطُهَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِأَنْ يُنْظَرَ إلَيْهِ فَيُلْتَذَّ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ يَرْجِعُ إلَيْهِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْفَرْقِ يَحْرُمُ النَّظَرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي الْهَرَمِ الَّذِي لَا لِحْيَةَ لَهُ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِ يَحْرُمُ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْفَرْقَ مَعَ تَأَثُّرِ ذِهْنِهِ وَقَلْبِهِ بِجَمَالِ صُورَتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ م ر شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَيَحْرُمُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ) أَيْ حَيْثُ لَا مَحْرَمِيَّةَ وَلَا مِلْكَ وَالْخَلْوَةُ كَالنَّظَرِ، فَإِذَا حَلَّ حَلَّتْ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِنَحْوِ تَعْلِيمٍ حَيْثُ يُشْتَرَطُ حُضُورُ مَحْرَمٍ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ اهـ. وَانْظُرْ مَا لَوْ كَانَ الْمُعَلِّمُ مَعْصُومًا كَالسَّيِّدِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهُ وُجُودُ امْرَأَةٍ أُخْرَى إذَا كَانَ يُعَلِّمُ امْرَأَةً أَوْ لَا نَظَرًا لِكَوْنِهِ مَعْصُومًا؟ حَرِّرْهُ؛ الظَّاهِرُ لَا، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ فِي الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِطَبْعِ النَّاظِرِ فِيمَا يَظْهَرُ إذًا لَا يَكُونُ مَظِنَّةَ الْفِتْنَةِ إلَّا حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا جَمَالَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَمِيلُ إلَيْهَا فَنِيطَ بِالْأُنُوثَةِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَّا بِشَهْوَةٍ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ وَالْكَلَامُ فِي الْجَمِيلِ؛ هَكَذَا ذَكَرَهُ ز ي عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ:

الْمُحَقِّقِينَ.
وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مِثْلِهَا وَهُوَ كَنَظَرِ رَجُلٍ إلَى رَجُلٍ، وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَيُعَامَلُ بِالْأَشَدِّ فَيُجْعَلُ مَعَ النِّسَاءِ رَجُلًا وَمَعَ الرِّجَالِ امْرَأَةً إذَا كَانَ فِي سِنٍّ يَحْرُمُ فِيهِ نَظَرُ الْوَاضِحِ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ مِنْ الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ وَلَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَلَوْ كَانَ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ فَهُوَ مَعَهَا كَعَبْدِهَا وَمِنْهَا نَظَرُ الْكَافِرَةِ إلَى الْمُسْلِمَةِ فَهُوَ حَرَامٌ، فَتَحْتَجِبُ الْمُسْلِمَةُ عَنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31] فَلَوْ جَازَ لَهَا النَّظَرُ لَمْ يَبْقَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَنْعُ الْكِتَابِيَّاتِ دُخُولَ الْحَمَّامِ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ هَذَا مَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، وَالْأَشْبَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَرَى مِنْهَا مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي كَافِرَةٍ غَيْرِ مَحْرَمٍ لِلْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لَهَا، أَمَّا هُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا النَّظَرُ إلَيْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الْمَمْلُوكَةِ وَبَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي الْمُحْرِمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

تَتِمَّةٌ مَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ الْمَسُّ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي اللَّذَّةِ وَإِثَارَةِ الشَّهْوَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَسَّ فَأَنْزَلَ أَفْطَرَ، وَلَوْ نَظَرَ

[حاشية البجيرمي]

بِالنِّسْبَةِ لِطَبْعِ النَّاظِرِ " أَيْ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ، وَقَالَ م ر: الْجَمَالُ الْوَصْفُ الْمُسْتَحْسَنُ عُرْفًا لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا النَّظَرُ إلَى الْأَمَةِ) فِيهِ أَنَّ الْأَمَةَ دَاخِلَةٌ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ وَقَوْلُ الْمَتْنِ أَحَدُهَا نَظَرُهُ إلَى أَجْنَبِيَّةٍ، فَغَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ شَامِلَةٌ لِلْأَمَةِ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا هُنَا؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ ذَكَرَهَا هُنَا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهَا بِقَوْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا نَظَرُ الْمَرْأَةِ إلَى مِثْلِهَا) أَيْ نَظَرُ امْرَأَةٍ، قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: وَرَأَيْت فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ تَمِيلُ لِلنِّسَاءِ النَّظَرُ إلَى وَجْهِ النِّسَاءِ وَأَيْدِيهِنَّ وَأَنْ تُضَاجِعَهُنَّ بِلَا حَائِلٍ كَمَا فِي الرِّجَالِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَيَجْعَلُ مَعَ النِّسَاءِ رَجُلًا) فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ إلَيْهِنَّ وَنَظَرُهُنَّ إلَيْهِ وَمَعَ الرِّجَالِ امْرَأَةً فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ النَّظَرُ لَهُمْ وَمَعَ مُشْكِلٍ مِثْلِهِ الْحُرْمَةُ مِنْ كُلٍّ لِلْآخَرِ بِتَقْدِيرِهِ مُخَالِفًا لَهُ احْتِيَاطًا، وَإِنَّمَا غَسَّلَاهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِانْقِطَاعِ الشَّهْوَةِ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاحْتِيَاطِ مَعْنًى ح ل. وَقَوْلُهُ: " وَإِنَّمَا غَسَّلَاهُ " أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ وُجُودِ مَحْرَمٍ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ مَعَهَا كَعَبْدِهَا) أَيْ الْبَالِغِ إذَا كَانَا عَفِيفَيْنِ وَلَا كِتَابَةَ وَلَا شَرِكَةَ وَلَا تَبْعِيضَ أَيْ كَوْنُهُ مُبَعَّضًا، وَإِلَّا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهَا النَّظَرُ إلَيْهِ.
وَيُوَجَّهُ حِلُّ نَظَرِهِ لِمُكَاتَبَتِهِ دُونَهَا أَيْ دُونَ نَظَرِهَا بِأَنَّ نَظَرَ الرَّجُلِ لِأَمَتِهِ أَقْوَى مِنْ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إلَى عَبْدِهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ لِكُلِّ بَدَنِ أَمَتِهِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إنَّمَا تَنْظُرُ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ عَبْدِهَا، فَأَثَّرَتْ الْكِتَابَةُ فِي الثَّانِي لِضَعْفِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
وَمِثْلُ الْمُكَاتَبِ الْمُبَعَّضُ وَالْمُشْتَرَكُ ز ي. وَقَوْلُهُ: " إذَا كَانَا عَفِيفَيْنِ " عَنْ الزِّنَا؛ لَكِنْ اعْتَمَدَ م ر كَابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ لَا تَتَقَيَّدُ الْعِفَّةُ بِالزِّنَا بَلْ عَنْ مِثْلِ الْغِيبَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْعِفَّةِ الْعَدَالَةُ.
وَعِبَارَةُ الَأُجْهُورِيُّ: وَهُمَا عَفِيفَانِ بِالْعَدَالَةِ فَلَا يَكْفِي الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ نِسَائِهِنَّ) أَيْ الْمُؤْمِنَاتِ.
وَقَوْلُهُ: " عِنْدَ الْمِهْنَةِ " أَيْ الْحَاجَةِ وَقَوْلُهُ: " وَهُوَ الظَّاهِرُ " مُعْتَمَدٌ.

قَوْلُهُ: (مَتَى حَرُمَ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَحَيْثُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ وَمَتَى حَرُمَ نَظَرٌ حَرُمَ مَسٌّ اهـ؛ أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْمِيمُ الْأَمْكِنَةِ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَعَبَّرَ أَصْلُهُ وَغَيْرُهُ بِحَيْثُ بَدَلَ مَتَى وَاسْتَحْسَنَهُ السُّبْكِيُّ؛ لِأَنَّ حَيْثُ اسْمُ مَكَان، وَالْقَصْدُ أَنَّ كُلَّ مَكَان حَرُمَ نَظَرُهُ حَرُمَ مَسُّهُ، وَمَتَى اسْمُ زَمَانٍ وَلَيْسَ مَقْصُودًا هُنَا.
وَرُدَّ بِمَنْعِ عَدَمِ قَصْدِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا إذْ الْأَجْنَبِيَّةُ يَحْرُمُ مَسُّهَا وَيَحِلُّ بَعْدَ نِكَاحِهَا وَيَحْرُمُ بَعْدَ طَلَاقِهَا وَقِيلَ زَمَنُ نَحْوِ مُعَامَلَةٍ يَحْرُمُ وَمَعَهُ يَحِلُّ، أَيْ فَحَرُمَ أَيْضًا فِي زَمَنٍ وَحَلَّ فِي زَمَنٍ، فَيَكُونُ الزَّمَنُ أَيْضًا مُرَادًا.
وَاقْتَصَرَ ع ش عَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّمَنَ غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ وَآخِرُ عِبَارَةِ م ر تُخَالِفُهُ كَمَا عَلِمْت، وَقَدْ يُقَالُ لَا مُخَالَفَةَ.
وَيُجَابُ عَنْ ع ش بِأَنَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَالزَّمَانُ وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ اهـ. وَقَالَ م ر: فَيَحْرُمُ مَسُّ الْأَمْرَدِ كَمَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ وَدَلْكُ الرَّجُلِ فَخِذَ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، وَيَجُوزُ بِهِ، أَيْ بِالْحَائِلِ، إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَلَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ.
وَقَدْ يَحْرُمُ النَّظَرُ دُونَ الْمَسِّ كَأَنْ أَمْكَنَ الطَّبِيبُ

فَأَنْزَلَ لَمْ يُفْطِرْ وَكُلُّ مَا حَرُمَ نَظَرُهُ مُتَّصِلًا حَرُمَ نَظَرُهُ مُنْفَصِلًا كَشَعْرِ عَانَةٍ وَلَوْ مِنْ رَجُلٍ وَقُلَامَةِ ظُفْرِ حُرَّةٍ وَلَوْ مِنْ يَدَيْهَا، وَيَحْرُمُ اضْطِجَاعُ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَ عَارِيَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ مِنْ الْفِرَاشِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «لَا يُفْضِ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ» .

وَتُسَنُّ مُصَافَحَةُ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ لِخَبَرِ «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ يَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ وَالتَّقْبِيلُ فِي

[حاشية البجيرمي]

مَعْرِفَةَ الْعِلَّةِ بِالْمَسِّ وَكَعُضْوِ أَجْنَبِيَّةٍ مُبَانٍ، فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ فَقَطْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْخَادِمِ؛ وَالْأَصَحُّ حُرْمَةُ مَسِّهِ أَيْضًا.
أَمَّا دُبُرُ الْحَلِيلَةِ فَيَحِلُّ نَظَرُهُ وَمَسُّهُ خِلَافًا لِلدَّارِمِيِّ وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ حَلَّ النَّظَرُ حَلَّ الْمَسُّ أَغْلَبِيٌّ أَيْضًا، فَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مَسُّ وَجْهِ أَجْنَبِيَّةٍ وَإِنْ حَلَّ نَظَرُهُ لِنَحْوِ خِطْبَةٍ أَوْ شَهَادَةٍ أَوْ لِتَعْلِيمٍ، وَلَا لِسَيِّدَةٍ مَسُّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ عَبْدِهَا وَعَكْسُهُ وَإِنْ حَلَّ النَّظَرُ، وَكَذَا مَمْسُوحٌ.
وَقَدْ يَحْرُمُ مَسُّ مَا حَلَّ نَظَرُهُ مِنْ الْمَحْرَمِ كَبَطْنِهَا أَيْ مِنْ فَوْقِ السُّرَّةِ وَرِجْلِهَا وَتَقْبِيلُهَا بِلَا حَائِلٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا شَفَقَةٍ بَلْ وَكَيْدُهَا عَلَى مُقْتَضَى عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَوْلُهُ: " دَلْكُ الرَّجُلِ فَخِذَ رَجُلٍ " أَيْ وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الْعَوْرَةِ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْأَمْرَدِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهُ وَلَوْ بِحَائِلٍ.
وَقَوْلُهُ: لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْ الْحَاجَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ حَكِّ رِجْلِ الْمَحْرَمِ وَنَحْوُ الْحَكِّ كَغَسْلِهِمَا وَتَكْبِيسِ ظَهْرِهِ مَثَلًا كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَبْلَغُ) عِلَّةٌ لِتَرَتُّبِ حُرْمَةِ الْمَسِّ عَلَى حُرْمَةِ النَّظَرِ أَوْ لِمُقَدَّرٍ، أَيْ حَرُمَ مَسٌّ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إلَخْ.
قَالَ ع ش عَلَى م ر: هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ يُلْتَذُّ بِنَظَرِ الشَّعْرِ كَمَسِّهِ غَايَتُهُ أَنَّ الْمَسَّ أَبْلَغُ فِي اللَّذَّةِ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ عَلَّلُوا عَدَمَ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ وَالسِّنِّ بِأَنَّهُ لَا لَذَّةَ فِيهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ ثَمَّ اللَّذَّةُ الْقَوِيَّةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا تَحْرِيكُ الشَّهْوَةِ وَالْمُثْبَتُ هُنَا مُطْلَقُ اللَّذَّةِ وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي التَّحْرِيمِ احْتِيَاطًا اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَا حَرُمَ إلَخْ) أَيْ كُلُّ جُزْءٍ حَرُمَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَشَعْرِ) وَظُفْرٍ أَيْ لَا بَوْلٍ وَلَبَنٍ وَمَنِيٍّ وَلُعَابٍ.
قَوْلُهُ: (وَقُلَامَةِ ظُفْرِ حُرَّةٍ) وَكَذَا الْأَمَةُ فَالْحُرَّةُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ، وَمِثْلُ قُلَامَةِ الظُّفْرِ دَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ دُونَ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ قَالَ بَوْلُك طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ دَمُك، وَيَجِبُ مُوَارَاةُ ذَلِكَ الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ كَمَا يَجِبُ مُوَارَاةُ شَعْرِ عَانَةِ الرَّجُلِ ح ل وَع ش. وَفِي الشَّوْبَرِيِّ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ نَحْوَ الرِّيقِ وَالدَّمِ لَا يَحْرُمُ نَظَرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَظِنَّةً لِلْفِتْنَةِ بِرُؤْيَتِهِ عِنْدَ أَحَدٍ اهـ. وَعِبَارَةُ الْأَنْوَارِ: يَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَقَ عَانَتَهُ مُوَارَاةُ شَعْرِهَا لِئَلَّا يُنْظَرَ إلَيْهِ، اعْتَمَدَ ابْنُ حَجَرٍ وُجُوبَ مُوَارَاةِ الظُّفْرِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالشَّعْرِ اهـ. وَقِيَاسُهُ عَكْسُهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ جِهَةِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ اهـ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ يَدَيْهَا) جَعَلَهُمَا غَايَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْيَدَيْنِ لَيْسَا بِعَوْرَةٍ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا بِعَوْرَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ وَالشَّهْوَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ اضْطِجَاعُ رَجُلَيْنِ أَوْ امْرَأَتَيْنِ) فِي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الشَّهْوَةِ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ تِسْعِ سِنِينَ أَيْ بِبُلُوغِ أَوَّلِ الْعَشْرِ، قَالَهُ م ر، خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ حَيْثُ اكْتَفَى بِمُضِيِّ تِسْعِ سِنِينَ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَلِذَا قَالَ م ر: وَلَوْ أَبًا وَابْنَهُ وَأُمًّا وَبِنْتَهَا وَأَخًا وَأَخَاهُ وَأُخْتًا وَأُخْتَهَا فَإِذَا كَانَ مَعَ الِاتِّحَادِ حَرَامًا فَمَعَ عَدَمِ الِاتِّحَادِ أَوْلَى، وَهَلْ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي نُزُولِ رَجُلَيْنِ فِي مَغْطِسِ الْحَمَّامِ أَوْ يُفَرَّقُ؟ أَفْتَى الرَّمْلِيُّ بِجَوَازِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَسٌّ لِعَوْرَةٍ وَلَا رُؤْيَاهَا، أَيْ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاضْطِجَاعِ، فَفِي الِاضْطِجَاعِ يَحْرُمُ وَلَوْ بِلَا مَسٍّ وَهُنَا يَجُوزُ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَكَالْمُضَاجَعَةِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي مِصْرِنَا مِنْ دُخُولِ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مَغْطِسَ الْحَمَّامِ، فَيَحْرُمُ إنْ خِيفَ النَّظَرُ أَوْ لَمْسٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لِعَوْرَةِ الْآخَرِ اهـ. قَوْلُهُ: (إذَا كَانَا عَارِيَّيْنِ) خَرَجَ بِهِ مَا إذَا لَمْ يَتَجَرَّدَا، فَيَجُوزُ نَوْمُهُمَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ وَلَوْ مُتَلَاصِقَيْنِ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ انْتَفَى التَّجَرُّدُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ: «لَا يُفْضِ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ» الدَّلِيلُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعَى إذْ لَا يَشْمَلُ الْغَايَةَ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِفْضَاءَ الْجَسُّ بِالْيَدِ أَوْ مُطْلَقًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَفْعَلُ مَا يَئُولُ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى الْإِفْضَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ مُصَافَحَةُ) أَيْ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ فَإِنْ كَانَتْ مَحْرَمِيَّةً أَوْ زَوْجِيَّةً أَوْ مَعَ صَغِيرٍ لَا يُشْتَهَى أَوْ مَعَ كَبِيرٍ بِحَائِلٍ جَازَتْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا فِتْنَةٍ؛ نَعَمْ يُسْتَثْنَى الْأَمْرَدُ الْجَمِيلُ فَتَحْرُمُ مُصَافَحَتُهُ كَمَا قَالَهُ الْعَبَّادِيُّ اهـ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يَتَصَافَحَانِ)

الرَّأْسِ إلَّا لِقَادِمٍ مِنْ سَفَرٍ، أَوْ تَبَاعُدٍ لِقَاءً عُرْفًا فَسُنَّةٌ لِلِاتِّبَاعِ.

وَيُسَنُّ تَقْبِيلُ يَدِ الْحَيِّ لِصَلَاحٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ كَعِلْمٍ وَزُهْدٍ، وَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِغِنَاهُ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَشَوْكَةٍ وَوَجَاهَةٍ، وَيُسَنُّ الْقِيَامُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ إكْرَامًا لَا رِيَاءً وَتَفْخِيمًا.

فَصْلٌ: فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: صِيغَةٌ وَزَوْجَةٌ وَزَوْجٌ وَوَلِيٌّ وَهُمَا الْعَاقِدَانِ، وَشَاهِدَانِ وَعَلَى الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الْوَلِيُّ.
وَالشَّاهِدَانِ

[حاشية البجيرمي]

كَذَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: فَيَتَصَافَحَانِ.
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ وَالتَّقْبِيلُ) وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مُعَانَقَةَ الْغَائِبِ إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ سُنَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَلَا دَلِيلَ هُنَا عَلَيْهَا اهـ مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ وَالتَّقْبِيلُ) أَيْ لِغَيْرِ مُشْتَهَاةٍ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ بِغَيْرِ حَائِلٍ فِي الْأَجَانِبِ مُطْلَقًا ق ل. قَوْلُهُ: (فَسُنَّةٌ) أَيْ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَيُسْتَثْنَى الْأَمْرَدُ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَقْبِيلُ يَدِ الْحَيِّ لِصَلَاحٍ وَنَحْوِهِ) الصَّالِحُ هُوَ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَنَحْوُهُ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ.
وَخَرَجَ بِهِمَا نَحْوُ الْأُمَرَاءِ وَالْعُظَمَاءِ فَلَا يُسَنُّ إلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ فَقَدْ يَجِبُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ ذَلِكَ) أَيْ التَّقْبِيلُ الْمَذْكُورُ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ غِنَاهُ ق ل. قَوْلُهُ: (لِأَهْلِ الْفَضْلِ) خَرَجَ غَيْرُهُمْ فَلَا يُطْلَبُ إلَّا لِحَاجَةٍ، أَيْ بِأَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَهُ حَاجَةٌ أَوْ ضَرُورَةٌ، كَأَنْ كَانَ يَضُرُّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ لَهُ.
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ صَارَ قَطِيعَةً وَخَرَجَ بِالْقِيَامِ نَحْوُ الرُّكُوعِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ، فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ مَعَ الطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ؛ وَلَا يُنَافِي سَنَّ الْقِيَامِ لِمَنْ ذُكِرَ.
قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُقَامَ لَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَقُومُوا لَهُ إذَا مَرَّ بِهِمْ فَمَرَّ يَوْمًا بِحَسَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَامَ وَأَنْشَدَ: قِيَامِي لِلْعَزِيزِ عَلَيَّ فَرْضٌ ... وَتَرْكُ الْفَرْضِ مَا هُوَ مُسْتَقِيمُ عَجِبْت لِمَنْ لَهُ عَقْلٌ وَفَهْمٌ ... يَرَى هَذَا الْجَمَالَ وَلَا يَقُومُ وَقَدْ أَقَرَّهُ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ» . وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ إنَّ مُرَاعَاةَ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ امْتِثَالِ الْأَمْرِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ امْتِثَالَ الْأَمْرِ أَدَبٌ وَزِيَادَةٌ؛ وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِالزِّيَادَةِ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ مَعَ اسْتِلْزَامِهَا لِلْأَدَبِ مَعَهُ بِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ؛ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَامِلُ عَلَى هَذَا النَّهْيَ، وَأَمْثَالُهُ شِدَّةُ التَّوَاضُعِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَمُ مَحَبَّتِهِ لِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إذَا صَحِبَتْهُ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ يُبَالَ بِالْقِيَامِ بَعْدَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا شَرْعًا مِنْ فَاعِلِهِ لِأَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ الَّذِينَ هُوَ سَيِّدُهُمْ، بِدَلِيلِ مَا وَرَدَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: «قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» فَأَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْ مَحَبَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا رِيَاءً) أَيْ لِنَفْسِهِ، وَلَا تَفْخِيمًا لِنَفْسِهِ.

[فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ]

ِ تَقَدَّمَ أَنَّ النِّكَاحَ مَعْنَاهُ الْعَقْدُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرَهَا لَمْ تَتَرَكَّبْ مِنْهَا مَاهِيَّتُه كَمَا هُوَ مُقْتَضَى التَّعْبِيرِ بِالْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ مَا تَتَرَكَّبُ مِنْهُ الْمَاهِيَّةُ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْكَانِ مَا لَا بُدَّ مِنْهَا فَيَشْمَلُ الْأُمُورَ الْخَارِجَةَ كَمَا هُنَا كَالشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّهُمَا خَارِجَانِ عَنْ مَاهِيَّةِ النِّكَاحِ وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَهُمَا بَعْضُهُمْ شَرْطَيْنِ.
قَوْلُهُ: (صِيغَةٌ) وَهِيَ إيجَابٌ وَقَبُولٌ وَلَوْ مِنْ هَازِلٍ شَرْحُ م ر. وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الصَّدَاقُ رُكْنًا بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ

اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مُشِيرًا إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ إلَّا بِوَلِيٍّ) أَوْ مَأْذُونِهِ أَوْ الْقَائِمِ مُقَامَهُ كَالْحَاكِمِ عِنْدَ فَقْدِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ عَضْلِهِ أَوْ إحْرَامِهِ (وَ) حُضُورِ (شَاهِدَيْ عَدْلٍ) لِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تَشَاحُّوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» وَالْمَعْنَى فِي إحْضَارِ الشَّاهِدَيْنِ الِاحْتِيَاطُ لِلْأَبْضَاعِ وَصِيَانَةُ الْأَنْكِحَةِ عَنْ الْجُحُودِ.
وَيُسَنُّ إحْضَارُ جَمْعٍ زِيَادَةً عَلَى الشَّاهِدَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ.

