مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
يَدِهِ لَا غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ، أَمَّا إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ بِأَنْ قَصَدَ نَقْلَ الْمَاءِ مِنْ الْإِنَاءِ وَالْغُسْلَ بِهِ خَارِجَهُ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا (وَ) مِثْلُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمَاءُ (الْمُتَغَيِّرُ) طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ (بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (خَالَطَهُ مِنْ) الْأَعْيَانِ (الطَّاهِرَاتِ) الَّتِي لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا الْمُسْتَغْنَى عَنْهَا كَمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ وَمَاءِ شَجَرٍ وَمَنِيٍّ وَمِلْحٍ جَبَلِيٍّ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَاءً، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً أَوْ وَكَّلَ فِي شِرَائِهِ فَشَرِبَ ذَلِكَ أَوْ اشْتَرَاهُ وَكِيلُهُ لَمْ
[حاشية البجيرمي]
ق ل. قَوْلُهُ: (أَجْزَأَهُ) أَيْ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَدْخَلَ إحْدَى يَدَيْهِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ، أَمَّا لَوْ أَدْخَلَهُمَا مَعًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِمَا فِيهِمَا بَاقِيَ إحْدَاهُمَا وَلَا بَاقِيَهُمَا، وَذَلِكَ لِرَفْعِ الْمَاءِ حَدَثَ الْكَفَّيْنِ فَمَتَى غَسَلَ بَاقِيَ إحْدَاهُمَا فَقَدْ انْفَصَلَ مَا غَسَلَ بِهِ عَنْ الْأُخْرَى وَذَلِكَ يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا، وَمِنْهُ يُعْلَمُ وُضُوحُ مَا ذَكَرَهُ سم فِي شَرْحِهِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ مِنْ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ نِيَّةُ الِاغْتِرَافِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ بِأَنْ يَقْصِدَ أَنَّ الْيَدَ الْيُسْرَى مُعِينَةٌ لِلْيُمْنَى فِي أَخْذِ الْمَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ ارْتَفَعَ حَدَثُ الْكَفَّيْنِ مَعًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ سَاعِدَ إحْدَاهُمَا بَلْ يَصُبَّهُ ثُمَّ يَأْخُذَ غَيْرَهُ لِغَسْلِ السَّاعِدِ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ إفْتَاءِ م ر مَا يُخَالِفُهُ وَأَنَّ الْيَدَيْنِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ فَمَا فِي الْكَفَّيْنِ إذَا غَسَلَ بِهِ السَّاعِدَ لَا يُعَدُّ مُنْفَصِلًا عَنْ الْعُضْوِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
وَمِثْلُ الْحَنَفِيَّةِ الْوُضُوءُ بِالصَّبِّ مِنْ إبْرِيقٍ أَوْ نَحْوِهِ ع ش، وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ م ر.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ إلَخْ) وَمَحَلُّ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ بَعْدَ نِيَّةِ الْغَسْلِ فِي الْغَسْلِ وَقَبْلَ مَسِّ الْمَاءِ، وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ كَوْنُهَا بَعْدَ نِيَّةِ الْغَسْلِ إذْ لَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْغَسْلِ إلَّا مَعَ مَسِّ الْمَاءِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ نَوَى الْغَسْلَ قَبْلَ الْمَسِّ وَلَكِنْ اسْتَصْحَبَهَا عِنْدَ الْمَسِّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ قَصَدَ نَقْلَ إلَخْ) أَيْ قَبْلَ مَسِّ الْمَاءِ فَلْيَحْذَرْ خِلَافَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَلَطٌ سم وَمَرْحُومِيٌّ وَفِي ع ش عَلَى م ر: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الِاغْتِرَافِ عِنْدَ أَوَّلِ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ، فَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَلَا أَثَرَ لَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ ذَكَرَ خِلَافَ ذَلِكَ.
اهـ. سم عَلَى الْبَهْجَةِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
قُلْت: وَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَتْ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهَا عِنْدَ الِاغْتِرَافِ اهـ بِالْحَرْفِ.
ثُمَّ قَالَ سم: وَفِي الْجُنُبِ بَعْدَ نِيَّتِهِ لِأَنَّ بَدَنَهُ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا نَوَى غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ نِيَّةُ الِاغْتِرَافِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ يَدُهُ فِي الْمَاءِ، وَلَوْ اغْتَرَفَ لِنَحْوِ الْمَضْمَضَةِ وَغَسَلَ يَدَهُ خَارِجَ الْإِنَاءِ بِالْمَاءِ الَّذِي اغْتَرَفَهُ بِنِيَّةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ نِيَّةُ الِاغْتِرَافِ، وَلَوْ غَرَفَ الْمَاءَ أَوَّلًا ثُمَّ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ ارْتَفَعَتْ عَنْ كَفَّيْهِ وَلَمْ يَضُرَّ إدْخَالُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ) أَيْ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ طَهُورٍ، إذْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُتَغَيِّرُ عَطْفٌ عَلَى الْمُسْتَعْمَلِ وَالشَّارِحُ غَيَّرَ إعْرَابَ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ: وَمِثْلُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا حَاجَةَ لَهُ وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَتْنَ لِبَقَائِهِ عَلَى رَفْعِهِ.
قَوْلُهُ: (طَعْمُهُ إلَخْ) خَرَجَ التَّغَيُّرُ بِالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ فَلَا يَضُرُّ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ خَالَطَهُ قَيْدٌ أَوَّلٌ وَالطَّاهِرَاتُ قَيْدٌ ثَانٍ وَالْمُسْتَغْنَى عَنْهَا ثَالِثٌ وَيَمْنَعُ إطْلَاقَ إلَخْ رَابِعٌ، وَيَنْبَغِي زِيَادَةُ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ يَقِينًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِشَيْءٍ) خَرَجَ الْمُتَغَيِّرُ بِطُولِ الْمُكْثِ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مَا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَوْ مَصْدَرِيَّةً أَيْ بِاَلَّذِي خَالَطَهُ أَوْ بِمُخَالَطَةِ الطَّاهِرَاتِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَعْيَانِ) خَرَجَ الرَّوَائِحُ كَالْبَخُورِ ق ل. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الرَّوَائِحَ مِنْ الْمُخَالِطَاتِ، وَفِي ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهَا مِنْ الْمُجَاوِرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا) تَفْسِيرٌ لِكَوْنِهَا مُخَالِطَةً.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَغْنَى عَنْهَا) شَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ طُرِحَ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ عَلَى مَاءٍ غَيْرِ مُتَغَيِّرٍ فَتَغَيَّرَ بِهِ فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ لِاسْتِغْنَاءِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ خَلْطِهِ بِالْآخَرِ.
وَيُلْغَزُ بِهِ فَيُقَالُ: لَنَا مَاءَانِ يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِمَا انْفِرَادًا لَا اجْتِمَاعًا م ر. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِعَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ طَهُورٌ فَهُوَ كَالْمُتَغَيِّرِ بِالْمِلْحِ الْمَائِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمِلْحٍ جَبَلِيٍّ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ: (يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ إلَخْ) بِأَنْ يَحْدُثَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ اسْمٌ آخَرُ يَزُولُ بِهِ وَصْفُ الْإِطْلَاقِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَاءً مَا لَوْ قَالَ هَذَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ مُزِجَ بِغَيْرِهِ وَتَغَيَّرَ زِيَادَةً عَمَّا كَانَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْمَاءَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا شَرِبَهُ عَلَى حَالَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مُزِجَ بِسُكَّرٍ أَوْ نَحْوِهِ بِحَيْثُ تَغَيَّرَ كَثِيرًا، وَهَذَا التَّفْصِيلُ يُؤْخَذُ مِمَّا لَوْ حَلَفَ مُشِيرًا إلَى حِنْطَةٍ حَيْثُ فَرَّقُوا فِيهِ بَيْنَ مَا لَوْ قَالَ لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ، فَيَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ صُورَتِهَا فَصَارَتْ دَقِيقًا أَوْ خُبْزًا، وَمَا لَوْ قَالَ لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ
يَحْنَثْ وَلَمْ يَقَعْ الشِّرَاءُ لَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّغَيُّرُ حِسِّيًّا أَمْ تَقْدِيرِيًّا حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَائِعِ مَائِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَوْ قَدَّرْنَاهُ بِمُخَالِفٍ وَسَطٍ كَلَوْنِ الْعَصِيرِ وَطَعْمِ الرُّمَّانِ وَرِيحِ اللَّاذَنِ لِغَيْرِهِ ضَرَّ بِأَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ جَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا الْمُنَاسِبَ لِلْوَاقِعِ فِيهِ فَقَطْ، وَلَا يُقَدَّرُ بِالْأَشَدِّ كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَطَعْمِ الْخَلِّ وَرِيحِ الْمِسْكِ، بِخِلَافِ الْخَبَثِ لِغِلَظِهِ، أَمَّا الْمِلْحُ الْمَائِيُّ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ وَإِنْ كَثُرَ لِأَنَّهُ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْمَاءِ، وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ كَمَائِعٍ
[حاشية البجيرمي]
بِأَكْلِهِ مِنْهَا إذَا صَارَتْ دَقِيقًا أَوْ خُبْزًا لِزَوَالِ الِاسْمِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَشَرِبَ ذَلِكَ) أَيْ الْمُتَغَيِّرَ الْمَذْكُورَ وَلَوْ تَقْدِيرِيًّا، وَمِنْهُ الْمَمْزُوجُ بِالسُّكَّرِ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْنَثْ) لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ ق ل. وَمَحَلُّ عَدَمِ الْحِنْثِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُتَغَيِّرٌ.
اهـ. زِيَادِيٌّ.
قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ تَقْدِيرِيًّا وَوَافَقَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقَعْ الشِّرَاءُ لَهُ) أَيْ لِلْمُوَكِّلِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ مَا دَفَعَهُ لَهُ أَوْ لَا.
وَسَوَاءٌ أَنْقَدَهُ فِي الثَّمَنِ أَوْ لَا.
وَلَا يَقَعُ الشِّرَاءُ أَيْضًا لِلْوَكِيلِ إنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الثَّمَنِ، فَإِنْ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ نَقَدَ الثَّمَنَ أَوْ سَمَّى الْمُوَكِّلَ سم.
قَوْلُهُ: (حِسِّيًّا) أَيْ مُدْرَكًا بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَالْبَصَرُ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (كَلَوْنِ الْعَصِيرِ) أَيْ عَصِيرِ الْعِنَبِ أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ.
قَوْلُهُ: (اللَّاذَنِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِاللِّبَانِ الذَّكَرِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ) أَيْ جَوَازًا فَلَوْ هَجَمَ شَخْصٌ وَتَوَضَّأَ بِهِ كَانَ وُضُوءُهُ صَحِيحًا سم.
إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّغْيِيرِ وَظَاهِرُهُ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَاقِعُ نَجِسًا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ اهـ اج.
وَقَوْلُ سم: كَانَ وُضُوءُهُ صَحِيحًا لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ شَاكٌّ، وَالشَّكُّ لَا يُؤَثِّرُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ الْمُتَيَقَّنِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي مُغَيِّرِهِ هَلْ هُوَ مُخَالِطٌ أَوْ مُجَاوِرٌ أَوْ فِي كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ؟ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (جَمِيعُ هَذِهِ الصِّفَاتِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ تُعْرَضُ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِهَا ضَرَّ وَإِلَّا فَتُعْرَضُ أُخْرَى بَعْدَهَا وَهَكَذَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ بِمَجْمُوعِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثِ اهـ اج.
قَالَ سم: وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَغَيَّرَ مَاءُ الْقِرَبِ بِقَطَرَانِهَا لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ أَوْ مُخَالِطٌ فِي مَقَرِّ الْمَاءِ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَا الْمُنَاسِبَ لِلْوَاقِعِ فِيهِ فَقَطْ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى عَرْضِ الْمُنَاسِبِ لِلْوَاقِعِ فِي الْمَاءِ فَقَطْ كَأَنْ يَقْتَصِرَ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِلَاطِ مَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ عَلَى عَرْضِ مُغَيِّرِ الرِّيحِ كَمَاءِ وَرْدٍ لَهُ رِيحٌ ع ش، فَيُشْتَرَطُ عَرْضُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ لَهُ وُصِفَ فَقَطْ بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي النَّجِسِ لَا يُفْرَضُ إلَّا مَا يُوَافِقُ وَصْفَ الْوَاقِعِ اهـ ق ل وع ش. وَعَرْضُ مُغَيِّرِ الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ كَطَعْمِ الرُّمَّانِ وَلَوْنِ الْعَصِيرِ مَعَ أَنَّهُمَا مَوْجُودَانِ فِي مَاءِ الْوَرْدِ الْمَطْرُوحِ فِي الْمَاءِ، وَلَمْ يُغَيِّرَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يُغَيِّرَا فَكَيْفَ يَعْرِضُ غَيْرُهُمَا؟ لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِ سم يُعْتَبَرُ الْمُغَيِّرُ بِغَيْرِ الْجِنْسِ تَدَبَّرْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاقِعَ إنْ كَانَ مَفْقُودَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَلَا بُدَّ مِنْ عَرْضِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَفْقُودَ الْبَعْضِ كَمَاءِ وَرْدٍ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا طَعْمَ لَهُ وَلَا لَوْنَ لَهُ يُخَالِفُ لَوْنَ الْمَاءِ فَيُقَدَّرُ فِيهِ الطَّعْمُ وَاللَّوْنُ وَلَا يُقَدَّرُ الرِّيحُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِرِيحِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِ رِيحٍ غَيْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَاقِعُ لَهُ صِفَةً فِي الْأَصْلِ وَقَدْ فُقِدَتْ فَإِنْ كَانَ كَمَاءِ وَرْدٍ مُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَالرُّويَانِيِّ، فَالرُّويَانِيُّ يَقُولُ يُقَدَّرُ فِيهِ لَوْنُ الْعَصِيرِ وَطَعْمُ الرُّمَّانِ وَرِيحُ مَاءِ الْوَرْدِ، فَيُقَدَّرُ الْوَصْفُ الْمَفْقُودُ فِيهِ لَا رِيحَ اللَّاذَنِ، وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ يَقُولُ يُقَدَّرُ فِيهِ طَعْمُ الرُّمَّانِ وَلَوْنُ الْعَصِيرِ وَرِيحُ اللَّاذَنِ، وَلَا يُقَدَّرُ رِيحُ مَاءِ الْوَرْدِ لِفَقْدِهِ بِالْفِعْلِ، فَيَكُونُ مَاءُ الْوَرْدِ حِينَئِذٍ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ ابْنِ أَبِي عَصْرُونٍ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ كُلِّهِ بَيْنَ الطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ.
قَوْلُهُ: (لِغِلَظِهِ) فَيُقَدَّرُ بِالْأَشَدِّ كَمَا ذَكَرَ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ.
ثُمَّ إنْ وَافَقَهُ فِي الصِّفَاتِ قَدَّرْنَاهُ مُخَالِفًا أَشَدَّ فِيهَا كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَرِيحِ الْمِسْكِ وَطَعْمِ الْخَلِّ أَوْ فِي صِفَةٍ قَدَّرْنَاهُ مُخَالِفًا فِيهَا فَقَطْ، لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إذَا لَمْ يُغَيِّرْ فَلَا فَائِدَةَ فِي فَرْضِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمِلْحُ الْمَائِيُّ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ) أَيْ لِأَنَّ الْمِلْحَ الْمَائِيَّ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْمَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَهُوَ كَالْجَمَدِ أَيْ الثَّلْجِ، بِخِلَافِ الْجَبَلِيِّ فَإِنَّهُ خَلِيطٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ مِنْ الْمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ: أَمَّا الْمِلْحُ الْمَائِيُّ إلَخْ.
أَيْ إنْ لَمْ يَنْعَقِدْ مِنْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، وَإِلَّا كَانَ كَأَصْلِهِ فَيُقَدَّرُ حِينَئِذٍ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ هَكَذَا ظَهَرَ وَهُوَ الْوَجْهُ، وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ الْمِلْحُ مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ وَغَيَّرَ تَغَيُّرًا كَثِيرًا ضَرَّ وَعَلَيْهِ فَهَلْ الْعِبْرَةُ بِالتَّغَيُّرِ
فَيُفْرَضُ مُخَالِفًا وَسَطًا لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ لَا فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ، فَلَوْ ضُمَّ إلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ صَارَ طَهُورًا وَإِنْ أَثَّرَ فِي الْمَاءِ بِفَرْضِهِ مُخَالِفًا.
وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرٌ يَسِيرٌ بِطَاهِرٍ لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْمَاءِ عَنْهُ، وَلِبَقَاءِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّ تَغَيُّرَهُ كَثِيرٌ ثُمَّ شَكَّ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ الْآنَ يَسِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ لَمْ يُطَّهَّرْ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْحَالَيْنِ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرٌ بِمُكْثٍ وَإِنْ فَحُشَ التَّغَيُّرُ وَطِينٍ وَطُحْلُبٍ وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ كَكِبْرِيتٍ وَزِرْنِيخٍ وَنَوْرَةٍ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْمَاءِ عَنْ ذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ أَوْرَاقُ شَجَرٍ تَنَاثَرَتْ وَتَفَتَّتَتْ وَاخْتَلَطَتْ وَإِنْ كَانَتْ رَبِيعِيَّةً أَوْ بَعِيدَةً عَنْ الْمَاءِ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ
[حاشية البجيرمي]
بِصِفَةِ كَوْنِهِ مِلْحًا نَظَرًا لِصُورَتِهِ الْآنَ حَتَّى لَوْ غَيَّرَ بِهَا وَلَمْ يُغَيِّرْ لَوْ فُرِضَ عَصِيرًا مَثَلًا لِسَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ، أَوْ يَفْرِضُ مُخَالِفًا وَسَطًا نَظَرًا لِأَصْلِهِ فَلَا يُسْلَبُ فِيهِ نَظَرٌ؟ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّهُ دَقِيقٌ جِدًّا اهـ. وَقَوْلُهُ: نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ أَيْ فَيُقَدَّرُ مُخَالِفًا وَسَطًا، لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ يَقْذُرُ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ هُوَ التَّغَيُّرُ بِصِفَةِ كَوْنِهِ مِلْحًا فَإِنْ غَيَّرَ بِالْفِعْلِ ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا وَلَا يُقَدَّرُ مُخَالِفًا وَسَطًا نَظَرًا لِأَصْلِهِ وَهُوَ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ.
قَوْلُهُ: (لَا فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ) أَيْ لَا فِي حَالَةِ تَكْثِيرِ الْمَاءِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ بِأَنْ بَلَغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ فَلَا يُفْرَضُ مُخَالِفًا، لِأَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ لَا يَتَأَثَّرُ بِالِاسْتِعْمَالِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ ضُمَّ إلَى مَاءٍ قَلِيلٍ إلَخْ) وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَاءَ الْفَسَاقِي الْمُعَدَّةِ الْآنَ لِلْوُضُوءِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ مَثَلًا طَهُورٌ مَعَ كَثْرَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ الْوَاقِعِ فِيهَا بِكَثْرَةِ الْمُتَوَضِّئِينَ وَلَا نُقَدِّرُهُ مُخَالِفًا، وَمَا وَقَعَ فِي الرَّوْضَةِ سَهْوٌ أَوْ نِسْيَانٌ م د.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُطَهِّرْ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ أَيْ لَمْ يُطَهِّرْ شَيْئًا وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْحَالَيْنِ) هُمَا الشَّكُّ ابْتِدَاءً فِي كَثْرَةِ التَّغَيُّرِ، وَالشَّكُّ فِي بَقَاءِ التَّغَيُّرِ الْكَثِيرِ بَعْدَ زَوَالِ بَعْضِهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَوَّلِ عَدَمُ الْكَثْرَةِ، وَفِي الثَّانِي بَقَاءُ التَّغَيُّرِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْأَذْرَعِيُّ) وَخَالَفَهُ م ر وَقَالَ بِالطَّهَارَةِ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إلْحَاقًا لِلشَّكِّ فِي الدَّوَامِ بِالشَّكِّ فِي الِابْتِدَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرٌ بِمُكْثٍ) أَيْ بِسَبَبِهِ وَهُوَ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ مَصْدَرُ مَكَثَ بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِهَا أَقَامَ.
وَفِي الْمَصْدَرِ لُغَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ فَتْحُ الْكَافِ وَالْمِيمِ.
قِيلَ: وَقَدْ قُرِئَ بِهَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مَكَثٍ﴾ وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ وَلَا يَضُرُّ إلَخْ.
مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ السَّابِقِ يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ فَحُشَ التَّغَيُّرُ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ) أَيْ وَإِنْ كَثُرَ وَلَوْ مَصْنُوعًا، وَمِنْهُ الْقَطْرَانُ الَّذِي لَا دُهْنِيَّةَ فِيهِ إذَا دُبِغَ بِهِ الْقِرَبُ، وَمِنْهُ مَا يُصْنَعُ بِهِ الْفَسَاقِي وَالصَّهَارِيجُ مِنْ الْجِيرِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ وَضْعِ الْمَاءِ فِي جَرَّةٍ وُضِعَ فِيهَا أَوَّلًا نَحْوُ لَبَنٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ زَيْتٍ، ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَاءِ فَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ ع ش عَلَى م ر قَالَ سم: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْهُ التَّغَيُّرُ بِطُونُسَ السَّاقِيَةِ لِلْحَاجَةِ فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا فِي الْمَقَرِّ فَافْهَمْهُ، فَإِنَّهُ نَفِيسٌ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا فِي الْمَقَرِّ وَالْمَمَرِّ مَا كَانَ خِلْقِيًّا فِي الْأَرْضِ أَوْ مَصْنُوعًا فِيهَا بِحَيْثُ صَارَ يُشْبِهُ الْخِلْقِيَّ بِخِلَافِ الْمَصْنُوعِ فِيهَا لَا بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَسْتَغْنِي عَنْهُ اهـ.
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يَقَعُ مِنْ الْأَوْسَاخِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ أَرْجُلِ النَّاسِ مِنْ غَسْلِهَا فِي الْفَسَاقِي خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا.
وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا لَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ غَيْرَ الْمَمَرِّيَّةِ وَالْمَقَرِّيَّةِ، كَمَا أَفْتَى بِهِ وَالِدُ الشَّيْخِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تَنْفَصِلُ مِنْ أَبْدَانِ الْمُنْغَمِسِينَ فِي الْمَغَاطِسِ اهـ رَشِيدِيٌّ، فَعُلِمَ أَنَّ تَغَيُّرَ الْمَاءِ الْمَوْضُوعِ فِي الْأَوَانِي الَّتِي كَانَ فِيهَا الزَّيْتُ وَنَحْوُهُ لَا يَضُرُّ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ التَّغَيُّرَ بِهِ تَغَيُّرٌ بِمَا فِي الْمَقَرِّ أَوْ بِمَا لَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ، فَعِنْدَ ع ش تَغَيُّرٌ بِمَا فِي الْمَقَرِّ، وَعِنْدَ الرَّشِيدِيِّ تَغَيُّرٌ بِمَا لَا يَسْتَغْنِي الْمَاءُ عَنْهُ كَالْقَطْرَانِ الَّذِي فِي الْقِرَبِ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْمَاءِ عَنْهُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسْتَغْنَى عَنْهُ مَا لَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ رَبِيعِيَّةً) إنَّمَا كَانَتْ غَايَةً لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى رُطُوبَةٍ تَتَحَلَّلُ فِي الْمَاءِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنَّهَا شَدِيدَةُ الْيُبُوسَةِ فَلَا يَتَأَثَّرُ بِهَا الْمَاءُ.
اهـ. م د. وَقَالَ اج: أَخْذُ الرَّبِيعِيَّةِ وَالْبَعِيدَةِ
الْمَاءِ عَنْهَا، لَا إنْ طُرِحَتْ وَتَفَتَّتَتْ أَوْ أُخْرِجَ مِنْهُ الطُّحْلُبُ أَوْ الزِّرْنِيخُ وَدُقَّ نَاعِمًا وَأُلْقِيَ فِيهِ فَغَيَّرَهُ فَإِنَّهُ يَضُرُّ؛ أَوْ تَغَيَّرَ بِالثِّمَارِ السَّاقِطَةِ فِيهِ لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهَا غَالِبًا.
وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ الْمُخَالِطِ عَنْ الْمُجَاوِرِ الطَّاهِرِ كَعُودٍ وَدُهْنٍ وَلَوْ مُطَيَّبَيْنِ وَكَافُورٍ صُلْبٍ فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ لِإِمْكَانِ فَصْلِهِ وَبَقَاءِ اسْمِ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِتُرَابٍ وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا طُرِحَ
[حاشية البجيرمي]
غَايَةٌ إشَارَةً لِلْخِلَافِ فِيهِمَا حَيْثُ قِيلَ فِيهِمَا بِالضَّرَرِ.
قَوْلُهُ: (لَا إنْ طُرِحَتْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ تَنَاثَرَتْ.
قَوْلُهُ: (وَتَفَتَّتَتْ) أَيْ قَبْلَ الطَّرْحِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعِبَارَةُ م ر وَبِخِلَافِ طَرْحِ الْوَرَقِ الْمُتَفَتِّتِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ اهـ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَفَتِّتِ إذَا طُرِحَ ثُمَّ تَفَتَّتَ لَا يَضُرُّ، وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ فِيمَا يَضُرُّ وَرَقٌ طُرِحَ ثُمَّ تَفَتَّتَ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَدُقَّ نَاعِمًا) وَلَوْ أُلْقِيَ بِلَا دَقٍّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَتَفَتَّتْ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ، وَإِنْ تَفَتَّتَ ضَرَّ فَفِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ وَدُقَّ تَفْصِيلٌ هَذَا عَلَى مَا فِي شَرْحِ سم عَلَى الْكِتَابِ، لَكِنْ عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَابْنِ حَجَرٍ كَالشَّارِحِ، وَمَفْهُومُهَا أَنَّهُ إذَا طُرِحَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ دَقٍّ وَلَا تَفَتُّتٍ ثُمَّ تَفَتَّتَ وَغُيِّرَ لَا يَضُرُّ، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَوْرَاقِ الْمَطْرُوحَةِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ الضَّرَرُ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الطُّحْلُبَ لَمَّا كَانَ أَصْلُهُ مِنْ الْمَاءِ لَمْ يَضُرَّ، بِخِلَافِ الْأَوْرَاقِ أَوْ أَنَّ الطُّحْلُبَ أَبْعَدُ تَفَتُّتًا مِنْهَا اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَاحْتَرَزَ إلَخْ) صَرَّحَ فِي هَذَا بِلَفْظِ احْتَرَزَ لِأَنَّهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ الْقُيُودِ الَّتِي زَادَهَا هُوَ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِهَذَا الْعُنْوَانِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا فِي الْمَتْنِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ قَوْلَهُ كَابْنِ قَاسِمٍ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مِنْ الطَّاهِرَاتِ عَنْ الْمُتَغَيِّرِ بِنَجِسٍ، وَسَيَأْتِي لَكِنَّهُ اكْتَفَى بِقَوْلِهِ عَنْ الْمُجَاوِرِ الطَّاهِرِ.
قَوْلُهُ: (كَعُودٍ وَدُهْنٍ) وَكَذَا مَا فِيهِ دُهْنِيَّةٌ كَأَحَدِ نَوْعَيْ الْقَطْرَانِ.
وَمِنْ الْمُتَغَيِّرِ بِالْمُجَاوِرِ الْمُتَغَيِّرُ بِالْبَخُورِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا ح ل وم ر. وَفِي مُبَلَّاتِ الْكَتَّانِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ إنْ تَحَقَّقَ انْفِصَالُ عَيْنٍ مِنْهُ حَصَلَ بِهَا التَّغَيُّرُ كَثِيرًا ضَرَّ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْمَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا أَوْ يَكُونَ نَجِسًا، وَالطَّاهِرُ عَلَى قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِطًا أَوْ مُجَاوِرًا، وَالْأَوَّلُ عَلَى قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ الْمَاءُ عَنْهُ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِهِ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا ضَرَّ، وَتُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَوْرَاقُ إذَا تَنَاثَرَتْ بِنَفْسِهَا وَتَفَتَّتَتْ وَغَيَّرَتْ وَالْمِلْحُ الْمَائِيُّ وَالتُّرَابُ الطَّاهِرُ أَوْ الطَّهُورُ، وَإِنْ طُرِحَا فَلَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْمُجَاوِرُ عَلَى قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ تَتَحَلَّلَ مِنْهُ أَجْزَاءٌ تُمَازِجُ الْمَاءَ وَتُخَالِطُهُ كَالْمِشْمِشِ وَالزَّبِيبِ وَالْعِرْقِسُوسِ وَالْبَقَّمِ فَيَرْجِعُ إلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيَضُرُّ التَّغَيُّرُ بِهِ إذَا كَثُرَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ كَالْعُودِ وَالدُّهْنِ وَلَوْ مُطَيَّبَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُجَرَّدُ تَرَوُّحٍ.
وَالنَّجِسُ عَلَى قِسْمَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنَجِّسًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَجِّسٍ لَمْ يُؤَثِّرْ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا يَسِيلُ دَمُهَا، وَكَالنَّجِسِ الَّذِي لَا يُدْرِكُهُ بَصَرٌ مُعْتَدِلٌ، وَكَدُخَانِ النَّجَاسَةِ إذَا كَانَ قَلِيلًا، وَكَغُبَارِ السِّرْجِينِ إذَا كَانَ قَلِيلًا، وَكَالْيَسِيرِ مِنْ الشَّعْرِ النَّجِسِ غَيْرِ الْمُغَلَّظِ، وَإِنْ كَانَ النَّجِسُ مُنَجِّسًا نُظِرَ فِي الْمَاءِ تَارَةً يَكُونُ قَلِيلًا وَتَارَةً يَكُونُ كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَوْ جَارِيًا تَنَجَّسَ بِمُجَرَّدِ الْوُصُولِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَتَنَجَّسْ إلَّا بِتَغَيُّرِ طَعْمِهِ أَوْ لَوْنِهِ أَوْ رِيحِهِ فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُطَيَّبَيْنِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُطَيَّبَيْنِ بِغَيْرِهِمَا، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا أَيْ مُطَيِّبَيْنِ لِغَيْرِهِمَا.
وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ وَلَوْ مُطَيَّبَيْنِ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ أَوْلَى مِنْ كَسْرِهَا، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ الْمَصْنُوعُ فَالْخِلْقِيُّ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (صُلْبٍ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ غَيْرِ الصُّلْبِ، فَإِنَّهُ مُخَالِطٌ.
فَالْكَافُورُ نَوْعَانِ صُلْبٌ وَغَيْرُهُ.
فَالْأَوَّلُ مُجَاوِرٌ، وَالثَّانِي مُخَالِطٌ، وَمِثْلُهُ الْقَطْرَانُ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعًا فِيهِ دُهْنِيَّةٌ فَلَا يَمْتَزِجُ بِالْمَاءِ فَيَكُونُ مُجَاوِرًا وَنَوْعًا لَا دُهْنِيَّةَ فِيهِ فَيَكُونُ مُخَالِطًا وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِإِمْكَانِ فَصْلِهِ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُجَاوِرِ بِمَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ، وَقِيلَ هُوَ مَا يَتَمَيَّزُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، فَالْمُخَالِطُ مَا لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ لَا حَالًا وَلَا مَآلًا، فَخَرَجَ التُّرَابُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فَصْلُهُ بَعْدَ رُسُوبِهِ عَلَى الْأَوَّلِ، أَوْ مَا لَا يَتَمَيَّزُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، فَدَخَلَ التُّرَابُ فِي الْمُخَالِطِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ التُّرَابَ لَهُ حَالَتَانِ: حَالَةُ إلْقَاءٍ وَحَالَةُ رُسُوبٍ.
فَفِي حَالَةِ إلْقَائِهِ مُخَالِطٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ، وَفِي حَالَةِ رُسُوبِهِ مُجَاوِرٌ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فَصْلُهُ، وَفِي ع ش عَلَى م ر مَا يَشْهَدُ لَهُ ع ن. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ مُجَاوِرًا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا كَالْأَحْجَارِ أَوْ دَوَامًا كَالتُّرَابِ أَوْ ابْتِدَاءً لَا دَوَامًا كَوَرَقِ
لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ مُجَرَّدُ كُدُورَةٍ فَلَا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، نَعَمْ إنْ تَغَيَّرَ حَتَّى صَارَ لَا يُسَمَّى إلَّا طِينًا رَطْبًا ضَرَّ، وَمَا تَقَرَّرَ فِي التُّرَابِ الْمُسْتَعْمَلِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَ) رَابِعُهَا (مَاءٌ نَجِسٌ) أَيْ مُتَنَجِّسٌ (وَهُوَ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ) أَوْ لَاقَتْهُ (نَجَاسَةٌ) تُدْرَكُ بِالْبَصَرِ (وَهُوَ) قَلِيلٌ (دُونَ الْقُلَّتَيْنِ) بِثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ فَأَكْثَرَ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَمْ لَا، لِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ الْآتِي وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» نَهَاهُ عَنْ الْغَمْسِ خَشْيَةَ النَّجَاسَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إذَا خَفِيَتْ لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ فَلَوْلَا أَنَّهَا تُنَجِّسُهُ بِوُصُولِهَا لَمْ يَنْهَهُ.
