مُقَدِّمَة الْكتاب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَشَرَ لِلْعُلَمَاءِ أَعْلَامًا، وَثَبَّتَ لَهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ أَقْدَامًا، وَجَعَلَ مَقَامَ الْعِلْمِ أَعْلَى مَقَامٍ
[حاشية البجيرمي]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إفْضَالِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَآلِهِ.
وَبَعْدُ: فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ مُنْكَسِرُ الْخَاطِرِ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَالتَّقْوَى عُثْمَانُ ابْنُ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ السُّوَيْفِيِّ الشَّافِعِيِّ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِحُسْنِ الْعَمَلِ وَغَفَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ الزَّلَلِ: إنِّي اطَّلَعْت عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ عَلَى أَبِي شُجَاعٍ بِخَطِّ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانِ الْبُجَيْرِمِيِّ، فَرَأَيْت عَلَيْهِ حَوَاشِيَ رَقِيقَةً وَنِكَاتٍ دَقِيقَةً وَتَحْرِيرَاتٍ شَرِيفَةً مِمَّا نَقَلَهُ مِنْ الْحَوَاشِي الْمُعْتَمَدَةِ وَتَلَقَّاهُ عَنْ أَشْيَاخِهِ الْفُضَلَاءِ.
ثُمَّ إنَّ شَيْخَنَا الْمَذْكُورَ وَكَثِيرًا مِنْ الْإِخْوَانِ الْمُخْلِصِينَ وَالْأَعِزَّاءِ الْمُصْلِحِينَ، طَلَبُوا مِنِّي تَجْرِيدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ حَاشِيَةً مُسْتَقِلَّةً، فَيَعُمُّ بِهَا الِانْتِفَاعُ لِمَا رَأَوْا مِنِّي مِنْ الْإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ مَعَ الِانْقِطَاعِ، فَأَجَبْتهمْ إلَى ذَلِكَ قَاصِدًا بِهِ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ، وَلِيَكُونَ ذَخِيرَةً لِي وَلِشَيْخِنَا الْمَذْكُورِ يَوْمَ الْمَآبِ، وَسَمَّيْتهَا: تُحْفَةُ الْحَبِيبِ عَلَى شَرْحِ الْخَطِيبِ وَقَدْ كُنْت جَرَّدْت لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا عَلَى نُسْخَةِ الْمَنْهَجِ، وَزِدْته كَثِيرًا مِنْ الْحَوَاشِي، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسَبَبًا لِلْفَوْزِ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وَقَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ) ابْتَدَأَ بِالْبَسْمَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي أَشْرَفُهَا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ، لِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ التُّونُسِيِّ مِنْ إجْمَاعِ عُلَمَاءِ كُلِّ مِلَّةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَتَحَ كُلَّ كِتَابٍ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الدَّالِّ لَهُ خَبَرُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَاتِحَةُ كُلِّ كِتَابٍ» . وَلَا يُنَافِيهِ خُصُوصِيَّةُ نَبِيِّنَا وَأُمَّتِهِ بِهَا إذْ الْمُخْتَصُّ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ بِهَذَا التَّرْتِيبِ، وَأَمَّا مَا فِي النَّمْلِ عَنْ سُلَيْمَانَ، فَهُوَ تَرْجَمَةٌ عَمَّا فِي كِتَابِهِ لِبِلْقِيسَ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا، وَإِنْ كَانَ كُلُّ كِتَابٍ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ عَرَبِيًّا، لَكِنْ عَبَّرَ كُلُّ نَبِيٍّ عَنْ كِتَابِهِ بِلِسَانِ قَوْمِهِ، وَلَا يُنَافِيهِ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِكَتْبِ بِاسْمِك اللَّهُمَّ إلَى نُزُولِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41] ، فَأَمَرَ بِكَتْبِ بِسْمِ اللَّهِ إلَى نُزُولِ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: 110] فَأَمَرَ بِكَتْبِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ إلَى نُزُولِ آيَةِ النَّمْلِ، فَأَمَرَ بِكَتْبِهَا بِتَمَامِهَا، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ افْتِتَاحِ الْقُرْآنِ بِهَا لِاحْتِمَالِ عَدَمِ عِلْمِهِ بِافْتِتَاحِ الْقُرْآنِ بِهَا قَبْلَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، إذْ كَيْفَ يَتَأَخَّرُ عِلْمُهُ إلَى نُزُولِ آيَةِ النَّمْلِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا بُعْدَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ حَالَ نُزُولِ مَا قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، بَلْ عَلِمَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَرْتِيبِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُنَافِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَعَانِيَ الْكُتُبِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ فِي الْفَاتِحَةِ وَمَعَانِيهَا فِي الْبَسْمَلَةِ، فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْقُرْآنِ بِهَا لِأَنَّ الْمُخْتَصَّ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ كَمَا مَرَّ، فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ اقْتِدَاءٌ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ لِلِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَشْرَفِ أَوْ لِجَمْعِهِ لَهَا أَوْ نَسْخِهِ إيَّاهَا.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ، وَفِي قَوْلِهِ: اقْتِدَاءً بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي مَذْهَبِنَا وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ.
قَوْلُهُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ) هُوَ حَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَجْلِ نَشْرِهِ لِلْعُلَمَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّعْلِيقِ الرَّبْطُ، وَبِالْحُكْمِ ثُبُوتُ الْحَمْدِ لِلَّهِ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ حَمْدًا فِي مُقَابَلَةِ الذَّاتِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: الَّذِي نَشَرَ إلَخْ بَيَانًا لِصِفَةِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعِ فَكَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ: مَا صِفَةُ اللَّهِ الَّذِي أَوْقَعْت الْحَمْدَ لَهُ؟ فَقَالَ: الَّذِي نَشَرَ إلَخْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَمْدَانِ: حَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ الذَّاتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَحَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ الصِّفَاتِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي نَشَرَ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَوْصُولَ وَصِلَتَهُ فِي تَأْوِيلِ الْمُشْتَقِّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ، وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا أَوْقَعْت الْحَمْدَ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ لِأَجْلِ نَشْرِهَا لِلْعُلَمَاءِ، إلَخْ.
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَمْدًا ثَانِيًا لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِوُقُوعِ حَمْدٍ مِنْهُ وَالْإِخْبَارُ بِالْحَمْدِ حَمْدٌ، وَقَوْلُهُ: (نَشَرَ) أَيْ أَظْهَرَ لِلْعُلَمَاءِ فَضَائِلَ كَالْمُشَاهَدَةِ بِالْأَبْصَارِ، فَشَبَّهَ الْفَضَائِلَ بِالْأَعْلَامِ، أَيْ الرَّايَاتِ أَطْلَقَ اسْمَهَا عَلَيْهَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْجَامِعُ الظُّهُورُ وَالِاهْتِدَاءُ وَالْقَرِينَةُ حَالِيَّةٌ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَا أَعْلَامَ لَهُمْ، وَيَكُونُ النَّشْرُ تَرْشِيحًا لِأَنَّ النَّشْرَ ضِدُّ الطَّيِّ، أَوْ شَبَّهَ الْإِظْهَارَ بِالنَّشْرِ وَاسْتَعَارَ النَّشْرَ لِلْإِظْهَارِ، وَاشْتَقَّ مِنْ النَّشْرِ نَشَرَ بِمَعْنَى أَظْهَرَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ وَالْجَامِعُ الِاهْتِدَاءُ إلَى الْمَقْصُودِ فِي كُلٍّ وَالْأَعْلَامُ تَرْشِيحٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَعْلَامَ بِمَعْنَى الرَّايَاتِ حَقِيقَةً وَنَشَرَ بِمَعْنَى يَنْشُرُ لِمَا وَرَدَ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْقِدُ لِلْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَايَاتٍ لِمَعْرِفَتِهِمْ وَيَقُولُ لِلْعَالِمِ: قِفْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» . وَالْعُلَمَاءُ: جَمْعُ عَلِيمٍ كَكَرِيمٍ وَكُرَمَاءَ وَهُوَ جَمْعٌ قِيَاسِيٌّ أَوْ جَمْعُ عَالِمٍ وَهُوَ قِيَاسِيٌّ أَيْضًا، لِأَنَّ فُعَلَاءَ يَطَّرِدُ جَمْعًا لِفَاعِلٍ إذَا دَلَّ عَلَى مَدْحٍ نَحْوُ صَالِحٍ، أَوْ ذَمٍّ نَحْوُ فَاسِقٍ كَمَا أَفَادَ الْأُشْمُونِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ:
وَلِكَرِيمٍ وَبَخِيلٍ فُعَلَا ... كَذَا لِمَا ضَاهَاهُمَا قَدْ جُعِلَا
فَسَقَطَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ جَمْعَ عَالِمٍ عَلَى عُلَمَاءَ غَيْرُ مَقِيسٍ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ الْمَعْهُودُونَ وَهُمْ الْعَامِلُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَثَبَتَ لَهُمْ إلَخْ.
عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّرَاطِ الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ أَوْ الدِّينُ الْحَقُّ، وَالْمُرَادُ ثَبَّتَ أَقْدَامَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِمْ عَلَى إقَامَتِهِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْعَامِلُونَ، لِأَنَّ إقَامَةَ الدِّينِ تَحْصُلُ بِغَيْرِ الْعَامِلِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ كُلُّ عَالِمٍ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مَدْحَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (أَعْلَامًا) جَمْعُ عَلَمٍ مُحَرَّكًا كَبَطَلٍ وَأَبْطَالٍ وَفَرَسٍ وَأَفْرَاسٍ وَهُوَ جَمْعٌ قِيَاسِيٌّ وَاسْتُعْمِلَ جَمْعُ الْقِلَّةِ فِي أَعْلَامًا مَكَانَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ وَإِنَّمَا ارْتَكَبَهُ لِعَدَمِ سَمَاعِ جَمْعِ الْكَثْرَةِ فِيهِ وَهُوَ عِلَامٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْأَلْفِيَّةِ وَفَعْلٌ أَيْضًا لَهُ فِعَالُ وَلِأَجْلِ السَّجْعِ وَالْعَلَمُ الرَّايَةُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْجَبَلِ، وَلَمَّا كَانَ الْعَالِمُ يُهْتَدَى بِعِلْمِهِ جُعِلَ عِلْمُهُ كَالرَّايَةِ أَوْ كَالنَّارِ عَلَى الْجَبَلِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِمَّا يُهْتَدَى بِهِ إلَى الْمَقْصُودِ، كَذَا ذَكَرَهُ الَأُجْهُورِيُّ، وَهَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا كَانَ الْعِلْمُ يُطْلَقُ عَلَى النَّارِ وَلَمْ يَرِدْ إطْلَاقُهُ عَلَيْهَا فَالْمُنَاسِبُ تَشْبِيهُهُمْ بِالْجِبَالِ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَعَدَمِ التَّزَلْزُلِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الصِّرَاطِ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ الْأَدَقُّ مِنْ الشَّعْرَةِ الْأَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْأَقْدَامُ بَاقِيَةً عَلَى مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ، وَيَكُونُ ثَبَتَ بِمَعْنَى يَثْبُتُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِأَنْ شَبَّهَ التَّثْبِيتَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالتَّثْبِيتِ فِي الْمَاضِي، وَاسْتَعَارَ التَّثْبِيتَ فِي الْمَاضِي لِلتَّثْبِيتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَاشْتَقَّ مِنْ التَّثْبِيتِ فِي الْمَاضِي ثَبَتَ بِمَعْنَى يَثْبُتُ عَلَى حَدِّ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: 1] وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الدِّينُ الْحَقُّ، فَالْمَعْنَى وَثَبَّتَ لَهُمْ عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ أَقْدَامًا أَيْ: قُوَّةً، فَفِي الْأَقْدَامِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتْ الْقُوَّةُ بِالْأَقْدَامِ، وَاسْتُعِيرَتْ الْأَقْدَامُ لِلْقُوَّةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا كَوْنُ كُلٍّ يُوَصِّلُ إلَى الْمَقْصُودِ، وَمِثْلُ
وَفَضَّلَ الْعُلَمَاءَ
بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ الدِّينِيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ.
وَأَوْدَعَ الْعَارِفِينَ.
لَطَائِفَ سِرِّهِ فَهُمْ أَهْلُ الْمُحَاضَرَةِ وَالْإِلْهَامِ،.
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ يَأْتِي فِي الصِّرَاطِ بِأَنْ شَبَّهَ الدِّينَ الْحَقَّ بِالصِّرَاطِ، وَاسْتُعِيرَ الصِّرَاطُ لِلدِّينِ الْحَقِّ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا يُوَصِّلُ إلَى الْمَقْصُودِ وَالْأَقْدَامُ تَرْشِيحٌ، وَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مُقَدَّرٌ أَيْ: عَلَى إنْفَاذِهِ أَوْ إقَامَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَوَصْفُهُ بِالِاسْتِقَامَةِ أَيْ كَوْنُهُ لَا خَلَلَ وَلَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِلصَّوَابِ عَلَى الثَّانِي ظَاهِرٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّهُ كَالْمِيزَانِ أَلْفُ سَنَةٍ صُعُودٌ وَأَلْفُ سَنَةٍ اسْتِوَاءٌ وَأَلْفُ سَنَةٍ هُبُوطٌ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ وَصْفَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ جُمْلَتِهِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ الثَّلَاثَةِ، فَكُلُّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ مُسْتَقِيمَةٌ لَا اعْوِجَاجَ وَلَا انْعِطَافَ فِيهَا.
قَالَ الْمَرْحُومِيُّ: الصِّرَاطُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ وَالزَّايِ قَدْ قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِالصَّادِ وَالسِّينِ وَبِإِشْمَامِ الصَّادِ زَايًا.
قَوْلُهُ: (أَقْدَامًا) جَمْعُ قَدَمٍ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: 94] وَلِهَذَا تُصَغَّرُ عَلَى قُدَيْمَةٍ بِالْهَاءِ، وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ مِنْ الْحَمْدِ إلَى وَبَعْدُ عَلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْعَةً: مِنْهَا اثْنَتَانِ عَلَى الْمِيمِ الْمَوْصُولَةِ بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ وَهُمَا الْأُولَيَانِ، وَثَمَانِيَةٌ عَلَى الْمِيمِ السَّاكِنَةِ، وَاثْنَتَانِ عَلَى النُّونِ السَّاكِنَةِ، وَاثْنَتَانِ عَلَى اللَّازِمِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا الْهَاءُ السَّاكِنَةُ، إذْ لَا يَصِحُّ السَّجْعُ عَلَى الْهَاءِ.
مَبْحَثٌ فِي تَعْرِيفِ السَّجْعِ وَأَقْسَامِهِ قَالَ الَأُجْهُورِيُّ وَالسَّجْعُ تَوَافُقُ الْفَاصِلَتَيْنِ أَيْ الْكَلِمَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ النَّثْرِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَرَّفًا أَوْ مُرَصَّعًا أَوْ مُتَوَازِيًا لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ تَتَّفِقَ قَوَافِيهِ فِي الْوَزْنِ أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ الْمُطَرَّفُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ تَتَّفِقَ كُلُّ كَلِمَاتِ السَّجْعَتَيْنِ أَوْ غَالِبُهَا فِي الْوَزْنِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ الْمُرَصَّعُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ الْمُتَوَازِي مِثَالُ الْمُطَرَّفِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13] ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 14] وَمِثَالُ الْمُرَصَّعِ قَوْلُ الْحَرِيرِيِّ: فَهُوَ يَطْبَعُ الْأَسْجَاعَ بِجَوَاهِرِ لَفْظِهِ، وَيَقْرَعُ الْأَسْمَاعَ بِزَوَاجِرِ وَعْظِهِ؛ وَلَوْ أَبْدَلَ الْأَسْمَاعَ بِالْآذَانِ لَكَانَ مِثَالًا لِمَا اتَّفَقَ فِيهِ الْغَالِبُ، وَمِثَالُ الْمُتَوَازِي: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: 1] ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 2] وَالْأُولَيَانِ مِنْ الشَّرْحِ مِنْ السَّجْعِ الْمُتَوَازِي، وَضَابِطُهُ أَنْ تَتَّفِقَ الْفَاصِلَتَانِ فِي الْوَزْنِ، وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَ الْفَاصِلَتَيْنِ مِنْ الْفِقْرَتَيْنِ مُوَافِقًا فِي الْوَزْنِ، وَبَاقِي السَّجْعِ مِنْ قَبِيلِ السَّجْعِ الْمُطَرَّفِ، وَضَابِطُهُ أَنْ تَخْتَلِفَ الْفَاصِلَتَانِ فِي الْوَزْنِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ سَجْعٌ مُرَصَّعٌ، وَضَابِطُهُ أَنْ تَتَّفِقَ الْفَاصِلَتَانِ فِي الْوَزْنِ وَالتَّقْفِيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَ الْفَاصِلَتَيْنِ مِنْ الْفِقْرَتَيْنِ مُوَافِقًا فِي الْوَزْنِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ مَقَامَ الْعِلْمِ) أَيْ جَعَلَ مَرْتَبَةَ الْعِلْمِ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، فَلَا يُسَاوِيهِ غَيْرُهُ أَوْ جَعَلَ أَهْلَهُ فِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ بِحَيْثُ لَا يُسَاوِيهِمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا.
اهـ. ق ل. فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ جَعَلَ مَقَامَ أَهْلِهِ.
وَقَالَ ح ف: أَيْ جَعَلَ مَحَلَّ الْعِلْمِ وَهُوَ الْعُلَمَاءُ أَعْلَى وَأَرْفَعَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (وَفَضَّلَ الْعُلَمَاءَ) الْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ غَيْرَ أَنَّهُ أَبْرَزَهُ إظْهَارًا لِشَرَفِهِمْ، أَوْ اسْتِلْذَاذًا بِذِكْرِهِمْ عَلَى حَدِّ:
سُعَادُ الَّتِي أَضْنَاك حُبُّ سُعَادَا ... وَإِعْرَاضُهَا عَنْك اسْتَمَرَّ وَزَادَا
اهـ. أُجْهُورِيٌّ.
وَقَالَ ق ل: لَوْ قَدَّمَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا لَاسْتَغْنَى عَنْ إظْهَارِ الضَّمِيرِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْإِظْهَارَ حِينَئِذٍ فِي مَحَلِّهِ.
[مَبْحَثٌ فِي تَعْرِيفِ الْحُجَّةِ وَالْحُكْمِ وَتَقْسِيمِهِ إلَى تَكْلِيفِيٍّ وَوَضْعِيٍّ]
ٍّ قَوْلُهُ: (بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) جَمْعُ حُجَّةٍ وَهِيَ الدَّلِيلُ وَهُوَ مَا يَتَوَصَّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ فَالْمُرَادُ بِالْحُجَجِ الْأَدِلَّةُ الدِّينِيَّةُ الَّتِي أَثْبَتَتْ أَمْرًا دِينِيًّا سَوَاءٌ كَانَ عَمَلِيًّا أَوْ اعْتِقَادِيًّا فَدَخَلَ فِيهِ بَعْضُ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَالَمُ مُتَغَيِّرٌ وَكُلُّ مُتَغَيِّرٍ حَادِثٌ فَهَذَا دَلِيلٌ دِينِيٌّ مَعَ أَنَّهُ عَقْلِيٌّ وَسُمِّيَ الدَّلِيلُ حُجَّةً لِأَنَّهُ يُحَجُّ بِهِ الْخَصْمُ وَلِذَا سُمِّيَتْ الْبَيِّنَةُ حُجَّةً.
وَقَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ عَطْفِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ إقَامَةِ الْحُجَجِ فَسَقَطَ قَوْلُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
بَعْضِهِمْ: لَوْ قَدَّمَ هَذَا عَلَى إقَامَةِ الْحُجَجِ لَكَانَ أَوْلَى، لَكِنَّهُ أَخَّرَهُ لِأَجْلِ السَّجْعِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْوَضْعِيَّةِ، وَجُمْلَةُ التَّكْلِيفِيَّةِ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِلَافِ الْأُولَى، وَالْوَضْعِيَّةُ خَمْسَةٌ، لِأَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ هُوَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ مَانِعًا أَوْ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَالْأَحْكَامُ جَمْعُ حُكْمٍ وَهُوَ لُغَةً إثْبَاتُ أَمْرٍ لِأَمْرٍ أَوْ نَفْيُهُ عَنْهُ وَاصْطِلَاحًا خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ أَيْ كَلَامُهُ الْقَائِمُ بِذَاتِهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا كَالْمُتَعَلِّقِ بِالْمُكَلَّفِينَ أَوْ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا كَالْمُتَعَلِّقِ بِغَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِمْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ إذَا كُلِّفُوا خُوطِبُوا بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّنْجِيزِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُ الْأَحْكَامِ بِالنِّسَبِ التَّامَّةِ كَثُبُوتِ الْوُجُوبِ لِلنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، كَمَا فَسَّرَ بِهَا الْجَلَالُ فِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِيَشْمَلَ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ وَلِأَنَّهَا الَّتِي يُقَامُ عَلَيْهَا الدَّلِيلُ قَالَ ق ل: لَوْ حُذِفَ لَفْظٌ مَعْرِفَةٌ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى، وَوَجْهُ الْعُمُومِ شُمُولُهُ لِغَيْرِ الْمَعْرِفَةِ كَالْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَنَحْوِهِ، وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُفْرَدَاتِ، وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ الْأَحْكَامَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا النِّسَبُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمَعْرِفَةِ الْعِلْمُ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ تَرَادُفِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.
[مَبْحَثٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ]
قَوْلُهُ: (وَأَوْدَعَ الْعَارِفِينَ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَلَوْ أَبْدَلَهَا بِأَوْزَعَ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَلْهَمَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: 19] لَكَانَ أَوْلَى إذْ الْوَدِيعَةُ شَأْنُهَا الرَّدُّ كَمَا قَالَ:
وَمَا الْمَالُ وَالْأَهْلُونَ إلَّا وَدَائِعُ ... وَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ الْوَدَائِعُ
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْوَدِيعَةِ شَأْنُهَا الرَّدُّ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِخِلَافِ الدِّينِيَّةِ كَمَا هُنَا، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ وَعْدُهُ لَا يَتَخَلَّفُ فَبِالْأَوْلَى مَا أَوْصَلَهُ إلَى عَبِيدِهِ.
وَأَمَّا سَلْبُ الْإِيمَانِ وَنَحْوِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَنَادِرٌ، إذْ الْغَالِبُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَشَكَرَهَا لَا يَسْلُبُهَا عَنْهُ.
وَيُجَابُ عَنْهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِأَوْدَعَ نَظَرًا لِلْحَقِيقَةِ، وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ، بَلْ جَمِيعُ مَا عِنْدَ الْعَبْدِ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ حَقِيقَةً بَلْ الْمَالِكُ لَهُ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
اهـ. ح ف.
مَبْحَثٌ فِي قَوْلِهِمْ: حَقِيقَةٌ بِلَا شَرِيعَةٍ بَاطِلَةٌ وَشَرِيعَةٌ بِلَا حَقِيقَةٍ عَاطِلَةٌ وَقَوْلُهُ: (الْعَارِفِينَ) جَمْعُ عَارِفٍ وَهُمْ عُلَمَاءُ الْحَقِيقَةِ، وَبِالضَّرُورَةِ يَلْزَمُهَا عِلْمُ الشَّرِيعَةِ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَقِيقَةٌ بِلَا شَرِيعَةٍ بَاطِلَةٌ وَشَرِيعَةٌ بِلَا حَقِيقَةٍ عَاطِلَةٌ، مِثَالُ الْأَوَّلِ إذَا قُلْت لِشَخْصٍ: صَلِّ الظُّهْرَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ اللَّهُ كَتَبَنِي سَعِيدًا أُدْخِلْت الْجَنَّةَ وَإِنْ لَمْ أُصَلِّ، أَوْ إنْ كَانَ اللَّهُ قَدَّرَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ صَلَّيْت فَقَدْ نَظَرَ لِبَاطِنِ الْأَمْرِ، وَمِثَالُ الثَّانِي إذَا قَالَ الشَّخْصُ: لَا أُصَلِّي إلَّا لِأَجْلِ أَنْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلَا أَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلَّا بِالصَّلَاةِ مَثَلًا، فَهَذِهِ شَرِيعَةٌ عَاطِلَةٌ عِنْدَهُمْ، وَمَعْنَى كَوْنِهَا عَاطِلَةً أَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِالْعَمَلِ وَإِنْ كَانَتْ مُجْزِئَةً فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ.
مَبْحَثٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ لَهُمْ شَرِيعَةً وَهِيَ أَنْ تَعْبُدَهُ تَعَالَى، فَعِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى شَرِيعَةٌ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ الشَّرِيعَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْأَحْكَامِ وَطَرِيقَةٌ وَهِيَ أَنْ تَقْصِدَهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَحَقِيقَةٌ وَهِيَ نَتِيجَتُهُمَا وَهِيَ أَنْ تَشْهَدَ بِنُورٍ أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِي سُوَيْدَاءِ الْقَلْبِ أَيْ وَسَطِهِ، أَنَّ كُلَّ بَاطِنٍ لَهُ ظَاهِرٌ وَعَكْسُهُ أَيْ كُلُّ ظَاهِرٍ لَهُ بَاطِنٌ مَعْلُومٌ، كَخَرْقِ الْخَضِرِ لِلسَّفِينَةِ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا ظَاهِرًا فَهُوَ جَائِزٌ فِي الْبَاطِنِ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنَجَاةِ السَّفِينَةِ مِنْ الْمَلِكِ، وَالْأَوْلَى أَنْ تُعْرَفَ الْحَقِيقَةُ بِعِلْمِ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ كَعِلْمِ الْخَضِرِ بِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مَعَ مُوسَى مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَغَيْرِهَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مَفْسَدَةً فِي الْبَعْضِ، وَالشَّرِيعَةُ ظَاهِرُ الْحَقِيقَةِ وَالْحَقِيقَةُ بَاطِنُهَا وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ مَعْنًى كَمَا سَبَقَ وَمَثَّلْت الثَّلَاثَةَ بِالْجَوْزَةِ، فَالشَّرِيعَةُ كَالْقِشْرِ الظَّاهِرِ، وَالطَّرِيقَةُ كَاللُّبِّ الْخَفِيِّ، وَالْحَقِيقَةُ كَالدُّهْنِ الَّذِي فِي بَاطِنِ اللُّبِّ، وَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى اللُّبِّ إلَّا
وَوَفَّقَ الْعَامِلِينَ لِخِدْمَتِهِ فَهَجَرُوا لَذِيذَ الْمَنَامِ وَأَذَاقَ الْمُحِبِّينَ لَذَّةَ قُرْبِهِ وَأُنْسِهِ فَشَغَلَهُمْ عَنْ جَمِيعِ الْأَنَامِ.
أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ
[حاشية البجيرمي]
بِخَرْقِ الْقِشْرِ وَلَا إلَى الدُّهْنِ إلَّا بِدَقِّ اللُّبِّ.
وَقَوْلُهُ: (لَطَائِفَ سِرِّهِ) جَمْعُ لَطِيفَةٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا مَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْرَارِ الْخَفِيَّةِ كَمَا وَقَعَ لِلْخَضِرِ مَعَ مُوسَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُحَاضَرَةِ أَيْ؛ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ أَيْ مُشَاهَدَتِهِ تَعَالَى بِقُلُوبِهِمْ مِنْ الْحُضُورِ وَهُوَ الشُّهُودُ.
قَالَ الطَّبَلَاوِيُّ فِي السِّرِّ الْقُدُسِيِّ وَقَدْ نَبَّهَ أَهْلُ الْحَقِيقَةِ أَنَّ لِأَصْحَابِ النِّهَايَةِ فِي الْمُكَاشَفَاتِ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ: الْمُحَاضَرَةُ وَهِيَ حُضُورُ الْقَلْبِ عِنْدَ الدَّلَائِلِ، ثُمَّ الْمُكَاشَفَةُ وَهِيَ أَنْ يَصِيرَ الْعَبْدُ فِي سَيْرِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى طَلَبِ السَّبِيلِ وَتَأَمُّلِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ الْمُشَاهَدَةُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ تَوَالِي الْأَنْوَارِ مِنْ التَّجَلِّي عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّلَهَا انْقِطَاعٌ، فَالْمُحَاضَرَةُ كَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ فِي النَّوْمِ وَالْمُكَاشَفَةُ كَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ بَيْنَ النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ، وَالْمُشَاهَدَةُ كَرُؤْيَةِ الشَّيْءِ فِي الْيَقَظَةِ، وَمِثَالٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُحَاضَرَةَ تُشْبِهُ الْجُلُوسَ عَلَى عَتَبَةِ بَابِ الْمَلِكِ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ وَالْمُكَاشَفَةُ تُشْبِهُ الدُّخُولَ فِي دَارِ الْمَلِكِ وَالْمُشَاهَدَةُ تُشْبِهُ الْوُقُوفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَكُونُ بَيْنَك وَبَيْنَ مَطْلُوبِك فِيهِ حِجَابٌ اهـ وَيُمْكِنُ أَنَّ الشَّارِحَ أَشَارَ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، فَذَكَرَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ الْمُحَاضَرَةُ صَرِيحًا، وَأَدْرَجَ فِيهِ الثَّانِيَ أَوْ تَرَكَهُ لِفَهْمِهِ مِنْهُ، وَأَشَارَ إلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: وَالْإِلْهَامُ وَهُوَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ يَطْمَئِنُّ لَهُ الصَّدْرُ.
قَوْلُهُ: (وَوَفَّقَ الْعَامِلِينَ لِخِدْمَتِهِ) أَيْ طَاعَتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَقْدَرَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلِذَا قَالَ: فَهَجَرُوا لَذِيذَ الْمَنَامِ أَيْ النَّوْمَ اللَّذِيذَ، فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، وَالْمُرَادُ بِهَجْرِ النَّوْمِ عَدَمُ الْغَفْلَةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْهُ، إذْ لَيْسَ لِلنَّوْمِ لَذَّةٌ لِأَنَّ النَّائِمَ لَا إحْسَاسَ لَهُ ق ل بِخِلَافِ الْغَفْلَةِ، فَإِنَّهَا قَدْ تَشْتَمِلُ عَلَى شَهَوَاتٍ يُلْتَذُّ بِهَا لِأَهْلِهَا، أَوْ الْمُرَادُ بِالنَّوْمِ حَقِيقَتُهُ وَبِاللَّذَّةِ مَا يَحْصُلُ لِلنَّائِمِ فِي أَوَّلِهِ أَوْ عَقِبَهُ مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا فَسَّرَ بِهِ آيَةَ: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: 9] مِنْ أَنَّ السُّبَاتَ فِي الْآيَةِ مَعْنَاهُ الرَّاحَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ النَّوْمِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ، وَهَذِهِ السَّجَعَاتُ فِي الشَّرْحِ لَيْسَتْ عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْوَاقِعِ لِأَنَّ الْوَاقِعَ تَقْدِيمُ الْعِلْمِ ثُمَّ الْعَمَلِ ثُمَّ الْمَعْرِفَةِ أَيْ لِلْأَسْرَارِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْهَا عُلَمَاءُ الْحَقِيقَةِ ثُمَّ الْمَحَبَّةِ ثُمَّ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ الْأَسْرَارَ وَالشَّارِحُ قَدَّمَ الْمَعْرِفَةَ وَإِيدَاعَ الْأَسْرَارِ عَلَى الْعَمَلِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالتَّوْفِيقِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: وَوَفَّقَ الْعَامِلِينَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُ هَذِهِ السَّجْعَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا لِأَنَّ الْقِيَامَ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ سَبَبٌ لِإِيدَاعِ الْأَسْرَارِ وَمُقَدَّمٌ عَلَيْهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا وَلَا تَعْقِيبًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَرْكَانَ طَرِيقَةِ الْقَوْمِ أَرْبَعَةٌ: تَرْكُ الْمَنَامِ، وَتَرْكُ الْأَنَامِ، وَتَرْكُ الطَّعَامِ، وَتَرْكُ الْكَلَامِ.
اثْنَانِ مَذْكُورَانِ هُنَا صَرِيحًا وَهُمَا تَرْكُ الْأَنَامِ وَتَرْكُ الْمَنَامِ، وَالِاثْنَانِ الْآخَرَانِ مَذْكُورَانِ تَلْوِيحًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَادَةً مِنْ تَرْكِ الطَّعَامِ تَرْكُ الْمَنَامِ، وَمِنْ تَرْكِ الْأَنَامِ تَرْكُ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ مِنْ تَرْكِهِمَا تَرْكُ الْكَثِيرِ مِنْهُمَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَلِيلِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ.
وَحَاصِلُ الْمَطْلُوبِ فِي الطَّرِيقَةِ تَرْكُ الْعَوَائِدِ، فَمَنْ تَرَكَ الْعَوَائِدَ أَيْ الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَالْمُرَادُ بِالْعَوَائِدِ الْأُمُورُ الْمُعْتَادَةُ خُرِقَتْ لَهُ الْعَوَائِدُ بِظُهُورِ الْكَرَامَاتِ عَلَى يَدَيْهِ لِأَنَّهَا خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَذَاقَ الْمُحِبِّينَ) أَيْ أَلْقَى حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ فَاسْتَأْنَسُوا بِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى مَا سِوَاهُ وَالْمُرَادُ بِالْقُرْبِ الْقُرْبُ الْمَعْنَوِيُّ وَهُوَ مُرَاقَبَتُهُ تَعَالَى بِالْخَوْفِ وَالْإِجْلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَأُنْسِهِ) هُوَ سُرُورُ الْقَلْبِ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ وَشَبَّهَ الْقُرْبَ بِالْعَسَلِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَأَذَاقَ تَخْيِيلٌ وَاللَّذَّةُ تَرْشِيحٌ، وَالْمُرَادُ بِقُرْبِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْعَبْدِ ارْتِفَاعُ الْحُجُبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَبَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حِجَابًا بَعْضُهَا ظُلْمَانِيٌّ وَبَعْضُهَا نُورَانِيٌّ، فَإِذَا مَزَّقَهَا الْعَبْدُ وَأَزَالَهَا بِالْمُجَاهَدَاتِ وَالرِّيَاضَاتِ وَهِيَ تَأْدِيبُ النَّفْسِ عَلَى مَا وَافَقَ الشَّرْعَ، فَقَدْ قَرُبَ مِنْ اللَّهِ قُرْبًا مَعْنَوِيًّا، وَهَذِهِ الْحُجُبُ حَاجِبَةٌ لِلْعَبْدِ عَنْ رَبِّهِ لَا لِلَّهِ عَنْ عَبْدِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ وَقَوْلُهُ: (الْأَنَامِ) أَيْ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (أَحْمَدُهُ إلَخْ) حَمِدَهُ بِالِاسْمِيَّةِ ثُمَّ بِالْفِعْلِيَّةِ إشَارَةٌ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ نَوْعَيْ الْحَمْدِ الدَّالِّ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالدَّالُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ، وَقَصَدَ بِالثَّانِي الْمُوَافَقَةَ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالْمَحْمُودِ عَلَيْهِ أَيْ كَمَا أَنَّ
وَتَعَالَى عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ.
وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمَلِكُ الْعَلَّامُ
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا
[حاشية البجيرمي]
آلَاءَهُ تَعَالَى لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ فِي حَقِّنَا دَائِمًا نَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ، وَإِنَّمَا عَدَلْت عَنْ قَوْلِ الَأُجْهُورِيُّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثَانِيًا بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ بَعْدَ أَنْ حَمِدَهُ أَوَّلًا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إشَارَةً إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ نَوْعَيْ الْحَمْدِ الْوَاقِعِ فِي مُقَابَلَةِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الْعِظَامِ، وَالْوَاقِعِ فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِهِ الْجِسَامِ إلَى مَا قُلْته لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ، وَهُوَ قَدْ عَلَّقَ الْحَمْدَ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى نَشْرِ الْأَعْلَامِ لِلْعُلَمَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَجْلِ نَشْرِهِ لِلْعُلَمَاءِ أَعْلَامًا فَيَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِهِ كَالثَّانِي، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَاحَظَ إيرَادَ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ مَوْرِدَ الصِّفَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُدِّمَتْ الِاسْمِيَّةُ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ مَعَ حُصُولِ الْجَمْعِ لَوْ عَكَسَ؟ قُلْت: لَمَّا كَانَتْ الصِّفَاتُ قَدِيمَةً مُسْتَمِرَّةً وَالنِّعَمُ مُتَجَدِّدَةً مُتَعَاقِبَةً ذَكَرَ الْأَوَّلَ بِالِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الثُّبُوتِ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَالثَّانِيَ بِالْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالتَّعَاقُبِ اهـ أُجْهُورِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: قَدِيمَةٌ هَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمَاتُرِيدِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ قَدِيمَةٌ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ قَدَّمَ الِاسْمِيَّةَ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ» .
قَوْلُهُ: (سُبْحَانَهُ) هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ وَهُوَ مَا نَقَصَتْ حُرُوفُهُ عَنْ حُرُوفِ فِعْلِهِ الْمَاضِي وَهُوَ سَبَّحَ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ) أَيْ الْإِنْعَامِ الْجَزِيلِ أَيْ الْكَثِيرِ أَوْ الْعَظِيمِ، وَإِنَّمَا قَالَ الْإِنْعَامِ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى الْإِنْعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَوْصَافِ الْمُنْعِمِ أَمْكَنُ مِنْ الْحَمْدِ عَلَى نَفْسِ النِّعْمَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُنْعَمِ بِهِ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ الْإِحَاطَةِ بِهِ تَفْصِيلًا قَوْلُهُ: (وَأَشْهَدُ) أَيْ أَعْلَمُ وَأُذْعِنُ، فَلَا يَكْفِي الْعِلْمُ مِنْ غَيْرِ إذْعَانٍ وَهُوَ تَسْلِيمُ الْقَلْبِ لِحَقِيقَةِ مَا عَلِمَهُ وَالْمُعْتَمَدُ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يَخْلُو مِنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ الْأُمَّةِ سَلَفِهَا وَخَلَفِهَا فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَشْهَدُ مُقْتَصَرِينَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْقِيقِ الشَّيْءِ نَحْوُ: أَعْلَمُ وَأَتَيَقَّنُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ مَعْنَى التَّعَبُّدِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ غَيْرُهُ، وَلَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ اسْمٌ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ وَهِيَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الشَّيْءِ عِيَانًا، فَاشْتَرَطَ فِي الْأَدَاءِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْمُشَاهَدَةِ، وَأَقْرَبُ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا اُشْتُقَّ مِنْ اللَّفْظِ وَهُوَ أَشْهَدُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمَوْضُوعِ لِلْإِخْبَارِ فِي الْحَالِ لَا الْمَاضِي، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا وَقَعَ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ أَشْهَدُ فِي الْقَسَمِ نَحْوُ: أَشْهَدُ لَقَدْ كَانَ كَذَا أَيْ أُقْسِمُ فَيَتَضَمَّنُ لَفْظُ أَشْهَدُ مَعْنَى الْمُشَاهَدَةِ وَالْإِخْبَارِ وَالْقَسَمِ فِي الْحَالِ، فَكَأَنَّ الشَّاهِدَ قَالَ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَقَدْ اطَّلَعْت عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَا الْآنَ أُخْبِرُ بِهِ.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي مَفْقُودَةٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ.
[مَبْحَثٌ فِيمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَارِعِ تَصْنِيفٍ وَمَا يُسَنُّ صِنَاعَةً]
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهُ بِالرَّفْعِ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّ " لَا " وَاسْمِهَا، لِأَنَّ مَحَلَّهُمَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي خَبَرِ " لَا " الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ لَا إلَهَ مَوْجُودٌ إلَّا اللَّهُ، أَوْ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ بَدَلًا مِنْ مَحَلِّ اسْمِ " لَا " لِأَنَّ " لَا " لَا تَعْمَلُ فِي الْمَعَارِفِ، وَأَتَى بِالشَّهَادَةِ هُنَا لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا التَّشَهُّدُ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَقْطُوعَةَ الْبَرَكَةِ أَوْ قَلِيلَتَهَا.
مَبْحَثٌ فِيمَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ شَارِعِ تَصْنِيفٍ وَمَا يُسَنُّ صِنَاعَةً وَلَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ مِنْ جِهَةِ الصِّنَاعَةِ عَلَى كُلِّ شَارِعٍ فِي تَصْنِيفٍ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: الْبَسْمَلَةُ، وَالْحَمْدَلَةُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّشَهُّدُ وَيُسَنُّ لَهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: تَسْمِيَةُ نَفْسِهِ، وَتَسْمِيَةُ الْكِتَابِ، وَالْإِتْيَانُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُمْ بِبَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ رَابِعًا وَهُوَ لَفْظُ وَبَعْدُ.
فَإِنْ قُلْت: هَلْ الْمَنْفِيُّ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ أَوْ الْمَعْبُودُ بِبَاطِلٍ؟ قُلْت: وَقَعَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ النَّفْيَ إنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ بِحَقٍّ، لَا الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ بِبَاطِلٍ، لِأَنَّ
مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ
إمَامُ كُلِّ إمَامٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.
[حاشية البجيرمي]
الْمَعْبُودَ بِبَاطِلٍ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ وَوُجُودٌ فِي ذِهْنِ الْمُؤْمِنِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ بَاطِلًا، وَوُجُودٌ فِي ذِهْنِ الْكَافِرِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ حَقًّا فَهُوَ لِوُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ لِأَنَّ الذَّوَاتِ لَا تُنْفَى، وَكَذَا مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي ذِهْنِ الْمُؤْمِنِ أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِبَاطِلٍ لَا يُنْفَى إذْ كَوْنُهُ مَعْبُودًا بِبَاطِلٍ أَمْرٌ حَقٌّ لَا يَصِحُّ نَفْيُهُ وَإِلَّا كَانَ كَذِبًا، وَإِنَّمَا يُنْفَى مِنْ حَيْثُ وُجُودُهُ فِي ذِهْنِ الْكَافِرِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مَعْبُودًا بِحَقٍّ، فَالْمَعْبُودَاتُ الْبَاطِلَةُ لَمْ تُنْفَ إلَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَعْبُودَةً بِحَقٍّ فَلَمْ يُنْفَ فِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَّا الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى.
اهـ. مَلَوِيٌّ لِأَنَّ الْمَعْبُودَ بِحَقٍّ أَمْرٌ كُلِّيٌّ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا.
قَوْلُهُ: (وَحْدَهُ) أَيْ مُنْفَرِدًا فِي ذَاتِهِ وَقَوْلُهُ: (لَا شَرِيكَ لَهُ) أَيْ فِي صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ وَحْدَهُ شَامِلًا لِلثَّلَاثَةِ وَلَا شَرِيكَ لَهُ تَأْكِيدًا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ التَّأْسِيسَ خَيْرٌ مِنْ التَّأْكِيدِ، لِأَنَّهُ أَفَادَ فَائِدَةً لَمْ تُسْتَفَدْ مِنْ الْأَوَّلِ، فَقَوْلُهُ وَحْدَهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَأَتَى بِهِ بَعْدَ حَصْرِ الْأُلُوهِيَّةِ تَوْكِيدًا لِتَوْحِيدِ الذَّاتِ وَرَدًّا عَلَى الثَّانَوِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: (لَا شَرِيكَ لَهُ) أَيْ لَا مُشَارِكَ لَهُ وَأَتَى بِهِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الْحَصْرِ تَأْكِيدًا لِتَوْحِيدِ الْأَفْعَالِ وَرَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ قَوْلُهُ: (الْمَلِكُ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْمَأْمُورِينَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُلْكِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الْمَالِكِ وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ كَيْفَ شَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمِلْكِ بِكَسْرِ الْمِيمِ، فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ مَأْمُورَةً أَوْ لَا.
وَالْمَلِكُ يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ الْمَأْمُورَةِ مَمْلُوكَةً أَوْ لَا اهـ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ.
فَيَجْتَمِعَانِ فِي آمِرٍ تَصَرَّفَ فِي الْمَمْلُوكِ لَهُ، وَيَنْفَرِدُ الْمَلِكُ فِي الْآمِرِ الْمُتَصَرِّفِ فِي غَيْرِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، وَيَنْفَرِدُ الْمَالِكُ فِي تَصَرُّفِهِ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ، وَوَجْهُ أَبْلَغِيَّةِ مَلِكٍ دَلَالَتُهُ عَلَى التَّعْظِيمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى الْعُقَلَاءِ.
لَا يُقَالُ مَلِكُ الدَّوَابِّ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَالِكُ.
وَقَوْلُهُ: (الْعَلَّامُ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ أَيْ كَثِيرُ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَثْرَةِ الْإِحَاطَةُ وَعُمُومُ الِانْكِشَافِ، فَالْكَثْرَةُ بِالنَّظَرِ لِمُتَعَلِّقَاتِ الْعِلْمِ وَهِيَ الْمَعْلُومَاتُ وَإِلَّا فَعِلْمُ اللَّهِ وَاحِدٌ.
[مَبْحَثٌ فِي الْمُبَالَغَةِ النَّحْوِيَّةِ وَالْبَيَانِيَّةِ]
ِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ هُنَا الْمُبَالَغَةُ النَّحْوِيَّةُ وَهِيَ مُطْلَقُ الْكَثْرَةِ لَا الْبَيَانِيَّةُ وَهِيَ إثْبَاتُك لِلشَّيْءِ زِيَادَةً عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ تَعَالَى الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مُحَمَّدًا) بَدَلٌ مِنْ نَبِيِّنَا لَا مِنْ سَيِّدِنَا لِأَنَّهُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مِنْهُ بِعَطْفِ النَّسَقِ قَوْلُهُ: (صَلَّى اللَّهُ إلَخْ) جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ بَيْنَ اسْمِ أَنَّ وَخَبَرِهَا (قَوْلُهُ: عَبْدُهُ) قَدَّمَهُ امْتِثَالًا لِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلَكِنْ قُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» . وَلِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَشْرَفُ أَوْصَافِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَدْ دُعِيَ بِهَا فِي أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ - نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 23 - 1] ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وَلَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ صِفَةٌ أَتَمُّ وَلَا أَشْرَفُ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ لِأَنَّهَا غَايَةُ التَّذَلُّلِ.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي نَظْمِهِ حَيْثُ قَالَ:
وَمِمَّا زَادَنِي شَرَفًا وَتِيهًا ... وَكِدْت بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِك يَا عِبَادِي ... وَأَنْ صَيَّرْت أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا
وَقَدْ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا مَلَكًا وَنَبِيًّا عَبْدًا فَاخْتَارَ الثَّانِيَ (قَوْلُهُ: وَرَسُولُهُ) أَيْ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بَلْ وَإِلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ مِنْ مَلَكٍ وَحَجَرٍ وَمَدَرٍ بَلْ وَإِلَى نَفْسِهِ، وَقَوْلُ م ر: لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْمَلَائِكَةِ أَيْ إرْسَالَ تَكْلِيفٍ فَلَا يُنَافِي التَّشْرِيفَ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَالشَّبْشِيرِيُّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ: الْحَقُّ تَكْلِيفُهُمْ بِالطَّاعَاتِ الْعَمَلِيَّةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْجِنِّ غَيْرُ نَبِيِّنَا، وَإِيمَانُهُمْ بِالتَّوْرَاةِ كَانَ تَبَرُّعًا مِنْهُمْ وَسُلَيْمَانُ كَانَ حَاكِمًا فِيهِمْ لَا رَسُولًا إلَيْهِمْ.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يُرْسَلْ إلَى الْجِنِّ غَيْرُ نَبِيِّنَا أَيْ لَا مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ، وَالْبُلُوغُ الشَّرْعِيُّ أَيْ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ لَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
يَتَأَتَّى فِيهِمْ فَتَكْلِيفُهُمْ بِالْإِيمَانِ مِنْ أَوَّلِ الْخِلْقَةِ كَآدَمَ وَحَوَّاءَ، وَأَمَّا إيمَانُ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ جِبِلِّيٌّ لَا اخْتِيَارَ لَهُمْ فِيهِ فَلَا يُكَلَّفُونَ بِهِ.
وَأَوَّلُ الْجِنِّ إبْلِيسُ، فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ وَبَاقِيهِمْ إمَّا بِسَمَاعِ كَلَامٍ مِنْهُ أَوْ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِيهِ أَوْ بِوُصُولِ دَعْوَةِ رَسُولِ الْإِنْسِ فَتَوَقُّفُ التَّكْلِيفِ عَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّينَ وَآيَةُ ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ عَلَى شَرْحِ الصُّغْرَى.
لِأَنَّ تَكْلِيفَ الْجِنِّ بِالْإِيمَانِ حَاصِلٌ مِنْ أَوَّلِ الْخِلْقَةِ وَلَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ، بِخِلَافِ تَكْلِيفِهِمْ بِالْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إرْسَالِ الرُّسُلِ لَهُمْ، وَهُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[مَبْحَثٌ فِي الْخُلَّةِ وَالْمَحَبَّةِ]
ِ (قَوْلُهُ: وَصَفِيُّهُ) أَيْ الَّذِي اصْطَفَاهُ مِنْ خَلْقِهِ بِمَعْنَى اخْتَارَهُ (وَقَوْلُهُ: وَخَلِيلُهُ) مِنْ الْخَلَّةِ بِالْفَتْحِ وَهِيَ بِالْفَتْحِ الْحَاجَةُ أَوْ بِالضَّمِّ وَهِيَ صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ وَتَخَلُّلُهَا فِي الْقَلْبِ فَلَا تَدَعُ فِيهِ مَحَلًّا إلَّا مَلَأَتْهُ، وَآثَرَهُ عَلَى حَبِيبِهِ جَرْيًا عَلَى مَا رَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ كَالزَّرْكَشِيِّ مِنْ أَنَّ الْخُلَّةَ أَرْفَعُ، إذْ هِيَ أَخَصُّ مِنْ الْمَحَبَّةِ لِأَنَّهَا خَالِصُهَا فَهِيَ نِهَايَتُهَا، وَمِنْ ثَمَّ أَخْبَرَ نَبِيُّنَا بِأَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّهِ مَعَ إخْبَارِهِ بِحُبِّهِ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَظَنُّ أَنَّ الْمَحَبَّةَ أَرْفَعُ وَأَنَّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلٌ وَمُحَمَّدًا حَبِيبٌ غَلَطٌ وَجَهْلٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوصَفُ بِالْوَصْفَيْنِ، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، وَاَلَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ أَنَّ خُلَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَاخْتَصَّا بِهِمَا لِتَوَفُّرِ مَعْنَاهُمَا السَّابِقِ فِيهِمَا أَكْثَرَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِكَوْنِ هَذَا التَّوَفُّرِ فِي نَبِيِّنَا أَكْثَرَ مِنْهُ فِي إبْرَاهِيمَ كَانَتْ خُلَّتُهُ أَرْفَعَ مِنْ خُلَّةِ إبْرَاهِيمَ.
هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ آثَرَ الْخَلِيلَ عَلَى الْحَبِيبِ لِأَجْلِ السَّجْعِ بَلْ آثَرَهُ لِأَفْضَلِيَّتِهِ أَيْضًا.
[مَبْحَثُ عَدَدِ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]
قَوْلُهُ: (إمَامُ كُلِّ إمَامٍ) أَيْ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مُقَدَّمٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى آلِهِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ عَلَيْهِ فِي حَيِّزِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ فِي ضِمْنِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ أَخَّرَ جُمْلَةَ الصَّلَاةِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّهَادَةِ لَكَانَ مُوَافِقًا لِلْمَأْلُوفِ الْمَعْرُوفِ.
اهـ. ق ل.
وَهَذَا عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إعَادَةٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (وَأَصْحَابُهُ) جَمْعُ صَاحِبٍ خِلَافًا لِلْجَوْهَرِيِّ وَنَظِيرُهُ شَاهِدٌ وَأَشْهَادٌ، وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51] قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: جَمْعُ شَاهِدٍ اهـ تَصْرِيحٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَصَحْبُهُ وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ.
مَبْحَثُ عَدَدِ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ: (وَأَزْوَاجِهِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ، عَنْ قَتَادَةَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَدَخَلَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَجَمَعَ بَيْنَ إحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ» ، وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ ... إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمَكْرُمَاتُ وَتُنْسَبُ
فَعَائِشَةٌ مَيْمُونَةُ وَصَفِيَّةٌ ... وَحَفْصَةُ تَتْلُوهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ
جُوَيْرِيَةُ مَعَ رَمْلَةٍ ثُمَّ سَوْدَةٍ ... ثَلَاثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ مُهَذَّبُ
وَهِنْدٌ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ وَرَمْلَةُ هِيَ أُمُّ حَبِيبَةَ، وَعَدَّ الدِّمْيَاطِيُّ فِي السِّيرَةِ مَنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا فَبَلَغَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ ثَلَاثِينَ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: تَحْرُمُ زَوْجَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ مُطَلَّقَاتٍ وَمُخْتَارَاتٍ فِرَاقَهُ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَنَقَلَ فِي شَرْحِهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْأَمَةَ الَّتِي وَطِئَهَا تَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا وَاعْتَمَدَهُ اهـ وَكَذَا الْمُسْتَعِيذَةُ الَّتِي قَالَتْ لَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ عَلَيْهَا: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، فَقَالَ: اسْتَعَذْت بِعَظِيمٍ وَطَلَّقَهَا فَتَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَتَكُونُ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا نَدِمَتْ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى الْهَمَزِيَّةِ، وَاسْمُهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ شَرَاحِيلَ، وَقَالَتْ ذَلِكَ
وَصَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَبَعْدُ
فَيَقُولُ فَقِيرُ رَحْمَةِ رَبِّهِ الْقَرِيبِ الْمُجِيبِ مُحَمَّدٌ الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: إنَّ مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ الْعَالِمِ الْعَلَّامَةِ، الْحَبْرِ
[حاشية البجيرمي]
بِقَوْلِ ضَرَّاتِهَا قُولِي لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا حَرُمْنَ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ، وَرِعَايَةً لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْجَنَّةِ، وَلِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ آخِرِ أَزْوَاجِهَا، وَيَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ أَزْوَاجَهُمْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ التَّزَوُّجُ بِهِنَّ مَعَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ، وَكَذَا الشُّهَدَاءُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ التَّزَوُّجُ بِنِسَائِهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، فَالْأَوْلَى الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّعَالِيلِ اللَّاتِي بَعْدَهُ وَنِسَاءُ بَاقِي الْأَنْبِيَاءِ.
يَحْرُمْنَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ.
مَبْحَثُ عَدَدِ أَوْلَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ: (وَذُرِّيَّتِهِ) أَيْ أَوْلَادِهِ، وَجُمْلَةُ أَوْلَادِهِ سَبْعٌ: أَرْبَعٌ مِنْ الْإِنَاثِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الذُّكُورِ، وَتَرْتِيبُهُمْ فِي الْوِلَادَةِ هَكَذَا الْقَاسِمُ فَزَيْنَبُ فَرُقَيَّةُ فَفَاطِمَةُ فَأُمُّ كُلْثُومٍ فَعَبْدُ اللَّهِ فَإِبْرَاهِيمُ، وَمَا قِيلَ لَهُ مِنْ أَنَّ وَلَدَيْنِ آخَرَيْنِ وَهُمَا الطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا لَقَبَانِ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى هَذَا التَّرْتِيبِ بِقَوْلِهِ:
يَا رَبَّنَا بِالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ... فَبِزَيْنَبٍ فَرُقَيَّةٍ فَبِفَاطِمَهْ
فَبِأُمِّ كُلْثُومٍ فَعَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ ... بِحَقِّ إبْرَاهِيمَ نَجِّي نَاظِمَهْ
اهـ وَكُلُّهُمْ مِنْ خَدِيجَةَ إلَّا إبْرَاهِيمُ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (الطَّيِّبِينَ) أَيْ الْخَالِصِينَ مِنْ شَوَائِبِ الْكُدُورَاتِ وَقَوْلُهُ: (الطَّاهِرِينَ) أَيْ الْخَالِصِينَ مِنْ النَّقَائِصِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ، وَفِي هَذَيْنِ تَغْلِيبُ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ لِشَرَفِهِمْ.
قَوْلُهُ: (دَائِمَيْنِ) لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْرَبَ نَعْتًا لِصَلَاةٍ وَسَلَامًا لِأَنَّهُمَا مَعْمُولَانِ لِصَلَّى وَسَلَّمَ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ مَعْنًى، وَقَدْ صَرَّحَ النُّحَاةُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَعْتُ مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ إلَّا إذَا اتَّحَدَ عَامِلَاهُمَا مَعْنًى وَعَمَلًا وَإِلَّا وَجَبَ الْقَطْعُ كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
وَنَعْتُ مَعْمُولَيْ وَحِيدَيْ مَعْنَى ... وَعَمَلٍ أَتْبِعْ بِغَيْرِ اسْتِثْنَا
مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَفَ الْعَامِلَانِ مَعْنًى وَعَمَلًا أَوْ عَمَلًا فَقَطْ أَوْ مَعْنًى فَقَطْ لَا يَجُوزُ الْإِتْبَاعُ، وَلَا يَصِحُّ أَيْضًا أَنْ يُقْطَعَ وَيُعْرَبَ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، لِأَنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ إذَا لَمْ تَتَعَيَّنْ بِدُونِهِ، فَحِينَئِذٍ الْأَوْلَى جَعْلُهُ حَالًا مِنْ صَلَاةً وَسَلَامًا، وَلَا يُشْكِلُ بِوُجُوبِ تَعْرِيفِ صَاحِبِ الْحَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسَوِّغِ لِتَنْكِيرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبٌ وَهَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ عَلَى حَدِّ: " وَصَلَّى وَرَاءَهُ رِجَالٌ قِيَامًا " اهـ شَيْخُنَا ح ف. وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ يَرْجِعُ مَعْنَاهُمَا إلَى طَلَبِ زِيَادَةِ الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ اللَّفْظِ وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنْ الْبُعْدِ.
قَالَ الشَّنَوَانِيُّ فِي حَوَاشِي الْفَاكِهِيِّ: وَإِنَّمَا أَبَّدَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ دُونَ الْحَمْدِ وَإِنْ صَحَّ تَأْبِيدُهُ أَيْضًا لِاسْتِغْنَاءِ اللَّهِ عَنْ تَأْبِيدِ الْحَمْدِ، وَمَعْنَى تَأْبِيدِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ تَأْبِيدُ ثَمَرَتِهِمَا وَهِيَ الرَّحْمَةُ وَالتَّحِيَّةُ، وَإِلَّا فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اللَّذَانِ صَدَرَا مِنْ الْمُؤَلِّفِ فِي هَذَا الْكِتَابِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَسَلَامٌ وَاحِدٌ وَقَوْلُهُ: (إلَى يَوْمِ الدِّينِ) أَيْ الْجَزَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمَطْلُوبُ اسْتِمْرَارُهُمَا فَكَيْفَ غَيَّاهُمَا بِذَلِكَ؟ قُلْت: إنَّمَا غَيَّا بِيَوْمِ الدِّينِ جَرْيًا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ يُغَيُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ التَّأْبِيدِ، وَإِلَّا فَالثَّوَابُ لَا يَنْقَطِعُ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدُ) مِنْ هُنَا إلَى بَسْمَلَةِ الْمَتْنِ فِيهِ كَلَامٌ مُسَجَّعٌ وَفِيهِ كَلَامٌ غَيْرُ مُسَجَّعٍ يُعْلَمُ ذَلِكَ بِالتَّأَمُّلِ، وَالْمُسَجَّعُ مِنْهُ أَرْبَعُونَ سَجْعَةً بَعْضُهَا عَلَى الْبَاءِ وَبَعْضُهَا عَلَى التَّاءِ وَبَعْضُهَا عَلَى الدَّالِ وَبَعْضُهَا عَلَى اللَّامِ، وَهَذَا الْكَلَامُ اشْتَمَلَ عَلَى أَغْرَاضٍ: الْأَوَّلُ مَدْحُ صَاحِبِ الْمَتْنِ، وَالثَّانِي مَدْحُ الْمَتْنِ، وَالثَّالِثُ مَدْحُ الشَّرْحِ، وَالرَّابِعُ مَدْحُ الشَّارِحِ، وَالْخَامِسُ تَسْمِيَةُ الْكِتَابِ، وَالسَّادِسُ التَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ فِي الْإِعَانَةِ عَلَى إكْمَالِهِ وَجَعْلِهِ خَالِصًا، وَفِي ضِمْنِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ بَيَانُ السَّبَبِ الْحَامِلِ لَهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
عَلَى التَّأْلِيفِ.
وَالْوَاوُ فِي وَبَعْدُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا ثَلَاثَةً:
الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ عَاطِفَةَ قِصَّةٍ عَلَى قِصَّةٍ، وَأَمَّا مُقَدَّرَةً فِي الْكَلَامِ وَالْفَاءُ دَالَّةٌ عَلَيْهَا.
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ نَائِبَةً عَنْ أَمَّا وَالْفَاءُ وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ الْوَاوِ النَّائِبَةِ عَنْ أَمَّا، وَهَذِهِ الْوَاوُ أَلْغَزَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
وَمَا وَاوٌ لَهَا شَرْطٌ يَلِيهِ ... جَوَابٌ قَرْنُهُ بِالْفَاءِ حَتْمًا
أَجَابَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
هِيَ الْوَاوُ الَّتِي قُرِنَتْ بِبَعْدِ ... وَأَمَّا أَصْلُهَا وَالْأَصْلُ مَهْمَا
وَاخْتَصَّتْ الْوَاوُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ حُرُوفِ الْعَطْفِ بِالنِّيَابَةِ عَنْ أَمَّا لِأَنَّهَا أُمُّ الْبَابِ وَلِأَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلِاسْتِئْنَافِ كَأَمَّا.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ لِلِاسْتِئْنَافِ وَأَمَّا مُقَدَّرَةٌ وَبَعْدُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا يَكُنْ أَوْ أَمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الشَّرْطِ، أَوْ يَقُولُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الْجَزَاءِ، وَرَجَّحَهُ السَّعْدُ وَغَيْرُهُ لِكَوْنِ الْجَزَاءِ حِينَئِذٍ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ مُطْلَقٍ أَيْ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ.
[مَبْحَثُ تَقْدِيمِ الِاسْمِ عَلَى اللَّقَبِ وَعَكْسِهِ]
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخُطْبَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى التَّأْلِيفِ حَيْثُ أَتَى بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ قَوْلُهُ: (فَقِيرُ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَمَعْنَاهُ الدَّائِمُ الْفَقْرُ، أَيْ الْحَاجَةُ أَوْ أَنَّهُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ فَمَعْنَاهُ كَثِيرُ الْفَقْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ فَقِيرٍ صِفَةٌ لِمُذَكَّرٍ، فَإِنْ أُرِيدَ الْمُؤَنَّثُ قِيلَ فَقِيرَةٌ بِالْهَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ فَعِيلًا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا هُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ إنْ تَبِعَا مَوْصُوفَهُمَا، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إنْ تَبِعْ ... مَوْصُوفًا غَالِبًا التَّا تَمْتَنِعْ
وَأَضَافَ الْفَقِيرُ إلَى رَحْمَةِ رَبِّهِ لِدَفْعِ إيهَامِ فَقْرِ الدُّنْيَا أَوْ الْقَلْبِ وَاخْتَارَ لَفْظَ الرَّبِّ لِإِفَادَةِ الْحُنُوِّ وَالرَّأْفَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مُرَبِّي الشَّيْءِ قَوْلُهُ: (الْقَرِيبِ) قُرْبًا مَعْنَوِيًّا بِالْحِفْظِ وَالْعِلْمِ بِأَحْوَالِ الْعَبِيدِ وَقَوْلُهُ: (الْمُجِيبِ) أَيْ دُعَاءَ مَنْ دَعَاهُ، وَالْمُرَادُ بِالْإِجَابَةِ تَرَتُّبُ نَفْعٍ عَلَى الدُّعَاءِ إمَّا بِعَيْنِ مَا طَلَبَ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا فِي الْحَالِ أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ كُلُّ ذَلِكَ إنْ أَرَادَ اللَّهُ الْإِجَابَةَ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُجِيبُ أَصْلُهُ الْمَجُوبُ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَوَابِ فَهُوَ وَاوِيٌّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إلَى الْجِيمِ فَصَارَ مَجُوبٌ وَقَعَتْ الْوَاوُ السَّاكِنَةُ إثْرَ كَسْرٍ قُلِبَتْ يَاءً فَصَارَ مُجِيبٌ.
قَوْلُهُ: (مُحَمَّدٌ) بَدَلٌ مِنْ فَقِيرٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مَدَابِغِيٌّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ فَقِيرًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وَهِيَ لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ وَمُحَمَّدٌ مَعْرِفَةٌ بِالْعَلَمِيَّةِ وَعَطْفُ الْبَيَانِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُوَافَقَةِ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ وَهَذَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَمَّا الْأَخْفَشُ وَالْكُوفِيُّونَ فَلَا يَشْتَرِطُونَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (الشِّرْبِينِيُّ) نِسْبَةٌ إلَى بَلَدِهِ، وَالْخَطِيبُ لَقَبُهُ الَّذِي اُشْتُهِرَ بِهِ أَيْ الْخَطِيبُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ مُخْتَصَرَ الْإِمَامِ) جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِالْقَوْلِ، فَهِيَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ وَقَوْلُهُ: (الْعَالِمُ) أَيْ الْمُتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَإِذَا أُطْلِقَ الْعَالِمُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُتْقِنُ لِكُلِّ عِلْمٍ وَهَذَا عَلَى جَعْلِ أَلْ فِي الْعِلْمِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْعَالِمُ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنْ جَعَلْنَاهَا لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ وَلَوْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعِلْمِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْفُ وَلَوْ بِإِتْقَانِ عِلْمٍ وَاحِدٍ وَإِذَا قُيِّدَ بِقَيْدٍ انْصَرَفَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ عَالِمٌ فِي الْفَرَائِضِ أَوْ عَالِمٌ بِمَسْأَلَةِ كَذَا وَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ فِي الْوَصِيَّةِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِعُلَمَاءِ الشَّرْعِ وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (الْعَلَّامَةُ) التَّاءُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْمُبَالَغَةِ أَوْ لِلنَّقْلِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ وَمِثْلُهُ الْفَهَّامَةُ.
قَوْلُهُ: (الْحَبْرُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْعَالِمُ وَبِكَسْرِهَا الْمِدَادُ أَيْ الَّذِي هُوَ كَالْمِدَادِ فِي النَّفْعِ بِهِ كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ هُوَ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ الْعَالِمُ كَمَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إتْقَانِهِ وَالْبَحْرُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وَالْفَهَّامَةُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ حَذْقِهِ وَذَكَائِهِ ق ل.
وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هُنَا الْمُتْقِنُ لِيَكُونَ فِيهِ فَائِدَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ الْعَالِمُ، وَجُمْلَةُ الْأَوْصَافِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْإِمَامُ إلَخْ ثَمَانِيَةٌ: سِتَّةٌ مِنْهَا أَوْصَافٌ
الْبَحْرِ الْفَهَّامَةِ، شِهَابِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ أَحْمَدَ
ابْن الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ
الْأَصْفَهَانِيُّ الشَّهِيرُ بِأَبِي شُجَاعٍ، الْمُسَمَّى بِغَايَةِ
[حاشية البجيرمي]
لِلْمُصَنِّفِ، وَالسَّابِعُ وَهُوَ الشَّهِيرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْمُصَنِّفِ وَأَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِلْمُخْتَصَرِ، وَالثَّامِنُ وَهُوَ الْمُسَمَّى وَصْفٌ لِلْمُخْتَصَرِ.
قَوْلُهُ: (شِهَابُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ) أَيْ مُنَوِّرُهُمَا لِأَنَّ الشِّهَابَ فِي الْأَصْلِ الْكَوْكَبُ أَوْ مَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا النُّورُ النَّاشِئُ عَنْ الْعِلْمِ فَشَبَّهَهُ الشَّيْخُ بِالشِّهَابِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُضِيئًا لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُحْرِقًا، فَهُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ فِي أَهْلِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَالْكَوْكَبِ فِي الْإِحْرَاقِ أَيْضًا فِي أَنَّهُ يَحْرُقُ مَنْ عَادَاهُ فِي الدُّنْيَا مَجَازًا.
اهـ. فَاكِهِيٌّ.
مَبْحَثُ تَقْدِيمِ الِاسْمِ عَلَى اللَّقَبِ وَعَكْسِهِ وَإِذَا اجْتَمَعَ الِاسْمُ وَاللَّقَبُ وَجَبَ تَأْخِيرُ اللَّقَبِ عَنْ الِاسْمِ عِنْدَ النُّحَاةِ مَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِاللَّقَبِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ هُنَا، فَإِنَّهُ قَدَّمَ اللَّقَبَ وَهُوَ شِهَابُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ لِاشْتِهَارِهِ بِهِ لِأَنَّهُ اُشْتُهِرَ تَلْقِيبُ كُلِّ مَنْ تَسَمَّى بِأَحْمَدَ بِشِهَابِ الدِّينِ، وَمَنْ تَسَمَّى مُحَمَّدًا بِشَمْسِ الدِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا الْمَدَابِغِيِّ: وَقَدَّمَهُ عَلَى الِاسْمِ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُؤَرِّخِينَ فِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّ مُجَرَّدَ طَرِيقَةِ الْمُؤَرِّخِينَ لَا يَكْفِي فِي التَّقْدِيمِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ قَدَّمَهُ عَلَى الِاسْمِ لِاشْتِهَارِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: 157] وَقَوْلُ الشَّاطِبِيِّ " وقالون عِيسَى " وَشِهَابٌ بَدَلٌ مِنْ الْإِمَامِ وَكَذَا قَوْلُهُ أَحْمَدُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ أَحْمَدُ بَدَلًا مِنْ شِهَابٍ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْإِبْدَالِ مِنْ الْبَدَلِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى كَوْنُهُ بَدَلًا آخَرَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ عَلَيْهِ.
[مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ ابْنِ]
قَوْلُهُ: (ابْنُ الْحُسَيْنِ) اسْمُ أَبِيهِ.
مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى لَفْظِ ابْنِ وَابْنٌ إذَا وَقَعَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ تَسْقُطُ أَلِفُهُ مَا لَمْ تَكُنْ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ، وَلَفْظُ الْحُسَيْنِ مَعْرِفَةٌ كَاسْمِ السَّيِّدِ الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَدَخَلَتْ أَلْ عَلَيْهِ لِلَمْحِ الصِّفَةِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ:
وَبَعْضُ الْأَعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلًا
الْبَيْتَ.
وَفِي سِيرَةِ الشَّامِيِّ أَنَّ أَلِفَ ابْنٍ تَثْبُتُ فِي تِسْعِ مَوَاضِعَ: إذَا أُضِيفَ إلَى مُضْمَرٍ كَهَذَا ابْنُك، أَوْ نُسِبَ إلَى الْأَبِ الْأَعْلَى كَقَوْلِك مُحَمَّدُ ابْنُ شِهَابٍ التَّابِعِيُّ فَشِهَابٌ جَدُّهُ، أَوْ أُضِيفَ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ كَالْمِقْدَادِ ابْنِ الْأَسْوَدِ أَبُوهُ عَمْرٌو وَتَبَنَّاهُ الْأَسْوَدُ وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَالْحَنَفِيَّةُ أُمُّهُ، أَوْ عُدِلَ عَنْ الصِّفَةِ إلَى الْخَبَرِ كَقَوْلِك أَظُنُّ مُحَمَّدًا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ إلَى الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِك هَلْ تَيْمُ ابْنُ مُرَّةَ، أَوْ ثُنِّيَ كَقَوْلِك زَيْدٌ وَعَمْرٌو ابْنَا مُحَمَّدٍ، أَوْ ذُكِرَ بِغَيْرِ اسْمٍ كَجَاءَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَوْ كُتِبَ أَوَّلَ سَطْرٍ أَوْ اتَّصَلَ بِصِفَةٍ كَقَوْلِك زَيْدٌ الْفَاضِلُ ابْنُ عَمْرٍو.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِثْلُ ابْنٍ ابْنَةٌ.
وَقَدْ نَظَمَ الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ فَقَالَ:
احْذِفْ مِنْ ابْنٍ أَلِفًا إنْ وَقَعَا ... فِي وَسَطِ اسْمَيْنِ تَكُنْ مُتَّبِعَا
إلَّا إذَا أُضِيفَ لِلضَّمِيرِ ... فَالْأَلِفَ اُكْتُبْ فِيهِ يَا سَمِيرِي
وَمِثْلُهُ إنْ اسْمُهُ قَدْ حُذِفَا ... كَأَكْرِمْ ابْنَ عُمَرَ مَنْ اَنْصَفَا
قُلْت وَفِي اسْتِثْنَاءِ ذَيْنِ نَظَرُ ... إذْ لَيْسَ بَيْنَ اسْمَيْنِ مَنْ يُذْكَرُ
كَذَاك مَكْتُوبٌ بِصَدْرِ السَّطْرِ ... أَوْ مَا نِسْبَتُهُ لِجَدٍّ قَادِرٍ
الِاخْتِصَارِ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَبْدَعِ مُخْتَصَرٍ فِي الْفِقْهِ صُنِّفَ، وَأَجْمَعِ مَوْضُوعٍ لَهُ فِيهِ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِهِ أُلِّفَ، الْتَمَسَ مِنِّي
[حاشية البجيرمي]
أَوْ مَنْ لِغَيْرِ أَبِيهِ قَدْ انْتَسَبْ ... كَخَالِهِ فَالْحُكْمُ لَهُ وَجَبْ
وَمَا بِهِ لِصِفَةٍ قَدْ عَدَلَا ... لِخَبَرٍ كَذَلِكَ اللَّذَ فَصَلَا
مَوْصُوفُهُ مِنْهُ وَمَا يُثَنَّى ... أَوْ عَدْلُ الِاسْتِفْهَامِ صَدَّ عَنَّا
قَدْ قَالَ ذَا الشَّامِيُّ وَبَعْضُ ابْنِهْ ... كَالِابْنِ فِي ذَا وَعَلَيْهِ الْعُهْدَهْ
قَوْلُهُ: (الْأَصْفَهَانِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ الْفَاءِ أَوْ الْبَاءِ نِسْبَةٌ إلَى أَصْفَهَانَ بَلَدِهِ أَوْ بَلَدِ جَدِّهِ، وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَزَلَ بِهَا أَصْبَهَانُ بْنُ فَلُّوحٍ بْنِ الْمَطِيِّ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قَوْلُهُ: (الشَّهِيرَ بِأَبِي شُجَاعٍ) بِالنَّصْبِ نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ، وَبِالْجَرِّ نَعْتٌ لِأَحْمَدَ، وَبِالرَّفْعِ نَعْتٌ مَقْطُوعٌ.
وَقَوْلُهُ: (الْمُسَمَّى بِغَايَةِ الِاخْتِصَارِ) نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ فَقَطْ وَعَدَّى سَمَّى بِالْبَاءِ وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ أَيْضًا، وَجُمْلَةُ لَمَّا كَانَ خَبَرُ إنَّ وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ إلَى مُخْتَصَرٍ، وَخَبَرُهَا مِنْ أَبْدَعِ أَيْ أَحْسَنِ الْمُخْتَصَرَاتِ إذْ الْإِبْدَاعُ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِرَاعُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَيَلْزَمُهُ الْحُسْنُ وَمِنْهُ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: 117] وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُخْتَرَعٌ بِالنِّسْبَةِ لِأَلْفَاظِهِ وَتَرَاكِيبِهِ وَهَيْئَتِهِ الْمَجْمُوعَةِ، فَإِنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مِثَالٌ يَكُونُ هَذَا عَلَى نَمَطِهِ وَشَكْلِهِ.
اهـ. أُجْهُورِيٌّ.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الدِّيرِيّ: عَاشَ الْقَاضِي أَبُو شُجَاعٍ مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً وَلَمْ يَخْتَلَّ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: مَا عَصَيْت اللَّهَ بِعُضْوٍ مِنْهَا، فَلَمَّا حَفِظْتهَا فِي الصِّغَرِ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ حَفِظَهَا اللَّهُ فِي الْكِبَرِ.
وَفِي كَلَامِ الْبُولَاقِيِّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
وَوُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَتَوَلَّى الْوَزَارَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فَنَشَرَ الْعَدْلَ وَالدِّينَ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ وَيَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا أَمْكَنَهُ، وَلَا يَأْخُذُهُ فِي الْحَقِّ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَكَانَ لَهُ عَشَرَةُ أَنْفَارٍ يُفَرِّقُونَ عَلَى النَّاسِ الصَّدَقَاتِ أَيْ الزَّكَوَاتِ، وَيُتْحِفُونَهُمْ أَيْ يُعْطُونَهُمْ الْهِبَاتِ يَصْرِفُ عَلَى يَدِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَعَمَّ إنْعَامُهُ الصَّالِحِينَ وَالْأَخْيَارَ، ثُمَّ زَهِدَ الدُّنْيَا وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ وَيَفْرِشُ الْحُصْرَ وَيُشْعِلُ الْمَصَابِيحَ إلَى أَنْ مَاتَ أَحَدُ خَدَمَةِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ فَأَخَذَ وَظِيفَتَهُ إلَى أَنْ مَاتَ وَدُفِنَ بِمَسْجِدِهِ الَّذِي بَنَاهُ عِنْدَ بَابِ جِبْرِيلَ أَيْ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ مِنْهُ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأْسُهُ بِالْقُرْبِ مِنْ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ وَهِيَ جِهَةُ الْبَقِيعِ الْقَرِيبِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْفِقْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صُنِّفَ قَدَّمَهُ لِلسَّجْعِ، وَجُمْلَةُ صُنِّفَ فِي مَحَلِّ جَرٍّ نَعْتٌ لِمُخْتَصَرٍ، يَعْنِي أَنَّ الْمُخْتَصَرَاتِ الَّتِي فِي الْفِقْهِ كَثِيرَةٌ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِهَا، وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ:
أَيَا مَنْ رَامَ نَفْعًا مُسْتَمِرًّا ... لِيَحْظَى بِارْتِفَاعٍ وَانْتِفَاعٍ
تَقَرَّبْ لِلْعُلُومِ وَكُنْ شُجَاعًا ... بِتَقْرِيبِ الْإِمَامِ أَبِي شُجَاعٍ
وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْفِقْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ عِلْمَ الْفِقْهِ بِمِصْرٍ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعِ مَوْضُوعٍ) أَيْ أَكْثَرَ جَمْعًا لِلْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ وُضِعَ لِلتَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ مُؤَلَّفٌ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرِ، وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ رَاجِعٌ لِلتَّصْنِيفِ الْمَأْخُوذِ مِنْ صُنِّفَ، وَفِي فِيهِ رَاجِعٌ لِلْفِقْهِ، وَفِي حَجْمِهِ لِلْمُخْتَصَرِ، وَالتَّقْدِيرُ وَأَكْثَرَ جَمْعًا وُضِعَ لِمَسَائِلِ التَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ الْمُخْتَصَرِ اهـ اج.
وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ أَيْ أَكْثَرِ جَمْعًا لِلْمَسَائِلِ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ وُضِعَ
بَعْضُ الْأَعِزَّةِ عَلَيَّ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَيَّ، أَنْ أَضَعَ عَلَيْهِ شَرْحًا، يُوَضِّحُ مَا أَشْكَلَ مِنْهُ، وَيَفْتَحُ مَا أُغْلِقَ مِنْهُ، ضَامًّا إلَى ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَجَادَاتِ، وَالْقَوَاعِدِ الْمُحَرَّرَاتِ، الَّتِي وَضَعْتهَا فِي شُرُوحِي عَلَى التَّنْبِيهِ وَالْمِنْهَاجِ وَالْبَهْجَةِ، فَاسْتَخَرْت اللَّهَ
[حاشية البجيرمي]
لِلتَّصْنِيفِ أَيْ لِمَسَائِلِ التَّصْنِيفِ فِي الْفِقْهِ مُؤَلَّفٍ عَلَى مِقْدَارِ حَجْمِ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرِ اهـ. فَالضَّمِيرُ فِي حَجْمِهِ لِلْمُخْتَصَرِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ، وَالْأَلْفَاظُ لَا حَجْمَ لَهَا وَإِنَّمَا الْحَجْمُ لِلْأَوْرَاقِ الْمَكْتُوبِ فِيهَا النُّقُوشُ الدَّالَّةُ عَلَى الْأَلْفَاظِ، فَإِطْلَاقُ الْحَجْمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ إذْ الْأَلْفَاظُ شَأْنُهَا أَنْ تُنْقَشَ فِي الْأَوْرَاقِ، وَالْمَعْنَى عَلَى قَدْرِ الْجِرْمِ الَّذِي فِيهِ نُقُوشُهُ أُلِّفَ.
قَوْلُهُ: (الْتَمَسَ مِنِّي) جَوَابُ لَمَّا، وَيُقَالُ فِيهَا حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، وَقِيلَ ظَرْفٌ وَهُوَ الْعَامِلُ فِيهَا إنْ كَانَتْ ظَرْفًا بِمَعْنَى حِينَ أَوْ إذْ لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْمَاضِي وَبِالْإِضَافَةِ إلَى الْجُمْلَةِ كَمَا فِي الْمُغْنِي، وَعَبَّرَ بِالِالْتِمَاسِ إشَارَةً إلَى أَنَّ السَّائِلَ مُسَاوٍ لَهُ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْمُتَرَدِّدِينَ إلَيَّ، إذْ الشَّخْصُ يَتَرَدَّدُ إلَى مِثْلِهِ وَمَنْ دُونَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ دُونَهُ وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا اج.
وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ الْأَعْلَى، وَالِالْتِمَاسَ مِنْ الْمُسَاوِي، وَالدُّعَاءَ مِنْ الْأَدْنَى وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَيْ فِي مُسَمَّى الْأَمْرِ عُلُوٌّ وَلَا اسْتِعْلَاءٌ، وَقِيلَ يُعْتَبَرَانِ اهـ. وَالْأَعِزَّةُ جَمْعُ عَزِيزٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى عَزَائِزَ وَعَلَى أَعِزَّاءٍ وَيُطْلَقُ الْعَزِيزُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا أَنَّهُ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا كَمَا قِيلَ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْكَرِيمِ خُصُوصًا مَعَ تَعَلُّقِ مَا بَعْدَهُ بِهِ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِيهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُتَرَدِّدِينَ) أَيْ الرَّاجِعِينَ إلَيَّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَمَفْعُولُ الْتَمَسَ قَوْلُهُ: إنْ أَضَعَ عَلَيْهِ شَرْحًا أَيْ الْتَمَسَ مِنِّي وَضْعَ شَرْحٍ عَلَى ذَلِكَ الْمُخْتَصَرِ أَيْ: تَأْلِيفَ شَرْحٍ فَشَبَّهَ الشَّرْحَ وَالْمَتْنَ بِرَاكِبٍ وَمَرْكُوبٍ بِجَامِعِ شِدَّةِ التَّمَكُّنِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ وَإِثْبَاتُ الْوَضْعِ تَخْيِيلٌ، أَوْ شَبَّهَ مَزْجَ الشَّرْحِ بِالْمَتْنِ بِوَضْعِ جِسْمٍ عَلَى جِسْمٍ وَأَطْلَقَ الْوَضْعَ عَلَيْهِ ثُمَّ اشْتَقَّ مِنْهُ أَضَعُ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
وَالشَّرْحُ لُغَةً الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ وَاصْطِلَاحًا أَلْفَاظٌ مَخْصُوصَةٌ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانٍ مَخْصُوصَةٍ، وَقَالَ الَأُجْهُورِيُّ: لَمَّا كَانَ الشَّرْحُ مُبَيِّنًا وَمُوَضِّحًا لَهُ ارْتَفَعَتْ مَنْزِلَتُهُ فَكَأَنَّهُ اسْتَعْلَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (يُوَضِّحُ) أَيْ يَكْشِفُ مَا أَشْكَلَ أَيْ مَا خَفِيَ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَفْتَحُ مَا أَغْلَقَ مِنْهُ) أَيْ مَا صَعُبَ فَهْمُهُ، وَفِي الْكَلَامِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ فِي يَفْتَحُ وَأَغْلَقَ تَرْشِيحٌ أَوْ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ فِي مَا فَإِنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الْمَسَائِلِ الصَّعْبَةِ، وَأَغْلَقَ تَخْيِيلٌ وَيَفْتَحُ تَرْشِيحٌ أَوْ عَكْسُهُ، وَعَطْفُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ أَوْ مُرَادِفٌ، وَالْخُطَبُ مَحَلُّ إطْنَابٍ.
قَوْلُهُ: (ضَامًّا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ أَضَعَ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسْئُولِ لَا أَنَّ الْمَسْئُولَ مُجَرَّدُ حَلِّ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ:
وَأَسْتَعِينُ اللَّهَ فِي أَلْفِيَّهْ ... مَقَاصِدُ النَّحْوِ بِهَا مَحْوِيَّهْ
وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ إلَى ذَلِكَ عَائِدَةٌ عَلَى الْإِيضَاحِ وَالْفَتْحِ، لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ مُسَمَّى الشَّرْحِ، وَالْمُرَادُ بِالضَّمِّ وَضْعُ الْمَسَائِلِ فِي أَمَاكِنِهَا.
" وَمِنْ " فِي قَوْلِهِ: مِنْ الْفَوَائِدِ لِلتَّبْعِيضِ فَهِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ بِمَعْنَى بَعْضٍ أَيْ بَعْضِ الْفَوَائِدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: 22] فَإِنَّهُ جَعَلَ " مِنْ " فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِهِ قَالَ الطِّيبِيُّ: فَهِيَ اسْمٌ بِمَعْنَى بَعْضٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِ مَفْعُولِ ضَامًّا مَحْذُوفًا، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى قِلَّةٍ، وَأَلْ فِي الْفَوَائِدِ وَالْقَوَاعِدِ لِلْجِنْسِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَهَا.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَجَادَاتِ) أَيْ الْبَالِغَةِ فِي الْجَوْدَةِ أَيْ الْحُسْنِ، فَالْمُرَادُ الْفَوَائِدُ الْمُسْتَحْسَنَةُ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ وَالدَّالُ مُخَفَّفَةٌ لَا مُشَدَّدَةٌ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَوَاعِدِ) جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ يَتَعَرَّفُ مِنْهَا أَحْكَامَ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا وَعَطْفُ الْقَوَاعِدِ عَلَى الْفَوَائِدِ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.
قَوْلُهُ: (فِي شُرُوحِي عَلَى التَّنْبِيهِ) وَهُوَ عَلَى التَّوْزِيعِ، إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَى التَّنْبِيهِ إلَّا شَرْحٌ وَاحِدٌ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ وَالتَّنْبِيهُ لِأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَالْمِنْهَاجُ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَالْبَهْجَةُ لِابْنِ الْوَرْدِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَخَرْت اللَّهَ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْتَمَسَ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْفِعْلِ بَلْ عَدَلَ إلَى الِاسْتِخَارَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهَا بِغَيْرِ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ مُدَّتَهَا بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي مَقَامِ
تَعَالَى مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ
بَعْدَ أَنْ صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ فِي مَقَامِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَهُ وَمَثْوَاهُ، فَلَمَّا انْشَرَحَ لِذَلِكَ صَدْرِي شَرَعْت فِي شَرْحٍ تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُ أُولِي الرَّغَبَاتِ، رَاجِيًا بِذَلِكَ جَزِيلَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ؛
أُجَافِي فِيهِ
[حاشية البجيرمي]
الْإِمَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا الصَّلَاةَ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرُ ذَلِكَ ق ل أَيْ: بِأَنْ يُرَادَ بِالرَّكْعَتَيْنِ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ.
لَا يُقَالُ إنَّ الِاسْتِخَارَةَ لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً فِي هَذَا لِأَنَّهُ خُيِّرَ.
لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ أَوْقَاتَ الْمُؤَلِّفِ كُلَّهَا مَغْمُورَةٌ بِالطَّاعَةِ، فَالِاسْتِخَارَةُ إنَّمَا هِيَ لِتَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ مِنْهَا.
وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: فَاسْتَخَرْت مَعْطُوفٌ عَلَى الْتَمَسَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ عَقِبَ الِالْتِمَاسِ، لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: أَنْ صَلَّيْت فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَخَلُّلَ الصَّلَاةِ بَيْنَ الِالْتِمَاسِ وَالِاسْتِخَارَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَاسْتَخَرْت دَعَوْت بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ وَطَلَبْت مِنْهُ تَعَالَى مَا هُوَ خَيْرٌ، لِأَنَّ مَا سَأَلُوهُ وَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَقَدْ يَكُونُ غَيْرُهُ مِنْ الْخَيْرَاتِ أَفْضَلَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ أَهَمَّ بِالتَّعْقِيبِ فِي ذَلِكَ عَلَى حَدِّ: تَزَوَّجَ زَيْدٌ فَوُلِدَ لَهُ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ق ل. ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الِاسْتِخَارَةَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ مُدَّتَهَا بَعْدَ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي مَقَامِ الْإِمَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهَا صَلَاةً.
وَقَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ أَيْ بِتَفْسِيرِ اسْتَخَرْت ب دَعَوْت دُعَاءَ الِاسْتِخَارَةِ أَيْ بَعْضَ صُلَاتِهَا وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ.
قَوْلُهُ: (مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ) أَيْ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، وَالْمُدَّةُ الْقِطْعَةُ مِنْ الزَّمَانِ تَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
قِيلَ: الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُدَّةٍ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهَ عَلَى تَكْرَارِ الِاسْتِخَارَةِ ح ف قَوْلُهُ: (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) أَيْ أَبْعَدَ عَنْهُ السَّخَطَ بِوَاسِطَةِ الرِّضَا.
قَوْلُهُ: (وَأَرْضَاهُ) أَيْ أَعْطَاهُ مَا يَرْضَى بِهِ.
وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ التَّرَضِّي فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ جَائِزٌ كَمَا هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْكَثِيرُ اسْتِعْمَالَهُ فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّرَحُّمَ فِي غَيْرِهِمْ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ الْجَنَّةَ مُتَقَلَّبَهُ) أَيْ مَحَلَّ تَرَدُّدِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَثْوَاهُ) أَيْ مَحَلَّ إقَامَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا انْشَرَحَ لِذَلِكَ صَدْرِي) أَيْ اطْمَأَنَّ وَرَكَنَ قَلْبِي إلَيْهِ، فَإِطْلَاقُ الصَّدْرِ عَلَيْهِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَالِ وَهُوَ الْقَلْبُ بِاسْمِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الصَّدْرُ.
قَوْلُهُ: (شَرَعْت فِي شَرْحٍ) أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْخُطْبَةَ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (تَقَرُّ بِهِ) بِفَتْحِ الْقَافِ مِنْ بَابِ تَعِبَ أَوْ بِكَسْرِ الْقَافِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَالْمَاضِي الَّذِي هُوَ قَرَّ أَصْلُهُ عَلَى الْأَوَّلِ قَرِرَ عَلَى وَزْنِ تَعِبَ وَعَلَى الثَّانِي أَصْلُهُ قَرَرَ عَلَى وَزْنِ ضَرَبَ وَالْمُضَارِعُ عَلَى الْأَوَّلِ أَصْلُهُ تَقْرَرُ عَلَى وَزْنِ تَتْعَبُ وَعَلَى الثَّانِي أَصْلُهُ تَقْرِرُ عَلَى وَزْنِ تَضْرِبُ فَهُوَ مِنْ بَابَيْ ضَرَبَ وَتَعِبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ يَحْصُلُ بِهِ سُرُورٌ وَفَرَحٌ لِمَنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ قِ ل فَأَرَادَ بِالْأَعْيُنِ الذَّوَاتَ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ وَعَبَّرَ بِالْأَعْيُنِ لِأَنَّهَا أَقْوَى أَسْبَابِ الِاطِّلَاعِ فَهُوَ شَامِلٌ لِلْأَعْمَى وَمَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ تَبْرُدُ بِهِ دُمُوعُ أَعْيُنِهِمْ فَهُوَ مِنْ الْقُرِّ بِضَمِّ الْقَافِ وَهُوَ الْبَرْدُ، فَكَنَّى بِهِ عَنْ سُرُورِهِمْ بِهِ، فَإِنَّ دَمْعَةَ السُّرُورِ بَارِدَةٌ وَدَمْعَةَ الْحُزْنِ حَارَّةٌ فَيَلْزَمُ مِنْ بَرْدِ الْعَيْنِ السُّرُورُ فَهُوَ كِنَايَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (أُولِي) أَيْ أَصْحَابُ.
وَالرَّغَبَاتِ: جَمْعُ رَغْبَةٍ وَهِيَ الِانْهِمَاكُ عَلَى الْخَيْرِ طَلَبًا لِحِيَازَةِ مَعَالِيهِ.
قَوْلُهُ: (رَاجِيًا) أَيْ مُؤَمِّلًا حَالٌ مِنْ التَّاءِ فِي شَرَعْت.
قَوْلُهُ: (جَزِيلَ الْأَجْرِ) أَيْ الْأَجْرَ الْجَزِيلَ أَيْ الْكَثِيرَ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّوَابِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَهُوَ مِقْدَارٌ مِنْ الْجَزَاءِ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، فَالْأَجْرُ وَالثَّوَابُ بِمَعْنًى، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَجْرَ مَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ، وَالثَّوَابُ مَا كَانَ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي كَلَامِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ إرَادَةِ الثَّوَابِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْمَلَ مِنْهُ.
[مَبْحَثُ دَرَجَاتِ الْإِخْلَاصِ]
ِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: دَرَجَاتُ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثٌ: عُلْيَا وَوُسْطَى وَدُنْيَا، فَالْعُلْيَا أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَقِيَامًا بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ لَا طَمَعًا فِي جَنَّتِهِ وَلَا خَوْفًا مِنْ نَارِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ: مَا عَبَدْتُك طَمَعًا فِي جَنَّتِك وَلَا خَوْفًا مِنْ نَارِك إنَّمَا عَبَدْتُك امْتِثَالًا لِأَمْرِك، وَالْوُسْطَى أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ كَغَيْرِهِ رَاجِيًا بِذَلِكَ جَزِيلَ الْأَجْرِ إلَخْ.
وَالدُّنْيَا أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ لِلْإِكْرَامِ مِنْ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّلَامَةِ مِنْ آفَاتِهَا، وَمَا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ رِيَاءٌ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إذَا كَانَ هُنَاكَ قَصْدٌ دُنْيَوِيٌّ وَقَصْدٌ أُخْرَوِيٌّ كَمَنْ سَافَرَ لِلْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ، أَوْ لِلْجِهَادِ وَالْغَنِيمَةِ، أَوْ لِلْهِجْرَةِ وَالزَّوَاجِ، فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ الدُّنْيَوِيُّ هُوَ الْأَغْلَبُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَجْرٌ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ الدِّينِيُّ هُوَ الْأَغْلَبُ أُجِرَ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا فَلَا أَجْرَ.
قَوْلُهُ: (أُجَافِي) أَيْ أَتْرُكُ فِيهِ الْإِيجَازَ الْمُخِلَّ أَيْ تَقْلِيلَ اللَّفْظِ الْمُضِرَّ وَالْمَقْصُودُ تَرْكُ الصِّفَةِ فِيهِ وَفِيمَا
الْإِيجَازَ الْمُخِلَّ
وَالْإِطْنَابَ الْمُمِلَّ، حِرْصًا عَلَى التَّقْرِيبِ لِفَهْمِ قَاصِدِهِ وَالْحُصُولِ عَلَى فَوَائِدِهِ، لِيَكْتَفِيَ بِهِ الْمُبْتَدِئُ عَنْ الْمُطَالَعَةِ فِي غَيْرِهِ، وَالْمُتَوَسِّطُ عَنْ الْمُرَاجَعَةِ لِغَيْرِهِ.
فَإِنِّي مُؤَمِّلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْكِتَابَ عُمْدَةً وَمَرْجِعًا بِبَرَكَةِ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ؛ فَمَا كُلُّ مَنْ صَنَّفَ أَجَادَ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَالَ وَفَى بِالْمُرَادِ، وَالْفَضْلُ مَوَاهِبُ وَالنَّاسُ فِي الْفُنُونِ مَرَاتِبُ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْفَضَائِلِ، وَقَدْ تَظْفَرُ الْأَوَاخِرُ بِمَا تَرَكَتْهُ الْأَوَائِلُ وَكَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ.
وَكَمْ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
بَعْدَهُ وَانْدَفَعَ بِقَوْلِهِ الْمُضِرَّ مَا يُقَالُ الْإِيجَازُ لَا يُوصَفُ بِالْإِخْلَالِ.
اهـ. م د. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِشَرْحٍ أَوْ اسْتِئْنَافِيَّةٌ.
[مَبْحَثُ تَعْرِيفِ الْجِنَاسِ اللَّاحِقِ]
ِ قَوْلُهُ وَالْإِطْنَابَ الْمُمِلَّ أَيْ الْإِكْثَارَ الْمُوقِعَ فِي السَّآمَةِ وَبَيْنَ مُخِلٍّ وَمُمِلٍّ الْجِنَاسُ اللَّاحِقُ وَهُوَ اخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ فِي حَرْفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْ الْمَخْرَجِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9] ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10] وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ الْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ الْمُسَمَّاةَ بِالْمُسَاوَاةِ وَهِيَ التَّعْبِيرُ عَنْ الْمُرَادِ بِلَفْظٍ مُسَاوٍ لَهُ، لِأَنَّ الرَّاجِحَ نَفْيُهَا بَلْ لَا تَكَادُ تُوجَدُ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ أَدَاءُ الْمَقْصُودِ بِعِبَارَةِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ الْأَوْسَاطِ وَلَمْ يُعْلَمْ قَدْرُ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَهُمْ تَحْدِيدًا.
وَقَوْلُهُ: (حِرْصًا) أَيْ لِأَجْلِ الْحِرْصِ فَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أُجَافِي.
قَوْلُهُ: (لِفَهْمِ قَاصِدِهِ) مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ أَيْ كُلَّ مَنْ قَصَدَهُ.
وَاعْتَرَضَهُ ق ل بِأَنَّ الْمُنَاسِبَ إبْدَالُ الْفَهْمِ بِالْحِفْظِ، إذْ يُبْسَطُ الْكَلَامُ لِيُفْهَمَ وَيُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ.
وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ لَا يَرِدُ أَصْلًا لِأَنَّ تَعْبِيرَهُ بِتَرْكِ الْإِيجَازِ الْمُخِلِّ لَا يُنَافِي أَنَّ الشَّرْحَ مَبْسُوطٌ فَيُفْهَمُ لِأَنَّ الْفَهْمَ هُوَ الْغَرَضُ مِنْ الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحُصُولِ) عَطْفٌ عَلَى فَهْمٍ وَهُوَ عَطْفٌ لَازِمٌ عَلَى مَلْزُومٍ كَذَا قِيلَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، بَلْ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى التَّقْرِيبِ أَيْ حِرْصًا عَلَى التَّقْرِيبِ وَحِرْصًا عَلَى الْحُصُولِ وَضَمَّنَهُ مَعْنَى الْوُقُوفِ فَعَدَّاهُ بِعَلَى أَيْ الْوُقُوفِ عَلَى فَوَائِدِهِ.
وَقَوْلُهُ: (لِيَكْتَفِيَ) عِلَّةٌ لِلتَّقْرِيبِ أَوْ الْحُصُولِ أَوْ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ لِأُجَافِيَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ حِرْصًا فَهُوَ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ فَيَكُونُ تَدْقِيقًا شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (الْمُبْتَدِئُ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ: (وَالْمُتَوَسِّطُ) وَهُوَ مَنْ قَدَرَ عَلَى التَّصْوِيرِ فَقَطْ، وَسَكَتَ عَنْ الْمُنْتَهِي تَوَاضُعًا وَهَضْمًا لِنَفْسِهِ.
[مَبْحَثُ الرَّجَاءِ وَالْأَمَلِ وَالتَّمَنِّي وَالطَّمَعِ]
ِ قَوْلُهُ: (فَإِنِّي) أَيْ لِأَنِّي فَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لِيَكْتَفِيَ وَقَوْلُهُ: (مُؤَمِّلٌ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ رَاجٍ.
فَالرَّجَاءُ وَالْأَمَلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِمَرْغُوبٍ فِيهِ مَعَ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِهِ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ فِي الْأَسْبَابِ فَطَمَعٌ وَقِيلَ الْأَمَلُ رَجَاءُ مَا تُحِبُّهُ النَّفْسُ كَطُولِ عُمْرٍ وَزِيَادَةِ غِنًى وَالرَّجَاءُ أَعَمُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمَلِ وَالتَّمَنِّي أَنَّ الْأَمَلَ طَلَبُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبٌ وَالتَّمَنِّي طَلَبُ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ سَبَبٌ وَقِيلَ لَا يَنْفَكُّ الْإِنْسَانُ عَنْ أَمَلٍ فَإِنْ فَاتَهُ مَا أَمَّلَهُ عَوَّلَ عَلَى التَّمَنِّي.
وَقَوْلُهُ: (عُمْدَةً) أَيْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَرْجِعًا) أَيْ يُرْجَعُ إلَيْهِ مُطْلَقًا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ أَعَمُّ وَعَكْسٌ ق ل. وَعِبَارَتُهُ الْعُمْدَةُ مَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْعَمَلِ أَيْ فِي مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْمَرْجِعُ مَا يُرْجَعُ إلَيْهِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَطْفُ تَفْسِيرٍ انْتَهَتْ: قَوْلُهُ: (بِبَرَكَةِ) هِيَ فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ بِالْمَدِّ وَفِي الِاصْطِلَاحِ ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ: (الْكَرِيمِ) وَفِي نُسْخَةٍ الْأَكْرَمِ وَهُوَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: 3] فَمَا وَقَعَ فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ عَدَمِ وُرُودِهِ سَهْوٌ، ثُمَّ هُوَ مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ بِأَنْ يَقُولَ بِبَرَكَتِهِ لِلتَّلَذُّذِ وَالسَّجْعِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا كُلُّ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْكِتَابَ عُمْدَةً وَمَرْجِعًا كَأَنَّهُ قِيلَ: وَإِنَّمَا أَمَّلْت ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ شُرُوحٍ غَيْرِهِ، لِأَنَّ مَا كُلُّ مَنْ صَنَّفَ إلَخْ.
وَقَالَ الْمَدَابِغِيُّ: وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ هَذَا الْكِتَابَ عَلَيْهِ شُرُوحٌ كَثِيرَةٌ فَلَا حَاجَةَ لِشَرْحِك.
قَوْلُهُ: (وَفَى) بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِهَا قَوْلُهُ: (وَالْفَضْلُ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَأَنَا أَجَدْت فِي تَأْلِيفِي وَوَفَيْت بِالْمُرَادِ، لِأَنَّ الْفَضْلَ مَوَاهِبُ وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ) هَذِهِ
فَضْلٍ وُجُودٍ، وَكُلُّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ وَالْحَسُودُ لَا يَسُودُ وَسَمَّيْته: (الْإِقْنَاعُ فِي حَلِّ أَلْفَاظِ أَبِي شُجَاعٍ) أَعَانَنِي اللَّهُ تَعَالَى
[حاشية البجيرمي]
الْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا وَفِيهِ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ لِلِاعْتِنَاءِ وَالِاهْتِمَامِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْفَضَائِلِ) أَيْ وَالْفَوَاضِلِ فَفِيهِ اكْتِفَاءٌ، أَوْ الْمُرَادُ، بِالْفَضَائِلِ مَا يَشْمَلُ الْفَوَاضِلَ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ تَظْفَرُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ بَابِ تَعِبَ أَيْ تَفُوزُ النَّاسُ.