(وَيَفْتَقِرُ الْوَلِيُّ وَالشَّاهِدَانِ) الْمُعْتَبَرُونَ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ (إلَى سِتَّةِ شَرَائِطَ) بَلْ إلَى أَكْثَرَ

[حاشية البجيرمي]

الْغَرَضَ مِنْ النِّكَاحِ الِاسْتِمْتَاعُ وَتَوَابِعُهُ وَذَلِكَ قَائِمٌ بِالزَّوْجَيْنِ فَهُمَا الرُّكْنَانِ.
قَوْلُهُ: (وَشَاهِدَانِ) عَدَّهُمَا رُكْنًا لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِشَرْطٍ دُونَ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الْآخَرِ؛ وَجَعَلَهُمَا ابْنُ حَجَرٍ رُكْنًا وَاحِدًا لِتَعَلُّقِ الْعَقْدِ بِهِمَا فَلَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا ع ش عَلَى م ر. وَجَعْلُ الشَّاهِدَيْنِ شَرْطًا كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِمَا رُكْنًا لِخُرُوجِهِمَا عَنْ الْمَاهِيَّةِ اهـ. قَوْلُهُ: (إلَّا بِوَلِيٍّ) لَمْ يَقُلْ عَدْلٌ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ يُزَوِّجُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَلَا فَاسِقًا، كَمَا إذَا تَابَ الْوَلِيُّ الْفَاسِقُ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُ فِي الْحَالِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَلَكَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ ارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُ فِي الْحَالِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ لِعَدَمِ الْمَلَكَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَالشَّرْطُ فِيهِ عَدَمُ الْفِسْقِ.
قَوْلُهُ: (كَالْحَاكِمِ عِنْدَ فَقْدِهِ) فِيهِ أَنَّهُ عِنْدَ فَقْدِهِ يَكُونُ وَلِيًّا لَا نَائِبًا.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ فَقْدِهِ أَيْ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ وَقِيَامِهِ مَقَامَهُ، أَيْ فِي التَّزْوِيجِ لَا النِّيَابَةِ وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْبَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ) أَيْ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَضْلِهِ) أَيْ عَضْلًا لَا يَفْسُقُ بِهِ كَأَنْ عَضَلَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَّا انْتَقَلَتْ لِلْأَبْعَدِ لِفِسْقِ الْعَاضِلِ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (وَحُضُورِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ) أَيْ بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ بِإِحْضَارِهِمَا.
وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ، وَلَمْ يُثَنِّ الصِّفَةَ؛ لِأَنَّ عَدْلًا مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَغَيْرُهُ وَلَا بُدَّ فِي الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَكُونَا مِنْ الْإِنْسِ كَمَا قَالَهُ م ر لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ ثَلَاثَةٌ: الْكُفَّارُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَّا.
وَذَهَبَ ابْنُ حَجَرٍ إلَى أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَا مِنْ الْجِنِّ وَيَكُونَانِ بِمَنْزِلَةِ عَدْلَيْنِ مِنَّا، وَرَدَّ بِأَنَّ الْعَدْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ يُمْكِنُ أَنَّهُمَا يَحْمِلَانِ اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ غَيْرَهُمَا بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ، بِخِلَافِ الْجِنِّيِّ إذَا شَهِدَ وَفَرَّ فَإِنَّ عَوْدَهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ فَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ م ر. قَوْلُهُ: (وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ) نَعَمْ لَوْ تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَةُ فِي قُطْرٍ قُدِّمَ أَقَلُّهُمْ فِسْقًا، قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ حَجّ؛ كَذَا بِخَطِّ الْمَرْحُومِيِّ بِهَامِشِ نُسْخَتِهِ اهـ م د. قَوْلُهُ: (عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ مُشْتَمِلٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَشَاحُّوا) أَيْ الْأَوْلِيَاءُ الْمَعْلُومُونَ مِنْ الْمَقَامِ بِأَنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ لَا أُزَوِّجُ بَعْدَ أَنْ دَعَتْ إلَى كُفْءٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَضْلِ، بِهِ دَلِيلُ قَوْلِهِ: فَالسُّلْطَانُ إلَخْ.
وَأَمَّا إنْ تَشَاحُّوا بِأَنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنَا الَّذِي أُزَوِّجُ وَاتَّحَدَ خَاطِبٌ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وُجُوبًا قَطْعًا لِلنِّزَاعِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِي إحْضَارِ) الْأَوْلَى فِي حُضُورِ؛ لِأَنَّ الْإِحْضَارَ لَيْسَ بِشَرْطٍ.
قَوْلُهُ: (وَصِيَانَةِ الْأَنْكِحَةِ) عَطْفٌ لَازِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَطْفٌ مُسَبَّبٌ عَلَى سَبَبٍ اهـ. قَوْلُهُ: (بَلْ إلَى أَكْثَرَ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَلَّ النَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا، وَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ أَيْضًا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالضَّبْطُ وَمَعْرِفَةُ لِسَانِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَكَوْنُهُ غَيْرَ مُتَعَيَّنٍ لِلْوِلَايَةِ وَأَشْيَاءٌ أُخَرُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ لِلزَّوْجَةِ وَلَا أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ بِنْتُ فُلَانٍ بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ، وَتُحْمَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى صُورَةِ الْعَقْدِ حَتَّى إذَا دُعُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ بِنْتُ فُلَانٍ بَلْ يَشْهَدُونَ عَلَى جَرَيَانِ الْعَقْدِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ؛ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ شَوْبَرِيٌّ، وَهُوَ تَابِعٌ لِابْنِ حَجَرٍ.
وَقَالَ م ر: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الشُّهُودِ اسْمَهَا وَنَسَبَهَا أَوْ يَشْهَدَانِ عَلَى صُورَتِهَا بِرُؤْيَةِ وَجْهِهَا بِأَنْ تَكْشِفَ لَهُمْ النِّقَابَ، وَقَالَ عَمِيرَةُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُنْتَقِبَةِ أَنْ يَرَاهَا الشَّاهِدَانِ قَبْلَ الْعَقْدِ، فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ وَلَمْ يَعْرِفْهَا الشَّاهِدَانِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ اسْتِمَاعَ الشَّاهِدِ الْعَقْدَ كَاسْتِمَاعِ الْحَاكِمِ الشَّهَادَةَ؛ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: مَحَلُّهُ إذْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ وَإِلَّا فَيَصِحُّ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ، وَالْقُضَاةُ الْآنَ لَا يَعْلَمُونَ

كَمَا سَيَأْتِي الْأَوَّلُ: (الْإِسْلَامُ) وَهُوَ فِي وَلِيِّ الْمُسْلِمَةِ إجْمَاعًا وَسَيَأْتِي أَنَّ الْكَافِرَ يَلِي الْكَافِرَةَ، وَأَمَّا الشَّاهِدَانِ فَالْإِسْلَامُ شَرْطٌ فِيهِمَا سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ مُسْلِمَةً أَمْ ذِمِّيَّةً إذْ الْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ.
(وَ) الثَّانِي (الْبُلُوغُ، و) الثَّالِثُ: (الْعَقْلُ) فَلَا وِلَايَةَ لِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَلَيْسَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ.
(وَ) الرَّابِعُ: (الْحُرِّيَّةُ) فَلَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ وَلَا يَكُونُ شَاهِدًا (وَ) الْخَامِسُ: (الذُّكُورَةُ) فَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا بِحَالٍ لَا بِإِذْنٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ إذْ لَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ دُخُولُهَا فِيهِ لِمَا قُصِدَ مِنْهَا مِنْ الْحَيَاءِ وَعَدَمِ ذِكْرِهِ أَصْلًا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]

[حاشية البجيرمي]

بِهَا فَإِنَّهُمْ يُزَوِّجُونَ الْمُنْتَقِبَةَ الْحَاضِرَةَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ الشُّهُودِ لَهَا اكْتِفَاءً بِحُضُورِهَا وَإِخْبَارِهَا اهـ. وَعِبَارَةُ م ر فِي الشَّهَادَاتِ: قَالَ جَمْعٌ لَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ مُنْتَقِبَةٍ إلَّا إنْ عَرَفَهَا الشَّاهِدَانِ اسْمًا وَنَسَبًا أَوْ صُورَةً اهـ.

قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ وَهُوَ فِي وَلِيِّ الْمُسْلِمَةِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي إلَخْ؛ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَتْ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ تَرَافَعُوا إلَيْنَا فِي نِكَاحٍ صَدَرَ مِنْهُمْ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ نُقِرُّهُمْ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ صَدَرَ بِشُهُودٍ كُفَّارٍ أَوْلَى فَمَا مَعْنَى اشْتِرَاطِ إسْلَامِ الشُّهُودِ فِي أَنْكِحَتِهِمْ، إلَّا أَنْ يُقَالَ مَحَلُّ الِاشْتِرَاطِ إذَا وَقَعَ عَقْدُهُمْ بِحَضْرَتِنَا فَإِنَّا نَأْمُرُهُمْ بِإِشْهَادِ مُسْلِمَيْنِ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا وِلَايَةَ لِصَبِيٍّ) أَيْ وَلَوْ لِبِنْتِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فَأَتَتْ بِبِنْتٍ فِي زَمَنٍ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فِيهِ كَابْنِ عَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا فَإِنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ وَلَا يَثْبُتُ الْبُلُوغُ فَلَا يُزَوِّجُهَا لِسَلْبِ عِبَارَتِهِ كَالْعُقُودِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ إلَّا مَا اسْتَثْنَى قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ) نَعَمْ يَصِحُّ كَوْنُهُ وَكِيلًا فِي الْقَبُولِ لَا الْإِيجَابِ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ فِي ضَابِطِ الْوَكِيلِ وَهُوَ صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ لِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا.
وَالْمُرَادُ بِالرَّقِيقِ مَنْ فِيهِ رِقٌّ وَإِنْ قَلَّ، وَلَا يُرَدُّ الْمُبَعَّضُ فِيمَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُكَاتَبِ لَكِنْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (الذُّكُورَةُ) أَيْ الْمُحَقَّقَةُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا إلَخْ) كَانَ الْمُنَاسِبُ: فَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا وَلَا غَيْرِهَا وَلَا تَكُونُ شَاهِدَةً، فَلَوْ خَالَفَتْ وَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا سَوَاءٌ كَانَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ أَوْ بِدُونِهِ أَوْ وَكَّلَتْ مَنْ يُزَوِّجُهَا وَلَيْسَ مِنْ أَوْلِيَائِهَا فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْوَطْءِ وَلَوْ فِي الدُّبُرِ إنْ كَانَ رَشِيدًا، وَيَجِبُ أَيْضًا أَرْشُ بَكَارَةٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ سَوَاءٌ قَلَّدَ أَمْ لَا لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ؛ وَلَكِنَّهُ يُعَزَّرُ إنْ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ.
وَمَحَلُّ هَذَا كُلِّهِ مَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِهَا فَيَجِبُ الْمُسَمَّى وَلَا تَعْزِيرَ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِبُطْلَانِهِ فَإِنْ حَكَمَ بِهِ وَجَبَ الْحَدُّ اهـ شَرْحُ م ر وَحَوَاشِيه.
قَوْلُهُ: (لَا بِإِذْنٍ) أَيْ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فِي الْإِيجَابِ أَوْ هِيَ تَأْذَنُ لِأَجْنَبِيٍّ فِي الْإِيجَابِ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَا بِغَيْرِهِ " أَيْ بِأَنْ تَقُولَ لِشَخْصٍ: زَوَّجْتُك نَفْسِي.
قَوْلُهُ: (الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ) الْأَوْلَى بَلْ الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا التَّعْمِيمِ؛ لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ هُنَا إلَّا الْإِيجَابَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي كَوْنِهَا لَا تَمْلِكُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا، وَهَذَا التَّعْمِيمُ سَرَى لَهُ مِنْ تَعْبِيرِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ: لَا تَعْقِدُ امْرَأَةٌ نِكَاحًا اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا تُزَوِّجُ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ يُنَاسِبُهُ، أَمَّا هُنَا فَلَا يُنَاسِبُ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ طَرَفِهَا الْإِيجَابُ فَقَطْ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: لَا تَعْقِدُ امْرَأَةٌ نِكَاحًا وَلَوْ بِإِذْنٍ إيجَابًا كَانَ أَوْ قَبُولًا لَا لِنَفْسِهَا وَلَا لِغَيْرِهَا اهـ. فَقَوْلُهُ: " لَا لِنَفْسِهَا إيجَابًا وَلَا لِغَيْرِهَا قَبُولًا وَإِيجَابًا " سَوَاءٌ فِي الشِّقَّيْنِ الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، نَعَمْ لَوْ عَقَدَتْ فِي الْكُفْرِ لِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا وَأَسْلَمُوا أُقِرُّوا عَلَى النِّكَاحِ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (إذْ لَا يَلِيقُ) هَذَا عَلَى الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، بِخِلَافِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالْإِيجَابِ.
قَوْلُهُ: (بِمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ) أَيْ بِالْعَادَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ.
وَالْمَحَاسِنُ جَمْعُ حُسْنٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ قَوْلُهُ: (وَعَدَمِ ذِكْرِهِ) عَطْفُ مُسَبَّبٍ عَلَى سَبَبٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾ [النساء: 34] إلَخْ أَيْ مُسَلَّطُونَ عَلَى النِّسَاءِ يُؤَدِّبُونَهُنَّ: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34] أَيْ بِتَفْضِيلِهِ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ بِالْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْوِلَايَةِ وَالنَّفَقَةِ جَلَالَيْنِ،

وَلَا تُزَوِّجُ غَيْرَهَا بِوِلَايَةٍ وَلَا وَكَالَةٍ لِخَبَرِ: «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا» . نَعَمْ لَوْ اُبْتُلِينَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِإِمَامَةِ امْرَأَةٍ فَإِنَّ أَحْكَامَهَا تَنْفُذُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ، وَقِيَاسُهُ تَصْحِيحُ تَزْوِيجِهَا.
وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمَرْأَةِ فِي نِكَاحِ غَيْرِهَا إلَّا فِي مِلْكِهَا أَوْ فِي سَفِيهٍ أَوْ مَجْنُونٍ هِيَ وَصِيَّةٌ عَلَيْهِ، وَلَيْسَتْ الْمَرْأَةُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَلَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِمْ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِخُنْثَيَيْنِ وَلَوْ بَانَا رَجُلَيْنِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ الصِّحَّةُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ عَقَدَ عَلَى خُنْثَى أَوْ لَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ أُنْثَى فِي الْأَوَّلِ أَوْ ذَكَرًا فِي الثَّانِي لَا يَصِحُّ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْخُنْثَى أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ،

[حاشية البجيرمي]

وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34] مُتَعَلِّقٌ ب قَوَّامُونَ.
وَأَصْرَحُ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] إذْ لَوْ كَانَتْ تَلِي نَفْسَهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنْ الْعَضْلِ مَعْنًى، لَكِنْ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْأَوْلِيَاءُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، بِدَلِيلِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا حَلِفُ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ لَا يُزَوِّجَ أُخْتَهُ مِنْ زَوْجِهَا وَكَانَ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقِيلَ: مَرْجِعُ الضَّمِيرِ الْأَزْوَاجُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: 1] اهـ سم.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ لَا تُزَوِّجُ إلَخْ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوِّشٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا) تَتِمَّتُهُ: «فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» اهـ. قَوْلُهُ: (بِإِمَامَةِ امْرَأَةٍ) وَكَذَا يُقَالُ فِي بَقِيَّةِ الْمَوَانِعِ كَالرِّقِّ وَغَيْرِهِ إلَّا الْكُفْرَ، فَقَدْ ذَكَرُوا فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى أَنَّهُ لَوْ تَوَلَّاهَا كَافِرٌ لَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمَةَ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَقِيَاسُهُ تَصْحِيحُ تَزْوِيجِهَا) أَيْ لِغَيْرِهَا، وَيُزَوِّجُهَا أَحَدُ نُوَّابِهَا.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " تَصْحِيحُ تَزْوِيجِهَا " أَيْ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ بَنَاتِهَا مَثَلًا إذَا كَانَ لَهُنَّ وَلِيٌّ غَيْرُهَا كَأَبٍ وَجَدٍّ وَأَخٍ وَعَمٍّ وَنَحْوِهِمْ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَتَرَدَّدَ فِيهِ، سم إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي ذَلِكَ بَلْ تَأْذَنُ لِأَمِيرٍ مِنْ أُمَرَائِهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا كَالْوَلِيِّ إذَا أَرَادَ نِكَاحَ مُوَلِّيَتِهِ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: أَمَّا هِيَ فَيُزَوِّجُهَا أَحَدُ نُوَّابِهَا اهـ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَتَوَلَّ الْإِمَامَةَ وَإِلَّا فَلَهَا تَزْوِيجُ غَيْرِهَا اهـ. وَقَوْلُهُ: " فَلَهَا أَنْ تُزَوِّجَ غَيْرَهَا " صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَمِثْلُهُ فِي الزِّيَادِيِّ.
وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ: فَإِنَّ أَحْكَامَهَا تَنْفُذُ وَقِيَاسُهُ تَصْحِيحُ تَزْوِيجِهَا إلَخْ، أَنَّ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، وَبِهِ صَرَّحَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ حَيْثُ قَالَ: نَعَمْ إنْ وَلِيَتْ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى صَحَّ تَزْوِيجُهَا لِلضَّرُورَةِ لِنَفْسِهَا أَوْ غَيْرِهَا كَمَا يَشْمَلُهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: فَتُزَوِّجُ غَيْرَهَا لَا نَفْسَهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ شَرْحِ م ر عَدَمَ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّهَا مُتَمَكِّنَةٌ مِنْ تَفْوِيضِ أَمْرِهَا لِمَنْ يُزَوِّجُهَا فَيَكُونُ قَاضِيًا اهـ فَحَرِّرْ الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ، هَذَا وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: مُقْتَضَاهُ إلَخْ؛؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ أَفْرَادِ قَوْلِهِ أَحْكَامُهَا تَنْفُذُ لَا مَقِيسَ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي مِلْكِهَا) بِأَنْ مَلَكَتْ أَمَةً.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي سَفِيهٍ أَوْ مَجْنُونٍ) أَيْ فَتَأْذَنُ لِلْحَاكِمِ فِي تَزْوِيجِهَا، إذْ الْفَرْضُ أَنَّ الْأَبَ وَالْجَدَّ مَفْقُودَانِ وَلَا يُزَوِّجُ السَّفِيهَ أَوْ الْمَجْنُونَ إلَّا الْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَتْ الْمَرْأَةُ أَهْلًا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا تَمْلِكُ تَزْوِيجَ نَفْسِهَا الْأَوَّلُ لِلْوِلَايَةِ وَالثَّانِي لِلشَّهَادَةِ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهَا لِيَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِ فَلَا تَمْلِكُ إلَخْ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِمْ) الْمُنَاسِبُ: بِقَوْلِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ الْأَصَحُّ إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيُقَاسُ عَلَى الْخُنْثَيَيْنِ غَيْرُهُمَا إذَا تَبَيَّنَ وُجُودُ الْأَهْلِيَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَصَبِيَّيْنِ بَانَا بَالِغَيْنِ، وَيَجْرِي هَذَا فِي الْوَلِيِّ لَوْ عَقَدَ وَهُوَ خُنْثَى ثُمَّ اتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ السُّبْكِيّ.
وَتُشْتَرَطُ هَذِهِ الشُّرُوطُ حَالَةَ التَّحَمُّلِ، بِخِلَافِ شَاهِدِ غَيْرِ النِّكَاحِ فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ فِيهِ حَالَ الْأَدَاءِ اهـ ز ي. وَفَرَّقَ الدَّمِيرِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّحَمُّلَ فِي النِّكَاحِ وَاجِبٌ بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (الصِّحَّةُ) أَيْ فِي الشَّاهِدَيْنِ وَالْوَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَهُ) بِأَنْ كَانَ زَوْجًا، قَوْلُهُ: (أُجِيبَ إلَخْ) فِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ وَالْأَوْلَى أَنْ

فَإِنْ بَانَ رَجُلًا اكْتَفَيْنَا بِذَلِكَ فِي النِّكَاحِ بِخِلَافِ الْعَقْدِ عَلَى الْخُنْثَى أَوْ لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ.
(وَ) السَّادِسُ (الْعَدَالَةُ) وَهِيَ مَلَكَةٌ فِي النَّفْسِ تَمْنَعُ مِنْ اقْتِرَافِ الذُّنُوبِ، وَلَوْ صَغَائِرَ الْخِسَّةِ وَالرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِوَلِيٍّ فَاسِقٍ غَيْرِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ مُجْبِرًا كَانَ أَمْ لَا فَسَقَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَمْ لَا، أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ أَمْ لَا لِحَدِيثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ» . قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَالْمُرَادُ بِالْمُرْشِدِ الْعَدْلُ.
وَأَفْتَى الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ لَوْ

[حاشية البجيرمي]

يُجَابَ بِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ وَفِي الثَّانِي مَعْقُودٌ لَهُ فَيُحْتَاطُ لَهُمَا اهـ ق ل بِزِيَادَةٍ.
وَوَجْهُ النَّظَرِ أَنَّ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ عَيْنُ الدَّعْوَى فَتَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: نَعَمْ إنْ بَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ كَمَا لَوْ بَانَ الْوَلِيُّ ذَكَرًا بِخِلَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ كَمَا إذَا عَقَدَ عَلَى خُنْثَى أَوْ لَهُ وَبَانَ أُنْثَى أَوْ ذَكَرًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّهَادَةَ وَالْوِلَايَةَ مَقْصُودَانِ لِغَيْرِهِمَا بِخِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فَاحْتِيطَ لَهُمَا.
قَوْلُهُ: (أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فِي بَابِ الْأَمْوَالِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَدَالَةُ) مِنْ لَازِمِهَا الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا كَالْمِنْهَاجِ كَانَ كَافِيًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يُعْلَمُ نَصًّا وَمَا يُعْلَمُ الْتِزَامًا.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُنَافِي انْعِقَادَهُ بِالْمَسْتُورَيْنِ.
قُلْت: لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرُّخْصَةِ أَوْ أَنَّ الِانْعِقَادَ بِالْعَدْلِ قَطْعًا، وَبِالْمَسْتُورِينَ عَلَى الصَّحِيحِ شَرْحُ م ر أج.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْوَلِيِّ عَدَمُ الْفِسْقِ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ وَاسِطَةً عَلَى كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْعَدَالَةُ الَّتِي تُقْبَلُ مَعَهَا الشَّهَادَةُ، وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَهَا مُرُوءَةٌ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَالرَّذَائِلُ الْمُبَاحَةُ مِنْ تَعْرِيفِ الْمُرُوءَةِ لَا مِنْ تَعْرِيفِ الْعَدَالَةِ.
قَوْلُهُ: (مَلَكَةٌ) أَيْ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ.
وَقَوْلُهُ: " تَمْنَعُ إلَخْ " أَيْ تَمْنَعُ مِنْ اقْتِرَافِ أَيْ ارْتِكَابِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ مَا ذُكِرَ، فَبِاقْتِرَافِ الْفَرْدِ مِنْ ذَلِكَ تَنْتَفِي الْعَدَالَةُ.
أَمَّا صَغَائِرُ غَيْرِ الْخِسَّةِ كَكِذْبَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ضَرَرٌ وَنَظْرَةٌ إلَى أَجْنَبِيَّةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ الْمَنْعُ مِنْ اقْتِرَافِ كُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا اهـ م د وَغَيْرُهُ.
وَهَذَا يُنَاسِبُ عِبَارَةَ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَنَصُّهَا: مِنْ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ.
وَهَذِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ صَغَائِرَ غَيْرِ الْخِسَّةِ مُخِلٌّ بِالْعَدَالَةِ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: قَوْلُهُ: " مَلَكَةٌ " أَيْ كَيْفِيَّةٌ أَيْ صِفَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ، وَقَبْلَ رُسُوخِهَا تُسَمَّى حَالًا وَهَيْئَةً، وَهِيَ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَغَائِرَ الْخِسَّةِ) كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِتَمْرَةٍ، أَيْ نَقْصِهَا مِنْ الْبَائِعِ وَزِيَادَتِهَا مِنْ الْمُشْتَرِي مَا لَمْ تَغْلِبْ طَاعَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّذَائِلِ) بِالْجَرِّ جَمْعُ رَذِيلَةٍ، وَهِيَ الْأَمْرُ الْمُسْتَحْسَنُ تَرْكُهُ كَمَشْيِ الْفَقِيهِ حَافِيًا أَوْ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الذُّنُوبِ، وَالرَّذَائِلُ الْمُبَاحَةُ لَا تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ بَلْ بِالْمُرُوءَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَنْعَقِدُ بِوَلِيٍّ فَاسِقٍ إلَخْ) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ اهـ ق ل. وَلَوْ أَذِنَتْ لَهُ وَهُوَ عَدْلٌ ثُمَّ فَسَقَ ثُمَّ تَابَ فَقِيَاسُ مَا قِيلَ إنَّهَا أَوْ أَذِنَتْ لِلْقَاضِي فَعُزِلَ ثُمَّ وُلِّيَ احْتَاجَ إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ لِبُطْلَانِ الْأَوَّلِ بِخُرُوجِهِ عَنْ الْوِلَايَةِ أَنَّهُ هُنَا كَذَلِكَ اهـ ع ش عَلَى م ر. وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مَنْ يُرِيدُ الزَّوَاجَ يَأْخُذُ حَصِيرَ الْمَسْجِدِ لِلْجُلُوسِ عَلَيْهَا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُرِيدُونَ الْعَقْدَ فِيهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مُفَسِّقًا فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ اعْتِقَادُهُمْ إبَاحَةَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ، وَبِتَقْدِيرِ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ فَيُمْكِنُ أَنَّ ذَلِكَ صَغِيرَةٌ لَا يُوجِبُ فِسْقًا.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ أَيْضًا عَمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ لُبْسِ الْقَوَاوِيقِ الْقَطِيفَةِ لِلشُّهُودِ وَالْوَلِيِّ هَلْ هُوَ مُفَسِّقٌ يُفْسِدُ الْعَقْدَ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بِفَسَادِ الْعَقْدِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلشُّهُودِ فَلِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْعَقْدَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ لَابِسِينَ ذَلِكَ، فَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّ فِيهِمْ اثْنَيْنِ سَالِمَيْنِ مِنْ ذَلِكَ اُعْتُدَّ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ حُضُورُهُمَا اتِّفَاقًا؛ وَأَمَّا فِي الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ إنْ اتَّفَقَ لُبْسُهُ لِذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ كَجَهْلِهِ بِالتَّحْرِيمِ، وَمَعْرِفَةِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (مُجْبِرًا كَانَ أَمْ لَا) وَقِيلَ: يَكْفِي فِي الْمُجْبِرِ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُجْبِرِ لِوُفُورِ شَفَقَةِ الْمُجْبِرِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (فَسَقَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَمْ لَا) وَقِيلَ إنْ فَسَقَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ضَرَّ لِاخْتِلَالِ