(أَوْ كَانَ كَثِيرًا) بِأَنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ (فَتَغَيَّرَ) بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الطَّاهِرِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ يَسِيرًا حِسِّيًّا أَوْ
[حاشية البجيرمي]
الْأَشْجَارِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ مُجَرَّدُ كُدُورَةٍ) يُفْهَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلتُّرَابِ إلَّا لَوْنٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ وُجِدَ لَهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ كَانَ كَذَلِكَ ق ل. وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ لِكَوْنِهِ كُدُورَةً قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ غَيَّرَ طَعْمَ الْمَاءِ أَوْ رِيحَهُ ضَرَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ قَوْلُهُ: (بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) أَرَادَ بِهِ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَأَدُّبًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُتَنَجِّسٌ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ شَبَّهَ الْمُتَنَجِّسَ بِالنَّجِسِ بِجَامِعِ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ كُلٍّ فِيمَا مَنَعَ الشَّرْعُ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ، وَأَطْلَقَهُ أَيْ النَّجِسَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَاقَتْهُ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ وَارِدًا وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْغُسَالَةِ اج.
قَوْلُهُ: (نَجَاسَةٌ) أَيْ مُنَجِّسَةٌ جَامِدَةٌ أَوْ مَائِعَةٌ قَلِيلَةٌ أَوْ كَثِيرَةٌ غَيَّرَتْهُ أَوْ لَمْ تُغَيِّرْهُ كَمَا يَأْتِي، وَخَرَجَ النَّجَاسَةُ غَيْرُ الْمُنَجِّسَةِ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ.
قَوْلُهُ: (تُدْرَكُ بِالْبَصَرِ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ مِثْلُهُ الشَّمُّ وَالذَّوْقُ، فَالصَّوَابُ حَذْفُهُ إذْ مَا لَهُ رِيحٌ أَوْ طَعْمٌ كَذَلِكَ فَرَاجِعْهُ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ هُوَ احْتِرَازٌ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ أَوْ لَا.
يَتَّجِهُ الْعَفْوُ كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ م ر وسم.
وَالْمُرَادُ بِالْبَصَرِ الْمُعْتَدِلُ، فَلَوْ رَأَى قَوِيُّهُ دُونَ غَيْرِهِ لَمْ يَضُرَّ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْقُلَّتَيْنِ) وَلَوْ بَلَغَهُمَا بِمَائِعٍ فَإِنَّ حُكْمَ الْقُلَّةِ بَاقٍ، وَدُونَ مِنْ الظُّرُوفِ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ فَلَا تَكُونُ مُبْتَدَأً عِنْدَ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ، وَإِذَا أُضِيفَتْ لِمَبْنِيٍّ بُنِيَتْ عَلَى الْفَتْحِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ، وَجَوَّزَ غَيْرُهُ رَفْعَهَا بِالِابْتِدَاءِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11] بِرَفْعِهَا مُبْتَدَأً وَمَا قَبْلَهَا خَبَرٌ ذَكَرَهُ الرَّحْمَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ) بَلْ مَتَى زَادَ النَّقْصُ عَلَى رَطْلَيْنِ ضَرَّ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَطْلَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ الرَّطْلَيْنِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَدُونَهُمَا أَيْ وَالْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِأَنْ نَقَصَ عَنْهُمَا أَكْثَرُ مِنْ رَطْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَمْ لَا) أُخِذَ هَذَا التَّعْمِيمُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ وَتَفْصِيلِهِ فِي لَاحِقِهِ ع ش.
قَوْلُهُ: (الْآتِي) وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ.
قَوْلُهُ: «أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» الْمُرَادُ بِالْبَيْتُوتَةِ الصَّيْرُورَةُ.
أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ صَارَتْ يَدُهُ أَفِي نَجَاسَةٍ أَوْ طَهَارَةٍ؟ .
قَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ كَثِيرًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ الِاتِّصَالِ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَحْرِيكًا عَنِيفًا تَحَرَّكَ الْآخَرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَحَرُّكُ الْآخَرِ عَنِيفًا فَهُوَ قَيْدٌ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ كَمَا فِي ع ش خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ، حَيْثُ اشْتَرَطَ التَّحَرُّكَ الْعَنِيفَ فِي الْمُحَرَّكِ وَمَا يَلِيه، وَمِنْهُ حِيَاضُ بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ الْكَثِيرَةِ إذَا حُرِّكَ أَحَدُهَا تَحَرَّكَ مَا بِجَانِبِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَافٍ فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَرُّكِ الْكُلِّ بِتَحْرِيكِ أَحَدِهَا.
وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ بِمَحَلَّيْنِ وَبَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ الْمَاءُ فِي أَحَدِهِمَا لَتَحَرَّكَ الْآخَرُ تَحْرِيكًا قَوِيًّا وَإِلَّا فَلَا.
وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: لَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي حُفْرَتَيْنِ فِي كُلِّ حُفْرَةٍ قُلَّةٌ وَبَيْنَهُمَا اتِّصَالٌ، فَوَقَعَ فِي إحْدَى الْحُفْرَتَيْنِ نَجَاسَةٌ، فَلَسْت أَرَى أَنَّ مَا فِي الْحُفْرَةِ الْأُخْرَى دَافِعًا لِلنَّجَاسَةِ اهـ وَقَوْلُهُ: تَحَرُّكًا قَوِيًّا رَاجِعٌ لِلِاثْنَيْنِ أَيْ قَوْلُهُ حُرِّكَ وَقَوْلُهُ: لَتَحَرَّكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ عَمِيرَةُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ سم عَلَى أَبِي شُجَاعٍ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ، فَمَتَى كَانَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ أَحَدُهُمَا تَحَرُّكًا قَوِيًّا تَحَرَّكَ الْآخَرُ وَلَوْ تَحَرُّكًا ضَعِيفًا كَفَى.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ) أَيْ مِنْ مَحْضِ الْمَاءِ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَدْ كَمُلَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَطْلَيْنِ مِنْ مَائِعٍ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ بِهِمَا وَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ يَنْجُسُ وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ مِنْ مَحْضِ الْمَاءِ،
تَقْدِيرِيًّا، فَهُوَ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ الْمُخَصِّصِ لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ الْآتِي وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» كَمَا خَصَّصَهُ مَفْهُومُ خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ الْآتِي، فَالتَّغَيُّرُ الْحِسِّيُّ ظَاهِرٌ وَالتَّقْدِيرِيُّ بِأَنْ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ تُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ، كَبَوْلٍ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ وَلَوْ فُرِضَ مُخَالِفًا لَهُ فِي أَغْلَظِ الصِّفَاتِ، كَلَوْنِ الْحِبْرِ وَطَعْمِ الْخَلِّ وَرِيحِ الْمِسْكِ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَطَهُورٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» قَالَ الْحَاكِمُ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: «لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» أَيْ يَدْفَعُ النَّجِسَ وَلَا يَقْبَلُهُ وَفَارَقَ كَثِيرُ الْمَاءِ كَثِيرَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْجَسُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ بِأَنَّ كَثِيرَهُ قَوِيٌّ وَيَشُقُّ حِفْظُهُ عَنْ النَّجِسِ
[حاشية البجيرمي]
وَالْمُرَادُ بَلَغَهُمَا وَلَوْ احْتِمَالًا بِأَنْ شَكَّ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (فَتَغَيَّرَ) أَيْ كُلُّهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ أَيْ تَغَيَّرَ عَقِبَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْفَاءُ، فَلَوْ غَابَ عَنْهُ زَمَنًا ثُمَّ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ نِسْبَةَ تَغَيُّرِهِ إلَيْهَا م د. قَوْلُهُ: (بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ) الْأَوْلَى بِاتِّصَالِ النَّجَاسَةِ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ عَلَى الشَّطِّ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّغَيُّرَ بِسَبَبِهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ اهـ اج.
وَلَوْ بَالَ فِي الْبَحْرِ مَثَلًا فَارْتَفَعَتْ مِنْهُ رَغْوَةٌ فَهِيَ طَاهِرَةٌ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ لِأَنَّهَا بَعْضُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْقَائِلِ بِنَجَاسَتِهَا عَلَى تَحَقُّقِ كَوْنِهَا مِنْ الْبَوْلِ، وَإِنْ طُرِحَتْ فِي الْبَحْرِ بَعْرَةٌ مَثَلًا فَوَقَعَتْ مِنْهُ قَطْرَةٌ بِسَبَبِ سُقُوطِهَا عَلَى شَيْءٍ لَمْ تُنَجِّسْهُ.
اهـ. شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَقْدِيرِيًّا) بِمُخَالِطٍ أَوْ مُجَاوِرٍ أَوْ مَيْتَةٍ لَا يَسِيلُ دَمُهَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا خَصَّصَهُ) أَيْ خَبَرَ التِّرْمِذِيِّ، فَإِنَّ عُمُومَهُ صَادِقٌ بِمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَيُخَصُّ بِمَفْهُومِ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» إذْ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا يَقْبَلُ الْخَبَثَ أَيْ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ خَبَرَ التِّرْمِذِيِّ مُخَصَّصٌ بِأَمْرَيْنِ، فَمَعْنَاهُ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَمَا لَمْ يَنْقُصْ عَنْ قُلَّتَيْنِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ أَوْ نَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» . يَعْنِي يَدْفَعُهُ وَلَا يَقْبَلُهُ، وَقِلَالُ هَجَرَ خَمْسُ قِرَبٍ تَحْدِيدًا وَخَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ) هُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، لِأَنَّهُمَا الْمُرَادَانِ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَفِي فِقْهِ الشَّافِعِيَّةِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَفِي فِقْهِ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، وَالْمُرَادُ بِشَرْطِهِمَا شَرْطُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ أَخَذَا عَنْهُ كَمَا فِي أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ وَشُرُوحِهَا، فَشَرْطُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ الْمُعَاصَرَةُ وَاللُّقَى لِمَنْ أَخَذَ عَنْهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْ شَيْخٍ إلَّا إذَا عَاصَرَهُ وَلَاقَاهُ، وَكَذَلِكَ شَيْخُهُ لَا يَرْوِي عَنْ شَيْخٍ إلَّا إذَا عَاصَرَهُ وَلَاقَاهُ، وَكَذَا شَيْخُ شَيْخِهِ إلَى آخِرِ السَّنَدِ، وَشَرْطُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ الْمُعَاصَرَةُ فَقَطْ، وَلَا يَشْتَرِطُ اللُّقَى لِمَنْ رَوَى عَنْهُ فَيَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ عَنْ شَيْخٍ إذَا عَاصَرَهُ وَإِنْ لَمْ يَلْقَهُ، وَكَذَا بَقِيَّةُ أَشْيَاخِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَدْفَعُ النَّجَسَ وَلَا يَقْبَلُهُ) عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الضَّيْمَ، لَا عَلَى قَوْلِهِمْ فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الْحَجَرَ لِثِقَلِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ.
فَائِدَةٌ ح ل. فَهُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمَعَانِي لَا حَمْلِ الْأَجْرَامِ، وَقَوْلُهُ: لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ إلَخْ.
لِأَنَّ الْمَاءَ مُطْلَقًا لَا يَحْمِلُ الْأَجْرَامَ النَّجِسَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فَوْقَهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَفَارَقَ كَثِيرُ الْمَاءِ كَثِيرَ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ الْمَائِعَاتِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَاءً، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ غَيْرِ الْمَاءِ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ حُكْمَ غَيْرِ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ مَعْلُومٌ عِنْدَ حَمَلَةِ الشَّرْعِ، وَعِبَارَةُ عُيُونِ الْمَسَائِلِ لَا تَنْجُسُ الْقُلَّتَانِ مِنْ الْمَاءِ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِمَا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَوْ وَقَعَتْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ تَنْجُسُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَيُزِيلُ النَّجَاسَةَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهَا، فَاحْتَمَلَ وُرُودَ النَّجَاسَةِ إذَا طَرَأَتْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخَلُّ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهَا فَلَا يَحْمِلُ النَّجَاسَةَ إذَا طَرَأَتْ عَلَيْهِ اهـ. وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ النَّجِسِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ» . قَالَ ع ش عَلَى م ر: اخْتَارَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا لِلتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ، وَإِلَّا فَالدَّلِيلُ صَرِيحٌ فِي التَّفْصِيلِ كَمَا تَرَى، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ الثَّانِي هُوَ الْفَاعِلَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَفْعُولَ وَيَصِحُّ الْعَكْسُ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَنْجُسُ) جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لَوْ وُضِعَ كُوزٌ فِيهِ مَاءٌ عَلَى نَجِسٍ وَخَرَجَ مِنْهُ مَا اتَّصَلَ بِهِ لَا يُحْكَمُ بِالتَّنْجِيسِ إلَّا إذَا انْقَطَعَ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَثُرَ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: لَوْ شُكَّ فِي كَوْنِهِ قُلَّتَيْنِ وَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ هَلْ يَنْجَسُ أَوْ لَا يَنْجَسُ؟ رَأْيَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ إذْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ، وَشَكَكْنَا فِي نَجَاسَةٍ مُنَجِّسَةٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ.
الثَّانِي: لَوْ تَغَيَّرَ بَعْضُ الْمَاءِ فَالْمُتَغَيِّرُ كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا بِقُلَّتَيْنِ وَالْبَاقِي إنْ قَلَّ فَنَجِسٌ وَإِلَّا فَطَاهِرٌ، فَلَوْ غَرَفَ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ وَلَمْ يَغْرِفْهَا مَعَ الْمَاءِ فَبَاطِنُ الدَّلْوِ طَاهِرٌ لِانْفِصَالِ مَا فِيهِ عَنْ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ لَا ظَاهِرُهَا لِتَنَجُّسِهِ بِالْبَاقِي الْمُتَنَجِّسِ بِالنَّجَاسَةِ لِقِلَّتِهِ، فَإِنْ دَخَلَتْ مَعَ الْمَاءِ أَوْ قَبْلَهُ فِي الدَّلْوِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ.
فَائِدَةٌ: تَأْنِيثُ الدَّلْوِ أَفْصَحُ مِنْ تَذْكِيرِهِ، فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ الْحِسِّيُّ أَوْ التَّقْدِيرِيُّ بِنَفْسِهِ بِأَنْ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ شَيْءٌ كَأَنْ زَالَ بِطُولِ الْمُكْثِ أَوْ بِمَاءٍ انْضَمَّ إلَيْهِ بِفِعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ أَخْذٍ مِنْهُ وَالْبَاقِي قُلَّتَانِ طَهُرَ لِزَوَالِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ.
[حاشية البجيرمي]
الْخُرُوجُ أَوْ تَرَادَّ، وَعِبَارَةُ اج فَرْعٌ: لَوْ وُضِعَ كُوزٌ فِيهِ مَاءٌ وَقَدْ ثُقِبَ أَسْفَلُهُ عَلَى نَجِسٍ لَمْ يَنْجُسْ مَا فِيهِ مَا دَامَ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْ ثُقْبِهِ فَإِنْ تَرَاجَعَ الْمَاءُ ضَرَّ اهـ. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِفَارَقَ كَثِيرُهُ أَيْ كَثِيرُ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الثَّانِي) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (مُنَجِّسَةٍ) أَيْ فِي كَوْنِهَا تُنَجِّسُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَالْمُتَغَيِّرُ) أَيْ الْبَعْضُ الْمُتَغَيِّرُ.
قَوْلُهُ: (كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ) أَيْ فِي الْمَاءِ.
وَقَوْلُهُ: جَامِدَةٍ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا) لَوْ أَخَّرَهُ عَمَّا بَعْدَهُ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ فَطَاهِرٌ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا ق ل أَيْ: لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ غَرَفَ) أَتَى بِفَاءِ التَّفْرِيعِ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ وَالْمُتَغَيِّرُ كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغْرِفْهَا مَعَ الْمَاءِ) أَيْ لَمْ تَدْخُلْ فِي بَاطِنِ الدَّلْوِ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ (انْعَكَسَ الْحُكْمُ) أَيْ لَا بِالْمَعْنَى الْمَنْطِقِيِّ بَلْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَيْ تَغَيَّرَ فَيُحْكَمُ عَلَى مَا فِي بَاطِنِ الدَّلْوِ بِالنَّجَاسَةِ دُونَ مَا انْفَصَلَ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَاءٌ قَلِيلٌ لَا تَغَيُّرَ بِهِ خَالٍ عَنْ نَجَاسَةٍ فِيهِ، فَإِنْ قَطَرَ فِي الْبَاقِي مِنْ بَاطِنِهِ قَطْرَةٌ تَنْجُسُ أَوْ مِنْ ظَاهِرِهِ أَوْ شَكَّ فَلَا، وَإِنْ نَزَلَتْ فِي الْبِئْرِ بَعْدَ نُزُولِهَا فِي الدَّلْوِ فَالْمَاءَانِ نَجِسَانِ عُبَابٌ.
فَرْعٌ: اغْتَرَفَ مِنْ دَنَّيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مَاءٌ قَلِيلٌ أَوْ مَائِعٌ فِي إنَاءٍ فَوَجَدَ فِيهِ فَأْرَةً مَيِّتَةً لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ، اجْتَهَدَ.
فَإِنْ ظَنَّهَا مِنْ الْأَوَّلِ وَاتَّحَدَتْ الْمِغْرَفَةُ وَلَمْ تُغْسَلْ بَيْنَ الِاغْتِرَافَيْنِ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِمَا، وَإِنْ ظَنَّهَا مِنْ الثَّانِي أَوْ مِنْ الْأَوَّلِ وَاخْتَلَفَتْ الْمِغْرَفَةُ أَوْ اتَّحَدَتْ وَغُسِلَتْ بَيْنَ الِاغْتِرَافَيْنِ حُكِمَ بِنَجَاسَةِ مَا ظَنَّهَا فِيهِ.
اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّقْدِيرِيُّ) قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُعْرَفُ زَوَالُ تَغَيُّرِهِ التَّقْدِيرِيِّ بِأَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَنٌ لَوْ كَانَ تَغَيَّرَ حِسِّيًّا لَزَالَ تَغَيُّرُهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِجَنْبِهِ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ، أَوْ بِمَاءٍ صُبَّ عَلَيْهِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا زَالَ تَغَيُّرُهُ اهـ شَرْحُ الرَّوْضِ مَرْحُومِيٌّ.
وَيُعْرَفُ أَيْضًا زَوَالُ التَّغَيُّرِ التَّقْدِيرِيِّ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِمَاءٍ انْضَمَّ إلَيْهِ) وَلَوْ مُتَنَجِّسًا أَوْ مُسْتَعْمَلًا بِدَلِيلِ تَنْكِيرِ الْمَاءِ لَا نَجِسًا كَبَوْلٍ.
وَقَالَ م ر: وَلَوْ نَجِسًا.
وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُتَنَجِّسُ، فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَاسَةِ فِي ظَرْفٍ وَنَزَلَ الظَّرْفُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ، فَإِنْ كَانَ الظَّرْفُ ضَيِّقَ الرَّأْسِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ نَاقِصًا أَوْ مُمْتَلِئًا، وَإِنْ كَانَ وَاسِعَ الرَّأْسِ كَالدُّسْتُرَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ مَكَثَ فِي الْمَاءِ زَمَنًا يُقَدَّرُ فِيهِ زَوَالُ التَّغَيُّرِ طَهُرَ وَإِلَّا فَلَا اهـ إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) كَمَطَرٍ أَوْ سَيْلٍ وَقَعَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاقِي قُلَّتَانِ) بِأَنْ كَانَ الْإِنَاءُ مُنْخَنِقًا بِهِ فَزَالَ انْخِنَاقُهُ وَدَخَلَهُ الرِّيحُ وَقَصَرَهُ اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (طَهُرَ لِزَوَالِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ) وَهُوَ التَّغَيُّرُ وَلَا يَضُرُّ عَوْدُ تَغَيُّرِهِ إنْ خَلَا عَنْ نَجِسٍ جَامِدٍ، يَعْنِي لَوْ زَالَ التَّغَيُّرُ ثُمَّ عَادَ وَلَوْ فَوْرًا، فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً وَهِيَ فِيهِ فَنَجِسٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَائِعَةً أَوْ جَامِدَةً وَقَدْ أُزِيلَتْ قَبْلَ التَّغَيُّرِ لَمْ يَنْجُسْ اهـ م ل قَالَ ع ش: لَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ ثُمَّ تَطَهَّرَ مِنْهُ جَمْعٌ ثُمَّ عَادَ تَغَيُّرُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي فَعَلُوهَا، وَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ أَبْدَانِهِمْ وَلَا ثِيَابِهِمْ
فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِمِسْكٍ أَوْ نَحْوِهِ كَزَعْفَرَانٍ أَوْ بِتُرَابٍ لَمْ يَطْهُرْ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَنَّ أَوْصَافَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ فَاسْتَتَرَتْ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ النَّجَسِ مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ أَصَالَةً بِأَنْ لَا يَسِيلَ دَمُهَا عِنْدَ شَقِّ عُضْوٍ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا كَزُنْبُورٍ وَعَقْرَبٍ وَوَزَغٍ وَذُبَابٍ وَقَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ، لَا نَحْوَ حَيَّةٍ وَضِفْدَعٍ وَفَأْرَةٍ فَلَا تُنَجِّسُ مَاءً أَوْ غَيْرَهُ بِوُقُوعِهَا فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ
[حاشية البجيرمي]
لِاحْتِمَالِ تَحَلُّلِهَا بَعْدَ طَهَارَتِهِمْ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثٍ يُقَدَّرُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ اهـ. قَوْلُهُ (بِمِسْكٍ) أَيْ فِي نَجَاسَةٍ لَهَا رِيحٌ، أَوْ بِزَعْفَرَانٍ فِي نَجَاسَةٍ لَهَا لَوْنٌ، أَوْ بِخَلٍّ فِي نَجَاسَةٍ لَهَا طَعْمٌ، لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَا تَسْتُرُ أُخْرَى فَلَوْ زَالَ الرِّيحُ بِالْخَلِّ أَوْ اللَّوْنُ بِالْمِسْكِ عَادَ طَهُورًا ق ل.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَتَرَتْ) هَذَا إذَا احْتَمَلَ سِتْرُ التَّغَيُّرِ بِمَا طَرَأَ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى) هَذَا رَاجِعٌ لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَسِيلَ دَمُهَا) . أَيْ عَنْ مَوْضِعِ جُرْحِهَا وَلَوْ احْتِمَالًا بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهَا دَمٌ أَصْلًا، أَوْ لَهَا دَمٌ لَا يَجْرِي كَالْوَزَغِ وَالزُّنْبُورِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالذُّبَابِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ (عِنْدَ شَقِّ عُضْوٍ مِنْهَا) وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ جَرْحُ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، وَفِيهِ أَنَّ جَرْحَ بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَا يُفِيدُ لِجَوَازِ مُخَالَفَتِهِ جِنْسَهُ لِعَارِضٍ، وَجَرْحُ الْكُلِّ لَا يُمْكِنُ إلَّا أَنْ يُقَالَ جَرْحُ الْبَعْضِ إذَا كَثُرَ يَحْصُلُ بِهِ الظَّنُّ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّنْجِيسُ بِالشَّكِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الظَّاهِرُ مِنْ وُجُودِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ أَنَّ الْجِنْسَ كَذَلِكَ، وَمُخَالَفَةُ الْأَفْرَادِ لِلْجِنْسِ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَالْغَالِبِ وَيَتَّجِهُ أَنَّ لَهُ الْإِعْرَاضَ عَنْ ذَلِكَ، وَالْعَمَلُ بِالطَّهَارَةِ حَيْثُ احْتَمَلَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يَسِيلُ دَمُهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ هِيَ الْأَصْلُ وَلَا تَنْجُسُ بِالشَّكِّ سم عَلَى شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (كَزُنْبُورٍ) الزُّنْبُورُ الدَّبُّورُ.
قَوْلُهُ: (وَعَقْرَبٍ) وَسَحَالٍ م ر. وَمِثْلُ هَذِهِ بِإِهَانَتِهَا، فَإِذَا وَقَعَتْ قِشْرَةُ قَمْلَةٍ فِي مَائِعٍ فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ نَجَّسَتْهُ وَإِلَّا فَلَا كَمَا لَا يَخْفَى.
فَلَوْ نَطَّ فَأْرٌ عَلَى بُرَيْصَةٍ فَلِلْوَلَدِ حُكْمُ الْفَأْرِ أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ: يَتْبَعُ الْفَرْعُ أَخَسَّ الْأَصْلَيْنِ رِجْسًا.
قَوْلُهُ: (وَزَغٍ) أَيْ بُرْصٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَمْلٍ) وَمِثْلُهُ الْبَقُّ الْمَعْرُوفُ بِمِصْرَ.
قَوْلُهُ: (وَضِفْدِعٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ عَلَى الْأَفْصَحِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تُنَجِّسُ) أَيْ مَيْتَةُ مَا لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ فَهُوَ رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ الْغَفْلَةِ.
قَوْلُهُ: (طَارِحٌ) وَلَوْ بَهِيمَةً لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا فِي الْجُمْلَةِ بِخِلَافِ طَرْحِ الرِّيحِ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَطْرَحَهَا طَارِحٌ مَيِّتَةً وَتَصِلُ مَيِّتَةً، وَإِنْ أُحْيِيَتْ فِي الْأَثْنَاءِ أَمَّا إذَا طَرَحَهَا حَيَّةً أَوْ أُحْيِيَتْ قَبْلَ وُصُولِهَا وَلَمْ تَمُتْ فَلَا يَضُرُّ.
وَحَاصِلُ تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَطْرَافِهَا أَنْ يُقَالَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَهْجَةِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا أَنَّهَا إنْ طُرِحَتْ حَيَّةً لَمْ يَضُرَّ، سَوَاءٌ كَانَ نَشْؤُهَا مِنْهُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَمَاتَتْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا، إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ.
وَإِنْ طُرِحَتْ مَيِّتَةً وَوَصَلَتْ مَيِّتَةً ضَرَّ سَوَاءٌ أَكَانَ نَشْؤُهَا مِنْهُ أَمْ لَا، وَأَنَّ وُقُوعَهَا بِنَفْسِهَا لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا أَيْ حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَيْسَ الصَّبِيُّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ كَالرِّيحِ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الْوَاقِعُ مِنْ ذَلِكَ فَأَخْرَجَ أَحَدَهَا عَلَى رَأْسِ عُودٍ مَثَلًا فَسَقَطَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَمْ يُنَجِّسْهُ وَهَلْ لَهُ إخْرَاجُ الْبَاقِي بِهِ؟ الْأَوْجَهُ نَعَمْ لِأَنَّ مَا عَلَى رَأْسِ الْعُودِ جُزْءٌ مِنْ الْمَائِعِ الْمَحْكُومِ بِطَهَارَتِهِ، وَلَوْ وَضَعَ خِرْقَةً عَلَى إنَاءٍ وَصَفَّى بِهَا هَذَا الْمَائِعَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمَيِّتَةُ بِأَنْ صَبَّهُ عَلَيْهَا لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّهُ يَضَعُ الْمَائِعَ وَفِيهِ الْمَيِّتَةُ مُتَّصِلَةٌ بِهِ، ثُمَّ يَتَصَفَّى مِنْهَا الْمَائِعُ وَتَبْقَى هِيَ مُنْفَرِدَةً لَا أَنَّهُ طَرَحَ الْمَيِّتَةَ فِي الْمَائِعِ.
وَمَا لَا نَفَسَ لَهُ سَائِلَةٌ إذَا اغْتَذَى بِالدَّمِ كَالْحَلَمِ الْكِبَارِ أَيْ الْقُرَادِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْإِبِلِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوعِ، فَإِنْ مَكَثَ فِي الْمَاءِ حَتَّى انْشَقَّ وَخَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ احْتَمَلَ أَنْ يَنْجُسَ لِأَنَّهُ إنَّمَا عُفِيَ عَنْ الْحَيَوَانِ دُونَ الدَّمِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا يُعْفَى عَمَّا فِي بَطْنِهِ مِنْ الرَّوْثِ إذَا ذَابَ وَاخْتَلَطَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يُغَيِّرْ، وَكَذَلِكَ مَا عَلَى مَنْفَذِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ وَجَدَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ وَشَكَّ فِي أَنَّهَا أُلْقِيَتْ فِيهِ مَيِّتَةً أَوْ لَا، فِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ م ر: بِعَدَمِ الْعَفْوِ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْعَفْوِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ.
قَالَ سم: وَانْظُرْ لَوْ أَصَابَهُ شَيْءٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مِمَّا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ أَوْ أَنَّ الْمَيِّتَةَ مِمَّا يَسِيلُ دَمُهَا أَوْ لَا.
وَيَتَّجِهُ الْعَفْوُ فِيهِمَا كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ م ر، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ وَنَازَعَ فِيهِ ع ش عَلَى م ر بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ هَذَا مُحَصِّلُ مَا ذَكَرَهُ م ر وَالشَّوْبَرِيُّ وع ش. وَيَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا يَضُرُّ طَرْحُ الْمَيِّتَةِ فِي الْمَائِعِ يَضُرُّ طَرْحُ الْمَائِعِ فِي نَحْوِ إنَاءٍ فِيهِ مَيِّتَةٌ، لَكِنْ لَوْ جَهِلَ كَوْنَ الْمَيِّتَةِ فِي الْإِنَاءِ وَطَرَحَ الْمَائِعَ فِيهِ فَهَلْ يَنْجُسُ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إذَا كَانَ الطَّرْحُ لِحَاجَةٍ، لَكِنْ قَضِيَّةُ ضَرَرِ الطَّرْحِ بِلَا قَصْدِ الضَّرَرِ هُنَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي زَيْتٍ وَنَحْوِ الْقِنْدِيلِ وَاحْتَاجَ إلَى زِيَادَتِهِ،
لَا يَطْرَحَهَا طَارِحٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهَا وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً» أَيْ وَهُوَ الْيَسَارُ كَمَا قِيلَ «وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً» زَادَ أَبُو دَاوُد «وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ» وَقَدْ يُفْضِي غَمْسُهُ إلَى مَوْتِهِ، فَلَوْ نَجُسَ الْمَائِعُ لَمَا أَمَرَ بِهِ، وَقِيسَ بِالذُّبَابِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ مَيْتَةٍ لَا يَسِيلُ دَمُهَا، فَلَوْ شَكَكْنَا فِي سَيْلِ دَمِهَا اُمْتُحِنَ بِجِنْسِهَا فَتُجْرَحُ لِلْحَاجَةِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يَسِيلُ دَمُهَا لَكِنْ لَا دَمَ فِيهَا أَوْ فِيهَا دَمٌ لَا يَسِيلُ لِصِغَرِهَا لَهَا حُكْمُ مَا يَسِيلُ دَمُهَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا نَجِسٌ لَا يُشَاهَدُ بِالْبَصَرِ
[حاشية البجيرمي]
فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إلْقَاءُ الزِّيَادَةِ فِي الْقِنْدِيلِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا فِيهِ وَلَا يُكَلَّفُ إخْرَاجَهَا قَبْلَ إلْقَاءِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ.
اهـ. سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ) قَدَّمَ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ لِعُمُومِهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ إلَخْ) سُمِّيَ ذُبَابًا لِكَثْرَةِ حَرَكَتِهِ وَاضْطِرَابِهِ وَعُمُرُهُ الْغَالِبُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَكُلُّهُ فِي النَّارِ إلَّا النَّحْلَ وَكَوْنُهُ فِي النَّارِ لَيْسَ تَعْذِيبًا لَهُ بَلْ لِيُعَذَّبَ أَهْلُ النَّارِ بِهِ وَهُوَ أَطْمَعُ الْأَشْيَاءِ، حَتَّى إنَّهُ يُلْقِي نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ هَلَاكُهُ وَلَا جَفْنَ لِلذُّبَابَةِ لِصِغَرِ حَدَقَتِهَا.
وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ أَنَّ رَجِيعَهُ يَقَعُ عَلَى الثَّوْبِ الْأَبْيَضِ أَسْوَدَ وَبِالْعَكْسِ، وَأَكْثَرُ مَا يَظْهَرُ مِنْ الْعُفُونَةِ وَمَبْدَأُ خَلْقِهِ مِنْهَا، ثُمَّ مِنْ التَّوَالُدِ وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الطُّيُورِ سِفَادًا، وَرُبَّمَا بَقِيَ عَامَّةَ الْيَوْمِ عَلَى الْأُنْثَى.
وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الْخُلَفَاءِ سَأَلَ الشَّافِعِيَّ لِأَيِّ عِلَّةٍ خُلِقَ الذُّبَابُ؟ فَقَالَ: مَذِلَّةٌ لِلْمُلُوكِ وَكَانَتْ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ ذُبَابَةٌ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: سَأَلَنِي وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي جَوَابٌ فَاسْتَنْبَطْته مِنْ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ.
وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: سَلُونِي عَمَّا دُونَ الْعَرْشِ أُخْبِرْكُمْ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَمْعَاءُ الذُّبَابِ فِي مُقَدَّمِهَا أَمْ مُؤَخَّرِهَا؟ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَفِي تَارِيخِ ابْنِ النَّجَّارِ مُسْنَدًا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقَعُ عَلَى جَسَدِهِ وَثِيَابِهِ ذُبَابٌ أَصْلًا» اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْعَلْقَمِيِّ عَلَى الْجَامِعِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَغْمِسْهُ) أَمْرٌ إرْشَادِيٌّ لِمُقَابَلَةِ الدَّاءِ بِالدَّوَاءِ، وَفِي قَوْلِهِ كُلِّهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِغَمْسِ بَعْضِهِ فَلَا يُكْتَفَى بِغَمْسِ الْجَنَاحَيْنِ، وَإِنْ حَصَلَ الشِّفَاءُ بِالْجَنَاحِ الْآخَرِ، وَهَلْ يُكْتَفَى بِانْغِمَاسِهِ بِنَفْسِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ.
وَالظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِهِ وَمَحَلُّ جَوَازِ الْغَمْسِ أَوْ اسْتِحْبَابِهِ إذَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ التَّغَيُّرُ بِهِ، وَإِلَّا حَرُمَ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَالْغَمْسُ خَاصٌّ بِالذُّبَابِ، أَمَّا غَيْرُهُ فَيَحْرُمُ غَمْسُهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ أَحَدُهُمَا لَا غَمْسَ، وَبِالْأَوْلَى إذَا قُطِعَا.
كَذَا قَالَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا.
قُلْت: وَيَحْتَمِلُ الْغَمْسُ مُطْلَقًا، وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْجَنَاحَ أَوْ أَصْلَهُ اج.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَعَلَيْهِ فَلَوْ قُطِعَ جَنَاحُهَا الْأَيْسَرُ لَا يُنْدَبُ غَمْسُهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، بَلْ قِيَاسُ مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ مِنْ حُرْمَةِ غَمْسِ غَيْرِ الذُّبَابِ حُرْمَةُ غَمْسِ هَذِهِ الْآنَ لِفَوَاتِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْغَمْسِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْ يَجْعَلُهَا وِقَايَةً أَيْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي الْوُقُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيسَ بِالذُّبَابِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ التَّنْجِيسِ لَا مِنْ حَيْثُ الْغَمْسُ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ، وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى هَلَاكِهِ فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (اُمْتُحِنَ بِجِنْسِهَا) أَيْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ جِنْسِهَا، لِأَنَّ الْجِنْسَ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ لَا تُوجَدُ إلَّا فِي ضِمْنِ أَفْرَادِهَا وَمَحَلُّهُ إذَا وُجِدَ الْجِنْسُ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ إنَّ الْمُتَّجِهَ الْعَفْوُ قَالَ كَمَا وَافَقَ عَلَيْهِ م ر. لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ، وَقَدْ قَالُوا فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ لَوْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الدَّمِ لَمْ يَضُرَّ اهـ.
قَالَ ع ش عَلَى م ر بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ سم.
أَقُولُ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا وَسُقُوطُهُ رُخْصَةٌ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي: فَلَوْ شَكَّ هَلْ وَقَعَ فِي حَالِ الْحَلْبِ أَوْ لَا.
فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَنْجُسُ إذْ شَرْطُ الْعَفْوِ لَمْ نَتَحَقَّقْهُ اهـ. وَلَك أَنْ تَقُولَ لَا تَأْيِيدَ فِيهِ لِمَا هُنَا، لِأَنَّ ذَاكَ تَحَقَّقْنَا فِيهِ أَنَّ الْوَاقِعَ مُنَجِّسٌ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا.
فَتَأَمَّلْ، وَقَدْ اسْتَقْرَبَ الْمَحَلِّيُّ الْحُكْمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْغَزَالِيُّ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (لَا يُشَاهَدُ بِالْبَصَرِ) أَيْ مَا لَمْ يُطْرَحْ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَوْ
لِقِلَّتِهِ كَنُقْطَةِ بَوْلٍ وَخَمْرٍ، وَمَا يَعْلَقُ بِنَحْوِ رِجْلِ ذُبَابٍ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ فَأَشْبَهَ دَمَ الْبَرَاغِيثِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَقِيَاسُ اسْتِثْنَاءِ دَمِ الْكَلْبِ مِنْ يَسِيرِ الدَّمِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ هُنَا مِثْلَهُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالْمَشَقَّةِ وَالْفَرْقُ أَوْجَهُ، وَيُعْفَى أَيْضًا عَنْ رَوْثِ سَمَكٍ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَاءَ وَعَنْ الْيَسِيرِ عُرْفًا مِنْ شَعَرٍ نَجِسٍ مِنْ غَيْرِ نَحْوِ كَلْبٍ، وَعَنْ كَثِيرِهِ مِنْ مَرْكُوبٍ، وَعَنْ قَلِيلِ دُخَانٍ نَجِسٍ وَغُبَارِ سِرْجِينٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الرِّيحُ كَالذَّرِّ، وَعَنْ حَيَوَانٍ مُتَنَجِّسِ الْمَنْفَذِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لِلْمَشَقَّةِ فِي
[حاشية البجيرمي]
حَرَّكَتْ ذَيْلَهَا أَوْ صُوفَهَا فَتَنَاثَرَ مِنْهُ نَجَسٌ لَا يُدْرِكُهُ طَرْفٌ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّهُ يَضُرُّ طَرْحُهَا لِلْمَيِّتَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّرْحِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ الطَّرْحُ مِنْ خُصُوصِ الْمُكَلَّفِ.
وَعِبَارَةُ ش م ر: وَلَوْ رَأَى ذُبَابًا عَلَى دَمٍ ثُمَّ طَارَ وَوَقَعَ عَلَى نَحْوِ ثَوْبٍ اتَّجَهَ الْعَفْوُ جَزْمًا، لِأَنَّا إذَا قُلْنَا بِهِ فِي الدَّمِ الْمُشَاهَدِ فَلَأَنْ نَقُولَ بِهِ فِيمَا لَمْ يُشَاهَدْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ لَا يُشَاهَدُ بِالْبَصَرِ الْمُعْتَدِلُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ شَمْسٍ.
أَيْ مَعَ فَرْضِ لَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلَّوْنِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ ق ل. فَلَوْ شَاهَدَهُ قَوِيُّ الْبَصَرِ أَوْ مُعْتَدِلُهُ فِي الشَّمْسِ دُونَ الظِّلِّ فَلَا يَضُرُّ.
قَالَ م ر: وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْعَفْوَ عَمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ بِمَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ مِنْهُ فِي دُفُعَاتٍ مَا يُحَسُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
وَضُبِطَ فِي الْمَجْمُوعِ ذَلِكَ أَيْ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ بِمَا يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَ الثَّوْبِ لَمْ يُرَ لِقِلَّتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْعِلْمُ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فِي الْمَاءِ؟ قُلْت: يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا عَفَّ الذُّبَابُ عَلَى نَجِسٍ رَطْبٍ لَمْ يُشَاهَدْ مَا عَلَقَ بِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، فَإِذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَصَوَّرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَرَاهُ قَوِيُّ الْبَصَرِ دُونَ مُعْتَدِلِهِ بَعْدَ فَرْضِهِ مُخَالِفًا لِلَوْنِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ أَوْ الْمَائِعِ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا كَالثَّوْبِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ عَلَى شَرْحِ الْغَايَةِ.
قَوْلُهُ: (لِقِلَّتِهِ) عِلَّةٌ لِعَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ بِالْبَصَرِ لَا لِعَدَمِ التَّنْجِيسِ فَهُوَ قَيْدٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِإِخْرَاجِ مَا لَوْ كَانَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ لِنَحْوِ مُمَاثَلَتِهِ لِلَوْنِ الْمَحَلِّ كَمَا قَالَهُ الرَّشِيدِيُّ، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ لِقِلَّتِهِ سَوَاءٌ وَقَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ وَلَوْ قَصْدًا بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِ مَعَ التَّفْصِيلِ فِي الْمَيِّتَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ قَصْدٍ سَوَاءٌ كَانَ وُقُوعُهُ فِي مَحَلٍّ أَوْ مَحَالَّ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ إذَا جُمِعَ صَارَ كَثِيرًا عُرْفًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (كَنُقْطَةِ بَوْلٍ) أَوْ نُقَطٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَكِنْ بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ قَدْرًا يَسِيرًا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ الْمُعْتَدِلُ وَصَارَ مُتَنَجِّسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ، لَا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَنَجِّسٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْعَفْوِ أَيْ عَدَمَ التَّنَجُّسِ بِمَا ذَكَرَهُ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ وَمَا بَعْدَهُ إذَا لَمْ يُغَيِّرْ قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (وَمَا يُعَلَّقُ) يَحْتَمِلُ عَطْفَهُ عَلَى نُقْطَةِ بَوْلٍ فَهُوَ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ وَهُوَ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا م ر. وَيَحْتَمِلُ عَطْفَهُ عَلَى نَجَسٍ فَيَعُمُّ مَا يُدْرِكُهُ الْبَصَرُ وَغَيْرَهُ وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ رِجْلِ ذُبَابٍ) أَشَارَ بِنَحْوٍ إلَى أَنَّ الذُّبَابَ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ أَوْجَهُ) مُعْتَمَدٌ أَيْ فَلَا فَرْقَ هُنَا فِيمَا لَا يُشَاهَدُ بِالْبَصَرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُغَلَّظٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَهُوَ كَذَلِكَ اج.
قَوْلُهُ: (عَنْ رَوْثِ سَمَكٍ) أَيْ صَغِيرٍ إذَا سَقَطَ بِنَفْسِهِ أَوْ وَضَعَهُ فِيهِ لَا عَبَثًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ نَحْوِ كَلْبٍ) أَمَّا شَعْرُ نَحْوِ الْكَلْبِ فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَرْكُوبٍ) وَكَذَا الْقَصَّاصُ يُعْفَى لَهُ عَنْ كَثِيرِهِ أَيْضًا وَتُعْتَبَرُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ، وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ كَقَلِيلٍ مِنْ شَعْرٍ نَجِسٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ قَلِيلِ دُخَانٍ نَجِسٍ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَقَيَّدَهُ م ر بِغَيْرِ الْمُغَلَّظِ وَبِعَدَمِ الرُّطُوبَةِ، وَالْأَوْلَى قِرَاءَتُهُ بِالتَّنْوِينِ لِيَشْمَلَ دُخَانَ الْمُتَنَجِّسِ كَحَطَبٍ تَنَجَّسَ بِبَوْلٍ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ كَمَا قَالَهُ ز ي، لِأَنَّهُ إنْ قُرِئَ بِالْإِضَافَةِ لَا يَشْمَلُهُ، وَبِهِ يُعْلَمُ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي الشِّتَاءِ، وَلَوْ نَشَّفَ شَيْئًا رَطْبًا عَلَى اللَّهَبِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الدُّخَانِ لَمْ يَتَنَجَّسْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَخَرَجَ بِالدُّخَانِ الْهَبَابُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الْعَنَانِيُّ، وَمَالَ ع ش إلَى طَهَارَةِ اللَّهَبِ الْحَاصِلِ مِنْ الشَّمْعَةِ النَّجِسَةِ وَلَهَبِ الْجَلَّةِ وَالْحَطَبِ الْمُتَنَجِّسِ الْخَالِي عَنْ الدُّخَانِ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ نَجَاسَتَهُ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَكَتَبَ اج ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الدُّخَانُ بِفِعْلِهِ أَوْ مِنْ دُخَانٍ مُغَلَّظٍ، وَإِطْلَاقُ م ر كَمَا هُنَا يَقْتَضِي الْعَفْوَ مُطْلَقًا، لَكِنْ قَيَّدَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ أَوْ مِنْ دُخَانٍ مُغَلَّظٍ اهـ. أَيْ فَيُعْمَلُ بِمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ يُقَدَّمُ
صَوْنِهِ، وَلِهَذَا لَا يُعْفَى عَنْ آدَمِيٍّ مُسْتَجْمِرٍ، وَعَنْ الدَّمِ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ، وَلَوْ تَنَجَّسَ فَمُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ مِنْ هِرَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ غَابَ وَأَمْكَنَ وُرُودُهُ مَاءً كَثِيرًا ثُمَّ وَلَغَ فِي طَاهِرٍ لَمْ يُنَجِّسْهُ مَعَ حُكْمِنَا بِنَجَاسَةِ فَمِهِ، لِأَنَّ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر وَعَنْ دُخَانٍ نَجِسٍ أَيْ فِي الْمَاءِ وَغَيْرِهِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ وُصُولُهُ لِلْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِفِعْلِهِ وَإِلَّا نَجُسَ، وَمِنْهُ الْبَخُورُ بِالنَّجِسِ أَوْ الْمُتَنَجِّسِ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ أَخْذًا مِمَّا لَوْ رَأَى ذُبَابَةً عَلَى نَجَاسَةٍ فَأَمْسَكَهَا حَتَّى أَلْصَقَهَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، إلَّا أَنَّهُ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْبَخُورَ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَيُغْتَفَرُ الْقَلِيلُ مِنْهُ وَلَا كَذَلِكَ الذُّبَابَةُ.
وَبُخَارُ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ وَهُوَ الْمُتَصَاعِدُ مِنْهَا بِغَيْرِ وَاسِطَةِ نَارٍ كَرِيحٍ مِنْ الدُّبُرِ، وَيُعْفَى عَنْ ذَرْقِ طَيْرٍ فِي الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طُيُورِهِ وَعَنْ بَعْرِ نَحْوِ شَاةٍ وَقَعَ مِنْهَا فِي لَبَنٍ حِينَ حَلْبِهَا، وَعَنْ جِرَّةِ بَعِيرٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَكَذَا غَيْرُهُ مِمَّا يَجْتَرُّ فَلَا يُنَجِّسُ مَا شَرِبَ مِنْهُ، وَيُعْفَى عَمَّا تَطَايَرَ مِنْ رِيقِهِ الْمُتَنَجِّسِ، وَيُعْفَى عَنْ رَوْثِ ثَوْرِ الدِّيَاسَةِ وَعَمَّا تُلْقِيهِ الْفِئْرَانُ فِي بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ الطَّرْفُ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ، وَعَنْ نَحْوِ زَيْتٍ خُلِطَ بِجُبْنٍ فِيهِ دُودٌ لِلْأَكْلِ، وَعَنْ الْخُبْزِ الْمَخْبُوزِ بِالنَّجَاسَةِ كَالسِّرْجِينِ بِأَكْلِهِ أَوْ ثَرْدِهِ بِمَائِعٍ كَلَبَنٍ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْفَمِ مِنْهُ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ أَيْضًا وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاةُ حَامِلِهِ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا م ر اهـ.
قَوْلُهُ: (وَغُبَارِ) أَيْ وَعَنْ قَلِيلِ غُبَارِ سِرْجِينٍ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: وَكَغُبَارِ سِرْجِينٍ عَطْفُهُ عَلَى الْقَلِيلِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قِلَّتُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلُهُ وَكَغُبَارِ سِرْجِينٍ هَلْ وَلَوْ طُرِحَ وَغَيَّرَ أَوْ لَا يُحَرَّرُ اهـ. الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا عَفْوَ حِينَئِذٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ ع ش: بَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ الْقِلَّةُ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا: وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا ح ف: إلَّا فِي حَقِّ الْفَرَّانِ.
قَوْلُهُ: (كَالذَّرِّ) أَيْ صِغَارِ النَّمْلِ أَوْ الْمُرَادُ هُنَا مِقْدَارُ الذَّرِّ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ حَيَوَانٍ) طَاهِرٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ كَطَيْرٍ وَهِرَّةٍ م ر. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَنْفَذَ قَيْدٌ فَيَخْرُجُ بِهِ بَقِيَّةُ أَعْضَائِهِ إذَا كَانَتْ مُتَنَجِّسَةً فَلَا يُعْفَى عَنْهَا، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْهِرَّةِ الَّتِي أَكَلَتْ نَجَاسَةً وَغَابَتْ غَيْبَةً يُحْتَمَلُ مَعَهَا طَهَارَةُ فَمِهَا، فَإِنَّهَا لَا تُنَجِّسُ مَا شَرِبَتْ مِنْهُ، إذْ لَوْ كَانَتْ بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ مِثْلَ الْمَنْفَذِ لَمْ يَحْتَجْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْغَيْبَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمَنْفَذَ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ بَقِيَّةُ أَعْضَائِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الطُّوخِيُّ، وَعَلَيْهِ يُشْكِلُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْهِرَّةِ تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُهُ: وَحَيَوَانٍ مُتَنَجِّسِ الْمَنْفَذِ أَيْ مَا لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهُ شَيْءٌ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَاءِ فَقَطْ دُونَ الْمَائِعِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي مَائِعٍ نَجَّسَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ، وَقَدْ رَجَعَ الشَّيْخُ عَنْ هَذَا، وَسَوَّى بَيْنَ الْمَاءِ وَالْمَائِعِ لِلْمَشَقَّةِ، وَيُعْفَى عَمَّا يَمَسُّهُ الْعَسَلُ مِنْ الْكِوَارَةِ الَّتِي تُجْعَلُ مِنْ رَوْثِ نَحْوِ الْبَقَرِ، وَيُعْفَى عَنْ فَمِ صَبِيٍّ بِالنِّسْبَةِ لِثَدْيِ أُمِّهِ وَغَيْرِهِ كَتَقْبِيلِهِ فِي فَمِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّفَقَةِ مَعَ الرُّطُوبَةِ، فَلَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُ الْفَمِ كَذَا قَرَّرَهُ م ر اهـ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ) خَرَجَ الْمَائِعُ كَمَا قَالَهُ ز ي، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ م ر الْإِطْلَاقُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَرْعٌ: مَا تُلْقِيهِ الْفِئْرَانُ فِي بُيُوتِ الْأَخْلِيَةِ يُرْجَعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ فَمَا عَدَّهُ الْعُرْفُ قَلِيلًا عُفِيَ عَنْهُ وَمَا لَا فَلَا وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ وَإِلَّا فَلَا عَفْوَ، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَلَا عَفْوَ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ وَلَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَا، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي أَنَّهُ مِنْ الْفِئْرَانِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَالْأَصْلُ إلْقَاءُ الْفِئْرَانِ وَالْفِئْرَانُ بِالْهَمْزِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَجْمِرٍ) أَيْ بِالْأَحْجَارِ، وَقَوْلُهُ: (عَنْ الدَّمِ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ) صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالدَّمِ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِطْ بِشَيْءٍ كَمَا لَوْ ذُبِحَتْ شَاةٌ وَقُطِعَ لَحْمُهَا وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَثَرٌ مِنْ الدَّمِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْبَقَرِ الَّتِي تُذْبَحُ فِي الْمَحَلِّ الْمُعَدِّ لِذَبْحِهَا الْآنَ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا لِإِزَالَةِ الدَّمِ عَنْهَا، فَإِنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الدَّمِ عَلَى اللَّحْمِ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ لَا يُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ قَلَّ لِاخْتِلَاطِهِ بِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ تَصْوِيرٌ حَسَنٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الْعَفْوِ عَمَّا ذُكِرَ بَيْنَ الْمُبْتَلَى بِهِ كَالْجَزَّارِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْ شَكَّ فِي الِاخْتِلَاطِ وَعَدَمِهِ لَمْ يَضُرَّ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الْمَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ ضَرُورِيٌّ، فَالْمُنَاسِبُ عَدَمُ ضَرَرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا لَمْ يُبَالِغُوا فِي إزَالَةِ الدَّمِ بِالْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ اللَّحْمُ الْمَذْكُورُ صَارَ أَجْنَبِيًّا ضَارًّا تَأَمَّلْ.
الْأَصْلَ نَجَاسَتُهُ وَطَهَارَةُ الْمَاءِ وَقَدْ اعْتَضَدَ أَصْلُ طَهَارَةِ الْمَاءِ بِاحْتِمَالِ وُلُوغِهِ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فِي الْغَيْبَةِ فَرُجِّحَ.
(وَالْقُلَّتَانِ) بِالْوَزْنِ (خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا (بِالْبَغْدَادِيِّ) أَخْذًا مِنْ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» وَالْقُلَّةُ فِي اللُّغَةِ الْجَرَّةُ الْعَظِيمَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ يُقِلُّهَا بِيَدَيْهِ أَيْ يَرْفَعُهَا وَهَجْرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يُجْلَبُ مِنْهَا الْقِلَالُ وَقِيلَ هِيَ بِالْبَحْرَيْنِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ قَالَ فِي الْخَادِمِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت قِلَالَ هَجَرَ فَإِذَا الْقُلَّةُ مِنْهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا أَيْ مِنْ قِرَبِ الْحِجَازِ فَاحْتَاطَ الشَّافِعِيُّ فَحَسَبَ الشَّيْءَ نِصْفًا إذْ لَوْ كَانَ فَوْقَهُ لَقَالَ تَسَعُ ثَلَاثَ قِرَبٍ إلَّا شَيْئًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ خَمْسَ قِرَبٍ وَالْغَالِبُ أَنَّ الْقِرْبَةَ لَا تَزِيدُ عَلَى مِائَةِ رَطْلٍ بَغْدَادِيٍّ وَهُوَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ فِي الْأَصَحِّ فَالْمَجْمُوعُ بِهِ خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ تَقْرِيبًا فِي الْأَصَحِّ فَيُعْفَى عَنْ نَقْصِ رَطْلٍ أَوْ رَطْلَيْنِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَصَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُغَيِّرَةِ كَأَنْ تَأْخُذَ إنَاءَيْنِ فِي وَاحِدٍ قُلَّتَانِ وَفِي الْآخَرِ دُونَهُمَا ثُمَّ تَضَعَ فِي أَحَدِهِمَا قَدْرًا مِنْ الْمُغَيِّرِ وَتَضَعَ فِي الْآخَرِ قَدْرَهُ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ وَإِلَّا ضَرَّ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِضَبْطِهِ وَبِالْمِسَاحَةِ فِي الْمُرَبَّعِ ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا وَفِي الْمُدَوَّرِ ذِرَاعَانِ طُولًا وَذِرَاعٌ عَرْضًا وَالْمُرَادُ فِيهِ بِالطُّولِ الْعُمْقُ وَبِالْعَرْضِ مَا بَيْنَ حَائِطَيْ الْبِئْرِ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالْقُلَّتَانِ) أَيْ مَظْرُوفُهُمَا بِدَلِيلِ خَمْسِمِائَةٍ إلَخْ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: الْقُلَّتَانِ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً اسْمًا لِلْخَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ هُوَ الْأَصَحُّ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُمَا أَلْفُ رَطْلٍ، وَقِيلَ سِتُّمِائَةِ رَطْلٍ، وَقَوْلُهُ: تَقْرِيبًا أَيْ فِي الْأَصَحِّ أَيْضًا، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْخَمْسَمِائَةِ تَحْدِيدٌ فَلَا يُغْتَفَرُ نَقْصُ شَيْءٍ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، فَقَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ يَرْجِعُ لِلْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِالْبَغْدَادِيِّ) قَالَ الرَّحْمَانِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَحِكْمَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَغْدَادِيّ فِي غَالِبِ الْكُتُبِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ: «الْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ وَالْكَيْلُ كَيْلُ الْمَدِينَةِ» لَعَلَّهُ لِكَوْنِ التَّقْدِيرِ وَقَعَ بِهَا وَفِيهَا لُغَاتٌ لِأَنَّهَا إمَّا بِمُوَحَّدَةٍ أَوْ مِيمٍ ثُمَّ غَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ ذَالٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَوْ مُهْمَلَةٍ أَوْ نُونٍ بَدَلَهَا، فَفِيهَا سِتُّ لُغَاتٍ مِنْ ضَرْبِ الْبَاءِ وَالْمِيمِ فِي أَوَّلِهَا فِي الثَّلَاثَةِ الَّتِي آخِرُهَا وَهِيَ الدَّالُ الْمُهْمَلَةُ وَالذَّالُ الْمُعْجَمَةُ وَالنُّونُ، وَمِقْدَارُهُمَا عَلَى مُصَحَّحِ النَّوَوِيِّ بِالْمِصْرِيِّ أَرْبَعُمِائَةِ رَطْلٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رَطْلًا، وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ مِنْ رَطْلٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةٌ وَسَبْعَةُ أَرْطَالٍ وَسُبْعُ رَطْلٍ، وَعَلَى مُصَحَّحِ الرَّافِعِيِّ بِالْمِصْرِيِّ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَوَاحِدٌ وَخَمْسُونَ رَطْلًا وَثُلُثُ رَطْلٍ وَثُلُثَا أُوقِيَّةٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رَطْلٍ.
قَوْلُهُ: (يُقِلُّهَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَقَلَّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَشْبَهُ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَوَى) أَيْ الْبَيْهَقِيُّ الْمُتَقَدِّمُ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ) أَيْ بِالْوَاسِطَةِ إذْ الشَّافِعِيُّ أَخَذَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزَّنْجِيِّ، وَهُوَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جِبْرِيلَ، عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَوْلُهُ: (تَقْرِيبًا) هُوَ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ أَيْ: وَالْقُلَّتَانِ تَقْرِيبُ خَمْسِمِائَةِ رَطْلٍ أَيْ مُقَرَّبُهَا بِمَعْنَى مَا يَقْرُبُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ رَطْلَيْنِ) كَأَنَّ وَجْهَ اعْتِبَارِ الرَّطْلَيْنِ فَقَطْ أَنَّهُمَا أَمْرٌ وَسَطٌ بَيْنَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْقِلَّةِ وَهُوَ الْوَاحِدُ، وَأَوَّلِ مَرَاتِبِ الْكَثْرَةِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَالَ سم: لَا يُقَالُ هَذَا يَرْجِعُ إلَى التَّحْدِيدِ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ تَحْدِيدٌ غَيْرُ التَّحْدِيدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ) أَيْ النَّقْصُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا أَوْلَى) قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَعْنَى، إذْ مَا زَادَ عَلَى الرَّطْلَيْنِ يَظْهَرُ بِهِ التَّفَاوُتُ وَدُونَهُمَا لَا اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لِضَبْطِهِ) فِيهِ أَنَّ الْأَوَّلَ فِيهِ ضُبِطَ أَيْضًا بِالرَّطْلِ أَوْ الرَّطْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْمِسَاحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهَذَا عَلَى الْمُرَجَّحِ أَمَّا عَلَى أَنَّهُمَا سِتُّمِائَةِ رَطْلٍ أَوْ أَلْفُ رَطْلٍ فَتَزِيدُ الْمِسَاحَةُ عَلَى مَا ذُكِرَ كَمَا فِي قُرَّةِ الْعَيْنِ فِي مِسَاحَةِ ظَرْفِ الْقُلَّتَيْنِ لِلشَّنْشُورِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُدَوَّرِ ذِرَاعَانِ) طُولًا بِذِرَاعِ النَّجَّارِ، وَذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْعَرْضِ إلَخْ) .
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ الْمُرَبَّعُ ذِرَاعَيْنِ وَنِصْفًا وَعَرْضُهُ وَعُمْقُهُ كَذَلِكَ يَتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ أَنَّهُ أَرْبَعُ قِلَالٍ لِأَنَّهَا ضِعْفُ
سَائِرِ الْجَوَانِبِ وَبِالذِّرَاعِ فِي الْمُرَبَّعِ ذِرَاعُ الْآدَمِيِّ وَهُوَ شِبْرَانِ تَقْرِيبًا وَأَمَّا فِي الْمُدَوَّرِ فَالْمُرَادُ بِهِ الطُّولُ ذِرَاعُ النَّجَّارِ الَّذِي هُوَ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ تَقْرِيبًا وَالْمَاءُ الْجَارِي وَهُوَ مَا انْدَفَعَ فِي مُسْتَوٍ أَوْ مُنْخَفِضٍ كَرَاكِدٍ فِيمَا مَرَّ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَفِيمَا اُسْتُثْنِيَ لِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ لَكِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْجَارِي بِالْجِرْيَةِ نَفْسِهَا لَا مَجْمُوعِ الْمَاءِ وَهِيَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ الدَّفْعَةُ بَيْنَ حَافَتَيْ النَّهْرِ عَرْضًا وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَرْتَفِعُ مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ تَمَوُّجِهِ
[حاشية البجيرمي]
الْقُلَّتَيْنِ فِيهِ وَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ سِتَّةَ عَشَرَ قُلَّةً يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ ضَرْبَ الْقُلَّتَيْنِ بِالطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّك تَجْعَلُ كُلًّا مِنْ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْعُمْقِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ قَصِيرَةٍ، وَتَضْرِبُ عَشَرَةَ الطُّولِ فِي عَشَرَةِ الْعَرْضِ، وَالْمِائَةَ الْحَاصِلَةَ فِي عَشَرَةِ الْعُمْقِ يَحْصُلُ أَلْفٌ كُلُّ وَاحِدٍ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَرْطَالٍ، فَالْجُمْلَةُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَطْلٍ بِسِتَّةَ عَشَرَ قُلَّةً فَتَدَبَّرْ، لِأَنَّ كُلَّ أَلْفٍ أَرْبَعُ قُلَلٍ، وَسَكَتَ عَنْ الْمُحِيطِ، وَهُوَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَمْثَالِ الْعَرْضِ وَسُبْعِ مِثْلِهِ، لِأَنَّ مُحِيطَ كُلِّ دَائِرَةٍ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِ عَرْضِهَا، وَسُبْعُ مِثْلِهِ، فَلَوْ فُرِضَتْ دَائِرَةٌ عَرْضُهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ كَانَ مُحِيطُهَا اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا فَيُبْسَطُ كُلٌّ مِنْ الْعَرْضِ وَالْمُحِيطِ وَالطُّولِ أَيْ الْعُمْقِ أَرْبَاعًا لِوُجُودِ مَخْرَجِهَا فِي مِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْمُرَبَّعِ، فَيَصِيرُ الْعُمْقُ عَشَرَةً.
وَالْعَرْضُ أَرْبَعَةً وَالْمُحِيطُ اثْنَيْ عَشْرَ وَأَرْبَعَةَ أَسْبَاعٍ، ثُمَّ يُضْرَبُ نِصْفُ الْعَرْضِ وَهُوَ اثْنَانِ فِي نِصْفِ الْمُحِيطِ وَهُوَ سِتَّةٌ وَسُبْعَانِ تَبْلُغُ اثْنَيْ عَشْرَ وَأَرْبَعَةَ أَسْبَاعٍ، فَيُضْرَبُ فِي بَسْطِ الْعُمْقِ وَهُوَ عَشَرَةٌ تَبْلُغُ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ رُبُعًا مَعَ زِيَادَةِ خَمْسَةِ أَسْبَاعِ رُبُعٍ وَبِهَا حَصَلَ التَّقْرِيبُ.
وَصُورَةُ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْمُثَلَّثِ: أَنْ تَكُونَ الْحُفْرَةُ ثَلَاثَةَ أَرْكَانٍ: رُكْنٌ عَرْضًا وَرُكْنَانِ طُولًا، فَالْعَرْضُ وَهُوَ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ، وَالطُّولُ وَهُوَ الرُّكْنَانِ الْآخَرَانِ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ أَيْضًا، وَالْعُمْقُ ذِرَاعَانِ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ كَذَلِكَ فَتَبْسُطُهَا أَذْرُعًا قَصِيرَةً، وَتَضْرِبُ الطُّولَ فِي الْعَرْضِ يَحْصُلُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ تَأْخُذُ ثُلُثَهَا وَعُشْرَهَا تَجِدُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسِتَّةَ أَعْشَارٍ تَضْرِبُهُ فِي ثَمَانِيَةِ الْعُمْقِ، فَيَحْصُلُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ عُشْرًا مِنْ السِّتَّةِ أَعْشَارٍ مِنْهَا أَرْبَعُونَ بِأَرْبَعَةٍ صَحِيحَةٍ، وَالثَّمَانِيَةُ أَعْشَارٍ بِوَاحِدٍ إلَّا عِشْرِينَ تُضِيفُهَا إلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ يَحْصُلُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ إلَّا عِشْرِينَ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ تَقْرِيبًا.
وَقَوْلُهُ: وَسِتَّةُ أَعْشَارٍ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ فَتَضْرِبُهَا بِهَذَا اللَّفْظِ فَيَكُونُ أَسْهَلَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَاءُ الْجَارِي إلَخْ) سَكَتَ عَنْ الْمَائِعِ وَحُكْمُ الرَّاكِدِ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمُلَاقَاةِ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، وَأَمَّا الْجَارِي فَالْجِرْيَةُ مِنْهُ تَنْجُسُ بِالْمُلَاقَاةِ أَيْضًا وَإِنْ كَثُرْت، وَلَا يَنْجُسُ مَا قَبْلَهَا لِانْفِصَالِهَا حُكْمًا وَيَنْجُسُ مَا بَعْدَهَا لِمُرُورِهِ عَلَى مَحَلِّهَا الَّذِي تَنَجَّسَ بِهَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ صُبَّ الْمَائِعُ مِنْ إبْرِيقٍ مَثَلًا مِنْ عُلْوٍ إلَى سُفْلٍ تَنَجَّسَ مَا لَاقَى النَّجَاسَةَ فَقَطْ ق ل. وَقَوْلُهُ: وَلَا يَنْجُسُ مَا قَبْلَهَا أَيْ إنْ كَانَ بِمَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ ارْتِفَاعًا كَثِيرًا.