قَوْلُهُ: (بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ أَوْ بِاَلَّذِي تَرَكَهُ الْأَوَائِلُ قَالَ ق ل: لَوْ قَالَ بِمَا لَمْ تُدْرِكْهُ الْأَوَائِلُ لَكَانَ أَنْسَبَ، إذْ التَّرْكُ فَرْعٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْمَتْرُوكِ وَلَيْسَ مُرَادًا.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَبَّرَ ذَلِكَ تَأَدُّبًا أَوْ بِأَنَّهُ رَاعَى الْمَثَلَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ: كَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ " وَكَمْ " فِي كَلَامِهِ خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ وَلَا يُنَافِيهِ الْإِتْيَانُ " بِقَدْ " التَّقْلِيلِيَّةِ فَمَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَوَائِلَ لَمْ تُدْرِكْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً ظَفِرَ بِبَعْضِهَا الْمُتَأَخِّرُونَ م د.
قَوْلُهُ: (بِمَا لَمْ تُدْرِكْهُ الْأَوَائِلُ) يُقَالُ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلْ تَرَكَتْهُ الْأَوَائِلُ فَلَمْ يُصَنِّفُوهُ أَوْ لَمْ يَذْكُرُوهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ أَوْ عَلِمُوهُ، لَكِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ ذِكْرُهُ أَوْ تَصْنِيفُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَاخِرِ وَالْأَوَائِلِ الْجِنْسُ، فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لِلْأَوَاخِرِ عَلَى جَمِيعِ أَقْوَالِ الْأَوَائِلِ الْمُصَنَّفَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يُقَالَ: إنَّ الْأَوَائِلَ تَرَكُوهُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
[مَبْحَثُ الْحَسَدِ وَالْغِبْطَةِ وَالْقَنَاعَةِ]
قَوْلُهُ: (مِنْ فَضْلٍ) أَيْ خَيْرٍ كَامِلٍ وَقَوْلُهُ: (وُجُودٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ كَرَمٍ كَذَلِكَ فَالتَّنْوِينُ فِيهِمَا لِلْكَمَالِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْ خَلْقِهِ حِينَئِذٍ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَكُلُّ ذِي نِعْمَةٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (نِعْمَةٍ) قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: النِّعْمَةُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْإِحْسَانُ وَتُجْمَعُ النِّعْمَةُ عَلَى نَعْمَاءَ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَالنِّعْمَةُ مُلَائِمٌ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ وَمِنْ ثَمَّ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ بَلْ هُوَ مَرْزُوقٌ وَبِفَتْحِ النُّونِ التَّنَعُّمُ وَهُوَ خِصْبُ الْعَيْشِ وَلِينُهُ وَبِضَمِّهَا الْمَسَرَّةُ قَوْلُهُ: (مَحْسُودٌ) أَيْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْمُعْتَرِضِينَ عَلَيَّ الَّذِينَ يَذُمُّونَنِي وَيَذُمُّونَ كَلَامِي.
قَوْلُهُ: (وَالْحَسُودُ) أَيْ الْحَاسِدُ فَالْمُبَالَغَةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً.
قَوْلُهُ: (لَا يَسُودُ) أَيْ لَا تَحْصُلُ لَهُ سِيَادَةٌ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُ كَانَ يُنْسَبُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ لِلْجَوْرِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ هَذَا لَا يَسْتَحِقُّ تِلْكَ النِّعْمَةَ الَّتِي هُوَ مُتَلَبِّسٌ وَمُخَلَّدٌ فِيهَا وَلِذَا قِيلَ:
أَلَا قُلْ لِمَنْ بَاتَ لِي حَاسِدًا ... أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْت الْأَدَبْ
أَسَأْت عَلَى اللَّهِ فِي فِعْلِهِ ... كَأَنَّك لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ
وَقَدْ وَرَدَ: «إنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» وَقَالَ آخَرُ:
إنْ يَحْسُدُونِي فَإِنِّي غَيْرُ لَائِمِهِمْ ... قَبْلِي مِنْ النَّاسِ أَهْلُ الْفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا
فَدَامَ لِي وَلَهُمْ مَا بِي وَمَا بِهِمْ ... وَمَاتَ أَكْثَرُنَا غَيْظًا بِمَا يَجِدُ
مَبْحَثُ الْحَسَدِ وَالْغِبْطَةِ وَالْقَنَاعَةِ وَالْمُرَادُ: الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ وَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ بِأَنْ يَكْرَهَهَا لِلْغَيْرِ وَيُحِبَّ زَوَالَهَا عَنْهُ فَإِنْ اشْتَهَيْت لِنَفْسِك مِثْلَهَا مَعَ بَقَائِهَا لِصَاحِبِهَا فَهِيَ غِبْطَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَسَمَّيْته) الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ أَوْ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ وَضَعْته وَسَمَّيْته أَيْ الشَّرْحَ بِالْإِقْنَاعِ، وَفِي هَذَا إشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَكْفِي مَنْ قَنَعَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَالْقَنَاعَةُ أَعَزُّ أَوْصَافِ الْإِنْسَانِ وَالْمُتَّصِفُ بِهِ أَعَزُّ النَّاسِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:
عَزِيزُ النَّفْسِ مَنْ لَزِمَ الْقَنَاعَهْ ... وَلَمْ يَكْشِفْ لِمَخْلُوقٍ قِنَاعَهْ
أَفَادَتْنِي الْقَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ ... وَهَلْ عِزٌّ أَعَزُّ مِنْ الْقَنَاعَهْ
فَصَيِّرْهَا لِنَفْسِك رَأْسَ مَالٍ ... وَصَيِّرْ بَعْدَهَا التَّقْوَى بِضَاعَهْ
لِتَغْنَى فِي حَيَاتِك عَنْ لَئِيمٍ ... وَتَظْفَرَ بِالْجِنَانِ بِصَبْرِ سَاعَهْ
وَاعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْكُتُبِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الْجِنْسِ، وَأَسْمَاءَ الْعُلُومِ مِنْ حَيِّزِ عَلَمِ الشَّخْصِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَلِّ أَلْفَاظٍ) شَبَّهَ الْأَلْفَاظَ بِشَيْءٍ مَعْقُودٍ وَحَذَفَ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَأَثْبَتَ لَهُ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ الْحَلُّ، فَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ وَإِضَافَةُ الْأَلْفَاظِ إلَى أَبِي شُجَاعٍ
عَلَى إكْمَالِهِ، وَجَعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ بِكَرَمِهِ وَإِفْضَالِهِ فَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ.
وَلَا اعْتِمَادَ إلَّا عَلَيْهِ.
وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَأَسْأَلُهُ السَّتْرَ الْجَمِيلَ.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) أَيْ أَبْتَدِئُ أَوْ أَفْتَتِحُ أَوْ أُؤَلِّفُ وَهَذَا أَوْلَى، إذْ كُلُّ فَاعِلٍ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ.
قَوْلُهُ: (أَعَانَنِي اللَّهُ) أَيْ أَقْدَرَنِي عَلَى إكْمَالِهِ أَيْ إتْمَامِهِ.
فَإِنْ قُلْت: التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ أَعَانَنِي عَلَى إكْمَالِهِ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ وَسَمَّيْته إلَخْ.
إذْ التَّعْبِيرُ بِسَمَّى يَقْتَضِي أَنَّهُ كَمُلَ وَتَمَّ.
وَيُجَابُ عَنْهُ: بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي سَمَّيْته رَاجِعٌ لِلشَّرْحِ بِاعْتِبَارِ مَا فِي الذِّهْنِ أَيْ أَعَانَنِي عَلَى إكْمَالِهِ خَارِجًا أَيْ بِأَنَّ الْمُرَادَ أُسَمِّيهِ بِالْإِقْنَاعِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا مَلْجَأَ) بِاللَّامِ وَالْهَمْزِ وَقَدْ تُحْذَفُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اللَّجَأِ، أَيْ الِاعْتِصَامِ بِالشَّيْءِ وَهُوَ لَا يَتَعَدَّى بِمِنْ لَكِنْ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الْمَفَرِّ، أَيْ لَا فِرَارَ مِنْك لِأَحَدٍ إلَّا إلَيْك.
وَفِي نُسْخَةٍ بِالنُّونِ بَدَلَ اللَّامِ بِالْقَصْرِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى النَّجَاةِ وَهِيَ الْخُلُوصُ مِنْ الْهَلَاكِ وَنَحْوِهِ أَيْ لَا مَنْجَى مِنْك أَيْ مِنْ عَذَابِك مُنْتَهِيًا إلَى أَحَدٍ إلَّا إلَيْك وَيَجُوزُ تَنْوِينُهُ مَعَ حَذْفِ أَلِفِهِ أَفَادَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
[مَبْحَثُ الْجِنَاسِ الْمُضَارِعِ]
ِ وَبَيْنَ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْجِنَاسُ الْمُضَارِعُ وَهُوَ اخْتِلَافُ الْكَلِمَتَيْنِ بِحَرْفَيْنِ مُتَقَارِبَيْ الْمَخْرَجِ وَهُمَا الْهَمْزَةُ وَالْعَيْنُ هُنَا اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ حَسْبِي) أَيْ كَافِيَّ، وَجُمْلَةُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أَيْ الْحَافِظُ أَوْ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ الْأُمُورُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ إنْ كَانَتْ الَّتِي قَبْلَهَا خَبَرِيَّةً أَوْ مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ إنْشَائِيَّةً مَعْمُولَةً لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى حَسْبِي، أَيْ وَمَقُولٌ فِيهِ نِعْمَ الْوَكِيلُ، فَيَكُونُ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلَى مُفْرَدٍ أَوْ مَعْطُوفَةً عَلَى حَسْبِي بِغَيْرِ تَقْدِيرِ الْقَوْلِ فَيَكُونُ عَطْفَ إنْشَاءٍ عَلَى مُفْرَدٍ وَهُوَ جَائِزٌ، وَبِهَذَا يَسْقُطُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ جُمْلَةَ نِعْمَ الْوَكِيلُ لِإِنْشَاءِ الْمَدْحِ، وَجُمْلَةُ هُوَ حَسْبِي خَبَرِيَّةٌ وَلَا يُعْطَفُ الْإِنْشَاءُ عَلَى الْخَبَرِ عَلَى أَنَّ فِي عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ وَعَكْسِهِ خِلَافًا.
قَوْلُهُ: (وَأَسْأَلُهُ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ السَّتْرَ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ الشَّيْءَ السَّاتِرَ وَجَمْعُهُ سُتُورٌ.
وَقَوْلُهُ: (الْجَمِيلَ) أَيْ الْحَسَنَ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْمُؤَلِّفُ) كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ قَوْلِهِ الْمُؤَلِّفُ، بِنَاءً عَلَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَاتِنِ، وَالْمُؤَلِّفِ عَلَى الشَّارِحِ، لَكِنَّ الْمُصَنِّفَ يُقَالُ لَهُ مُؤَلِّفٌ أَيْضًا وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْمُصَنِّفِ قَالَ الْبَسْمَلَةُ نَقْلُ الثِّقَاتِ فَإِنَّهُمْ نَقَلُوا أَنَّهَا مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّهِ فِي أَوَّلِ الْمَتْنِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مَنْ كَتَبَ شَيْئًا يَتَلَفَّظُ بِهِ.
[مَبْحَثُ الْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ]
ِ قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ) قَالَ ح ف: الْبَاءُ فِي بِسْمِ اللَّهِ بِرُّهُ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالسِّينُ سُرُورٌ لِأَصْفِيَائِهِ، وَالْمِيمُ مَحَبَّتُهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَاءُ بُكَاءُ التَّائِبِينَ، وَالسِّينُ سَهْوُ الْغَافِلِينَ، وَالْمِيمُ مَغْفِرَتُهُ لِلْمُذْنِبِينَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الْبَسْمَلَةِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ مَقَاصِدَ: الْأَوَّلُ فِي الْبَاءِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحِثَ، الْأَوَّلُ فِي مُتَعَلَّقِهَا، الثَّانِي فِي مَعْنَاهَا.
الثَّالِثُ، فِي حِكْمَةِ كَسْرِهَا.
الرَّابِعُ، فِي سَبَبِ تَطْوِيلِهَا فِي الْخَطِّ مِقْدَارَ نِصْفِ أَلِفٍ.
الْمَقْصِدُ
الثَّانِي: فِي اسْمٍ وَفِيهِ خَمْسَةُ مَبَاحِثَ: الْأَوَّلُ فِي مَعْنَاهُ.
الثَّانِي فِي بَيَانِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْبَسْمَلَةِ مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى لَفْظِ اسْمٍ ابْتِدَاءٌ بِذِكْرِ اللَّهِ.
الثَّالِثُ فِي اشْتِقَاقِهِ.
الرَّابِعُ فِي لُغَاتِهِ.
الْخَامِسُ فِي مُوجِبِ حَذْفِ أَلِفِهِ خَطًّا.
الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ: فِي لَفْظِ اللَّهِ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَبَاحِثَ: الْأَوَّلُ فِي عَلَمِيَّتِهِ وَمُسَمَّاهُ.
الثَّانِي فِي أَصْلِهِ.
الثَّالِثُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ عَرَبِيٌّ أَوْ مُعَرَّبٌ.
الرَّابِعُ فِي الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ أَوْ غَيْرَهُ.
الْمَقْصِدُ الرَّابِعُ: فِي الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِيهِ مَبْحَثَانِ: الْأَوَّلُ فِي لَفْظِهِمَا نَوْعًا وَاشْتِقَاقًا.
الثَّانِي فِي عِلَّةِ تَقْدِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَتَقْدِيمِ الرَّحْمَنِ مِنْهُمَا عَلَى الرَّحِيمِ، وَيُعْرَفُ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ مِنْ خَصَائِصِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأُمَّتِهِ، وَمَا فِي سُورَةِ النَّمْلِ جَاءَ عَلَى جِهَةِ التَّرْجَمَةِ عَمَّا فِي الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا حِينَ كَتْبِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْبَسْمَلَةُ عَرَبِيَّةً بِاعْتِبَارِ أَصْلِ نُزُولِهَا، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُنَزِّلْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ إلَّا بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ لَكِنْ يُعَبِّرُ عَنْهُ كُلُّ نَبِيٍّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى:
يَبْدَأُ فِي فِعْلِهِ بِبِسْمِ اللَّهِ يُضْمِرُ مَا جَعَلَ التَّسْمِيَةَ مَبْدَأً لَهُ، كَمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا حَلَّ أَوْ ارْتَحَلَ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ كَانَ الْمَعْنَى بِاسْمِ اللَّهِ أَحِلُّ أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ أَرْتَحِلُ.
وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَعْجَازِ كَيَدٍ وَدَمٍ لِكَثْرَةِ
[حاشية البجيرمي]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَبْتَدِئُ) وَعَلَى تَقْدِيرِ الْمُتَعَلِّقِ فِعْلًا كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ يَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ حِينَئِذٍ ظَرْفًا لَغْوًا أَوْ حَالًا مِنْ فَاعِلِ هَذَا الْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ، أَيْ أَبْتَدِئُ مُتَبَرِّكًا أَوْ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَالْبَاءُ عَلَى هَذَا لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ لِلِاسْتِعَانَةِ.
مَبْحَثُ الظَّرْفِ الْمُسْتَقِرِّ وَاللَّغْوِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ إذَا كَانَ كَوْنًا عَامًّا يَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا، وَإِذَا كَانَ كَوْنًا خَاصًّا يَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَفْتَتِحُ) مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا أَوْلَى) الْإِشَارَةُ لِأُؤَلِّف وَلَهُ أَوْصَافٌ ثَلَاثَةٌ كَوْنُهُ فِعْلًا مُؤَخَّرًا خَاصًّا وَتَعْلِيلُهُ الْمَذْكُورُ لَا يُنْتِجُ إلَّا الْأَخِيرَ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الِاسْمِ بِأَحْوَالِهِ الْأَرْبَعَةِ أَيْ كَوْنِهِ خَاصًّا أَوْ عَامًّا مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا، وَمِنْ الْفِعْلِ الْعَامِّ بِحَالَتَيْهِ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا، وَمِنْ الْفِعْلِ الْخَاصِّ الْمُقَدَّمِ فَأَسْقَطَ احْتِمَالَاتٍ سَبْعَةً فَبَقِيَ الثَّامِنُ مُرَادًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَمَلِ لِلْأَفْعَالِ وَلِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ، فَالتَّقْدِيرُ بِسْمِ اللَّهِ أُؤَلِّفُ لَا بِغَيْرِهِ وَلِشُمُولِ بَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ جَمِيعَ أَجْزَاءِ التَّأْلِيفِ إذَا كَانَ الْمُتَعَلِّقُ خَاصًّا بِخِلَافِهِ عَامًّا كَأَبْتَدِئُ.
قَوْلُهُ: (إذْ كُلُّ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ خَاصًّا.
قَالَ ق ل: وَلَوْ جَعَلَ وَجْهَ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ أَبْتَدِئُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ التَّبَرُّكِ بِأَوَّلِ الْفِعْلِ دُونَ بَاقِيهِ، وَأُؤَلِّفُ يَعُمُّ جَمِيعَهُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (يُضْمِرُ مَا جَعَلَ) أَيْ لَفْظَ مَا جَعَلَ أَيْ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى ذَلِكَ كَأَنْ يُضْمِرَ الْآكِلُ لَفْظَ أَكْلِي أَوْ آكُلُ فَسَقَطَ مَا قِيلَ الَّذِي تُجْعَلُ التَّسْمِيَةُ مَبْدَأً لَهُ فِعْلٌ وَهُوَ لَا يُضْمَرُ لِأَنَّهُ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي قَوْلُهُ: (إذَا حَلَّ) أَيْ نَزَلَ
[مَبْحَثُ الِاشْتِقَاقِ وَأَقْسَامُهُ]
ُ قَوْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَالْمُرَادُ الِاشْتِقَاقُ الْأَصْغَرُ وَهُوَ رَدُّ لَفْظٍ إلَى آخَرَ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَالْحُرُوفِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْأَكْبَرُ فَلَيْسَ فِيهِ جَمْعُ الْأُصُولِ كَمَا فِي الثَّلْمِ وَالثَّلْبِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْأَوَّلِ مُشْتَقًّا مِنْ الثَّانِي أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّانِي، أَيْ فَرْعٌ عَنْهُ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَقَوْلُهُ: وَالْحُرُوفُ الْأَصْلِيَّةُ بِأَنْ تَكُونَ فِيهِمَا عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي النَّاطِقِ مِنْ النُّطْقِ بِمَعْنَى التَّكَلُّمِ حَقِيقَةً، وَبِمَعْنَى الدَّلَالَةِ مَجَازًا كَمَا فِي قَوْلِك الْحَالُ نَاطِقَةٌ بِكَذَا، أَيْ دَالَّةٌ عَلَيْهِ، فَكَوْنُ الْحُرُوفِ فِيهِمَا يَخْرُجُ الْأَكْبَرُ وَكَوْنُهَا عَلَى تَرْتِيبٍ وَاحِدٍ يَخْرُجُ الْكَبِيرُ، وَلَا بُدَّ فِيهِ أَيْ الِاشْتِقَاقِ مِنْ تَغْيِيرٍ حَقِيقَةً كَمَا فِي: ضَرَبَ مِنْ الضَّرْبِ، أَوْ تَقْدِيرًا كَمَا فِي طَلَبَ مِنْ الطَّلَبِ فَيُقَدَّرُ أَنَّ فَتْحَةَ اللَّامِ فِي طَلَبَ غَيْرَ فَتْحَتِهَا فِي الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ السُّمُوِّ) فَأَصْلُ اسْمٍ سِمْوٌ كَعِلْمٍ أَوْ سُمْوٌ كَقُفْلٍ حَذَفُوا لَامَهُ وَهِيَ الْوَاوُ ثُمَّ سَكَّنُوا أَوَّلَهُ ثُمَّ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ هَمْزَةَ الْوَصْلِ عِوَضًا عَنْ الْمَحْذُوفِ وَتَوَصُّلًا لِلنُّطْقِ بِالسَّاكِنِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَنْ قَالَ إنَّ الِاسْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّمُوِّ أَيْ الْعُلُوِّ يَقُولُ لَمْ يَزَلْ اللَّهُ مَوْصُوفًا بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ قَبْلَ وُجُودِ الْخَلْقِ وَبَعْدَ وُجُودِهِمْ وَعِنْدَ فِنَائِهِمْ لَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَمَنْ قَالَ مُشْتَقٌّ مِنْ السِّمَةِ يَقُولُ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ بِلَا اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ فَلَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ جَعَلُوا لَهُ أَسْمَاءً وَصِفَاتٍ فَإِذَا أَفْنَاهُمْ بَقِيَ بِلَا أَسْمَاءٍ وَلَا صِفَاتٍ.
قَالَ السُّمَيْنُ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْنَعُ مِنْ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ اهـ. وَقَوْلُهُ: بِلَا اسْمٍ وَلَا صِفَةٍ أَيْ بِالنَّظَرِ لِلَّفْظِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمَوْجُودٌ اتِّفَاقًا.
وَقَوْلُهُ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْنَعُ إلَخْ.
أَيْ لِأَنَّ الْقُرْآنَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ مُتَعَدِّدَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَحْذُوفَةِ الْأَعْجَازِ كَيَدٍ وَدَمٍ) فَأَصْلُ الْأَوَّلِ يَدْيٌ بِسُكُونِ الدَّالِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيْضًا، وَأَصْلُ الثَّانِي دَمَى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقِيلَ بِسُكُونِهَا وَيُقَالُ فِي تَثْنِيَتِهِ دَمَيَانِ، وَنَازَعَ ق ت فِي التَّعْلِيلِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ.
قَالَ: وَالْحَقُّ إسْقَاطُهُ أَيْ لِأَنَّهُ حَذْفٌ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ.
وَجَوَابُهُ
الِاسْتِعْمَالِ بُنِيَتْ أَوَائِلُهَا عَلَى السُّكُونِ وَأُدْخِلَ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الْوَصْلِ لِتَعَذُّرِ الِابْتِدَاءِ بِالسَّاكِنِ وَقِيلَ مِنْ الْوَسْمِ وَهُوَ الْعَلَامَةُ وَفِيهِ عَشْرُ لُغَاتٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فِي بَيْتٍ فَقَالَ سَمٌ وَسَمِيٌّ وَاسْمٌ بِتَثْلِيثِ أَوَّلِ ... لَهُنَّ سَمَاءٌ عَاشِرٌ تَمَّتْ انْجَلِي.
وَاَللَّهُ عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ سِوَاهُ تَسَمَّى بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى وَأَنْزَلَهُ
[حاشية البجيرمي]
أَنَّ الْوَاضِعَ عَلِمَ كَثْرَةَ اسْتِعْمَالِهِ.
قَوْلُهُ: (بُنِيَتْ) أَيْ وُضِعَتْ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَذُّرِ الِابْتِدَاءِ) أَيْ مَعَ الْعِوَضِيَّةِ عَنْ الْوَاوِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْعِوَضِ أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ الْمُعَوَّضِ عَنْهُ بِخِلَافِ الْبَدَلِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ مِنْ الْوَسْمِ) أَيْ مِنْ فِعْلِهِ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَفْعَالِ.
قَالَ الشَّنَوَانِيُّ: قَوْلُهُ مِنْ الْوِسْمِ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ، وَإِلَّا فَالْمَسْمُوعُ فَتْحُهَا وَحُوِّلَ إلَى مَكْسُورِ الْوَاوِ لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى سِمَةٍ لِأَنَّ كَسْرَةَ الْوَاوِ نُقِلَتْ إلَى السِّينِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ الْبَسْمَلَةِ شَخْصِيَّةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَامِلَ إمَّا فِعْلٌ كَأُؤَلِّفُ أَوْ اسْمٌ كَتَأْلِيفِي، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْفَاعِلَ الَّذِي هُوَ الْمَوْضُوعُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُشَخَّصٌ مُعَيَّنٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ تَقْدِيرَهُ تَأْلِيفِي بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ.
فَالْمُضَافُ إلَيْهِ مُشَخَّصٌ فَيَكُونُ الْمُضَافُ كَذَلِكَ، هَذَا إنْ جُعِلَتْ الْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ فَإِنْ جُعِلَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ كُلُّ تَأْلِيفٍ لِي كَانَتْ الْجُمْلَةُ كُلِّيَّةً، وَإِنْ جُعِلَتْ لِلْجِنْسِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْجِنْسُ فِي ضِمْنِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ كَانَتْ جُزْئِيَّةً، وَإِنْ أُرِيدَ الْجِنْسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَانَتْ مُهْمَلَةً.
مَبْحَثُ لُغَاتِ الِاسْمِ قَوْلُهُ: (وَفِيهِ عَشْرُ لُغَاتٍ) وَأَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَقَالَ: سَمًى سَمَاةٌ سَمٌ اسْمٌ وَزِدْ سِمَةً كَذَا سَمَاءٌ بِتَثْلِيثٍ لِأَوَّلِهَا.
[مَبْحَثُ الْغَلَبَةِ وَتَقْسِيمُهَا]
قَوْلُهُ: (عَلَمٌ) أَيْ بِالْغَلَبَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ إنْ رُوعِيَ أَصْلُهُ الثَّانِي وَهُوَ الْإِلَهُ، أَوْ بِالْغَلَبَةِ التَّحْقِيقِيَّةِ إنْ رُوعِيَ أَصْلُهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ إلَهٌ لِسَبْقِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ ذَاتِهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الْغَلَبَةَ التَّحْقِيقِيَّةَ هِيَ غَلَبَةُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا اخْتَصَّ بِهِ بِأَنْ سَبَقَ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَعْنَى الْعَلَمِيَّةِ، وَأَمَّا الْغَلَبَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ فَهِيَ اخْتِصَاصُ اللَّفْظِ بِمَعْنًى مَعَ إمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ حِينَئِذٍ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا غَلَبَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ أَوْ تَحْقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ تَحْقِيقِيَّةٌ، وَإِلَى مَا بَعْدَهَا تَقْدِيرِيَّةٌ أَيْ بِحَسَبِ أَصْلِهِ وَهُوَ الْإِلَهُ، وَأَمَّا اللَّهُ فَلَيْسَ فِيهِ غَلَبَةٌ أَصْلًا لِأَنَّهُ عَلَمُ شَخْصٍ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْمِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ عُمُومٌ فَيَعْرِضُ لَهُ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ خُصُوصٌ، فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ فَتَحْقِيقِيَّةٌ وَإِلَّا فَتَقْدِيرِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الذَّاتِ) أَيْ عَلَى الْفَرْدِ الْخَالِقِ لِلْعَالَمِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الصِّفَاتِ، وَإِلَّا لَمَا أَفَادَ التَّوْحِيدُ لِأَنَّ الصِّفَاتِ كُلِّيَّةٌ وَهَذَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، ثُمَّ صَارَ دَالًّا فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الصِّفَاتِ نَظَرًا لِلْوُجُودِ لَا بِالْوَضْعِ وَتَاؤُهَا لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْوَحْدَةِ، وَلِهَذَا وُصِفَتْ بِالْوَاجِبِ الْوُجُودِ عَلَى لَفْظِ الْمُذَكَّرِ.
فَإِنْ قُلْت: ذَاتُ اللَّهِ لَا تُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَكَيْفَ وُضِعَ لَهَا الْعَلَمُ؟ قُلْت: يَكْفِي إدْرَاكُهَا بِتَعَقُّلِ صِفَاتِهَا، هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْوَاضِعَ غَيْرُ اللَّهِ وَهُوَ مَرْجُوحٌ، أَمَّا إنْ قُلْنَا الْوَاضِعُ هُوَ تَعَالَى وَهُوَ الرَّاجِحُ فَلَا إشْكَالَ.
قَوْلُهُ: (الْوَاجِبِ الْوُجُودِ) بَيَانٌ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ لَا دَاخِلٌ فِيهِ، وَإِلَّا كَانَ مَدْلُولُهُ ذَاتًا وَصِفَةً فَيَكُونُ كُلِّيًّا، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِأَنَّهُ أَيْ اللَّهَ عَلَمٌ لِأَنَّهُ يُوصَفُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ تَعَالَى مِنْ اسْمٍ تَجْرِي عَلَيْهِ صِفَاتُهُ وَلَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سِوَاهُ أَيْ اللَّهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَصْفًا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَوْحِيدًا، وَنُقِلَ كَوْنُهُ مُرْتَجَلًا أَيْ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ عَنْ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَتِلْمِيذِهِ الْغَزَالِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ وَالْخَلِيلِ وَابْنِ كَيْسَانَ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: وَمَا يُقَالُ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ مُشْتَقٌّ أَوْ غَيْرُ مُشْتَقٍّ إنَّمَا هُوَ فِي لَفْظِ إلَهٍ لَا لَفْظِ اللَّهِ اهـ. وَمَا تُوهِمُهُ الْعِبَارَاتُ مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي لَفْظِ اللَّهِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهَا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَصْلِ لَفْظِ اللَّهِ وَهُوَ إلَهٌ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ
عَلَى آدَمَ فِي جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] أَيْ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا سُمِّيَ اللَّهَ غَيْرَ اللَّهِ وَأَصْلُهُ إلَاهٌ كَإِمَامٍ، ثُمَّ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إلَى اللَّامِ، فَصَارَ الِلَاهٌ بِلَامَيْنِ مُتَحَرِّكَتَيْنِ ثُمَّ سُكِّنَتْ الْأُولَى وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَةِ لِلتَّسْهِيلِ وَالْإِلَهُ فِي الْأَصْلِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ، كَمَا أَنَّ النَّجْمَ اسْمٌ لِكُلِّ كَوْكَبٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الثُّرَيَّا وَهُوَ عَرَبِيٌّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَعِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فِي أَلْفَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَوْضِعًا، وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ أَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ قَالَ: وَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ.
وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ بُنِيَتَا
[حاشية البجيرمي]
الْمِنْهَاجِ الْحَقُّ أَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مَأْخُوذٍ مِنْ شَيْءٍ بَلْ وُضِعَ عَلَمًا ابْتِدَاءً، فَكَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا يُحِيطُ بِهَا شَيْءٌ وَلَا تَرْجِعُ إلَى شَيْءٍ فَكَذَلِكَ اسْمُهُ تَعَالَى لَا يَرْجِعُ إلَى شَيْءٍ يُشْتَقُّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (تَسَمَّى بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْوَاضِعَ لِلْأَسْمَاءِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَيْ سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُعَرِّفَهُ لِخَلْقِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَهُ عَلَى آدَمَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ وَهُوَ دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ لَمْ يُسَمَّ بِهِ سِوَاهُ، وَقَوْلُهُ: (سَمِيًّا) فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا مُسَمًّى بِاسْمِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ اللَّهِ) نَعْتٌ لِأَحَدٍ أَوْ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِهِ الَّذِي فِي سُمِّيَ.
قَوْلُهُ: (وَأَصْلُهُ إلَاهٌ) أَيْ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي، كَمَا قِيلَ إنَّ أَصْلَهُ الْأَوَّلَ وَلَاهٌ قُلِبَتْ الْوَاوُ هَمْزَةً، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُهُ الْأَوَّلُ إلَاهٌ لِجَمْعِهِ عَلَى آلِهَةٍ وَأَصْلُهُ أَأْلِهَةٌ وَلَمْ يَقُولُوا أَوْلِهَةٌ، وَلَوْ كَانَ أَصْلُهُ وَلَاهٌ لَقَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إلَى أُصُولِهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ) أَيْ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهَا إلَى اللَّامِ قَبْلَهَا فَالنَّقْلُ قَبْلَ الْحَذْفِ لَا مَعَهُ وَلَا بَعْدَهُ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ أج.
وَالْمُرَادُ بِالْهَمْزَةِ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ.
قَوْلُهُ: (وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا) وَقِيلَ: إنَّ الْهَمْزَةَ حُذِفَتْ مَعَ حَرَكَتِهَا، وَهُوَ أَسْهَلُ لِبَقَاءِ سُكُونِ اللَّامِ الْأُولَى عَلَى حَالِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَسْكِينِهَا وَرَجَحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ نَقْلَ حَرَكَتِهَا أَيْ الْهَمْزَةِ يُوجِبُ ثِقَلَهَا بِسَبَبِ سُكُونِهَا لِأَنَّ السُّكُونَ يُوجِبُ ثِقَلَهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا، لِأَنَّ سُكُونَهَا يُشْبِهُ التَّهَوُّعَ أَيْ التَّقَيُّؤَ، فَلِذَا حَسُنَ حَذْفُهَا سَاكِنَةً لِثِقَلِهَا.
قَوْلُهُ: (وَأُدْغِمَتْ) أَيْ بَعْدَ تَسْكِينِهَا وَهُوَ إدْغَامٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِعَدَمِ تَحَرُّكِ أَوَّلِ الْمِثْلَيْنِ أَصَالَةً مَعَ وُجُودِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا تَقْدِيرًا وَهُوَ الْهَمْزَةُ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ لِعِلَّةٍ كَالثَّابِتِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي إلَهٍ خَمْسَةَ أَعْمَالٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصْلِ) أَيْ قَبْلَ دُخُولِ أَلْ عَلَيْهِ، فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ ق ل بِقَوْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِلَهُ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (يَقَعُ) أَيْ فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَلَبَ) أَيْ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ عَرَبِيٌّ) أَيْ مِنْ أَوْضَاعِ الْعَرَبِ.
اهـ. م د. لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: سُمِّيَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَرَبِ لِأَنَّهُ أَزَلِيٌّ فَالْأَنْسَبُ تَفْسِيرُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ مَا اُسْتُعْمِلَ أَوَّلًا مِنْ الْعَرَبِ، وَمُقَابِلُ الْأَكْثَرِ الْأَقَلُّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ مُعَرَّبٌ أَيْ أَوَّلُ مَا وَضَعَهُ الْعَجَمُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ الْبَشَرُ، وَأَوَّلُ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ الْعَجَمُ لَا بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ وَاضِعِهَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلُ فَقِيلَ إنَّهُ فِي الْأَصْلِ عِبْرِيٌّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ عِبْرَانِيٌّ، وَقِيلَ سُرْيَانِيٌّ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ يَعْنِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إذْ لَا يُصَارُ إلَى إثْبَاتِ الْعُجْمَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ) وُصِفَ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَا دُعِيَ بِهِ فِيهِ مِنْ شُرُوطِهِ يُجَابُ بِعَيْنِهِ لِوَقْتِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ مَعَ كَثْرَةِ مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ اسْمَيْنِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُهَيْمِنُ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ عَنْ إيرَادِ الْمُهَيْمِنِ بِأَنَّ النَّوَوِيَّ لَمْ يَسْتَنِدْ فِي ذَلِكَ إلَى الْقِلَّةِ بَلْ إلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ ". فَمُرَادُ النَّوَوِيِّ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي هَذِهِ السُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ هَكَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ سِيَاقِ الشَّارِحِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ اسْتِنَادُ النَّوَوِيِّ إلَى الْحَدِيثِ لَقَالَ الشَّارِحُ: لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الثَّلَاثَةِ مَوَاضِعَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) لَمْ يَعْطِفْ لِأَجْلِ حِكَايَةِ اللَّفْظِ الْوَاقِعِ فِي الْبَسْمَلَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ الْعَطْفِ لِصِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِالْمُثَنَّى.