كَانَ لَوْ سَلَبَ الْوِلَايَةَ لَانْتَقَلَتْ إلَى حَاكِمٍ فَاسِقٍ وُلِّيَ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَلَا سَبِيلَ إلَى الْفَتْوَى بِغَيْرِهِ إذْ الْفِسْقُ قَدْ عَمَّ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَالْأَوْجَهُ إطْلَاقُ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ لِلضَّرُورَةِ وَقَضَاؤُهُ نَافِذٌ، أَمَّا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَلَا يَقْدَحُ فِسْقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِهِ فَيُزَوِّجُ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ غَيْرِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، فَعَلَيْهِ إنَّمَا يُزَوِّجُ بَنَاتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلِيٌّ غَيْرُهُ كَبَنَاتِ غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُزَوِّجُ اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ عَدْلًا؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً، فَإِنَّ الْعَدَالَةَ مَلَكَةٌ تَمْنَعُ

[حاشية البجيرمي]

نَظَرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَقَ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ أَمْ لَا) وَقِيلَ إنْ أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ ضَرَّ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ إلَخْ) يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِقَوْلِ الْمَتْنِ وَالْعَدَالَةِ، وَلِقَوْلِ الشَّارِحِ: فَلَا تَنْعَقِدُ بِوَلِيٍّ فَاسِقٍ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ) أَيْ الْوَلِيُّ الْفَاسِقُ.
وَقَوْلُهُ " وُلِّيَ " جَوَابُ " لَوْ " الْأُولَى، وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ الْفَاسِقِ.
وَقَوْلُهُ " لَانْتَقَلَتْ " جَوَابُ " لَوْ " الثَّانِيَةِ، وَجُمْلَتُهَا خَبَرُ " كَانَ ". وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا " أَيْ بِأَنْ كَانَتْ تَنْتَقِلُ لِحَاكِمٍ عَادِلٍ فَلَا، أَيْ فَلَا يَلِي الْوَلِيُّ الْخَاصُّ الْفَاسِقُ بَلْ الْوِلَايَةُ لِلْحَاكِمِ الْعَادِلِ.
قَوْلُهُ: (إذْ الْفِسْقُ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، إذْ لَا مَعْنَى لِلِانْتِقَالِ مِنْ فَاسِقٍ إلَى فَاسِقٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْجَهُ إطْلَاقُ الْمَتْنِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُزَوِّجُ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ سَلَبَ الْوِلَايَةَ لَانْتَقَلَتْ إلَى حَاكِمٍ فَاسِقٍ، أَوْ الْمُرَادُ بِإِطْلَاقِهِ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ الْخَاصِّ مُطْلَقًا؛ بِخِلَافِ الْحَاكِمِ فَلَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ لِلضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا، فَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ.
وَحَاصِلُهُ إبْدَاءُ فَرْقٍ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَلِيِّ بِمَا ذَكَرَ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ أَيُّ فَارِقٍ بَيْنَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: " وَقَضَاؤُهُ نَافِذٌ " الظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَهُ اسْتِطْرَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: " غَيْرِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ " لَكِنْ يَكُونُ مُكَرَّرًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا تَقَدَّمَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ وَلِيٌّ فَاسِقٌ هَلْ يَنْتَقِلُ لِلْحَاكِمِ أَوْ لَا؟ وَهُنَا مَفْرُوضٌ فِي الْأَعَمِّ أَوْ عَدَمِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ بِالْمَرَّةِ، وَمِثْلُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ نَائِبُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر، أَوْ الْمُرَادُ الْأَعْظَمُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ.
وَلَا يُنَافِيه قَوْلُهُ الْآتِي: " فَيُزَوِّجُ بَنَاتِهِ وَبَنَاتِ غَيْرِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامِلَةِ "؛ لِأَنَّ نَائِبَهُ وِلَايَتُهُ عَامَّةٌ فِي عُقُودِ النِّكَاحِ بِالنِّسْبَةِ لِنَاحِيَتِهِ، وَمَالَ م ر إلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ يُزَوِّجُ بَنَاتِهِ بِغَيْرِ الْإِجْبَارِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ لَهُ فِي حَقِّهِنَّ غَيْرُ مَحْضَةٍ بِخِلَافِ بَنَاتِ غَيْرِهِ فَلَا يُزَوِّجُهُنَّ بِالْإِجْبَارِ، وَكَذَا لَا يُزَوِّجُ بَنَاتِهِ بِغَيْرِ الْإِجْبَارِ مَعَ وُجُودِ وَلِيٍّ خَاصٍّ كَجَدٍّ أَوْ عَمٍّ أَوْ نَحْوِهِ فَيُقَدَّمُ الْجَدُّ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى كَوْنِهِ يُزَوِّجُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ) فَإِنْ كَانَ فَلَا يُزَوِّجُ.
وَهَذَا إذَا كَانَ فَاسِقًا، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَإِنَّهُ يُزَوِّجُ بَنَاتِهِ بِالْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ وَبِالْإِجْبَارِ إنْ كُنَّ مُجْبَرَاتٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فَاسِقًا وَآلَ الْأَمْرُ إلَيْهِ فِي تَزْوِيجِ بَنَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْبِرُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي بَنَاتِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ لَا إجْبَارَ فِيهَا.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا م د: قَوْلُهُ: " إذَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ " أَيْ فَمَحَلُّ تَزْوِيجِهِ لِبَنَاتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ جَدٌّ أَوْ عَمٌّ أَوْ نَحْوُهُ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَالْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ بَنَاتِهِ لَوْ كُنَّ أَبْكَارًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إجْبَارٌ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ الْعَامَّةَ لَا إجْبَارَ فِيهَا، لَكِنْ مَالَ م ر فِي غَيْرِ شَرْحِهِ لِتَزْوِيجِهِ بِالْإِجْبَارِ وَنَظَرَ فِيهِ سم: وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر، نَصُّهَا: وَلَوْ كُنَّ أَبْكَارًا هَلْ يُجْبِرُهُنَّ؛ لِأَنَّهُ أَبٌ جَازَ لَهُ التَّزْوِيجُ أَوْ لَا وَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ لَا الْخَاصَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَمَالَ م ر لِلْأَوَّلِ اهـ سم عَلَى حَجّ؛ لَكِنْ مُقْتَضَى قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلِيٌّ خَاصٌّ الثَّانِي، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي تَزْوِيجِهِ فَقْدَ الْقَرِيبِ الْعَدْلِ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهَا أَخٌ أَوْ نَحْوُهُ فَتَمَحَّضَ تَزْوِيجُهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْإِجْبَارَ بَلْ عَدَمَهُ.
قَوْلُهُ: (كَبَنَاتِ غَيْرِهِ) أَيْ فَإِنَّهُ أَعْنِي الْإِمَامَ لَا يُزَوِّجُهُنَّ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ لَهُنَّ.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ إلَخْ) غَرَضُهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فِي الشَّاهِدَيْنِ لَا الْوَلِيِّ، بَلْ شَرْطُهُ عَدَمُ

صَاحِبَهَا مِمَّا مَرَّ، وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ وَلَمْ تَصْدُرْ مِنْهُ كَبِيرَةٌ وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ تِلْكَ الْمَلَكَةُ لَا عَدْلٌ وَلَا فَاسِقٌ.
وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَسْتُورَ يَلِي وَحَيْثُ مَنَعْنَا وِلَايَةَ الْفَاسِقِ فَقَالَ الْبَغَوِيّ: إذَا تَابَ زَوَّجَ فِي الْحَالِ وَوَجْهُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي وَلِيِّ النِّكَاحِ عَدَمُ الْفِسْقِ لَا قَبُولُ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا وَيَنْعَقِدُ بِمَسْتُورَيْ الْعَدَالَةِ وَهُمَا الْمَعْرُوفَانِ بِهَا ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا بِأَنْ عُرِفَتْ بِالْمُخَالَطَةِ دُونَ التَّزْكِيَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْقِدَ بِهِمَا الْحَاكِمُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا بِمَسْتُورَيْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ بِأَنْ يَكُونَا فِي مَوْضِعٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفَّارِ وَالْأَحْرَارِ بِالْأَرِقَّاءِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ حَالِهِمَا بَاطِنًا لِسُهُولَةِ الْوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ.

[حاشية البجيرمي]

الْفِسْقِ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا؛ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِالْعَدَالَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ مَا يَشْمَلُ الْوَاسِطَةَ.
قَوْلُهُ: (لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُزَوِّجُ) أَيْ الْمُشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِوَلِيٍّ فَاسِقٍ اشْتِرَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَلِيُّ عَدْلًا كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمَتْنِ حَيْثُ قَالَ: وَالْعَدَالَةُ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعَدَالَةَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْوَلِيِّ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ عَدَمُ الْفِسْقِ وَهُوَ يَصْدُقُ بِالْوَاسِطَةِ، فَاشْتِرَاطُ الْمُصَنِّفِ الْعَدَالَةَ فِي الْوَلِيِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الْوَلِيِّ، وَلَا يَسْتَقِيمُ مَعَهُ؛ فَلَعَلَّهَا عِبَارَةُ غَيْرِهِ، فَذِكْرُهُ لَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (لَا عَدْلٌ وَلَا فَاسِقٌ) أَيْ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَلِيًّا.
قَالَ م د: وَاعْتَرَضَهُ ق ل، وَقَالَ: بَلْ هُوَ مَسْتُورُ الْعَدَالَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالشَّاهِدِ إلَّا فِيمَا إذَا تَابَ الْوَلِيُّ زَوَّجَ حَالًا.
وَالظَّاهِرُ كَلَامُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ نَقَلَ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَسْتُورَ مِنْ الْوَاسِطَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ الْمَسْتُورُ هُوَ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ وَهُوَ فَرْقُ الْوَاسِطَةِ؛ وَحِينَئِذٍ فَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَسْتُورِ إلَّا أَنَّهُ قِيَاسُ أَدْنَى عَلَى أَعْلَى؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ مُتَّصِفٌ بِالْعَدَالَةِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً وَالْأَوَّلُ لَا يُقَالُ لَهُ عَدْلٌ وَلَا فَاسِقٌ، فَمُرَادُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ إلَخْ التَّقْوِيَةَ لِمَا قَبْلَهُ وَقِيَاسُ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: (إذَا تَابَ زَوَّجَ فِي الْحَالِ) وَلَوْ كَانَ فِسْقُهُ بِالْعَضْلِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ وَاسِطَةٌ لَا عَدْلٌ وَلَا فَاسِقٌ.
قَوْلُهُ: (لَا قَبُولُ الشَّهَادَةِ) كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ لَا الْعَدَالَةُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ.
نَعَمْ قَبُولُ الشَّهَادَةِ لَازِمٌ لِلْعَدَالَةِ، عَلَى أَنَّ قَبُولَ الشَّهَادَةِ شَامِلٌ لِلْمُرُوءَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِنَفْيِ الرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْوَلِيِّ عَدَمُ الْفِسْقِ لَا الْعَدَالَةُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَإِنَّ الشَّرْطَ فِيهِ الْعَدَالَةُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ سَنَةً بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَلِيَ وَلَا يَشْهَدَ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَابَ الْوَلِيُّ الْفَاسِقُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ حَالًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ، وَكَذَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا مُفَسِّقٌ يُزَوِّجَانِ وَلَا يَشْهَدَانِ لِعَدَمِ عَدَالَتِهِمَا أَوْ لِعَدَمِ الْمَلَكَةِ، فَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ الْوَاسِطَةِ بَيْنَ الْفِسْقِ وَالْعَدَالَةِ.
وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ الْبَكْرِيِّ أَنَّهُمَا يَتَّصِفَانِ بِالْعَدَالَةِ فَتَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا كَمَا نَقَلَهُ ح ل. قَوْلُهُ: (بِمَسْتُورَيْ الْعَدَالَةِ) أَيْ عِنْدَ الزَّوْجَيْنِ، أَيْ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا وَقَعَ نِزَاعٌ فِي الْعَقْدِ أَوْ فِي الْمَهْرِ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا كَمَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ فِي الْفَتَاوَى اهـ م د. قَوْلُهُ: (وَهُمَا الْمَعْرُوفَانِ بِهَا ظَاهِرًا) وَقِيلَ الْمَسْتُورُ هُوَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُفَسِّقٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الثَّانِي لِصِدْقِ الثَّانِي بِمَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِسْقٌ وَلَا طَاعَةٌ وَالْأَوَّلُ لَا يُصَدَّقُ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (لَا بِمَسْتُورَيْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ) كَأَنْ وُجِدَ لَقِيطٌ وَلَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ إسْلَامًا وَلَا رِقًّا فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِ، نَعَمْ لَوْ عُقِدَ بِهِمَا فَبَانَا مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ صَحَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ز ي. وَقَوْلُهُ: " وَالْحُرِّيَّةِ " الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَكَمَسْتُورِ الْإِسْلَامِ مَسْتُورَا الْبُلُوغِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَلَوْ عَقَدَ بِمَجْهُولِ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ فَبَانَا مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُمَا كَالْخُنْثَيَيْنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ بِهِمَا إذَا بَانَا ذَكَرَيْنِ وَيُعْتَدُّ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ إنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ حُرٌّ أَوْ بَالِغٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَكُونَا فِي مَوْضِعٍ إلَخْ) أَيْ وَلَا غَالِبَ فِي أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ، فَإِنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ أَوْ الْأَحْرَارُ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا الْآنَ مِنْ الظَّاهِرِ لَا مِنْ الْمَسْتُورِ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ حَالِهِمَا بَاطِنًا) لَيْسَ الْمُرَادُ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، بَلْ الْمُرَادُ الْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي كَوْنِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ يَلِي الْكَافِرَةَ الْأَصْلِيَّةَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ إلَى إسْلَامِ الْوَلِيِّ) وَلَوْ كَانَتْ الذِّمِّيَّةُ عَتِيقَةَ مُسْلِمٍ وَاخْتَلَفَ اعْتِقَادُ الزَّوْجَةِ وَالْوَلِيِّ فَيُزَوِّجُ الْيَهُودِيُّ نَصْرَانِيَّةً وَالنَّصْرَانِيُّ يَهُودِيَّةً كَالْإِرْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ بِالْإِرْثِ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِحَرْبِيٍّ عَلَى ذِمِّيَّةٍ وَبِالْعَكْسِ، وَأَنَّ الْمُسْتَأْمَنَ كَالذِّمِّيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا صَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَمُرْتَكِبُ الْمُحَرَّمِ الْمُفَسَّقُ فِي دِينِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْكَافِرَةِ كَالْفَاسِقِ عِنْدَنَا فَلَا يُزَوِّجُ مُوَلِّيَتَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَرْتَكِبْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَسْتُورًا فَيُزَوِّجُهَا كَمَا تَقَرَّرَ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ وِلَايَتِهِ وَشَهَادَتِهِ حَيْثُ لَا تُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَكِبًا ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ مَحْضُ وِلَايَةٍ عَلَى الْغَيْرِ فَلَا يُؤَهَّلُ لَهَا الْكَافِرُ، وَالْوَلِيُّ فِي التَّزْوِيجِ كَمَا يُرَاعِي حَظَّ مُوَلِّيَتِهِ يُرَاعِي حَظَّ نَفْسِهِ أَيْضًا فِي تَحْصِينِهَا وَدَفْعِ الْعَارِ عَنْ النَّسَبِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَوْجُ الْكَافِرَةِ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمَ قَاضِيهِمْ بِخِلَافِ الزَّوْجِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْكَافِرِ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهِ وَإِنْ صَدَرَ مِنْ قَاضِيهِمْ، أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا يَلِي مُطْلَقًا لَا عَلَى مُسْلِمَةٍ وَلَا عَلَى مُرْتَدَّةٍ وَلَا عَلَى غَيْرِهِمَا لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ إلَخْ) سَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ، وَلَمْ يَأْخُذْ مُحْتَرَزَ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ فَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي الْوَلِيِّ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَا نِكَاحُ الْأَمَةِ " اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْعَدَالَةِ فِي الْوَلِيِّ، إلَّا أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ صُورِيٌّ؛ لِأَنَّهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ وَالشُّرُوطُ لِلْوِلَايَةِ بِالنَّسَبِ.
قَوْلُهُ: (إلَى إسْلَامِ الْوَلِيِّ) يُوهِمُ أَنَّ الْوَلِيَّ الْمُسْلِمَ يَلِي نِكَاحَ الذِّمِّيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي كَالْإِرْثِ مَعَ قَوْلِهِ وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ إلَخْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ إلَى إسْلَامِ الْوَلِيِّ أَيْ فَيَلِيهَا الْعَدْلُ فِي دِينِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا لَا بِالْحِرَابَةِ وَغَيْرِهَا كَالْإِرْثِ، نَعَمْ الْمُرْتَدُّ لَا وِلَايَةَ لَهُ مُطْلَقًا وَلَا يَصِحُّ مِنْ قَاضِي الْكُفَّارِ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ مِنْ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (كَالْإِرْثِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُزَوِّجُ الْكَافِرَةَ وَبِالْعَكْسِ، بَلْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ الْمُوَافِقِ فِي الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُزَوِّجُ كَافِرَةً كَمَا أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُ قَاضِيًا فَيُزَوِّجُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَمُرْتَكِبُ الْمُحَرَّمِ الْمُفَسَّقُ إلَخْ) غَرَضُهُ تَقْيِيدُ الْمَتْنِ، أَيْ أَنَّ مَحَلَّ تَزْوِيجِ الْكَافِرِ إنْ كَانَ عَدْلًا فِي دِينِهِمْ وَإِلَّا فَلَا يُزَوِّجُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيَلِي كَافِرٌ لَمْ يَرْتَكِبْ مَحْظُورًا فِي دِينِهِ كَافِرَةً وَلَوْ كَانَتْ عَتِيقَةَ مُسْلِمَةٍ أَوْ اخْتَلَفَ اعْتِقَادُهُمَا فَيَلِي الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيُّ الْيَهُودِيَّةَ كَالْإِرْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] اهـ وَقَوْلُهُ: " لَمْ يَرْتَكِبْ " أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ غَيْرُهُ عَدْلٌ فِي دِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ الْفِسْقِ لَا الْعَدَالَةُ كَمَا فِي الْمُسْلِمِ، وَيُعْرَفُ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِإِخْبَارِ عَدَدٍ تَوَاتَرَ أَوْ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَسْلَمَا مِنْهُمْ كَانَا يَعْرِفَانِهِ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرْتَكِبًا ذَلِكَ) أَيْ الْمُحَرَّمُ الْمُفَسَّقُ فِي دِينِهِ.
قَوْلُهُ: (مَحْضُ وِلَايَةٍ إلَخْ) الْمُرَادُ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا حَظَّ لَهُ فِي الشَّهَادَةِ بَلْ الْحَظُّ لِلْمَشْهُودِ لَهُ، فَاعْتَبَرْنَا الْعَدَالَةَ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ، فَقَوْلُهُ عَلَى الْغَيْرِ وَهُوَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْوَلِيُّ فَالْحَظُّ لَهُ وَلِمُوَلِّيَتِهِ فَاكْتَفَيْنَا بِعَدَالَتِهِ فِي دِينِهِمْ دُونَ شَهَادَةِ أَهْلِ دِينِهِمْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْغَيْرِ) وَهُوَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَلِيُّ فِي التَّزْوِيجِ إلَخْ) وَحَيْثُ كَانَ يُرَاعِي حَظَّ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِيه ذَلِكَ عَنْ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي تَحْصِينِهَا) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمَ قَاضِيهِمْ) أَيْ بَلْ يُزَوِّجُهُ وَلِيُّهَا الْكَافِرُ الْخَاصُّ، وَلِقَاضِينَا أَنْ يُزَوِّجَهُ الْكَافِرَةَ عِنْدَ فَقْدِ وَلِيِّهَا الْخَاصِّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ نِكَاحَ الْكُفَّارِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الْفَرْقِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا اخْتِلَافَ الدَّارِ كَاخْتِلَافِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُرْتَدُّ) مُحْتَرَزُ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ.

(وَلَا) يَفْتَقِرُ (نِكَاحُ الْأَمَةِ) مِنْ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ بِشَرْطِهِ (إلَى عَدَالَةِ السَّيِّدِ) ؛ لِأَنَّهُ يُزَوِّجُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَالتَّصَرُّفَ فِيمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَنَقْلُهُ إلَى الْغَيْرِ يَكُونُ بِحُكْمِ الْمِلْكِ كَاسْتِيفَاءِ سَائِرِ الْمَنَافِعِ، وَنَقْلِهَا بِالْإِجَارَةِ، فَيُزَوِّجُ مُسْلِمٌ وَلَوْ فَاسِقًا أَوْ مُكَاتَبًا أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ الْأَصْلِيَّةَ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ الْمُسْلِمَةَ إذْ لَا يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ بِهَا أَصْلًا بَلْ وَلَا سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ فِيهَا سِوَى إزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهَا وَكِتَابَتِهَا، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ فِي الْكَافِرَةِ وَإِذَا مَلَكَ الْمُبَعَّضُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ أَمَةً زَوَّجَهَا كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي تَهْذِيبِهِ وَإِنْ خَالَفَ فِي فَتَاوِيهِ كَالْمُكَاتَبِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَامٌّ وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ.