قَالَ شَيْخُنَا ح ف: حَتَّى لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي آخِرِ الْقَنَاةِ الْجَارِي فِيهَا الزَّيْتُ مَثَلًا وَاتَّصَلَ الزَّيْتُ بِهَا تَنَجَّسَ جَمِيعُ مَا فِي الْقَنَاةِ وَلَوْ جُعِلَ حَائِلٌ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالزَّيْتِ بَعْدَ الِاتِّصَالِ تَنَجَّسَ مَا وَرَاءَ الْحَائِلِ الَّذِي لَمْ يُصِبْ النَّجَاسَةَ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ الْقَنَاةُ مُسْتَوِيَةً أَوْ قَرِيبَةً مِنْ الِاسْتِوَاءِ بِأَنْ كَانَ فِيهَا ارْتِفَاعٌ يَسِيرٌ.
فَإِنْ كَانَ فِيهَا ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ كَثِيرٌ فَلَا يَنْجُسُ الْمُرْتَفِعُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْمُنْخَفِضِ لِلنَّجَاسَةِ، فَلَوْ جَعَلْنَا حَائِلًا لِلْمُرْتَفِعِ كَانَ طَاهِرًا.
قَوْلُهُ: (وَفِيمَا اُسْتُثْنِيَ) الْأَوْلَى وَمِمَّا اُسْتُثْنِيَ أَيْ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا إذْ هَذَا مَرَّ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ وَيُسْتَثْنَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ) الْمُرَادُ بِالْمَفْهُومِ مَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْجَارِي بِالْجِرْيَةِ نَفْسِهَا) .
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْجَارِيَ مِنْ الْمَاءِ وَمِنْ رَطْبٍ غَيْرِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُسْتَوٍ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ الِاسْتِوَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْحَدَرًا مِنْ مُرْتَفِعٍ كَالصَّبِّ مِنْ إبْرِيقٍ، فَالْجَارِي مِنْ الْمُرْتَفِعِ جِدًّا لَا يَتَنَجَّسُ مِنْهُ إلَّا الْمُلَاقِي الْمُنَجِّسَ مَاءً أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا فِي الْمُسْتَوِي وَالْقَرِيبِ مِنْهُ فَغَيْرُ الْمَاءِ يَنْجُسُ كُلُّهُ بِالْمُلَاقَاةِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْجِرْيَةِ وَهِيَ مَا بَيْنَ حَافَتَيْ النَّهْرِ مِنْ الدُّفُعَاتِ، وَأَمَّا الْمَاءُ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِالْجَارِيَةِ فَإِنْ كَانَتْ قُلَّتَيْنِ لَمْ تَنْجُسْ هِيَ وَلَا غَيْرُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَهِيَ الَّتِي تَنَجَّسَتْ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ الْجِرْيَاتِ بَاقٍ عَلَى
أَيْ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا فَإِنْ كَثُرَتْ الْجِرْيَةُ لَمْ تَنْجَسْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا مُنْفَصِلَةٌ عَمَّا أَمَامَهَا وَمَا خَلْفَهَا مِنْ الْجِرْيَاتِ حُكْمًا وَإِنْ اتَّصَلَتْ بِهِمَا حِسًّا إذْ كُلُّ جِرْيَةٍ طَالِبَةٌ لِمَا أَمَامَهَا هَارِبَةٌ عَمَّا خَلْفَهَا مِنْ الْجِرْيَاتِ وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْجِرْيَةِ قُلَّتَيْنِ بِأَنْ يُمْسَحَا وَيُجْعَلَ الْحَاصِلُ مِيزَانًا ثُمَّ يُؤْخَذَ قَدْرُ عُمْقِ الْجِرْيَةِ وَيُضْرَبَ فِي قَدْرِ طُولِهَا ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي قَدْرِ عَرْضِهَا بَعْدَ بَسْطِ الْأَقْدَارِ مِنْ مَخْرَجِ الرُّبُعِ لِوُجُودِهِ فِي مِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ فِي الْمُرَبَّعِ فَمَسْحُ الْقُلَّتَيْنِ بِأَنْ تَضْرِبَ ذِرَاعًا وَرُبُعًا طُولًا فِي مِثْلِهِمَا عَرْضًا فِي مِثْلِهِمَا عُمْقًا يَحْصُلُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَهِيَ الْمِيزَانُ أَمَّا إذَا كَانَ أَمَامَ الْجَارِي ارْتِفَاعٌ يَرُدُّهُ فَلَهُ حُكْمُ الرَّاكِدِ
[حاشية البجيرمي]
طَهُورِيَّتِهِ وَلَوْ الْمُتَّصِلَةَ بِهَا، وَأَمَّا مَا بَعْدَهَا فَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ إلَّا الْجِرْيَةَ الْمُتَّصِلَةَ بِالْمُتَنَجِّسِ، فَلَهَا حُكْمُ الْغُسَالَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَارِيَةً مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ وَاقِفَةً فِي الْمَمَرِّ فَكُلُّ مَا مَرَّ عَلَيْهَا يَنْجُسُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَمُرَّ عَلَيْهَا وَهُوَ الَّذِي فَوْقَهَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالْعِبْرَةُ فِي الْجَارِي بِالْجِرْيَةِ نَفْسِهَا لَا مَجْمُوعِ الْمَاءِ، فَإِنَّ الْجِرْيَاتِ مُتَفَاصِلَةٌ حُكْمًا، وَإِنْ اتَّصَلَتْ فِي الْحِسِّ لِأَنَّ كُلَّ جِرْيَةٍ طَالِبَةٌ لِمَا قَبْلَهَا هَارِبَةٌ مِمَّا بَعْدَهَا، فَإِذَا كَانَتْ الْجِرْيَةُ وَهِيَ الدُّفْعَةُ الَّتِي بَيْنَ حَافَتَيْ النَّهْرِ فِي الْعَرْضِ دُونَ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَتْ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَمْ لَا لِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ الْمَارِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفْصَلْ فِيهِ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ، وَيَكُونُ مَحَلُّ تِلْكَ الْجِرْيَةِ مِنْ النَّهْرِ نَجِسًا وَيَطْهُرُ بِالْجِرْيَةِ بَعْدَهَا، وَتَكُونُ فِي حُكْمِ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ جِرْيَاتٍ عَلَيْهَا.
وَمِنْ التَّتْرِيبِ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ هَذَا فِي نَجَاسَةٍ تَجْرِي فِي الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً وَاقِفَةً، فَذَلِكَ الْمَحَلُّ نَجِسٌ، وَكُلُّ جِرْيَةٍ تَمُرُّ بِهَا نَجِسَةٌ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ قُلَّتَانِ مِنْهُ فِي مَوْضِعٍ.
وَيُلْغَزُ بِهِ: فَيُقَالُ لَنَا مَاءٌ أَلْفُ قُلَّةٍ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ وَهُوَ نَجِسٌ أَيْ لِأَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَجْتَمِعْ فَهُوَ نَجِسٌ وَإِنْ طَالَ مَحَلُّ جَرْيِ الْمَاءِ، وَالْفَرْضُ أَنَّ كُلَّ جِرْيَةٍ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ تَحْقِيقًا إلَخْ) تَفْصِيلٌ لِلتَّمَوُّجِ، فَالْحَقِيقِيُّ أَنْ يُشَاهَدَ ارْتِفَاعُ الْمَاءِ وَانْخِفَاضُهُ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْهَوَاءِ، وَالتَّقْدِيرِيُّ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ ظَاهِرِ التَّمَوُّجِ بِالْجَرْيِ عِنْدَ سُكُونِ الْهَوَاءِ لِأَنَّهُ يَتَمَاوَجُ وَلَا يَرْتَفِعُ.
قَوْلُهُ: (حُكْمًا) بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تَتَقَوَّى بِمَا قَبْلَهَا وَلَا بِمَا بَعْدَهَا، بِخِلَافِ الرَّاكِدِ فَإِنَّ بَعْضَهَا يُقَوِّي بَعْضًا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُمْسَحَا إلَخْ) هَذَا مَسْحُ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ حَيْثُ هُمَا أَيْ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْجِرْيَةِ، وَسَيَأْتِي تَصْوِيرُهُ بِقَوْلِهِ فَمَسْحُ الْقُلَّتَيْنِ إلَخْ.
فَهَذَا نَظَرٌ أَوَّلٌ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُؤْخَذُ إلَخْ مَسْحٌ لِلْجِرْيَةِ نَفْسِهَا هَلْ تَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ بِأَنْ بَلَغَتْ الْمِيزَانَ الْآتِيَ وَهُوَ الْمِائَةُ وَالْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ أَوْ لَا، بِأَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ الطُّولُ ذِرَاعًا وَرُبُعًا فِي الْمُرَبَّعِ وَهَذَا نَظَرٌ ثَانٍ.
قَوْلُهُ: (فَمَسْحُ الْقُلَّتَيْنِ إلَخْ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ بِأَنْ يُمْسَحَا أَيْ الْقُلَّتَانِ، فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عَقِبَهُ، وَإِذَا تَأَمَّلْت لَمْ تَجِدْ فِي كَلَامِهِ تَكْرَارًا خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ حُكْمُ الرَّاكِدِ) لَوْ قَالَ فَهُوَ مِنْ الرَّاكِدِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَسْلَمَ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: فَلَهُ حُكْمُ الرَّاكِدِ فَلَا يُنْظَرُ فِيهِ لِلْجِرْيَاتِ بَلْ يُنْظَرُ لِجَمِيعِهِ هَلْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَطْهُرُ بِدِبَاغِهِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْآنِيَةِ وَمَا يَمْتَنِعُ]
أَيْ: وَمَا لَا يَظْهَرُ.
فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ، لِأَنَّ الْفَصْلَ مُنْعَقِدٌ لِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ مَا يَطْهُرُ بِدِبَاغِهِ، وَمَا لَا يَطْهُرُ وَمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْآنِيَةِ، وَمَا يَمْتَنِعُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِلشَّارِحِ مِنْ عَدَمِ تَرْجَمَةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ إلَخْ بِفَصْلٍ.
وَقَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ الْمُحَرَّرَةِ تَرْجَمَتُهُ بِفَصْلٍ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ هَذَا الْفَصْلُ مُنْعَقِدًا لِأَمْرَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا مَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَمَا لَا يَطْهُرُ.
وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الدِّبَاغِ عَقِبَ الْمِيَاهِ أَنَّهُ مُطَهِّرٌ، وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ الْأَوَانِي عَقِبَهَا فَهِيَ كَوْنُهَا ظُرُوفًا لِلْمِيَاهِ، وَجَمْعُ الْجُلُودِ فِي كَلَامِهِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، لِأَنَّ لِكُلِّ حَيَوَانٍ جِلْدًا يُزَالُ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ ق ل. وَفِيهِ أَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ جَمْعًا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا اسْمُ جَمْعٍ فَهِيَ جَمْعٌ لُغَوِيٌّ، أَوْ يُقَالَ إنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ فَتَصْدُقُ بِالْمُتَعَدِّدِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَطْهُرُ بِدِبَاغِهِ وَمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْآنِيَةِ وَمَا يَمْتَنِعُ (وَجُلُودُ) الْحَيَوَانَاتِ (الْمَيِّتَةِ) كُلِّهَا (تَطْهُرُ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (بِالدِّبَاغِ) وَلَوْ بِإِلْقَاءِ الدَّابِغِ عَلَيْهِ بِنَحْوِ رِيحٍ أَوْ بِإِلْقَائِهِ عَلَى الدَّابِغِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» وَالظَّاهِرُ مَا لَاقَى الدَّابِغَ وَالْبَاطِنُ مَا لَمْ يُلَاقِ الدَّابِغَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَيِّتَةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ لَا.
كَمَا يَقْتَضِيه عُمُومُ الْحَدِيثِ.
وَالدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ وَهِيَ مَائِيَّتُهُ وَرُطُوبَتُهُ الَّتِي يُفْسِدُهُ بَقَاؤُهَا وَيُطَيِّبُهُ نَزْعُهَا بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ النَّتْنُ وَالْفَسَادُ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِحِرِّيفٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الطَّاهِرِ كَمَا ذُكِرَ وَالنَّجِسِ كَذَرْقِ الطُّيُورِ، وَلَا يَكْفِي التَّجْمِيدُ بِالتُّرَابِ وَلَا بِالشَّمْسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْزِعُ الْفُضُولَ، وَإِنْ جَفَّ الْجِلْدُ وَطَابَتْ رَائِحَتُهُ لِأَنَّ الْفَضَلَاتِ لَمْ تَزَلْ، وَإِنَّمَا جَمَدَتْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ عَادَتْ إلَيْهِ الْعُفُونَةُ وَيَصِيرُ الْمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ مُتَنَجِّسٍ لِمُلَاقَاتِهِ لِلْأَدْوِيَةِ النَّجِسَةِ، أَوْ الَّتِي تَنَجَّسَتْ بِهِ قَبْلَ طُهْرِ عَيْنِهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ لِذَلِكَ، فَلَا يُصَلِّي فِيهِ وَلَا عَلَيْهِ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَهُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ، وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ سَوَاءٌ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (الْمَيِّتَةِ) أَيْ وَكَذَا جُلُودُ الْحَيِّ الَّذِي يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْمَيِّتَةِ لِلْغَالِبِ فَلَوْ سُلِخَ جِلْدُهُ مَعَ حَيَاتِهِ طَهُرَ أَيْضًا بِالدِّبَاغِ.
اهـ. م د. وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ الْمُصَنِّفُ الْمَيِّتَاتِ، لِأَنَّ جَمْعَ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمِ مُلْحَقٌ بِجُمُوعِ الْقِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْخُلَاصَةِ، وَالْأَفْصَحُ فِيهَا الْمُطَابَقَةُ كَمَا فِي النَّظْمِ الْمَشْهُورِ فَمَا هُنَا مِنْ غَيْرِ الْأَحْسَنِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّهَا) تَأْكِيدٌ لِلْجُلُودِ أَوْ لِلْمَيِّتَةِ وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ ق ل.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) خِلَافًا لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ: يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ، فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَا فِيهِ.
وَعَنْ مَالِكٍ لَا تَطْهُرُ جُلُودُ الْمَيِّتَاتِ أَصْلًا، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ الْجُلُودَ كُلَّهَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إنَّهُ يُنْتَفَعُ بِجُلُودِ الْمَيِّتَةِ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ دِبَاغٍ، وَحَمْلُ أَحَادِيثِ الدِّبَاغِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ، وَتَوْجِيهُ بَاقِي الْأَقْوَالِ مَذْكُورٌ فِي الْمِيزَانِ.
قَوْلُهُ: (بِالدِّبَاغِ) بِمَعْنَى الِانْدِبَاغِ كَمَا تَدُلُّ لَهُ الْغَايَةُ الْمَذْكُورَةُ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِإِلْقَائِهِ) أَيْ الْجِلْدِ.
وَقَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) أَيْ بِنَحْوِ رِيحٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِعْلٌ وَلَا قَصْدٌ.
قَوْلُهُ: (أَيُّمَا إهَابٍ) الْإِهَابُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ كَكِتَابٍ اسْمٌ لِلْجِلْدِ قَبْلَ دَبْغِهِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أُهْبَةٌ لِلْحَيِّ أَيْ يَنْتَفِعُ بِهِ وَبَقَاءٌ لِحِمَايَةِ جَسَدِهِ كَمَا قِيلَ لَهُ الْمِسْكُ لِإِمْسَاكِهِ مَا وَرَاءَهُ وَمَا زَائِدَةٌ، وَطَهُرَ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ.
وَأَمَّا الْمُضَارِعُ فَبِالضَّمِّ لَا غَيْرُ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاطِنُ مَا لَمْ يُلَاقِ الدَّابِغَ) الْمَحَلُّ لِلْإِضْمَارِ.
وَفِي الْخَادِمِ لِلزَّرْكَشِيِّ: وَالْمُرَادُ بِبَاطِنِهِ مَا بَطَنَ وَهُوَ مَا لَوْ شُقَّ لَظَهَرَ، وَبِالظَّاهِرِ مَا ظَهَرَ مِنْ وَجْهَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: إذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ ظَاهِرِهِ فَقَطْ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَا فِيهِ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ فَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَغْلَطُ فِيهِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ) أَيْ كَالْخَيْلِ وَالْقَنَافِذِ، وَقَوْلُهُ: (أَمْ لَا) كَالذِّئَابِ وَالْفِئْرَانِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ النَّتْنُ) أَيْ عَنْ قُرْبٍ، أَمَّا لَوْ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الصُّلْبَةَ إذَا مَكَثَتْ فِي الْمَاءِ مُدَّةً طَوِيلَةً رُبَّمَا حَصَلَ لَهَا الْعُفُونَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَسَادُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ.
وَقَالَ ق ل: عَطْفُ مُرَادِفٍ.
قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ مَا عَدَا النَّتْنَ إنْ قَالَ خَبِيرَانِ إنَّهُ لِفَسَادِ الدَّبْغِ ضَرَّ وَإِلَّا فَلَا.
لِأَنَّا نَجِدُ مَا أُتْقِنَ دَبْغُهُ يَتَأَثَّرُ بِالْمَاءِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ لِمُطْلَقِ التَّأَثُّرِ بِهِ بَلْ يُنْظَرُ لِلدَّبْغِ.
قَوْلُهُ: (كَالْقَرَظِ) بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ ثَمَرُ السَّنْطِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّجِسِ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ.
لَكِنْ يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بِهِ إذَا وُجِدَ مَا يَقُومُ مُقَامَهُ.
قَوْلُهُ: (كَذَرْقِ الطُّيُورِ) هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَبِالزَّايِ أَيْضًا كَمَا فِي الْمُخْتَارِ قَالَ فِيهِ زَرَقَ الطَّائِرُ زَرْقًا وَبَابُهُ ضَرَبَ وَنَصَرَ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْمِلْحِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا جَمَدَتْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبَابُهُ نَصَرَ وَدَخَلَ.
اهـ. مُخْتَارٌ.
قَوْلُهُ: (عَادَتْ إلَيْهِ الْعُفُونَةُ) أَيْ لِأَنَّهَا كَامِنَةٌ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ غَسْلُهُ) وَلَوْ سَبْعًا بِتُرَابٍ إنْ كَانَ الدَّابِغُ نَحْوَ رَوْثِ كَلْبٍ ق ل. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَهُ قَبْلَ الدَّبْغِ نَجَاسَةٌ مُغَلَّظَةٌ فَغُسْلُهُ قَبْلَهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَطْهِيرِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ بِسَبْعٍ إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ، لِأَنَّهُ قَبْلَ الدَّبْغِ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لِلتَّطْهِيرِ، وَأَخَذَ مِنْهُ أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ سم أَنَّ عَظْمَ الْمَيِّتَةِ أَيْ وَشَعْرَهَا إذَا أَصَابَهُ مُغَلَّظٌ لَمْ يَطْهُرْ بِالتَّسْبِيعِ وَالتَّتْرِيبِ، فَإِذَا أَصَابَ شَيْئًا مَعَ الرُّطُوبَةِ نَجَّسَهُ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً اهـ فَتَفْطِنُ لَهُ فَإِنَّهُ فَرْعُ مُهِمٌّ نَفِيسٌ.
اهـ. م د، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ ع ش أَنَّهُ يَطْهُرُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ وَهُوَ أَقْيَسُ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ لِتَنَجُّسِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ
كَانَ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» وَخَرَجَ بِالْجِلْدِ الشَّعْرُ لِعَدَمِ تَأَثُّرِهِ بِالدَّبْغِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ.
(إلَّا جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ) فَلَا يُطَهِّرُهُ الدَّبْغُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِي إفَادَةِ الطَّهَارَةِ أَبْلَغُ مِنْ الدَّبْغِ وَالْحَيَاةُ لَا تُفِيدُ طَهَارَتَهُ.
(وَ) كَذَا (مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا) مَعَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ لِمَا ذُكِرَ، (وَعَظْمُ) الْحَيَوَانَاتِ (الْمَيِّتَةِ وَشَعْرُهَا) وَقَرْنُهَا وَظُفْرُهَا وَظِلْفُهَا (نَجِسٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] وَتَحْرِيمُ مَا لَا حُرْمَةَ لَهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَالْمَيْتَةُ مَا زَالَتْ حَيَاتُهَا بِغَيْرِ ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ فَيَدْخُلُ فِي الْمَيْتَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ إذَا ذُبِحَ، وَكَذَا مَا يُؤْكَلُ إذَا اخْتَلَّ فِيهِ
[حاشية البجيرمي]
يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ) بِأَنْ كَانَ فِيهِ نَجَسٌ يَسُدُّ الْفُرَجَ كَشَعْرٍ لَمْ يُلَاقِ الدَّابِغَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ) أَيْ جِلْدِ الْمَيِّتَةِ الْمَدْبُوغِ، أَمَّا جِلْدُ الْمُذَكَّى بَعْدَ دَبْغِهِ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ مَا لَمْ يَضُرَّ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا حَرُمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا) فَهُوَ شَامِلٌ لِجِلْدِهَا وَإِنْ دُبِغَ.
وَقَوْلُ ق ل: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ دَلِيلٌ لِدَعْوَاهُ اهـ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، لَكِنْ الْقَلْيُوبِيُّ فَهِمَ أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ الدِّبَاغِ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْجِلْدِ الشَّعْرُ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَخَرَجَ بِالْجِلْدِ الشَّعْرُ فَلَا يَطْهُرُ بِهِ وَإِنْ أُلْقِيَ فِي الْمَدْبَغَةِ وَعَمَّهُ الدَّابِغُ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، لَكِنْ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَإِنْ قَالَ الشَّيْخُ إنَّهُ يَطْهُرُ تَبَعًا وَإِنْ لَمْ يَتَأَثَّرْ بِالدَّبْغِ.
قَوْلُهُ: (وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ) فَهُوَ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ طَاهِرٌ تَبَعًا لِلْجِلْدِ كَدَنِّ الْخَمْرِ لِلْفَرْقِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِطَهَارَةِ دَنِّ الْخَمْرَةِ لِلضَّرُورَةِ إذْ لَوْلَا الْحُكْمُ بِطَهَارَتِهِ لَمْ يُوجَدْ طَهَارَةُ خَلٍّ أَصْلًا عَنْ خَمْرٍ، وَلَا ضَرُورَةَ إلَى طَهَارَةِ الشَّعْرِ لِإِمْكَانِ إزَالَتِهِ، وَلِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِالْجِلْدِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّعْرِ، أَمَّا الْكَثِيرُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ أَصْلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ تَبَعًا لِلنَّصِّ وَجَمْعٍ مِنْ الْأَصْحَابِ طَهَارَةَ الشَّعْرِ وَإِنْ كَثُرَ.
وَقَالَ: هَذَا لَا شَكَّ فِيهِ عِنْدِي وَهَذَا الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأُفْتِي بِهِ.
اهـ. سم.
وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْخِنْزِيرِ) اعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا جِلْدَ لَهُ وَشَعْرُهُ فِي لَحْمِهِ، وَعَلَيْهِ فَذَكَرَهُ لِبَيَانِ حُكْمِهِ لَوْ كَانَ، وَقِيلَ إنَّهُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا لَهُ جِلْدٌ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (أَبْلَغُ) لَعَلَّ وَجْهَ الْأَبْلَغِيَّةِ أَنَّهَا تُفِيدُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ الطَّهَارَةَ بِخِلَافِ الدَّبْغِ إذْ لَا يُفِيدُ إلَّا الْجِلْدُ فَقَطْ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (مَعَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) أَيْ غَيْرِ آدَمِيٍّ وَهَذَا مُرَادُ ق ل بِقَوْلِهِ فِي عُمُومِهِ تَقْيِيدٌ يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِي إفَادَةِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَقَرْنُهَا) وَكَذَا سِنُّهَا وَحَافِرُهَا، وَقَدْ يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ الْعَظْمُ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى كُلِّهِ، وَكَذَا لَبَنُهَا وَبَيْضُهَا إنْ لَمْ يَتَصَلَّبْ وَمِسْكُهَا إنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِلْوُقُوعِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ.
زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ بِطَهَارَةِ الْقَرْنِ وَالسِّنِّ وَالْعَظْمِ وَالرِّيشِ إذْ لَا رُوحَ فِيهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالنَّعَمِ أَوْ لَا يُؤْكَلُ كَالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ.
اهـ. شَعْرَانِيٌّ فِي الْمِيزَانِ.
قَوْلُهُ: (وَظِلْفُهَا) الظِّلْفُ اسْمٌ لِحَافِرِ الْغَنَمِ وَنَحْوِهِ كَالْبَقَرِ وَالظُّفْرُ لِلطَّيْرِ وَالْحَافِرُ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَيَدْخُلُ فِي الْمَيْتَةِ مَا لَا يُؤْكَلُ إذَا ذُبِحَ) وَذَبْحُهُ حَرَامٌ وَلَوْ لِأَجْلِ جِلْدِهِ، وَكَذَا ذَبْحُ الْمَأْكُولِ لَا لِأَكْلِهِ وَلَوْ لِأَخْذِ جِلْدِهِ أَوْ لَحْمِهِ لِلصَّيْدِ بِهِ كَمَا فِي عب فَتَلَخَّصَ لَنَا أَنَّ الْحَيَوَانَ إنْ كَانَ مَأْكُولًا لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ إلَّا لِلْأَكْلِ فَقَطْ، وَغَيْرُ الْمَأْكُولِ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ مُطْلَقًا إلَّا إذَا نُصَّ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِ أَوْ نَدْبِهِ اهـ اج.
وَانْظُرْ إذَا ذُبِحَ الْمَأْكُولُ لِأَجْلِ جِلْدِهِ هَلْ يَكُونُ مَيْتَةً أَوْ لَا؟ نُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ الثَّانِي فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي الْمِيزَانِ لِلشَّعْرَانِيِّ مَا نَصُّهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ شَيْئًا فِيمَا لَا يُؤْكَلُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إنَّهَا تَعْمَلُ إلَّا فِي الْخِنْزِيرِ، وَإِذَا ذُكِّيَ عِنْدَهُمَا سَبُعٌ أَوْ كَلْبٌ طَهُرَ جِلْدُهُ وَلَحْمُهُ، لَكِنَّ أَكْلَهُ حَرَامٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ خَبِيثٌ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الذَّكَاةُ طَهَارَةً وَلَا طِيبًا، بَلْ حُكْمُ ذَبْحِهِ حُكْمُ مَوْتِهِ حَتْفَ أَنْفِهِ.
قَالَ تَعَالَى فِي مَدْحِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ طَهَارَتِهِ حِلُّهُ، فَقَدْ يَحْرُمُ الشَّيْءُ الطَّاهِرُ لِضَرُورَةٍ فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ وَلَحْمُ مَا لَا يُؤْكَلُ، وَإِنْ قِيلَ طَهَارَتُهُ يَضُرُّ فِي الْبَدَنِ كَمَا جُرِّبَ وَمَنْ شَكَّ فَلْيُجَرِّبْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا أَنَّهُ يُورِثُ آكِلَهُ الْبَلَادَةَ حَتَّى لَا يَكَادَ يَفْهَمُ ظَوَاهِرَ الْأُمُورِ فَضْلًا عَنْ بَوَاطِنِهَا لَكَفَى اهـ بِحُرُوفِهِ.
شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ التَّذْكِيَةِ كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ وَالْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ وَمَا ذُبِحَ بِالْعَظْمِ وَنَحْوِهِ.
وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْحَيِّ كَمَيْتَةِ ذَلِكَ الْحَيِّ إنْ كَانَ طَاهِرًا فَطَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَنَجِسٌ لِخَبَرِ: «مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، فَالْمُنْفَصِلُ مِنْ الْآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ طَاهِرٌ وَمِنْ غَيْرِهَا نَجِسٌ.
(إلَّا شَعْرَ) أَوْ صُوفَ أَوْ رِيشَ أَوْ وَبَرَ الْمَأْكُولِ فَطَاهِرٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ نُتِفَ مِنْهَا أَوْ اُنْتُتِفَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80] وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أُخِذَ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ أَوْ فِي الْحَيَاةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ، وَلَوْ شَكَكْنَا فِيمَا ذُكِرَ هَلْ انْفَصَلَ مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ.
وَشَكَكْنَا فِي النَّجَاسَةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَيْنَا قِطْعَةَ لَحْمٍ وَشَكَكْنَا هَلْ هِيَ مِنْ مُذَكَّاةٍ أَوْ لَا؟
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالْمُحَرَّمِ لِلصَّيْدِ) أَيْ إذَا كَانَ مَا ذَكَّاهُ صَيْدًا وَحْشِيًّا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ أَمَّا غَيْرُ الْوَحْشِيِّ فَلَا يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) كَالظُّفْرِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ طَاهِرًا فَطَاهِرٌ) كَانَ الْمُنَاسِبُ إنْ كَانَتْ طَاهِرَةً أَيْ إنْ كَانَتْ مَيِّتَةً طَاهِرَةً فَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ حَالَ حَيَاتِهِ طَاهِرٌ وَإِنْ نَجِسَةً فَنَجِسٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَيْتَةَ اكْتَسَبَتْ التَّذْكِيرَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَمِنْ الْجُزْءِ ثَوْبُ الثُّعْبَانِ فَهُوَ نَجِسٌ خِلَافًا لِمَنْ أَفْتَى بِطَهَارَتِهِ كَالْعَرَقِ كَمَا فِي م ر: وَانْظُرْ لَوْ اتَّصَلَ الْجُزْءُ الْمَذْكُورُ بِأَصْلِهِ وَحَلَّتْهُ الْحَيَاةُ هَلْ يَطْهُرُ وَيُؤْكَلُ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ أَوْ لَا.
وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ أَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى الْمَيْتَةَ ثُمَّ ذُكِّيَتْ وَلَمْ يَظْهَرْ فِي هَذِهِ إلَّا الْحِلُّ فَكَذَا الْأَوَّلُ فَلْيُتَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَرِدُ عَلَى الْأُولَى مَا لَوْ وَصَلَ عَظْمُهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ وَحَلَّتْهُ الْحَيَاةُ مَعَ حُكْمِهِمْ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي مَا لَوْ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ تَيَقُّنِ مَوْتِهِ حَيْثُ لَا تَعُودُ لَهُ زَوْجَاتُهُ وَأَمْوَالُهُ، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْعَظْمَ الْمَوْصُولَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْوَاصِلِ أَصَالَةً وَلَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهِ الْأَصْلِيَّةِ بِدَلِيلِ عَدَمِ عَوْدِهِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ الْوَصْلُ مُقْتَضِيًا لِطَهَارَتِهِ، بِخِلَافِ جُزْءِ الْحَيَوَانِ فَقَدْ عَادَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ بِعَوْدِهِ إلَى أَصْلِهِ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ إيرَادِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَيَاةٌ حَقِيقِيَّةٌ مُتَجَدِّدَةٌ فَتُعْطَى حُكْمَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ كَاتِبُهُ إطْفِيحِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: فَتُعْطَى حُكْمَهَا وَهُوَ الطَّهَارَةُ بِالْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ هُنَا، وَأَمَّا هُنَاكَ فَإِنَّ زَوْجَاتِهِ وَأَمْوَالَهُ حَرُمَتَا عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ فَلَا تُفِيدُهُ الْحَيَاةُ شَيْئًا.
1 -
قَوْلُهُ: (فَالْمُنْفَصِلُ مِنْ الْآدَمِيِّ) وَمِنْهُ الْمَشِيمَةُ الَّتِي فِيهَا الْوَلَدُ طَاهِرَةٌ مِنْ الْآدَمِيِّ نَجِسَةٌ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا شَعْرَ أَوْ صُوفَ) هَذَا بِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الشَّرْحِ مَعَ الْمَتْنِ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي شَعْرِ الْمَيِّتَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَبَرَ الْمَأْكُولِ) وَمِثْلُهُ لَبَنُهُ وَبَيْضُهُ وَمِسْكُهُ وَفَأْرَتُهُ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ بِالْهَمْزِ فَقَطْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَمَحَلُّ طَهَارَتِهَا إنْ انْفَصَلَتْ فِي حَيَاتِهَا وَلَوْ احْتِمَالًا عَلَى الْأَوْجَهِ أَوْ بَعْدَ ذَكَاتِهَا وَإِلَّا فَهِيَ نَجِسَةٌ ز ي.
وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهِيَ نَجِسَةٌ أَيْ إنْ لَمْ تَتَهَيَّأْ لِلِانْفِصَالِ، قَالَ ع ش.