قَوْلُهُ: (صِفَتَانِ
لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ مَصْدَرِ رَحِمَ، وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنْ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى كَمَا فِي قَطَعَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَطَّعَ بِالتَّشْدِيدِ، وَقُدِّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ اسْمُ ذَاتٍ وَهُمَا اسْمَا صِفَةٍ، وَقُدِّمَ الرَّحْمَنُ عَلَى الرَّحِيمِ لِأَنَّهُ خَاصٌّ، إذْ لَا يُقَالُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِخِلَافِ الرَّحِيمِ وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ.
[حاشية البجيرمي]
مُشَبَّهَتَانِ) وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ هِيَ الصِّفَةُ الْمَصُوغَةُ لِغَيْرِ تَفْضِيلٍ لِإِفَادَةِ نِسْبَةِ الْحَدَثِ إلَى مَوْصُوفِهَا دُونَ إفَادَةِ الْحُدُوثِ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا مُشَبَّهَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فِي الْعَمَلِ.
قَالَ الْأُشْمُونِيُّ: وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ وَاسْمِ الْفَاعِلِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حَدَثٍ وَمَنْ قَامَ بِهِ، وَأَنَّهَا تُؤَنَّثُ وَتُثَنَّى وَتُجْمَعُ، وَلِذَلِكَ حُمِلَتْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بُنِيَتَا) أَيْ صِيغَتَا لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ لِإِفَادَتِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ صِيَغَ الْمُبَالَغَةِ مُنْحَصِرَةٌ فِي خَمْسَةٍ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِ الْخُلَاصَةِ:
فَعَّالٌ أَوْ مِفْعَالٌ أَوْ فَعُولُ ... فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ
فَيَسْتَحِقُّ مَا لَهُ مِنْ عَمَلْ ... وَفِي فَعِيلٍ قَلَّ ذَا وَفَعَلْ
وَرَحْمَنٌ: لَيْسَ مِنْهَا وَالْمُبَالَغَةُ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ فَمَدْلُولُهَا زَائِدٌ عَلَى مَدْلُولِ اسْمِ الْفَاعِلِ لَا بِمَعْنَاهَا عِنْدَ الْبَيَانِيِّينَ، وَهِيَ أَنْ تُثْبِتَ لِلشَّيْءِ زِيَادَةً عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَالْمُبَالَغَةُ إمَّا بِحَسَبِ زِيَادَةِ الْفِعْلِ أَوْ تَعَدُّدِ الْمَفْعُولَاتِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ زِيَادَةَ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ لِوُقُوعِهِ عَلَى مُتَعَدِّدٍ فَالْمُبَالَغَةُ فِي نَحْوِ: حَكِيمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى تَكَرُّرُ حِكَمِهِ الْكَثِيرَةِ فِي الشَّرَائِعِ، بَلْ فِي الشَّرِيعَةِ الْوَاحِدَةِ، وَفِي التَّوَّابِ كَثْرَةُ مَنْ يَتُوبُ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ: (مِنْ مَصْدَرِ رَحِمَ) أَيْ بَعُدَ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ أَوْ جَعَلَهُ لَازِمًا بِنَقْلِهِ إلَى فَعُلَ بِالضَّمِّ كَحَسُنَ وَكَرُمَ، أَيْ صَارَ ذَا حُسْنٍ وَذَا كَرَمٍ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ لَا تُصَاغُ إلَّا مِنْ لَازِمٍ كَمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَصَوْغُهَا مِنْ لَازِمٍ لِحَاضِرِ ... كَطَاهِرِ الْقَلْبِ جَمِيلِ الظَّاهِرِ
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الرَّحْمَةَ رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ وَعَطْفٌ أَيْ مَيْلٌ نَفْسَانِيٌّ، وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْهِ تَعَالَى لِكَوْنِهَا كَيْفِيَّةً نَفْسَانِيَّةً فَهِيَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ وَهُوَ الْإِحْسَانُ، فَتَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ أَوْ إرَادَتِهِ فَتَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا عِلَّةً لِتَقْدِيمِ الرَّحْمَنِ عَلَى الرَّحِيمِ كَمَا صَنَعَ غَيْرُهُ قَوْلُهُ: (أَبْلَغُ مِنْ الرَّحِيمِ) أَيْ أَعْظَمُ مَعْنًى مِنْ مَعْنَى الرَّحِيمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَعْنَى الرَّحِيمِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي أَفْعَلْ التَّفْضِيلِ، وَفِيهِ بِنَاءُ أَفْعَلْ التَّفْضِيلِ مِنْ مَزِيدٍ أَيْ بَالِغٍ وَهُوَ لَا يُصَاغُ إلَّا مِنْ ثُلَاثِيٍّ فَهُوَ مِنْ الْمُبَالَغَةِ لَا مِنْ الْبَلَاغَةِ لِأَنَّهَا لَا يُوصَفُ بِهَا الْمُفْرَدُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ إلَخْ) هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَشْرُوطَةٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصِّفَاتِ الْجِبِلِّيَّةِ فَخَرَجَ نَحْوُ شَرِهٍ وَنَهِمٍ لِأَنَّ الصِّفَاتِ الْجِبِلِّيَّةَ لَا تَتَفَاوَتُ، وَأَنْ يَتَّحِدَ اللَّفْظَانِ فِي النَّوْعِ فَخَرَجَ حَذِرٌ وَحَاذِرٌ، وَأَنْ يَتَّحِدَا فِي الِاشْتِقَاقِ فَخَرَجَ زَمِنٌ وَزِمَانٌ إذْ لَا اشْتِقَاقَ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا اسْمَا صِفَةٍ) أَيْ وَاسْمُ الذَّاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى اسْمِ الصِّفَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ خَاصٌّ) وَأُجِيبُ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فِي مُسَيْلِمَةَ: لَا زِلْت رَحْمَانًا بِأَنَّهُ مِنْ تَعَنُّتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ، أَيْ إنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ غَيْرُ صَحِيحٍ دَعَاهُمْ إلَيْهِ لَجَاجُهُمْ فِي كُفْرِهِمْ بِزَعْمِهِمْ نُبُوَّةَ مُسَيْلِمَةَ فَخَرَجُوا بِمُبَالَغَتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ اللُّغَةِ حَتَّى اسْتَعْمَلُوا الْمُخْتَصَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ شَاذٌّ لَا اعْتِدَادَ بِهِ، وَقِيلَ: مُعْتَدٌّ بِهِ وَالْمُخْتَصُّ بِاَللَّهِ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ اهـ مُحَلَّى بِزِيَادَةٍ.
وَالْيَمَامَةُ اسْمُ مَدِينَةٍ مَعْرُوفَةٍ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يُقَالُ) صَوَابُهُ إذْ لَمْ يَقُلْ ق ل. أَيْ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الِاخْتِصَاصِ كَوْنُ أَهْلِ اللِّسَانِ لَمْ يَقُولُوهُ لَا كَوْنُهُ لَا يُقَالُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُقَالُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِكَوْنِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَمْ يَقُولُوهُ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: إنَّ الْمَنْعَ مِنْ إطْلَاقِ الرَّحْمَنِ عَلَى غَيْرِهِ شَرْعِيٌّ طَرَأَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْهِ لَا يَرُدُّ قَوْلُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُقَالُ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا مَحَلُّهُ فِيمَا مَدْلُولُهُ خَاصٌّ وَمَا مَدْلُولُهُ عَامٌّ كَفَقِيهٍ وَعَالِمٍ فَتَقُولُ زَيْدٌ فَقِيهٌ وَعَالِمٌ، وَلَا تَقُولُ زَيْدٌ عَالِمٌ وَفَقِيهٌ، لِأَنَّ لِذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ فَائِدَةً بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَصْفَانِ أَحَدُهُمَا خَاصٌّ بِمَوْصُوفٍ، وَالْآخَرُ عَامٌّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ أُجْرِيَا عَلَى ذَلِكَ
فَائِدَةٌ: قَالَ النَّسَفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: قِيلَ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى الدُّنْيَا مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ: صُحُفُ شِيثٍ سِتُّونَ، وَصُحُفُ إبْرَاهِيمَ ثَلَاثُونَ، وَصُحُفُ مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشَرَةٌ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ.
وَمَعَانِي كُلِّ الْكُتُبِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَمَعَانِي الْقُرْآنِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ، وَمَعَانِي الْفَاتِحَةِ مَجْمُوعَةٌ فِي الْبَسْمَلَةِ، وَمَعَانِي الْبَسْمَلَةِ
[حاشية البجيرمي]
الْمَوْصُوفِ الْخَاصِّ فَصَارَ الْمُرَادُ مِنْهُمَا مَوْصُوفًا وَاحِدًا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَا يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، إذْ لَيْسَ فِي الرَّحِيمِ مَا فِي الرَّحْمَنِ وَزِيَادَةٌ حَتَّى يَكُونَ عَامًّا وَالرَّحْمَنُ خَاصًّا بَلْ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ، فَالْأَوْلَى التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الرَّحْمَنَ لَمَّا كَانَ خَاصًّا صَارَ كَالْعَلَمِ فَنَاسَبَ أَنْ يَلِيَ الْعَلَمِيَّةَ وَعِبَارَةُ اج.
قَوْلُهُ: (وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ) أَيْ وَلِأَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى جَلَائِلِ النِّعَمِ وَأُصُولِهَا ذَكَرَ الرَّحِيمَ لِيَتَنَاوَلَ مِنْهَا مَا دَقَّ وَلَطُفَ لِيَكُونَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ أَيْ وَلِلْمُحَافَظَةِ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ، وَالْأَبْلَغِيَّةُ تُؤْخَذُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّةِ، فَلِذَا قِيلَ يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا لِعُمُومِهَا لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ لِخُصُوصِهَا بِالْمُؤْمِنِ وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْكَيْفِيَّةِ، وَلِذَا قِيلَ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرَحِيمَ الدُّنْيَا لِأَنَّ النِّعَمَ الْأُخْرَوِيَّةَ كُلَّهَا جِسَامٌ، وَأَمَّا الدُّنْيَوِيَّةُ فَجَلِيلَةٌ وَحَقِيرَةٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّسَفِيُّ) : بِفَتْحَتَيْنِ نِسْبَةً إلَى نَسَفَ مَدِينَةٍ مِمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ اهـ. لُبُّ اللُّبَابِ لِلسُّيُوطِيِّ قَوْلُهُ: (مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ) فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ: خَمْسُونَ عَلَى شِيثٍ، وَعِشْرُونَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَثَلَاثُونَ عَلَى إدْرِيسَ، وَعَشَرَةٌ عَلَى آدَمَ، وَقِيلَ عَلَى مُوسَى عَشَرَةٌ قَبْلَ التَّوْرَاةِ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ: وَفِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى شِيثٍ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَكَانَ أَجْمَلَ أَوْلَادِ آدَمَ وَأَفْضَلَهُمْ وَكَانَ وَصِيَّهُ وَأَحَبَّهُمْ إلَيْهِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، وَهُوَ الَّذِي انْتَهَتْ أَنْسَابُ النَّاسِ كُلِّهِمْ إلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ بِالطِّينِ وَالْحِجَارَةِ، وَعَاشَ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً اج.
قَوْلُهُ: (صُحُفُ شِيثٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَالصَّرْفِ كَمَا قَالَهُ الشَّنَوَانِيُّ عَلَى الْأَزْهَرِيَّةِ، وَمَعْنَاهُ هِبَةُ اللَّهِ لِأَنَّهُ وُهِبَ لَهُ وَرُزِقَهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ، وَبَعْدَ قَتْلِهِ لَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ بِهِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَيِّتٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ السِّبَاعِ لِأَنَّهَا قَصَدَتْهُ لِتَأْكُلَهُ، فَحَمَلَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَةً.
اهـ. جَلَالَيْنِ وَخَازِنٌ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ آدَمَ الْوَفَاةُ عَهِدَ إلَى ابْنِهِ شِيثٍ وَعَلَّمَهُ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَعِبَادَاتِ تِلْكَ السَّاعَاتِ، وَأَعْلَمَهُ بِوُقُوعِ الطُّوفَانِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُقَالُ: إنَّ أَنْسَابَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا تَنْتَهِي إلَى شِيثٍ وَسَائِرُ أَوْلَادِ آدَمَ انْقَرَضُوا اهـ.
وَقَوْلُهُ: كُلُّهَا تَنْتَهِي إلَى شِيثٍ أَيْ لِأَنَّ نَسَبَ نُوحٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ وَهُوَ آدَم الصَّغِيرُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: 77] وَسُمِّيَتْ صُحُفًا لِأَنَّ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ كَانَ مَكْتُوبًا فِي صُحُفٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَأَمَّا الْكُتُبُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا جِبْرِيلُ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَصُحُفُ إبْرَاهِيمَ) قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وُلِدَ إبْرَاهِيمُ عَلَى رَأْسِ أَلْفَيْ سَنَةٍ مِنْ خَلْقِ آدَمَ، وَمَاتَ ابْنَ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلًا إنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَخَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَعَاشَ مُوسَى مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ: (وَصُحُفُ مُوسَى) وَفِيهَا: عَجِبْت لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ، عَجِبْت لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، عَجِبْت لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ يَطْمَئِنُّ إلَيْهَا، عَجِبْت لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ ثُمَّ يَتْعَبُ، عَجِبْت لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ ثُمَّ لَا يَعْمَلُ، ذَكَرَهُ الْخَازِنُ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَانِي كُلِّ الْكُتُبِ) أَيْ سِوَى الْقُرْآنِ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ، فَقَوْلُهُ: (وَمَعَانِي الْقُرْآنِ) أَيْ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَعَانِي الْفَاتِحَةِ) أَيْ غَيْرُ الْبَسْمَلَةِ، وَمَعَانِي الْبَسْمَلَةِ أَيْ غَيْرُ بَائِهَا.
قَوْلُهُ: (مَجْمُوعَةٌ فِي الْفَاتِحَةِ) اسْتَشْكَلَهُ الْمُنَاوِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَحْكَامٍ وَقَصَصٍ وَمَوَاعِظَ وَغَيْرِهَا، وَالْفَاتِحَةُ وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ مَدَارَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ عَلَى تَوْحِيدِ الْبَارِي، وَأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِ وَخَالِقُهُمْ وَرَاحِمُهُمْ وَمَالِكُهُمْ وَخَالِقُ الْهِدَايَةِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَالْمُعِينُ لَهُ، وَأَنَّ مَصِيرَ الْخَلْقِ إلَى دَارِ سَعَادَةٍ أَوْ شَقَاوَةٍ.
وَهَذِهِ الْمَعَانِي مُصَرَّحٌ بِهَا فِي الْقُرْآنِ مُشَارٌ إلَيْهَا فِي الْفَاتِحَةِ مَرْمُوزٌ إلَيْهَا فِي الْبَسْمَلَةِ مُلَوَّحٌ بِهَا فِي الْبَاءِ.
وَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ قَدْ جَمَعَتْ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ فَكَأَنَّهَا نُسْخَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وَكَأَنَّ الْقُرْآنَ بَعْدَهَا تَفْصِيلٌ
مَجْمُوعَةٌ فِي بَائِهَا، وَمَعْنَاهَا: بِي كَانَ مَا كَانَ وَبِي يَكُونُ مَا يَكُونُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَمَعَانِي الْبَاءِ فِي نُقْطَتِهَا.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) بَدَأَ بِالْبَسْمَلَةِ ثُمَّ بِالْحَمْدَلَةِ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ.
وَعَمَلًا بِخَبَرِ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ» أَيْ حَالَ يُهْتَمُّ بِهِ «لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ
[حاشية البجيرمي]
لَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا جَمَعَتْ الْإِلَهِيَّاتِ فِي الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فِي مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَالْعِبَادَاتِ كُلَّهَا مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْأَحْكَامِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي فِي إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَالشَّرِيعَةَ كُلَّهَا فِي الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَالْأَنْبِيَاءَ وَغَيْرَهُمْ فِي قَوْلِهِ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ، وَذِكْرَ طَوَائِفِ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ شَيْخُنَا.
اهـ. سُيُوطِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهَا بِي إلَخْ) أَيْ إنَّهَا تُشِيرُ إلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا مَعْنَاهَا الْمَوْضُوعَةُ هِيَ لَهُ قَوْلُهُ: (فِي نُقْطَتِهَا) أَيْ أَوَّلِ جُزْءٍ يُوضَعُ عِنْدَ إرَادَةِ رَسْمِهَا قِيلَ، وَمَعْنَاهَا أَنَّ ذَاتَه تَعَالَى نُقْطَةُ الْوُجُودِ الْمُسْتَمَدِّ مِنْهَا كُلُّ مَوْجُودٍ أج.
[مَبْحَثُ النَّحْتِ]
قَوْلُهُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَصْلُهُ حَمِدْت حَمْدَ اللَّهِ، ثُمَّ اُسْتُغْنِيَ بِالْمَصْدَرِ عَنْ الْفِعْلِ فَحُذِفَ ثُمَّ رُفِعَ الْمَصْدَرُ، ثُمَّ أَدْخَلُوا عَلَيْهِ أَلْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الدَّوَامِ فَصَارَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّوَامَ وَالِاسْتِمْرَارَ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْعُدُولِ عَنْ الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ إلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، لِأَنَّ قَوْلَنَا زَيْدٌ قَائِمٌ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى أَصْلِ ثُبُوتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ، وَأَمَّا دَوَامُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ فَإِنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْعُدُولِ.
وَالْحَمْدُ أَقْسَامٌ أَرْبَعَةٌ: إمَّا وَاجِبٌ كَمَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ، أَوْ مَنْدُوبٌ كَمَا فِي الْأَدْعِيَةِ ابْتِدَاءً وَخِتَامًا وَنَحْوِ الْأَكْلِ، أَوْ مَكْرُوهٌ كَكَوْنِهِ فِي الْأَمَاكِنِ الْقَذِرَةِ أَوْ بِفَمٍ نَجِسٍ أَوْ حَرَامٍ كَالْحَمْدِ عِنْدَ الْفَرَحِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَعْطِفْهَا عَلَى الْبَسْمَلَةِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ كَمَالِ الِاتِّصَالِ وَلِإِفَادَةِ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْمَقْصُودِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْبَسْمَلَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا جِهَةُ تَحْمِيدٍ لِأَنَّ الْمُبَسْمِلَ لَا يُقَالُ لَهُ حَامِدٌ عُرْفًا.
تَنْبِيهٌ: الْمُخْبِرُ بِالْحَمْدِ حَامِدٌ بِخِلَافِ الْمُخْبِرِ بِالصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِمُصَلٍّ، وَلِذَا يُثَابُ الْحَامِدُ مُطْلَقًا وَلَا يُثَابُ الْمُصَلِّي إلَّا إذَا قَصَدَ الْإِنْشَاءَ، وَسَوَّى الدُّلَجِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْحَمْدِ فِي الثَّوَابِ وَلَوْ قَصَدَ الْإِخْبَارَ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَفْضَلُ الْمَحَامِدِ أَنْ يُقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِمَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَهَبَطَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى الْأَرْضِ قَالَ: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي الْمَكَاسِبَ وَعَلِّمْنِي كَلِمَةً تَجْمَعُ لِي فِيهَا الْمَحَامِدَ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ أَنْ قُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عِنْدَ كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَك وَيُكَافِئُ مَزِيدَك فَقَدْ جَمَعْت لَك فِيهَا جَمِيعَ الْمَحَامِدِ» .
وَقِيلَ: أَفْضَلُ الْمَحَامِدِ أَنْ يُقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، زَادَ بَعْضُهُمْ عَدَدَ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ مَا عَلِمْت مِنْهُمْ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَهَا فَسَمِعَ قَائِلًا يَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتْعَبْت الْحَفَظَةَ فَإِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ ثَوَابَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ الْعَامِ الْمَاضِي إلَى الْآنَ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ فِقْهِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَحْمِدَنَّ اللَّهَ بِأَفْضَلِ الْمَحَامِدِ، فَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ لَا يَبَرُّ إلَّا بِمَا قَالَهُ مِنْ تِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَقِيلَ لَا يَبَرُّ حَتَّى يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك، وَقِيلَ لَا يَبَرُّ حَتَّى يَقُولَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] اهـ شَبْرَخِيتِيٌّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (بَدَأَ بِالْبَسْمَلَةِ ثُمَّ بِالْحَمْدَلَةِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِسُؤَالَيْنِ: صُورَةُ الْأَوَّلِ لِمَ أَتَى بِهِمَا فِي الِابْتِدَاءِ وَلَمْ يَبْتَدِئْ بِغَيْرِهِمَا كَالْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ؟ وَصُورَةُ الثَّانِي: لِمَ رَتَّبَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ؟ وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُ اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ يُثْبِتُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَمَلًا بِخَبَرِ إلَخْ.
يُثْبِتُ الْأَوَّلَ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: بِالْبَسْمَلَةِ أَيْ بِمُسَمَّى الْبَسْمَلَةِ أَوْ بِمَا نُحِتَتْ مِنْهُ الْبَسْمَلَةُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
مَبْحَثُ النَّحْتِ وَعِلْمُ النَّحْتِ سَمَاعِيٌّ سُمِعَ مِنْهُ نَحْوُ عَشَرَةِ أَلْفَاظٍ كَالْحَسْبَلَةِ أَيْ قَوْلُ حَسْبُنَا اللَّهُ، وَالْحَوْقَلَةِ وَالْحَيْعَلَةِ وَالطَّلْبَقَةِ مِنْ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك، وَمِنْهُ الْأَلْفَاظُ الْأَرْبَعَةُ الْمَشْهُورَةُ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهِيَ: وَاَللَّهِ مَا تَرَبْعَلْبَنْت قَطُّ أَيْ مَا أَكَلْت اللَّبَنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَلَا تَسَبْتَسْمَكْت قَطُّ أَيْ مَا أَكَلْت السَّمَكَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَلَا تَعَمْقَعْدَدْت قَطُّ أَيْ مَا تَعَمَّمْت وَأَنَا قَاعِدٌ أَيْ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْسِينِ الْعِمَّةِ، وَسَيِّدُنَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يُرِيدُ ذَلِكَ.
وَلَا تَسَرْوَلْقَمْت قَطُّ أَيْ مَا لَبِسْت السَّرَاوِيلَ قَائِمًا أَيْ لِئَلَّا يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْ عَوْرَتِهِ، وَلَمَّا قِيلَ إنَّ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ مِنْ قِيَامٍ يُورِثُ الْفَقْرَ كَالتَّعَمُّمِ قَاعِدًا.
وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمُطَرِّزِيُّ فِي كِتَابِ الْيَوَاقِيتُ وَغَيْرِهِ: إنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْ أَسْمَائِهَا سَبْعَةٌ: بَسْمَلَ إذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ، وَسَبْحَلَ إذَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَحَوْقَلَ إذَا قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، وَحَيْعَلَ إذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَحَمْدَلَ إذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَهَلَّلَ إذَا قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَجَعْفَدَ إذَا قَالَ جُعِلْت فِدَاك.
وَهَذَا الْبَابُ سَمَاعِيٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ بِالْحَمْدَلَةِ) أَيْ ثُمَّ ثَنَّى بِالْحَمْدَلَةِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (اقْتِدَاءً بِالْكِتَابِ) أَيْ وَبِغَيْرِهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْقُرْآنِ أَمْرٌ بِالْإِتْيَانِ بِهِمَا عَبَّرَ فِي جَانِبِهِ بِالِاقْتِدَاءِ، وَلَمَّا كَانَ الْحَدِيثُ مُتَضَمِّنًا لِلْأَمْرِ عَبَّرَ فِي جَانِبِهِ بِالْعَمَلِ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ مَعْنَاهُ الِاتِّبَاعُ فِي الْفِعْلِ اسْتِحْسَانًا لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمَرَ التَّابِعُ بِهِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَإِنَّهُ الِاتِّبَاعُ مَعَ الْأَمْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَمَا هُنَا مِنْ الثَّانِي م د.
قَوْلُهُ: (بِخَبَرِ: كُلُّ) بِإِضَافَةِ خَبَرٍ إلَى جُمْلَةِ مَا بَعْدَهُ إضَافَةً بَيَانِيَّةً أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ، وَبِالتَّنْوِينِ عَلَى إبْدَالِ مَا بَعْدَهُ مِنْهُ وَرَفَعَ كُلَّ بِالْحِكَايَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِضَافَةُ كُلٍّ إلَى أَمْرٍ عَلَى مَعْنَى اللَّازِمِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ التَّلَفُّظُ بِهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ نِيَّةِ مِنْ أَوْ فِي، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَانْوِ مِنْ أَوْ فِي إذَا ... لَمْ يَصْلُحْ إلَّا ذَاكَ وَاللَّامِ
خُذَا لِمَا سِوَى ذَيْنِك
قَوْلُهُ: (أَمْرٍ) الْأَمْرُ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهِ الْخَمْسَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِ دِينِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» وَيَأْتِي الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْقِيَامَةِ وَمِنْهُ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: 1] وَبِمَعْنَى الرَّأْيِ وَمِنْهُ ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] وَبِمَعْنَى الْعَذَابِ وَمِنْهُ ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: 101] وَبِمَعْنَى الطَّلَبِ وَهُوَ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرُ كَفٍّ أَوْ كَفُّ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِكَفٍّ وَنَحْوِهِ كَدَعْ وَذَرْ وَاتْرُكْ وَجَمْعُ هَذَا أَوَامِرُ وَجَمْعُ ذَاكَ أُمُورٌ وَالْمُرَادُ هُنَا الْفِعْلُ وَهُوَ حَرَكَةُ الْبَدَنِ الشَّامِلَةُ لِلْأَقْوَالِ دُونَ التُّرُوكِ؛ إذْ الْبَسْمَلَةُ لَا تُطْلَبُ فِي التَّرْكِ كَتَرْكِ الْمَعَاصِي.
قَوْلُهُ: (ذِي بَالٍ) أَيْ صَاحِبِ بَالٍ فَهُوَ جَامِدٌ لَفْظًا مُشْتَقٌّ تَأْوِيلًا، وَلِذَلِكَ صَحَّ الْوَصْفُ بِهِ، وَالْبَالُ فِي الْأَصْلِ الْقَلْبُ وَمِنْهُ ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: 5] أَيْ قُلُوبَهُمْ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الشَّأْنُ الَّذِي يَهْتَمُّ لَهُ الْقَلْبُ فَإِطْلَاقُ الْبَالِ عَلَيْهِ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ فِيهِ فَالْعَلَاقَةُ الْمَحَلِّيَّةُ أَوْ الْمُجَاوَرَةُ لِمُجَاوَرَةِ الشَّأْنِ الَّذِي يَهْتَمُّ بِهِ الْقَلْبُ لِلْقَلْبِ وَعَلَى كُلٍّ فَالْمَجَازُ مُرْسَلٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ الْأَمْرَ بِذِي قَلْبٍ بِجَامِعِ الِاهْتِمَامِ بِكُلٍّ وَالِاعْتِنَاءِ وَالشَّرَفِ وَأَثْبَتَ لَهُ الْبَالَ تَخْيِيلًا وَتَنْوِينُ بَالٍ لِلتَّعْظِيمِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] فَخَرَجَ الْحَقِيرُ كَنَقْلِ الْقَدَمِ فَلَا تُطْلَبُ لَهُ الْبَسْمَلَةُ فَفِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَى الْعِبَادِ وَصَوْنٌ لِاسْمِهِ تَعَالَى عَنْ الِاقْتِرَانِ بِالْمُحَقَّرَاتِ قَالَ ح ف يُطْلَقُ الْبَالُ عَلَى الْحَالِ الَّذِي يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا لَكِنَّهُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَسْمَلَةِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمْدَلَةِ فَهُوَ خَاصٌّ بِالْأَقْوَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَامًّا لَاقْتَضَى طَلَبَهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْأَكْلِ مَثَلًا مَعَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْإِتْيَانُ بِهَا عِنْدَ آخِرِهِ.
اهـ. لَكِنَّ قَوْلَهُ خَاصٌّ بِالْأَقْوَالِ يَرِدُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ يُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ.
قَوْلُهُ: (يُهْتَمُّ بِهِ) أَيْ شَرْعًا بِأَنْ لَا يَكُونَ مُحَرَّمًا لِذَاتِهِ وَلَا
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» أَيْ نَاقِصٌ غَيْرُ تَامٍّ فَيَكُونُ قَلِيلَ الْبَرَكَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ رَوَاهَا أَبُو دَاوُد: " بِالْحَمْدِ لِلَّهِ ". وَجَمَعَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَغَيْرِهِ بَيْنَ الِابْتِدَاءَيْنِ عَمَلًا بِالرِّوَايَتَيْنِ.
وَإِشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ إذْ الِابْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ بِطَالِقٍ، فَالْحَقِيقِيُّ حَصَلَ بِالْبَسْمَلَةِ، وَالْإِضَافِيُّ بِالْحَمْدَلَةِ أَوْ أَنَّ الِابْتِدَاءَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلْ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ يَمْتَدُّ مِنْ الْأَخْذِ فِي التَّأْلِيفِ إلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، فَالْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ مَبْدَؤُهَا الْخُطْبَةُ بِتَمَامِهَا
وَالْحَمْدُ اللَّفْظِيُّ لُغَةُ الثَّنَاءِ بِاللِّسَانِ عَلَى
[حاشية البجيرمي]
مَكْرُوهًا كَذَلِكَ، وَلَا ذِكْرًا مَحْضًا، وَلَا جَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ فَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ كَالزِّنَا بِخِلَافِ الْمُحَرَّمِ لِغَيْرِهِ كَالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ فَتُسَنُّ وَتُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ كَأَكْلِ بَصَلٍ وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الْمَكْرُوهِ لِغَيْرِهِ كَالْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فَتُسَنُّ، وَلَا تُطْلَبُ لِلذِّكْرِ الْمَحْضِ كَالتَّهْلِيلِ وَخَرَجَ بِالْمَحْضِ الْقُرْآنُ فَتُطْلَبُ فِيهِ التَّسْمِيَةُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْقَصَصِ وَالْأَحْكَامِ، فَتَعْتَرِي التَّسْمِيَةَ الْأَحْكَامُ الْأَرْبَعَةُ فَقَطْ لِأَنَّ أَصْلَهَا النَّدْبُ، وَمَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ النَّدْبَ لَا تَعْتَرِيهِ الْإِبَاحَةُ فَتَكُونُ وَاجِبَةً فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَنَا.
فَإِنْ قُلْت: ذَكَرَ اللَّهُ الْمَأْتِيَّ بِهِ فِي افْتِتَاحِ الْأَمْرِ ذِي الْبَالِ لِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ فِيهِ وَهُوَ الْبَسْمَلَةُ أَمْرٌ ذُو بَالٍ، فَيَحْتَاجُ فِي تَحْصِيلِ الْبَرَكَةِ فِيهِ إلَى سَبْقِ مِثْلِهِ وَيَتَسَلْسَلُ.
قُلْت: هُوَ مُحَصِّلٌ لِلْبَرَكَةِ فِيهِ كَمَا هُوَ مُحَصِّلٌ لِلْبَرَكَةِ فِيمَا افْتَتَحَ بِهِ كَالشَّاةِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا، فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ الْأَمْرِ ذِي الْبَالِ فِي الْحَدِيثِ.
اهـ. عَبْدُ الْحَقِّ.
وَأَجَابَ م د بِقَوْلِهِ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْأَمْرِ ذِي الْبَالِ أَيْضًا بِمَا يَكُونُ مَقْصُودًا لَا مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى الْمَقْصُودِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَمْرٌ ذُو بَالٍ، فَيَحْتَاجُ إلَى سَبْقِ مِثْلِهِ وَيَتَسَلْسَلُ اهـ. وَمَعْنَى الِاهْتِمَامِ بِهِ طَلَبُهُ أَوْ إبَاحَتُهُ.
فَإِنْ قُلْت: يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْقُرْآنَ إذَا لَمْ يُبْدَأْ بِالْبَسْمَلَةِ فِيهِ يَكُونُ نَاقِصًا.
أَجَابَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: بِأَنَّ الْبَرَكَةَ فِي ذَلِكَ مَعْنَاهَا دَفْعُ الشَّيْطَانِ الَّذِي يُوَسْوِسُهُ فِي الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَحْمِلَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ، أَوْ يَلْهُوَ عَنْهُ لَا أَنَّهَا تُوجِبُ لِلْقُرْآنِ صِفَةَ كَمَالٍ وَشَرَفٍ بَلْ ذَلِكَ عَائِدٌ إلَى الْقَارِئِ، فَإِذَا لَمْ يَبْدَأْ بِالْبَسْمَلَةِ كَانَ ثَوَابُهُ نَاقِصًا فَالنَّقْصُ رَاجِعٌ لِلْقَارِئِ مِنْ جِهَةِ ثَوَابِهِ لَا لِلْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَبْدَأُ فِيهِ) اُسْتُشْكِلَ الْإِتْيَانُ بِفِي مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى يَسْتَقِيمُ بِدُونِهَا.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ فِي سَبَبِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ لَا يَبْدَأُ بِبَسْمِ اللَّهِ بِسَبَبِهِ وَلِأَجْلِهِ، فَيَقْتَضِي أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْبَسْمَلَةِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لِأَجْلِ الْأَمْرِ لَا لِأَجْلِ غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ شَارِعًا فِي السَّفَرِ مَعَ الْأَكْلِ وَبَسْمَلَ لِأَجْلِ السَّفَرِ فَلَا تَحْصُلُ الْبُدَاءَةُ بِالْبَسْمَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْلِ لِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ السَّفَرِ وَبِسَبَبِهِ لَا بِسَبَبِ الْأَكْلِ شَيْخُنَا ح ف. وَالْإِشْكَالُ لَا يَرِدُ إلَّا إذَا فَسَّرَ يَبْدَأُ بِيَفْتَتِحُ، فَإِنْ فَسَّرَ بِيَشْرَعُ فَلَا إشْكَالَ.
قَوْلُهُ: (بِبَسْمِ اللَّهِ) الْبَاءُ الْأُولَى جَارَّةٌ، وَالْبَاءُ الثَّانِيَةُ جُزْءٌ مِنْ الْكَلِمَةِ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَائِبُ فَاعِلِ يَبْدَأُ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: أُدْخِلَتْ الْبَاءُ عَلَى الْبَاءِ لِأَنَّ الْبَاءَ الثَّانِيَةَ مُتَّصِلَةٌ فَنَزَلَتْ لِشِدَّةِ الْمُلَازَمَةِ مَنْزِلَةَ الْحَرْفِ مِنْ الْكَلِمَةِ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهَا الْبَاءُ الْخَافِضَةُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَقْطَعُ) هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ لَا أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِدَلِيلِ تَفْسِيرِهِ بِنَاقِصٍ، لِأَنَّ أَفْعَلَ مِنْ جُمْلَةِ أَوْزَانِ اسْمِ الْفَاعِلِ، وَهَذَا التَّرْكِيبُ وَنَحْوُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَصْلُ هُوَ كَأَقْطَعَ، وَأَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً وَهُوَ مَذْهَبُ السَّعْدِ.
وَمَيْلُ الشَّارِحِ هُنَا إلَيْهِ وَلَا جَمْعَ هُنَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، إذْ التَّقْدِيرُ هُوَ نَاقِصٌ كَالْأَقْطَعِ فَحَذَفَ الْمُشَبَّهَ وَهُوَ نَاقِصٌ بِأَنْ شَبَّهَ النَّاقِصَ بِالْأَقْطَعِ وَاسْتُعِيرَ لَهُ اسْمُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ كَوْنَهُ نَاقِصًا حِسًّا، بَلْ أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَبَرًا فِي الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (بِالْحَمْدِ لِلَّهِ) أَيْ بِالرَّفْعِ فَإِنَّ التَّعَارُضَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: رَفْعِ الْحَمْدِ وَتَسَاوِي الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَوْنِ رِوَايَةِ الْبَسْمَلَةِ بِبَاءَيْنِ، وَكَوْنِ الْبَاءِ صِلَةَ يَبْدَأُ وَأَنْ يُرَادَ بِالِابْتِدَاءِ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الِابْتِدَاءُ الْحَقِيقِيُّ.
وَقَوْلُهُ: صِلَةَ يَبْدَأُ، فَإِنْ جُعِلَتْ لِلِاسْتِعَانَةِ فَلَا تَعَارُضَ لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِشَيْءٍ لَا تُنَافِي الِاسْتِعَانَةَ بِآخَرَ، وَكَذَا إنْ جُعِلَتْ لِلْمُلَابَسَةِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ حَقِيقِيًّا) أَيْ لُغَةً فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ عُرْفًا، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: بَلْ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ.
اهـ. ق ل.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ الْمُطْلَقَ، فَبِالْبَسْمَلَةِ حَصَلَ الْحَقِيقِيُّ وَالْإِضَافِيُّ
الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ وَهِيَ النِّعَمُ الْقَاصِرَةُ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ وَهِيَ النِّعَمُ الْمُتَعَدِّيَةُ فَدَخَلَ فِي الثَّنَاءِ الْحَمْدُ وَغَيْرُهُ وَخَرَجَ بِاللِّسَانِ الثَّنَاءُ بِغَيْرِهِ كَالْحَمْدِ النَّفْسِيِّ وَبِالْجَمِيلِ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى غَيْرِ الْجَمِيلِ.
إنْ قُلْنَا بِرَأْيِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الثَّنَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَإِنْ قُلْنَا بِرَأْيِ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الظَّاهِرُ إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَيْرِ فَقَطْ فَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَحْقِيقُ الْمَاهِيَّةِ أَوْ دَفْعُ تَوَهُّمِ إرَادَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَبِالِاخْتِيَارِيِّ الْمَدْحُ
[حاشية البجيرمي]
وَبِالْحَمْدَلَةِ حَصَلَ الْإِضَافِيُّ دُونَ الْحَقِيقِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَمْدُ اللَّفْظِيُّ) أَتَى بِالِاسْمِ الْمُظْهَرِ وَهُوَ الْحَمْدُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ اللَّفْظِيُّ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا يُوصَفُ.
وَقَوْلُهُ: اللَّفْظِيُّ أَيْ الْحَادِثُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْقَسِمُ إلَى لُغَوِيٍّ وَعُرْفِيٍّ أج.
قَوْلُهُ: (لُغَةً) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ لُغَةً أَيْ مُنْدَرِجًا فِي اللُّغَةِ أَيْ فِي الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ، إذْ اللُّغَةُ الْأَلْفَاظُ الْعَرَبِيَّةُ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ سَمَاعِيًّا لِأَنَّهُ لِكَثْرَتِهِ فِي كَلَامِهِمْ أَشْبَهَ الْقِيَاسِيَّ.
قَوْلُهُ: (بِاللِّسَانِ) ذُكِرَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِأَنَّ الثَّنَاءَ الذِّكْرُ بِخَيْرٍ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ، وَالْمُرَادُ بِاللِّسَانِ آلَةُ النُّطْقِ لَا خُصُوصُ الْجَارِحَةِ، فَلَوْ أَوْدَعَ اللَّهُ فِي يَدِ إنْسَانٍ قُوَّةَ النُّطْقِ فَنَطَقَتْ بِهِ كَانَ حَمْدًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْجَمِيلِ) سَوَاءٌ كَانَ جَمِيلًا عِنْدَ الْحَامِدِ أَوْ الْمَحْمُودِ قِيلَ أَوْ غَيْرِهِمَا اج.
" وَعَلَى " فِي قَوْلِهِ عَلَى الْجَمِيلِ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ لِأَجْلِ الْجَمِيلِ.
قَوْلُهُ (الِاخْتِيَارِيِّ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، أَوْ يُقَالُ الِاخْتِيَارِيُّ هُوَ أَوْ أَثَرُهُ لِيَدْخُلَ الْحَمْدُ عَلَى صِفَاتِهِ تَعَالَى الذَّاتِيَّةِ، فَإِنَّهَا اخْتِيَارِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقَاتِهَا وَهِيَ الْمَقْدُورَاتُ وَالْمُرَادَاتُ وَالْمَعْلُومَاتُ وَالْمَسْمُوعَاتُ وَالْمُبْصَرَاتُ، وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الِاخْتِيَارِيَّ لَا يَشْمَلُ صِفَاتِ اللَّهِ لِإِشْعَارِهِ بِالْحُدُوثِ.
وَأَجَابَ شَيْخُنَا الْجَوْهَرِيُّ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالِاخْتِيَارِيِّ مَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ فَيَشْمَلُ صِفَاتِ الْبَارِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ) حَالٌ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ مَجِيءِ الْحَالِ مِنْ الْخَبَرِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ، وَعَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ أَيْ تَمَكُّنِ ذَلِكَ الثَّنَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ، أَوْ بِمَعْنَى " مَعَ " وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ عَلَى جِهَةٍ هِيَ التَّعْظِيمُ، فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ عَلَى فِي قَوْلِهِ عَلَى الْجَمِيلِ لِلتَّعْلِيلِ، وَالثَّانِيَةُ لِلِاسْتِعْلَاءِ الْمَجَازِيِّ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ تَعَلَّقَ) أَيْ وَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ الْفَضَائِلِ، وَسَوَاءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَتَعَلَّقَ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ أَيْ تَعَلُّقُهُ بِالْفَضَائِلِ وَالْفَوَاضِلِ، سَوَاءٌ فِي أَنَّ الثَّنَاءَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا حَمِدَ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَكَوْنُ أَمْ بِمَعْنَى الْوَاوِ بَعِيدٌ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيرُ إنْ بَعْدَ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ إنْ تَعَلَّقَ بِالْفَضَائِلِ أَمْ بِالْفَوَاضِلِ فَالْأَمْرَانِ سَوَاءٌ، فَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَحَذْفٌ، وَالْمُرَادُ بِالْفَضَائِلِ النِّعَمُ الْقَاصِرَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا يَتَوَقَّفُ الِاتِّصَافُ بِهَا عَلَى تَعَدِّي أَثَرِهَا لِلْغَيْرِ كَالْعِلْمِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُوصَفُ بِالْعِلْمِ وَإِنْ لَمْ يُعَلِّمْ كَالطَّالِبِ الَّذِي يُعْلَمُ عِلْمُهُ مِنْ سُؤَالِهِ أَوْ مِنْ كَلَامِهِ، وَالْفَوَاضِلُ جَمْعُ فَاضِلَةٍ وَهِيَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ الِاتِّصَافُ بِهَا عَلَى تَعَدِّي أَثَرِهَا لِلْغَيْرِ كَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوصَفُ بِالْكَرَمِ إلَّا بِالْإِعْطَاءِ، وَلَا بِالشَّجَاعَةِ إلَّا بِالْإِقْدَامِ عَلَى الْمَهَالِكِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنْ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ وَبِالْكَرَمِ الْمَلَكَةُ كَانَا مِنْ النِّعَمِ الْقَاصِرَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا الْأَثَرُ كَالتَّعْلِيمِ وَالْإِعْطَاءِ كَانَا مِنْ الْمُتَعَدِّيَةِ.
قَالَ الإطفيحي: وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ الْكَرَمِ وَالْعِلْمِ وَالشَّجَاعَةِ بِأَثَرِهَا لِتَكُونَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا كَالْإِعْطَاءِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْعَدُوِّ فِي الْمَعَارِكِ لِأَنَّهَا كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَلَكَةِ تُطْلَقُ عَلَى آثَارِهَا.
وَفِي الْفَنَارِيِّ عَلَى الْمُطَوَّلِ: وَاعْلَمْ أَنَّ سَوَاءً بِمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ يُوصَفُ بِهِ كَمَا يُوصَفُ بِالْمَصَادِرِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا﴾ [آل عمران: 64] قَوْلُهُ: (إنْ قُلْنَا بِرَأْيِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ) وَمُسْتَنَدُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَهُوَ شَرٌّ» اهـ. وَهَذَا إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَوْ كَانَ التَّقْيِيدُ بِالْجَمِيلِ فِي الْمَحْمُودِ بِهِ كَأَنْ يُقَالَ الثَّنَاءُ بِالْجَمِيلِ عَلَى الْجَمِيلِ، وَأَمَّا حَيْثُ كَانَ فِي الْمَحْمُودِ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَلَعَلَّ الشَّارِحَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْمَحْمُودُ عَلَيْهِ بِالْمَحْمُودِيَّةِ.
فَالْحَاصِلُ؛ أَنَّهُ يَحْتَاجُ لِقَوْلِهِ عَلَى الْجَمِيلِ، وَلَوْ قُلْنَا الثَّنَاءُ خَاصٌّ بِالْخَبَرِ، وَمَنْ يَقُولُ إنَّ الثَّنَاءَ حَقِيقَةٌ فِي الْخَيْرِ فَقَطْ
فَإِنَّهُ يَعُمُّ الِاخْتِيَارِيَّ وَغَيْرَهُ تَقُولُ مَدَحْت اللُّؤْلُؤَةَ عَلَى حُسْنِهَا دُونَ حَمِدْتهَا وَبِعَلَى جِهَةِ التَّبْجِيلِ مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ نَحْوَ ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] وَعُرْفًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذِكْرًا بِاللِّسَانِ أَمْ اعْتِقَادًا وَمَحَبَّةً بِالْجَنَانِ أَوْ عَمَلًا وَخِدْمَةً بِالْأَرْكَانِ كَمَا قِيلَ
[حاشية البجيرمي]
يَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: " وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا " مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ.
قَوْلُهُ: (فَفَائِدَةُ ذَلِكَ) أَيْ ذِكْرِ الْجَمِيلِ.
وَقَوْلُهُ: (تَحْقِيقُ الْمَاهِيَّةِ) أَيْ مَاهِيَّةِ الْحَمْدِ بِذِكْرِ قُيُودِهَا.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ دَفْعُ تَوَهُّمِ إرَادَةِ الْجَمْعِ إلَخْ) أَيْ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْجَمِيلَ لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّنَاءِ مَا يَشْمَلُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ.
قَوْلُهُ: (تَحْقِيقُ الْمَاهِيَّةِ) أَيْ مَاهِيَّةِ الْحَمْدِ لَا لِلِاحْتِرَازِ قَوْلُهُ: (عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ) وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَتْبَاعُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَرِينَةَ الْمَجَازِ مَانِعَةٌ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَكَيْفَ الْجَمْعُ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْبَيَانِيِّينَ وَالشَّافِعِيُّ جَرَى عَلَى مَذْهَبِ الْأُصُولِيِّينَ، وَهُمْ لَا يَشْتَرِطُونَ كَوْنَ قَرِينَةِ الْمَجَازِ مَانِعَةً مِنْ الْحَقِيقَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَعُمُّ إلَخْ) فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ مُطْلَقٌ وَفِي صِحَّةِ الْإِخْرَاجِ حِينَئِذٍ نَظَرٌ، إذْ الْمَخْرَجُ بِالْقَيْدِ ضِدُّهُ وَالْمَدْحُ لَيْسَ ضِدًّا لِلِاخْتِيَارِيِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِالِاخْتِيَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (دُونَ حَمِدْتهَا) بِكَسْرِ الْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، فَقَوْلُ الْمَلَائِكَةِ ذَلِكَ لَهُ مَجَازٌ وَالْعَلَاقَةُ الضِّدْيَةُ فَلَا كَذِبَ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِهْزَاءِ بِأَنْ لَا يَعْتَقِدَ الْحَامِدُ كَمَالَ الْمَحْمُودِ.
قَالَ ح ل: وَالرَّاجِحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ اعْتِقَادِ الْجِنَانِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ الْحَامِدُ عَدَمَ اتِّصَافِ الْمَحْمُودِ بِمَا أَثْنَى بِهِ عَلَيْهِ كَانَ حَمْدًا كَمَا تَقَدَّمَ، فَالْمَدَارُ عَلَى ظُهُورِ قَصْدِ التَّعْظِيمِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَقْصِدُ بِهِ لِلتَّعْظِيمِ غَالِبًا مَعَ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِمَا يُخَالِفُهُ ظَاهِرًا اهـ. وَقَوْلُهُ: بِمَا يَقْصِدُ بِهِ التَّعْظِيمَ بَلْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا شَرْعًا، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
نَهَبْت مِنْ الْأَعْمَارِ مَا لَوْ حَوَيْته ... لَهَنِئَتْ الدُّنْيَا بِأَنَّك خَالِدٌ
قَوْلُهُ: (وَالسُّخْرِيَةِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَكَسْرِهَا.
قَوْلُهُ: (ذُقْ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ لِلْكَافِرِ فِي النَّارِ، وَوَصْفُهُ بِالْعِزَّةِ وَالْكَرَمِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا ق ل. وَكَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ لَوْلَا اعْتِبَارُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَانَ كَذِبًا، وَالْمَلَائِكَةُ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ.
وَيُرَدُّ بِأَنَّ السُّخْرِيَةَ دَافِعَةٌ لِذَلِكَ م د. وَفِيهِ أَنَّ السُّخْرِيَةَ لَا تَدْفَعُ الْكَذِبَ فَيَكُونُ سُخْرِيَةً بِكَذِبٍ، وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ فِي التَّفْسِيرِ: ﴿ذُقْ﴾ [الدخان: 49] أَيْ الْعَذَابَ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] بِزَعْمِك.
وَقَوْلُك: مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا أَعَزُّ وَأَكْرَمُ مِنِّي، وَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان: 50] وَذَكَرَ فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: 43] ﴿طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان: 44] أَيْ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ ذَوِي الْإِثْمِ الْكَبِيرِ اهـ.
وَفِي الْخَازِنِ مَا نَصُّهُ: ﴿ذُقْ﴾ [الدخان: 49] أَيْ هَذَا الْعَذَابَ.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] أَيْ عِنْدَ قَوْمِك بِزَعْمِك، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَنَا أَعَزُّ الْبَوَادِي وَأَكْرَمُهُمْ، فَيَقُولُ لَهُ خَزَنَةُ النَّارِ، هَذَا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِخْفَافِ وَالتَّوْبِيخِ.
قَوْلُهُ: (وَعُرْفًا) مَعْطُوفٌ عَلَى لُغَةً أَيْ وَالْحَمْدُ اللَّفْظِيُّ عُرْفًا إلَخْ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ: فِعْلٌ إلَخْ.
يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّ فِعْلَ الْأَعْضَاءِ وَالْقَلْبِ لَا يَكُونُ لَفْظِيًّا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَمْدِ اللَّفْظِيِّ الْحَادِثُ فَيَشْمَلُ مَا ذُكِرَ وَالْعُرْفُ وَالِاصْطِلَاحُ مُتَسَاوِيَانِ، وَقِيلَ الِاصْطِلَاحُ هُوَ الْعُرْفُ الْخَاصُّ وَهُوَ مَا تَعَيَّنَ نَاقِلُهُ، وَالْعُرْفُ إذَا أُطْلِقَ فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَهُوَ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ نَاقِلُهُ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْمُرَادُ مِنْ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى غَيْرِ لُغَوِيٍّ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الشَّرْعِيُّ مَجَازًا عَلَى مَا كَانَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَلَيْسَ مُسْتَفَادًا مِنْ الشَّارِعِ.
قَوْلُهُ: (فِعْلٌ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ فِعْلُ اللِّسَانِ وَالِاعْتِقَادَ فِعْلُ الْقَلْبِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَى شُذُورِ ابْنِ هِشَامٍ: وَقَدْ أُولِعَ الْفُقَهَاءُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّ بَعْدَ حَيْثُ وَهُوَ لَحْنٌ فَاحِشٌ فَإِنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا
أَفَادَتْكُمْ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا
وَالشُّكْرُ لُغَةً هُوَ الْحَمْدُ عُرْفًا، وَعُرْفًا صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِ مِنْ السَّمْعِ وَغَيْرِهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ.
وَالْمَدْحُ لُغَةً الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ مُطْلَقًا عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ، وَعُرْفًا مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَمْدُوحِ بِنَوْعٍ
[حاشية البجيرمي]
إلَى الْجُمْلَةِ، وَأَنَّ الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ وَمَعْمُولَاهَا فِي تَأْوِيلِ الْمُفْرَدِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْحَامِدِ) فِيهِ دَوْرٌ، لِأَنَّ الْحَامِدَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَمْدِ، وَالْحَمْدُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْحَامِدِ لِكَوْنِهِ مَأْخُوذًا فِي تَعْرِيفِهِ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لَفْظِيٌّ، أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ حَيْثُ إلَخْ خَارِجٌ عَنْ التَّعْرِيفِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْحَامِدِ ذَاتِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ حَامِدًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ لِلْغَيْرِ خُصُوصِيَّةٌ بِالْحَامِدِ كَوَلَدِهِ وَصَدِيقِهِ أَوْ لَا وَلَوْ كَافِرًا ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَمَحَبَّةً) عَطْفُ مُغَايِرٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاعْتِقَادِ الْمَحَبَّةُ وَلَا الْعَكْسُ، وَالْأَوْلَى حَذْفُهُ أَيْ حَذْفُ قَوْلِهِ وَمَحَبَّةً قَوْلُهُ: (وَخِدْمَةً) عَطْفُ مُرَادِفٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْأَرْكَانِ) أَيْ غَيْرِ اللِّسَانِ قَوْلُهُ: (كَمَا قِيلَ إلَخْ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَفَادَتْكُمْ) أَيْ أَوْصَلَتْكُمْ مِنِّي النِّعْمَةُ الصَّادِرَةُ مِنْكُمْ أَعْمَالًا ثَلَاثَةً، فَالنَّعْمَاءُ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُخْتَارِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ بِمَعْنَى النِّعَمِ، وَمِنِّي مُتَعَلِّقٌ بِأَفَادَتْكُمْ.
وَقَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَعْمَالٌ ثَلَاثَةٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْوُسْطَى وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ إذْ لَمْ يُطْلِقْ الشَّاعِرُ لَفْظَ الْحَمْدِ عَلَى الثَّلَاثَةِ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِلَفْظِهِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِدْلَالًا مَعْنَوِيًّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ أَعْمَالَ الثَّلَاثَةِ جَزَاءً لِلنِّعْمَةِ، وَكُلُّ جَزَاءٍ لِلنِّعْمَةِ فَهُوَ حَمْدٌ عُرْفًا فَيَنْتِجُ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ أَعْمَالِ الثَّلَاثَةِ حَمْدٌ عُرْفًا وَهُوَ ظَرِيفٌ فَاحْفَظْهُ.
قَوْلُهُ: (يَدِي) أَيْ أَعْمَالُ يَدِي بِالْإِشَارَةِ بِهَا، وَكَذَا يُقَدَّرُ الْمُضَافُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالضَّمِيرُ الْمُحَجَّبَا) أَيْ الْقَلْبُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الضَّمِيرِ فَهُوَ مِنْ إطْلَاقِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ اهـ م د. وَهَذَا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ كَلَامُ الشَّاعِرِ مُحْتَمَلٌ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ أَفَادَتْكُمْ إلَخْ أَنَّ نِعْمَتَكُمْ عَلَيَّ مَلَّكَتْكُمْ مِنِّي أَعْضَائِي الثَّلَاثَةَ فَهُوَ كَمَا قَالَ الْمُحَشِّي، وَيَكُونُ مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْإِنْسَانُ يُمْلَكُ بِالْإِحْسَانِ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الشَّاعِرِ أَنَّ نِعْمَتَكُمْ عَلَيَّ مَلَّكَتْكُمْ مِنِّي أَعْمَالَ جَوَارِحِي وَخِدْمَتِي لَكُمْ كَانَ التَّقْدِيرُ عَمَلَ يَدِي وَخِدْمَتِي بِهَا، وَذِكْرِي بِلِسَانِي وَضَمِيرِ قَلْبِي أَيْ مَحَبَّتِي وَاعْتِقَادِي، وَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ مَعْنَى هَذَا الثَّانِي فَيَكُونُ الضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَفِي الْأَوَّلِ مِنْ الْمَجَازِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ عَلَى مَا عَرَفْته.
قَوْلُهُ: (وَالشُّكْرُ إلَخْ) لَمَّا كَانَ الشُّكْرُ وَالْحَمْدُ أَخَوَيْنِ وَذِكْرُ الْحَمْدِ احْتَاجَ إلَى تَعْرِيفِ الشُّكْرِ فَهُوَ اسْتِطْرَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (صَرْفُ الْعَبْدِ) أَيْ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْعَبْدُ أَعْضَاءَهُ وَمَعَانِيَهُ فِيمَا طَلَبَ الشَّارِعُ اسْتِعْمَالَهَا مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَسَمَاعِ نَحْوِ عِلْمٍ وَهَكَذَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ق ل. قَالَ سم: إذَا صَرَفَ الْعَبْدُ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ سُمِّيَ شَكُورًا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] وَإِذَا صَرَفَهَا فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ سُمِّيَ شَاكِرًا.
قَالَ شَيْخُنَا ع ش: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُ صَرْفِهَا كُلِّهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ بِمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً مُتَفَكِّرًا فِي مَصْنُوعَاتِهِ عَزَّ وَجَلَّ، نَاظِرًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِئَلَّا يَزِلَّ بِالْمَيِّتِ مَاشِيًا بِرِجْلَيْهِ إلَى الْقَبْرِ شَاغِلًا لِسَانَهُ بِالذِّكْرِ، وَأُذُنَهُ بِاسْتِمَاعِ مَا فِيهِ ثَوَابٌ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ اهـ إطفيحي.
وَبَقِيَ ذِكْرُ الْآدَمِيِّ فَانْظُرْ أَيَّ شَيْءٍ يَكُونُ مَصْرُوفًا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَعُرْفًا مَا يَدُلُّ) أَيْ مِنْ فِعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ، وَقَدْ نَظَمَ الْعَلَّامَةُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ النَّسَبَ بَيْنَهَا فَقَالَ:
إذَا نَسَبَا لِلْحَمْدِ وَالشُّكْرِ رُمْتهَا ... بِوَجْهٍ لَهُ عَقْلُ اللَّبِيبِ يُوَالِفُ
فَشُكْرٌ لَدَى عُرْفٍ أَخُصُّ جَمِيعَهَا ... وَفِي لُغَةٍ لِلْحَمْدِ عُرْفًا يُرَادِفُ
عُمُومٌ لِوَجْهٍ فِي سِوَاهُنَّ نِسْبَةٌ ... فَذِي نَسَبٍ سِتٌّ لِمَنْ هُوَ عَارِفُ
أَيْ إنَّ الشُّكْرَ الِاصْطِلَاحِيَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ أَعْنِي الْحَمَدَيْنِ وَالشُّكْرَ اللُّغَوِيَّ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ نِسَبٍ، وَبَيْنَ الشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ وَالْحَمْدِ الْعُرْفِيِّ التَّرَادُفُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَفِي لُغَةٍ أَيْ: وَالشُّكْرُ فِي اللُّغَةِ يُرَادِفُ الْحَمْدَ
مِنْ الْفَضَائِلِ وَجُمْلَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى لِحُصُولِ الْحَمْدِ بِالتَّكَلُّمِ مَعَ الْإِذْعَانِ لِمَدْلُولِهَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً شَرْعًا لِلْإِنْشَاءِ وَالْحَمْدُ مُخْتَصٌّ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ سَوَاءٌ أَجَعَلْت فِيهِ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَمْ لِلْجِنْسِ كَمَا عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ لِأَنَّ لَامَ لِلَّهِ لِلِاخْتِصَاصِ فَلَا فَرْدَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ تَعَالَى أَمْ لِلْعَهْدِ كَاَلَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40] كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَجَازَهُ الْوَاحِدِيُّ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْحَمْدَ الَّذِي حَمِدَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَحَمِدَهُ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ مُخْتَصٌّ بِهِ وَالْعِبْرَةُ بِحَمْدِ مَنْ ذُكِرَ فَلَا فَرْدَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ وَأَوْلَى الثَّلَاثَةِ الْجِنْسُ وَقَوْلُهُ بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ مَعْنَاهُ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهِمْ إذْ كُلٌّ مِنْهَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ
[حاشية البجيرمي]
عُرْفًا، فَهَذِهِ نِسْبَةٌ رَابِعَةٌ.
وَبَيْنَ الْحَمْدِ اللُّغَوِيِّ وَالِاصْطِلَاحِيِّ، وَكَذَا بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ يَجْتَمِعَانِ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ فِي ثَنَاءٍ بِلِسَانٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ فِي ثَنَاءٍ بِغَيْرِ لِسَانٍ فِي مُقَابَلَةِ إحْسَانٍ، فَهَاتَانِ نِسْبَتَانِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْإِذْعَانِ إلَخْ) لَا وَجْهَ لَهُ لِمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ أَنَّ الْوَصْفَ بِالْجَمِيلِ الْمَعْلُومِ الِانْتِفَاءِ إذَا قَارَنَهُ التَّعْظِيمُ حَمِدَ فَلْيُتَأَمَّلْ اج.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاعْتِقَادِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ) أَيْ لِكَوْنِ الْمُبْتَدَأِ فِيهَا مُعَرَّفًا بِأَلْ الْجِنْسِيَّةِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ:
مُبْتَدَأٌ فَاللَّامُ جِنْسٍ عُرِّفَا ... مُنْحَصِرٌ فِي مُخْبَرٍ بِهِ وَفَا
وَإِنْ عَرِيَ عَنْهَا وَعُرِّفَ الْخَبَرْ ... بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَعَكْسُ ذَا اسْتَقَرَّ
أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْخَبَرُ جَامِدًا أَوْ مُشْتَقًّا.
وَقَوْلُهُ: كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ فِيهِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمَعْنَى وَالْحَمْدُ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ فِي الْوَاقِعِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْجُمْلَةُ الْمَلْفُوظُ بِهَا.
وَأُجِيبُ أَيْضًا: بِأَنَّ الْكَافَ تَعْلِيلِيَّةٌ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ لِإِفَادَةِ الْجُمْلَةِ لَهُ أَيْ بِوَاسِطَةِ تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ فِيهَا بِأَلْ فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ كَذَلِكَ أَفَادَتْ قَصْرَ مُبْتَدَئِهَا عَلَى خَبَرِهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ أَلْ اسْتِغْرَاقِيَّةً أَوْ جِنْسِيَّةً أَوْ عَهْدِيَّةً.
وَقَدْ تُعُقِّبَ فِي قَوْلِهِ فَاللَّامُ جِنْسٍ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا لَا يَصِحُّ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ بِاللَّامِ مُطْلَقًا، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ سَوَاءٌ أَجُعِلَتْ أَلْ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَخْ.
وَفِي كَوْنِ أَلْ لِلِاسْتِغْرَاقِ مَعَ كَوْنِ الْجُمْلَةِ إنْشَائِيَّةً نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يُقْدَرُ عَلَى إنْشَاءِ جَمِيعِ الْمَحَامِدِ، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا عَلَى كَوْنِهَا خَبَرِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الِاخْتِصَاصُ عَلَى دَعْوَى الِاسْتِغْرَاقِ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (لِلِاخْتِصَاصِ) أَيْ لِتَوْكِيدِهِ وَإِلَّا فَالِاخْتِصَاصُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْجُمْلَةِ بِوَاسِطَةِ تَعْرِيفِ الْمُبْتَدَأِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (أَمْ لِلْعَهْدِ) أَيْ الْعِلْمِيِّ لِتَقَدُّمِ مَرْجِعِهِ فِي عِلْمِ الْمُخَاطَبِ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى الثَّلَاثَةِ الْجِنْسُ) أَيْ لِأَنَّهُ يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى ثُبُوتِ جَمِيعِ الْمَحَامِدِ لَهُ تَعَالَى فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بُرْهَانِيٌّ وَهُوَ كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ الَّتِي هِيَ أَوْلَى مِنْ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ.
وَقَوْلُنَا كَدَعْوَى الشَّيْءِ أَيْ وَهُوَ اخْتِصَاصُ الْأَفْرَادِ وَالْبَيِّنَةُ هِيَ اخْتِصَاصُ الْجِنْسِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ اخْتِصَاصِ الْجِنْسِ اخْتِصَاصُ أَفْرَادِهِ، فَالْمُدَّعَى اخْتِصَاصُ الْأَفْرَادِ وَالْبَيِّنَةُ اخْتِصَاصُ الْجِنْسِ، فَالْمَعْنَى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْحَمْدِ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ لِأَنَّ جِنْسَ الْحَمْدِ أَيْ حَقِيقَتَهُ مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي الْمَعْنَى الْكِنَائِيِّ أَنَّ الْمَنْطُوقَ بِهِ هُوَ الدَّلِيلُ كَمَا فِي قَوْلِك: زَيْدٌ كَثِيرُ الرَّمَادِ الْمَعْنَى زَيْدٌ كَرِيمٌ لِأَنَّهُ كَثِيرُ الرَّمَادِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ثَمَانِيَةُ أَحْرُفٍ وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ، فَمَنْ قَالَهَا عَنْ صَفَاءِ قَلْبٍ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ أَيْ يُخَيَّرُ بَيْنَهَا إكْرَامًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَخْتَارُ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَدْخُلُ مِنْهُ.
فَائِدَةٌ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَحَامِدَ أَرْبَعَةٌ: حَمْدَانِ قَدِيمَانِ وَهُمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى لِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: 40] وَحَمْدُهُ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30] وَحَمْدَانِ حَادِثَانِ وَهُمَا حَمْدُنَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَقَوْلِك: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَحَمْدُنَا لِبَعْضِنَا كَقَوْلِك: نِعْمَ الرَّجُلُ فُلَانٌ.
وَتَعْرِيفُ الشَّارِحِ خَاصٌّ بِالْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ذَكَرَهُ الدُّلَجِيُّ.
قَوْلُهُ: (بِالْجَرِّ عَلَى الصِّفَةِ) وَيَجُوزُ قَطْعُهُ إلَى الرَّفْعِ أَوْ النَّصْبِ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَالْجَمْعُ رُبُوبٌ وَأَرْبَابٌ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَقُرِئَ شَاذًّا بِالنَّصْبِ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ عَلَى الْمَدْحِ، وَقِيلَ هُوَ عَلَى النِّدَاءِ أَيْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَفِيهِ بُعْدٌ.
عَالَمٌ يُقَالُ عَالَمُ الْإِنْسِ وَعَالَمُ الْجِنِّ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَسُمِّيَ الْمَالِكُ بِالرَّبِّ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ مَا يَمْلِكُهُ وَيُرَبِّيهِ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا مُقَيَّدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: 50] .
وَقَوْلُهُ: (الْعَالَمِينَ) اسْمُ جَمْعِ عَالَمٍ بِفَتْحِ اللَّامِ وَلَيْسَ جَمْعًا لَهُ لِأَنَّ الْعَالَمَ عَامٌّ فِي الْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَالْعَالَمِينَ مُخْتَصٌّ بِالْعُقَلَاءِ وَالْخَاصُّ لَا يَكُونُ جَمْعًا لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَوْضِيحِهِ وَذَهَبَ كَثِيرٌ إلَى أَنَّهُ جَمْعُ عَالَمٍ عَلَى حَقِيقَةِ الْجَمْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْعَالَمِ الَّذِي جُمِعَ هَذَا الْجَمْعَ؛ فَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّهُ أَصْنَافُ الْخَلْقِ الْعُقَلَاءِ، وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ، وَذَهَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إلَى أَنَّهُ أَصْنَافُ الْعُقَلَاءِ فَقَطْ وَهُمْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ.
ثُمَّ قَرَنَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الثَّنَاءَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (مَعْنَاهُ) أَيْ مَعَ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ، وَهَذَا أَحَدُ إطْلَاقَاتِهِ وَإِلَّا فَمَعَانِيهِ كَثِيرَةٌ.
فَمِنْهَا الْمُصْلِحُ وَالْمُرَبِّي وَالْخَالِقُ وَالسَّيِّدُ وَالْمَعْبُودُ، وَمَعَ كَثْرَتِهَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ أَكْثَرِهَا فِيهِ سُبْحَانَهُ وَهُوَ مَقْرُونًا بِأَلْ يَخْتَصُّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ع ش. قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ: وَوُجُوهُ تَرْبِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ لَا يُحِيطُ بِهَا غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَمِنْهَا تَرْبِيَةُ النُّطْفَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ حَتَّى تَصِيرَ عَلَقَةً، ثُمَّ تَصِيرَ مُضْغَةً، ثُمَّ يَصِيرَ مِنْهَا عِظَامًا أَوْ غَيْرَهَا.
قَوْلُهُ: (اسْمُ جَمْعٍ) أَيْ اسْمٌ دَالٌّ عَلَى جَمَاعَةٍ وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقَوْمِ أَلْفَاظًا أَرْبَعَةً كُلَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ جَمْعٌ وَاسْمُ جَمْعٍ وَاسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ وَاسْمُ جِنْسٍ إفْرَادِيٌّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الْجَمْعَ يَدُلُّ عَلَى أَفْرَادِهِ دَلَالَةَ تَكْرَارِ الْوَاحِدِ بِالْعَطْفِ، وَاسْمُ الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَيْهَا دَلَالَةَ الْكُلِّ عَلَى أَجْزَائِهِ كَقَوْمٍ وَرَهْطٍ، وَاسْمُ الْجِنْسِ الْجَمْعِيُّ مَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ، وَاسْمُ الْجِنْسِ الْإِفْرَادِيُّ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ مِنْ كَثْرَةٍ أَوْ قِلَّةٍ فَيَصْدُقُ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَمَاءٍ وَتُرَابٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حَقِيقَةِ الْجَمْعِ) أَيُّ جَمْعٍ حَقِيقَةً وَجَمْعُهُ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ أَوْ الْيَاءِ وَالنُّونِ شَاذٌّ لِأَنَّ مُفْرَدَهُ اسْمُ جِنْسٍ لَا عَلَمٌ وَلَا صِفَةٌ أَيْ: فَهُوَ فِي حَالِ الْجَمْعِيَّةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَعَمِّ أَيْضًا، فَتَسَاوَى الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ فِي الْعُمُومِ، وَفَائِدَتُهُ التَّنْصِيصُ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ إرَادَةُ نَوْعٍ خَاصٍّ، وَكَذَا يُقَالُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالْعُقَلَاءِ، وَفِي النُّكَتِ السُّيُوطِيَّةِ وَعَالَمُونَ الصَّوَابُ أَنَّهُ عَلَى الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ جَمْعٌ لَا اسْمُ جَمْعٍ، فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْعُمُومُ لِلْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ وَمُفْرَدُهُ وَإِنْ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ فِيهِ مَعْنَى الْوَصْفِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ صَانِعِهِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اخْتَلَفُوا) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ جَمْعٌ حَقِيقَةً ق ل.
قَوْلُهُ: (فَقَطْ) فَتَسَاوَى الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ فِي الْخُصُوصِ وَعِبَارَةُ الشَّبْرَخِيتِيِّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَلَمِ فَيَخْتَصُّ بِذَوِيهِ، أَوْ الْعَلَامَةِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُوجِدِهِ.
وَأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْعَالَمِينَ فَقَالَ قَتَادَةَ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ عِبَارَةٌ عَمَّا يَعْقِلُ وَهُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلَائِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ نِصْفُهَا فِي الْبَرِّ وَنِصْفُهَا فِي الْبَحْرِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عَالَمًا حُفَاةً عُرَاةً لَا يَعْرِفُونَ خَالِقَهُمْ وَسِتُّونَ عَالَمًا يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لِلَّهِ عِشْرُونَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إلَّا كَفُسْطَاطٍ ضُرِبَ فِي الصَّحْرَاءِ.
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا مِنْ شَرْقِهَا إلَى غَرْبِهَا عَالَمٌ وَاحِدٌ، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ قَالَ: الْعَالَمِينَ هُمْ الْمَلَائِكَةُ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ مَلِكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةِ مَلَكٍ بِالْمَغْرِبِ وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةِ مَلَكٍ بِالْمَشْرِقِ وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ بِالْكَنَفِ الثَّالِثِ مِنْ الدُّنْيَا، وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ بِالْكَنَفِ الرَّابِعِ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ كُلِّ مَلَكٍ مِنْ الْأَعْوَانِ مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ وَرَائِهِمْ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالرُّخَامِ عَرْضُهَا مَسِيرَةُ الشَّمْسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا طُولُهَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى مَمْلُوءَةٌ مَلَائِكَةً يُقَالُ لَهُمْ الرُّوحَانِيُّونَ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، لَوْ كُشِفَ عَنْ صَوْتِ أَحَدِهِمْ لَهَلَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ مِنْ هَوْلِ صَوْتِهِ مُنْتَهَاهُمْ إلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ.
وَقَالَ مُعَاذٌ: هُمْ بَنُو آدَمَ فَقَطْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ.
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر: 31]
بِقَوْلِهِ: (وَصَلَّى اللَّهُ) وَسَلَّمَ (عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي
[حاشية البجيرمي]
اهـ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَرَنَ إلَخْ) الْمُرَادُ بِمُقَارَنَةِ لَفْظٍ لِلَفْظٍ كَوْنُهُ عَقِبَهُ لَا لِاتِّحَادٍ فِي الزَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (الثَّنَاءَ عَلَى نَبِيِّهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَارٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَوْجَرِيِّ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِسْمِ الثَّنَاءِ لَا مِنْ قِسْمِ الدُّعَاءِ.
وَأَمَّا شَيْخُ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ جَرَى عَلَى أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الدُّعَاءِ فِي الْقُنُوتِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمِنْهُ أَيْ الدُّعَاءِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهَا ثَنَاءً وَدُعَاءً، إذْ الثَّنَاءُ هُوَ الذِّكْرُ بِخَيْرٍ وَلَا شَكَّ أَنَّهَا كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ ح ل ثُمَّ عَمِلَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ» أَيْ مَنْ كَتَبَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ فِي كِتَابٍ وَتَلَفَّظَ بِهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَتَبَ شَيْئًا تَلَفَّظَ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ قَالَ الْمُصَنِّفُ كَذَا، وَالْحَاصِلُ مِنْهُ الْكِتَابَةُ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى اللَّهُ إلَخْ) آثَرَ الْجُمْلَةَ الْفِعْلِيَّةَ هُنَا الدَّالَّةَ عَلَى التَّجَدُّدِ لِحُدُوثِ الْمَسْئُولِ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَأَتَى بِالْفِعْلِ مَاضِيًا رَجَاءَ تَحْقِيقِ حُصُولِ الْمَسْئُولِ بِخِلَافِ جُمْلَةِ الْحَمْدِ حَيْثُ آثَرَ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ لِمُنَاسَبَةِ الصِّفَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ الثَّابِتَةِ، وَالْقَصْدُ بِالصَّلَاةِ الدُّعَاءُ لِأَنَّ الْكَامِلَ يَقْبَلُ زِيَادَةَ التَّرَقِّي فِي غَايَاتِ الْكَمَالِ، فَانْدَفَعَ زَعْمُ جَمْعٍ امْتِنَاعَ الدُّعَاءِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقِبَ نَحْوِ خَتْمِ الْقُرْآنِ بِاَللَّهُمِ اجْعَلْ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ يَتَضَاعَفُ لَهُ نَظِيرُهَا لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً لَا تُحْصَى زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ ش م ر. وَأَتَى بِعَلَى لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ رَحْمَةً تَلِيقُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْعَطْفِ وَعَطَفَ الصَّلَاةَ عَلَى الْحَمْدِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ اهـ اج.
وَجُمْلَةُ الصَّلَاةِ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى، وَأَتَى بِالْمَاضِي لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَشْبِيهِ الصَّلَاةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ بِالصَّلَاةِ الْمَاضِيَةِ فِي تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ، ثُمَّ اُشْتُقَّ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَاضِيَةِ صَلَّى بِمَعْنَى يُصَلِّي فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ م د.
وَقَالَ سم: تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَنْسَبُ الْإِتْيَانَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِيَحْصُلَ التَّنَاسُبُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ وَلَعَلَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَا زِيَادَةُ التَّجَدُّدِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ فِي صَدْرِ الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ حَدَثَ فِي زَمَنِ وِلَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ مَضَى الْعَمَلُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَخْتِمُ بِهِمَا الْكُتُبَ أَيْضًا، وَفِي حَوَاشِي التَّلْخِيصِ حِكْمَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَبَادِي الْكُتُبِ وَالْحَاجَاتِ أَنَّ الْفَاعِلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِجَانِبِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيَسْأَلَهُ إفَاضَةَ طِلْبَتِهِ وَإِنْجَاحَ بُغْيَتِهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نَوْعِ مُلَاءَمَةٍ وَقُرْبٍ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْمُلَاءَمَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّنَا لِكَوْنِنَا مُتَدَنِّسِينَ بِأَدْنَاسِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الْجِسْمِيَّةِ وَذَاتُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فِي غَايَةِ التَّقَدُّسِ وَالتَّطَهُّرِ، فَاحْتَجْنَا إلَى وَاسِطَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مُتَجَرِّدَةٍ عَنْ تِلْكَ الْأَدْنَاسِ، وَتِلْكَ الْوَاسِطَةُ هُوَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ لَا بُدَّ لِتِلْكَ الْوَاسِطَةِ مِنْ هَدِيَّةٍ إلَيْهِ وَهَدِيَّتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اللَّائِقَةُ بِهِ طَلَبُنَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ اهـ.
وَعِبَارَةُ السَّمْهُودِيِّ عَقِبَ الْحَمْدِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شُكْرًا لِمَا أَوْلَاهُ مِنْ إنْعَامِهِ الْجَسِيمِ، لِأَنَّهُ الْآتِي بِأَحْكَامِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ الْحَكِيمِ الْمُضَمَّنَةِ لِهَذَا الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَيْسَتْ صَلَاتُنَا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَفَاعَةٍ لَهُ، إذْ مِثْلُنَا لَا يَشْفَعُ لِمِثْلِهِ بَلْ صَلَاتُنَا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شُكْرٌ لَهُ عَلَى مَا أَوْلَانَا بِإِرْشَادِهِ، فَقَدْ أَسْدَى إلَيْنَا أَفْضَلَ الرَّغَائِبِ وَأَسْنَى الْمَطَالِبِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ أَسْدَى إلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَادْعُوا لَهُ» . فَدُعَاؤُنَا لَهُ بِالصَّلَاةِ الْمَشْرُوعَةِ مُكَافَأَةٌ لِلْعَجْزِ عَنْ الْمُكَافَأَةِ بِغَيْرِهِ، وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ قَوْلُ الْحَلِيمِيِّ الْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَقَضَاءِ حَقِّ النَّبِيِّ عَلَيْنَا.
قَالَ شَيْخُنَا الْمَلَوِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى السُّلَّمِ: وَمِنْ فَضَائِلِهَا مَا جُرِّبَ مِنْ تَأْثِيرِهَا وَالنَّفْعِ بِهَا فِي التَّنْوِيرِ وَرَفْعِ الْهِمَّةِ حَتَّى قِيلَ: إنَّهَا تَكْفِي عَنْ الشَّيْخِ فِي الطَّرِيقِ وَتَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ صُغْرَى الصُّغْرَى، وَسَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ
وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْيَمَنِيُّ فِي جَوَابٍ لَهُ، لَكِنِّي سَمِعْت مِنْ الشَّيْخِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهُ فِي مُجَرَّدِ التَّنْوِيرِ، أَمَّا الْوُصُولُ إلَى دَرَجَةِ الْوِلَايَةِ فَلَا بُدَّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
فِيهِ مِنْ شَيْخٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِهِ.
قَالُوا: وَاخْتَصَّتْ مِنْ بَيْنِ الْأَذْكَارِ بِأَنَّهَا تُذْهِبُ حَرَارَةَ الطِّبَاعِ وَتُقَوِّي النُّفُوسَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا تُثِيرُ حَرَارَةً فِيهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَسَلَّمَ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ الْإِتْيَانَ بِالسَّلَامِ لِيَخْرُجَ مِنْ كَرَاهَةِ الْإِفْرَادِ، وَلِيَخْرُجَ الشَّيْخُ أَيْ الشَّارِحُ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَجْمُوعَ الْمَتْنِ مَعَ شَرْحِهِ الْمَزْجُ يُنْسَبُ لِلشَّيْخِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَيِّدِنَا) أَيْ مَعَاشِرِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ.
قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» . وَإِذَا سَادَ وَلَدَ آدَمَ سَادَ غَيْرَهُمْ بِالْأَوْلَى، وَأَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ أُولُو الْعَزْمِ، وَهُمْ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ أَفْضَلُهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَتَرْتِيبُهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ:
مُحَمَّدٌ إبْرَاهِيمُ مُوسَى كَلِيمُهُ ... فَعِيسَى فَنُوحٌ هُمْ أُولُو الْعَزْمِ فَاعْلَمْ
اهـ اج.
وَالْمُرَادُ بِالْعَزْمِ تَحَمُّلُ الْمَشَاقِّ الْعَظِيمَةِ وَسِيَادَتُهُ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا اعْتِبَارَ بِتَفْضِيلِ الزَّمَخْشَرِيِّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَفْضُلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تَفْضُلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى» وَنَحْوُهُمَا، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إلَى نَقْصٍ فِي مَرَاتِبِ النَّبِيِّينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ أَوْ نَهْيٌ عَنْ تَفْضِيلٍ فِي أَصْلِ النُّبُوَّةِ الَّتِي لَا تَتَفَاوَتُ فِي ذَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَفَاوِتِينَ فِي الْخَصَائِصِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: 253] أَوْ كَانَ النَّهْيُ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلْقِ وَلِهَذَا لَمَّا أَعْلَمَهُ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» أَيْ وَلَا أَقُولُ ذَلِكَ فَخْرًا بَلْ إخْبَارًا بِالْوَاقِعِ وَالسَّيِّدُ أَصْلُهُ سَيْوِدٌ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ، وَلَهُ إطْلَاقَاتٌ يُقَالُ: السَّيِّدُ مَنْ كَثُرَ سَوَادُهُ أَيْ جَيْشُهُ أَوْ مَنْ سَادَ قَوْمُهُ وَعَلَا عَلَيْهِمْ أَوْ مَنْ تَفْزَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الْخُطُوبِ أَيْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَيُطْلَقُ السَّيِّدُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ فَاضِلًا فِي نَفْسِهِ مُهَذَّبًا حَلِيمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَيْشٌ.
وَقَدْ أَطْلَقَ الْمُؤَلِّفُونَ السَّيِّدَ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ مَذَاهِبُ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا جَوَازُ إطْلَاقِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى غَيْرِهِ.
ثَانِيهَا وَنُسِبَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ أَبَدًا.
ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى اللَّهِ، وَفِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَرُدُّ هَذَا الثَّالِثَ.
قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: 39] وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ ابْنِي هَذَا أَيْ الْحَسَنَ سَيِّدٌ» .
تَنْبِيهٌ: أَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَبِيُّنَا إجْمَاعًا، ثُمَّ الْخَلِيلُ، ثُمَّ الْكَلِيمُ، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ نُوحٌ، ثُمَّ بَاقِي الْمُرْسَلِينَ، ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الرُّسُلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ بَاقِيهِمْ، ثُمَّ صُلَحَاءُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالتَّفْضِيلُ إمَّا لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ أَوْ كَثْرَةِ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ، فَنَبِيُّنَا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِهِمْ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَالَمِ، وَجُمْلَةً بِمَعْنَى أَنَّ انْفِرَادَهُ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِ مُجْتَمِعِينَ بِدَلِيلِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: 90] ، أَيْ فِي أُصُولِ الدِّينِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمْ لَا الْفُرُوعِ؛ إذْ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْهَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ إذَا فَعَلَ مِثْلَ الْجَمَاعَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ فِي الْفَضْلِ وَاجِبُ الِاعْتِقَادِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ شَيْخِنَا اللَّقَانِيِّ فِي شَرْحِ الْجَوْهَرَةِ.
وَعِبَارَةُ الْقَسْطَلَّانِيِّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي بَابِ حُبِّ الرَّسُولِ فَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ لَا تَتِمُّ وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَحْقِيقِ إعْلَاءِ قَدْرِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ هَذَا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.
قَالَ شَيْخُنَا الْبَابِلِيُّ: أَيْ كَامِلِ الْإِيمَانِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ مَنْ فَضَّلَ نَحْوَ عِيسَى عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ عَلَى الْمُصَنَّفِ.
قَوْلُهُ: (النَّبِيِّ) اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ النُّبُوَّةِ عَلَى الرِّسَالَةِ، لِأَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ فَاسْتِحْقَاقُهُ لَهَا بِسَبَبِ الرِّسَالَةِ أَوْلَى وَلِمُوَافَقَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56] وَلِأَنَّ النُّبُوَّةَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ عَلَى مَا قِيلَ،
كَمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، وَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ أَيْ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَكُلِّ أَمْرٍ طَلَبَهُ غَيْرِهَا حَمْدَ اللَّهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِفْرَادُ الصَّلَاةِ عَنْ السَّلَامِ مَكْرُوهٌ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ وَكَذَا عَكْسُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَتَى بِهَا لَفْظًا وَأَسْقَطَهَا خَطًّا وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ الْكَرَاهَةِ وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِتَعْظِيمٍ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ وَمِنْ الْآدَمِيِّينَ أَيْ وَمِنْ الْجِنِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
[حاشية البجيرمي]
وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهُمَا مُقْتَرِنَانِ، وَلِأَنَّ النُّبُوَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الرِّسَالَةِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي) هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعَى، وَهُوَ خُصُوصُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذِكْرَهُ مَعَهُ يَصْدُقُ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مَكْرُوهٌ) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَتْ الصَّلَاةُ غَيْرَ مَقْرُونَةٍ بِالتَّسْلِيمِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّلَامَ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ ش م ر. قُلْت: لَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ الْمَذْكُورِ إذْ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ فِي غَيْرِ الْوَارِدِ مِنْ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا عَنْ الْآخَرِ كَمَا هُنَا، أَمَّا هُوَ فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ.
وَالْحَاصِلُ، أَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ الْإِفْرَادُ مِنَّا، وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ الْإِفْرَادُ، وَأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ دَاخِلِ الْحُجْرَةِ، فَإِنَّهُ إذَا اقْتَصَرَ عَلَى السَّلَامِ فَلَا كَرَاهَةَ.
وَفِي الشَّبْرَخِيتِيِّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مَا نَصُّهُ: تَتِمَّةٌ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ اسْتِقْلَالًا وَكَرَاهَتِهَا وَكَوْنُهَا خِلَافَ الْأَوْلَى خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْكَرَاهَةُ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَأَمَّا تَبَعًا كَمَا هُنَا فَجَائِزَةٌ اتِّفَاقًا اهـ. قَوْلُهُ: (أَتَى بِهَا) أَيْ بِصِيغَةِ السَّلَامِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِهِ.
وَمِثْلُهُ يُقَالُ فِي أَسْقَطَهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ) هَذَا وَجْهٌ وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهَا إلَّا إذَا أَتَى بِهِمَا مَعًا لَفْظًا وَخَطًّا لِمَنْ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ فَصُوَرُ الْإِفْرَادِ الْمَكْرُوهِ خَمْسٌ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ، أَوْ يَكْتُبَ إحْدَاهُمَا فَقَطْ، أَوْ يَتَلَفَّظَ بِإِحْدَاهُمَا وَيَكْتُبَ الْأُخْرَى، أَوْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا مَعًا وَيَكْتُبَ إحْدَاهُمَا فَقَطْ خِلَافًا لِمَا صَنَعَ الْمُصَنِّفُ عَلَى رَأْيِ الشَّارِحِ، لِأَنَّ الشَّارِحَ زَعَمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ وَجْهٌ أَوْ يَكْتُبَهُمَا مَعًا وَيَتَلَفَّظَ بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ، وَصُوَرُ الْقَرْنِ الْخَالِي عَنْ الْكَرَاهَةِ ثَلَاثٌ: أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ كِتَابَةٍ، أَوْ يَكْتُبَهُمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، أَوْ يَتَلَفَّظَ بِهِمَا مَعًا وَيَكْتُبَهُمَا كَذَلِكَ اهـ. قَالَ م د: وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا كِتَابٌ أَوْ مَجْلِسٌ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَلْيَنْظُرْ مَا الدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَةِ الْإِفْرَادِ.
لَا يُقَالُ دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ [الأحزاب: 56] . لِأَنَّا نَقُولُ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا عُرْفًا لِأَنَّ الْآيَةَ تَصْدُقُ بِتَرَاخِي أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ التَّعْقِيبَ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ) هِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ إذْ مَصْدَرُ صَلَّى التَّصْلِيَةُ كَزَكَّى تَزْكِيَةً لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِي الصَّلَاةِ بِمَعْنَى الرَّحْمَةِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ سُمِعَ فِي الْعَذَابِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 94] قَوْلُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ هَذَا مَعْنًى لُغَوِيٌّ بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَشَرْعِيٌّ أَيْضًا ق ل وَفِي حَاشِيَةِ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ وَهِيَ أَيْ الصَّلَاةُ شَرْعًا مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ فَهِيَ تُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَى مَا ذُكِرَ قَالَ فِي الْمُغْنِي الصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ الصَّلَاةَ لُغَةً بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْعَطْفُ وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ وَإِلَى الْآدَمِيِّينَ دُعَاءُ الْبَعْضِ لِلْبَعْضِ فَهِيَ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ فَالِاشْتِرَاكُ الْمَعْنَوِيُّ أَوْلَى لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ اللَّفْظِيَّ خِلَافُ الْأَصْلِ لِتَعَدُّدِ الْوَضْعِ فِيهِ وَالْأَصْلُ خِلَافُهُ وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْعَطْفَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ فَالْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَفْرَادٌ لِلْعَطْفِ.
قَوْلُهُ: (رَحْمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِتَعْظِيمٍ) وَمِنْ ثَمَّ عُطِفَتْ الرَّحْمَةُ عَلَيْهَا عَطْفَ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ فِي الْآيَةِ وَهِيَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157] فَإِنْ أَرَدْنَا بِالرَّحْمَةِ الرَّحْمَةَ لِلْمُطْلَقَةِ كَانَ الْعَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ.
تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ الدُّعَاءُ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالرَّحْمَةِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ لِأَنَّهُ كَإِخْوَانِهِ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ خُصُّوا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ
وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: كُلَّ صَلَاةٍ وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْهَا.
وَالثَّانِي: فِي الْعُمْرِ مَرَّةٌ.
وَالثَّالِثُ: كُلَّمَا ذَكَرَ.
وَاخْتَارَهُ الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَاللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَابْنُ بَطَّةَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ.
وَالرَّابِعُ: فِي كُلِّ مَجْلِسٍ.
وَالْخَامِسُ: فِي أَوَّلِ كُلِّ دُعَاءٍ وَفِي وَسَطِهِ وَفِي آخِرِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَجْعَلُونِي كَقِدْحِ الرَّاكِبِ بَلْ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ كُلِّ دُعَاءٍ وَفِي وَسَطِهِ وَفِي آخِرِهِ» . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرٍ.
وَمُحَمَّدٌ عَلَمٌ عَلَى نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْقُولٌ مِنْ اسْمِ مَفْعُولِ الْمُضَعَّفِ سُمِّيَ بِهِ بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْدُ
[حاشية البجيرمي]
وَالصَّحَابَةِ بِالتَّرَضِّي وَبَقِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بِالرَّحْمَةِ، وَاعْتَمَدَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ صَلَاةَ الْبَشَرِ عَلَى النَّبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ وَهِيَ مِنْ الْبَشَرِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ الصَّارِفِ مِنْهُمْ، بِخِلَافِ الْبَشَرِ فَإِنَّهُمْ كُلِّفُوا بِهَا مَعَ مَشَقَّةِ وُجُودِ الْبَوَاعِثِ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَنْهَا كَالنَّفْسِ وَإِبْلِيسَ وَالْهَوَى فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (اسْتِغْفَارٌ) السِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ أَيْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ مِنْ اللَّهِ لِلْعَبْدِ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِهَا أَوْ لَا كَالْعَفْوِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْجِنِّ) وَكَذَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، فَلَوْ قَالَ وَمِنْ غَيْرِهِمَا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَعَمَّ ق ل. قَالَ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الْهُدْهُدِيِّ وَالصَّلَاةُ مِنْ الطَّيْرِ وَالْهَوَامِّ التَّسْبِيحُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: 41] وَقَوْلُهُ صَلَاتَهُ أَيْ الْآدَمِيِّ وَتَسْبِيحَهُ أَيْ الطَّيْرِ.
قَوْلُهُ: (تَضَرُّعٌ) أَيْ خُضُوعٌ وَذِلَّةٌ يُقَالُ تَضَرَّعَ لِلَّهِ ضَرَاعَةً أَيْ خَضَعَ وَذَلَّ وَعَطْفُ الدُّعَاءِ عَلَى التَّضَرُّعِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ التَّضَرُّعَ دُعَاءٌ بِخُضُوعٍ وَذِلَّةٍ وَالدُّعَاءُ أَعَمُّ خِلَافًا لِلْأُجْهُورِيِّ مِنْ أَنَّهُ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ.
قَوْلُهُ: (وَدُعَاءٌ) عَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ رَفْعُ الْحَاجَاتِ لِرَافِعِ الدَّرَجَاتِ.
قَوْلُهُ: (كُلَّمَا ذَكَرَ) لِحَدِيثِ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» أَيْ لَصِقَ أَنْفُهُ بِالتُّرَابِ، وَهَلْ وَرَدَ أَنَّ الْحِجَارَةَ تُصَلِّي وَتُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ وَهَلْ وَرَدَ أَيْضًا أَنَّهَا إذَا سَمِعَتْ ذِكْرَهُ تُصَلِّي عَلَيْهِ ح ل؟ . قُلْت: رَأَيْت فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ أَنَّ الْأَحْجَارَ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَحْجَارَ إذَا سَمِعَتْ الصَّلَاةَ تُصَلِّي عَلَيْهِ اج.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ مَجْلِسٍ) لِحَدِيثِ: «أَيُّمَا مَجْلِسٍ اجْتَمَعُوا فَقَامُوا وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَيَّ إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ أَنْتَنَ مِنْ جِيفَةٍ» . قَوْلُهُ: «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ» أَيْ لَا تُؤَخِّرُونِي فِي الذِّكْرِ، لِأَنَّ قَدَحَ الرَّاكِبِ يُعَلَّقُ فِي آخِرِ رَحْلِهِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ رِحَالِهِ وَيَجْعَلُهُ خَلْفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي وَسَطِهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُدْرَجَةٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي.
قَوْلُهُ: (الْمُضَعَّفِ) أَيْ الْفِعْلِ الْمُضَعَّفِ وَهُوَ مَا تَكَرَّرَ أَحَدُ أُصُولِهِ وَهُوَ عَيْنُهُ هُنَا، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ اسْمِ مَفْعُولِ الْفِعْلِ الْغَيْرِ الْمُضَعَّفِ وَهُوَ مَحْمُودٌ تَقُولُ: كَسَرْت الْإِنَاءَ فَهُوَ مَكْسُورٌ فَإِذَا بَالَغْت فِي كَسْرِهِ وَصَيَّرْته شُقُوقًا قُلْت كَسَّرْته فَهُوَ مُكَسَّرٌ بِالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا، وَمُحَمَّدٌ أَبْلَغُ مِنْ مَحْمُودٍ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى مَحْمُودًا لَا مُحَمَّدًا، لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ وَلَمْ يَرِدْ مُحَمَّدٌ، وَأَيْضًا مَعْنَى مُحَمَّدٍ مَنْ يَحْدُثُ الْحَمْدُ لَهُ وَحَمْدُ اللَّهِ قَدِيمٌ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (بِإِلْهَامٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) لَعَلَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ أُلْهِمَ التَّسْمِيَةَ بِمُحَمَّدٍ بِسَبَبِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْدُ الْخَلْقِ لَهُ.
فَلَا يُقَالُ تَعْلِيلُ التَّسْمِيَةِ بِالتَّفَاؤُلِ يُنَافِي كَوْنَهُ بِإِلْهَامٍ.
لِأَنَّا نَقُولُ كَوْنُهُ تَفَاؤُلًا مِنْ جُمْلَةِ الْمُلْهَمِ، وَاعْتُرِضَ كَوْنُ جَدِّهِ سَمَّاهُ بِإِلْهَامٍ لَهُ بِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أُمَّهُ آمِنَةَ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ بِأَنْ تُسَمِّيَهُ بِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ أُمَّهُ لَمْ تُخْبِرْ جَدَّهُ بِذَلِكَ كَمَا فِي ق ل. وَاخْتَلَفُوا هَلْ سَمَّتْهُ بِمُحَمَّدٍ أُمُّهُ أَوْ جَدُّهُ؟ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ التَّنُوخِيِّ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ مِنْ وِلَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَدَعَا قُرَيْشًا، فَلَمَّا أَكَلُوا قَالُوا: مَا سَمَّيْته؟ قَالَ: سَمَّيْته مُحَمَّدًا.
قَالُوا.
لَمْ رَغِبْت بِهِ عَنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ بَيْتِك؟ قَالَ: أَرَدْت أَنْ يَحْمَدَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَخَلْقُهُ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: إنَّمَا سَمَّاهُ مُحَمَّدًا لِرُؤْيَا رَآهَا زَعَمُوا أَنَّهُ رَأَى مَنَامًا كَأَنَّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ وَلَهَا طَرَفٌ بِالسَّمَاءِ وَطَرَفٌ بِالْأَرْضِ وَطَرَفٌ بِالْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ بِالْمَغْرِبِ، ثُمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ، وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا فَقَصَّهَا فَعُبِّرَتْ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ فُسِّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ، يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ، وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ، فَلِذَلِكَ
الْخَلْقِ لَهُ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْحَمِيدَةِ، كَمَا رُوِيَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ قِيلَ لِجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ سَمَّاهُ فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا: لِمَ سَمَّيْت ابْنَك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ فِي أَسْمَاءِ آبَائِك وَلَا قَوْمِك؟ قَالَ: رَجَوْت أَنْ يُحْمَدَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ.
[حاشية البجيرمي]
سَمَّاهُ مُحَمَّدًا مَعَ مَا حَدَّثَتْهُ بِهِ أُمُّهُ مِنْ أَنَّهَا أَتَاهَا آتٍ وَهِيَ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ وَقَالَ لَهَا: إذَا وُضِعَ فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُ يَكْثُرُ) لَعَلَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِإِلْهَامٍ مِنْ تَعَلُّقِ السَّبَبِ بِالْمُسَبِّبِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (فِي سَابِعِ وِلَادَتِهِ) وَقِيلَ فِي لَيْلَةِ وِلَادَتِهِ وَلَا تَعَارُضَ لِإِمْكَانِ وُقُوعِهَا سِرًّا لَيْلَةَ الْوِلَادَةِ وَإِظْهَارِهَا لِكَافَّةِ النَّاسِ يَوْمَ السَّابِعِ مَدَابِغِيٌّ عَلَى الْمَوْلِدِ.
قَوْلُهُ: (لِمَوْتِ أَبِيهِ قَبْلَهَا) وَكَانَ مَوْتُ وَالِدِهِ بَعْدَ حَمْلِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَقِيلَ قَبْلَ وِلَادَتِهِ بِشَهْرَيْنِ، وَقِيلَ كَانَ فِي الْمَهْدِ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ ابْنُ شَهْرَيْنِ، وَقِيلَ ابْنُ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرِينَ، وَقِيلَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَدُفِنَ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ أَخْوَالِهِ بَنِي النَّجَّارِ.
وَلَمَّا بَلَغَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقِيلَ خَمْسٌ وَقِيلَ سِتٌّ وَقِيلَ سَبْعٌ، وَقِيلَ تِسْعٌ، وَقِيلَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرًا وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ، مَاتَتْ أُمُّهُ وَدُفِنَتْ بِالْأَبْوَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ بِالْحَجُونِ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ مَقْبَرَةُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْأَبْوَاءُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَدِّ قَرْيَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَرِيبَةٌ مِنْ الْجُحْفَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ رَجَوْت) وَقِيلَ إنَّمَا سَمَّاهُ مُحَمَّدًا لِرُؤْيَا رَآهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ فِي الْمَوْلِدِ، وَلَا مُعَارَضَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ رَجَوْت بِسَبَبِ هَذِهِ الرُّؤْيَا، بِأَنَّ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ) أَيْ لِسَبْقِ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِ فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَالْكَافُ تَعْلِيلِيَّةٌ وَلَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ، لَكِنْ لَمَّا قَرُبَ زَمَنُهُ وَبَشَّرَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِنَعْتِهِ سَمَّى قَوْمٌ أَوْلَادَهُمْ بِهِ رَجَاءَ النُّبُوَّةِ لَهُمْ وَ: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] . وَعِدَّةُ مَنْ سُمِّيَ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ قَبْلَ وِلَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةَ عَشَرَ، وَهَذَا هُوَ اسْمُهُ فِي الْأَرْضِ وَاسْمُهُ الْمَشْهُورُ بِهِ فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ، وَلَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَيْ بِأَحْمَدَ أَحَدٌ قَبْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّامِيُّ فِي مِعْرَاجِهِ، وَيَنْبَغِي التَّسْمِيَةُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُعَذِّبُ أَحَدًا سُمِّيَ بِاسْمِك بِالنَّارِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنِّي آلَيْت عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ مَنْ اسْمُهُ أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ» .
وَذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْحَاجِّ فِي كِتَابِهِ الْمَدْخَلِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: " إنَّ اللَّهَ لَيُوقِفُ الْعَبْدَ بَيْنَ يَدَيْهِ الَّذِي اسْمُهُ أَحْمَدُ أَوْ مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ يَا عَبْدِي أَمَا تَسْتَحِي أَنْ تَعْصِيَنِي وَاسْمُك عَلَى اسْمِ حَبِيبِي فَيُنَكِّسُ الْعَبْدُ رَأْسَهُ حَيَاءً، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ فَعَلْت فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ خُذْ بِيَدِ عَبْدِي وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أُعَذِّبَ بِالنَّارِ مَنْ اسْمُهُ اسْمُ حَبِيبِي ".
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ آدَمَ وَجَدَ اسْمَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكْتُوبًا عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ وَفِي السَّمَوَاتِ وَعَلَى كُلِّ قَصْرٍ وَغُرْفَةٍ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَى نُحُورِ الْحُورِ الْعِينِ وَعَلَى وَرَقِ شَجَرَةِ طُوبَى وَسِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَأَطْرَافِ الْحُجُبِ وَبَيْنَ أَعْيُنِ الْمَلَائِكَةِ.
وَرُوِيَ «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ كَتَبَ عَلَيْهِ بِالنُّورِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ آدَم مِنْ الْجَنَّةِ رَأَى عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ وَعَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ فِي الْجَنَّةِ اسْمَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقْتَرِنًا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: يَا رَبِّ هَذَا مُحَمَّدٌ مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَدُك الَّذِي لَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُك، فَقَالَ: يَا رَبِّ بِحُرْمَةِ هَذَا الْوَلَدِ ارْحَمْ الْوَالِدَ فَنُودِيَ: يَا آدَم لَوْ اسْتَشْفَعْت إلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَفَّعْنَاك» .
تَنْبِيهٌ: اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ اسْمِ مُحَمَّدٍ عِدَّةَ الرُّسُلِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَالَ فِيهِ ثَلَاثُ مِيمَاتٍ، وَإِذَا بَسَطْت كُلًّا مِنْهَا فَقُلْت مِيمٌ كَانَتْ عِدَّتُهَا بِحِسَابِ الْجُمَّلِ تِسْعِينَ فَيَحْصُلُ مِنْهَا مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ، وَإِذَا بَسَطْت الْحَاءَ وَالدَّالَ فَقُلْت دَالٌ كَانَتْ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ وَحَاءٌ بِتِسْعَةٍ فَالْجُمْلَةُ مَا ذُكِرَ، فَفِي اسْمِهِ الْكَرِيمِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ جَمِيعَ الْكِمَالَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْمُرْسَلِينَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ، وَإِذَا قُلْت حَاءٌ فَزِدْت هَمْزَةً كَانَتْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ.
قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْبَسْمَلَةِ: وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِاسْتِخْرَاجِ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ اسْمِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا كَعِدَّةِ أَصْحَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقْتَ وَفَاتِهِ، وَطَرِيقُهُ أَنْ تَضْرِبَ عَدَدَ حُرُوفِهِ بِالْجَمَّلِ الصَّغِيرِ وَهُوَ عِشْرُونَ فِي نَفْسِهَا يَكُونُ الْخَارِجُ أَرْبَعَمِائَةٍ تَضْرِبُهَا فِي
وَالنَّبِيُّ إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ يَعْمَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ.
وَالرَّسُولُ إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، فَكُلُّ
[حاشية البجيرمي]
كَامِلِ عُقُودِ الْمُرْسَلِينَ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَعَشَرَةٌ وَاحْذِفْ مَا زَادَ عَلَى الْعُقُودِ يَكُونُ الْخَارِجُ مِائَةَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْمِيمَيْنِ بِالْجُمَّلِ الصُّغْرَى ثَمَانِيَةٌ وَالْحَاءُ مِثْلُهَا وَالدَّالُ كَمِيمٍ.
وَخَوَاصُّ الْبَشَرِ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ.
وَخَوَاصُّ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْبَشَرِ وَهُمْ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ وَعَوَامِّ الْبَشَرِ وَهُمْ الْأَتْقِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ أَفْضَلُ مِنْ عَوَامِّ الْمَلَائِكَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِمْ إجْمَالًا فِيمَنْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَتَفْصِيلًا فِيمَنْ وَرَدَ بِهِ التَّفْصِيلُ، فَمِنْ التَّفْصِيلِ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَسْمَائِهِمْ، فَمَنْ أَنْكَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ عَلِمَهُ كَفَرَ بِخِلَافِ مَا لَوْ سُئِلَ عَنْهُ ابْتِدَاءً فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ فَلَا يَكْفُرُ.
وَجُمْلَتُهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَذْكُورَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ [الأنعام: 83] الْآيَةَ.
وَالْبَاقِي سَبْعَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي بَعْضِ السُّوَرِ وَهُمْ: آدَم وَإِدْرِيسُ وَهُودٌ وَشُعَيْبٌ وَصَالِحٌ وَذُو الْكِفْلِ وَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
حَتْمٌ عَلَى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةُ ... بِأَنْبِيَاءٍ عَلَى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا
فِي تِلْكَ حُجَّتُنَا مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ ... مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ وَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَهُمُوا
إدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صَالِحٌ وَكَذَا ... ذُو الْكِفْلِ آدَم بِالْمُخْتَارِ قَدْ خُتِمُوا
وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فَقَالَ:
مُحَمَّدٌ إبْرَاهِيمُ مُوسَى وَصَالِحٌ ... وَعِيسَى وَنُوحٌ ثُمَّ يَحْيَى وَآدَمُ
وَهُودٌ وَلُوطٌ ثُمَّ يَعْقُوبُ يُوسُفُ ... وَأَيُّوبُ هَارُونُ شُعَيْبٌ مُكَرَّمُ
وَذُو الْكِفْلِ دَاوُد وَإِلْيَاسُ وَاَلْيَسَعُ ... وَإِدْرِيسُ إسْمَاعِيلُ إِسْحَاقُ يُعْلَمُ
كَذَا زَكَرِيَّا مَعَ سُلَيْمَانَ يُونُسُ ... نُبُوَّةُ كُلٍّ دُونَ خُلَفٍ تُسَلَّمُ
وَخُلْفٌ بِذِي الْقَرْنَيْنِ لُقْمَانُ يَا فَتَى ... عُزَيْرٌ وَطَالُوتُ بِهِ النَّظْمُ يُخْتَمُ
وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُوَ مِنْ نَسْلِ إبْرَاهِيمَ سِوَى خَمْسَةٍ جَمَعَهُمْ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ:
وَكُلُّ نَبِيٍّ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ ... لَمِنْ نَسْلِ إبْرَاهِيمَ ذِي الْحِلْمِ وَالتُّقَى
سِوَى خَمْسَةٍ لُوطٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ ... وَنُوحٌ وَإِدْرِيسُ الَّذِي فَازَ بِالْبَقَا
وَأَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ أَعْجَمِيَّةٌ إلَّا أَرْبَعَةٌ: مُحَمَّدٌ وَشُعَيْبٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّبِيُّ إنْسَانٌ) حُرٌّ ذَكَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ سَلِيمٌ عَنْ مُنَفِّرٍ طَبْعًا، وَعَنْ دَنَاءَةِ أَبٍ وَخَنَا أُمٍّ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِهِ فَنَبِيٌّ وَرَسُولٌ، وَالنَّبِيُّ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّبَأِ وَهُوَ الْخَبَرُ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الرِّفْعَةُ لِأَنَّهُ مَرْفُوعُ الرُّتْبَةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا ذَكَرٌ الْأُنْثَى فَلَا رَسُولَ مِنْ الْإِنَاثِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِنُبُوَّةِ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ وَهَاجَرَ وَسَارَةَ، وَحِينَئِذٍ يُؤَوَّلُ إنْسَانٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ إنْسَانٌ بَلْ إنْسَانَةٌ، وَفِي الصِّحَاحِ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ إنْسَانٌ لَا إنْسَانَةٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ إلَخْ) الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَالْغَايَةِ لِتَعْمِيمِ النُّبُوَّةِ أَيْ سَوَاءٌ أُمِرَ أَوْ لَمْ يُؤْمَرْ لِأَنَّ وَصْفَ النُّبُوَّةِ لَا يُنَافِي وَصْفَ الرِّسَالَةِ، فَمُرَادُهُ تَعْرِيفُ النَّبِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ رِسَالَةٌ أَمْ لَا.
وَمَنْ جَعَلَ الْوَاوَ لِلْحَالِ تَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَعْرِيفُ النَّبِيِّ فَقَطْ أَيْ الَّذِي لَيْسَ بِرَسُولٍ وَجَعْلُ إنْ لِلشَّرْطِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا جَوَابَ لَهَا وَسَمَّاهَا بَعْضُهُمْ وَصْلِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَالرَّسُولُ إنْسَانٌ إلَخْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّبُوَّةِ
رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَا عَكْسَ
(وَ) عَلَى (آلِهِ) وَهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ، وَقِيلَ أُمَّتُهُ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ.
وَالْمُطَّلِبُ مُفْتَعِلٌ مِنْ الطَّلَبِ، وَاسْمُهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ وُلِدَ وَفِي رَأْسِهِ شَيْبَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي ذُؤَابَتَيْهِ، وَهَاشِمٌ لَقَبٌ وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَقِيلَ لَهُ هَاشِمٌ لِأَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَهُمْ قَحْطٌ فَنَحَرَ بَعِيرًا وَجَعَلَهُ لِقَوْمِهِ مَرَقَةً وَثَرِيدًا فَلِذَلِكَ سُمِّيَ هَاشِمًا لِهَشْمِهِ الْعَظْمَ (وَ) عَلَى (صَحْبِهِ) وَهُوَ جَمْعُ صَاحِبٍ، وَالصَّحَابِيُّ مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ وَلَوْ سَاعَةً وَاحِدَةً وَلَوْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَعْمَى كَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَالصَّغِيرُ وَلَوْ غَيْرَ
[حاشية البجيرمي]
وَالرِّسَالَةِ أَنَّ النُّبُوَّةَ هِيَ الِانْصِرَافُ مِنْ حَضْرَةِ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ، وَالرِّسَالَةُ الِانْصِرَافُ مِنْ حَضْرَةِ الْحَقِّ إلَى الْخَلْقِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ النُّبُوَّةِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَزَعْمُ تَعَلُّقِ النُّبُوَّةِ بِالْخَالِقِ دُونَ الرِّسَالَةِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْخَلَائِقِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ فِيهِمَا التَّعَلُّقَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي نُبُوَّةِ الرَّسُولِ مَعَ رِسَالَتِهِ، وَإِلَّا فَالرَّسُولُ أَفْضَلُ مِنْ النَّبِيِّ قَطْعًا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَكْسَ) أَيْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَإِنْ نُظِرَ إلَى أَنَّ الْمَلَكَ يُوصَفُ بِالرِّسَالَةِ كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ وَهُوَ وَارِدٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 75] .
قَوْلُهُ: (وَعَلَى آلِهِ) أَعَادَ الْعَامِلَ إشَارَةً إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ مَطْلُوبَةٌ بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ اسْتِحْبَابِهَا عَلَى الْأَصْحَابِ فَإِنَّهَا بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ بِالْآلِ وَلِهَذَا أَسْقَطَهُ فِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ) أَيْ وَبَنَاتِهِمْ فَفِيهِ تَغْلِيبٌ، وَهَاشِمٌ جَدُّ النَّبِيِّ الثَّانِي، وَالْمُطَّلِبُ أَخُو هَاشِمٍ وَأَبُوهُمَا عَبْدُ مَنَافٍ، فَيَكُونُ الْمُطَّلِبُ عَمَّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَاسِطَةٍ لِأَنَّهُ عَمُّ جَدِّهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ.
وَقَوْلُهُ: (وَقِيلَ أُمَّتُهُ) أَيُّ أُمَّةٍ الْإِجَابَةُ أَتْقِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَالْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَالْأَوَّلُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي مَقَامِ الزَّكَاةِ وَالْأَخِيرَيْنِ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ وَالضَّمِيرُ فِي وَاسْمُهُ عَائِدٌ عَلَى الْمُطَّلِبِ أَيْ اسْمُ الْمُطَّلِبِ شَيْبَةُ الْحَمْدِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرُوهُ فِي السِّيَرِ مِنْ أَنَّ شَيْبَةَ الْحَمْدِ إنَّمَا هُوَ اسْمٌ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ عَمَّهُ الْمُطَّلِبَ أَخَا هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لَمَّا جَاءَ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ صَغِيرًا أَرْدَفَهُ خَلْفَهُ وَكَانَ بِهَيْئَةٍ رَثَّةٍ، فَكَانَ كُلَّمَا سُئِلَ عَنْهُ يَقُولُ: هَذَا عَبْدِي حَيَاءً أَنْ يَقُولَ ابْنَ أَخِي، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَحْسَنَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ.
وَفِي الْمَوَاهِبِ إنَّمَا سُمِّيَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ وَالِدَهُ هَاشِمًا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَخِيهِ الْمُطَّلِبِ: أَدْرِكْ عَبْدَك بِيَثْرِبَ.
وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ شَيْبَةَ الْحَمْدِ اسْمٌ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
وَمَنَافٌ أَصْلُهُ مَنَاةُ اسْمُ صَنَمٍ كَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِهِمْ وَكَانَتْ أُمُّهُ جَعَلَتْهُ خَادِمًا لِذَلِكَ الصَّنَمِ، وَقِيلَ: وَهَبَتْهُ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ وَلَدٍ وُلِدَ لِقُصَيٍّ كَمَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: (مُفْتَعِلٌ) فَأَصْلُهُ مُتَطَلِّبٌ فَأُبْدِلَتْ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الطَّاءِ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
طَا تَا افْتِعَالٍ رُدَّ إثْرَ مُطْبَقِ
قَوْلُهُ: (ذُؤَابَتَيْهِ) أَيْ جَانِبَيْ رَأْسِهِ جَمْعُ ذُؤَابَةٍ بِالْهَمْزِ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ الشَّعْرِ مُجْتَمِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَصَحْبِهِ) بَيْنَ الْآلِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمْ، وَالصَّحْبُ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، وَعَلَى إرَادَةِ جَمِيعِ أُمَّةٍ الْإِجَابَةُ كَمَا اُخْتِيرَ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ فَعَطْفُ الصَّحْبِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِشَرَفِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ مَزِيدَ الدُّعَاءِ بِكَثْرَةِ نَقْلِهِمْ الشَّرَائِعَ وَالشَّعَائِرَ إلَيْنَا عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَمْعُ صَاحِبٍ) الرَّاجِحُ أَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وَالْمُرَادُ بِالصَّاحِبِ الصَّحَابِيُّ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحَابِيُّ مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ وَلَوْ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالدَّعْوَةِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ اجْتِمَاعًا مُتَعَارَفًا بِأَنْ يَكُونَ فِي الْأَرْضِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَوْ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ كَانَ أَعْمَى وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ كَمَجْنُونٍ أَوْ مَارًّا أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَلَوْ نَائِمًا أَوْ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ لَكِنْ رَأَى النَّبِيَّ أَوْ رَآهُ النَّبِيُّ وَلَوْ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ كَأَهْلِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَوْ رَآهُ مِنْ كَوَّةٍ فِي جِدَارٍ بَيْنَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنَّهُ اجْتِمَاعٌ أَوْ فِي حُكْمِهِ أَنْ خَاطَبَهُ مَعَ رُؤْيَتِهِ وَشَمَلَ قَوْلُنَا مَنْ اجْتَمَعَ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالْمَلَائِكَةَ وَدَخَلَ فِي قَوْلِنَا اجْتِمَاعًا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
مُتَعَارَفًا مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ لَا يَمْنَعُ الِاجْتِمَاعَ وَمَنْ لَقِيَهُ مَعَ مُرُورِهِ إلَى غَيْرِ جِهَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ عِنْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ عَلِمَ بِهِ أَوْ لَا فَخَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ مَنَامًا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ يَقَظَةً وَمَنْ اجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ غَيْرَ مُؤْمِنٍ ثُمَّ آمَنَ وَلَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَرَسُولِ قَيْصَرَ وَمَنْ اجْتَمَعَ بِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ مُؤْمِنًا بِأَنَّهُ سَيُبْعَثُ كَبُحَيْرَا الرَّاهِبِ بِخِلَافِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَهُوَ أَوَّلُ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَهُ السَّرَّاجُ الْبُلْقِينِيُّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بُحَيْرَا بِأَنَّ وَرَقَةَ أَدْرَكَ الْبَعْثَةَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الدَّعْوَةَ بِخِلَافِ بُحَيْرَا اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَالتَّعْرِيفُ السَّابِقُ يَشْمَلُهُ وَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْجِنِّ كَجِنِّ نَصِيبِينَ وَالْمَلَائِكَةِ الَّذِي اجْتَمَعُوا بِهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْأَرْضِ مُتَعَارَفٌ وَمَنْ رَآهُ مِنْهُمْ فِي الْأَرْضِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِخِلَافِ مَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ فِي السَّمَاءِ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ عَالَمِ الدُّنْيَا وَدَخَلَ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَضِرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اجْتَمَعَ بِهِ فِي الْأَرْضِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَرَاجِعْهُ وَقَالَ ابْنُ قَاسِمٍ فِي الْآيَاتِ إنْ صَحَّ اجْتِمَاعُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعِيسَى وَالْخَضِرِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاجْتِمَاعِ الْمَعْرُوفِ بَلْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ اهـ وَجَزَمَ اللَّقَانِيِّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ بِثُبُوتِ الصُّحْبَةِ لِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمِثْلُهُ الْعَلَّامَةُ ح ل وَغَيْرُهُ وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ مَشَايِخُنَا خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ م ر مِنْ عَدَمِ ثُبُوتِهَا لَهُ، وَتَنْقَطِعُ الصُّحْبَةُ بِالرِّدَّةِ وَتَعُودُ بِعَوْدِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ، فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: وَمَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِاقْتِضَائِهِ عَدَمَ الْحُكْمِ بِالصُّحْبَةِ لِوَاحِدٍ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى الْإِسْلَامِ إلَّا إنْ أَرَادَ أَنَّهُ قَيْدٌ لِدَوَامِ الصُّحْبَةِ، فَمَنْ ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ غَيْرُ صَحَابِيٍّ، وَمَنْ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُسْلِمًا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْحٍ صَحَابِيٌّ، أَيْ فَتَعُودُ لَهُ الصُّحْبَةُ مُجَرَّدَةً عَنْ الثَّوَابِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهَا فِي التَّسْمِيَةِ وَفِي الْكَفَاءَةِ، فَيَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ الصَّحَابِيِّ، وَفَائِدَةُ عَوْدِهَا مُجَرَّدَةً عَنْ الثَّوَابِ أَيْضًا سُقُوطُ الْمُطَالَبَةِ مِنْ إعَادَةِ الْعِبَادَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَغَيْرِهَا.
وَذَكَرَ اللَّقَانِيِّ أَنَّ الْخَضِرَ يَمْكُثُ فِي النَّوْمَةِ مِائَةَ سَنَةٍ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحْبُ وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آلٍ أَفْضَلَ مِنْ الْآلِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِصَحْبٍ، لِأَنَّ فَضِيلَتَهُمْ بِالصُّحْبَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْعَمَلِ، وَفَضِيلَةَ الْآلِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِصَحْبٍ بِالْغَيْرِ، وَفَضِيلَةَ الذَّاتِ بِوَصْفِهَا أَفْضَلَ مِنْ الْفَضِيلَةِ بِوَصْفِ ذَاتٍ أُخْرَى مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ.
قَالُوا: وَلِذَا كَانَ الْعَالِمُ الَّذِي لَيْسَ بِشَرِيفٍ أَفْضَلَ مِنْ الشَّرِيفِ الَّذِي لَيْسَ بِعَالِمٍ، لَكِنْ يَبْقَى الْبَحْثُ بِأَنَّ فِي الْآلِ كَثِيرًا مِنْ الصَّحْبِ، وَفِي الصَّحْبِ كَثِيرًا مِنْ الْآلِ، فَكَانَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَ ثُمَّ أَنْ يُقَدَّمَ الصَّحْبُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدَّمَ الْآلُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ وَرَدَتْ بِالنَّصِّ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحْبِ فَبِالْقِيَاسِ.
اهـ. مَلَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ حَيَاةِ مَنْ ذَكَرَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ اجْتَمَعَ بِهِ أَيْ بَعْدَ الْبَعْثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ سَاعَةً وَاحِدَةً) أَيْ جُزْءًا مِنْ الزَّمَنِ بِخِلَافِ التَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابِيِّ، فَلَا تَثْبُتُ التَّابِعِيَّةُ إلَّا بِطُولِ الِاجْتِمَاعِ مَعَهُ عُرْفًا عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفُقَهَاءِ أَيْضًا.
وَذَهَبَ إلَيْهِ الْخَطَّابِيُّ قَالَ: يُشْتَرَطُ فِي التَّابِعِيِّ طُولُ الْمُلَازَمَةِ لِلصَّحَابِيِّ أَوْ اسْتِمَاعٌ مِنْهُ، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ اللِّقَاءِ بِخِلَافِ الصَّحَابِيِّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِظَمُ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ وَنُورُهَا، فَبِمُجَرَّدِ مَا يَقَعُ بَصَرُهُ أَيْ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَعْرَابِيِّ الْجِلْفِ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ لِشَرَفِ مَنْزِلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَظْهَرُ أَثَرُ نُورِهِ فِي قَلْبِ الْمُلَاقِي لَهُ وَعَلَى جَوَارِحِهِ، فَالِاجْتِمَاعُ بِهِ يُؤَثِّرُ مِنْ النُّورِ الْقَلْبِيِّ أَضْعَافَ مَا يُؤَثِّرُهُ الِاجْتِمَاعُ الطَّوِيلُ لِلصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إيمَانُ التَّابِعِيِّ بِالصَّحَابِيِّ لِعَدَمِ ثُبُوتٍ عِنْدَهُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ.
قَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ: لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّابِعِيِّ أَنْ يَكُونَ وَقْتَ تَحَمُّلِهِ عَنْ الصَّحَابِيِّ مُؤْمِنًا بِهِ، بَلْ لَوْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ الصَّحَابِيِّ، وَرَوَى عَنْ الصَّحَابِيِّ سَمَّيْنَاهُ تَابِعِيًّا اهـ. وَعَلَى هَذَا لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّابِعِيِّ طُولُ مُلَازَمَتِهِ لِلصَّحَابِيِّ، بَلْ هُوَ كَالصَّحَابِيِّ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ تَبَعًا لِلْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ.
وَقَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي التَّقْرِيبِ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَقَوْلِ الْعِرَاقِيِّ: عَلَيْهِ عَمَلُ الْأَكْثَرِ.
قَالَ الْبِقَاعِيُّ: وَإِنَّمَا
مُمَيِّزٍ كَمَنْ حَنَّكَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَوْلُهُ (أَجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ.
(أَمَّا بَعْدُ) سَاقِطَةٌ فِي
[حاشية البجيرمي]
اشْتَرَطَ الْإِيمَانَ فِي الصُّحْبَةِ لِشَرَفِهَا فَاحْتِيطَ لَهَا، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ فِي الصَّحَابَةِ كَوْنَهُمْ مَعَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] الْآيَةَ.
وَلَا يَكُونُونَ مَعَهُ إلَّا إذَا آمَنُوا بِهِ اهـ مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (كَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ) اسْمُهُ عَمْرٌو وَاسْمُ أَبِيهِ قَيْسٌ وَاسْمُ أُمِّهِ عَاتِكَةُ وَأُمُّ مَكْتُومٍ كُنْيَتُهَا كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْجَامِعِ.
قَوْلُهُ: (تَأْكِيدٌ) أَيْ لِآلِهِ وَصَحْبِهِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ السَّعْدُ: إذَا أُكِّدَ بِلَفْظِ أَجْمَعِينَ نُظِرَ، فَإِنْ سَبَقَهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى شُمُولٍ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْجَمْعِيَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الشُّمُولَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِثْبَاتِ أَوْ النَّفْيِ ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَقَوْلُهُ: الْجَمْعِيَّةُ أَيْ اجْتِمَاعُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِمْ فِي الْحُكْمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا قِيلَ: جَاءَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، فَأَجْمَعُونَ فِي مَعْنَى الْحَالِ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ جَاءُوا كُلُّهُمْ مُجْتَمِعِينَ أَيْ فِي آنٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ أَجْمَعُونَ فَقَطْ فَإِنَّهُ صَادِقٌ بِمَجِيءِ الْكُلِّ مُتَفَرِّقِينَ.
[مَبْحَثُ فِي قَوْلِهِ أَمَّا بَعْدُ]
مَبْحَثُ أَمَّا بَعْدُ قَوْلُهُ: (أَمَّا بَعْدُ) أَصْلُهَا مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَمَا مَعَهُمَا فَأَقُولُ: قَدْ سَأَلَنِي كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فَوَقَعَتْ كَلِمَةُ أَمَّا مَوْقِعَ اسْمٍ هُوَ الْمُبْتَدَأُ، وَفِعْلٍ هُوَ الشَّرْطُ وَتَضَمَّنَتْ مَعْنَاهُمَا فَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ لَزِمَتْهَا الْفَاءُ اللَّازِمَةُ لِلشَّرْطِ غَالِبًا، وَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الِابْتِدَاءِ لَزِمَهَا لُصُوقُ الِاسْمِ اللَّازِمِ لِلْمُبْتَدَأِ قَضَاءً لِحَقِّ مَا كَانَ وَإِبْقَاءً لَهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
وَقَوْلُهُ: غَالِبًا قَيْدٌ لِقَوْلِهِ اللَّازِمَةُ لِلشَّرْطِ لَا لِقَوْلِهِ لَزِمَتْهَا الْفَاءُ، لِأَنَّ لُزُومَ الْفَاءِ لَازِمٌ كُلِّيٌّ، إذْ لَا تُحْذَفُ مِنْ جَزَائِهَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
فَأَمَّا الْقِتَالُ لَا قِتَالَ لَدَيْكُمْ
وَقَوْلُهُ: لَزِمَهَا لُصُوقُ الِاسْمِ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة: 88] الْآيَةَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا أَيْ فَأَمَّا الْمُتَوَفَّى إنْ كَانَ إلَخْ كَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ.
وَأَمَّا هَذِهِ حَرْفُ شَرْطٍ وَتَوْكِيدٍ دَائِمًا وَتَفْصِيلٍ غَالِبًا، وَبَعْدُ ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ كَغَيْرِهِ مِنْ الظُّرُوفِ الْمَقْطُوعَةِ عَنْ الْإِضَافَةِ لِمُشَابَهَتِهِ الْحَرْفَ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى مَعْنَى ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى حَرَكَةٍ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبِنَاءِ السُّكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا فِي الْإِعْرَابِ، وَعَلَى الضَّمِّ جَبْرًا بِأَقْوَى الْحَرَكَاتِ وَهِيَ الضَّمَّةُ لِمَا لَحِقَهَا مِنْ الْوَهَنِ بِحَذْفِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلِيَكْمُلَ لَهَا جَمِيعُ الْحَرَكَاتِ لِأَنَّهَا فِي الْإِعْرَابِ كَانَتْ إمَّا مَجْرُورَةً بِمِنْ أَوْ مَنْصُوبَةً عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ لِتُخَالِفَ حَرَكَةُ بِنَائِهَا حَرَكَةَ إعْرَابِهَا.
وَقَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْمَعْرُوفُ هُنَا بِنَاؤُهَا عَلَى الضَّمِّ لِنِيَّةِ مَعْنَى الْمُضَافِ إلَيْهِ دُونَ لَفْظِهِ، وَالْمُرَادُ بِنِيَّةِ مَعْنَى الْمُضَافِ إلَيْهِ رَبْطُ الْمُضَافِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ.
وَرُوِيَ تَنْوِينُهَا مَرْفُوعَةً وَمَنْصُوبَةً لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ لَفْظًا وَتَقْدِيرًا وَنَصْبُهَا أَوْ جَرُّهَا بِمِنْ بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى تَقْدِيرِ لَفْظِ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَمَحَلُّ بِنَائِهَا عَلَى الضَّمِّ إذَا كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةً، أَمَّا إذَا كَانَ نَكِرَةً فَإِنَّهَا تُعْرَبُ نُوِيَ مَعْنَاهُ أَوْ لَا.
كَمَا فِي التَّصْرِيحِ
وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْمَ الْمَعْرِفَةَ جُزْئِيٌّ وَالْإِضَافَةُ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْبِنَاءَ لِشَبَهِهِ بِالْحَرْفِ بِخِلَافِ النَّكِرَةِ لَمْ تُؤَثِّرْ نِيَّةُ إضَافَتِهَا إلَيْهَا لِشُيُوعِهَا.
اهـ. ع ش. قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَإِنَّمَا بُنِيَتْ لِافْتِقَارِهَا لِمَا تُضَافُ إلَيْهِ فَأَشْبَهَتْ الْحَرْفَ فِي الِافْتِقَارِ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الِافْتِقَارَ الْمُوجِبَ لِلْبِنَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا لِجُمْلَةٍ وَهُوَ هُنَا مُفْرَدٌ وَحِينَئِذٍ فَعِلَّةُ بِنَائِهَا شَبَهُهَا بِأَحْرُفِ الْجَوَابِ كَنَعَمْ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِهَا عَمَّا بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (سَاقِطَةٌ فِي أَكْثَرِهَا) أَيْ مَعَ لَفْظِ قَدْ.
قَوْلُهُ: (يُؤْتَى بِهَا) أَيْ إذَا جِيءَ بِهَا تَكُونُ لِلِانْتِقَالِ.
وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ الِانْتِقَالُ يَتَعَيَّنُ الْإِتْيَانُ بِهَا فَيُعَدُّ تَرْكُهَا عَيْبًا، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ كَمَا يَحْصُلُ بِهَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا كَ ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص: 55] وَاللَّامُ بِمَعْنَى
أَكْثَرِهَا أَيْ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَمْدِ وَغَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ، وَلَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْخُطَبِ وَالْمُكَاتَبَاتِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ عَقَدَ الْبُخَارِيُّ لَهَا بَابًا فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَالْعَامِلَ فِيهَا، أَمَّا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِنِيَابَتِهَا عَنْ الْفِعْلِ أَوْ الْفِعْلِ نَفْسِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَالْأَصْلُ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (فَقَدْ سَأَلَنِي) أَيْ طَلَبَ مِنِّي (بَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ) جَمْعُ صَدِيقٍ وَهُوَ الْخَلِيلُ وَقَوْلُهُ:
[حاشية البجيرمي]
عِنْدَ، أَوْ الْمَعْنَى لِإِرَادَةِ الِانْتِقَالِ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ) أَيْ مَقْطُوعَةً عَنْ الْإِضَافَةِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ فَلَا مَانِعَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ أَيْ صِنَاعَةً، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهَا شَرْعًا، أَوْ الْمُرَادُ لَا يُسْتَحْسَنُ م د. وَقَوْلُهُ: أَيْ مَقْطُوعَةً عَنْ الْإِضَافَةِ لَيْسَ بِصَوَابٍ، وَالصَّوَابُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ فَقَدْ اعْتَرَضُوا عَلَى الْأُشْمُونِيِّ فِي قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ حَيْثُ قَالُوا: لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقُولَ أَمَّا بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ.
وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَفْظًا فَهِيَ وَاقِعَةٌ بَيْنَ كَلَامَيْنِ تَقْدِيرًا فِي كَلَامِهِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْفِعْلِ نَفْسِهِ) هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ الشَّرْطِ فَإِنْ جُعِلَتْ مِنْ تَوَابِعِ الْجَزَاءِ فَالْعَامِلُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ وَالْأَوْلَى جَعْلُهَا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجَزَاءِ لِأَنَّ الْجَوَابَ فِيهِ يَكُونُ مُعَلَّقًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُطْلَقٍ، وَالتَّعَلُّقُ عَلَى الْمُطْلَقِ أَقْرَبُ لِتَحَقُّقِهِ فِي الْخَارِجِ مِنْ التَّعْلِيقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَتَقْدِيرُ الْقَوْلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَعَيِّنٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ قَدْ سَأَلَنِي مَاضٍ لَفْظًا وَمَعْنًى وَجَوَابُ الشَّرْطِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَمَّا بَعْدُ، فَأَقُولُ قَدْ سَأَلَنِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ) الْمُرَادُ بِالْأَصْلِ مَا حَقُّ التَّرْكِيبِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فَالْأَصَالَةُ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ شَيْئًا حُذِفَ مِنْ التَّرْكِيبِ وَاخْتُصِرَ فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُهَا خُصُوصَ مَهْمَا لَا غَيْرِهَا لِمَا فِي مَهْمَا مِنْ الْإِبْهَامِ لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ عَاقِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَهَذَا الْإِبْهَامُ يُنَاسِبُ هُنَا لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّعْلِيقُ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مَا بِخِلَافِ غَيْرِ مَهْمَا مِنْ الْأَدَوَاتِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ الْأَشْيَاءِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ تَكَلَّمَ بِأَمَّا بَعْدُ، فَقِيلَ دَاوُد - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَهِيَ فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ لِأَنَّهَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَقَاصِدِ وَالْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ، وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا يَعْقُوبُ، وَقِيلَ أَيُّوبُ، وَقِيلَ سُلَيْمَانُ، وَقِيلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ، وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَقِيلَ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ، وَقِيلَ سَحْبَانُ بْنُ وَائِلٍ، وَعَلَيْهَا فَفَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُد: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ " لَكِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا سَحْبَانُ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهَا فِي خُطَبِهِ وَهُوَ قَبْلَ سَحْبَانَ إجْمَاعًا إذْ سَحْبَانُ كَانَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصِحَّةُ هَذَا الْجَوَابِ تَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَصْدُرْ مِنْ أَصْحَابِهِ بَعْدَهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ إلَى زَمَنِ سَحْبَانَ، وَالظَّنُّ خِلَافُ ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ كَمَالِ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا فِي الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
لَقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانُونَ أَنَّنِي ... إذَا قُلْت أَمَّا بَعْدُ أَنِّي خَطِيبُهَا
وَبَعْدُ ظَرْفٌ زَمَانِيٌّ بِاعْتِبَارِ النُّطْقِ وَمَكَانِيٌّ بِاعْتِبَارِ الرَّسْمِ.
قَوْلُهُ: (مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) مَهْمَا اسْمُ شَرْطٍ مُبْتَدَأٌ وَالِاسْمِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وَيَكُنْ شَرْطٌ وَالْفَاءُ لَازِمَةٌ لَهُ غَالِبًا فَحِينَ تَضَمَّنَتْ أَمَّا مَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَالشَّرْطِ لَزِمَتْهَا الْفَاءُ وَلُصُوقُ الِاسْمِ إقَامَةً لِلَّازِمِ وَهُوَ الْفَاءُ وَلُصُوقُ الِاسْمِ مَقَامَ الْمَلْزُومِ وَهُوَ الْمُبْتَدَأُ وَالشَّرْطُ وَإِبْقَاءً لِأَثَرِهِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الِاسْمِيَّةَ لَيْسَتْ فِي أَمَّا بَلْ مُلَاصِقَةٌ لَهَا.
وَعِبَارَةُ أج وَإِنَّمَا لَزِمَتْ الْفَاءُ بَعْدَ أَمَّا وَلَمْ تَلْزَمْ بَعْدَ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ، لِأَنَّ أَمَّا لَمَّا كَانَتْ دَلَالَتُهَا عَلَى الشَّرْطِ بِنِيَابَتِهَا عَنْ مَهْمَا يَكُنْ ضَعُفَتْ فَاحْتَاجَتْ لِلُزُومِ الْفَاءِ لِتَدُلَّ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ بِخِلَافِ مَهْمَا وَغَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ، فَإِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ بِالْأَصَالَةِ اهـ. وَإِعْرَابُ هَذَا اللَّفْظِ مَهْمَا: مُبْتَدَأٌ.
وَيَكُنْ فِعْلُ الشَّرْطِ وَهِيَ تَامَّةٌ بِمَعْنَى يُوجَدُ، وَمِنْ: زَائِدَةٌ.
وَشَيْءٍ: فَاعِلٌ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَحْذُورَانِ زِيَادَةُ مِنْ فِي الْإِثْبَاتِ، وَخُلُوُّ فِعْلِ الشَّرْطِ مِنْ عَائِدٍ عَلَى الِاسْمِ الْوَاقِعِ مُبْتَدَأً، فَالْأَوْلَى أَنَّ الْفَاعِلَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى مَهْمَا، وَمِنْ شَيْءٍ بَيَانٌ لِمَهْمَا، وَفَائِدَةُ هَذَا الْبَيَانِ بَيَانُ عُمُومِ مَهْمَا، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