تَنْبِيهٌ: مِمَّا تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ شُرُوطِ الْوَلِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَلَّ النَّظَرِ بِهِرَمٍ أَوْ خَبْلٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَمَتَى كَانَ الْأَقْرَبَ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْمَانِعَةِ لِلْوِلَايَةِ فَالْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ، وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ فَنَنْتَظِرُ إفَاقَتَهُ مِنْهُ

وَلَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَلَا نِكَاحَ الْأَمَةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كَافِرَةً حَيْثُ كَانَ السَّيِّدُ مُسْلِمًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ عَبْدٍ) أَيْ لِعَبْدٍ وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْ حُرٍّ أَيْ لِحُرٍّ.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِهِ) مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشُّرُوطَ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (إلَى عَدَالَةِ السَّيِّدِ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ الْفَاسِقَ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا وَهِيَ مُسْلِمَةٌ أَوْ كَانَتْ كَافِرَةً أَوْ كَانَ السَّيِّدُ كَافِرًا وَهِيَ كَافِرَةٌ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً وَالسَّيِّدُ كَافِرٌ فَلَا يُزَوِّجُهَا بَلْ يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْجُمْلَةِ) قَيَّدَ بِهِ لِإِدْخَالِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ بِتَوَثُّنٍ أَوْ نَحْوِهِ كَالْمَحْرَمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ) وَهُوَ التَّمَتُّعُ.
قَوْلُهُ: (وَنَقْلُهُ إلَخْ) أَيْ بِتَزْوِيجِهَا.
قَوْلُهُ: (وَنَقْلِهَا) أَيْ الْمَنَافِعِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُكَاتَبًا) وَيُزَوِّجُ أَمَتَهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ: (الْكَافِرَةَ الْأَصْلِيَّةَ) وَلَوْ غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ؛ لِأَنَّ لَهُ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا وَعَدَمُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ بِهَا لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَمَا فِي أَمَتِهِ الْمَحْرَمِ كَأُخْتِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ وَلَا سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ) كَالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ وَالرَّهْنِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا مَلَكَ الْمُبَعَّضُ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: نَعَمْ لَوْ مَلَكَ الْمُبَعَّضُ أَمَةً زَوَّجَهَا كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّهُ يُزَوِّجُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ اهـ. وَقَوْلُهُ: " خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ الْبَغَوِيّ " مِنْ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (كَالْمُكَاتَبِ بَلْ أَوْلَى) لَكِنْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ كَمَا فِي ز ي وم ر. قَالَ ع ش: قَدْ تُدْفَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ مُعَرَّضٌ لِلزَّوَالِ وَلَا كَذَلِكَ الْمُبَعَّضُ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ تَعْلِيلًا لِصِحَّتِهِ مِنْ الْمُبَعَّضِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا بِالْوِلَايَةِ وَكَالْمُكَاتَبِ بِالْإِذْنِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمُبَعَّضَ تَامُّ الْمِلْكِ، فَجَعْلُ الصِّحَّةِ فِي الْمُبَعَّضِ أَوْلَى مِنْهَا فِي الْمُكَاتَبِ.
وَقَوْلُهُ: " لَكِنْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ " أَيْ فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ ثُمَّ لَوْ وَطِئَ الزَّوْجُ مَعَ اعْتِقَادِهِ الصِّحَّةَ فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْفَسَادِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَذَلِكَ إذْ قِيلَ بِجَوَازِهِ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ اهـ. قَوْلُهُ: (مُخْتَلَّ النَّظَرِ) أَيْ بِمَعْرِفَةِ الْأُمُورِ.
قَوْلُهُ: (بِهِرَمٍ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَهُوَ الْكِبَرُ، وَبِفَتْحِهَا الشَّيْبُ.
وَقِيَاسُهُ الْفَتْحُ بِمَعْنَى الْكِبَرِ، يُقَالُ: هَرِمَ هَرَمًا كَفَرِحَ فَرَحًا.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَفَعِلَ اللَّازِمُ بَابُهُ فَعَلٌ قَوْلُهُ: (أَوْ خَبْلٍ) الْخَبْلُ بِسُكُونِ الْبَاءِ فَسَادُ الْعَقْلِ، وَبِفَتْحِهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ جِهَةِ الْجِنِّ أَيْ وَإِنْ قَلَّ الْخَبَلُ كَمَا فِي م ر اهـ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ) بِأَنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ أَوْ بَذَّرَ بَعْدَ رُشْدِهِ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لِنَقْصِهِ لَا يَلِي أَمْرَ نَفْسِهِ فَلَا يَلِي أَمْرَ غَيْرِهِ.
وَمُقْتَضَى الْعِلَّةِ أَنَّ السَّفِيهَ الْمُهْمَلَ يَلِي، وَخَرَجَ حَجْرُ الْفَلَسِ فَلَا يَمْنَعُ الْوِلَايَةَ لِكَمَالِ نَظَرِهِ وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ لَا لِنَقْصٍ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ م د. قَالَ شَيْخُنَا: قَدْ يُقَالُ هَذَا عُلِمَ مِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ الشَّامِلَةِ لِلْوَاسِطَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّبْذِيرُ لِلْمَالِ صَادِقٌ بِصَغِيرَةٍ أَوْ صَغَائِرَ مَعَ غَلَبَةِ الطَّاعَاتِ اهـ. وَقَوْلُهُ: " بِأَنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ " أَيْ فِي مَالِهِ، وَالْمُرَادُ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا أَنْ يَمْضِيَ لَهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ زَمَنٌ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَا يُنَافِي الرُّشْدَ بِحَيْثُ تَقْضِي الْعَادَةُ بِرُشْدِ مَنْ مَضَى عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَعَاطِي مَا يَحْصُلُ بِهِ لَا مُجَرَّدَ كَوْنِهِ لَمْ يَتَعَاطَ مُنَافِيًا وَقْتَ الْبُلُوغِ بِخُصُوصِهِ؛ قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: " ثُمَّ حُجِرَ

يَقْدَحُ الْعَمَى فِي وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَحْثِ وَالسَّمَاعِ وَإِحْرَامُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ إنْ وُلِّيَ وَلَوْ حَاكِمًا أَوْ زَوْجٍ أَوْ وَكِيلٍ عَنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ لِحَدِيثِ: «الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكِحُ» الْكَافُ مَكْسُورَةٌ فِيهِمَا، وَالْيَاءُ مَفْتُوحَةٌ

[حاشية البجيرمي]

عَلَيْهِ " فَإِنْ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ صَحَّ تَزْوِيجُهُ كَبَقِيَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَهَذَا يُسَمَّى بِالسَّفِيهِ الْمُهْمَلِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ) وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الصَّرْعُ، فَتُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ مِنْهُ أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ، أَمَّا إذَا كَانَ الِانْتِظَارُ أَكْثَرَ فَإِنَّهَا تَنْتَقِلُ لِلْأَبْعَدِ.
وَمِثْلُ الْإِغْمَاءِ فِيمَا ذَكَرَ السُّكْرُ بِلَا تَعَدٍّ، أَمَّا إذَا كَانَ بِهِ فَقَدْ فَسَقَ بِذَلِكَ فَتَنْتَقِلُ لِلْأَبْعَدِ.
وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلَاثِ انْتَظَرَ وَإِنْ كَانَ فَوْقَهَا انْتَقَلَتْ لِلْأَبْعَدِ وَإِنْ تَضَرَّرَتْ فِي مُدَّةِ الِانْتِظَارِ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي م ر، وَعِبَارَتُهُ: فَإِنْ دَعَتْ حَاجَتُهَا إلَى النِّكَاحِ فِي زَمَنِ الْإِغْمَاءِ أَوْ السُّكْرِ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا عَدَمُ تَزْوِيجِ الْحَاكِمِ لَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي اهـ. وَالْجُنُونُ لَا تُنْتَظَرُ الْإِفَاقَةُ مِنْهُ مُطْلَقًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ م د. وَيُشْتَرَطُ بَعْدَ إفَاقَتِهِ صَفَاؤُهُ مِنْ أَثَرِ خَبْلٍ يُحْمَلُ عَلَى حِدَّةِ خُلُقٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: " أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَّ النَّظَرِ ". قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: جَعَلُوا الْإِغْمَاءَ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ السَّوَالِبِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ طُولِ الْمُدَّةِ وَقِصَرِهَا، وَهُنَا انْتَظَرُوا وَرُبَّمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوَكِيلَ يَتَصَرَّفُ لِغَيْرِهِ وَالْوَلِيُّ يَتَعَاطَى حَقَّ نَفْسِهِ، فَاحْتِيطَ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ مَا لَمْ يُحْتَطْ فِي حَقِّ الْوَكِيلِ إذْ الْمُوَكِّلُ إمَّا أَنْ يَفْعَلَ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ بِانْعِزَالِ الْوَكِيلِ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ قَدْ لَا يَجِدُ مَنْ يَعْتَنِي بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ النَّسَبِ كَهُوَ اهـ. وَلَوْ أَخْبَرَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِأَنَّ مُدَّتَهُ تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةٍ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ مِنْ أَوَّلِ الْمُدَّةِ، فَلَوْ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ فَزَالَ الْمَانِعُ قَبْلَ مُضِيِّ الثَّلَاثَةِ بَانَ بُطْلَانُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ زَوَّجَ الْحَاكِمُ لِغَيْبَةِ الْأَقْرَبِ فَبَانَ عَدَمُهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْخِبْرَةِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى) أَيْ فِي الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ، وَأَمَّا مَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي فَإِنَّ الْعَمَى يَمْنَعُ الْوِلَايَةَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ أَيْ الْأَعْمَى وِلَايَةَ عَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ وَلَّيْتُك أَمْرَ هَذَا الْعَقْدِ، بِخِلَافِ تَوْكِيلِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ وَكَّلْتُك فِي هَذَا الْعَقْدِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ عَقْدَهُ بِمَهْرٍ مُعَيَّنٍ لَا يُشْبِهُ شِرَاءَهُ بِمُعَيَّنٍ أَوْ بَيْعَهُ بِهِ اهـ يَعْنِي أَنَّ الْأَعْمَى إذَا عَقَدَ بِمَهْرٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ الْعَقْدُ وَلَغَا الْمُسَمَّى وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَمَا إذَا عَقَدَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَيْ كَأَنْ قَالَ الْأَعْمَى: زَوَّجْتُك بِنْتِي مَثَلًا بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَكَانَتْ مَهْرَ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهَا وَيُوَكِّلُ فِي قَبْضِ الْمَهْرِ، بِخِلَافِ شِرَائِهِ بِمُعَيَّنٍ أَوْ بَيْعِهِ بِهِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَنَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْمَهْرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ فَلَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمُقَابِلِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ فَلِذَلِكَ كَانَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمُقَابِلِ اهـ. وَلَا يَقْدَحُ الْخَرَسُ إنْ كَانَ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ أَوْ كِتَابَةٌ وَإِلَّا زَوَّجَ الْأَبْعَدُ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَصَّ بِفَهْمِ إشَارَتِهِ فَطِنٌ بِأَنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ بَاشَرَ الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا وَكَّلَ بِإِشَارَةٍ وَكِتَابَةٍ وَإِنْ كَانَا كِنَايَتَيْنِ، وَلَا يُبَاشِرُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ؛ وَكَتَزْوِيجِهِ تَزَوُّجُهُ اهـ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
وَعِبَارَةُ ع ش: أَمَّا إذَا فَهِمَهَا الْفَطِنُ دُونَ غَيْرِهِ سَاوَتْ الْكِنَايَةَ فَيَصِحُّ نِكَاحُهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا حَيْثُ تَعَذَّرَ تَوْكِيلُهُ، وَلَيْسَ لَنَا نِكَاحٌ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ إلَّا بِالْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ إذَا اخْتَصَّ بِفَهْمِهَا الْفَطِنُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَهُ التَّوْكِيلُ بِالْكِتَابَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِفَهْمِهَا الْفَطِنُ تَعَيَّنَ لِصِحَّةِ نِكَاحِهِ تَوْكِيلُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً أَيْضًا فَهِيَ فِي التَّوْكِيلِ وَهُوَ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَإِحْرَامُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ أَوْ الزَّوْجَةُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، وَقَوْلُهُ بِنُسُكٍ مُتَعَلِّقٌ بِإِحْرَامٍ، وَقَوْلُهُ يَمْنَعُ إلَخْ خَبَرٌ؛ أَيْ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ، بِخِلَافِ الْمُصَلِّي إذَا نَكَحَ نَاسِيًا أَوْ عَقَدَ وَكِيلُهُ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَعِبَارَةُ الْمُصَلِّي صَحِيحَةٌ.
قَوْلُهُ: (الْعَاقِدَيْنِ) وَكَذَا مَنْ أُذِنَ لَهُمَا كَسَيِّدِ عَبْدٍ أَذِنَ لَهُ وَوَلِيِّ سَفِيهٍ أَذِنَ لَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ السَّيِّدُ وَالْوَلِيُّ، أَيْ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْدُ الْعَبْدِ وَالسَّفِيهِ بَعْدَ إحْرَامِ السَّيِّدِ وَالْوَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَاكِمًا) عِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي التَّحْرِيرِ: وَإِنْ عَقَدَ الْإِمَامُ؛ وَهِيَ غَايَةُ الرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ: وَقَوْلُ اللُّبَابِ يُسْتَثْنَى مِنْ الْوَلِيِّ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ فَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ حَالَ إحْرَامِهِ مُرَادُهُ بِهِ كَمَا فِي التَّنْقِيحِ أَنَّ لِلْقُضَاةِ تَزْوِيجَ مَنْ هُوَ فِي وِلَايَتِهِ الْعَامَّةِ حَالَ إحْرَامِهِ أَيْ إحْرَامِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَاسِدًا) وَصُورَةُ الْفَاسِدِ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يُفْسِدَهَا بِأَنْ يُجَامِعَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ أَعْمَالَهَا ثُمَّ يَدْخُلَ عَلَيْهَا بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ: صُورَتُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ

فِي الْأَوَّلِ مَضْمُومَةٌ فِي الثَّانِي، وَلَا يَنْقُلُ الْإِحْرَامُ الْوِلَايَةَ لِلْأَبْعَدِ فَيُزَوِّجُ السُّلْطَانُ عِنْدَ إحْرَامِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبَ لَا الْأَبْعَدَ.

وَمِمَّا تَرَكَهُ مِنْ شُرُوطِ الشَّاهِدَيْنِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالضَّبْطُ وَلَوْ مَعَ النِّسْيَانِ عَنْ قُرْبٍ وَمَعْرِفَةِ لِسَانِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ لِلْوِلَايَةِ كَأَبٍ وَأَخٍ مُنْفَرِدٍ وَكَّلَ وَحَضَرَ مَعَ الْآخَرِ، وَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ وَعَدُوَّيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ وَيَنْعَقِدُ بِهِمَا النِّكَاحُ فِي الْجُمْلَةِ.

[حاشية البجيرمي]

مُجَامِعًا وَهَذَا بَاطِلٌ لَا فَاسِدٌ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ.
وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ أَوْ الْقَاضِي فَلِنُوَّابِهِ تَزْوِيجُ مَنْ فِي وِلَايَتِهِ حَالَ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُمْ بِالْوِلَايَةِ لَا الْوَكَالَةِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ أَحْرَمَ قَبْلَ تَزَوُّجِهِ أَمْ بَعْدَهُ فَفِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ صِحَّةُ تَزْوِيجِهِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ فَزَوَّجَهَا وَكِيلُهُ ثُمَّ بَانَ مَوْتُ مُوَكِّلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ مَاتَ قَبْلَ تَزْوِيجِهَا أَمْ بَعْدَهُ.
وَلَوْ عَقَدَ الْوَكِيلُ ثُمَّ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ هَلْ وَقَعَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ بَعْدَهُ صُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مُدَّعِي الْبُطْلَانِ هُوَ الزَّوْجَ، وَإِلَّا رَفَعْنَا الْعَقْدَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ لِيَعْقِدَ لَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ أَوْ أَطْلَقَ وَعَقَدَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ جَازَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ؛ وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: لَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ مُحْرِمًا فِي أَنْ يُوَكِّلَ حَلَالًا لِيَعْقِدَ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ نَفْسِك وَلَا عَنَّا فِيمَا يَظْهَرُ فَيَصِحُّ مُطْلَقًا، فَإِنْ قَالَ عَنْ نَفْسِك أَوْ عَنَّا لَمْ يَصِحَّ وَبِهَذَا يَجْمَعُ التَّنَاقُضَ.
قَوْلُهُ: (وَالْيَاءُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْأَوَّلِ مَضْمُومَةٌ فِي الثَّانِي) وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، فَلَوْ قَالَ: مَفْتُوحَةٌ فِي أَحَدِهِمَا مَضْمُومَةٌ فِي الْآخَرِ لَكَانَ أَوْلَى؛ ذَكَرَهُ ق ل. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا: وَلَعَلَّ اقْتِصَارَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ الرِّوَايَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالضَّبْطُ) أَيْ لِأَلْفَاظِ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ، فَلَا يَكْفِي سَمَاعُ أَلْفَاظِهِمَا فِي ظُلْمَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْوَاتَ تَشْتَبِهُ وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدَيْنِ ضَبْطُ سَاعَةِ الْعَقْدِ لِأَجْلِ لُحُوقِ الْوَلَدِ.

قَوْلُهُ: (وَكَوْنِهِ) أَيْ الشَّاهِدِ غَيْرَ مُتَعَيَّنٍ لِلْوِلَايَةِ.
قَوْلُهُ: (كَأَبٍ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَلَوْ وَكَّلَ الْأَبُ وَالْأَخُ الْمُنْفَرِدُ فِي النِّكَاحِ أَوْ حَضَرَ مَعَ آخَرَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ وَلِيٌّ عَاقِدٌ فَلَا يَكُونُ شَاهِدًا اهـ، وَهِيَ أَوْلَى اهـ. وَقَوْلُهُ: " الْمُنْفَرِدُ " قَضِيَّةُ قَوْلِهِ: " الْمُنْفَرِدُ " أَنَّ الْأَخَ لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا إذَا وَكَّلَ أَجْنَبِيًّا صَحَّ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ آخَرَ؛ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ عَدَمُ الصِّحَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ زَوَّجَ أَحَدُهُمْ بِإِذْنِهَا وَحَضَرَ الْآخَرَانِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ اهـ ح ل. وَقَوْلُهُ: " عَاقِدٌ "؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ سَفِيرٌ مَحْضٌ فَكَانَ الْوَلِيُّ هُوَ الْعَاقِدَ.
قَوْلُهُ: (وَكَّلَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَحَضَرَ مَعَ الْآخَرِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ وَلِيٌّ عَاقِدٌ فَلَا يَكُونُ شَاهِدًا.
قَوْلُهُ: (بِابْنَيْ الزَّوْجَيْنِ) صَادِقٌ بِأَرْبَعِ صُوَرٍ: بِابْنَيْ الزَّوْجِ أَوْ ابْنَيْ الزَّوْجَةِ أَوْ ابْنِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ بِأَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا وَابْنِ الزَّوْجَةِ وَحْدَهَا أَوْ ابْنَيْهِمَا مَعًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ: " وَعَدُوَّيْهِمَا " وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " وَبِجَدَّيْهِمَا وَبِجَدِّهَا وَأَبِيهِ لَا أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ عَاقِدٌ أَوْ مُوَكِّلُهُ.
نَعَمْ يُتَصَوَّرُ شَهَادَتُهُ لِاخْتِلَافِ دِينٍ أَوْ رِقٍّ بِأَنْ كَانَ الزَّوْجُ أَمَةً وَأَبُوهَا مُسْلِمٌ فَيُزَوِّجُهَا السَّيِّدُ وَيَحْضُرُ أَبُوهَا شَاهِدًا كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
وَعِبَارَةُ أج: مِثْلُهُمَا الْأَجْدَادُ، وَكَذَا أَبُو الزَّوْجِ، وَأَمَّا أَبُو الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُ وَلِيٌّ؛ نَعَمْ يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِأَنْ تَكُونَ أَمَةً زَوَّجَهَا السَّيِّدُ اهـ. وَصُورَةُ مَا إذَا كَانَ ابْنَاهُمَا شَاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَ شَخْصٌ بِامْرَأَةٍ وَيَأْتِيَ مِنْهَا بِابْنَيْنِ ثُمَّ يُطَلِّقَهَا وَيُرِيدَ نِكَاحَهَا ثَانِيًا بِشَهَادَةِ وَلَدَيْهِمَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَنْعَقِدُ بِأَبَوَيْهِمَا.
وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ أَبَوَاهُمَا مُسْلِمَيْنِ وَالزَّوْجَانِ كَافِرَيْنِ وَلِلزَّوْجَةِ أَخٌ كَافِرٌ فَيُحْضِرُهُمَا وَيُزَوِّجُ الْأَخُ، أَوْ تَكُونَ أَمَةً وَيُزَوِّجُهَا السَّيِّدُ؛ وَإِلَّا فَالْمُزَوِّجُ مَتَى كَانَ وَلِيًّا لَمْ يَكْفِ حُضُورُهُ شَاهِدًا وَإِنْ وَكَّلَ فِي نِكَاحِهَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَفِيرٌ مَحْضٌ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَرِّ.
وَكِلَا التَّصْوِيرَيْنِ صَحِيحٌ، أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْأَبِ الْمُسْلِمِ حَيْثُ كَانَتْ كَافِرَةً بَلْ لِلْأَخِ الْكَافِرِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُ الْمَنْهَجِ يَمْنَعُ الْوِلَايَةَ رِقٌّ وَصِبًا وَجُنُونٌ وَفِسْقُ غَيْرِ الْإِمَامِ وَحَجْرُ سَفَهٍ وَاخْتِلَالُ نَظَرٍ، أَيْ رَأْيٍ، وَاخْتِلَافُ دِينٍ وَيَنْقُلُهَا كُلٌّ لِأَبْعَدَ لَا أَعْمَى إلَخْ؛ هَذَا وَمَعَ كَوْنِهِ يَنْعَقِدُ بِمَا ذَكَرَ إذَا وَقَعَ نِزَاعٌ فِيهِ أَوْ فِي الْمَهْرِ لَا يَثْبُتُ بِهِمَا عَلَى تَفْصِيلٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْعَقِدُ بِهِمَا النِّكَاحُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَيَثْبُتُ النِّكَاحُ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ حَيْثُ قَالَ: لِثُبُوتِ النِّكَاحِ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ اهـ، أَيْ وَيَنْعَقِدُ بِهِمَا فِي كُلِّ الصُّوَرِ لَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَالْمُرَادُ يَنْعَقِدُ بِهِمَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنْ يَكُونَا فِي تَزْوِيجِ أَجْنَبِيَّيْنِ.
وَقَالَ ق ل: قَوْلُهُ: " فِي الْجُمْلَةِ " أَيْ فِي غَيْرِ نِكَاحِهِمَا، وَأَمَّا فِي خُصُوصِ نِكَاحِهِمَا فَلَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِمَنْ ذَكَرَ، فَلَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ زَوْجِيَّةً وَأَنْكَرَ وَأَقَامَتْ ابْنَيْهِمَا أَوْ عَدُوَّيْهِمَا شُهَدَاءَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ

وَمِمَّا تَرَكَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ الصِّيغَةُ، وَشَرَطَ فِيهَا مَا شَرَطَ فِي صِيغَةِ الْبَيْعِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ.
وَمِنْهُ عَدَمُ التَّعْلِيقِ وَالتَّأْقِيتِ.

[حاشية البجيرمي]

شَهَادَتُهُمَا لِوُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْعَدَاوَةُ وَشَهَادَةُ الِابْنِ لِأُمِّهِ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهَا زَوْجِيَّةً وَأَنْكَرَتْ وَأَقَامَ مَنْ ذَكَرَ لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا لِوُجُودِ الْمَانِعِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: " فِي الْجُمْلَةِ " أَيْ إذَا شَهِدَا فِي نِكَاحٍ غَيْرِ ذَلِكَ فَيَثْبُتُ بِمَا ذَكَرَ، وَأَمَّا إذَا شَهِدَ لِلزَّوْجِ أَوْلَادُهُ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْلَادُهَا فَلَا يَثْبُتُ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ عَلَى الزَّوْجِ عَدُوَّاهُ أَوْ عَلَيْهَا عَدُوَّاهَا فَلَا يَثْبُتُ، أَمَّا لَوْ شَهِدَ عَلَى الزَّوْجِ ابْنَاهُ أَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا ابْنَاهَا أَوْ شَهِدَ لِلزَّوْجِ عَدُوَّاهُ أَوْ لِلزَّوْجَةِ عَدُوَّاهَا فَيَثْبُتُ ح ل.

قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ عَدَمُ التَّعْلِيقِ إلَخْ) وَمِنْهُ: " إنْ شِئْت " كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، وَكَذَا: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " إنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّبَرُّكَ فَلَا يَضُرُّ وَمُقْتَضَاهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِي الْإِطْلَاقِ، فَانْظُرْهُ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْعُقُودِ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الْعِبَادَاتِ لِمَكَانِ النِّيَّةِ الْوَاجِبِ فِيهَا الْجَزْمُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ أَوْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَحَّ كَمَا مَرَّ نَظِيرُهُ فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّأْقِيتِ) وَلَوْ إلَى مَا لَا يَبْقَى كُلٌّ مِنْهُمَا إلَيْهِ كَأَلْفِ سَنَةٍ، خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ حَيْثُ قَالَ: إذَا أَقَمْت بِمُدَّةِ عُمُرِهِ أَوْ عُمُرِهَا صَحَّ؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْوَاقِعِ، وَرَدَّ بِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِذَلِكَ يَقْتَضِي رَفْعَ آثَارِ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ وَآثَارُ النِّكَاحِ لَا تَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ فَرَفْعُهَا بِهِ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى النِّكَاحِ فَالْمُعْتَمَدُ الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا وَلَوْ بِأَلْفِ سَنَةٍ؛ قَالَهُ ع ش. وَمَحَلُّ عَدَمِ صِحَّةِ التَّأْقِيتِ إذَا وَقَعَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، أَمَّا إذَا تَوَافَقَا عَلَيْهِ قَبْلُ وَتَرَكَاهُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، لَكِنْ يَنْبَغِي كَرَاهَتُهُ أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْمُحَلَّلِ.
وَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَهِيَ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ إلَى مُدَّةٍ، لَكِنْ لَوْ نَكَحَ بِهِ شَخْصٌ لَمْ يُحَدَّ لِشُبْهَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَتْنِ الرَّوْضِ، وَعِبَارَتُهُ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَهُوَ الْمُؤَقَّتُ بِهِ كَمَا قَالَهُ عَبْدُ الْبَرِّ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِهَا مُدَّةً ثُمَّ يَنْقَطِعُ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ مُجَرَّدُ التَّمَتُّعِ لَا التَّوَالُدُ وَالتَّوَارُثُ اللَّذَانِ هُمَا الْغَرَضُ مِنْ النِّكَاحِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ كَانَ مُبَاحًا ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ أُبِيحَ يَوْمَ الْفَتْحِ ثُمَّ نُسِخَ فِي أَيَّامِ الْفَتْحِ وَاسْتَمَرَّ تَحْرِيمُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ فِيهِ خِلَافٌ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ ارْتَفَعَ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ؛ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ وَهُوَ يَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وَعَنْ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا حُرِّمَ ثُمَّ أُبِيحَ ثُمَّ حُرِّمَ إلَّا الْمُتْعَةَ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ جَوَازِهَا رَجَعَ عَنْهُ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَاَللَّهِ مَا فَارَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ الدُّنْيَا حَتَّى رَجَعَ إلَى قَوْلِ الصَّحَابَةِ فِي تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ.
وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَامَ خَطِيبًا يَوْمَ عَرَفَةَ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ الْمُتْعَةَ حَرَامٌ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتْعَةَ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي نُسِخَتْ، الثَّانِي: لُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، الثَّالِثُ: الْقِبْلَةُ اهـ. وَقَوْلُهُ: " لَا أَعْلَمُ شَيْئًا حُرِّمَ إلَخْ " أَيْ فَقَدْ حُرِّمَتْ مَرَّتَيْنِ، نَقَلَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا أُبِيحَتْ وَحُرِّمَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَلْيُنْظَرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ أَوَّلَ مَنْ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ سَيِّدُنَا عُمَرُ، وَقِيلَ: لَمْ يُحَرِّمْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُطْلَقًا بَلْ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا وَأَبَاحَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، أَيْ خَوْفَ الزِّنَا، وَبِذَلِكَ كَانَ يُفْتِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَفِي كَلَامِ فُقَهَائِنَا.
وَالنَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ الَّذِي لَوْ بَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْقَوْلِ بِإِبَاحَتِهَا لِمَنْ خَافَ الزِّنَا مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ لِكَافَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ وَقَعَتْ مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ الْقَاضِي يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ، فَإِنَّ الْمَأْمُونَ نَادَى بِإِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ فَدَخَلَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَهُوَ مُتَغَيِّرٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَجَلَسَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: مَا لِي أَرَاك مُتَغَيِّرًا؟ قَالَ: لِمَا حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَمَا حَدَثَ؟ قَالَ: النِّدَاءُ بِتَحْلِيلِ الزِّنَا، قَالَ: الْمُتْعَةُ زِنًا؟ قَالَ: نَعَمْ الْمُتْعَةُ زِنًا، قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ لَك هَذَا؟ قَالَ: مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: 5]

وَلَفْظُ مَا يُشْتَقُّ مِنْ تَزْوِيجٍ أَوْ إنْكَاحٍ وَلَوْ بِعَجَمِيَّةٍ يَفْهَمُ مَعْنَاهَا الْعَاقِدَانِ وَالشَّاهِدَانِ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَاقِدَانِ الْعَرَبِيَّةَ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَلَفْظِ بَيْعٍ وَتَمْلِيكٍ وَهِبَةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ» وَصَحَّ النِّكَاحُ بِتَقْدِيمِ قَبُولٍ، وَبِزَوِّجْنِي مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، وَبِتَزَوَّجْتَهَا مِنْ قِبَلِ الْوَلِيِّ مَعَ

[حاشية البجيرمي]

إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 7] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَةُ الْمُتْعَةِ مِلْكٌ بِيَمِينٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَقَدْ صَارَ مُتَجَاوِزُ هَذَيْنِ مِنْ الْعَادِينَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ بِسَنَدٍ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُنَادِيَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُتْعَةِ وَتَحْرِيمِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمَرَ بِهَا» فَالْتَفَتَ الْمَأْمُونُ لِلْحَاضِرِينَ وَقَالَ: أَتَحْفَظُونَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ نَادُوا بِتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ، ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي السِّيرَةِ.
قَالَ السَّيِّدُ النَّسَّابَةُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْأَنْكِحَةِ لِابْنِ الْعِمَادِ: وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُكهَا مُدَّةَ حَيَاتِك أَوْ مُدَّةَ عُمُرِك صَحَّ وَلَيْسَ هَذَا نِكَاحَ مُتْعَةٍ بَلْ هُوَ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك أَوْ أَعَمَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ مُدَّةَ حَيَاتِك، وَنَظِيرُهُ مِنْ الْجِزْيَةِ قَوْلُ الْإِمَامِ أُقِرُّكُمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ مُدَّةَ حَيَاتِكُمْ أَوْ إلَى أَنْ يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَفْظُ مَا يُشْتَقُّ مِنْ تَزْوِيجٍ) كَزَوَّجْتُكَ أَوْ أَنْكَحْتُك.
وَقَوْلُهُ: " وَلَفْظُ " مَعْطُوفٌ عَلَى " مِنْ " مِنْ قَوْلِهِ: " مَا شَرَطَ ". وَأَطْلَقَ الْبُلْقِينِيُّ عَنْهُمْ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي مُضَارِعِهِمَا، ثُمَّ بَحَثَ الصِّحَّةَ إذَا انْسَلَخَ عَنْ مَعْنَى الْوَعْدِ بِأَنْ قَالَ الْآنَ وَكَأَنَا مُزَوِّجُك وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْآنَ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي حَالِ التَّكَلُّمِ عَلَى الرَّاجِحِ فَلَا يُوهِمُ الْوَعْدَ حَتَّى يَحْتَرِزَ عَنْهُ بِخِلَافِ الْمُضَارِعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِعَجَمِيَّةٍ) أَيْ مَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي هَذِهِ اللُّغَةِ ح ل. وَالْمُرَادُ بِالْعَجَمِيَّةِ مَا عَدَا الْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ غَيْرَ لُغَةِ الْعَاقِدِ، وَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (يَفْهَمُ مَعْنَاهَا الْعَاقِدَانِ) وَلَوْ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَارِفٍ أَيْ أَخْبَرَهُ بِمَعْنَاهَا قَبْلَ إتْيَانِهِ بِهَا كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَاقِدَانِ الْعَرَبِيَّةَ) الْغَايَةُ فِيهِ أَيْضًا لِلرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَلَفْظِ بَيْعٍ إلَخْ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، حَتَّى إنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ فِي لَفْظِ الْإِجَارَةِ رِوَايَتَانِ؛ وَقَالَ مَالِكٌ: يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ الْمَهْرِ اهـ. وَفِي الْخَصَائِصِ: وَاخْتَصَّ بِإِبَاحَةِ النِّكَاحِ أَيْ عَقْدُهُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَبِمَعْنَاهَا إيجَابًا مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَةُ، لَا قَبُولًا مِنْ جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ تَرْجِيحِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: 50] وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَحِلُّ لَهُ بِتَزْوِيجِ اللَّهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِعَقْدٍ كَمَا فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ زَيْدٍ.
وَإِذَا عَقَدَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَهْرٌ إلَّا بِالْعَقْدِ وَلَا بِالدُّخُولِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ الْهِبَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ إذَا عَقَدَ بِلَا مَهْرٍ ثُمَّ وَطِئَ وَجَبَ عَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ جَوَّزْتُك بِالْجِيمِ بَدَلَ الزَّايِ أَوْ أَنَأَحْتُكَ بِالْهَمْزَةِ بَدَلَ الْكَافِ صَحَّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لُغَتَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِأَمَانَةِ اللَّهِ) أَيْ بِجَعْلِهِنَّ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ كَالْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ اهـ عِ ش عَلَى م ر. وَقِيلَ: هِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] قَوْلُهُ: (بِكَلِمَةِ اللَّهِ) وَكَلِمَةُ اللَّهِ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] قَوْلُهُ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ غَيْرُ اللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَهُمَا التَّزْوِيجُ وَالْإِنْكَاحُ، فَالْقِيَاسُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ فِي النِّكَاحِ ضَرْبًا مِنْ التَّعَبُّدِ ز ي. قَوْلُهُ: (بِتَقْدِيمِ قَبُولٍ) كَأَنْ يَقُولَ قَبِلْت نِكَاحَ فُلَانَةَ أَوْ تَزْوِيجَهَا أَوْ رَضِيت نِكَاحَ فُلَانَةَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ كَافِيَةٌ فِي الْقَبُولِ، لَا فَعَلْت وَلَا يَضُرُّ مِنْ عَامِّيٍّ فَتْحُ التَّاءِ، وَكَذَا مِنْ الْعَالِمِ

قَوْلِ الْآخَرِ عَقِبَهُ زَوَّجْتُك فِي الْأَوَّلِ أَوْ تَزَوَّجْتهَا فِي الثَّانِي لِوُجُودِ الِاسْتِدْعَاءِ الْجَازِمِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا.

لَا بِكِنَايَةٍ فِي الصِّيغَةِ كَأَحْلَلْتُكَ بِنْتِي إذْ لَا بُدَّ فِي الْكِنَايَةِ مِنْ النِّيَّةِ وَالشُّهُودُ رُكْنٌ فِي النِّكَاحِ كَمَا مَرَّ وَلَا اطِّلَاعَ لَهُمْ عَلَى النِّيَّةِ.
أَمَّا الْكِنَايَةُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي فَقَبِلَ وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً فَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِهَا.

وَمِمَّا تَرَكَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ أَيْضًا الزَّوْجَةُ،

[حاشية البجيرمي]

عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ شَيْخِنَا؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الصِّيغَةِ إذَا لَمْ يُخِلَّ بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْخَطَأِ فِي الْإِعْرَابِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُخِلُّ؛ وَخَالَفَ حَجّ فِي الْعَالِمِ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَلَا يَضُرُّ فَتْحُ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَوْ مِنْ عَارِفٍ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ عَدَّهُمْ أَنْعَمْت بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِهَا مُخِلًّا لِلْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الصِّيغَةِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ وَلَا كَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ، وَلَا يَضُرُّ إبْدَالُ الزَّايِ جِيمًا وَعَكْسُهُ وَالْكَافُ هَمْزَةً اهـ أج.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ مِنْ عَارِفٍ " خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ فِي الْعَارِفِ، وَقَوْلُهُ: " وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ " أَيْ عَدَمَ الضَّرَرِ هُنَا، وَقَوْلُهُ: "؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي الصِّيغَةِ عَلَى الْمُتَعَارَفِ " قَالَ ع ش: فِي كَوْنِ فَتْحِ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْمُتَعَارَفِ فِي مُحَاوَرَاتِ النَّاسِ وَلَوْ مِنْ الْعَارِفِ نَظَرٌ، فَالْقَلْبُ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَمْيَلُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْكَافُ هَمْزَةً ظَاهِرُهُ وَلَوْ مِنْ عَارِفٍ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لُغَتَهُ وَيَصِحُّ أَزْوَجْتُكَ وَلَوْ مِنْ عَالِمٍ.
وَنُقِلَ فِي الدَّرْسِ عَنْ م ر مَا يُوَافِقُهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَعْنَى أَزْوَجْتُكَ فُلَانَةَ صَيَّرْتُك زَوْجًا لَهَا وَهُوَ مُسَاوٍ فِي الْمَعْنَى لِزَوَّجْتُكَهَا، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا يُخَالِفُهُ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ تَزَوَّجْتهَا فِي الثَّانِي) أَتَى بِالضَّمِيرِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِدَالٍّ عَلَيْهَا كَضَمِيرِهَا أَوْ اسْمِهَا أَوْ اسْمِ إشَارَةٍ لَهَا أَوْ قَصْدِهَا، وَيُلْغَى الِاسْمُ إذَا عَارَضَهُ الْقَصْدُ أَوْ الْوَصْفُ نَحْوُ زَيْنَبَ الْكَبِيرَةِ وَكَانَ قَصْدُهُ الصَّغِيرَةَ، فَإِنْ تَعَارَضَ وَصْفَانِ كَصَغِيرَةٍ طَوِيلَةٍ تَسَاقَطَا وَبَطَلَ الْعَقْدُ؛ قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي الصَّغِيرَةَ الطَّوِيلَةَ وَكَانَتْ الطَّوِيلَةَ الْكُبْرَى فَالتَّزْوِيجُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَازِمٌ، وَلَيْسَ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا فِي غَيْرِ الْمَنْكُوحَةِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْآخَرِ فَصَارَتْ مُبْهَمَةً اهـ أج مَعَ زِيَادَةٍ.
قَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَلَا يَكْفِي الْإِضَافَةُ إلَى جُزْئِهَا وَإِنْ لَمْ تَعِشْ بِهِ كَقَلْبِهَا أَوْ رَأْسِهَا أَوْ يَدِهَا، نَعَمْ قَدْ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا صِحَّةَ الْبَيْعِ فِي ذَلِكَ إنْ قُصِدَ بِهِ الْجُمْلَةُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ هُنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرِّقَ وَهُوَ أَقْرَبُ اهـ. قَوْلُهُ: (لِوُجُودِ الِاسْتِدْعَاءِ الْجَازِمِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ تُزَوِّجْنِي أَوْ زَوَّجْتنِي أَوْ زَوِّجْهَا مِنِّي، وَمَا لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ تَزَوَّجْهَا أَوْ تَزَوَّجْتهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْجَزْمِ.
وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلزَّوْجِ قُلْ تَزَوَّجْتهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْعَاءٌ لِلَّفْظِ لَا لِلتَّزْوِيجِ.
تَنْبِيهٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا م ر عَنْ الْأَنْكِحَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْعَوَامّ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ شُرُوطَ الْأَنْكِحَةِ وَالْغَالِبُ فَسَادُهَا، هَلْ يَحْتَاجُونَ إلَى تَحْلِيلٍ إذَا وَقَعَ مِنْهُمْ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ سَأَلَ وَالِدَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَقَدْ سُئِلْت عَنْ ذَلِكَ وَأَفْتَيْت بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّحْلِيلِ وَلَا تَجُوزُ بِغَيْرِهِ اهـ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.

قَوْلُهُ: (لَا بِكِنَايَةٍ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَأَتَّى فِي لَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ، وَالنِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهِمَا وَمِنْ الْكِنَايَةِ زَوَّجَك اللَّهُ بِنْتِي، وَلَوْ قَالَ الْمُتَوَسِّطُ زَوِّجْ بِنْتَك لِفُلَانٍ فَقَالَ زَوَّجْتهَا وَلَمْ يَقُلْ لِفُلَانٍ أَوْ لَهُ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَإِذَا قَالَ الزَّوْجُ قَبِلْت وَلَمْ يَقُلْ نِكَاحَهَا لِنَفْسِي فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا فَلَا يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِهَاءِ الضَّمِيرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ زَوَّجْتهَا لَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْبَابِلِيُّ: وَفِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَلَوْ قَالَ الْمُتَوَسِّطُ لِلْوَلِيِّ زَوَّجْته ابْنَتَك فَقَالَ زَوَّجْتهَا ثُمَّ قَالَ لِلزَّوْجِ قُلْ قَبِلْت نِكَاحَهَا فَقَالَ قَبِلْت نِكَاحَهَا انْعَقَدَ لِوُجُودِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مُرْتَبِطَيْنِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَا أَوْ أَحَدُهُمَا نَعَمْ اهـ. قَوْلُهُ: (كَأَحْلَلْتُكَ بِنْتِي) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ النِّكَاحِ ح ل. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكِنَايَةَ لَا يَصِحُّ بِهَا النِّكَاحُ وَلَوْ تَوَفَّرَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى النِّكَاحِ وَلَوْ قَالَ نَوَيْت بِهَا النِّكَاحَ.
قَوْلُهُ: (وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً فَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِهَا) وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ الشُّهُودَ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالِاعْتِرَاضُ قَوِيُّ عَمِيرَةَ لَكِنْ الْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ؛ عَبْدُ الْبَرِّ.
قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ بَطَلَ الْعَقْدُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَكَتَبَ ع ش عَلَى قَوْلِ م ر: " وَغَيْرُ مُعَيَّنٍ إلَخْ ": كَأَنْ قَالَ زَوَّجْت ابْنَتِي أَحَدَكُمَا فَلَا يَصِحُّ مُطْلَقًا نَوَى الْوَلِيُّ مُعَيَّنًا مِنْهُمَا أَمْ لَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ زَوَّجْتُك إحْدَى بَنَاتِي وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً حَيْثُ صَحَّ ثَمَّ لَا هُنَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الزَّوْجِ الْقَبُولُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ لِيَقَعَ الْإِشْهَادُ عَلَى قَبُولِهِ الْمُوَافِقِ لِلْإِيجَابِ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَ الْعَقْدُ

وَشُرِطَ فِيهَا حِلٌّ وَتَعْيِينٌ وَخُلُوٌّ مِنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مُحْرِمَةٍ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلَا إحْدَى امْرَأَتَيْنِ لِلْإِبْهَامِ، وَلَا مَنْكُوحَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهَا.

وَمِمَّا تَرَكَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ أَيْضًا الزَّوْجُ، وَشُرِطَ فِيهِ حِلٌّ وَاخْتِيَارٌ وَتَعْيِينٌ وَعِلْمٌ بِحِلِّ الْمَرْأَةِ لَهُ، فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مُحْرِمٍ وَلَوْ بِوَكِيلٍ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ، وَلَا مُكْرَهٍ وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْبَيْعِ وَلَا مَنْ جَهِلَ حِلَّهَا لَهُ احْتِيَاطًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ.

[حاشية البجيرمي]

وَالْخِطَابُ مَعَهَا، وَالشَّهَادَةُ تَقَعُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ، فَاغْتُفِرَ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الزَّوْجِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ ثُمَّ مَاتَ وَاخْتَلَفَتْ الزَّوْجَةُ مَعَ الزَّوْجِ أَنَّهَا الْمُسَمَّاةُ فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِهَا أَوْ بِقَوْلِ الشُّهُودِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لَكِنْ الْأَقْوَى قَوْلُ الشُّهُودِ.
وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ قَالَتْ لَسْت الْمُسَمَّاةَ فِي الْعَقْدِ وَقَالَ الشُّهُودُ بَلْ أَنْتِ الْمَقْصُودَةُ بِالتَّسْمِيَةِ وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ سَمَّى غَيْرَك فِي الْعَقْدِ خَطَأً، فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النِّكَاحِ أَوْ الْعِبْرَةُ بِقَوْلِ الشُّهُودِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْغَلَطِ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَشُرِطَ فِيهَا حِلٌّ) خَرَجَ مَنْ شُكَّ فِي حِلِّهَا كَالْخُنْثَى أَوْ الْمُعْتَدَّةِ، حَتَّى لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْعِدَّةِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ الْحِلِّ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ يَقُلْ فِيهَا كَمَا فِي الزَّوْجِ وَعَلِمَ بِحِلِّ الزَّوْجِ لَهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَعْقُودًا عَلَيْهَا شَرَطَ فِيهَا مَا ذَكَرَ دُونَهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَعْيِينٌ) فَزَوَّجْتُك إحْدَى بَنَاتِي أَوْ زَوَّجْت بِنْتِي أَحَدَكُمَا بَاطِلٌ وَلَوْ مَعَ الْإِشَارَةِ كَالْبَيْعِ، وَيَكْفِي التَّعْيِينُ بِوَصْفٍ أَوْ رُؤْيَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا كَزَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا أَوْ الَّتِي فِي الدَّارِ وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرُهَا أَوْ هَذِهِ وَإِنْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فِي الْكُلِّ وَكَزَوَّجْتُكِ هَذَا الْغُلَامَ.
وَأَشَارَ لِبِنْتِهِ تَعْوِيلًا عَلَى الْإِشَارَةِ، وَلِأَنَّ الْبِنْتِيَّةَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ مُمَيِّزَةٌ فَاعْتُبِرَتْ وَلُغِيَ الِاسْمُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى الْإِرْشَادِ اهـ أج.
فَرْعٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا ز ي عَنْ رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً وَعَقَدَ ثُمَّ أُتِيَ لَهُ بِامْرَأَةٍ غَيْرِ الْمَخْطُوبَةِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (وَخُلُوٌّ عَنْ نِكَاحٍ) وَلَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا خَلِيَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ قُبِلَ قَوْلُهَا وَجَازَ لِلْوَلِيِّ اعْتِمَادُ قَوْلِهَا سَوَاءٌ كَانَ خَاصًّا أَوْ عَامًّا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ كُنْت زَوْجَةً لِفُلَانٍ وَطَلَّقَنِي أَوْ مَاتَ عَنِّي فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ الْعَامِّ بِخِلَافِ الْخَاصِّ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (وَعِدَّةٍ) أَيْ عِدَّةِ غَيْرِهِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ مِنْهُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا بِدُونِ الثَّلَاثِ وَاللِّعَانِ صَحَّ نِكَاحُهَا فِي الْعِدَّةِ وَإِلَّا فَلَا، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَيْضًا الِاخْتِيَارُ إلَّا فِي الْمُجْبَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعِلْمٌ بِحِلِّ الْمَرْأَةِ) خَرَجَ مَنْ شُكَّ فِي حِلِّهَا كَالْخُنْثَى أَوْ الْمُعْتَدَّةِ.
وَخُرُوجُ هَذَيْنِ مِمَّا ذَكَرَ أَوْلَى مِنْ إخْرَاجِ الْمُحَشِّي لَهُمَا بِقَوْلِهِ فِي شُرُوطِ الزَّوْجَةِ حِلٌّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ بِهِ الْمُحَرَّمَةُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
وَاَلَّذِي انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْحَلَبِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ، فَلَوْ عَقَدَ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: " وَلَا مَنْ جَهِلَ حِلَّهَا " يَعْنِي بِهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِالصِّحَّةِ حَالَ الْعَقْدِ، فَلَا يُنَافِي تَبَيُّنُ الصِّحَّةِ بِتَبَيُّنِ خِلَافِ مَا ظَنَّ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لَكِنْ هَذَا كُلُّهُ رُبَّمَا يُنَافِيه مَا صَرَّحُوا بِهِ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا رَضَاعٌ وَشُكَّ هَلْ هُوَ خَمْسٌ أَوْ أَقَلُّ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ عَالِمًا بِحِلِّهَا فَحَرِّرْ ذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ لَا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا مُكْرَهٍ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمَّا إذَا كَانَ بِحَقٍّ كَأَنْ أُكْرِهَ عَلَى نِكَاحِ الْمَظْلُومَةِ فِي الْقَسْمِ، فَيَصِحُّ بِأَنْ ظَلَمَهَا هُوَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا لِيَبِيتَ عِنْدَهَا مَا فَاتَهَا اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَالْبَيْعِ ظَاهِرُهُ وَإِنْ نَوَاهُ وَقُبِلَ.
وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي زَوَّجْتُك بِنْتِي وَنَوَى مُعَيَّنَةً الصِّحَّةُ؛ لَكِنْ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ الْبُطْلَانُ، وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ زَوَّجْتُك إحْدَى بَنَاتِي وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً حَيْثُ صَحَّ ثَمَّ لَا هُنَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الزَّوْجِ الْقَبُولُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ لِيَقَعَ الْإِشْهَادُ عَلَى قَبُولِهِ الْمُوَافِقِ لِلْإِيجَابِ وَالْمَرْأَةُ لَيْسَ الْعَقْدُ وَالْخِطَابُ مَعَهَا وَالشَّهَادَةُ تَقَعُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ فَاغْتُفِرَ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الزَّوْجِ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا مَنْ جَهِلَ حِلَّهَا لَهُ) كَمَنْ ظَنَّهَا أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ وَلَوْ تَبَيَّنَ الْحِلُّ م ر. وَخَالَفَهُ حَجّ؛ لَكِنْ الَّذِي فِي شَرْحِ م ر مَا يُوَافِقُ حَجّ، وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ بِحِلِّ الْمَرْأَةِ لَهُ شَرْطٌ

فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْأَوْلِيَاءِ تَرْتِيبًا وَإِجْبَارًا وَعَدَمِهِ وَبَعْضِ أَحْكَامِ الْخِطْبَةِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ذَكَرَ هَذَا الْفَصْلَ وَأَسْقَطَهُ فِي بَعْضِهَا فَقَالَ: (وَأَوْلَى الْوُلَاةِ) أَيْ مِنْ الْأَقَارِبِ فِي التَّزْوِيجِ (الْأَبُ) ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَوْلِيَاءِ يُدْلُونَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ (ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ) وَإِنْ عَلَا لِاخْتِصَاصِ كُلٍّ مِنْهُمْ عَنْ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ بِالْوِلَادَةِ مَعَ مُشَارَكَتِهِ فِي الْعُصُوبَةِ (ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ) لِإِدْلَائِهِ بِهِمَا (ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ) لِإِدْلَائِهِ بِهِ فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ ابْنِ الْأَخِ (ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ) وَإِنْ سَفَلَ (ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ) وَإِنْ سَفَلَ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْأَخِ أَقْرَبُ مِنْ الْعَمِّ (ثُمَّ الْعَمُّ) لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ الْعَمُّ لِأَبٍ (ثُمَّ ابْنُهُ) أَيْ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبٍ وَإِنْ سَفَلَ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ) لِزِيَادَةِ الْقُرْبِ وَالشَّفَقَةِ كَالْإِرْثِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ غَابَ الشَّقِيقُ لَمْ يُزَوِّجْ الَّذِي لِأَبٍ بَلْ السُّلْطَانُ نَعَمْ لَوْ كَانَ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا لِأَبَوَيْنِ وَالْآخَرُ لِأَبٍ لَكِنَّهُ أَخُوهَا

[حاشية البجيرمي]

لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ لَا لِلصِّحَّةِ، فَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ أُخْتَهُ كَفَى نَعَمْ هُوَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخُنْثَى كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى لَا يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ عَلَيْهِ اهـ.