قَوْلُهُ: وَلَوْ احْتِمَالًا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رَأَى ظَبْيَةً مَيِّتَةً وَفَأْرَةً عِنْدَهَا، وَاحْتَمَلَ أَنَّ انْفِصَالَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهَا وَهُوَ مُتَّجَهٌ، لِأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً قَبْلَ الْمَوْتِ فَتُسْتَصْحَبُ طَهَارَتُهَا وَلَمْ يَعْلَمْ مَا يُزِيلُ الطَّهَارَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمِسْكُ طَاهِرًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «الْمِسْكُ أَطْيَبُ الطِّيبِ» اهـ. وَنُقِلَ عَنْ حَجّ أَنَّ الْمِسْكَ التُّرْكِيَّ نَجِسٌ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ فَرْجِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ، وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ وَهُوَ نَبْتٌ يَلْفِظُهُ الْبَحْرُ.
قَالَ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: حَدَّثَنِي بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ، فَوَقَعَ عَلَى جَزِيرَةٍ فَنَظَرَ إلَى شَجَرَةٍ مِثْلِ عُنُقِ الشَّاةِ وَإِذَا ثَمَرُهَا عَنْبَرٌ قَالَ: فَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَكْثُرَ ثُمَّ نَأْخُذَهُ، فَهَبَّتْ رِيحٌ فَأَلْقَتْهُ فِي الْبَحْرِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَالسَّمَكُ وَدَوَابُّ الْبَحْرِ تَبْتَلِعُهُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ لِأَنَّهُ لَيِّنٌ، فَإِذَا ابْتَلَعَتْهُ قَلَّمَا تَسْلَمُ إلَّا قَتَلَهَا لِفَرْطِ الْحَرَارَةِ الَّتِي فِيهِ، فَإِذَا أَخَذَ الصَّيَّادُ السَّمَكَةَ وَجَدَهُ فِي بَطْنِهَا فَيُقَدِّرُ أَيْ يَظُنُّ أَنَّهَا مِنْهَا، وَإِنَّمَا هُوَ ثَمَرُ نَبْتٍ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نُتِفَ إلَخْ) وَالنَّتْفُ حَرَامٌ لِلتَّعْذِيبِ، وَمَنْ قَالَ مَكْرُوهٌ يُحْمَلُ عَلَى أَذًى يَحْتَمِلُ عَادَةً.
قَوْلُهُ: (أَثَاثًا وَمَتَاعًا) الْأَثَاثُ أَمْتِعَةُ الْبَيْتِ فَعَطْفُ الْمَتَاعِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ أَوْ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَكَكْنَا فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالرِّيشِ وَالْوَبَرِ وَكَذَا الْعَظْمُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي خِرْقَةٍ أَوْ زِنْبِيلٍ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَالشَّعْرُ الْمَجْهُولُ انْفِصَالُهُ هَلْ هُوَ
لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّذْكِيَةِ وَالشَّعْرُ عَلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ نَجِسٌ إذَا كَانَ الْعُضْوُ نَجِسًا تَبَعًا لَهُ وَالشَّعْرُ الْمُنْفَصِلُ مِنْ (الْآدَمِيِّ) سَوَاءٌ انْفَصَلَ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَمْ بَعْدَ مَوْتِهِ طَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] وَقَضِيَّةُ التَّكْرِيمِ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ وَسَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28] فَالْمُرَادُ بِهِ نَجَاسَةُ الِاعْتِقَادِ أَوْ اجْتِنَابُهُمْ كَالنَّجِسِ لَا نَجَاسَةَ الْأَبْدَانِ وَتَحِلُّ مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ.
السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْيَانَ جَمَادٌ وَحَيَوَانٌ: فَالْجَمَادُ كُلُّهُ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ خُلِقَ لِمَنَافِع الْعِبَادِ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ
[حاشية البجيرمي]
فِي حَالِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ أَوْ لَا.
أَوْ كَوْنُهُ مَأْكُولًا أَوْ غَيْرُهُ طَاهِرٌ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّذْكِيَةِ) مَا لَمْ تَكُنْ فِي ظَرْفٍ وَعِبَارَةُ م ر. وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ بِبَلَدٍ لَا مَجُوسَ فِيهِ فَطَاهِرَةٌ أَوْ مَرْمِيَّةً مَكْشُوفَةً فَنَجِسَةٌ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِرَمْيِ اللَّحْمِ الطَّاهِرِ، أَوْ فِي إنَاءٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَالْمَجُوسُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ الْمُسْلِمُونَ أَغْلَبَ فَكَذَلِكَ، فَإِنْ غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ فَطَاهِرَةٌ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالشَّعْرُ عَلَى الْعُضْوِ الْمُبَانِ نَجِسٌ) وَمِنْهُ تَطْرِيفُ أَلْيَةِ الْخَرُوفِ ق ل. أَيْ قَطْعُ طَرَفِ الْأَلْيَةِ وَأَتَى بِذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ إلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ أَنَّهُ طَاهِرٌ مُطْلَقًا، وَالْعُضْوُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (وَالشَّعْرُ الْمُنْفَصِلُ إلَخْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ وَهِيَ إلَّا شَعْرَ الْآدَمِيِّ، وَفِي أُخْرَى إلَّا الْآدَمِيَّ وَهِيَ الصَّوَابُ لِاقْتِضَاءِ تِلْكَ أَنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ نَجِسَةٌ بِخِلَافِ شَعْرِهِ لِشُمُولِ قَوْلِهِ: وَعَظْمُ الْمَيْتَةِ وَشَعْرُهَا نَجِسٌ لِعِظَمِ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: بِأَنْ جَعَلَهُمْ يَأْكُلُونَ بِالْأَيْدِي وَغَيْرُهُمْ يَأْكُلُ بِفِيهِ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَرِدُ الْقِرَدَةُ لِوَطْءِ النَّجَاسَةِ بِمَا تَأْكُلُ بِهِ، وَقِيلَ بِالْعَقْلِ، وَقِيلَ بِالنُّطْقِ وَالتَّمْيِيزِ وَالْفَهْمِ، وَقِيلَ بِاعْتِدَالِ الْقَامَةِ، وَقِيلَ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وَقِيلَ الرِّجَالُ بِاللِّحَى وَالنِّسَاءُ بِالذَّوَائِبِ، وَقِيلَ بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْأَرْضِ وَتَسْخِيرِهِ لَهُمْ، وَقِيلَ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِمْ أَمْرَ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَالْمُرَادُ بِهِ نَجَاسَةُ الِاعْتِقَادِ) فِيهِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ لَا يَتَّصِفُ بِنَجَاسَةٍ وَلَا طَهَارَةٍ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَجَاسَةِ الِاعْتِقَادِ فَسَادُهُ فَوَصَفَهُ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّجَوُّزِ اهـ. فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّمَا اعْتِقَادُ الْمُشْرِكِينَ فَاسِدٌ، فَيَكُونُ فِي الْآيَةِ مُضَافٌ مُقَدَّرٌ وَاسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ الْفَاسِدَ بِالنَّجِسِ بَعْدَ تَشْبِيهِ الْفَسَادِ بِالنَّجَاسَةِ بِجَامِعِ وُجُوبِ اجْتِنَابِ كُلٍّ وَاسْتَعَارَ النَّجِسَ لِلْفَاسِدِ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ اجْتِنَابُهُمْ كَالنَّجِسِ) فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ أَيْ هُمْ فِي وُجُوبِ الِاجْتِنَابِ كَالنَّجِسِ، فَعَلَى الْأُولَى يَكُونُ الْمَوْصُوفُ بِالنَّاسِ اعْتِقَادَهُمْ، وَعَلَى الثَّانِي ذَوَاتَهمْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ سُلْطَانٌ: أَيْ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَنَجَّسَ بِالْمَوْتِ لَكَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِغَسْلِهِ كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ.
لَا يُقَالُ وَلَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ نُؤْمَرْ بِغَسْلِهِ كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ.
لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ عُهِدَ غَسْلُ الطَّاهِرِ بِدَلِيلِ الْمُحْدِثِ وَلَا كَذَلِكَ نَجِسُ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لَا نَجَاسَةَ الْأَبْدَانِ) قَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ الْأَحْيَاءِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْمَوْتَى ع ش. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْآيَةَ إذَا دَلَّ ظَاهِرُهَا عَلَى نَجَاسَةِ الْأَحْيَاءِ، فَتَكُونُ نَجَاسَةَ الْأَمْوَاتِ بِالْأَوْلَى.
وَنَقَلَ الْبَيْضَاوِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28] أَنَّ الْمُرَادَ نَجَاسَةُ الْأَبْدَانِ حَقِيقَةً، فَالْكَافِرُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ نَجِسٌ حَقِيقَةً وَلَوْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ.
وَفِي الْمِيزَانِ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَرْجَحِ قَوْلَيْهِ بِطَهَارَةِ الْآدَمِيِّ إذَا مَاتَ.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَرْجُوحُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ نَجِسٌ لَكِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ شَرَفُ ذَاتِ الْآدَمِيِّ رُوحًا وَجِسْمًا.
وَوَجْهُ الثَّانِي شَرَفُ رُوحِهِ فَقَطْ فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ الْجَسَدِ تَنَجَّسَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ طَاهِرًا إلَّا بِسَرَيَانِ الرُّوحِ فِيهِ وَهِيَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَأَمْرُ اللَّهِ طَاهِرٌ مُقَدَّسٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا مَا جَاوَرَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ بِنَجَاسَةِ الْآدَمِيِّ مَعَ حَدِيثِ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا» ؟ فَالْجَوَابُ: يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ بَلَغَهُ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ) بِكَسْرِ الطَّاءِ أَيْ وَإِنْ سُحِقَا وَصَارَا كَالدَّمِ ع ش.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اعْلَمْ إلَخْ) هُوَ
الْوُجُوهِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الِانْتِفَاعُ أَوْ يَكْمُلُ بِالطَّهَارَةِ إلَّا مَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى نَجَاسَتِهِ وَهُوَ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» وَكَذَا الْحَيَوَانُ كُلُّهُ طَاهِرٌ لِمَا مَرَّ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ أَيْضًا وَهُوَ الْكَلْبُ وَلَوْ مُعَلَّمًا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» .
وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ إمَّا لِحَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ أَوْ تَكْرِمَةً وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ وَلَا تَكْرِمَةَ، فَتَعَيَّنَتْ طَهَارَةُ الْخَبَثِ
[حاشية البجيرمي]
لَفْظٌ يُؤْتَى بِهِ لِشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِمَا بَعْدَهُ وَقُوَّةِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ وَالْمُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ وَاقِفٍ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (جَمَادٌ) الْمُرَادُ بِهِ مَا لَيْسَ حَيَوَانًا وَلَا أَصْلَ حَيَوَانٍ وَلَا جُزْءَ حَيَوَانٍ وَلَا مُنْفَصِلًا مِنْ حَيَوَانٍ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفَضَلَاتِ قِسْمٌ ثَالِثٌ فَلَوْ قَالَ وَالْأَعْيَانُ إمَّا جَمَادٌ وَإِمَّا حَيَوَانٌ وَإِمَّا فَضَلَاتٌ ثُمَّ قَسَّمَ الْفَضَلَاتِ إلَى مَا اسْتَحَالَ إلَى فَسَادٍ فَهُوَ نَجِسٌ كَالدَّمِ وَمَا لَا يَسْتَحِيلُ فَطَاهِرٌ كَالْعِرْقِ كَانَ أَوْلَى.
اهـ. م د قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ) فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْحَجَرَ لَا يُؤْكَلُ، قَوْلُهُ: (مُسْكِرٍ مَائِعٍ) لَوْ سَكَتَ عَنْ لَفْظِ مَائِعٍ لَطَابَقَ الدَّلِيلَ الْمُدَّعَى لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُسْكِرِ مَا فِيهِ إزَالَةُ الْعَقْلِ وَهُوَ نَجِسٌ وَلَوْ جَامِدًا، وَلَا يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ نَحْوِ الْحَشِيشِ لِأَنَّهُ مُخَدِّرٌ لَا مُسْكِرٌ فَهُوَ طَاهِرٌ وَلَوْ مَائِعًا ق ل. وَقَوْلُهُ: لَطَابَقَ الدَّلِيلَ إلَخْ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَقُلْ فِيهِ كُلُّ مَائِعٍ، بَلْ قَالَ فِيهِ كُلُّ مُسْكِرٍ وَهُوَ يَشْمَلُ الْجَامِدَ.
وَفِي شَرْحِ م ر وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الْبَنْجَ وَالْحَشِيشَ طَاهِرَانِ مُسْكِرَانِ اهـ. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ ق ل مُخَدِّرٌ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَمِثْلُ الْحَشِيشَةِ وَالْبَنْجِ الْأَفْيُونُ وَجَوْزَةُ الطِّيبِ أَيْ الْكَثِيرُ مِنْهَا وَكَثِيرُ الْعَنْبَرِ وَكَثِيرُ الزَّعْفَرَانِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْكَارِ الَّذِي وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ فِي نَحْوِ الْحَشِيشِ وَمَا ضَاهَاهُ مُجَرَّدُ تَغْيِيبِ الْعَقْلِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْبِيرِ غَيْرِهِ بِأَنَّهَا مُخَدِّرَةٌ مُنَوِّمَةٌ خِلَافًا لِمَنْ وَهَمَ فِيهِ، وَمَا ذَكَرْته فِي تَحْرِيمِ جَوْزَةِ الطِّيبِ مِنْ أَنَّهَا مُسْكِرَةٌ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَأَنَّهَا حَرَامٌ صَرَّحَ بِهِ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ أَيْ غَيْرَ الْحَنَفِيِّ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ الْبَنْجُ مِثَالُ فَلْسٌ نَبَاتٌ لَهُ حَبٌّ يَخْلِطُ الْعَقْلَ وَيُورِثُ الْخَبَالَ وَرُبَّمَا أَسْكَرَ إذَا شَرِبَهُ الْإِنْسَانُ بَعْدَ ذَوْبِهِ، وَيُقَالُ إنَّهُ يُورِثُ النَّوْمَ اهـ.
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى حُرْمَةِ الْخَمْرِ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَتِهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90] إلَى قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة: 90] أَيْ نَجَسٌ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ خُلِقَ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَصَحَّ قَوْلُهُ بَعْدُ فَالْخِنْزِيرُ مُسْتَثْنًى حُكْمًا، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْكَلْبِ، وَيَصِحُّ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ: إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ، وَعَلَيْهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَكَلُّفٍ.
وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ بَعْدُ: وَالْخِنْزِيرُ هُوَ عَطْفٌ عَلَى الْكَلْبِ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَهُوَ الْكَلْبُ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الشَّارِعِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ عَلَى الْأَعَمِّ مِمَّا اسْتَثْنَاهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُعَلَّمًا) فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ حِينَئِذٍ اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْأَشْهَرُ فِيهِ ضَمُّ الطَّاءِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ هَكَذَا بِخَطِّ ز ي، وَقَوْلُ الْمَحَلِّيِّ أَيْ مُطَهِّرُهُ ظَاهِرٌ فِي الْفَتْحِ، لِأَنَّ الْمُطَهِّرَ هُوَ الْآلَةُ وَمُحْتَمِلٌ لِلضَّمِّ بِأَنْ يُرَادَ بِهِ الْفِعْلُ الْمُطَهِّرُ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (أُولَاهُنَّ) وَفِي رِوَايَةٍ: أُخْرَاهُنَّ وَهُمَا مَحْمُولَتَانِ عَلَى ثَالِثَةٍ وَهِيَ إحْدَاهُنَّ لِتَسَاقُطِ الْأُولَيَيْنِ بِتَعَارُضِهِمَا فَعُمِلَ بِالثَّالِثَةِ، أَوْ تُحْمَلُ الْأُولَى عَلَى الْأَكْمَلِ وَالثَّانِيَةُ عَلَى الْإِجْزَاءِ وَالثَّالِثَةُ عَلَى الْجَوَازِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» بِمَعْنَى أَنَّ التُّرَابَ يَصْحَبُ السَّابِعَةَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَرَّةٍ ثَامِنَةٍ ق ل.
فَثَبَتَتْ نَجَاسَةُ فَمِهِ وَهُوَ أَطْيَبُ أَجْزَائِهِ، بَلْ هُوَ أَطْيَبُ الْحَيَوَانَاتِ نَكْهَةً لِكَثْرَةِ مَا يَلْهَثُ فَبَقِيَّتُهَا أَوْلَى، وَالْخِنْزِيرُ لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ، وَفَرْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ الْآخَرِ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الطَّاهِرَةِ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ ذِئْبٍ وَكَلْبَةٍ تَغْلِيبًا لِلنَّجَاسَةِ، وَأَنَّ الْفَضَلَاتِ مِنْهَا مَا يَسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ وَهُوَ نَجِسٌ كَدَمٍ وَلَوْ تَحَلَّبَ مِنْ كَبِدٍ أَوْ طِحَالٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] أَيْ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَقَيْحٍ لِأَنَّهُ دَمٌ مُسْتَحِيلٌ وَقَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ الْمَعِدَةِ لِأَنَّهُ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ فَمُهُ أَطْيَبُ أَجْزَائِهِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: (بَلْ هُوَ) أَيْ الْكَلْبُ مِنْ حَيْثُ فَمُهُ.
وَقَوْلُهُ: (أَطْيَبُ الْحَيَوَانَاتِ) أَيْ غَيْرَ الْآدَمِيِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَطْيَبُ الْحَيَوَانَاتِ وَلَوْ الْآدَمِيَّ، لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ فِي الْمَفْضُولِ مَا لَا يُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ وَبَابُهُ قَطَعَ.
وَقَوْلُهُ: (نَكْهَةً) أَيْ رَائِحَةَ الْفَمِ.
قَوْلُهُ: (يَلْهَثُ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: لَهَثَ الْكَلْبُ أَخْرَجَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ أَوْ التَّعَبِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا إلَخْ) اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى نَجَاسَةِ الْخِنْزِيرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3] فَإِنَّهُ رِجْسٌ بِنَاءً عَلَى رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْخِنْزِيرِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ بَلْ يَحْتَمِلُ رُجُوعُهُ لِلْمُضَافِ وَهُوَ اللَّحْمُ، يَعْنِي أَنَّ لَحْمَهُ نَجِسٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَيْسَ لَنَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفَرْعُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ الْآخَرِ) هُوَ مُسْتَثْنًى حُكْمًا أَيْضًا كَالْخِنْزِيرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ أَخَسَّ أَصْلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَعَ غَيْرِهِ) دَخَلَ فِيهِ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ كَلْبٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَآدَمِيٍّ كَذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيِّ، فَإِنْ كَانَ عَلَى صُورَتِهِ وَلَوْ فِي النِّصْفِ الْأَعْلَى فَقَطْ فَهُوَ طَاهِرٌ فِي الْعِبَادَاتِ فَيُصَلِّي وَلَوْ إمَامًا وَيَدْخُلُ الْمَسَاجِدَ وَيُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يُنَجِّسُهُمْ بِمَسِّهِ مَعَ رُطُوبَةٍ، وَلَا يَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَلَا الْمَائِعُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيَتَوَلَّى الْوِلَايَاتِ كَالْقَضَاءِ وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَخَالَفَهُ الْخَطِيبُ وَلَهُ حُكْمُ النَّجِسِ فِي الْأَنْكِحَةِ وَالتَّسَرِّي وَالذَّبِيحَةِ وَالتَّوَارُثِ، وَجَوَّزَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ التَّسَرِّي إنْ خَافَ الْعَنَتَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: يَرِثُ مِنْ أُمِّهِ وَأَوْلَادِهِ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ وَالْمُحَلَّى، وَلَوْ تَوَلَّدَ آدَمِيٌّ بَيْنَ شَاةٍ وَخَرُوفٍ مَثَلًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُكَلَّفِ فِي الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ، وَالْكَلْبُ بَيْنَ آدَمِيَّيْنِ طَاهِرٌ، وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُ صُورَتِهِ كَالْمَسْخِ، وَالْآدَمِيُّ بَيْنَ كَلْبَيْنِ نَجِسٌ قَطْعًا، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ مَا مَرَّ عَنْ شَيْخِنَا مِنْ إعْطَائِهِ حُكْمَ الطَّاهِرِ فِي الْعِبَادَاتِ اهـ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْآدَمِيَّ بَيْنَ شَاتَيْنِ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَخْطُبَ وَيَؤُمَّ النَّاسَ، وَيَجُوزُ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ اهـ. وَقِيَاسُهُ أَنَّ الْآدَمِيَّ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ كَذَلِكَ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ سَمَكٍ وَآدَمِيٍّ لَهُ حُكْمُ الْآدَمِيِّ اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَانْظُرْهُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَلَوْ تَوَلَّدَ حَيَوَانٌ بَيْنَ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ فَمَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ عَلَى قِيَاسِ أَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أَخَسَّ أَبَوَيْهِ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِلنَّجَاسَةِ) كَمَا ذَكَرَ فِي قَاعِدَةِ يَتْبَعُ الْفَرْعُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الْفَضَلَاتِ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ أَنَّ الْأَعْيَانَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَدَمٍ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِهَا وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ.
قَالَ فِي الْعُبَابِ: كُلُّ سَمَكٍ مُلِّحَ وَلَمْ يُخْرَجْ مَا فِي جَوْفِهِ فَهُوَ نَجِسٌ، وَعَلَى هَذَا فَالْفَسِيخُ كُلُّهُ نَجِسٌ، وَأَمَّا الدَّمُ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ وَعِظَامِهِ مِنْ الْمُذَكَّاةِ فَنَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَفْوَ لَا يُنَافِي النَّجَاسَةَ فَمُرَادُ مَنْ عَبَّرَ بِطَهَارَتِهِ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ش م ر. وَقَوْلُهُ: فَنَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالدَّمِ الْبَاقِي عَلَى اللَّحْمِ الَّذِي لَمْ يَخْتَلِطْ بِشَيْءٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ع ش. وَيُسْتَثْنَى مِنْ الدَّمِ الْمَنِيُّ إذَا خَرَجَ عَلَى لَوْنِهِ كَمَا قَالَهُ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَحَلَّبَ) أَيْ سَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَايَةَ لِلتَّعْمِيمِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ أَصْلَهُ طَاهِرٌ فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَلَوْ سُحِقَ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَصَارَا دَمًا فَهُمَا طَاهِرَانِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَيْ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ) أَيْ السَّائِلُ فَخَرَجَ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْمَسْفُوحُ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ فَلَا يَرِدُ مَا لَوْ جَمَدَ الدَّمُ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ دَمٌ مُسْتَحِيلٌ) لَك أَنْ تَقُولَ كَوْنُهُ كَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ بِدَلِيلِ الْمَنِيِّ وَاللَّبَنِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ دَمٌ مُسْتَحِيلٌ إلَى فَسَادٍ لَا إلَى صَلَاحٍ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَقَيْءٍ) نَعَمْ مَا خَرَجَ مِنْ حَبٍّ مُتَصَلِّبٍ بِحَيْثُ لَوْ زُرِعَ نَبْتٌ وَمِنْ بَيْضٍ كَذَلِكَ بِحَيْثُ لَوْ حُضِنَ فَرَّخَ مُتَنَجِّسٌ لَا نَجِسٌ، بِخِلَافِ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَحْمٍ لَمْ يَسْتَحِلْ فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّ شَأْنَ الْمَعِدَةِ الْإِحَالَةُ قَالَهُ م ر فِي شَرْحِهِ.
وَلَوْ أَكَلَ لَحْمَ كَلْبٍ لَمْ يَجِبْ تَسْبِيعُ دُبُرِهِ مِنْ خُرُوجِهِ، وَإِنْ خَرَجَ بِعَيْنِهِ قَبْلَ اسْتِحَالَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الْبَاطِنَ مُحِيلٌ
الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَحِيلَةِ كَالْبَوْلِ وَجِرَّةٍ وَهِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ مَا يُخْرِجُهُ الْبَعِيرُ أَوْ غَيْرُهُ لِلِاجْتِرَارِ، وَمِرَّةٍ وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا فِي الْمَرَارَةِ.
وَأَمَّا الزَّبَادُ فَطَاهِرٌ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: لِأَنَّهُ إمَّا لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَوْ عَرَقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ كَمَا سَمِعْته مِنْ ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَذَا، لَكِنْ يَغْلِبُ اخْتِلَاطُهُ بِمَا يَتَسَاقَطُ مِنْ شَعْرِهِ فَلْيُحْتَرَزْ عَمَّا وُجِدَ فِيهِ، فَإِنَّ الْأَصَحَّ مَنْعُ أَكْلِ الْبَرِّيِّ، وَيَنْبَغِي الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ شَعْرِهِ، وَأَمَّا الْمِسْكُ فَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفَأْرَتُهُ طَاهِرَةٌ.
[حاشية البجيرمي]
أَيْ شَأْنُهُ الْإِحَالَةُ اهـ. فَإِنْ تَقَايَأَهُ فَإِنْ اسْتَحَالَ فَلَا تَسْبِيعَ وَإِلَّا سُبِّعَ اهـ ع ش. وَيَجِبُ تَسْبِيعُ الدُّبُرِ مِنْ خُرُوجِ مَا مِنْ شَأْنِهِ عَدَمُ الِاسْتِحَالَةِ، وَإِنْ اسْتَحَالَ كَالْعَظْمِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مُتَغَيِّرًا وَلَوْ مَاءً فَوْقَ الْقُلَّتَيْنِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ حَيْثُ ادَّعَى أَنَّ الْمَاءَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يَكُونُ مُتَنَجِّسًا لَا نَجِسًا يَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ قِيَاسًا عَلَى الْحَبِّ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ تَأْثِيرَ الْبَاطِنِ فِي الْمَائِعِ فَوْقَ تَأْثِيرِهِ فِي غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ح ل. فَالْغَايَةُ لِلتَّعْمِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِي يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِلرَّدِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَبْلُغُهُمَا وَلَوْ اُبْتُلِيَ شَخْصٌ بِالْقَيْءِ عُفِيَ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَإِنْ كَثُرَ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَكَذَا مَنْ اُبْتُلِيَ بِسَيَلَانِ الْمَاءِ مِنْ فَمِهِ وَهُوَ نَائِمٌ إنْ عُلِمَتْ نَجَاسَتُهُ بِأَنْ كَانَ مِنْ الْمَعِدَةِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِتَغَيُّرِهِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَسَأَلْت الْأَطِبَّاءَ عَنْهُ فَأَنْكَرُوا كَوْنَهُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى مَا لَوْ اُبْتُلِيَ بِدَمِ لِثَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِالِابْتِلَاءِ بِذَلِكَ أَنْ يَكْثُرَ وُجُودُهُ بِحَيْثُ يَقِلُّ خُلُوُّهُ عَنْهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْقَيْءِ عَسَلُ النَّحْلِ فَهُوَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ فَمِ النَّحْلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ مِنْ دُبُرِهَا فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الرَّوْثِ، وَقِيلَ مِنْ ثَدْيَيْنِ صَغِيرَيْنِ تَحْتَ جَنَاحِهَا فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ لَبَنِ مَا لَا يُؤْكَلُ ق ل وَبِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ الْمَعِدَةِ) وَهِيَ الْمُنْخَسِفُ تَحْتَ الصَّدْرِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَقَيْءٌ وَهُوَ الْخَارِجُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْمَعِدَةِ.
قَالَ ح ل: بَلْ إلَى مَخْرَجِ الْحَرْفِ الْبَاطِنِ وَهُوَ الْحَاءُ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر. وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ الْخَارِجُ مِنْ الصَّدْرِ مِنْ الْبَلْغَمِ، فَإِنَّ الصَّدْرَ مُجَاوِزٌ لِمَخْرَجِ الْحَاءِ بِكَثِيرٍ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ، وَقَوْلُهُمْ بِطَهَارَةِ الْبَلْغَمِ مِنْ الصَّدْرِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْوَاصِلَ إلَى الصَّدْرِ وَمَا فَوْقَهُ إذَا عَادَ قَبْلَ وُصُولِهِ لِلْمَعِدَةِ لَا يَكُونُ نَجِسًا.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: أَمَّا الْخَارِجُ مِنْ الصَّدْرِ أَوْ الْحَلْقِ وَهُوَ النُّخَامَةُ، وَيُقَالُ النُّخَاعَةُ وَالنَّازِلُ مِنْ الدِّمَاغِ فَطَاهِرٌ لِأَنَّهُ كَالْمُخَاطِ قَالَهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (كَالْبَوْلِ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ حَيْثُ كَانَ الْقَيْءُ مَقِيسًا عَلَى الْبَوْلِ فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَجِرَّةٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى دَمٍ وَكَذَا مِرَّةٌ ق ل: وَأَمَّا قُلَّةُ الْبَعِيرِ وَهُوَ مَا يُخْرِجُهُ بِجَانِبِ فَمِهِ إذَا حَصَلَ لَهُ مَرَضُ الْهِيَاجِ طَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ اللِّسَانِ اج.
وَالْمَشِيمَةُ الْخَارِجَةُ مَعَ الْوَلَدِ طَاهِرَةٌ وَهَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ أَوْ مِنْ الْوَلَدِ؟ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا هَلْ يَجِبُ دَفْنُهَا مَعَهُ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَغُسْلُهَا وَتَكْفِينُهَا وَمُوَارَاتُهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَا فِي الْمَرَارَةِ) وَأَمَّا نَفْسُ الْجِلْدَةِ فَمُتَنَجِّسَةٌ إنْ كَانَتْ مِنْ مُذَكًّى.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الزَّبَادُ) بِفَتْحِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (سِنَّوْرٍ) أَيْ قِطٌّ بَحْرِيٌّ أَيْ مِنْ الْبَحْرِ، وَيُقَالُ لَهُ هِرٌّ بِأَنْ يَكُونَ سَمَكٌ عَلَى صُورَةِ الْقِطِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَرَقُ إلَخْ) كَمَا هُوَ عَادَةُ أَهْلِ مِصْرَ مِنْ أَخْذِ الْقِطِّ وَوَضْعِهِ فِي قَفَصٍ، وَيُدَخِّنُونَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَعْرَقَ فَيَأْخُذُونَ عَرَقَهُ بِالْمَحَارَةِ.
اهـ. ح ف قَوْلُهُ: (كَمَا سَمِعْته) مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ وَقَوْلُهُ بِهَذَا أَيْ بِالزَّبَادِ أَيْ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ قَوْلُهُ: (لَكِنْ يَغْلِبُ إلَخْ) هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ عَرَقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَالْأَوَّلُ مَأْكُولٌ قَوْلُهُ: (عَمَّا وُجِدَ فِيهِ) أَيْ مِنْ شَعْرٍ وَغَيْرِهِ.
(عَنْ قَلِيلِ شَعْرِهِ) الْعِبْرَةُ بِالْقِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْخُوذِ إنْ كَانَ جَامِدًا، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْجَمِيعِ إنْ كَانَ مَائِعًا اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمِسْكُ) أَيْ غَيْرُ التُّرْكِيِّ لِأَنَّ التُّرْكِيَّ مِنْ دَمٍ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْغَزَالِ كَالْحَيْضِ فَهُوَ نَجِسٌ كَمَا ذَكَرَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ) الْمُنَاسِبُ لِسَابِقِهِ أَنْ يَقُولَ: وَأَمَّا الْمِسْكُ فَطَاهِرٌ لِأَنَّهُ أَطْيَبُ الطِّيبِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّصُّ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَطْيَبَ الطِّيبِ طَهَارَتُهُ فَأَطْلَقَ الْمَلْزُومَ وَأَرَادَ اللَّازِمَ، وَعِبَارَةُ الرَّمْلِيِّ: وَالْمِسْكُ طَاهِرٌ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ؛ إنَّهُ أَطْيَبُ الطِّيبِ.
قَوْلُهُ: (وَفَأْرَتُهُ) بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ، وَقَوْلُهُ: طَاهِرَةٌ إذَا انْفَصَلَتْ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ مِنْ
وَهِيَ خُرَّاجٌ بِجَانِبِ سُرَّةِ الظَّبْيَةِ كَالسِّلْعَةِ فَتَحْتَكُّ حَتَّى تُلْقِيَهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَنْبَرِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ بَطْنِ دُوَيْبَّةٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ يَنْبُتُ فِي الْبَحْرِ وَيَلْفِظُهُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَرَوْثٍ وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ» وَالرِّكْسُ النَّجَسُ وَبَوْلٍ لِلْأَمْرِ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فِي بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَمَذْيٍ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ بِلَا شَهْوَةٍ عِنْدَ ثَوَرَانِهَا لِلْأَمْرِ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَوَدْيٍ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ أَوْ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَالْأَصَحُّ طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَفَرْعِ أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُ أَصْلُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَلَبَنِ مَا لَا يُؤْكَلُ غَيْرِ لَبَنِ
[حاشية البجيرمي]
مُذَكَّاةٍ وَلَوْ احْتِمَالًا وَإِلَّا فَنَجِسَةٌ كَمَا فِيهَا.
قَوْلُهُ: (خُرَّاجُ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ فَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا عَلَى مُقَابِلِهِ.
قَوْلُهُ: (سُرَّةِ الظَّبْيَةِ) أَيْ مِنْ نَوْعٍ مِنْ الظِّبَاءِ مَخْصُوصٍ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ بِنَاحِيَةٍ مِنْ أَقْصَى بِلَادِ التُّرْكِ تُسَمَّى تُبَّتَ بِمُثَنَّاتَيْنِ فَوْقِيَّتَيْنِ أُولَاهُمَا مَضْمُومَةٌ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ بِوَزْنِ سُكَّرٍ كَمَا فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ قَالَ إنَّهُ نَجِسٌ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ طَاهِرٌ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْفِظُهُ) أَيْ يَرْمِيه مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَلِعَهُ حَيَوَانُ الْبَحْرِ وَإِلَّا فَنَجِسٌ لِأَنَّهُ قَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (وَرَوْثٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى دَمٍ أَيْ وَلَوْ مِنْ الْجِنِّ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ إنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ إلَّا مَا عُلِمَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ، وَكَذَا مِنْ طَيْرٍ مَأْكُولٍ أَوْ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ وَغَائِطٍ لِأَنَّهُ أَيْ الرَّوْثَ شَامِلٌ لِلْخَارِجِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ ذَاكَ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: (لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ إلَخْ) عِبَارَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَرَوْثٌ كَالْبَوْلِ اهـ. قَالَ ع ش: قَاسَ الرَّوْثَ عَلَى الْبَوْلِ بِجَامِعِ اسْتِحَالَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْبَاطِنِ لِوُرُودِ الدَّلِيلِ فِي الْبَوْلِ فِي «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ: صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا» وَلَمْ يَسْتَدِلَّ عَلَى نَجَاسَةِ الرَّوْثِ بِمَا وَرَدَ فِيهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ حِينَ «جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ» أَيْ وَالرِّجْسُ النَّجَسُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا دَلِيلٌ خَاصٌّ فَهِيَ قَضِيَّةٌ شَخْصِيَّةٌ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى عُمُومِ جَمِيعِ الْأَرْوَاثِ، فَالدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَوْلِ أَوْلَى لِأَجْلِ هَذَا الْإِيهَامِ اهـ. فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ هُنَا أَنْ يَصْنَعَ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَرَدَّ الرَّوْثَةَ) وَكَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ كَمَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَلَكِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ.
قَوْلُهُ: (وَبَوْلٍ) وَالْحَصَاةُ الَّتِي تَخْرُجُ عَقِبَهُ إنْ تَيَقَّنَ انْعِقَادَهَا مِنْهُ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُتَنَجِّسَةٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ) أَيْ بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَذْيٍ) بِسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبِكَسْرِ الذَّالِ مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْوَدْيُ.
نَعَمْ يُعْفَى عَنْهُ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِمَاعِ، وَأَفْتَى الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ بِحُرْمَةِ جِمَاعِ مَنْ تَنَجَّسَ ذَكَرُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ السَّلِسِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَمْ تَسْتَنْجِ أَوْ تَغْسِلْ فَرْجَهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُ الزَّوْجِ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَكَذَا هُوَ لَوْ كَانَ مُسْتَجْمِرًا بِالْحَجَرِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ جِمَاعُهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ، وَلَا تَصِيرُ بِالِامْتِنَاعِ نَاشِزَةً، وَعَلَيْهِ فَلَوْ فَقَدَ الْمَاءَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ، وَلَا يَكُونُ فَقْدُهُ عُذْرًا فِي جَوَازِهِ.
نَعَمْ إنْ خَافَ الزِّنَا اتَّجَهَ أَنَّهُ عُذْرٌ فَيَجُوزُ الْوَطْءُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَجْمِرُ بِالْحَجَرِ الرَّجُلَ أَوْ الْمَرْأَةَ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا التَّمْكِينُ حِينَئِذٍ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسْتَجْمِرًا بِالْحَجَرِ.
وَهِيَ بِالْمَاءِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ ق ل وَقَالَ ابْنُ شَرَفٍ: لَوْ فَقَدَ الْمَاءَ جَازَ لَهُ الْجِمَاعُ بِدُونِ غَسْلِ الذَّكَرِ.
قَوْلُهُ: (مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَهُوَ مَاءٌ أَصْفَرُ رَقِيقٌ ثُمَّ قَالَ: وَفِي تَعْلِيقِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَبْيَضَ ثَخِينًا.
وَفِي الصَّيْفِ أَصْفَرَ رَقِيقًا، وَرُبَّمَا لَا يَحِسُّ بِخُرُوجِهِ وَهُوَ أَغْلَبُ فِي النِّسَاءِ مِنْهُ فِي الرِّجَالِ خُصُوصًا عِنْدَ هَيَجَانِهِنَّ اهـ خَضِرٌ.
قَوْلُهُ: (يَخْرُجُ بِلَا شَهْوَةٍ) أَيْ بِلَا لَذَّةٍ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ عِنْدَ ثَوَرَانِهَا أَوْ بِلَا شَهْوَةٍ قَوِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ) وَهِيَ: أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْمَذْيِ فَاسْتَحْيَا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حُكْمِهِ لِمَحَلِّ ابْنَتِهِ مِنْهُ فَقَالَ لِلْمِقْدَادِ ابْنِ الْأَسْوَدِ: اسْأَلْ لِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «مُرْهُ فَلْيَغْسِلْ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأْ» . اهـ. م د. وَقَالَ ق ل: إنَّهُ أَمَرَ الْمُغِيرَةَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» . وَقَوْلُهُ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ أَيْ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْمَذْيِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ طَهَارَةُ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْفَضْلَةِ.
قَوْلُهُ:
الْآدَمِيِّ كَلَبَنِ الْأَتَانِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فِي الْبَاطِنِ كَالدَّمِ، أَمَّا لَبَنُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَلَبَنِ الْفَرَسِ وَإِنْ وَلَدَتْ بَغْلًا فَطَاهِرٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66] .
وَكَذَا لَبَنُ الْآدَمِيِّ إذْ لَا يَلِيقُ بِكَرَامَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَنْشَؤُهُ نَجِسًا وَكَلَامُهُمْ شَامِلٌ لِلَبَنِ الْمَيْتَةِ، وَبِهِ جُزِمَ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَبَنِ الذَّكَرِ وَالصَّغِيرَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِنْهَا مَا لَا يَسْتَحِيلُ وَهُوَ طَاهِرٌ كَعَرَقٍ وَلُعَابٍ وَدَمْعٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، وَالْعَلَقَةُ وَهِيَ الدَّمُ الْغَلِيظُ الْمُسْتَحِيلُ مِنْ الدَّمِ فِي الرَّحِمِ وَالْمُضْغَةُ وَهِيَ الْعَلَقَةُ الَّتِي تَسْتَحِيلُ فَتَصِيرُ قِطْعَةَ لَحْمٍ، وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ
[حاشية البجيرمي]
أَصْلُ حَيَوَانٍ إلَخْ) وَالْمُرَادُ بِأَصْلِهِ الْبَدَنُ الَّذِي انْفَصَلَ مِنْهُ، فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فَكَيْفَ يَكُونُ فَرْعًا؟ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَصْلٌ بِاعْتِبَارِ التَّخَلُّقِ مِنْهُ فَرْعٌ بِاعْتِبَارِ انْفِصَالِهِ عَنْهُ أَيْ الْبَدَنِ.
قَالَ ح ل: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِطَهَارَةِ الْمَنِيِّ كَوْنُهُ خَارِجًا مِنْ مَحَلٍّ مُعْتَادٍ بَلْ مِثْلُهُ مَا قَامَ مُقَامَهُ مُسْتَحْكِمًا أَوَّلًا.
وَقَرَّرَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي طَهَارَةِ الْمَنِيِّ مِنْ خُرُوجِهِ بَعْدَ التِّسْعِ، فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَهَا فَنَجِسٌ، وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ صِفَاتُ الْمَنِيِّ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَنِيًّا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْلَ التِّسْعِ، وَتِلْكَ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ صِفَاتِ الْمَنِيِّ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ صِفَاتِهِ إذَا وُجِدَ فِي حَدِّ الْإِمْكَانِ، وَالْأَصْلُ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْبَطْنِ النَّجَاسَةُ اهـ وَمِثْلُهُ فِي ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَبَنِ مَا لَا يُؤْكَلُ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى دَمٍ مِنْ قَوْلِهِ كَدَمٍ فَهُوَ مِنْ النَّجَاسَاتِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنِيِّ وَبَيْضِ مَا لَا يُؤْكَلُ حَيْثُ حَكَمَ بِطَهَارَتِهِمَا وَبَيْنَ لَبَنِهِ حَيْثُ حَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَنِيِّ وَالْبَيْضِ أَصْلُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ بِخِلَافِ اللَّبَنِ فَإِنَّهُ مُرَبَّاهُ، وَالْأَصْلُ أَقْوَى مِنْ الْمُرَبَّى.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ لَبَنِ الْآدَمِيِّ) أَيْ وَالْمَلَكِ وَالْجِنِّ عَلَى مَا بُحِثَ فَلْيُحَرَّرْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَلَبَنِ الْأَتَانِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ اسْمٌ لِلْأُنْثَى مِنْ الْحَمِيرِ وَالذَّكَرُ حِمَارٌ، وَلَا يُقَالُ أَتَانَةٌ وَلَيْسَتْ الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ مِنْ غَيْرِ الْمُغَلَّظِ نَجِسَةً فِي الْأَصَحِّ وَمُنِعَ أَكْلُهُمَا لِلِاسْتِقْذَارِ اهـ. رَحْمَانِيٌّ وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: وَلَبَنُ الْأَتَانِ، وَفَارَقَ الْمَنِيَّ وَالْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ نَظَرًا لِأَصْلِهَا الْمُتَوَلِّدِ عَنْهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ) فِيهِ أَنَّ هَذَا يَجْرِي فِي لَبَنِ مَا يُؤْكَلُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقِيَاسُ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ بَيَانٌ لِلْجَامِعِ فَكَأَنَّهُ قَالَ بِجَامِعِ الِاسْتِحَالَةِ فِي الْبَطْنِ فِي كُلٍّ وَإِنْ كَانَ الدَّمُ مُسْتَحِيلًا عَنْ الْمَاءِ وَاللَّبَنُ عَنْ الدَّمِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا لَبَنُ مَا يُؤْكَلُ) وَلَوْ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ إنْ انْفَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ أَوْ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ وَلَوْ مِنْ ذَكَرٍ كَالثَّوْرِ أَوْ مِمَّنْ وَلَدَتْ غَيْرَ مَأْكُولٍ كَخِنْزِيرٍ مِنْ شَاةٍ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (لَبَنًا خَالِصًا) أَيْ مِنْ حُمْرَةِ الدَّمِ وَقَذَارَةِ الْفَرْثِ.
وَقَوْلُهُ: (سَائِغًا) أَيْ لَذِيذًا هَنِيئًا سَهْلًا لَا يَغَصُّ بِهِ شَارِبُهُ.
وقَوْله تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل: 66] أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ الدَّابَّةَ إذَا أَكَلَتْ الْعَلَفَ وَاسْتَقَرَّ فِي كِرْشِهَا طَبَخَتْهُ فَكَانَ أَسْفَلُهُ فَرْثًا وَأَوْسَطُهُ لَبَنًا وَأَعْلَاهُ دَمًا، وَالْكَبِدُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ فَيَقْسِمُ الدَّمَ وَيُجْرِيهِ فِي الْعُرُوقِ وَيُجْرِي اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ وَيَبْقَى الْفَرْثُ فِي الْكِرْشِ وَحْدَهُ اهـ. فَتْحُ الْبَارِي عَلَى الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ مَنْشَؤُهُ) أَيْ مُرَبَّاهُ.
قَوْلُهُ: (لِلَبَنِ الْمَيْتَةِ) مِنْ الْآدَمِيَّاتِ وَالصَّغِيرَةِ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَكْمِلْ تِسْعَ سِنِينَ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَنِيِّ إذَا خَرَجَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ بُلُوغُهُ حَيْثُ حَكَمُوا بِنَجَاسَتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّبَنَ يَصْلُحُ غِذَاءً لِلْوَلَدِ وَالْمَنِيَّ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَصْلًا لِلْوَلَدِ اج.
وَعِبَارَةُ م ر: أَمَّا لَبَنُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَلَبَنِ الْفَرَسِ وَإِنْ وَلَدَتْ بَغْلًا فَطَاهِرٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ لَبَنِ الْبَقَرَةِ وَالْعِجْلَةِ وَالثَّوْرِ وَالْعِجْلِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ.
وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ لَبَنٌ بِأَنْ يَكُونَ خُنْثَى أَوْ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ أَخْلَافًا أَيْ أَبْزَازًا خَرْقًا لِلْعَادَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى لَوْنِ الدَّمِ أَوْ لَا إنْ وُجِدَتْ فِيهِ خَوَاصُّ اللَّبَنِ كَنَظِيرِهِ فِي الْمَنِيِّ، أَمَّا مَا أُخِذَ مِنْ ضَرْعِ بَهِيمَةٍ مَيِّتَةٍ فَإِنَّهُ نَجِسٌ اتِّفَاقًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ اهـ مَعَ زِيَادَةٍ لِلزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا مَا لَا يَسْتَحِيلُ) هُوَ مُقَابِلُ قَوْلِهِ السَّابِقِ: وَإِنَّ الْفَضَلَاتِ مِنْهَا مَا يَسْتَحِيلُ فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ وَهُوَ نَجِسٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَلَقَةُ) مُبْتَدَأٌ فَالْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ الْفَضَلَاتِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الدَّمِ) الْأَوْلَى مِنْ الْمَنِيِّ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ أَصْلَهُ دَمٌ،
مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرَةٌ وَلَوْ غَيْرِ مَأْكُولٍ طَاهِرَةٌ.
وَلَا يَطْهُرُ نَجَسُ الْعَيْنِ بِغَسْلٍ وَلَا بِاسْتِحَالَةٍ إلَّا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا الْجِلْدُ إذَا دُبِغَ كَمَا مَرَّ، وَالثَّانِي الْخَمْرَةُ إذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا فَتَطْهُرُ وَإِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ وَعَكْسُهُ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا لَمْ تَطْهُرْ، وَمَا نَجُسَ بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ غُسِلَ سَبْعًا.
[حاشية البجيرمي]
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ كَعَلَقَةٍ.
قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إنَّهَا أَصْلُ آدَمِيٍّ وَالْعَلَقَةُ دَمٌ غَلِيظٌ اسْتَحَالَ عَنْ الْمَنِيِّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُلُوقِهِ بِكُلِّ مَا لَامَسَهُ، وَالْمُضْغَةُ قِطْعَةُ لَحْمٍ بِقَدْرِ مَا يُمْضَغُ اسْتَحَالَتْ عَنْ الْعَلَقَةِ وَيُمْتَنَعُ أَكْلُهُمَا مِنْ الْمُذَكَّاةِ.
قَوْلُهُ: (وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ) اعْلَمْ أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: طَاهِرَةٌ قَطْعًا وَهِيَ النَّاشِئَةُ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الْمَرْأَةِ عِنْدَ قُعُودِهَا عَلَى قَدَمَيْهَا، وَطَاهِرَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَهِيَ مَا يَصِلُ إلَيْهَا ذَكَرُ الْمُجَامِعِ، وَنَجِسَةٌ وَهِيَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فِي فَرْجِ الْآدَمِيَّةِ لَا فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ، لِأَنَّ الْبَهِيمَةَ لَيْسَ لَهَا إلَّا مَنْفَذٌ وَاحِدٌ لِلْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ، لَكِنْ كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِمْ رُطُوبَةُ الْفَرْجِ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرَةٌ.
اهـ. م د. وَيُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّ الطَّهَارَةِ إذَا كَانَ الْفَرْجُ مَغْسُولًا.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا يُلَاقِيهِ بَاطِنُ الْفَرْجِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ هَلْ يَتَنَجَّسُ بِذَلِكَ فَيَتَنَجَّسُ بِهِ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ أَوْ لَا؟ لِأَنَّ مَا فِي الْبَاطِنِ لَا يَنْجُسُ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَجِسٌ كَالنَّجَاسَاتِ الَّتِي فِي الْبَاطِنِ، فَإِنَّهَا مَحْكُومٌ بِنَجَاسَتِهَا، وَلَكِنَّهَا لَا تُنَجِّسُ مَا أَصَابَهَا إلَّا إذَا اتَّصَلَتْ بِالظَّاهِرِ، وَمَعَ هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْجُسُ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ لِكَثْرَةِ الِابْتِلَاءِ بِهِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَوْ أَدْخَلَتْ أُصْبُعَهَا لِغَرَضٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ لَا بِالْفَاءِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ الِابْتِلَاءُ بِهِ كَالْجِمَاعِ، لَكِنَّهَا قَدْ تَحْتَاجُ إلَيْهِ كَأَنْ أَرَادَتْ الْمُبَالَغَةَ فِي تَنْظِيفِ الْمَحَلِّ، وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ طَالَ ذَكَرُهُ وَخَرَجَ عَنْ الِاعْتِدَالِ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الرُّطُوبَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْبَاطِنِ الَّذِي لَا يَصِلُ إلَيْهِ ذَكَرُ الْمُجَامِعِ الْمُعْتَدِلِ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَفُّظِ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اُبْتُلِيَ النَّائِمُ بِسَيَلَانِ الْمَاءِ مِنْ فَمِهِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ أَفَادَهُ ع ش.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى خَرَجَتْ مِنْ مَحَلٍّ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَهِيَ نَجِسَةٌ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ رُطُوبَةٌ جَوْفِيَّةٌ، وَهِيَ إذَا خَرَجَتْ إلَى الظَّاهِرِ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ مَحَلٍّ يَجِبُ غَسْلُهُ فَلَا تُنَجِّسُ ذَكَرَ الْمُجَامِعِ لِلْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ أُمِّهِ، وَالْأَمْرُ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَلَا يُنَجِّسُ مَنِيُّ الْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ) رَاجِعٌ لِلْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ وَرُطُوبَةِ الْفَرْجِ.
وَقَوْلُهُ: (طَاهِرَةٌ) خَبَرٌ عَنْ الثَّلَاثَةِ.
فَائِدَةٌ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الْبَيْضَةِ وَالْوَلَدِ إذَا خَرَجَا مِنْ الْفَرْجِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا رُطُوبَةٌ نَجِسَةٌ رَوْضٌ وَشَرْحُ م ر ع ش.
قَوْلُهُ: (إلَّا شَيْئَانِ) هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الِاسْتِحَالَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إذْ تَقَدَّمَ مِنْهُ الْمِسْكُ وَاللَّبَنُ وَالْمَنِيُّ وَالْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِيمَا يَكُونُ فِيهِ صُنْعٌ لِلْإِنْسَانِ فَتَأَمَّلْ ق ل. وَقَوْلُهُ: وَالْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ فَإِنَّ أَصْلَهُمَا الْأَصِيلَ دَمٌ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا الْمَنِيُّ وَالْمَنِيُّ أَصْلُهُ دَمٌ.
قَوْلُهُ: (بِنَفْسِهَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ مُصَاحَبَةِ عَيْنٍ لَهَا حِينَ تَخَلُّلِهَا سَوَاءٌ طُرِحَتْ أَوْ لَا.
فَالتَّقْيِيدُ بِالطَّرْحِ فِي كَلَامِهِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَمِنْ الْعَيْنِ مَا تَحَلَّلَ فِيهَا مِنْ رُطُوبَةِ شَيْءٍ أُلْقِيَ فِيهَا، وَمِنْهَا مَا تَلَوَّثَ مِنْ الدَّنِّ فَوْقَهَا بِغَيْرِ غَلَيَانِهَا بِنَفْسِهَا بِأَنْ كَانَ بِتَحْرِيكِ الدَّنِّ مَثَلًا، أَمَّا مَا كَانَ بِغَلَيَانِهَا بِنَفْسِهَا فَلَا يَضُرُّ، وَلَا يَضُرُّ بَزْرٌ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَلَا صَبُّ شَيْءٍ عَلَيْهَا مِمَّا يَتَخَمَّرُ مَعَهَا وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا كَنَبِيذٍ وَعَسَلٍ وَسُكَّرٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَإِنْ نُقِلَتْ) هَذِهِ الْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالتَّخَلُّلِ النَّاشِئِ عَنْ النَّقْلِ عَلَى الْقَاعِدَةِ أَنَّ مَنْ اسْتَعْجَلَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ.
وَقَالَ ق ل: وَهَذَا النَّقْلُ مَكْرُوهٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِهِ بِمُصَاحَبَةِ عَيْنٍ فَيَحْرُمُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي الرَّهْنِ، وَجَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى الْحُرْمَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِعَيْنٍ أَوْ نُقِلَ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ، وَيَرُدُّ صَرِيحَ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
قَوْلُهُ: (بِطَرْحِ) أَيْ بِمُصَاحَبَةِ عَيْنٍ فَالْفِعْلُ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَا نَجُسَ) بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ.
وَهَذَا شُرُوعٌ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ الثَّلَاثِ وَمَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْجَامِدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ وَلَوْ تَنَجَّسَ مَائِعٌ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (غُسِلَ) أَيْ يَكْفِي انْغِسَالُهُ وَلَوْ احْتِمَالًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ فِيمَا لَوْ تَنَجَّسَ حَمَّامٌ بِنَحْوِ كَلْبٍ مِنْ أَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ مُرُورَ الْمَاءِ عَلَيْهِ سَبْعًا مَعَ التَّتْرِيبِ وَلَوْ مِنْ نِعَالٍ دَاخِلِيَّةٍ طَهُرَ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ: أَنَّا تَيَقَّنَّا النَّجَاسَةَ وَشَكَكْنَا فِي رَافِعِهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَيَجِبُ الْغَسْلُ حَالًا عَلَى مَنْ تَضَمَّخَ بِالنَّجَاسَةِ وَفَارَقَ غُسْلَ الزَّانِي بِأَنَّ مَا عَصَى
إحْدَاهَا: بِتُرَابٍ طَهُورٍ يَعُمُّ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ، وَالْخِنْزِيرُ كَالْكَلْبِ، وَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا، وَمَا نَجُسَ بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَتَنَاوَلْ قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ غَيْرَ لَبَنٍ لِلتَّغَذِّي نُضِحَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ: «أَنَّهَا جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ
[حاشية البجيرمي]
بِهِ هُنَا بَاقٍ مُسْتَمِرٌّ.
قَوْلُهُ: (سَبْعًا) وَلَوْ سَبْعَ جِرْيَاتٍ أَوْ تَحْرِيكُهُ سَبْعًا، وَيُحْسَبُ ذَهَابُهُ فِي الْمَاءِ وَعَوْدُهُ مَرَّتَيْنِ.
وَفَارَقَ عَدَدَ ذَهَابِ الْيَدِ وَعَوْدِهَا فِي الصَّلَاةِ مَرَّةً وَاحِدَةً نَظَرًا لِلْعُرْفِ وَتَحَرُّزًا مِنْ الْمَشَقَّةِ، لِأَنَّ الْيَدَ يُبْتَلَى بِتَحْرِيكِهَا وَلِأَنَّهُ اُغْتُفِرَ جِنْسُ الْفِعْلِ فِي الصَّلَاةِ.
تَنْبِيهٌ: كَوْنُ الْغَسْلِ سَبْعًا وَبِالتُّرَابِ تَعَبُّدِيٌّ ق ل. وَلَوْ اجْتَمَعَ مَاءُ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ ثُمَّ تَرَشْرَشَ مِنْهُ شَيْءٌ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ التَّتْرِيبُ فِي أُولَى السَّبْعِ لَمْ يُحْتَجْ إلَى تَتْرِيبٍ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَيَجِبُ غَسْلُهُ سِتًّا، وَإِلَّا اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مَخْلُوطٌ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَهُوَ مَاءُ الْأُولَى اهـ. ب ر وح ف. وَعِبَارَةُ م ر: وَلَوْ غَمَسَ الْمُتَنَجِّسَ بِمَا ذُكِرَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ وَحَرَّكَهُ سَبْعًا وَتَرَّبَهُ طَهُرَ، وَإِنْ لَمْ يُحَرِّكْهُ فَوَاحِدَةٌ، وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ فِي انْغِمَاسِ الْمُحْدِثِ مِنْ تَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ وَالْعَدَدَ ذَوَاتٌ مَقْصُودَةٌ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ.
اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إحْدَاهَا) فِي نُسْخَةٍ إحْدَاهُنَّ وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّ مَا لَا يَعْقِلُ إنْ كَانَ مُسَمَّاهُ عَشَرَةً فَمَا دُونَ بِأَنْ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ فَالْأَكْثَرُ الْمُطَابَقَةُ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ فَالْأَكْثَرُ الْإِفْرَادُ، وَقَدْ جَاءَ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 36] الْآيَةَ فَأَفْرَدَ فِي قَوْلِهِ مِنْهَا لِرُجُوعِهِ لِاثْنَيْ عَشَرَ، وَجَمَعَ فِي قَوْلِهِ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ لِرُجُوعِهِ لِلْأَرْبَعَةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِتُرَابٍ) أَيْ مَصْحُوبَةٍ بِتُرَابٍ، وَالْمُرَادُ بِتُرَابٍ وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ مَا لَوْ غُسِلَ بِقِطْعَةِ طَفْلٍ فَإِنَّهُ يَكْفِي، وَكَذَا الطِّينُ الرَّطْبُ لِأَنَّهُ تُرَابٌ بِالْقُوَّةِ، وَيُجْزِئُ الرَّمْلُ النَّاعِمُ الَّذِي لَهُ غُبَارٌ يُكَدِّرُ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ نَدِيًّا، وَالتُّرَابُ الْمُخْتَلِطُ بِنَحْوِ دَقِيقٍ حَيْثُ كَانَ يُكَدِّرُ الْمَاءَ كَمَا فِي الْبِرْمَاوِيِّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَالْوَاجِبُ مِنْ التُّرَابِ مَا يُكَدِّرُ الْمَاءَ وَيَصِلُ بِوَاسِطَتِهِ إلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَحَلِّ اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا وَضَعَ التُّرَابَ عَلَى جِرْمِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَكْفِ مُطْلَقًا، وَإِنْ زَالَتْ الْأَوْصَافُ وَوَضَعَ التُّرَابَ كَفَى مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ مَزَجَهُ بِالْمَاءِ أَوَّلًا أَوْ لَا.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَحَلُّ رَطْبًا أَوْ جَافًّا، وَإِنْ بَقِيَتْ الْأَوْصَافُ فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ جَافًّا وَوَضَعَ التُّرَابَ مَمْزُوجًا بِالْمَاءِ أَوْ وَحْدَهُ كَفَى التَّتْرِيبُ إنْ زَالَتْ الْأَوْصَافُ مَعَ الْمَاءِ الْمُصَاحِبِ لِلتَّتْرِيبِ، وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَحَلُّ رَطْبًا وَوَضَعَ التُّرَابَ مَمْزُوجًا بِالْمَاءِ وَزَالَتْ الْأَوْصَافُ، وَإِنْ وَضَعَهُ وَحْدَهُ لَمْ يَكْفِ لِتَنَجُّسِهِ اهـ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (وَالْخِنْزِيرُ كَالْكَلْبِ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا خَرَجَ عَنْ الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، بَلْ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ وَمَا هُنَا خَرَجَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الِاكْتِفَاءُ بِزَوَالِ الْعَيْنِ فَلْيُحَرَّرْ شَوْبَرِيٌّ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ قَوْلَهُ وَالْخِنْزِيرُ كَالْكَلْبِ أَيْ فِي التَّنْجِيسِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ التَّسْبِيعُ لَا فِي التَّسْبِيعِ حَتَّى يَرِدَ مَا ذَكَرَ ح ف.
قَوْلُهُ: (بِبَوْلِ إلَخْ) الْبَوْلُ قَيْدٌ وَالصَّبِيُّ أَيْ الذَّكَرُ قَيْدٌ ثَانٍ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَ لَبَنٍ لِلتَّغَذِّي قَيْدٌ ثَالِثٌ وَقَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ رَابِعٌ، فَخَرَجَ بِالْبَوْلِ بَقِيَّةُ فَضَلَاتِهِ كَالْقَيْءِ وَبِالصَّبِيِّ الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى، وَبِمَا بَعْدَهُ مَنْ بَلَغَ حَوْلَيْنِ مُطْلَقًا وَمَنْ تَغَذَّى بِغَيْرِ اللَّبَنِ لَا لِإِصْلَاحٍ فَيُغْسَلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ بِبَوْلِ صَبِيٍّ أَيْ بِبَوْلِهِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ وَخَرَجَ بِهِ مَا بَعْدَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَ لَبَنٍ لِلتَّغَذِّي بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: أَمَّا الرَّضَاعُ بَعْدَهُمَا فَبِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا كَبِرَ غَلُظَتْ مَعِدَتُهُ وَقَوِيَتْ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ تُحِيلُ إحَالَةً مَكْرُوهَةً أَيْ كَرِيهَةً، فَالْحَوْلَانِ أَقْرَبُ مَرَدٍّ فِيهِ أَيْ فِي الْغَسْلِ، وَلِهَذَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا يَتَنَاوَلُونَ غَيْرَ اللَّبَنِ شَرْحُ م ر، فَلَوْ شَرِبَ اللَّبَنَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ بَالَ بَعْدَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ غَيْرَ اللَّبَنِ فَهَلْ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ أَوْ يَجِبُ فِيهِ الْغَسْلُ، لِأَنَّ تَمَامَ الْحَوْلَيْنِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أَكْلِ غَيْرِ اللَّبَنِ؟ الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي، وَكَذَا لَوْ أَكَلَ غَيْرَ اللَّبَنِ لِلتَّغَذِّي فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ وَصَارَ يَقْتَصِرُ عَلَى اللَّبَنِ فَهَلْ يُقَالُ لِكُلِّ زَمَنٍ
فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» . وَمَا نَجُسَ بِغَيْرِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَ اللَّبَنِ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةً وَهِيَ مَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهَا وَلَا يُدْرَكُ لَهَا طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ كَفَى وُصُولُ الْمَاءِ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِحَيْثُ يَسِيلُ عَلَيْهِ زَائِدًا عَلَى النَّضْحِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنِيَّةً وَجَبَ بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِهَا إزَالَةُ الطَّعْمِ وَإِنْ عَسُرَ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ كَلَوْنِ الدَّمِ أَوْ رِيحٍ كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ عَسُرَ زَوَالُهُ
[حاشية البجيرمي]
حُكْمُهُ أَوْ يُقَالُ يُغْسَلُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَكَلَ غَيْرَ اللَّبَنِ لِلتَّغَذِّي؟ الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي، وَلَوْ شَكَّ هَلْ الْبَوْلُ قَبْلَهُمَا أَوْ بَعْدَهُمَا فَهَلْ يُكْتَفَى بِالرَّشِّ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْغَسْلِ؟ نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ سُلْطَانٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ لِأَنَّ الرَّشَّ رُخْصَةٌ وَالرُّخَصُ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِيهِ بِالنَّضْحِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ بُلُوغِ الْحَوْلَيْنِ وَعَدَمُ كَوْنِ الْبَوْلِ بَعْدَهُمَا، وَالْحَوْلَانِ تَحْدِيدٌ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ خَضِرٍ عَلَى التَّحْرِيرِ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ قَبْلَ مُضِيِّ حَوْلَيْنِ تَنَازُعٌ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بِبَوْلِ) وَقَوْلُهُ: (لَمْ يَتَنَاوَلْ) فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ لَبَنٍ) كَسَمْنٍ وَلَوْ مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ اللَّبَنِ الْقِشْدَةُ أَيْ مِنْ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّبَنَ.
وَقَوْلُهُ: (لِلتَّغَذِّي) ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَوْ قَلِيلًا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ اللَّبَنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْ فَإِنَّهُ يُغْسَلُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ: لَبَنٌ وَلَوْ رَائِبًا أَوْ فِيهِ مِنْفَحَةً أَوْ أَقِطًا أَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ وَإِنْ وَجَبَ تَسْبِيعُ فَمِهِ لَا سَمْنِهِ وَجُبْنِهِ وَقِشْطَتِهِ إلَّا قِشْدَةَ لَبَنِ أُمِّهِ فَقَطْ اهـ. وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّ الْجُبْنَ الْخَالِيَ مِنْ الْإِنْفَحَةِ لَا يَضُرُّ، وَكَذَا الْقِشْدَةُ مُطْلَقًا وَلَوْ قِشْدَةُ غَيْرِ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ: (نُضِحَ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ الْمُعْجَمَةِ بِأَنْ يُغْمَرَ الْمَحَلُّ بِالْمَاءِ بِغَيْرِ سَيَلَانٍ بَعْدَ إزَالَةِ أَوْصَافِهِ مِنْ طَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْفِيفِهِ أَوْ عَصْرِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهِ مَاءٌ ق ل. وَقَالَ سم: لَا يَبْعُدُ أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِرُطُوبَةٍ فِي الْمَحَلِّ مَثَلًا وَإِلَّا وَجَبَ الْغَسْلُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ ثُمَّ أَصَابَ هَذَا الْمَاءُ شَيْئًا فَإِنَّ مِنْ أَبْعَدِ الْبَعِيدِ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ) أَيْ وَلَمْ يَبْلُغْ حَوْلَيْنِ: قِيلَ: إنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدٌ كَمَا فِي الْبِرْمَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (فِي حِجْرِهِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا اهـ مُخْتَارٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَغْسِلْهُ أَتَى بِهِ لِأَنَّ النَّضْحَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةً) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ خَاصٌّ بِالنَّجَاسَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجْرِي فِي الْكُلِّ.
قَوْلُهُ: (يَسِيلُ) الْمُرَادُ بِالسَّيَلَانِ جَرَيَانُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا انْفِصَالُهُ عَنْهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِهَا) أَيْ جِرْمِهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ) وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ إلَخْ أَنَّ الْمَحَلَّ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ لَا أَنَّهُ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فَلَوْ أَصَابَ بَدَنًا لَا يُنَجِّسُهُ ش م ر.
قَوْلُهُ: (كَلَوْنِ الدَّمِ) وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ.
قَوْلُهُ: (عَسُرَ زَوَالُهُ) أَيْ الْأَحَدِ أَيْ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ بِالْمُبَالَغَةِ بِنَحْوِ الْحَتِّ وَالْقَرْصِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَرْضُ وَالثَّوْبُ وَالْإِنَاءُ وَسَوَاءٌ أَطَالَ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ أَمْ لَا م ر بِالْحَرْفِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعَسُّرِ وَالتَّعَذُّرِ، فَالتَّعَذُّرُ أَنْ لَا يَزُولَ إلَّا بِالْقَطْعِ وَالتَّعَسُّرُ أَنْ لَا يَزُولَ بِالْمُبَالَغَةِ بِنَحْوِ الْحَتِّ وَالْقَرْصِ، فَالطَّعْمُ إذَا تَعَذَّرَتْ إزَالَتُهُ عُفِيَ عَنْهُ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهَا أَيْ الْإِزَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَبَتْ، وَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا صَلَّاهُ حَالَةَ الْعُذْرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالرِّيحُ أَوْ اللَّوْنُ إذَا عَسُرَتْ إزَالَتُهُ طَهُرَ الْمَحَلُّ وَلَا تَجِبُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، وَتَجِبُ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْإِزَالَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِأُشْنَانٍ أَوْ نَحْوِهِ إنْ تَوَقَّفَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَيَكْفِي فِي الْعُسْرِ قَرْصُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ مَعَ الِاسْتِعَانَةِ اهـ ق ل. وَالْقَرْصُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ الضَّادِ.
وَحَاصِلُ صُوَرِ النَّجَاسَةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ صُورَةً فِي الْعَيْنِيِّ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ، لِأَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْمَحَلِّ إمَّا الْجِرْمُ أَوْ اللَّوْنُ أَوْ الرِّيحُ أَوْ الطَّعْمُ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ أَوْ اثْنَتَانِ مِنْهَا، وَفِيهِ سِتُّ صُوَرٍ حَاصِلَةٍ مِنْ أَخْذِ كُلِّ وَاحِدٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَفِيهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ أَوْ الْجَمِيعُ وَهِيَ صُورَةٌ، وَاحِدَةٌ فَهَذِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ صُورَةً وَكُلُّهَا فِي الْمُغَلَّظَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ وَالْمُتَوَسِّطَةِ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَفِي الْحُكْمِيَّةِ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهَا إمَّا مُغَلَّظَةً أَوْ مُخَفَّفَةً أَوْ مُتَوَسِّطَةً، فَهَذِهِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
لِلْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَهُلَ فَيَضُرُّ بَقَاؤُهُ فَإِنْ بَقِيَا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ مَعًا ضَرَّا لِقُوَّةِ دَلَالَتِهِمَا عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ عَلَى الْمَحَلِّ إنْ كَانَ قَلِيلًا لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ الْمَاءُ لَوْ عُكِسَ.
وَالْغُسَالَةُ طَاهِرَةٌ إنْ انْفَصَلَتْ بِلَا تَغَيُّرٍ وَلَمْ يَزِدْ الْوَزْنُ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ.
فُرُوعٌ: يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَصْبُوغٌ بِمُتَنَجِّسٍ انْفَصَلَ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ الْمَصْبُوغُ وَزْنًا بَعْدَ الْغَسْلِ عَلَى وَزْنِهِ قَبْلَ الصَّبْغِ إنْ بَقِيَ
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: يَجِبُ غَسْلُ مُصْحَفٍ تَنَجَّسَ وَإِنْ تَلِفَ وَكَانَ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَقِيَا بِمَحَلٍّ) أَيْ مِنْ نَجَاسَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ) أَيْ الْمَاءُ قَلِيلًا فَذِكْرُ الْمَاءِ بَعْدَهُ مِنْ الْإِظْهَارِ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ.
اهـ. ق ل. قَالَ فِي الْخَادِمِ: لَوْ وَضَعَ ثَوْبًا فِي إجَّانَةٍ وَفِيهِ دَمٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ يَتَنَجَّسُ بِالْمُلَاقَاةِ، لِأَنَّ نَحْوَ دَمِ الْبَرَاغِيثِ لَا يَزُولُ بِالصَّبِّ فَلَا بُدَّ بَعْدَ زَوَالِهِ مِنْ صَبِّ مَاءٍ طَهُورٍ.
قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ الْوَارِدَ يُنَجِّسُ إنْ لَمْ يَطْهُرْ الْمَحَلُّ كَمَا فِي الشَّوْبَرِيِّ.
وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ أَيْضًا: لَوْ غَسَلَ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ بِقَصْدِ إزَالَةِ الْوَسَخِ طَهُرَ، وَإِنْ بَقِيَ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ، وَإِنْ غَسَلَ بِقَصْدِ إزَالَةِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا إذَا أُزِيلَ مَا لَمْ يَعْسُرْ زَوَالُ اللَّوْنِ أَوْ الرِّيحِ وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْغُسَالَةُ طَاهِرَةٌ) وَلَوْ لِمَصْبُوغِ بِمُتَنَجِّسِ أَوْ نَجِسٍ وَقَدْ زَالَتْ عَيْنُ الصِّبْغِ النَّجِسِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِصَفَاءِ الْغُسَالَةِ.
وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يَزِيدَ وَزْنُ الثَّوْبِ بَعْدَ الْغَسْلِ عَلَى وَزْنِهِ قَبْلَ الصَّبْغِ فَإِنْ زَادَ ضَرَّ لِأَنَّ الزَّائِدَ مِنْ النَّجَاسَةِ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ اللَّوْنِ لِعُسْرِ زَوَالِهِ شَرْحُ م ر. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَعْمَلَ لِلْمَصْبُوغِ مَا يَمْنَعُ مِنْ انْفِصَالِ الصَّبْغِ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ اسْتِعْمَالِ مَا يُسَمُّونَهُ فِطَامًا لِلثَّوْبِ كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغَسْلِ لِلْعِلْمِ بِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ.
اهـ. ع ش. وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَلَا بُدَّ مِنْ صَفَاءِ غُسَالَةِ ثَوْبٍ صُبِغَ بِنَجِسٍ، وَيَكْفِي غَمْرُ مَا صُبِغَ بِمُتَنَجِّسٍ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ صَبُّ مَاءٍ قَلِيلٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَيَطْهُرُ هُوَ وَصِبْغُهُ.
قَوْلُهُ: (طَاهِرَةٌ) أَيْ غَيْرُ طَهُورَةٍ لِإِزَالَتِهَا لِلْخَبَثِ لِأَنَّ مَا أُزِيلَ بِهِ الْخَبَثُ غَيْرُ طَهُورٍ وَلَوْ كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (بِلَا تَغَيُّرٍ) أَيْ وَبِلَا زِيَادَةِ وَزْنٍ بَعْدَ اعْتِبَارِ مَا يَتَشَرَّبُهُ الْمَغْسُولُ مِنْ الْمَاءِ أَوْ يُلْقِيه مِنْ الْوَسَخِ الطَّاهِرِ.
قَالَ حَجّ: وَيَكْتَفِي فِيهِمَا بِالظَّنِّ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِالْقَلِيلَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا تُعْتَبَرُ إلَّا حِينَئِذٍ.
اهـ. ح ف. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَغُسَالَةٌ قَلِيلَةٌ مُنْفَصِلَةٌ بِلَا تَغَيُّرٍ وَبِلَا زِيَادَةٍ وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ طَاهِرَةٌ اهـ. قَالَهُ: (وَقَدْ طَهُرَ الْمَحَلُّ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ بِهِ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ وَلَوْ الْمُغَلَّظَ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: أَحَدُهَا فِي تَطْهِيرِ الْمَصْبُوغِ بِمُتَنَجِّسٍ.
ثَانِيهَا فِي تَطْهِيرِ الْأَرْضِ.
ثَالِثُهَا فِي تَطْهِيرِ اللَّبِنِ بِكَسْرِ الْبَاءِ.
رَابِعُهَا فِي تَطْهِيرِ السِّكِّينِ الْمَسْقِيَّةِ بِمَاءٍ نَجِسٍ أَوْ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِمَاءٍ نَجِسٍ.
خَامِسُهَا فِي تَطْهِيرِ الزِّئْبَقِ.
سَادِسُهَا فِي الِاكْتِفَاءِ بِتَطْهِيرِ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبٍ تَنَجَّسَ لِعَدَمِ سَرَيَانِ النَّجَاسَةِ.
سَابِعُهَا فِي تَعَذُّرِ تَطْهِيرِ الدُّهْنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ غَيْرِ الْمَاءِ.
ثَامِنُهَا فِي تَطْهِيرِ الْفَمِ.
قَوْلُهُ: (يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَصْبُوغٌ) قَالَ م ر: وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مَصْبُوغٌ وَمَخْضُوبٌ بِمُتَنَجِّسٍ أَوْ نَجِسٍ إنْ انْفَصَلَ الصِّبْغُ وَإِنْ بَقِيَ لَوْنُهُ الْمُجَرَّدُ.
وَقَوْلُهُ: (بِمُتَنَجِّسٍ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الصِّبْغُ رَطْبًا فِي الْمَحَلِّ فَإِنْ جَفَّ الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِالْمُتَنَجِّسِ كَفَى صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَصْفُ غُسَالَتُهُ ع ش. وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَتَفَتَّتْ النَّجَاسَةُ وَإِلَّا فَهُوَ كَالدَّمِ سم.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَصْبُوغَ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَالْمَصْبُوغَ بِالْمُتَنَجِّسِ الَّذِي تَفَتَّتَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ أَوْ لَمْ تَتَفَتَّتْ فِيهِ وَكَانَ الْمَصْبُوغُ رَطْبًا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ إذَا صَفَتْ الْغُسَالَةُ مِنْ الصِّبْغِ، وَأَمَّا إذَا تَنَجَّسَ بِنَجَاسَةٍ لَمْ تَتَفَتَّتْ فِيهِ كَفَأْرَةٍ لَمْ تَذُبْ فِيهِ وَكَانَ الْمَصْبُوغُ جَافًّا فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِغَمْرِهِ بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تَصْفُ الْغُسَالَةُ كَمَا قَالَهُ سم، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ إذَا تَنَجَّسَ بِالْبَوْلِ وَأَنَّ الْمُتَنَجِّسَ بِهِ بَعْدَ جَفَافِهِ يَطْهُرُ بِغَمْرِهِ بِالْمَاءِ لِأَنَّ صَبْغَهُ بِمَنْزِلَةِ تُرَابٍ عُجِنَ بِبَوْلٍ أَوْ بِمَاءٍ نَجِسٍ.
قَوْلُهُ: (بِمُتَنَجِّسٍ) أَيْ أَوْ نَجِسٍ كَدَمٍ.
قَوْلُهُ: (انْفَصَلَ) أَيْ الْمُتَنَجِّسُ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَصْبُوغِ، وَخَرَجَ مَا إذَا حُبِسَ كَمَا يَقَعُ لِنِسَاءِ الْأَرْيَافِ مِنْ صَبْغِ الثَّوْبِ وَحَبْسِ الصِّبْغِ بِنَحْوِ قَرَظٍ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَزِدْ الْمَصْبُوغُ) هَذَا مَحَلُّهُ فِي الْغُسَالَةِ فِيمَا مَرَّ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ هُنَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ صَفَاءُ الْغُسَالَةِ إلَّا إنْ كَانَ لِلصِّبْغِ جِرْمٌ كَمَا يَدُلُّ لَهُ مَا بَعْدَهُ ق ل. وَقَوْلُهُ: وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ هُنَا أَيْ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الصَّبْغُ مُجَرَّدَ تَمْوِيهٍ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ
اللَّوْنُ لِعُسْرِ زَوَالِهِ، فَإِنْ زَادَ وَزْنُهُ ضَرَّ، فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ لِتَعَقُّدِهِ بِهِ لَمْ يَطْهُرْ لِبَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَلَوْ صُبَّ عَلَى مَوْضِعٍ نَحْوِ بَوْلٍ أَوْ خَمْرٍ مِنْ أَرْضٍ مَاءٌ غَمَرَهُ طَهُرَ، أَمَّا إذَا صُبَّ عَلَى نَفْسِ نَحْوِ الْبَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ، وَاللَّبِنُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ إنْ خَالَطَهُ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ كَالرَّوْثِ لَمْ يَطْهُرْ وَإِنْ طُبِخَ وَصَارَ آجُرًّا لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ، وَإِنْ خَالَطَهُ غَيْرُهَا كَالْبَوْلِ طَهُرَ ظَاهِرُهُ بِالْغَسْلِ، وَكَذَا بَاطِنُهُ إنْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ إنْ كَانَ رَخْوًا يَصِلُهُ الْمَاءُ كَالْعَجِينِ، وَلَوْ سُقِيَتْ سِكِّينٌ أَوْ طُبِخَ لَحْمٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ كَفَى غَسْلُهُمَا، وَيَطْهُرُ الزِّئْبَقُ الْمُتَنَجِّسُ بِغَسْلِ ظَاهِرِهِ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ تَنَجُّسِهِ وَغَسْلِهِ تَقَطُّعٌ، وَإِلَّا لَمْ يَطْهُرْ كَالدُّهْنِ.
[حاشية البجيرمي]
لَا يَزِيدُ وَزْنُ الثَّوْبِ بِالصَّبْغِ، وَتَحْتَ قَوْلِهِ وَلَمْ يَزِدْ الْوَزْنُ صُورَتَانِ وَهُمَا إذَا تَسَاوَيَا وَنَقَصَ الْوَزْنُ بَعْدَ الصَّبْغِ، لِأَنَّ الصَّبْغَ قَدْ يَأْكُلُ مِنْ الْمَصْبُوغِ كَالشَّالَاتِ فَيَخِفُّ فِي الْوَزْنِ بَعْدَ الصَّبْغِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الصَّبْغِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْفِعْلُ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَبِكَسْرِهَا مَا يُصْبَغُ بِهِ مِنْ نِيلَةٍ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَوْضِعِ نَحْوِ بَوْلٍ) أَيْ بَعْدَ جَفَافِهِ أَوْ تَشَرُّبِهِ بِخِرْقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا بِحَيْثُ لَا تَبْقَى رُطُوبَةٌ تَنْفَصِلُ ق ل. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ أَمَّا إذَا صَبَّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى نَفْسِ) أَيْ عَيْنٍ، فَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا الْعَيْنُ وَالذَّاتُ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الْبُلُولَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاللَّبِنُ) أَيْ الطُّوبُ غَيْرُ الْمُحَرَّقِ، وَقَوْلُ ق ل وَهُوَ الطُّوبُ قَبْلَ حَرْقِهِ أَوْ بَعْدَهُ فِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَطْهُرْ) قَالَ شَيْخُنَا يُعْفَى عَنْهُ فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَفَرْشِهَا وَالْمَشْيِ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ رُطُوبَةٍ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ أَوَانِي الْخَزَفِ الْمَعْجُونِ طِينُهَا بِالرَّوْثِ وَالرَّمَادِ.
(فَرْعٌ) لَوْ تَنَجَّسَ الْجُبْنُ مَعَ مِشِّهِ فِي الزَّلْعَةِ مَثَلًا لَمْ يَطْهُرْ مِشُّهُ بِالْغَسْلِ وَيَطْهُرُ الْجُبْنُ حَيْثُ وَصَلَ الْمَاءُ إلَى مَا وَصَلَ إلَيْهِ الْمِشُّ.
اهـ. ق ل. وَقَدْ سُئِلَ الزِّيَادِيُّ عَنْ سُؤَالٍ صُورَتُهُ: مَا قَوْلُكُمْ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْكُمْ - فِي الْجِرَرِ وَالْأَزْيَارِ وَالْإِجَّانَاتِ وَالْقُلَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَالْبَرَانِيِّ وَالْأَصْحُنِ مِمَّا يُعْجَنُ بِالسِّرْجِينِ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ مَا وُضِعَ فِيهَا مِنْ مَائِعٍ أَوْ مَاءٍ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ؟ وَفِي الْجُبْنِ الْمَعْمُولِ بِالْإِنْفَحَةِ الْمُتَنَجِّسَةِ هَلْ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَيَجُوزُ أَكْلُهُ حَتَّى لَوْ أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهُ بَدَنًا أَوْ ثَوْبًا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ، وَكَذَا مَا يَسِيلُ مِنْهُ مِنْ مِشِّ الْحَصِيرِ الْمَعْمُولِ بِهِ لِلْكِشْكِ هَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ وَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَلَا تَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَلَا غَسْلُ مَا أَصَابَهُ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى؟ وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الطُّوبِ الْمَعْجُونِ بِالزِّبْلِ إذَا حُرِقَ وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَفَرْشُ عَرْصَتِهَا بِهِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا حَائِلٍ، وَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي أَوْ مَلْبُوسِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ تَصِحُّ صَلَاتُهُ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.
فَأَجَابَ: الْخَزَفُ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الطِّينِ وَيُضَافُ إلَى الطِّينِ السِّرْجِينُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي الْبِلَادِ، فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَطَهَارَةِ مَا وُضِعَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَالْمَائِعَاتِ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ، وَالْجُبْنُ الْمَعْمُولُ بِالْإِنْفَحَةِ الْمُتَنَجِّسَةِ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى أَيْضًا فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ وَيَصِحُّ بَيْعُهُ وَأَكْلُهُ وَلَا يَجِبُ تَطْهِيرُ الْفَمِ مِنْهُ، وَإِذَا أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهُ ثَوْبَ الْآكِلِ أَوْ بَدَنَهُ لَمْ يَنْجُسْ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْآجُرُّ الْمَعْجُونُ بِالسِّرْجِينِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ بِهِ وَفَرْشُ عَرْصَتِهَا بِهِ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ بِنَاءُ الْكَعْبَةِ بِهِ، وَالْمِشُّ الْمُنْفَصِلُ مِنْ الْجُبْنِ الْمَعْمُولِ بِالْإِنْفَحَةِ الْمُتَنَجِّسَةِ طَاهِرٌ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ حَتَّى لَوْ أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهُ بَدَنًا أَوْ ثَوْبًا لَمْ يَجِبْ تَطْهِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْقَوْلُ بِطَهَارَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْآجُرِّ وَالْجِرَرِ مُشْكِلٌ مَعَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ تَكُونَ نَجِسَةً مَعْفُوًّا عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَطَهُ غَيْرُهَا) أَيْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ الْجَامِدَةِ بِأَنْ خَالَطَهُ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ كَالْبَوْلِ.
قَوْلُهُ: (كَالْعَجِينِ) أَيْ الَّذِي عُجِنَ بِالْبَوْلِ مَثَلًا كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، أَمَّا لَوْ صَارَ الْعَجِينُ مَائِعًا كَعَجِينِ الْكُنَافَةِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِضَمِّ دَقِيقٍ إلَيْهِ وَصَبِّ مَاءٍ عَلَيْهِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ سُقِيَتْ سِكِّينٌ) أَيْ بَعْدَ إحْمَائِهَا بِالنَّارِ اج.
قَوْلُهُ: (كَفَى غَسْلُهُمَا) أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى سَقْيِ السِّكِّينِ وَإِغْلَاءِ اللَّحْمِ بِالْمَاءِ أَيْ وَيَطْهُرَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ السِّكِّينِ وَاللَّبِنِ أَنَّ السِّكِّينَ تَكْثُرُ الْحَاجَةُ إلَى تَنَاوُلِهَا فَخُفِّفَ فِيهَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَاسْتُشْكِلَ الِاكْتِفَاءُ بِغَسْلِ ظَاهِرِ السِّكِّينِ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ فِي الْآجُرِّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ
وَيَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِ نَجَاسَةٍ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ وَلَوْ عَقِبَ عَصْرِهِ، وَلَوْ تَنَجَّسَ مَائِعٌ غَيْرُ الْمَاءِ وَلَوْ دُهْنًا تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ إذْ لَا يَأْتِي الْمَاءُ عَلَى كُلِّهِ، وَإِذَا غَسَلَ فَمَهُ الْمُتَنَجِّسَ فَلْيُبَالِغْ فِي الْغَرْغَرَةِ لِيَغْسِلَ كُلَّ مَا فِي حَدِّ الظَّاهِرِ، وَلَا يَبْلَعْ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا قَبْلَ غَسْلِهِ لِئَلَّا يَكُونَ آكِلًا لِلنَّجَاسَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ) لِذَكَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (اسْتِعْمَالُ) شَيْءٍ مِنْ (أَوَانِي الذَّهَبِ) وَأَوَانِي (الْفِضَّةِ) بِالْإِجْمَاعِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ صِحَافِهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[حاشية البجيرمي]
الِانْتِفَاعَ بِهِ مُتَأَتٍّ مِنْ غَيْرِ مُلَابَسَةٍ فَلَا حَاجَةَ لِلْحُكْمِ بِتَطْهِيرِ بَاطِنِهِ مِنْ غَيْرِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ بِخِلَافِ السِّكِّينِ أَيْ لَا يَتَأَتَّى الِانْتِفَاعُ بِهَا إلَّا بِمُلَابَسَتِهَا بِحَمْلٍ أَوْ نَحْوِهِ فَخُفِّفَ فِيهَا لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْمَاءِ لِبَاطِنِهَا.
قَوْلُهُ: (الزِّئْبَقُ) بِكَسْرِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ هَمْزَةٍ أَوْ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَهُوَ مِنْ الْجَامِدِ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِوَضْعِهِ فِي نَجِسٍ إلَّا مَعَ رُطُوبَةٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَقِبَ عَصْرِهِ) أَيْ مِنْ النَّجَاسَةِ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَجِفَّ وَهِيَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الثَّوْبَ إذَا كَانَ رَطْبًا وَوَقَعَ عَلَى مَحَلٍّ مِنْهُ نَجَاسَةٌ تَسْرِي إلَى بَاقِي الثَّوْبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ السَّرَيَانِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَنَجَّسَ مَائِعٌ) أَيْ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُغَلَّظِ وَالْمُخَفَّفِ وَغَيْرِهِمَا فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لَهُ، وَإِنْ جَمَدَ بَعْدَ ذَلِكَ كَعَسَلٍ انْعَقَدَ سُكَّرًا وَلَبَنٍ انْعَقَدَ جُبْنًا بِخِلَافِ عَكْسِهِ كَدَقِيقٍ عُجِنَ بِهِ، وَلَوْ انْمَاعَ فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ بَعْدَ تَجْمِيدِهِ بِدَقِيقٍ، وَأَمَّا نَحْوُ السُّكَّرِ فَإِنْ تَنَجَّسَ بَعْدَ جُمُودِهِ طَهُرَ ظَاهِرُهُ بِالْغَسْلِ أَوْ بِالْكَشْطِ أَوْ حَالَ انْمِيَاعِهِ لَمْ يَطْهُرْ مُطْلَقًا كَالْعَسَلِ كَمَا تُفِيدُهُ عِبَارَةُ سم وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَمِنْ الْجَامِدِ الزِّئْبَقُ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِوَضْعِهِ فِي نَحْوِ جِلْدِ كَلْبٍ حَيْثُ لَا رُطُوبَةَ، وَإِلَّا فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مُطْلَقًا أَوْ مَعَ التَّتْرِيبِ فِي النَّجَاسَةِ الْكَلْبِيَّةِ مَا لَمْ يَتَفَتَّتْ وَإِلَّا فَيَتَعَذَّرُ تَطْهِيرُهُ فَلَوْ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ لَمْ تُنَجِّسْهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.
أَيْ حَيْثُ لَا رُطُوبَةَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ دُهْنًا) هَذِهِ الْغَايَةُ لِلرَّدِّ، وَعِبَارَةُ ش م ر وَقِيلَ يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ كَالثَّوْبِ النَّجِسِ بِأَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَيُكَاثِرَهُ ثُمَّ يُحَرِّكَهُ بِخَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا بِحَيْثُ يَظُنُّ وُصُولَهُ لِجَمِيعِهِ ثُمَّ يُتْرَكَ لِيَعْلُوَ ثُمَّ يُثْقَبَ أَسْفَلُهُ، فَإِذَا خَرَجَ الْمَاءُ سَدَّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ كَمَا قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ إذَا تَنَجَّسَ بِمَا لَا دُهْنِيَّةَ فِيهِ كَالْبَوْلِ وَإِلَّا لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ اهـ. قَوْلُهُ: (فَلْيُبَالِغْ) وَلَوْ صَائِمًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَبْلَعْ) مَعْطُوفٌ عَلَى فَلْيُبَالِغْ فَلَا نَاهِيَةٌ أَيْ لَا يَبْلَعُ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَرَابًا) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ لِأَنَّ الْمَاءَ بِمُجَرَّدِ مُرُورِهِ عَلَى الْفَمِ يَطْهُرُ مَحَلُّهُ وَيَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، فَيَكُونُ شَارِبًا لِلْمُسْتَعْمَلِ وَهُوَ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ: قَوْلُهُ: (آكِلًا) أَيْ أَوْ شَارِبًا أَوْ يُؤَوَّلُ آكِلًا بِمُتَنَاوَلًا فَيَشْمَلُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَهُوَ حَرَامٌ.
(تَنْبِيهٌ) : جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ سَيَأْتِي فِي فَصْلِ النَّجَاسَةِ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ إلَخْ) . لَمَّا كَانَ الْمَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظَرْفٍ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ مِنْ الظُّرُوفِ وَمَا لَا يَحِلُّ فَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ إلَخْ.
وَالْحُرْمَةُ هُنَا عَدَّهَا الْبُلْقِينِيُّ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهَا مِنْ الصَّغَائِرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الْبُدَاءَةِ بِهِ أَيْ بِمَا لَا يَجُوزُ أَنَّ لِلْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، إذْ الْأَصْلُ فِي الْأَوَانِي الْحِلُّ، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ أَفْرَادُ الْجَائِزِ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ قَدَّمَ الْحَرَامَ لِيَأْتِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِبَارَةٍ عَامَّةٍ لِأَفْرَادِ الْجَائِزِ كَمَا قَالَهُ ع ش. وَلَا يَحْرُمُ كَسْرُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إلَّا إنْ نَقَصَ قِيمَتَهَا وَمَا يَقَعُ مِنْ كَسْرِ نَحْوِ نِصْفِ فِضَّةٍ فِيهِ نُحَاسٌ وَرَمْيِهِ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ، وَأَمَّا ضَرْبُهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَمَكْرُوهٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غِشٌّ وَإِلَّا فَهُوَ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: (لِذَكَرٍ أَوْ غَيْرِهِ) وَلَا يَلْتَحِقُ ذَلِكَ بِالْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ حَتَّى يَحِلَّ لَهُنَّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّزَيُّنِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُنَّ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِجْمَاعِ) قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَقْوَى، وَلِعُمُومِهِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي بَعْدَهُ فِيهِ قِيَاسٌ، وَمَحَلُّ حُرْمَةِ الِاسْتِعْمَالِ إذَا وَجَدَ غَيْرَهُمَا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ كَمَا فِي الْإِيعَابِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ، لَكِنْ بَحَثَ بَعْضُهُمْ تَقْدِيمَ الْفِضَّةِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ لِجَوَازِهَا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَالْخَاتَمِ دُونَ ذَهَبٍ، وَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ مِنْ إنَاءٍ لِلنَّقْدَيْنِ قَطْعًا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ حَيْثُ جَرَى فِي صِحَّتِهَا خِلَافٌ بِأَنَّ الْوُضُوءَ وَسِيلَةٌ وَيُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقَاصِدِ، وَبِأَنَّ الْحُرْمَةَ هُنَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَسُومِحَ فِيهِ مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
قَوْلُهُ: (فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ) جَمْعُ
وَيُقَاسُ غَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَيْهِمَا، وَإِنَّمَا خُصَّا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَظْهَرُ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ وَأَغْلَبُهَا، وَيَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَسْقِيَ الصَّغِيرَ بِمِسْعَطٍ مِنْ إنَائِهِمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِنَاءِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ حَتَّى مَا يُخَلِّلُ بِهِ أَسْنَانَهُ، وَالْمِيلُ الَّذِي
[حاشية البجيرمي]
إنَاءٍ كَكِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ، وَهِيَ مَا يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ، وَالْأَوَانِي جَمْعُ الْجَمْعِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْآنِيَةَ مُفْرَدٌ، وَأَصْلُ آنِيَةٍ أَأْنِيَةٌ بِهَمْزَتَيْنِ أُبْدِلَتْ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ أَلِفًا فَصَارَ آنِيَةً عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ:
وَمَدًّا أُبْدِلَ ثَانِي الْهَمْزَيْنِ مِنْ ... كَلِمَةٍ أَنْ يَسْكُنَ كَآثَرَ وَائْتَمِنْ
قَوْلُهُ: (فِي صِحَافِهَا) جَمْعُ صَحْفَةٍ وَقَدَّمَ الشُّرْبَ لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْلِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي صِحَافِهِمَا أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلْمُضَافِ وَهُوَ الْآنِيَةُ، وَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى مِنْ.
الثَّانِي: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلْفِضَّةِ، أَمَّا الذَّهَبُ فَمَعْلُومٌ بِالْأُولَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] الثَّالِثُ: أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلْأَفْرَادِ الْكَائِنَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ع ش عَلَى م ر. الصَّحْفَةُ هِيَ مَا دُونَ الْقَصْعَةِ فَهِيَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، لِأَنَّ الْآنِيَةَ تَشْمَلُ الصَّحْفَةَ وَغَيْرَهَا وَعَلَيْهِ فَلَيْسَ التَّقْيِيدُ بِهَا لِإِخْرَاجِ غَيْرِهَا، بَلْ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَادَةِ الْأَكْلُ فِي الصِّحَافِ دُونَ الشُّرْبِ وَقَوْلُهُ: تَشْمَلُ الصَّحْفَةَ وَغَيْرَهَا.
الْحَاصِلُ أَنَّ لَهُمْ جَفْنَةً وَقَصْعَةً وَصَحْفَةً وَمِكْيَلَةً وَصُحَيْفَةً بِضَمِّ الصَّادِ، فَالْأُولَى مَا تُشْبِعُ مَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ، وَالثَّانِيَةُ مَا تُشْبِعُ الْعَشَرَةَ، وَالثَّالِثَةُ مَا تُشْبِعُ الْخَمْسَةَ، وَالرَّابِعَةُ مَا تُشْبِعُ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، وَالْخَامِسَةُ مَا تُشْبِعُ الْوَاحِدَ، وَكُلٌّ مِنْ الْخَمْسَةِ يُقَالُ لَهُ آنِيَةٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْخَمْسَةَ فِي الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ غَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَيْهِمَا) أَيْ مِنْ بَاقِي وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ وَلَوْ كَانَ الِاسْتِعْمَالُ عَلَى غَيْرِ وَجْهٍ مَأْلُوفٍ كَأَنْ كَبَّهُ عَلَى رَأْسِهِ أَيْ رَأْسِ الْإِنَاءِ وَاسْتَعْمَلَ أَسْفَلَهُ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَلَا حَاجَةَ لِلْقِيَاسِ مَعَ قَوْلِهِ بِإِجْمَاعٍ الدَّالِّ عَلَى حُرْمَةِ جَمِيعِ الِاسْتِعْمَالَاتِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ لِلْقِيَاسِ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْإِجْمَاعَ وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ فَقَطْ اهـ. وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ لِلَّهِ آنِيَةً فِي أَرْضِهِ وَهِيَ قُلُوبُ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ وَأَحَبُّهَا إلَيْهِ أَلْيَنُهَا وَأَصْفَاهَا وَأَصْلَبُهَا» . قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَصْلَبُهَا فِي الدِّينِ وَأَصْفَاهَا فِي الْيَقِينِ وَأَرَقُّهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ اهـ. وَدَخَلَ فِي الْأَوَانِي طَبَقُ الْكِيزَانِ وَهِيَ صُحَيْفَةٌ فِيهَا ثُقْبٌ لِلْكِيزَانِ، وَالْمُتَّجِهُ الْحُرْمَةُ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ بِجَوَازِهِ، وَفُهِمَ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ، حُرْمَةُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْفِعْلِ وَأَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الصَّنْعَةِ، وَعَدَمُ الْغُرْمِ عَلَى الْكَاسِرِ كَآلَةِ اللَّهْوِ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمُنْكَرَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْوَلِيِّ) لَيْسَ بِقَيْدٍ فَالْأَجْنَبِيُّ مِثْلُهُ، أَوْ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَوَلَّى فِعْلَ ذَلِكَ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا.
قَوْلُهُ: (بِمِسْعَطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْإِنَاءُ الَّذِي يُجْعَلُ فِيهِ السَّعُوطُ بِفَتْحِ السِّينِ وَهُوَ الدَّوَاءُ يُصَبُّ فِي الْأَنْفِ.
وَجَمِيعُ أَسْمَاءِ الْآلَاتِ بِكَسْرِ أَوَّلِهَا كَمِقْشَطٍ وَمِزْوَدَةٍ وَمِغْرَفَةٍ وَمِلْعَقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إلَّا ثَلَاثَةً فَبِالضَّمِّ وَهِيَ مِسْعَطٌ وَمُكْحُلَةٌ وَمُشْطٌ بِنَاءً عَلَى إحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِي مِسْعَطٍ وَمُشْطٍ مِنْ ضَمِّ الْمِيمِ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَفِيهِمَا لُغَةٌ أُخْرَى بِكَسْرِ الْمِيمِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَأَمَّا مُكْحُلَةٌ فَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ لَا غَيْرُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إنَائِهِمَا) صِفَةٌ لِمِسْعَطٍ أَيْ كَائِنٍ مِنْ إنَائِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِنَاءِ إلَخْ) وَمِنْهُ الْمُكْحُلَةُ وَالْمِبْخَرَةُ وَالْمِلْعَقَةُ وَالصُّنْدُوقُ وَغِطَاءُ الْكُوزِ ح ل.
فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ دَقِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَكْلِهِمَا مُفْرَدَيْنِ أَوْ مَعَ انْضِمَامِهِمَا لِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَدْوِيَةِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَدْوِيَةِ أَمْ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ؟ فَأَجَبْت عَنْهُ بِقَوْلِي: إنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّ الْجَوَازَ لَا شَكَّ فِيهِ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَفْعٌ، بَلْ وَكَذَا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِمْ فِي الْأَطْعِمَةِ بِأَنَّ الْحِجَارَةَ وَنَحْوَهَا لَا يَحْرُمُ مِنْهَا إلَّا مَا أَضَرَّ بِالْبَدَنِ أَوْ الْعَقْلِ.
وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْحُرْمَةِ بِإِضَاعَةِ الْمَالِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْإِضَاعَةَ إنَّمَا تَحْرُمُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لِغَرَضٍ وَمَا هُنَا
يُكْتَحَلُ بِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَأَنْ يَحْتَاجَ إلَى جِلَاءِ عَيْنِهِ بِالْمِيلِ فَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ، وَالْوُضُوءُ مِنْهُ صَحِيحٌ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ حَلَالٌ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلِاسْتِعْمَالِ لَا لِخُصُوصِ مَا ذُكِرَ.
وَيَحْرُمُ الْبَوْلُ فِي الْإِنَاءِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَكَمَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُمَا يَحْرُمُ أَيْضًا اتِّخَاذُهُمَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ، لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ كَآلَةِ الْمَلَاهِي، (وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ) مَا عَدَا ذَلِكَ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ نُحَاسٍ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ مُوِّهَ غَيْرُ النَّقْدِ كَإِنَاءِ نُحَاسٍ وَخَاتَمٍ وَآلَةِ حَرْبٍ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ نَحْوِهِ بِالنَّقْدِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ أَوْ مُوِّهَ النَّقْدُ بِغَيْرِهِ أَوْ صَدَأٌ مَعَ حُصُولِ شَيْءٍ مِنْ الْمُمَوَّهِ بِهِ أَوْ الصَّدَأِ حَلَّ اسْتِعْمَالُهُ لِقِلَّةِ الْمُمَوِّهِ فِي الْأُولَى فَكَأَنَّهُ مَعْدُومٌ وَلِعَدَمِ الْخُيَلَاءِ فِي
[حاشية البجيرمي]
لِقَصْدِ التَّدَاوِي وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ التَّدَاوِي بِاللُّؤْلُؤِ فِي الِاكْتِحَالِ وَغَيْرِهِ، وَرُبَّمَا زَادَتْ قِيمَتُهُ عَلَى الذَّهَبِ ع ش عَلَى م ر. وَمِنْ الِاسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمِ الِاحْتِوَاءُ عَلَى الْمِبْخَرَةِ أَوْ بَسْطُ الثَّوْبِ عَلَيْهَا أَوْ شَمُّ الْبَخُورِ مَعَ الْقُرْبِ مِنْهَا بِحَيْثُ يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا بِهَا، وَيَحْرُمُ تَبْخِيرُ نَحْوِ الْمَيِّتِ بِهَا أَيْضًا، وَمِنْ الِاسْتِعْمَالِ الْمُحَرَّمِ أَيْضًا أَخْذُ مَاءِ الْوَرْدِ مِنْهَا أَيْ مِنْ الْآنِيَةِ كَالْقُمْقُمِ لِاسْتِعْمَالِهِ وَلَوْ بِصَبِّ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ النَّقْدُ عَلَى الْبَزْبُوزِ فَقَطْ، نَعَمْ إنْ أَخَذَ مِنْهُ بِشِمَالِهِ ثُمَّ وَضَعَ الْمَاءَ فِي الْيَمِينِ وَاسْتَعْمَلَهُ جَازَ أَيْ مَعَ حُرْمَةِ الْأَخْذِ مِنْهُ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ حِينَئِذٍ كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ م ر فِي شَرْحِهِ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا الطُّوخِيُّ وَقَالَ: وَلَا يُعَدُّ مَا ذَكَرَ اسْتِعْمَالًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَكَذَلِكَ الْحُرْمَةُ عَلَى الصَّابِّ وَحْدَهُ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْآخَرِ فِعْلٌ وَهَذِهِ حِيلَةٌ مُبِيحَةٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ هَذِهِ الْحِيلَةُ إنَّمَا تَمْنَعُ حُرْمَةَ مُبَاشَرَةِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ إنَاءِ النَّقْدِ، أَمَّا حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ بِوَضْعِ مَظْرُوفِهِ فِيهِ وَحُرْمَةُ اتِّخَاذِهِ فَلَا حِيلَةَ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ.
وَتَحْرُمُ الْمُكْحُلَةُ وَالْمِرْوَدُ وَالْخِلَالُ وَالْإِبْرَةُ وَالْمِلْعَقَةُ وَالْمُشْطُ وَنَحْوُهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَالْكَرَاسِيُّ الَّتِي تُعْمَلُ لِلنِّسَاءِ مُلْحَقَةٌ بِالْآنِيَةِ كَالصُّنْدُوقِ فِيمَا يَظْهَرُ كَمَا قَالَ الْبَدْرُ بْنُ شُهْبَةَ، وَالشَّرَارِيبُ الْفِضَّةُ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِنَّ فِيمَا يَظْهَرُ لِعَدَمِ تَسْمِيَتِهَا آنِيَةً.
قَالَ الطُّوخِيُّ: وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ اسْتِعْمَالُ سُرْمُوجَةٍ أَوْ قَبْقَابٍ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَهَا اسْتِعْمَالُ ثَوْبٍ مِنْهُمَا اهـ. وَقَوْلُهُ: وَالْمِلْعَقَةُ مِنْ اللَّعْقِ لِمَا فِيهَا مِنْ لَعْقِ الْآكِلِ بِهَا، وَيُقَالُ مَعْلَقَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ عُلُوقِ الطَّعَامِ بِهَا وَهِيَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ.
فَرْعٌ: إذَا حَرَّمْنَا الْجُلُوسَ تَحْتَ سَقْفٍ مُمَوَّهٍ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فَهَلْ يَحْرُمُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّهِ الْخَارِجِ عَنْ مُحَاذَاتِهِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَحْرُمَ إذَا قَرُبَ بِخِلَافِ مَا إذَا بَعُدَ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْمِجْمَرَةِ.
اهـ. سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَحَلٌّ إلَّا هَذَا فَهَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الذَّهَبِ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ وَحُضُورُهَا حَاجَةٌ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مَا يُخَلِّلَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ خَلَّلَ، وَفِي جَعْلِ الْخِلَالِ مِنْ الْإِنَاءِ مُسَامَحَةٌ بِخِلَافِ الْمِيلِ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْكُحْلَ فَيُعَدُّ إنَاءً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ يُقَالُ الْخِلَالُ أَيْضًا يَحْمِلُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْخِلَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْأَغْبِيَاءُ يُبْدِلُونَهَا هَاءً فَلْيُحْذَرْ.
قَوْلُهُ: (جِلَاءِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ.
قَوْلُهُ: (فَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ) إلَى انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ فَبَعْدَهُ يَحْرُمُ وَيَجِبُ كَسْرُهُ كَمَا فِي الْإِطْفِيحِيِّ نَقْلًا عَنْ ع ش لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
قَوْلُهُ: (لَا لِخُصُوصِ مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْأَخْذِ لِلْأَكْلِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ الْبَوْلُ إلَخْ) وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِحِلِّ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا لِأَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّ فِي قِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَمْ تُهَيَّأْ وَلَمْ تُطْبَعْ لِذَلِكَ لَا فِيمَا طُبِعَ وَهُيِّئَ مِنْهَا لِذَلِكَ أَيْ لِلِاسْتِنْجَاءِ، أَمَّا مَا طُبِعَ وَهُيِّئَ مِنْهُمَا لِذَلِكَ كَالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ فَيَحْرُمُ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ وَيُجْزِئُ، قَوْلُهُ: (اتِّخَاذُهُمَا) أَيْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ أَوْ نَحْوِهَا ق ل. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ الْإِطْلَاقُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَرِيرِ بِأَنَّهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمَا لِكُلِّ أَحَدٍ وَلَا كَذَلِكَ الْحَرِيرُ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إنَاءٍ طَاهِرٍ) هَذِهِ النُّسْخَةُ هِيَ الْمُلَائِمَةُ لِقَوْلِ الشَّارِحِ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَالنُّسْخَةُ الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا الْعَبَّادِيُّ هِيَ وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوَانِي وَهِيَ لَا تُنَاسِبُ قَوْلَ الشَّارِحِ مَا عَدَا ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى هَذَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَحِلُّ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ وَإِنْ حَرُمَ لِنَحْوِ غَصْبٍ أَوْ احْتِرَامٍ كَجِلْدِ الْآدَمِيِّ وَلَوْ مُهْدَرًا كَحَرْبِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَخَاتَمٍ) فِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ الْخَاتَمِ مِنْ فِضَّةٍ لِرَجُلٍ وَمُطْلَقًا لِامْرَأَةٍ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا لَوْ كَانَ غَيْرَ فِضَّةٍ وَطُلِيَ بِالذَّهَبِ فَإِنَّهُ فِيهِ التَّفْصِيلُ
الثَّانِيَةِ، فَإِنْ حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ النَّقْدِ فِي الْأُولَى لِكَثْرَتِهِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ فِي الثَّانِيَةِ لِقِلَّتِهِ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَكَذَا اتِّخَاذُهُ، فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ تَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ وَالْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
وَيَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفِ الْبَيْتِ وَجُدْرَانِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، وَيَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا، وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ وَاِتِّخَاذُ النَّفِيسِ كَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَبِلَّوْرٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ، وَمِرْجَانٍ وَعَقِيقٍ وَالْمُتَّخَذِ مِنْ الطِّيبِ الْمُرْتَفِعِ كَمِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَعُودٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ مَعْنَى السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَمَا ضُبِّبَ مِنْ إنَاءٍ بِفِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً وَكُلُّهَا أَوْ
[حاشية البجيرمي]
الْآتِي.
قَوْلُهُ: (بِالنَّقْدِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُوِّهَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ صَدَأَ) بِفَتْحِ الدَّالِ م د. وَصَوَابُهُ بِكَسْرِ الدَّالِ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: صَدِئَ مِنْ بَابِ طَرِبَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ حَصَلَ شَيْءٌ) أَيْ مُتَمَوَّلٌ ابْنُ حَجَرٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجْرِي فِي الصَّدَأِ فَلْيُحَرَّرْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ إلَخْ) مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى فِي الْخَلْوَةِ لِحُصُولِ التَّضْيِيقِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ خُيَلَاءُ وَكَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ فَتَأَمَّلْ.
فَإِنَّ قَوْلَهُ مُرَكَّبَةٌ إلَخْ.
رُبَّمَا يُنَافِيهِ حَرَّرَهُ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَالْخُيَلَاءُ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْمَدِّ مِنْ الِاخْتِيَالِ وَهُوَ التَّفَاخُرُ وَالتَّعَاظُمُ.
وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: الِاخْتِيَالُ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّخَيُّلِ وَهُوَ التَّشَبُّهُ بِالشَّيْءِ، فَالْمُخْتَالُ يَتَخَيَّلُ فِي صُورَةِ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ تَكَبُّرًا فَالنَّهْيُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَوْ صَدِئَ إنَاءُ الذَّهَبِ بِحَيْثُ سَتَرَ الصَّدَأُ جَمِيعَ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ حَلَّ اسْتِعْمَالُهُ لِفَوَاتِ الْخُيَلَاءِ، نَعَمْ يَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي فِي الْمُمَوَّهِ بِنَحْوِ نُحَاسٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَعِلَّةُ التَّحْرِيمِ فِي النَّقْدَيْنِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ تَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ وَالْخُيَلَاءِ، وَلَا فَرْقَ فِي حُرْمَةِ مَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْخَلْوَةِ وَغَيْرِهَا إذْ الْخُيَلَاءُ مَوْجُودَةٌ بِتَقْدِيرِ الْإِطْلَاعِ عَلَيْهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفِ الْبَيْتِ) وَمِثْلُهُ الْكَعْبَةُ وَالْمَسَاجِدُ م ر. وَالْجُدْرَانُ، وَالسَّقْفُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ تَزْيِينُ أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَيَحْرُمُ.
وَالْكُسْوَةُ الْمَعْرُوفَةُ حَرَامٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفِضَّةِ، وَخَرَجَ بِالتَّمْوِيهِ التَّحْلِيَةُ وَهِيَ قِطَعٌ مِنْ النَّقْدَيْنِ تَسْتَمِرُّ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ شَيْخُنَا ز ي: بِحِلِّهَا فِي نَحْوِ الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ دُونَ غَيْرِهَا كَالْمُصْحَفِ وَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا م ر تَحْرِيمُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا أَيْضًا وَهُوَ الْوَجْهُ ق ل. وَقَالَ ع ش عَلَى م ر: وَهَلْ مِنْ التَّحْلِيَةِ مَا يُجْعَلُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي سِتْرِ الْكَعْبَةِ أَمْ مُخْتَصٌّ بِمَا يُجْعَلُ فِي بَابِهَا وَجُدْرَانِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ الْأَوَّلُ اهـ. وَحَاصِلُ مَسْأَلَةِ التَّمْوِيهِ أَنَّ فِعْلَهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا حَتَّى فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمُمَوَّهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَلَّ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ يَتَحَلَّلُ حَلَّ لِلنِّسَاءِ فِي حِلْيَتِهِنَّ خَاصَّةً وَحَرُمَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الرَّشِيدِيُّ عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَيْهَا) أَيْ النَّارِ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَا؟ فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الْحُرْمَةُ وَلَا يُشْكِلُ بِالضَّبَّةِ عِنْدَ الشَّكِّ لِأَنَّ هَذَا أَضْيَقُ بِدَلِيلِ حُرْمَةِ الْفِعْلِ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَقَالَ شَيْخُنَا: إنَّهُ كَالْمُمَوَّهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ وَمُوِّهَ بِفِضَّةٍ فَإِنْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَلَّ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ فِضَّةً وَمُوِّهَ بِذَهَبٍ فَإِنْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (كَيَاقُوتٍ) فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَاحِدُهُ يَاقُوتَةٌ وَجَمْعُهُ يَوَاقِيتُ وَهُوَ أَشْرَفُ الْأَحْجَارِ.
وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِهِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَمِثْلُهُ الْمَرْجَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَمِنْ خَوَاصِّهِ أَيْضًا أَنَّ النَّارَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ وَلَا تُغَيِّرُهُ، وَأَنَّ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ أَمِنَ مِنْ الطَّاعُونِ وَتَيَسَّرَتْ لَهُ أُمُورُ الْمَعَايِشِ وَيَقْوَى قَلْبُهُ وَتَهَابُهُ النَّاسُ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَوَائِجِ.
اهـ. عَنَانِيٌّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيَحِلُّ الْإِنَاءُ النَّفِيسُ فِي ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ كَيَاقُوتٍ أَيْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ فِي الْأَظْهَرِ لِعَدَمِ وُرُودِ نَهْيٍ فِيهِ، وَلِانْتِفَاءِ ظُهُورِ مَعْنَى السَّرَفِ فِيهِ وَالْخُيَلَاءِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ وَمُقَابِلُهُ يَحْرُمُ لِلْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
وَرَدَّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصَّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ فَصِّ الْخَاتَمِ، أَمَّا هُوَ فَيَجُوزُ قَطْعًا اهـ. وَقَوْلُهُ: نَعَمْ يُكْرَهُ أَيْ إنَاءُ الْيَاقُوتِ وَنَحْوُهُ لِنَفَاسَتِهِ الذَّاتِيَّةِ أَيْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ أَمَّا إذَا كَانَتْ نَفَاسَتُهُ عَرَضِيَّةً كَإِنَاءٍ مُحْكَمِ الصَّنْعَةِ لِخَرْطٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا اتِّخَاذُهُ.
اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ) أَيْ كَسِنَّوْرٍ، وَيَجُوزُ بَلُّورٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُتَّخَذِ) أَيْ وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ الْمُتَّخَذِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَهْيٌ) أَيْ نَهْيُ تَحْرِيمٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُكْرَهُ نَفِيسُ الذَّاتِ دُونَ نَفِيسِ
بَعْضُهَا وَإِنْ قَلَّ لِزِينَةٍ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَاِتِّخَاذُهُ، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَلَا تَحْرُمُ لِلصِّغَرِ وَلَا تُكْرَهُ لِلْحَاجَةِ.
وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ: «رَأَيْت قَدَحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَانَ قَدْ انْصَدَعَ أَيْ انْشَقَّ فَسَلْسَلَهُ بِفِضَّةٍ» أَيْ شَدَّهُ بِخَيْطِ فِضَّةٍ وَالْفَاعِلُ هُوَ أَنَسٌ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ أَنَسٌ: «لَقَدْ سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْقَدَحِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا» . أَوْ صَغِيرَةً وَكُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ أَوْ كَبِيرَةً كُلُّهَا لِحَاجَةٍ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا، أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِلصِّغَرِ وَكُرِهَ لِفَقْدِ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِلْحَاجَةِ وَكُرِهَ لِلْكِبَرِ، وَضَبَّةُ مَوْضِعِ
[حاشية البجيرمي]
الصَّنْعَةِ وَدُونَ الْمُتَّخَذِ مِنْ طِيبٍ غَيْرِ رَفِيعٍ كَصَنْدَلٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَظْهَرُ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مَوْجُودٌ لَكِنَّهُ خَفِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا ضُبِّبَ مِنْ إنَاءٍ بِفِضَّةٍ إلَخْ) .
حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِنَاءَ الْمُضَبَّبَ بِالْفِضَّةِ ضَبَّةً كَبِيرَةً حَرَامٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْرُمُ الْمُضَبَّبُ بِالْفِضَّةِ مُطْلَقًا فَالْأَوَّلُ مُشَدَّدٌ وَالثَّانِي مُخَفَّفٌ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ كَمَالُ الشَّفَقَةِ عَلَى دِينِ الْأُمَّةِ، وَالْوَرَعُ التَّبَاعُدُ عَنْ الْإِنَاءِ الْمُضَبَّبِ كَالتَّبَاعُدِ عَنْ الْإِنَاءِ الْكَامِلِ مِنْ الْفِضَّةِ، وَوَجْهُ الثَّانِي الْعَفْوُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ.
وَقَوْلُهُ: تَفْصِيلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
حَاصِلُ الصُّوَرِ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا لِزِينَةٍ وَإِمَّا لِحَاجَةٍ أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ، فَهِيَ سِتُّ صُوَرٍ.
صُورَتَانِ مُحَرَّمَتَانِ وَهُمَا الْكَبِيرَةُ كُلُّهَا لِزِينَةٍ أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ، لِأَنَّهُ لَمَّا انْبَهَمَ مَا لِلزِّينَةِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَمَّا لِلْحَاجَةِ صَارَ الْمَجْمُوعُ كَأَنَّهُ لِلزِّينَةِ، وَالثَّالِثَةُ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَهِيَ الصَّغِيرَةُ لِحَاجَةٍ.
وَتُكْرَهُ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَهِيَ الصَّغِيرَةُ كُلُّهَا لِزِينَةٍ أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ وَالْكَبِيرَةُ الَّتِي كُلُّهَا لِحَاجَةٍ.
وَأَصْلُ الضَّبَّةِ مَا يُصْلَحُ بِهِ خَلَلُ الْإِنَاءِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَعَمُّ وَإِنْ اسْتَوْعَبَ غَالِبَ الْإِنَاءِ فَإِنْ تَمَيَّزَ الزَّائِدُ حَرُمَ الزَّائِدُ فَقَطْ إنْ عَدَّهُ الْعُرْفُ كَبِيرًا وَإِلَّا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: (ضَبَّةً كَبِيرَةً) تَوَسَّعَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِمَتْنِ الْمِنْهَاجِ بِنَصْبِ ضَبَّةٍ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ إذْ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ مَصْدَرًا وَهُوَ الْحَدَثُ الْجَارِي عَلَى الْفِعْلِ، وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ اسْمُ عَيْنٍ لِأَنَّ الضَّبَّةَ هِيَ الصُّفَيْحَةُ الَّتِي أُصْلِحَ بِهَا الْإِنَاءُ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ) سَكَتَ عَنْ نَفْسِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ التَّضْبِيبُ فَهَلْ يَحْرُمُ مُطْلَقًا كَالتَّمْوِيهِ أَوْ يُفَرَّقُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْلِيلِ حُرْمَةِ التَّمْوِيهِ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ؟ وَلَعَلَّ الثَّانِيَ أَقْرَبُ.
اهـ. سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ الْحَاجَةِ) الْمُرَادُ بِالْحَاجَةِ قَصْدُ الْإِصْلَاحِ لَا الْعَجْزُ عَنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ غَيْرِهِمَا يُبِيحُ اسْتِعْمَالَهُمَا.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قَدَحَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَاشْتُرِيَ هَذَا الْقَدَحُ مِنْ مِيرَاثِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرُوِيَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ رَآهُ بِالْبَصْرَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ قَالَ: وَهُوَ قَدَحٌ جَيِّدٌ عَرِيضٌ نُضَارٌ بِضَمِّ النُّونِ وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْ الْعُودِ وَهُوَ خَشَبٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، وَيُقَالُ أَصْلُهُ مِنْ الْأَثْلِ وَلَوْنُهُ يَمِيلُ إلَى الصُّفْرَةِ، وَكَانَ مُتَطَاوِلًا طُولُهُ أَقْصَرُ مِنْ عُمْقِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ أَيْ شَدَّهُ بِخَيْطِ فِضَّةٍ أَنَّ الضَّبَّةَ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا كُلَّهَا لِحَاجَةٍ فَهَذِهِ صُورَةُ الْإِبَاحَةِ.
قَالَ سم: وَنُوزِعَ فِي هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شَرِبَ فِي هَذَا الْقَدَحِ وَهُوَ مُسَلْسَلٌ بِالْفِضَّةِ، وَإِنَّمَا رُئِيَ هَذَا الْقَدَحُ عِنْدَ أَنَسٍ بَعْدَهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - رَأَتْهُ عِنْدَ أَنَسٍ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ فَكَانَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا وَنَصَّ عَلَيْهِ الْبِرْمَاوِيُّ أَيْضًا اهـ. وَأَقُولُ مَا ذَكَرَهُ سم بِقَوْلِهِ لَمْ يَثْبُتْ إلَخْ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا بِقَوْلِهِ قَالَ أَنَسٌ: «لَقَدْ سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْقَدَحِ» إلَخْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشَارَةَ عَائِدَةٌ إلَى الْإِنَاءِ بِصِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَاحْتِمَالُ عَوْدِهَا إلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ صِفَتِهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
وَنَقَلَ ابْنُ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِ حَلْقَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَأَرَادَ أَنَسٌ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهَا حَلْقَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ: لَا تُغَيِّرَنَّ شَيْئًا وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُرْأَبُوا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ) فَإِنْ كَانَتْ لِحَاجَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةٍ) وَشَمِلَ الضَّبَّةَ لِلْحَاجَةِ مَا لَوْ عَمَّتْ جَمِيعَ الْإِنَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى حِينَئِذٍ ضَبَّةً مَمْنُوعٌ، فَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْإِنَاءِ ضَبَّاتٌ صِغَارٌ لِزِينَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْمُوعُ قَدْرَ ضَبَّةٍ كَبِيرَةٍ حَرُمَتْ وَمِنْ الضَّبَّةِ مَسَامِيرُ الْقَبْقَابِ وَالْعَصَا فَيَجْرِي فِيهَا التَّفْصِيلُ اهـ اج.
الِاسْتِعْمَالِ لِنَحْوِ شُرْبٍ كَغَيْرِهِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ التَّفْصِيلِ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مَنْسُوبٌ إلَى الْإِنَاءِ كُلِّهِ.
تَنْبِيهٌ: مَرْجِعُ الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ الْعُرْفُ.
فَإِنْ شُكَّ فِي كِبَرِهَا فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَخَرَجَ بِالْفِضَّةِ الذَّهَبُ فَلَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ إنَاءٍ ضُبِّبَ بِذَهَبٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا.
لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ فِي الذَّهَبِ أَشَدُّ مِنْ الْفِضَّةِ، وَبِالطَّاهِرِ النَّجِسُ كَالْمُتَّخَذِ مِنْ مَيْتَةٍ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يَنْجَسُ بِهِ كَمَاءٍ قَلِيلٍ وَمَائِعٍ لَا فِيمَا لَا يَنْجَسُ بِهِ كَمَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ الْجَفَافِ.
فُرُوعٌ: سَمْرُ الدَّرَاهِمِ فِي الْإِنَاءِ كَالتَّضْبِيبِ فَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ بِخِلَافِ طَرْحِهَا فِيهِ فَلَا يَحْرُمُ بِهِ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ مُطْلَقًا وَلَا يُكْرَهُ، وَكَذَا لَوْ شَرِبَ بِكَفِّهِ وَفِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ أَوْ فِي فَمِهِ دَرَاهِمُ أَوْ شَرِبَ بِكَفَّيْهِ وَفِيهِمَا دَرَاهِمُ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ إنْ كَانُوا لَا يَتَعَبَّدُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ فَهِيَ كَآنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَطَائِفَةٍ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ إلَخْ) كَشَفَةِ الْإِنَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِبَارَةَ مَقْلُوبَةٌ أَيْ وَضَبَّةُ غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ كَضَبَّتِهِ أَيْ كَضَبَّةِ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ، لِأَنَّ ضَبَّةَ غَيْرِ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ هِيَ الَّتِي يُتَوَهَّمُ فِيهَا جَوَازُهَا كَمَا يُرْشِدُ لِذَلِكَ تَعْلِيلُهُ شَيْخُنَا.
وَأَقُولُ: لَا قَلْبَ فِي الْعِبَارَةِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الِاسْتِعْمَالِ يُتَوَهَّمُ فِيهِ حُرْمَةُ تَضْبِيبِهِ لِمُبَاشَرَةِ الْمُسْتَعْمِلِ لِضَبَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهِ) لَعَلَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَضَبَّةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (مَرْجِعُ الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ الْعُرْفُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَالْمُرَادُ بِهِ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْعُقُولِ وَتَلَقَّتْهُ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ بِالْقَبُولِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَالَ الْجَوْجَرِيُّ: وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ إلَّا فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهُ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً» إلَخْ.
فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ لِعَدَمِ تَقْدِيرِ الشَّارِعِ لَهُ، وَالشَّارِعُ لَمْ يُبَيِّنْ الضَّبَّةَ بَلْ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا حَتَّى يُرْجَعَ فِيهَا لِلْعُرْفِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِوُرُودِ أَصْلِ الضَّبَّةِ وَهُوَ تَسَلْسُلُ الْقَدَحِ وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْوُرُودَ عَنْهُ إمَّا بِالنَّصِّ أَوْ بِالْإِقْرَارِ عَلَيْهِ.
اهـ. ع ش إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ شَكَّ فِي كِبَرِهَا إلَخْ) هَذَا رَاجِعٌ لِجَمِيعِ الصُّوَرِ أَيْ صُوَرِ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَصْلُ الْإِبَاحَةُ) أَيْ إبَاحَةُ الْإِنَاءِ قَبْلَ تَضْبِيبِهِ.
وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ بِمَا يَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي ثَوْبٍ فِيهِ حَرِيرٌ وَغَيْرُهُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ شَكَّ فِي التَّفْسِيرِ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ حَرُمَ اللُّبْسُ فِي الْأُولَى وَمَسُّ الْمُحْدِثِ فِي الْأُخْرَى؟ لِأَنَّا نَقُولُ مُلَابَسَةُ الثَّوْبِ لِلْبَدَنِ أَشَدُّ مِنْ مُلَابَسَةِ الضَّبَّةِ لَهُ فَاحْتِيطَ ثَمَّ مَا لَا يُحْتَاطُ هُنَا، وَأَمَّا التَّفْسِيرُ فَإِنَّمَا حَرُمَ مَعَ الشَّكِّ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ التَّعْظِيمِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ وَمَسِّ الْقُرْآنِ التَّحْرِيمُ.
وَلَوْ شَكَّ فِي أَنَّهَا لِلزِّينَةِ أَوْ لِلْحَاجَةِ جَازَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ ع ش عَلَى م ر. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي غَيْرِ الْحَرِيرِ الْمُطَرَّفِ بِهِ فَإِنَّهُ شَبِيهٌ بِالضَّبَّةِ.
قَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَتَحْتَ هَذِهِ أَيْ صُورَةِ الشَّكِّ صُوَرٌ لِأَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ تَارَةً يُعْلَمُ كَوْنُهَا لِزِينَةٍ أَوْ بَعْضُهَا لِزِينَةٍ وَبَعْضُهَا لِحَاجَةٍ، فَيُحْكَمُ بِالْكَرَاهَةِ فِيهِمَا لِأَنَّ الشَّكَّ إنَّمَا أَسْقَطَ الْحُرْمَةَ، وَأَمَّا إذَا عُلِمَ كَوْنُهَا لِحَاجَةٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ، وَكَذَلِكَ إذَا شَكَّ هَلْ هِيَ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلْحَاجَةِ، فَتَارَةً يُعْلَمُ الْكِبَرُ فَتُكْرَهُ.
وَتَارَةً يُعْلَمُ الصِّغَرُ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَرَاهَةَ، وَكَذَا إذَا شَكَّ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ فَتُضَمُّ هَذِهِ الصُّوَرُ لِبَقِيَّةِ صُوَرِ الضَّبَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالطَّاهِرِ) أَيْ وَخَرَجَ بِالطَّاهِرِ النَّجِسُ أَيْ غَيْرُ الْمُغَلَّظِ أَمَّا الْمُغَلَّظُ فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (كَمَاءٍ قَلِيلٍ) أَيْ إنْ صَحِبَهُ تَضَمُّخٌ، وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ فَقَطْ ق ل.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْجَفَافِ) وَيَكُونُ الِاسْتِعْمَالُ مَكْرُوهًا.
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) هِيَ ثَلَاثَةٌ.
الْأَوَّلُ: فِي سَمْرِ الدَّرَاهِمِ فِي الْإِنَاءِ فَيَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الضَّبَّةِ.
وَالثَّانِي: فِي اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ وَمَلْبُوسِهِمْ وَمَا يَلِي جُلُودَهُمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: فِي أَوَانِي مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْقَصَّابِينَ.
قَوْلُهُ: (سَمْرُ الدَّرَاهِمِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالدَّنَانِيرِ وَالصَّوَابُ سُقُوطُهَا، لِأَنَّ الدَّنَانِيرَ حَرَامٌ مُطْلَقًا كَضَبَّةِ الذَّهَبِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ) أَيْ تَفْصِيلُ الضَّبَّةِ فَيَحْرُمُ فِي الذَّهَبِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لَا يَحْرُمُ بِهِ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ إلَخْ) مِثْلُهُ فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ فَتْحُ الْفَمِ لِلْمَاءِ النَّازِلِ مِنْ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ، وَإِنْ قَصَدَهُ إلَّا إنْ قَرُبَ مِنْهُ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْ م ر، وَمِثْلُهُ فِي حَاشِيَةِ ن ز. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ
الْمَجُوسِ يَغْتَسِلُونَ بِأَبْوَالِ الْبَقَرِ تَقَرُّبًا، فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهَا وَجْهَانِ أَخْذًا مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ، لَكِنْ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ وَمَلْبُوسِهِمْ وَمَا يَلِي أَسَافِلَهُمْ، أَيْ مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ أَشَدُّ وَأَوَانِي مَائِهِمْ أَخَفُّ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي أَوَانِي مُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْقَصَّابِينَ الَّذِينَ لَا يَحْتَرِزُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ أَيْ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.