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْأَوْلِيَاءِ]

ِ قَوْلُهُ: (تَرْتِيبًا) تَمْيِيزٌ وَلَا يَضُرُّ عَطْفُ الْمَعْرِفَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ.
وَهُوَ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ وَالتَّقْدِيرُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَرْتِيبِ الْأَوْلِيَاءِ وَإِجْبَارِهِمْ وَعَدَمِهِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَهُوَ الْأَوْلِيَاءُ مَقَامَهُ، فَانْبَهَمَتْ النِّسْبَةُ الْإِضَافِيَّةُ فَأُتِيَ بِالْمُضَافِ وَجُعِلَ تَمْيِيزًا.
وَبَيَانُ التَّرْتِيبِ يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْبِيرِ ب " ثُمَّ " وَالْإِجْبَارِ مِنْ قَوْلِهِ: " فَالْبِكْرُ يَجُوزُ لِلْأَبِ إلَخْ ". وَعَدَمِ الْإِجْبَارِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَالثَّيِّبُ إلَخْ " وَبَيَانُ الْخِطْبَةِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ ". قَوْلُهُ: (وَعَدَمِهِ) أَيْ الْإِجْبَارِ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى الْوُلَاةِ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ بِالنَّظَرِ لِمُطْلَقِ الْوِلَايَةِ لَا بِالنَّظَرِ لِذَلِكَ الْعَقْدِ وَبِالنَّظَرِ لِذَلِكَ الْعَقْدِ بِمَعْنًى مُسْتَحِقٍّ نَحْوُ فُلَانٌ أَحَقُّ بِمَالِهِ أَيْ مُسْتَحِقٌّ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، إذْ لَا حَقَّ لِلْجَدِّ مَثَلًا مَعَ وُجُودِ الْأَبِ.
وَأَسْبَابُ الْوِلَايَةِ أَرْبَعَةٌ: الْأُبُوَّةُ وَالْعُصُوبَةُ وَالْإِعْتَاقُ وَالسَّلْطَنَةُ، وَالْوُلَاةُ بِضَمِّ الْوَاوِ جَمْعُ وَالٍ كَغَازٍ وَغُزَاةٍ وَقَاضٍ وَقُضَاةٍ، وَلَمْ يُدْخِلْ الْأُبُوَّةَ فِي التَّعْصِيبِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ قَدْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ فَقَطْ إذَا كَانَ مَعَهُ ابْنٌ وَمِثْلُهُ الْجَدُّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ إلَّا بِالتَّعْصِيبِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ سَائِرَ الْأَوْلِيَاءِ إلَخْ) عِبَارَةُ م ر: لِأَنَّهُ أَشْفَقُ الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ) ذَكَرَهُ لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ق ل؛ لِأَنَّ الْعَمَّ لَا يُدْلِي بِالْأَبِ وَإِنَّمَا يُدْلِي بِالْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ الْعَمَّ وَابْنَ أَخِيهِ فِي الِانْتِسَابِ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْأَبِ تَأَمَّلْ.
وَقَالَ شَيْخُنَا ع ش: وَلَا يَرُدُّ الْمُعْتَقَ وَعَصَبَتَهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مِنْ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: (كُلٍّ مِنْهُمْ) أَيْ الْأَجْدَادِ.
قَوْلُهُ: (لِإِدْلَائِهِ بِهِمَا) أَيْ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْمُحَشِّي أَيْ الْأَبِ وَالْجَدِّ؛ لَكِنْ إلَى الْأَبِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَإِلَى الْجَدِّ بِوَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَفَلَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ الْأَخِ الشَّقِيقِ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ، وَلَيْسَ مُرَادًا.
وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي فِي ابْنِ الْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّازِلَ مِنْ ابْنِ الْأَخِ الشَّقِيقِ وَابْنِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ الْعَالِي وَابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ الْعَالِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ كَالْإِرْثِ بَلْ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ الْعَالِيَانِ مُقَدَّمَانِ عَلَى النَّازِلِ مِنْ الشَّقِيقِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَخِ وَأَوْلَادِ الْعَمِّ الشَّقِيقَيْنِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ سَفَلَ، الْأَوْلَى وَإِنْ تَرَاخَى عَلَى قَاعِدَةِ الْفَرْضِيَّيْنِ أَنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ بِالتَّسَفُّلِ فِي الْأَوْلَادِ وَبِالتَّرَاخِي فِي أَوْلَادِ الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: (لِزِيَادَةِ الْقُرْبِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْقُوَّةَ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَخِ الشَّقِيقِ وَالْأَخِ لِلْأَبِ فِي الْقُرْبِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ مِنْ جِهَةِ الْإِدْلَاءِ إلَى الْأَبِ.
قَوْلُهُ: (كَالْإِرْثِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ إلَى هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا إلَخْ) أَيْ كَوْنُ الْوِلَايَةِ لِلشَّقِيقِ دُونَ الَّذِي لِأَبٍ، أَيْ فَهِيَ حَقٌّ عَلَيْهِ فَيَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ.
قَوْلُهُ: (بَلْ السُّلْطَانُ) أَوْ نَائِبُهُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ كَانَا إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَوْ عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ، أَيْ فَمَحَلُّ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ أَخًا لِأُمٍّ وَإِلَّا قُدِّمَ وَلَفْظُ كَانَ تَامَّةٌ فِي الْمَوَاضِعِ

لِأُمِّهَا فَالثَّانِي هُوَ الْوَلِيُّ؛ لِأَنَّهُ يُدْلِي بِالْجَدِّ وَالْأُمِّ، وَالْأَوَّلُ يُدْلِي بِالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَلَوْ كَانَا ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُهَا وَالْآخَرُ أَخُوهَا مِنْ الْأُمِّ فَالِابْنُ هُوَ الْمُقَدَّمُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ، وَلَوْ كَانَ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا مُعْتَقٌ قُدِّمَ الْمُعْتَقُ وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُعْتَقُ ابْنَ عَمٍّ لِأَبٍ وَالْآخَرُ شَقِيقًا قُدِّمَ الشَّقِيقُ وَبِهِ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَسْمِيَةُ كُلٍّ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنْ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَلِيًّا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ وَجَعَلَ الْوِلَايَةَ حَقِيقَةً لِلْأَبِ وَالْجَدِّ فَقَطْ، وَلَا يُزَوِّجُ ابْنٌ أُمَّهُ بِبُنُوَّةٍ مَحْضَةٍ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْمُزَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي النَّسَبِ إذْ انْتِسَابُهَا إلَى أَبِيهَا، وَانْتِسَابُ الِابْنِ إلَى أَبِيهِ فَلَا يَعْتَنِي بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ النَّسَبِ، فَإِنْ كَانَ ابْنَ عَمٍّ لَهَا أَوْ مُعْتَقَةً لَهَا أَوْ عَاصِبَ مُعْتَقٍ لَهَا أَوْ قَاضِيًا أَوْ وَكِيلًا عَنْ وَلِيِّهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ زَوَّجَ بِمَا ذَكَرَ، فَلَا تَضُرُّ الْبُنُوَّةُ؛ لِأَنَّهَا

[حاشية البجيرمي]

الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَا ابْنَا عَمٍّ) كَأَخَوَيْنِ شَقِيقَيْنِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَلَهُمَا أَخٌ لِأَبٍ كَبَكْرٍ وَلِأَحَدِهِمَا امْرَأَةٌ وَلَهُ مِنْهَا بِنْتٌ وَلِأَخِيهِ شَقِيقِهِ وَلَدٌ ثُمَّ مَاتَ عَنْ الْمَرْأَةِ وَالْبِنْتِ فَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأَتَى مِنْهَا بِوَلَدٍ، فَنِسْبَةُ هَذَا الْوَلَدِ إلَى الْبِنْتِ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا لِأَبِيهَا وَأَخُوهَا لِأُمِّهَا وَنِسْبَتُهَا لِلْوَلَدِ الْأَوَّلِ ابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يُدْلِي) أَيْ يُنْسَبُ لِلْبِنْتِ.
قَوْلُهُ: (بِالْجَدِّ) هُوَ أَبُو الْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأُمِّ) أَيْ أُمِّ الْبِنْتِ وَأُمِّ ابْنِ الْعَمِّ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْجَدَّةِ " أَيْ؛ لِأَنَّهَا جَدَّةُ الْبِنْتِ أُمُّ أَبِيهَا وَجَدَّةُ ابْنِ الْعَمِّ الشَّقِيقِ وَهِيَ أُمُّ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا ابْنُهَا) أَيْ فِيمَا إذَا وَطِئَهَا عَمُّهَا بِشُبْهَةٍ شَوْبَرِيٌّ.
صُورَتُهَا ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ أَشِقَّاءَ أَوْ لِأَبٍ تَزَوَّجَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ امْرَأَةً وَأَتَى مِنْهَا بِبِنْتٍ ثُمَّ وَطِئَ الْبِنْتَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِشُبْهَةٍ وَأَتَى مِنْهَا بِابْنٍ فَنِسْبَتُهُ لِلْبِنْتِ ابْنُهَا وَابْنُ عَمِّهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ بِأُمِّ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ الْأَخُ الثَّالِثُ وَأَتَى مِنْهَا بِابْنٍ فَنِسْبَتُهُ لِلْبِنْتِ ابْنُ عَمِّهَا وَأَخُوهَا لِأُمِّهَا.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَلَوْ كَانَ ابْنَا ابْنِ عَمٍّ إلَخْ.
وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ كَزَيْدٍ وَبَكْرٍ وَعَمْرٍو وَلِزَيْدٍ زَوْجَةٌ وَلَهُ مِنْهَا بِنْتٌ وَبَكْرٌ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ وَعَمْرٌو لَهُ زَوْجَةٌ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ أَيْضًا فَتَزَوَّجَ وَلَدُ بَكْرٍ بِبِنْتِ زَيْدٍ فَأَتَى مِنْهَا بِوَلَدٍ فَنِسْبَةُ هَذَا الْوَلَدِ لِلْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ ابْنُهَا وَابْنُ ابْنِ عَمِّهَا، ثُمَّ مَاتَ زَيْدٌ عَنْ زَوْجَتِهِ وَبِنْتِهِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ إنَّ وَلَدَ عَمْرٍو تَزَوَّجَ بِأُمِّ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ فَأَتَى مِنْهَا بِوَلَدٍ فَنِسْبَةُ هَذَا الْوَلَدِ لِلْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ أَخُوهَا لِأُمِّهَا وَابْنُ ابْنِ عَمِّهَا.
وَتُصَوَّرُ هَذِهِ الصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ بِصُورَةٍ غَيْرِ هَذِهِ وَهِيَ: ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ كَبَكْرٍ وَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٌ وَزَيْدٌ لَهُمَا وَلَدَانِ وَلِعَمِّهِمَا عَمْرٍو زَوْجَةٌ وَبِنْتٌ مِنْهَا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْعَمُّ عَنْ زَوْجَتِهِ وَبِنْتِهِ فَأَخَذَ ابْنُ بَكْرٍ زَوْجَةَ عَمِّهِ فَأَتَى مِنْهَا بِوَلَدٍ فَنِسْبَةُ هَذَا الْوَلَدِ لِلْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا وَأَخُوهَا لِأُمِّهَا وَأَخَذَ ابْنُ زَيْدٍ بِنْتَ عَمِّهِ الْمَذْكُورَةَ فَأَتَى مِنْهَا بِوَلَدٍ فَنِسْبَةُ هَذَا الْوَلَدِ لَهَا أَنَّهُ ابْنُهَا وَابْنُ ابْنِ عَمِّهَا ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا وَأَرَادَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَنَّهَا تَتَزَوَّجُ فَيُزَوِّجُهَا ابْنُهَا الَّذِي هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ) أَيْ وُجِدَ ابْنَا عَمِّ أَحَدِهِمْ مُعْتَقٌ إلَخْ، أَيْ وَتَسَاوَيَا عُصُوبَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا فِي الْعِبَارَةِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ: " وَمِنْهُ يُؤْخَذُ إلَخْ " وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا مَرَّ يَقْتَضِي تَسَاوِيهِمَا فِي الْوِلَايَةِ وَقَوْلُهُ: " وَمِنْهُ يُؤْخَذُ إلَخْ " أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ فَالْمَعْنَى وَمِنْ الْأَقْرَبِيَّةِ يُؤْخَذُ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (قُدِّمَ الْمُعْتَقُ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ قُدِّمَ الْمُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى وَمِنْهُ يُؤْخَذُ إلَخْ، أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ.
وَالشَّارِحُ لَمْ يَأْتِ بِالتَّعْلِيلِ.
وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ: " وَيُؤْخَذُ إلَخْ " أَيْ مِنْ قُرْبِ النَّسَبِ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقُرْبُ.
بِغَيْرِ النَّسَبِ كَالْوَلَاءِ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ مِنْ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَخِ وَالْعَمِّ) بَيَانٌ لِلْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي الْمَذْكُورِ مِنْ التَّسْمِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُزَوِّجُ ابْنٌ أُمَّهُ) وَأَمَّا قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ لِابْنِهَا عُمَرَ: قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ عُمَرُ الْمَعْرُوفُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ سِنُّهُ حِينَئِذٍ كَانَ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ فَهُوَ طِفْلٌ لَا يُزَوِّجُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَ وَهَمَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَصَبَتِهَا وَاسْمُهُ مُوَافِقٌ لِابْنِهَا فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ هُوَ.
وَرِوَايَةُ: " قُمْ فَزَوِّجْ أُمَّك " بَاطِلَةٌ عَلَى أَنَّ نِكَاحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَفْتَقِرُ لِوَلِيٍّ فَهُوَ اسْتِطَابَةٌ لَهُ وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّهُ ابْنُهَا وَأَنَّهُ بَالِغٌ فَهُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ أَقْرَبَ مِنْهُ وَنَحْنُ نَقُولُ بِوِلَايَتِهِ.
قَوْلُهُ: (بِبُنُوَّةٍ مَحْضَةٍ) أَيْ خَالِصَةٍ عَنْ سَبَبٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ) أَيْ الِابْنُ.
وَقَوْلُهُ: " ابْنَ عَمٍّ " أَيْ ابْنَ ابْنِ عَمٍّ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُتَصَوَّرُ فِي النِّكَاحِ وَلَا يُتَصَوَّرُ مَا قَالَهُ إلَّا فِي الشُّبْهَةِ.

غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لَا مَانِعَةٍ فَإِذَا وُجِدَ مَعَهَا سَبَبٌ آخَرُ مُقْتَضٍ لِلْوِلَايَةِ لَمْ تَمْنَعْهُ.

(فَإِذَا عَدِمَتْ الْعَصَبَاتُ) مِنْ النَّسَبِ (فَالْمَوْلَى) أَيْ السَّيِّدُ (الْمُعْتِقُ) الرَّجُلُ (ثُمَّ عَصَبَاتُهُ) بِحَقِّ الْوَلَاءِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُعْتِقُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَالتَّرْتِيبُ هُنَا كَالْإِرْثِ فِي تَرْتِيبِهِ فَيُقَدَّمُ بَعْدَ عَصَبَةِ الْمُعْتِقِ مُعْتِقُ الْمُعْتَقِ ثُمَّ عَصَبَتُهُ وَهَكَذَا لِحَدِيثِ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَلِأَنَّ الْمُعْتَقَةَ أَخْرَجَهَا مِنْ الرِّقِّ إلَى الْحُرِّيَّةِ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ فِي إخْرَاجِهِ لَهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ إذَا فُقِدَ وَلِيُّ الْعَتِيقَةِ مِنْ النَّسَبِ كُلُّ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتَقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْوِلَايَةِ عَلَى الْمُعْتَقَةِ، فَيُزَوِّجُهَا الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ بَقِيَّةُ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ) أَيْ فَلَا تُعَارِضُ الْمُقْتَضِي فَهُوَ مِنْ بَابِ اجْتِمَاعِ الْمُقْتَضِي وَغَيْرِ الْمُقْتَضِي فَيُقَدَّمُ الْمُقْتَضِي، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَدَّمْنَا الْمَانِعَ فَلَا يُزَوِّجُ حِينَئِذٍ الِابْنُ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا مَفْهُومُ الْمَانِعِ وَهُوَ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُعَرِّفٌ نَقِيضَ الْحُكْمِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَعِبَارَةُ ع ش: قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ دَفَعَ بِهِ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْبُنُوَّةَ إذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ غَيْرِهَا سَلَبَتْ الْوِلَايَةَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعُ قُدِّمَ الثَّانِي اهـ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْبُنُوَّةَ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا مَفْهُومُ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا وُجِدَ مَعَهَا) أَيْ الْبُنُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (الرَّجُلُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ صِفَةُ مُذَكَّرٍ، وَقَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأُنْثَى الْمُعْتِقَةَ لَا تُزَوِّجُ عَتِيقَتَهَا.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُعْتِقُ إلَخْ) تَعْمِيمٌ فِي عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ، أَيْ أَنَّهُ فِي الْعَصَبَاتِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُعْتِقِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَأَمَّا نَفْسُ الْمُعْتَقِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الذَّكَرِ فَيُزَوِّجُ وَالْأُنْثَى فَلَا تُزَوِّجُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّرْتِيبُ هُنَا كَالْإِرْثِ) أَيْ الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ، فَيُقَدَّمُ الْأَخُ وَابْنُ الْأَخِ عَلَى الْجَدِّ، وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ عَلَى أَبِي الْجَدِّ مَرْحُومِيٌّ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: أَيْ فَيُقَدَّمُ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْأَخُ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ ثُمَّ أَبُو الْجَدِّ.
قَوْلُهُ: (لُحْمَةٌ) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا أَيْ خِلْطَةٌ وَاشْتِبَاكٌ، مَأْخُوذٌ مِنْ اشْتِبَاكِ النَّاسِ وَاخْتِلَاطِهِمْ كَاشْتِبَاكِ لُحْمَةِ الثَّوْبِ فَالسَّدَى بِفَتْحِ السِّينِ وَالْقَصْرِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْقِيَامِ عِنْدَ الْقَزَّازِينَ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ الْمَرْأَةِ إلَخْ) وَأَمَةُ الْمَرْأَةِ كَعَتِيقَتِهَا فِيمَا ذُكِرَ؛ لَكِنْ يُشْتَرَطُ إذْنُ السَّيِّدَةِ الْكَامِلَةِ نُطْقًا وَلَوْ بِكْرًا إذْ لَا تَسْتَحْيِي مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ثَيِّبًا امْتَنَعَ عَلَى الْأَبِ تَزْوِيجُ أَمَتِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ مَجْنُونَةً وَلَيْسَ لِلْأَبِ إجْبَارُ أَمَةِ الْبِكْرِ الْبَالِغِ اهـ م ر. وَعَتِيقَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ يُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهِ وُجُوبًا مَنْ يُزَوِّجُهُ بِفَرْضِ أُنُوثَتِهِ لِيَكُونَ وَكِيلًا أَوْ وَلِيًّا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهِ مَعَ إذْنِ الْعَتِيقَةِ أَيْضًا لِمَنْ يُزَوِّجُ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْإِذْنَيْنِ، وَكَذَا لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ إذْنِهَا لِلْخُنْثَى إذْ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ لِمَنْ يَعْقِدُ بِتَقْدِيرِ ذُكُورَتِهِ إلَّا إذَا أَذِنَتْ لَهُ الْعَتِيقَةُ فِي التَّزْوِيجِ لِيَصِحَّ تَوْكِيلُهُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَالْمُبَعَّضَةُ يُزَوِّجُهَا مَالِكُ بَعْضِهَا مَعَ قَرِيبِهَا وَإِلَّا فَمَعَ مُعْتِقِ بَعْضِهَا وَالْمُكَاتَبَةُ يُزَوِّجُهَا سَيِّدُهَا بِإِذْنِهَا، وَكَذَا أَمَتُهَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَالِكٌ أَوْ وَلِيٌّ وَيُزَوِّجُ الْحَاكِمُ أَمَةَ كَافِرٍ أَسْلَمَتْ، بِإِذْنِهِ وَإِذْنِهَا.
وَلَا تُزَوَّجُ مُدَبَّرَةُ الْمُفْلِسِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ، وَلَا أَمَةُ الْمُرْتَدَّةِ وَالْمُرْتَدِّ، وَلَا الْوَلِيُّ أَمَةً صَغِيرَةً ثَيِّبًا إلَّا إنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً.
وَيُزَوِّجُ الْوَلِيُّ أَمَةً مَحْجُورَةً لِلْمَصْلَحَةِ وَيُزَوِّجُ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمَأْذُونَ لَهَا فِي التِّجَارَةِ وَأَمَةَ عَبْدِهِ كَذَلِكَ؛ لَكِنْ بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ فِيهِمَا إنْ كَانَ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ.
وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ بَيْعُ أَمَةِ عَبْدِهِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا هِبَتُهَا وَلَا وَطْؤُهَا وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ بِوَطْئِهَا، وَيَنْفُذُ إيلَادُهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِلَّا فَلَا.
وَيُزَوِّجُ الْمَغْصُوبَةَ سَيِّدُهَا وَلَوْ لِعَاجِزٍ عَنْ انْتِزَاعِهَا، وَيُزَوِّجُ الْجَانِيَةَ وَالْمَرْهُونَةَ سَيِّدُهَا بِإِذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، وَيُزَوِّجُ الْمَوْقُوفَةَ كُلَّهَا الْحَاكِمُ بِإِذْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ بِإِذْنِ نَاظِرِهِ فِي نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ جِهَةٍ وَفِي مَوْقُوفَةِ الْبَعْضِ وَلِيُّهَا أَوْ سَيِّدُهَا مَعَ مَنْ ذُكِرَ وَبِنْتُ الْمَوْقُوفَةِ مِثْلُهَا إنْ حَدَثَتْ بَعْدَ الْوَقْفِ، وَاخْتَارَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهَا وَقْفٌ أَيْضًا.
وَيُزَوِّجُ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهَا الْوَارِثُ بِإِذْنِ الْمُوصَى لَهُ أَوْ وَلِيِّهِ، وَيُزَوِّجُ الْمُشْتَرَكَةَ سَادَاتُهَا أَوْ أَحَدُهُمْ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ إنْ وَافَقَهَا فِي الدِّينِ، وَيُزَوِّجُ أَمَةَ الْقِرَاضِ الْمَالِكُ بِإِذْنِ الْعَامِلِ، وَيُزَوِّجُ الْمَبِيعَةَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فَإِنْ شَرَطَ لَهَا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ اُعْتُبِرَ إذْنُهَا وُجُوبًا، وَيُزَوِّجُ أَمَةَ بَيْتِ الْمَالِ الْإِمَامُ كَاللَّقِيطَةِ بِإِذْنِهَا؛ وَأَمَّا عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ وَالْعَبْدُ الْمَوْقُوفُ أَوْ عَبْدُ الْمَسْجِدِ فَلَا يُزَوَّجُ بِحَالٍ.
قَوْلُهُ: (تَبَعًا لِلْوِلَايَةِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ كَالثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ الْعَاقِلَةِ لَمْ يُزَوِّجْ عَتِيقَتَهَا.
وَصُورَةُ عَتِيقَةِ

الْأَوْلِيَاءِ عَلَى مَا فِي تَرْتِيبِهِمْ بِرِضَا الْعَتِيقَةِ، وَيَكْفِي سُكُوتُ الْبِكْرِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي تَكْمِلَتِهِ وَإِنْ خَالَفَ فِي دِيبَاجِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُعْتَقَةِ فِي ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهَا وَلَا إجْبَارَ، فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فَإِذَا مَاتَتْ الْمُعْتَقَةُ زَوَّجَ الْعَتِيقَةَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى الْمُعْتَقَةِ مِنْ عَصَبَاتِهَا، فَيُزَوِّجُهَا ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ ثُمَّ أَبُوهَا عَلَى تَرْتِيبِ عَصَبَةِ الْوَلَاءِ إذْ تَبَعِيَّةُ الْوِلَايَةِ انْقَطَعَتْ بِالْمَوْتِ.

(ثُمَّ) إنْ فُقِدَ الْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ زَوَّجَ (الْحَاكِمُ) الْمَرْأَةَ الَّتِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَلِخَبَرِ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُهَا وَإِنْ رَضِيَتْ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَكَذَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ إذَا عَضَلَ النَّسِيبُ الْقَرِيبُ وَلَوْ مُجْبِرًا وَالْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ وَفَائِهِ وَفَّاهُ الْحَاكِمُ وَلَا

[حاشية البجيرمي]

الصَّغِيرَةِ أَنْ يُعْتِقَ وَلِيُّهَا أَمَتَهَا عَلَى كَفَّارَةٍ عَلَيْهَا كَالْقَتْلِ.
اهـ. سم عَلَى حَجّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا فِي تَرْتِيبِهِمْ) أَيْ عَلَى مَا مَرَّ فِي تَرْتِيبِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بِرِضَا الْعَتِيقَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِيُزَوِّجُهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي سُكُوتُ الْبِكْرِ) وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كَوْنَهُ إذْنًا وَلَمْ تَعْلَمْ الزَّوْجَ.
اهـ. حَجّ.
وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي خَرْسَاءَ لَا إشَارَةَ لَهَا مُفْهِمَةٌ وَلَا كِتَابَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَالْمَجْنُونَةِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْبِكْرِ أَيْ الْعَتِيقَةُ الْبَالِغَةُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِي دِيبَاجِهِ) هُوَ شَرْحٌ صَغِيرٌ لَهُ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُعْتَقَةِ) وَلَا رِضَاهَا بَلْ وَإِنْ مَنَعَتْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا فَائِدَةَ لَهُ) أَيْ الْإِذْنِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَى الْمُعْتَقَةِ) بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ الْعَتِيقَةِ، فَهُوَ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ: " مِنْ عَصَبَاتِهَا " أَيْ الْمُعْتِقَةِ بِكَسْرِ التَّاءِ وَفِيهِ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ لَوْ أَضْمَرَ فِي الْمُعْتَقَةِ، وَهَذَا حِكْمَةُ الْإِظْهَارِ.
قَوْلُهُ: (فَيُزَوِّجُهَا ابْنُهَا ثُمَّ ابْنُهُ) وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ مُخَالَفَةِ حَيَاتِهَا لِحَالِ مَوْتِهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ فُقِدَ الْمُعْتِقُ) أَيْ جِنْسُهُ الشَّامِلُ لِمُعْتِقِ الْمُعْتَقِ.
قَوْلُهُ: (زَوَّجَ الْحَاكِمُ) فَإِنْ فُقِدَ الْحَاكِمُ كَانَ لِلزَّوْجَيْنِ أَنْ يُحَكِّمَا لَهُمَا عَدْلًا يَعْقِدُ لَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ.
أَمَّا مَعَ وُجُودِ الْحَاكِمِ وَلَوْ حَاكِمَ ضَرُورَةٍ فَلَا يُحَكِّمَانِ إلَّا مُجْتَهِدًا إلَّا إنْ كَانَ الْحَاكِمُ يَأْخُذُ دَرَاهِمَ لَهَا وَقْعٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً فِي مِثْلِهَا كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْبِلَادِ، وَمِنْ ذَلِكَ قُضَاةُ مِصْرَ فِي زَمَنِنَا هَذَا فَلَهُمَا أَنْ يُحَكِّمَا عَدْلًا وَلَوْ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ.
وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدَا أَحَدًا وَخَافَتْ الزِّنَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَلِيِّ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، ثُمَّ إذَا رَجَعَا إلَى الْعُمْرَانِ وَوَجَدَا النَّاسَ جَدَّدَا الْعَقْدَ إنْ لَمْ يَكُونَا قَلَّدَا مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ) أَيْ وَقْتِ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَتْ مُجْتَازَةً وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ وَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا يَكْفِي الْإِذْنُ مَعَ وُجُودِ الْمَانِعِ.
وَلَا يُزَوِّجُ مَنْ لَيْسَتْ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَلَوْ لِمَنْ فِيهَا بِخِلَافِ عَكْسِهِ إذَا وَكَّلَ الزَّوْجُ.
اهـ. ق ل. وَقَوْلُهُ: " بِخِلَافِ عَكْسِهِ " أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ يُزَوِّجُ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَالزَّوْجُ خَارِجَهُ بِأَنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ فَعَقَدَ الْحَاكِمُ مَعَ وَكِيلِهِ فَالْعِبْرَةُ بِالْمَرْأَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ إذَا عَضَلَ) وَلَوْ بِالسُّكُوتِ وَلَوْ لِنَقْصِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لَهَا لَا لَهُ، فَإِذَا رَضِيَتْ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِعَضْلِهِ عُذْرٌ.
فَلَوْ زَوَّجَ فَقَدَّمَ الْحَاكِمَ فِي الْعَضْلِ ثُمَّ تَبَيَّنَ رُجُوعَ الْعَاضِلِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ بَانَ بُطْلَانُهُ.
اهـ. س ل. وَالْعَضْلُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ صَغِيرَةٌ، وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَأْثَمُ بَاطِنًا بِعَضْلٍ لِمَانِعٍ يُخِلُّ بِالْكَفَاءَةِ عَلِمَهُ مِنْهُ بَاطِنًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ إثْبَاتُهُ ح ل. وَعِبَارَةُ م ر: وَإِفْتَاءُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مُرَادُهُ أَنَّهُ فِي حُكْمِهَا بِإِصْرَارِهِ عَلَيْهِ لِتَصْرِيحِهِ هُوَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ اهـ. تَنْبِيهٌ: تَوْبَةُ الْعَاضِلِ دُونَ ثَلَاثٍ تَحْصُلُ بِتَزْوِيجِهِ فَتَعُودُ وِلَايَتُهُ بِهِ، وَهَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ بِعَوْدِ وِلَايَتِهِ بِلَا تَوْلِيَةِ جَدِيدٍ فَرَاجِعْهُ اهـ ق ل أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا لَهُ ثَانِيًا.
قَوْلُهُ: (النَّسِيبُ الْقَرِيبُ) وَأَمَّا إذَا عَضَلَ النَّسِيبُ الْمُسَاوِي لِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهَا إخْوَةٌ كُلُّهُمْ أَشِقَّاءُ فَعَضَلَ أَحَدُهُمْ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَهُ فَيُزَوِّجُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ.
وَلَا تَنْتَقِلُ لِلسُّلْطَانِ سَوَاءٌ عَضَلَ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِعَضْلِهِ سَقَطَ حَقُّهُ وَمَعَهُ مَنْ يُسَاوِيهِ فِي الدَّرَجَةِ وَحَقُّهُ بَاقٍ فَيُزَوِّجُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعْتِقُ) أَيْ إذَا عَضَلَ أَيْضًا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ

تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ إذَا كَانَ الْعَضْلُ دُونَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، فَإِنْ كَانَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ، وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ تَغْلِبْ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الشَّهَادَاتِ.
وَكَذَا يُزَوِّجُ عِنْدَ غَيْبَةِ الْوَلِيِّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
وَإِحْرَامِهِ وَإِرَادَتِهِ تَزَوُّجَ مُوَلِّيَتِهِ وَلَا مُسَاوِيَ لَهُ فِي الدَّرَجَةِ، وَالْمَجْنُونَةَ الْبَالِغَةَ عِنْدَ فَقْدِ الْمُجْبِرِ.
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يُزَوِّجُ فِيهَا الْحَاكِمُ فِي أَبْيَاتٍ فَقَالَ: وَيُزَوِّجُ الْحَاكِمُ فِي صُوَرٍ أَتَتْ ... مَنْظُومَةً تَحْكِي عُقُودَ جَوَاهِرِ عَدَمُ الْوَلِيِّ وَفَقْدُهُ وَنِكَاحُهُ ... وَكَذَاك غَيْبَتُهُ مَسَافَةَ قَاصِرِ وَكَذَاك إغْمَاءٌ وَحَبْسٌ مَانِعٌ ... أَمَةً لِمَحْجُورٍ تَوَارِي الْقَادِرِ إحْرَامُهُ وَتَعَزُّزٌ مَعَ عَضْلِهِ ... إسْلَامُ أُمِّ الْفَرْعِ وَهِيَ لِكَافِرِ

[حاشية البجيرمي]

تَزْوِيجُ الْأَبْعَدِ عِنْدَ عَضْلِ الْأَقْرَبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِيمَنْ لَمْ تَغْلِبْ إلَخْ، فَإِنْ غَلَبَتْ طَاعَتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ فَالْمُزَوِّجُ هُوَ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْسُقْ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (مَسَافَةَ الْقَصْرِ) وَلَيْسَ لَهُ وَكِيلٌ خَاصٌّ فِي تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ فَلَا تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ وَكِيلٌ خَاصٌّ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَخَرَجَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ مَا دُونَهَا فَلَا يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
نَعَمْ إنْ تَعَذَّرَ الْوَصْلُ إلَيْهِ لِخَوْفٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ.
وَالْمُرَادُ مَا دُونَهَا وَقْتَ عَقْدِ الْحَاكِمِ، نَعَمْ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ عَقْدِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَانَ عَقَدَ عَلَيْهَا وَهُوَ دُونَهَا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
اهـ. م د وَلَوْ قَدَّمَ وَقَالَ كُنْت زَوَّجْتهَا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ هُنَا وَلِيٌّ وَالْوَلِيُّ الْحَاضِرُ لَوْ زَوَّجَ فَقَدِمَ آخَرُ غَائِبٌ وَقَالَ كُنْت زَوَّجْت لَمْ يُقْبَلْ بِدُونِ بَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ وَكِيلُ الْغَائِبِ.
وَالْوَكِيلُ لَوْ بَاعَ فَقَدِمَ مُوَكِّلَهُ وَقَالَ كُنْت بِعْت مَثَلًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: " لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ " وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ حَيْثُ اكْتَفَى فِيهِ بِحَلِفِهِ أَنَّ عَقْدَ الْحَاكِمِ وَقَعَ هُنَا فِي زَمَنِ كَوْنِهِ وَلِيًّا لِتَحَقُّقِ غَيْبَتِهِ وَالْوَلِيُّ أَقْوَى مِنْ الْوَكِيلِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (تَزْوِيجَ مُوَلِّيَتِهِ) أَيْ لِنَفْسِهِ وَلَا مُسَاوِيَ لَهُ فِي دَرَجَتِهِ، كَأَنْ كَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ وَلَهَا ابْنُ عَمٍّ وَأَرَادَ التَّزَوُّجَ بِهَا فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا لَهُ الْحَاكِمُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهَا ابْنَا عَمٍّ مُسَاوِيَانِ فِي الدَّرَجَةِ بِأَنْ كَانَا لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَجْنُونَةُ) أَيْ وَيُزَوِّجُ الْمَجْنُونَةَ أَيْ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَوِّجُ الْحَاكِمُ إلَخْ) مِنْ الْكَامِلِ وَلَوْ أَبْدَلَ الْحَاكِمَ بِالْحُكَّامِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَسَلِمَ مِنْ دُخُولِ الطَّيِّ فِيهِ، وَهُوَ حَذْفُ الْحَرْفِ الرَّابِعِ الْوَاقِعِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي وَأَجْزَاؤُهُ مُتَفَاعِلُنْ سِتُّ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (عَدَمُ الْوَلِيِّ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ أَصْلًا.
وَقَوْلُهُ وَفَقْدُهُ أَيْ بِأَنْ فُقِدَ الْوَلِيُّ أَيْ غَابَ وَلَمْ يُدْرَ مَوْتُهُ وَلَا حَيَاتُهُ وَلَا مَحَلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِمَوْتِهِ حَاكِمٌ فَإِنْ حَكَمَ بِمَوْتِهِ انْتَقَلَتْ لِلْأَبْعَدِ بِخِلَافِ الْغَائِبِ الْآتِي فَإِنَّ مَحَلَّهُ مَعْلُومٌ لِيُخَالِفَ فَقْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَنِكَاحُهُ) أَيْ لِنَفْسِهِ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ عَمِّهِ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يُسَاوِيه فِي الدَّرَجَةِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُهَا لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَاك إلَخْ) وَكَذَاك إذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَتَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَاك إغْمَاءٌ) أَيْ إغْمَاءُ الْوَلِيِّ وَهَذَا ضَعِيفٌ تَبِعَ فِيهِ الْمُتَوَلِّي.
وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر عَدَمُ تَزْوِيجِ الْحَاكِمِ فِي صُورَةِ الْإِغْمَاءِ بَلْ يَنْتَظِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يُفِقْ انْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ.
قَوْلُهُ: (وَحَبْسٌ مَانِعٌ) أَيْ مَانِعٌ مِنْ الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ وَإِلَّا وَكَّلَ الْمَحْبُوسُ.
قَوْلُهُ: (أَمَةٌ لِمَحْجُورٍ) أَيْ إذَا عَدِمَ الْأَبُ وَالْجَدُّ عَلَى تَفْصِيلٍ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
وَحَاصِلُ التَّفْصِيلِ أَنَّ لِلسُّلْطَانِ تَزْوِيجَ أَمَةِ الْمَحْجُورِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَحْجُورُ صَغِيرًا أَوْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِي نِكَاحَهُمَا فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَحْجُورِ هُنَا السَّفِيهَ.
قَوْلُهُ: (تَوَارِي الْقَادِرِ) أَيْ اخْتِفَاؤُهُ وَالْقَادِرُ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَكْمِلَةٌ لِلْبَيْتِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْمُكْرَهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ التَّوَارِي بِالْبَيِّنَةِ وَكَذَا التَّعَزُّزُ الْآتِي كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (إحْرَامُهُ) أَيْ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ بِهِمَا، صَحِيحًا كَانَ إحْرَامُهُ أَوْ فَاسِدًا سُيُوطِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتَعَزُّزٌ) أَيْ تَغَلُّبٌ بِأَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ غَيْرِ تَوَارٍ مُتَعَمِّدًا عَلَى الْغَلَبَةِ.

وَأَهْمَلَ النَّاظِمُ تَزْوِيجَ الْمَجْنُونَةِ الْبَالِغَةِ.
وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعَضْلُ مِنْ الْوَلِيِّ إذَا دَعَتْ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ رَشِيدَةً كَانَتْ أَوْ

[حاشية البجيرمي]

وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَارِي وَالتَّعَزُّزِ أَنَّ التَّوَارِي الِامْتِنَاعُ مَعَ الِاخْتِفَاءِ وَالتَّعَزُّزَ الِامْتِنَاعُ مَعَ الظُّهُورِ وَالْقُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ عَضْلِهِ) أَيْ عَضْلًا لَا يَفْسُقُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (إسْلَامُ أُمِّ الْفَرْعِ) أَيْ أُمِّ الْوَلَدِ يَعْنِي إذَا اسْتَوْلَدَ الْكَافِرُ أَمَةً ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَإِنَّهُ يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ، وَأَمَّا الْفَرْعُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهَا جَارِيَتُهُ الْمُسْلِمَةُ.
قَوْلُهُ: (وَأَهْمَلَ النَّاظِمُ تَزْوِيجَ الْمَجْنُونَةِ الْبَالِغَةِ) فَيُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُجْبِرٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ هَذَا الْبَيْتَ وَهُوَ: تَزْوِيجُ مَنْ جُنَّتْ وَلَمْ يَكُ مُجْبِرًا ... بَعْدَ الْبُلُوغِ فَضُمَّ ذَاكَ وَبَادِرِ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَعَلَى أَبٍ وَإِنْ عَلَا تَزْوِيجُ ذِي جُنُونٍ مُطْبِقٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بِكِبَرٍ لِحَاجَةٍ إلَيْهِ بِظُهُورِ أَمَارَاتِ التَّوَقَانِ أَوْ بِتَوَقُّعِ الشِّفَاءِ عِنْدَ إشَارَةِ عَدْلَيْنِ مِنْ الْأَطِبَّاءِ، أَوْ بِاحْتِيَاجِهِ لِلْخِدْمَةِ وَلَيْسَ فِي مَحَارِمِهِ مَنْ يَقُومُ بِهَا، أَوْ احْتِيَاجِهِ لِلْمُؤْنَةِ وَمُؤْنَةُ النِّكَاحِ أَخَفُّ مِنْ مُؤْنَةِ شِرَاءِ أَمَةٍ، أَوْ بِاحْتِيَاجِ الْأُنْثَى الْمَهْرَ، أَوْ نَفَقَةً؛ فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُمَا لَمْ يُزَوَّجَا حَتَّى يُفِيقَا وَيَأْذَنَا وَالْمُرَادُ بِإِذْنِ الذَّكَرِ تَوْكِيلُهُ أَوْ تَزَوُّجُهُ بِنَفْسِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ عَلَى أَبٍ فَالسُّلْطَانِ عِنْدَ فَقْدِهِ أَوْ تَعَذُّرِ الْوُصُولِ لَهُ أَوْ امْتِنَاعِهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ وَلَوْ وَصِيًّا تَزْوِيجُ ذِي جُنُونٍ، أَيْ وَاحِدَةً فَقَطْ.
وَتَعْوِيلُهُمْ عَلَى الْحَاجَةِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ التَّعَدُّدِ، وَبِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ؛ وَرَدَّ بِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ نَادِرٌ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْوَطْءِ وَأَمَّا لِلْخِدْمَةِ، فَيُزَادُ بِقَدْرِهَا.
وَقَوْلُهُ: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَمُؤَنُ النِّكَاحِ فِي تَزْوِيجِ الذَّكَرِ مِنْ مَالِهِ لَا مِنْ مَالِ الْأَبِ ع ش. وَانْظُرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ هَلْ يَكُونُ عَلَى الْأَبِ أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ لَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ وَلَعَلَّ الْأَخِيرَ هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى كَلَامِهِمْ فَحَرِّرْهُ.
وَقَوْلُهُ: " بِكِبَرٍ " أَيْ مَعَ كِبَرٍ أَيْ بُلُوغٍ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا.
وَقَوْلُهُ: " لِحَاجَةٍ " وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَقَوْلُهُ: " بِظُهُورِ أَمَارَاتِ " الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بِخِلَافِهَا فِي قَوْلِهِ أَوْ بِتَوَقُّعِ الشِّفَاءِ أَوْ بِاحْتِيَاجِهِ لِلْخِدْمَةِ فَهِيَ لِلتَّصْوِيرِ، وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهَا لِلسَّبَبِيَّةِ.
وَعِبَارَةُ الرَّمْلِيِّ كَابْنِ حَجَرٍ: " أَمَارَةٌ " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهَا لَكِنْ تَعْبِيرُهُمْ بِالدَّوَرَانِ يُفِيدُ التَّكَرُّرَ.
وَقَوْلُهُ: " لِحَاجَةٍ " فَإِنْ انْتَفَتْ الْحَاجَةُ جَازَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ الْمَجْنُونَةَ دُونَ الْمَجْنُونِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَزْوِيجَ الْمَجْنُونَةِ يُفِيدُهَا الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ.
وَقَوْلُهُ: " عَدْلَيْنِ " قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَلَوْ فِي الرِّوَايَةِ، وَفِي الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ: عَدْلَيْ شَهَادَةٍ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الِاكْتِفَاءُ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ؛ ذَكَرَهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَلَا كَوْنُ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ لِلْقَاضِي بَلْ يَكْفِي فِي الْوُجُوبِ عَلَى الْأَبِ مُجَرَّدُ إخْبَارِ الْعَدْلِ بِالِاحْتِيَاجِ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَيْسَ فِي مَحَارِمِهِ " أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَحَارِمِ ذِي الْجُنُونِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: " وَمُؤْنَةُ النِّكَاحِ إلَخْ " حَالٌ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ بِاحْتِيَاجِهِ " أَيْ ذِي الْجُنُونِ لِلْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهَا خِدْمَةُ الزَّوْجِ وَأَنَّهَا لَوْ وَعَدَتْ بِذَلِكَ قَدْ لَا تَفِي بِهِ، إلَّا أَنَّ دَاعِيَةَ طَبْعِهَا وَمُسَامَحَتِهَا بِهِ غَالِبًا تَقْتَضِي ذَلِكَ فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ بَلْ أَكْثَرُهُنَّ يَعُدُّ تَرْكَهُ رُعُونَةً وَحُمْقًا.
وَقَوْلُهُ: " وَمُؤْنَةُ النِّكَاحِ أَخَفُّ " أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مُؤْنَةَ النِّكَاحِ أَخَفُّ، فَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةً أَوْ مُسَاوِيَةً سَقَطَ الْوُجُوبُ، وَخُيِّرَ فِي الْمُسَاوَاةِ.
وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُمَا " مَفْهُومٌ قَوْلُهُ مُطْبِقٌ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِفَاقَةَ وَإِنْ قَلَّتْ بِحَيْثُ وَسِعَتْ صِيغَةَ النِّكَاحِ مُعْتَبَرَةٌ.
وَقَوْلُهُ: " حَتَّى يُفِيقَا وَيَأْذَنَا " مَفْهُومُهُ أَنَّهُمَا لَا يُزَوَّجَانِ مَا دَامَا مَجْنُونَيْنِ وَإِنْ أَضَرَّهُمَا عَدَمُ التَّزْوِيجِ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى التَّضَرُّرِ وَعَدَمِهِ كَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ ذَكَرَهُ ع ش. وَبِعَوْدِ جُنُونِهِمَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ.
وَفَارَقَا الْمُحْرَمَ بِبَقَاءِ الْأَهْلِيَّةِ فِيهِ دُونَهُمَا وَالْمُرَادُ بِإِذْنِ الذَّكَرِ مُبَاشَرَتُهُ لِلْعَقْدِ أَوْ تَوْكِيلُهُ فِيهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ حُكْمَ تَزْوِيجِهِ حِينَئِذٍ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ لَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِهِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ إلَى النِّكَاحِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ أَيْضًا فَحَرِّرْ ذَلِكَ وَانْظُرْ نَقْلًا صَرِيحًا.
قَوْلُهُ: (إذَا دَعَتْ) قَيْدٌ وَبَالِغَةً قَيْدٌ وَعَاقِلَةً قَيْدٌ إلَى كُفْءٍ قَيْدٌ، أَيْ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عَضْلُهُ عِنْدَ الْقَاضِي إمَّا بِامْتِنَاعِهِ مِنْ التَّزْوِيجِ بَعْدَ أَمْرِ الْقَاضِي لَهُ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعَضْلِهِ.

سَفِيهَةً إلَى كُفْءٍ.
وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ مِنْ تَزْوِيجِهِ، وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفُؤًا وَأَرَادَ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ الْمُجْبِرُ كُفُؤًا غَيْرَهُ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ نَظَرًا مِنْهَا.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْخِطْبَةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْتِمَاسُ الْخَاطِبِ النِّكَاحَ مِنْ جِهَةِ الْمَخْطُوبَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِطْبَةِ) امْرَأَةٍ (مُعْتَدَّةٍ) بَائِنًا كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ انْفِسَاخٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ مُعْتَدَّةٍ عَنْ شُبْهَةٍ لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235] الْآيَةُ.
وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّصْرِيحُ مَا يَقْطَعُ بِالرَّغْبَةِ فِي النِّكَاحِ كَأُرِيدُ أَنْ أَنْكِحَك، وَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُك نَكَحْتُك؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَرَّحَ تَحَقَّقَتْ رَغْبَتُهُ فِيهَا فَرُبَّمَا تَكْذِبُ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.

وَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضٌ لِرَجْعِيَّةٍ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ أَوْ فِي مَعْنَى الزَّوْجَةِ، وَلِأَنَّهَا مَجْفُوَّةٌ بِالطَّلَاقِ فَقَدْ تَكْذِبُ انْتِقَامًا.
وَالتَّعْرِيضُ يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ وَعَدَمَهَا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ جَمِيلَةٌ.
وَرُبَّ رَاغِبٍ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَرَعَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْخِطْبَةِ) وَلَهَا حُكْمُ النِّكَاحِ مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَكَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، فَإِنْ اُسْتُحِبَّ اُسْتُحِبَّتْ وَإِنْ كُرِهَ كُرِهَتْ ز ي. قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْتِمَاسُ الْخَاطِبِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ هَذَا مَعْنَاهَا شَرْعًا، أَمَّا فِي اللُّغَةِ فَمَأْخُوذَةٌ مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ أَوْ مِنْ الْخَطْبِ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ أَوْ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ وَمِثْلُ الِالْتِمَاسِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا، وَهِيَ التَّصْرِيحُ إذَا كَانَتْ مَعَ قَرِينَةِ تَزْوِيجِهَا.
وَالْخِطْبَةُ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ شَرْعِيٍّ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ السُّيُوطِيّ، قَالَ: وَإِنْ تُخُيِّلَ كَوْنُهَا عَقْدًا فَلَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ جَائِزٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ قَطْعًا كَمَا فِي سم عَلَى حَجّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِهَةِ الْمَخْطُوبَةِ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِيَشْمَلَ الْمَخْطُوبَةَ وَوَلِيَّ الْمَخْطُوبَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَرِّحَ إلَخْ) فَيَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا، وَكَذَا مَا بَعْدَهَا أَيْ إنْ وَقَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فَسْخٍ) بِعَيْبٍ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ انْفِسَاخٍ) كَأَنْ أَرْضَعَتْ كُبْرَى زَوْجَتَيْهِ صُغْرَاهُمَا أَوْ بِأَنْ ارْتَدَّ أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَجْمَعْهُمَا الْإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ.
قَوْلُهُ: لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنَاحَ﴾ [البقرة: 235] أَيْ لَا إثْمَ عَلَيْكُمْ وَقَوْلُهُ: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ [البقرة: 235] فَمَفْهُومُ قَوْلِهِ عَرَّضْتُمْ أَنَّ مَا صَرَّحْتُمْ بِهِ حَرَامٌ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: حِكْمَتُهُ أَنَّ فِي الْمَرْأَةِ مِنْ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ وَالرَّغْبَةِ فِي الْأَزْوَاجِ مَا قَدْ يَدْعُوهَا إلَى الْإِخْبَارِ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا كَاذِبَةً فَلِذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ التَّصْرِيحَ بِخِطْبَتِهَا اهـ دَمِيرِيٌّ أج.
قَوْلُهُ: (أَنْ أَنْكِحَك) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُرِيدُ نِكَاحَهَا لِنَفْسِهِ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَكَحَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ يَنْكِحُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ نِكَاحًا، ثُمَّ قَالَ: وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ إلَى ثَانٍ فَيُقَالُ أَنْكَحْتُك الْمَرْأَةَ الرَّجُلَ؛ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ [القصص: 27] فَهُوَ مِنْ أَنْكَحَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ إلَى اثْنَيْنِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي صَحِيحٌ خِلَافًا لِمَنْ اعْتَرَضَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ إذَا صَرَّحَ إلَخْ) هَذَا حِكْمَةٌ لَا عِلَّةٌ فَلَا يَرُدُّ مَا إذَا عَلِمَ ابْتِدَاءَ الْعِدَّةِ وَانْتِهَاءَهَا كَعِدَّةِ الْوَفَاةِ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: وَوَاضِحٌ أَنَّ هَذِهِ حِكْمَةٌ فَلَا تُرَدُّ الْمُعْتَدَّةُ بِالْأَشْهُرِ إذَا أَمِنَ كَذِبَهَا إذَا عَلِمَ وَقْتَ فِرَاقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ) وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ وَمِثْلُ التَّعْرِيضِ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا، قَالَ ق ل: وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ أَيْ إنْ وَقَعَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ، وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ خِطْبَةُ خَامِسَةٍ وَأُخْتُ زَوْجَتِهِ إذَا عَزَمَ عَلَى إزَالَةِ الْمَانِعِ عِنْدَ الْإِجَابَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ شَوْبَرِيٌّ.
وَلَوْ خَطَبَ خَمْسًا دُفْعَةً أَوْ مُرَتَّبًا وَأُجِيبَ صَرِيحًا حَرُمَتْ خِطْبَةُ إحْدَاهُنَّ فَيَنْكِحُ أَرْبَعَةً مِنْهُنَّ أَوْ يَتْرُكُهُنَّ اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ، فَانْظُرْ وَجْهَ التَّرْدِيدِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
ثُمَّ رَأَيْت لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ أَوْ فِي مَعْنَى الزَّوْجَةِ إلَخْ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فِي التَّعْبِيرِ أَيْ أَنْتَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تُعَبِّرَ بِهَذَا أَوْ بِهَذَا.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهَا مَجْفُوَّةٌ) أَيْ مَطْرُودَةٌ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَفَوْت الرَّجُلَ أَجْفُوهُ أَعْرَضْت عَنْهُ أَوْ طَرَدْته.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْرِيضُ مَا يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ إلَخْ) فَهُوَ مِنْ الْكِنَايَةِ وَكَوْنُ الْكِنَايَةِ أَبْلَغَ مِنْ الصَّرِيحِ بِاتِّفَاقِ الْبُلَغَاءِ وَغَيْرِهِمْ إنَّمَا هُوَ لِمَلْحَظٍ يُنَاسِبُ تَدْقِيقَهُمْ الَّذِي لَا يُرَاعِيهِ الْفَقِيهُ، وَإِنَّمَا يُرَاعِي مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّخَاطُبُ الْعُرْفِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ افْتَرَقَ الصَّرِيحُ هُنَا وَثَمَّ اهـ

فِيك وَمَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ؟ (وَيَجُوزُ أَنْ يُعَرِّضَ) لِغَيْرِ الرَّجْعِيَّةِ (بِنِكَاحِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ أَمْ بَائِنٍ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ رِدَّةٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلِانْقِطَاعِ سَلْطَنَةِ الزَّوْجِ عَنْهَا.
تَنْبِيهٌ: هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فِيهَا، أَمَّا هُوَ فَيَحِلُّ لَهُ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فِيهَا كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا أَوْ رَجْعِيًّا فَوَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ فِي الْعِدَّةِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ، فَإِنَّ عِدَّةَ الْحَمْلِ تُقَدَّمُ، وَلَا يَحِلُّ لِصَاحِبِ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ أَنْ يَخْطُبَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ.
وَحُكْمُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا حُكْمُ الْخِطْبَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ.

وَيَحْرُمُ عَلَى عَالِمٍ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةٍ جَائِزَةٍ مِمَّنْ صَرَّحَ بِإِجَابَتِهِ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ

[حاشية البجيرمي]

ابْنُ حَجَرٍ وم ر. وَقَوْلُهُ: " مَا يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ " أَيْ وَلَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى ذِكْرِ الْجِمَاعِ وَإِلَّا كَانَ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ عِنْدِي جِمَاعٌ يُرْضِي مَنْ جُومِعَتْ؛ قَالَهُ ح ل. قَالَ ع ش عَلَى م ر. وَمُقْتَضَاهُ حُرْمَتُهَا حِينَئِذٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ حَرَامٌ وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: 235] أَيْ نِكَاحًا فَالسِّرُّ كِنَايَةٌ عَنْ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُسَرُّ ثُمَّ عَبَّرَ بِالسِّرِّ الَّذِي هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْوَطْءِ عَنْ عَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبٌ فِي الْوَطْءِ، وَقِيلَ: هُوَ الزِّنَا كَانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ أَجْلِ الزِّنَا وَهُوَ يُعَرِّضُ بِالنِّكَاحِ وَيَقُولُ لَهَا دَعِينِي فَإِذَا أَوْفَيْتِي عِدَّتَك أَظْهَرْت نِكَاحَك.
قَوْلُهُ: (وَرُبَّ رَاغِبٍ فِيك) وَمِثْلُهُ إنِّي رَاغِبٌ فِيك وَإِنْ تُوُهِّمَ أَنَّهُ صَرِيحٌ بِحَسْبِ جَوْهَرِ اللَّفْظِ اهـ م ر. قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَجِدُ مِثْلَك) وَإِنِّي رَاغِبٌ فِيك، وَأَمَّا الْكِنَايَةُ وَهِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى الشَّيْءِ بِذِكْرِ لَازِمِهِ فَقَدْ تُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ الصَّرِيحُ فَتَحْرُمُ نَحْوُ أُرِيدُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْك نَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ وَأَتَلَذَّذَ بِك فَإِنْ حَذَفَ أَتَلَذَّذَ بِك لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا وَلَا تَعْرِيضًا ح ل. قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ الرَّجْعِيَّةِ) مِثْلُهَا زَوْجُهَا الْمُرْتَدُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعُودُ لِلْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَلِانْقِطَاعِ سَلْطَنَةِ الزَّوْجِ إلَخْ) أَيْ مَعَ ضَعْفِ التَّعْرِيضِ، فَلَا يَرُدُّ أَنَّ السَّلْطَنَةَ أَيْضًا مُنْقَطِعَةٌ مَعَ التَّصْرِيحِ.
قَالَ أج: نَعَمْ إنْ فَحُشَ بِأَنْ اشْتَمَلَ عَلَى ذِكْرِ الْجِمَاعِ حَرُمَ لِفُحْشِهِ أَوْ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْجِمَاعِ تَصْرِيحٌ بِالْخِطْبَةِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا كُلُّهُ) أَيْ عَدَمُ جَوَازِ التَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ وَجَوَازِ التَّعْرِيضِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ صَاحِبِ الْعِدَّةِ) صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ صَاحِبِ الْعِدَّةِ بِالْمَرَّةِ أَوْ صَاحِبَ عِدَّةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ النِّكَاحُ، فَيُفَصَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ فَفِي الرَّجْعِيَّةِ يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا، وَفِي غَيْرِهَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ.
أَمَّا صَاحِبُ الْعِدَّةِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا كَأَنْ خَالَعَهَا وَشَرَعَتْ فِي الْعِدَّةِ فَيَجُوزُ لَهُ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ تَعْرِيضٌ وَلَا تَصْرِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ رَجْعَتُهَا.
وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ صَرِيحَةٌ فِي جَوَازِ نِكَاحِهَا لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ، فَيَجُوزُ لَهُ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْعَقْدِ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ الرَّجْعَةَ فَإِنَّهُ يَكُونُ كِنَايَةً فِي الرَّجْعَةِ فَإِنْ نَوَاهَا بِهِ حَصَلَتْ وَإِلَّا فَلَا تَحْصُلُ وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ الْمَذْكُورِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَحَمَلَتْ مِنْهُ إلَخْ) إنَّمَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِالْحَمْلِ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ فَإِنَّ عِدَّةَ الزَّوْجِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (لِصَاحِبِ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ أَنْ يَخْطُبَهَا) مُجْمَلٌ وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً امْتَنَعَ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا جَازَ التَّعْرِيضُ؛ لَكِنْ الْعَقْدُ يَكُونُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْوَضْعِ.
قَوْلُهُ: (وَحُكْمُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ إلَخْ) لَوْ قَالَ: وَحُكْمُ جَوَابِ الْخِطْبَةِ إلَخْ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْجَوَابَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَمِمَّنْ يَلِي نِكَاحَهَا.

قَوْلُهُ: (عَلَى عَالِمٍ) أَيْ بِالْخِطْبَةِ الْأُولَى وَبِجَوَازِهَا وَبِالْإِجَابَةِ فِيهَا بِالصَّرِيحِ ق ل. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ وَأَنْ لَا يَحْصُلَ إعْرَاضٌ وَأَنْ يَكُونَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ مُحْتَرَمًا.
قَوْلُهُ: (جَائِزَةٍ) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً، خَرَجَ بِذَلِكَ غَيْرُ الْجَائِزَةِ كَأَنْ خَطَبَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: وَتَحْرُمُ عَلَى عَالِمٍ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةٍ جَائِزَةٍ مِمَّنْ صَرَّحَ بِإِجَابَتِهِ إلَّا بِإِعْرَاضٍ بِإِذْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْخَاطِبِ أَوْ الْمُجِيبِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْأَوَّلُ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا مُحْتَرَمًا.

بِإِذْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْخَاطِبِ أَوْ الْمُجِيبِ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ» وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ.
وَيَجِبُ ذِكْرُ عُيُوبِ مَنْ أُرِيدَ اجْتِمَاعٌ عَلَيْهِ لِمُنَاكَحَةٍ أَوْ نَحْوِهَا كَمُعَامَلَةٍ، وَأَخْذُ عِلْمٍ لِمُرِيدِهِ لِيُحْذَرَ بَذْلًا لِلنَّصِيحَةِ سَوَاءٌ اُسْتُشِيرَ الذَّاكِرُ فِيهِ أَمْ لَا، فَإِنْ انْدَفَعَ بِدُونِهِ

[حاشية البجيرمي]

وَقَوْلُهُ: " عَلَى عَالِمٍ " أَيْ بِالْخِطْبَةِ وَبِالْإِجَابَةِ وَبِصَرَاحَتِهَا وَبِحُرْمَةِ الْخِطْبَةِ عَلَى الْخِطْبَةِ مِنْ ذَكَرٍ، وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ خِطْبَةً أَوْ لَمْ يُجِبْ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ أَوْ أُجِيبَ تَعْرِيضًا مُطْلَقًا أَوْ تَصْرِيحًا، وَلَمْ يَعْلَمْ الثَّانِي بِالْخِطْبَةِ أَوْ عَلِمَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْإِجَابَةِ أَوْ عَلِمَ بِهَا وَلَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهَا بِالصَّرِيحِ أَوْ عَلِمَ كَوْنَهَا بِالصَّرِيحِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْحُرْمَةِ أَوْ عَلِمَ بِهَا وَحَصَلَ إعْرَاضٌ مِمَّنْ ذَكَرَ أَوْ كَانَتْ الْخِطْبَةُ مُحَرَّمَةً كَأَنْ خَطَبَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ فَلَا تَحْرُمُ خِطْبَتُهُ إذْ لَا حَقَّ لِلْأَوَّلِ فِي الْأَخِيرَةِ وَلِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ فِي الْبَقِيَّةِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي التَّحْرِيمِ أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ وَمِنْ وَلِيِّهَا الْمُجْبِرِ إنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً وَمِنْهَا مَعَ الْوَلِيِّ إنْ كَانَ الْخَاطِبُ غَيْرَ كُفْءٍ وَمِنْ السَّيِّدِ إنْ كَانَتْ أَمَةً غَيْرَ مُكَاتَبَةٍ وَمِنْهُ مَعَ الْأَمَةِ إنْ كَانَتْ وَمَعَ الْمُبَعَّضَةِ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ وَإِلَّا فَمَعَ وَلِيِّهَا وَمِنْ السُّلْطَانِ إنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً بَالِغَةً وَلَا أَبَ وَلَا جَدَّ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَهِيَ مُوَفِّيَةٌ عَنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَقَوْلُهُ عَلَى عَالِمٍ جُمْلَةُ الْقُيُودِ تِسْعَةٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى عَالِمٍ تَحْتَهُ أَرْبَعَةٌ وَقَوْلُهُ خِطْبَةٌ قَيْدٌ.
وَقَوْلُهُ جَائِزَةٍ قَيْدٌ آخَرُ، وَصَرَّحَ قَيْدٌ وَبِإِجَابَتِهِ قَيْدٌ.
وَقَوْلُهُ إلَّا بِإِعْرَاضٍ قَيْدٌ آخَرُ، فَالْجُمْلَةُ مَا ذَكَرَ وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُهُ إلَّا بِإِعْرَاضٍ قَيْدًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ عَدَمِ الْإِعْرَاضِ.
وَقَوْلُهُ مِمَّنْ صَرَّحَ بِإِجَابَتِهِ صِفَةٌ لِخِطْبَةٍ أَيْ وَاقِعَةٍ مِمَّنْ صَرَّحَ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ فِي رَضِيتُك زَوْجًا أَنَّهُ تَعْرِيضٌ فَقَطْ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَسُئِلَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ عَمَّنْ خَطَبَ امْرَأَةً ثُمَّ رَغِبَتْ عَنْهُ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا هَلْ يَرْتَفِعُ التَّحْرِيمُ عَمَّنْ يُرِيدُ خِطْبَتَهَا وَهَلْ هُوَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُ الْخِطْبَةِ عَلَى الْغَيْرِ بِالرَّغْبَةِ عَنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضُوا لِمَا إذَا سَكَتُوا أَوْ رَغِبَ الْخَاطِبُ، وَمَا بَحَثَهُ مِنْ ارْتِفَاعِ التَّحْرِيمِ عَنْهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ بِإِذْنٍ مِنْ الْخَاطِبِ أَوْ الْمُجِيبِ.
اهـ. سم عَلَى حَجّ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ لَمْ تَحْصُلْ الْمَخْطُوبَةُ لِلْخَاطِبِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ أَوْ بِمَوْتِهَا رَجَعَ بِمَا دَفَعَهُ وَلَوْ نَحْوَ طَعَامٍ.
اهـ. ق ل. وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ نَحْوَ طَعَامٍ " رَدٌّ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ فِي الطَّعَامِ وَيَرْجِعُ فِي الْمَالِ اهـ. قَوْلُهُ: (لَا يَخْطُبُ) بِضَمِّ الطَّاءِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لَا نَاهِيَةً وَنَافِيَةً فَعَلَى الْأَوَّلِ يَخْطُب بِكَسْرِ الْبَاءِ وَعَلَى الثَّانِي بِضَمِّهَا فَلْتُرَاجَعْ الرِّوَايَةُ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) ذِكْرُ الْأَخِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَلِأَنَّهُ أَسْرَعُ امْتِثَالًا أَيْ فِي أَنْ يَمْتَثِلَ لِأَجْلِهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ) أَيْ أَوْ الْوَلِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ) فِيهِ إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ لِلْإِيضَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ) أَيْ النَّهْيِ أَوْ النَّفْيِ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ.
قَوْلُهُ: (مَا فِيهِ) أَيْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ ذِكْرُ إلَخْ) أَيْ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِالْعُيُوبِ وَعَلِمَ سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ.
وَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَتَزَوَّجُ أَبَا جَهْمٍ أَمْ مُعَاوِيَةَ؟ فَقَالَ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَضْرِبُ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ أَيْ لَا يُؤْمَنُ مِنْ ضَرْبِهِ وَهَذَا مِنْ النَّصِيحَةِ: «وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ» أَيْ لَا مَالَ مَعَهُ، وَقِلَّةُ الْمَالِ عَيْبٌ عُرْفِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ.
قَوْلُهُ: (ذِكْرُ عُيُوبِ) مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ، وَالْمُرَادُ الْعُيُوبُ الشَّرْعِيَّةُ وَكَذَا الْعُرْفِيَّةُ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ: «وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ» وَهَذَا أَحَدُ أَنْوَاعِ الْغِيبَةِ الْجَائِزَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي النَّظْمِ، قَالَ الْبَارِزِيُّ: وَلَوْ اُسْتُشِيرَ فِي أَمْرِ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ فِيهِ وَجَبَ ذِكْرُهُ لِلزَّوْجَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا يُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ فِيهِ، وَلَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ كَسُوءِ الْخُلُقِ وَالشُّحِّ اُسْتُحِبَّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَاصِي وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ فِي الْحَالِ وَسِتْرُ نَفْسِهِ وَلَا يَذْكُرُهُ، وَإِنْ اُسْتُشِيرَ فِي وِلَايَةٍ فَإِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ عَدَمَ الْكَفَاءَةِ أَوْ الْخِيَانَةَ وَأَنَّ نَفْسَهُ لَا تُطَاوِعُهُ عَلَى تَرْكِهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ أَوْ يَقُولَ لَسْت أَهْلًا لِلْوِلَايَةِ اهـ. وَوُجُوبُ التَّفْصِيلِ بَعِيدٌ وَالْأَوْجَهُ دَفْعُ ذَلِكَ بِنَحْوِ أَنَا لَا أَصْلُحُ لَكُمْ.
قَوْلُهُ: (لِمُرِيدِهِ) أَيْ مُرِيدِ الِاجْتِمَاعِ.
قَوْلُهُ: (لِيُحْذَرَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ مُتَعَلِّقٌ بِذِكْرِ وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِمُرِيدِهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَلَامُهُ لِلتَّعْدِيَةِ،

بِأَنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذِكْرِهَا أَوْ اُحْتِيجَ إلَى ذِكْرِ بَعْضِهَا حَرُمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْهَا فِي الْأَوَّلِ وَشَيْءٍ مِنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ فِي الثَّانِي.
قَالَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ: وَالْغِيبَةُ تُبَاحُ لِسِتَّةِ أَسْبَابٍ وَذَكَرَهَا، وَجَمَعَهَا غَيْرُهُ فِي هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ: لَقَبٌ وَمُسْتَفْتٍ وَفِسْقٌ ظَاهِرٌ ... وَالظُّلْمُ تَحْذِيرُ مُزِيلِ الْمُنْكِرِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَظَاهِرُ بِالْمَعْصِيَةِ عَالِمًا يُقْتَدَى بِهِ، فَتُمْنَعُ غِيبَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إذَا اطَّلَعُوا عَلَى زَلَّتِهِ تَسَاهَلُوا فِي ارْتِكَابِ الذَّنْبِ انْتَهَى.
وَسُنَّ خُطْبَةٌ بِضَمِّ الْخَاءِ قَبْلَ خِطْبَةٍ بِكَسْرِهَا.

[حاشية البجيرمي]

وَقَوْلُهُ بَذْلًا لِلنَّصِيحَةِ عِلَّةٌ لِيَجِبَ.
قَوْلُهُ: (لَقَبٌ) بِأَنْ اُشْتُهِرَ بِلَقَبٍ يَكْرَهُهُ كَالْأَعْمَشِ، فَيُذْكَرُ بِهِ لِتَعْرِيفِهِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّنْقِيصِ وَإِنْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِهِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَمُسْتَفْتٍ) بِأَنْ ذَكَرَ وَحَالَ خَصْمِهِ مَعَ تَعْيِينِهِ لِلْمُفْتِي وَإِنْ أَغْنَى إجْمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي التَّعْيِينِ فَائِدَةٌ شَرْحُ م ر؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَجْمَلَهُ لَرُبَّمَا كَانَ لَهُ فِي الْمَالِ الْمَسْرُوقِ شُبْهَةٌ كَأَبِيهِ وَشَرِيكِهِ فِيهِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُقْتَضَى السَّرِقَةِ مِنْ الْقَطْعِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَفِسْقٌ ظَاهِرٌ) أَيْ أَنَّ غِيبَةَ الْفَاسِقِ تُبَاحُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ؛ الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَجَاهَرَ بِحَيْثُ لَا يُبَالِي مِنْ اطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَهُ بِمَا يَتَجَاهَرُ بِهِ فَقَطْ حَتَّى لَوْ ذَكَرَهُ بِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ كَانَ غِيبَةً مُحَرَّمَةً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لِأَجْلِ نُصْحِ النَّاسِ وَتَبَاعُدِهِمْ عَنْهُ لَا لِحَظِّ نَفْسِهِ وَلَا لِكَرَاهِيَةٍ فِيهِ وَلَا لِازْدِرَائِهِ وَتَنْقِيصِهِ وَإِلَّا كَانَ غِيبَةً مُحَرَّمَةً شَيْخُنَا الْحَفْنَاوِيُّ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَمُجَاهَرَةٌ بِفِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ بِأَنْ لَمْ يُبَالِ مَا يُقَالُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ لِخَلْعِهِ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ فَسَقَطَتْ حُرْمَتُهُ لَكِنْ لَا يُذْكَرُ بِغَيْرِ مَا تَجَاهَرَ بِهِ اهـ، بِأَنْ تَجَاهَرَ بِالْمَكْسِ فَيُقَالُ فُلَانٌ مَكَّاسٌ أَوْ تَجَاهَرَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَيُقَالُ فُلَانٌ شَارِبُ الْخَمْرِ.
قَوْلُهُ: (وَالظُّلْمُ) أَيْ التَّظَلُّمُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ م ر أَيْ التَّظَلُّمُ لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إنْصَافِهِ م ر، بِأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ فُلَانٌ ظَلَمَنِي وَأَخَذَ مِنِّي كَذَا، وَقَوْلُهُ تَحْذِيرٌ هُوَ مَا نَحْنُ فِيهِ بِأَنْ يَذْكُرَ عُيُوبَ مَنْ أُرِيدَ اجْتِمَاعٌ عَلَيْهِ لِيُحْذَرَ، وَقَوْلُهُ مُزِيلِ الْمُنْكَرِ بِأَنْ يَقُولَ لِشَخْصٍ يَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ الْمُنْكَرِ فُلَانٌ يَزْنِي الْآنَ بِامْرَأَةٍ أَوْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَمُرَادُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ شَيْخُنَا.
وَلِبَعْضِهِمْ؛ الْقَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرَّفٍ وَمُحَذَّرِ وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ ... طَلَبَ الْإِعَانَةَ فِي إزَالَةِ مُنْكَرِ قَوْلُهُ: (قَالَ الْغَزَالِيُّ إلَخْ) فِيهِ تَدَافُعٌ إذْ الْمُتَظَاهِرُ بِالْمَعْصِيَةِ لَا تَخْفَى عُيُوبُهُ عَنْ النَّاسِ.
اهـ. ق ل. وَالْغَزَالِيُّ بِفَتْحِ الزَّايِ مُخَفَّفَةٌ وَمُشَدَّدَةٌ.
قَوْلُهُ: (الْمُتَظَاهِرُ بِالْمَعْصِيَةِ) فِي نُسْخَةٍ الْمُتَجَاهِرُ وَلَوْ أَنْفَقَ نَفَقَةً عَلَى مَخْطُوبَةٍ وَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَكَانَ التَّرْكُ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا أَوْ بِالْمَوْتِ لَهُ أَوْ لَهَا رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَهُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ، وَلَوْ أَنْفَقَ عَلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ لِأَجْلِ الدُّخُولِ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَهُ أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَهُ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ الْهَدِيَّةَ لَا لِأَجْلِ تَزَوُّجِهِ بِهَا بِأَنْ أَطْلَقَ أَوْ قَصَدَ الْهَدِيَّةَ لِأَجْلِ تَزَوُّجِهِ بِهَا فَيَرْجِعُ فِيهِمَا، فَإِنْ قَصَدَ الْهَدِيَّةَ لَا لِأَجْلِ تَزَوُّجِهِ بِهَا فَلَا رُجُوعَ.
اهـ. م د. وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: فَرْعٌ: دَفَعَ الْخَاطِبُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ وَلِيِّهِ شَيْئًا مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ أَوْ نَقْدٍ أَوْ مَلْبُوسٍ لِمَخْطُوبَتِهِ أَوْ وَلِيِّهَا ثُمَّ حَصَلَ إعْرَاضٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ مَوْتٌ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا رَجَعَ الدَّافِعُ أَوْ وَارِثُهُ بِجَمِيعِ مَا دَفَعَهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا، وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ مَاتَا وَلَا رُجُوعَ بَعْدَ الدُّخُولِ مُطْلَقًا انْتَهَى؛ وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ م ر. قَوْلُهُ: (وَسُنَّ خُطْبَةٌ بِضَمِّ الْخَاءِ) وَهِيَ كَلَامٌ مُفْتَتَحٌ بِحَمْدٍ مُخْتَتَمٍ بِوَعْظٍ وَدُعَاءٍ؛ زِيَادِيٌّ.
فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى الْخَاطِبُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَقُولُ: جِئْتُكُمْ خَاطِبًا كَرِيمَتَكُمْ أَوْ فَتَاتَكُمْ وَيَخْطُبُ الْوَلِيُّ كَذَلِكَ، ثُمَّ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل