حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مُقَدِّمَة الْكتاب

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

(حَفِظَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى) جُمْلَةٌ دُعَائِيَّةٌ (أَنْ أَعْمَلَ) أَيْ أُصَنِّفَ (مُخْتَصَرًا) وَهُوَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ لَا مَبْسُوطًا وَهُوَ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ، قَالَ الْخَلِيلُ: الْكَلَامُ يُبْسَطُ لِيُفْهَمَ وَيُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ (فِي) عِلْمِ (الْفِقْهِ) الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَيْنِ الْعُلُومِ بِالذَّاتِ وَبَاقِيهَا لَهُ كَالْآلَاتِ، لِأَنَّهُ بِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَحْكَامِ.

وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ وَتَوَاتَرَتْ وَتَطَابَقَتْ الدَّلَائِلُ الصَّرِيحَةُ وَتَوَافَقَتْ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ وَالْحَثِّ عَلَى تَحْصِيلِهِ وَالِاجْتِهَادِ، فِي اقْتِبَاسِهِ وَتَعْلِيمِهِ: فَمِنْ الْآيَاتِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]

[حاشية البجيرمي]

عِبَارَةً عَنْ حُصُولِ نَوْعٍ بِعَيْنِهِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ لَا فَائِدَةَ فِي هَذَا الْبَيَانِ لِإِبْهَامِهِ، ثُمَّ إنَّ خَبَرَ مَهْمَا هُوَ فِعْلُ الشَّرْطِ وَحْدَهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَتَوَقُّفُ الْفَائِدَةِ عَلَى الْجَوَابِ مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيقُ لَا مِنْ حَيْثُ الْخَبَرِيَّةُ م د عَلَى قَوَاعِدِ الْإِعْرَابِ.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ صَدِيقٍ) فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الصَّادِقُ الْمَوَدَّةَ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْحَبِيبِ فَإِنَّ الْحَبِيبَ ذُو الْوُدِّ، وَالْخَلِيلُ صَافِي الْوُدِّ، قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَالصَّدِيقُ مَنْ يَفْرَحُ لِفَرَحِك وَيَحْزَنُ لِحُزْنِك وَضِدُّهُ الْعَدُوُّ.
وَالصَّاحِبُ مَنْ طَالَتْ عِشْرَتُك بِهِ، وَالْخَلِيلُ مَنْ يَفْرَحُ لِفَرَحِك وَيَحْزَنُ لِحُزْنِك وَتَخَلَّلَتْ مَحَبَّتُهُ فِي الْأَعْضَاءِ، وَالْحَبِيبُ مَنْ يَفْرَحُ لِفَرَحِك وَمَنْ يَحْزَنُ لِحُزْنِك وَتَخَلَّلَتْ مَحَبَّتُهُ فِي الْأَعْضَاءِ وَتَفْدِيهِ بِمَالِك اهـ. وَالْعَدَاوَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ عَدَا فُلَانٌ عَنْ طَرِيقِ فُلَانٍ أَيْ جَاوَزَهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ فِيمَا طَلَبَهُ وَكَانَ أَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَلْقَ يَوْمَ أُخِذَ الْمِيثَاقُ عَلَيْهِمْ كَانُوا عَلَى أَحْوَالٍ فَمَا كَانَ وَجْهًا لِوَجْهٍ فَمُحَالٌ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَمَا كَانَ ظَهْرَ الظَّهْرِ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ وَمَا كَانَ وَجْهًا لِظَهْرٍ فَصَاحِبُ الْوَجْهِ مُحِبٌّ عَاشِقٌ وَصَاحِبُ الظَّهْرِ مُبْغِضٌ ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمِنَنُ.
قَوْلُهُ: (جُمْلَةٌ دُعَائِيَّةٌ) وَالدُّعَاءُ رَفْعُ الْحَاجَاتِ إلَى رَافِعِ الدَّرَجَاتِ وَهُوَ بِلَا وَاسِطَةٍ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ فَكَانُوا يَفْزَعُونَ فِي حَوَائِجِهِمْ إلَى الْأَنْبِيَاءِ يَسْأَلُونَ لَهُمْ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَهُ الشَّبْرَخِيتِيُّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ أَعْمَلَ) آثَرَهُ عَلَى أُصَنِّفُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَضْمُ نَفْسِهِ، وَثَانِيهِمَا إشَارَةً إلَى تَعَبِهِ فِيهِ بِالِاخْتِصَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَكَثُرَ مَعْنَاهُ) لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْخَلِيلُ إلَخْ) دَلِيلٌ لِكَوْنِهِ عَمِلَهُ مُخْتَصَرًا وَلَمْ يَعْمَلْهُ مُطَوَّلًا، وَالشَّاهِدُ فِي قَوْلِهِ وَيُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ.
قَوْلُهُ: (فِي الْفِقْهِ) إنْ قُلْت: الْمُخْتَصَرُ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى الرَّاجِحِ وَعِلْمُ الْفِقْهِ هُوَ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا وَلَا مَعْنَى لِظَرْفِيَّةِ الْأَلْفَاظِ فِي الْمَعَانِي.
أُجِيبُ: بِأَنَّ الْمَعْنَى مُخْتَصَرًا دَالًّا عَلَى الْفِقْهِ، فَشَبَّهَ الدَّالَّ وَالْمَدْلُولَ بِالظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا شِدَّةُ التَّمَكُّنِ، وَفِي قَرِينَةِ الِاسْتِعَارَةِ الْمُسَمَّاةِ تَخْيِيلًا، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ فِي الْفِقْهِ صِفَةٌ لِمُخْتَصَرٍ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ الظُّرُوفَ بَعْدَ النَّكِرَاتِ صِفَاتٌ خِلَافًا لِقَوْلِ ق ل إنَّهُ حَالٌ اهـ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقٌ بِأَعْمَلَ.
قَوْلُهُ: (كَالْآلَاتِ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْآلَاتِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ بِحِفْظِ مُجَرَّدِ الْأَحْكَامِ، وَلِذَلِكَ قَالَ كَالْآلَاتِ بِالْكَافِ.
وَقَوْلُهُ: حَالٌ مِنْ الْآلَاتِ.
أَيْ كَالْآلَاتِ لَهُ م د. لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ بِالنَّظَرِ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ، لِأَنَّ الْفِقْهَ لَا يَتَّصِفُ بِهِ إلَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ لِأَنَّهُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ الْمُجْتَهِدَ مَعْرِفَةُ جَمِيعِهَا إلَّا بِوَاسِطَةِ الْآلَاتِ فَنَحْوُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَا يُسَمَّى فَقِيهًا فِي الِاصْطِلَاحِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَلَكَةٌ تُوَصِّلُهُ إلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ يُعْلَمُ مِنْ كُتُبِ الْأُصُولِ فِي تَعْرِيفِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ.
إذَا فَهِمْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ كَالْآلَاتِ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ كَالْآلَاتِ الْمَحْسُوسَةِ وَإِنْ كَانَتْ هُنَا مَعْقُولَةً.
قَوْلُهُ: (يُعْرَفُ الْحَلَالُ) يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ.
وَقَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُمَا) تَحْتَهُ الْمَكْرُوهُ وَالْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ الْخَمْسَةُ.

قَوْلُهُ: (تَظَاهَرَتْ) أَيْ اجْتَمَعَتْ وَتَعَاوَنَتْ، وَالْآيَاتُ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (الدَّلَائِلُ) هِيَ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ، فَالْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ فَلَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ وَصْفِهَا بِالصَّرَاحَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَتَوَافَقَتْ) تَفْسِيرٌ لَتَطَابَقَتْ وَعَطْفُ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا قَبْلَهُ تَفْسِيرٌ قَوْلُهُ: (عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ) لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ فِي الْفِقْهِ وَلَوْ مِنْ الصَّنَائِعِ فَأَلْ لِلْجِنْسِ.
قَوْلُهُ:

وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَمِنْ الْأَخْبَارِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» رَوَاهُ سَهْلٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» . وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ

[حاشية البجيرمي]

فِي اقْتِبَاسِهِ) أَيْ اسْتِفَادَتِهِ.
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اقْتَبَسْت مِنْهُ عِلْمًا اسْتَفَدْته وَفِيهِ تَلْمِيحٌ إلَى أَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ.
قَوْلُهُ: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ نَفْيٌ لِاسْتِوَاءِ الْفَرِيقَيْنِ أَيْ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ أَوْ الْمُطِيعِ وَالْعَاصِي بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ بَعْدَ نَفْيِهِ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، أَيْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِاَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُمْ فِيمَا سَبَقَ بِالْقَانِتِ عَلَى وَجْهٍ أَبْلَغَ أَيْ نَفْيًا كَائِنًا عَلَى طَرِيقٍ أَبْلَغَ لِلتَّصْرِيحِ بِالِاسْتِوَاءِ بَعْدَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ بِالْهَمْزَةِ لِمَزِيدِ فَضْلِ الْعِلْمِ اهـ. قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] أَيْ لَا يَخَافُ مِنْ اللَّهِ خَوْفًا كَامِلًا إلَّا الْعُلَمَاءُ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: عَلَى قَدْرِ عِلْمِ الْمَرْءِ يَعْظُمُ خَوْفُهُ ... فَلَا عَالِمَ إلَّا مِنْ اللَّهِ خَائِفُ وَآمِنٌ مَكْرَ اللَّهِ بِاَللَّهِ جَاهِلُ ... وَخَائِفٌ مَكْرَ اللَّهِ بِاَللَّهِ عَارِفُ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: أَشَدُّ النَّاسِ خَشْيَةً أَعْلَمُهُمْ بِاَللَّهِ، وَفِي قِرَاءَةٍ شَاذَّةٍ بِرَفْعِ الِاسْمِ الْكَرِيمِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَعْظَمُ فِي مَدْحِهِمْ وَأَقْوَى دَلِيلًا عَلَى رَفْعِ مَرْتَبَتِهِمْ، لَكِنَّهُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي يَجِبُ تَأْوِيلُهُ فَتُؤَوَّلُ الْخَشْيَةُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى بِالْإِجْلَالِ لِلُزُومِهِ لَهَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا) أَيْ عَظِيمًا كَثِيرًا فَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ فَلَا يُنَافِي إرَادَةَ الْخَيْرِ بِغَيْرِ الْفَقِيهِ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى طَالِبِ الْفِقْهِ بِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَهُ وَاصْطَفَاهُ، لِأَنَّ إرَادَةَ اللَّهِ الْخَيْرَ بِالْإِنْسَانِ مُغَيَّبَةٌ عَنَّا اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) وَتَمَامُهُ: وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاَللَّهُ مُعْطٍ وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ " اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَيْ قَاسِمٌ بَيْنَكُمْ بِتَبْلِيغِ الْوَحْيِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ، وَاَللَّهُ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَهْمِ مَا أَرَادَ فَالتَّفَاوُتُ فِيهِ مِنْهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ، وَأَنْ وَصِلَتُهَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٌ، وَخَيْرٌ خَبَرٌ أَيْ وَاَللَّهِ لَهِدَايَةُ اللَّهِ بِك رَجُلًا مَثَلًا، فَذِكْرُهُ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ لَا لِإِخْرَاجِ الْمَرْأَةِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ الشَّيْءِ أَيْ هِدَايَتُهُ بِتَعَلُّمِهِ مَسْأَلَةً فِي دِينِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ وَشَرَفِ مَنْزِلَةِ أَهْلِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا اهْتَدَى بِهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ يَهْتَدِي بِهِ كُلَّ يَوْمٍ طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ؟ قَوْلُهُ: (مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ مِنْ التَّصَدُّقِ بِالنَّعَمِ الْحُمْرِ بِسُكُونِ الْمِيمِ جَمْعُ أَحْمَرَ وَبِضَمِّهَا جَمْعُ حِمَارٍ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: فِعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرَ وَحُمْرَا وَقَالَ أَيْضًا: وَفِعْلٌ لِاسْمٍ رُبَاعِيٍّ بِمَدٍّ ... قَدْ زِيدَ قَبْلَ لَامٍ إعْلَالًا فَقَدْ وَخَصَّ الْحُمْرَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ.
قَوْلُهُ: (إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ) عِبَارَةُ م ر وَابْنِ حَجَرٍ: إذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ انْقَطَعَ إلَخْ.
فَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ.
وَقَوْلُهُ: (انْقَطَعَ عَمَلُهُ) أَيْ ثَوَابُهُ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ انْقَطَعَ بِفَرَاغِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ) لَا مَفْهُومَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (يُنْتَفَعُ بِهِ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ فَيَشْمَلُ التَّعْلِيمَ وَالتَّعَلُّمَ وَالتَّأْلِيفَ وَالْكِتَابَةَ وَمُقَابَلَةَ الْكُتُبِ لِتَصْحِيحِهَا ق ل. وَذَكَرَ الْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ بْنُ السُّبْكِيّ أَنَّ التَّصْنِيفَ فِي ذَلِكَ أَقْوَى لِطُولِ بَقَائِهِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ) أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّالِحِ الْمُسْلِمُ وَلَوْ فَاسِقًا.
قَوْلُهُ: (يَدْعُو لَهُ) أَيْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ غَيْرِهِ، فَاللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ فِي

كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
وَمِنْ الْآثَارِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: كَفَى بِالْعِلْمِ شَرَفًا أَنْ يَدَّعِيَهُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ وَيَفْرَحَ بِهِ إذَا نُسِبَ إلَيْهِ،

[حاشية البجيرمي]

حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَيَشْمَلُ دُعَاءَ الْوَلَدِ بِنَفْسِهِ وَدُعَاءَ غَيْرِهِ لِأَجْلِ الْوَلَدِ كَأَنْ رَآهُ شَخْصٌ فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى أَبِيك، وَلِلشَّيْخِ ابْنِ عَلَّانَ الْبَكْرِيِّ: خِصَالٌ عَلَيْهَا الْمَرْءُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ... يُثَابُ فَلَازِمْهَا إذَا كُنْت ذَا ذِكْرِ رِبَاطٌ بِثَغْرٍ ثُمَّ تَوْرِيثُ مُصْحَفٍ ... وَنَشْرٌ لِعِلْمٍ غَرْسُ نَخْلٍ بِلَا نُكْرِ وَحَفْرٌ لِبِئْرٍ ثُمَّ إجْرَاءُ نَهْرٍ مَا ... وَبَيْتُ غَرِيبٍ وَالتَّصَدُّقُ إذْ يَجْرِي وَتَعْلِيمُ قُرْآنٍ وَتَشْيِيدُ مَنْزِلٍ ... لِذِكْرِ وَنَجْلُ مُسْلِمٍ طَيِّبُ الذِّكْرِ وَقَوْلُهُ: وَتَعْلِيمُ قُرْآنٍ أَيْ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر، وَفِيهِ أَيْضًا وَغَرْسُ شَجَرٍ أَيْ وَإِنْ لَمْ تُثْمِرْ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ) مِنْهَا: «مَنْ خَرَجَ لِطَلَبِ عِلْمٍ كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فَإِنْ مَاتَ مَاتَ شَهِيدًا وَإِنْ عَادَ عَادَ بِأَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مُعَلِّمُ الْخَيْرِ إذَا مَاتَ يَبْكِي عَلَيْهِ طَيْرُ السَّمَاءِ وَدَوَابُّ الْأَرْضِ» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى عُتَقَاءِ اللَّهِ مِنْ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَسْعَى إلَى بَابِ الْعَالِمِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِبَادَةَ سَنَةٍ، وَبَنَى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ، وَيَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ وَيُمْسِي وَيُصْبِحُ مَغْفُورًا لَهُ وَتَشْهَدُ الْمَلَائِكَةُ لَهُ بِأَنَّهُ مِنْ عُتَقَاءِ اللَّهِ مِنْ النَّارِ» وَفِي الْحَدِيثِ: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي اللُّجَّةِ» . قَالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ: فَإِنْ قُلْت: جُعِلَ هَذَا غَايَةً فِي الْخِسَّةِ أَيْ خِسَّةِ الْمُسْتَغْفِرِينَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ثَمَّ مَا هُوَ أَخَسُّ مِنْ الْحِيتَانِ كَالذَّرِّ، فَلِمَ خَصَّ الْحُوتَ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَخَسُّ مِنْهُ؟ قُلْت: خَصَّهُ لِكَوْنِهِ لَا لِسَانَ لَهُ وَمَا لَا لِسَانَ لَهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ اسْتِغْفَارِهِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَغُرَ لَهُ لِسَانٌ اهـ. قَالَ فِي تُحْفَةِ الْمَسَائِلِ: فَإِنْ قُلْت مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ بِلِسَانٍ بَعْضُهَا نَاطِقٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ نَاطِقٍ وَلَيْسَ لِلسَّمَكِ لِسَانٌ أَصْلًا؟ . فَالْجَوَابُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ إلَّا إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَسَخَهُ فَأُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ، فَجَاءَ إلَى الْبِحَارِ، فَأَوَّلُ مَا رَآهُ السَّمَكُ فَأَخْبَرَهُمْ بِخَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ: إنَّهُ يَصْطَادُ وَيَأْخُذُ دَوَابَّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَجَعَلَتْ السَّمَكُ تُخْبِرُ خَلْقَ الْبَحْرِ بِخَلْقِ آدَمَ وَتَقُولُ لَا أَمَانَ لَنَا بَعْدَ هَذَا فِي هَذَا الْمَاءِ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِسَانَهَا لِكَوْنِهَا تَفَوَّهَتْ بِالْكَلَامِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْآثَارِ) عِبَارَةُ ابْنِ جَمَاعَةَ عَلَى غَرَامِي صَحِيحٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَأَمْرِي مَوْقُوفٌ عَلَيْك إلَخْ.
تَنْبِيهٌ: الْأَثَرُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَرْوِيِّ سَوَاءٌ كَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ عَنْ الصَّحَابِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُخْتَارُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَدِّثُونَ وَغَيْرُهُمْ وَاصْطَلَحَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَجَمَاهِيرُ الْخَلَفِ وَقَالَ الْفُقَهَاءُ الْخُرَاسَانِيُّونَ الْأَثَرُ مَا يُضَافُ إلَى الصَّحَابِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَفَى بِالْعِلْمِ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمَفْعُولِ.
وَقَوْلُهُ: (أَنْ يَدَّعِيَهُ) فَاعِلٌ أَيْ كَفَى الْعِلْمُ فِي

وَكَفَى بِالْجَهْلِ ذَمًّا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَنْ هُوَ فِيهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا: الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُك وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُو بِالْإِنْفَاقِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَنْ لَا يُحِبُّ الْعِلْمَ لَا خَيْرَ فِيهِ فَلَا يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ وَلَا صَدَاقَةٌ، فَإِنَّهُ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَمِصْبَاحُ الْبَصَائِرِ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -

[حاشية البجيرمي]

الشَّرَفِ ادِّعَاؤُهُ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ.
وَقَوْلُهُ: (ذَمًّا) أَيْ خِسَّةً فَإِنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِمُقَابَلَتِهِ لِلشَّرَفِ وَالْخِسَّةُ لَازِمَةٌ لِلذَّمِّ.
قَوْلُهُ: (الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَالِ) أَيْ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ أَوْلَى مِنْ السَّعْيِ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: الْعِلْمُ يَحْرُسُك إلَخْ.
وَآثَرَ الْمَالَ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ خَيْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّهِ.
قَوْلُهُ: (الْعِلْمُ يَحْرُسُك) أَيْ يَكُونُ سَبَبًا فِي دَفْعِ الْمَكْرُوهِ عَنْك، وَالْمُرَادُ أَنَّ شَأْنَهُ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ فَلَا تَقْتَضِي الدَّوَامَ كَمَا قَرَّرَهُ الْعَزِيزِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ يَحْرُسُ دِينَك لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، فَيَعْمَلُ صَاحِبُهُ بِهِ فَيَحْفَظُ دِينَهُ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَكَأَنَّهُ فِي ظَلَامٍ لَا يَعْرِفُ مَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ وَمَا يَنْفَعُهُ، بَلْ تُحَسِّنُ لَهُ نَفْسُهُ كَثِيرًا مِنْ الْحَرَامِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرِدُ عَلَى كَلَامِ عَلِيٍّ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّهُ قَدْ قُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَنْقُصُهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] وَعَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا: الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَالِ بِسَبْعَةِ أَوْجُهٍ.
أَوَّلُهَا: الْعِلْمُ مِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَالُ مِيرَاثُ الْفَرَاعِنَةِ.
الثَّانِي: الْعِلْمُ لَا يَنْقُصُ بِالنَّفَقَةِ وَالْمَالُ يَنْقُصُ بِهَا.
الثَّالِثُ: الْمَالُ يَحْتَاجُ إلَى الْحَافِظِ وَالْعِلْمُ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ.
الرَّابِعُ: إذَا مَاتَ الرَّجُلُ يَبْقَى مَالُهُ وَالْعِلْمُ يَدْخُلُ مَعَهُ الْقَبْرَ.
الْخَامِسُ: الْمَالُ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْعِلْمُ لَا يَحْصُلُ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ.
السَّادِسُ: جَمِيعُ النَّاسِ يَحْتَاجُونَ إلَى الْعَالِمِ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ وَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى صَاحِبِ الْمَالِ.
السَّابِعُ: الْعِلْمُ يُقَوِّي الرَّجُلَ عَلَى الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَالْمَالُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ.
ذَكَرَهُ الرَّازِيّ.
لَطِيفَةٌ: قَالَ فِي عُيُونِ الْمَجَالِسِ: الْعِلْمُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ: عَيْنٌ وَلَامٌ وَمِيمٌ، الْعَيْنُ مِنْ الْعُلُوِّ، وَاللَّامُ مِنْ اللَّطَافَةِ، وَالْمِيمُ مِنْ الْمُلْكِ، فَالْعَيْنُ تَجُرُّ صَاحِبَهَا إلَى عِلِّيِّينَ، وَاللَّامُ تُصَيِّرُهُ لَطِيفًا، وَالْمِيمُ تُصَيِّرُهُ مَلِكًا عَلَى الْعِبَادِ، وَيُعْطِي اللَّهُ الْعَالِمَ بِبَرَكَةِ الْعَيْنِ الْعِزَّ، وَبِبَرَكَةِ اللَّامِ اللَّطَافَةَ، وَبِبَرَكَةِ الْمِيمِ الْمَحَبَّةَ وَالْمَهَابَةَ.
وَخُيِّرَ سُلَيْمَانُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمُلْكِ وَالْمَالِ، فَاخْتَارَ الْعِلْمَ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْمُلْكَ مَعَ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (يَزْكُو) أَيْ يَزِيدُ بِالْإِنْفَاقِ أَيْ إذَا أَفَدْته بِالتَّعْلِيمِ وَالْإِفْتَاءِ فَفِيهِ تَشْبِيهُ ذَلِكَ بِالْإِنْفَاقِ أَعْنِي صَرْفَ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أَصْلِيَّةٌ قَالَ الشَّاعِرُ: مَنْ حَازَ الْعِلْمَ وَذَاكَرَهُ ... صَلَحَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتُهُ فَأَدِمْ لِلْعِلْمِ مُذَاكَرَةً ... فَحَيَاةُ الْعِلْمِ مُذَاكَرَتُهُ قَوْلُهُ: (مَنْ لَا يُحِبُّ الْعِلْمَ) أَيْ نَفْسَ الْعِلْمِ أَوْ أَهْلَهُ أَوْ اسْتِمَاعَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَكُنْ إلَخْ) نَهَى عَنْ مَعْرِفَةِ مَنْ لَا يُحِبُّ الْعِلْمَ إذَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ لَا يَتَّخِذُهُ صَدِيقًا، فَقَوْلُهُ وَلَا صَدَاقَةَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَهُوَ تَأْسِيسٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى إذَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ فَلَا تَأْخُذْ فِي أَسْبَابِ مَعْرِفَتِهِ، وَإِذَا كُنْت تَعْرِفُهُ فَاجْتَنِبْهُ وَلَا تَتَّخِذْهُ صَدِيقًا، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا مِنْ جَعْلِ عَطْفِ الصَّدَاقَةِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ تَأْكِيدًا اهـ اج قَوْلُهُ: (وَلَا صَدَاقَةَ) : عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ إذْ يَلْزَمُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ الصَّدَاقَةُ.
قَوْلُهُ: (حَيَاةُ الْقُلُوبِ) أَيْ مُخْرِجُهَا مِنْ الْجَهْلِ الشَّبِيهِ بِالْمَوْتِ إلَى الْعِلْمِ الشَّبِيهِ بِالْحَيَاةِ وَقَوْلُهُ: (وَمِصْبَاحُ الْبَصَائِرِ) أَيْ مُنَوِّرُ الْقُلُوبِ؛ فَالْبَصَائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالْقَلْبِ بِخِلَافِ الْبَصَرِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، وَفِي كَلَامِهِ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَتَخْيِيلٌ بِأَنْ شَبَّهَ الْبَصَائِرَ بِمَكَانٍ نَافِعٍ مُحْتَاجٍ إلَى النُّورِ وَأَثْبَتَ لَهُ مَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ الْمِصْبَاحُ فَيَكُونُ تَخْيِيلًا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ [الرعد: 17] السَّيْلُ هَهُنَا الْعِلْمُ شَبَّهَهُ اللَّهُ بِالْمَاءِ لِخَمْسِ خِصَالٍ: أَحَدُهَا كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ نَزَلَ مِنْ

قَالَ: مَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً.
وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ طَلَبَهُ مُرِيدًا بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى،

[حاشية البجيرمي]

السَّمَاءِ كَذَلِكَ الْعِلْمُ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ.
الثَّانِي: كَمَا أَنَّ إصْلَاحَ الْأَرْضِ بِالْمَطَرِ فَإِصْلَاحُ الْخَلْقِ بِالْعِلْمِ.
الثَّالِثُ: كَمَا أَنَّ الزَّرْعَ وَالنَّبَاتَ لَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ الْمَطَرِ كَذَلِكَ الْأَعْمَالُ وَالطَّاعَاتُ لَا تَحْصُلُ بِغَيْرِ الْعِلْمِ.
الرَّابِعُ: كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ فَرْعُ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ كَذَلِكَ الْعِلْمُ فَإِنَّهُ فَرْعُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ.
الْخَامِسُ: كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ نَافِعٌ وَضَارٌّ كَذَلِكَ الْعِلْمُ نَافِعٌ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ وَضَارٌّ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الرَّازِيّ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ) أَيْ الْعِلْمُ الْوَاجِبُ عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِالْإِطْلَاقِ، وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ وَطَلَبُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ تَعَلُّمُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى دَرَجَةِ الْإِفْتَاءِ، وَسُنَّةٌ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ اهـ. وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ تَعَلُّمُ الطِّبِّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَقَوْلُهُ: أَيْ الْوَاجِبُ يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّهُ بِهَذَا التَّأْوِيلِ صَارَ الْعِلْمُ كَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْفُرُوضِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ إلَّا مَسَائِلَ مَعْدُودَةً كَرَدِّ السَّلَامِ وَإِنْظَارِ الْمُعْسِرِ فَابْتِدَاءُ السَّلَامِ أَفْضَلُ مِنْ رَدِّهِ وَإِنْ كَانَ الِابْتِدَاءُ سُنَّةً، وَالرَّدُّ وَاجِبًا وَإِبْرَاءُ الْمُعْسِرِ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ وَهُوَ وَاجِبٌ وَالْإِبْرَاءُ مَنْدُوبٌ، فَالْمُنَاسِبُ التَّعْمِيمُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً) أَيْ النَّافِلَةِ، وَجَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمَهُ أَفْضَلُ مِنْ الذِّكْرِ الْمُجَرَّدِ عَنْ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ بَلْ مِنْ سَائِرِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ إحْيَائِهِ بِغَيْرِهِ» وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مُرْسَلًا قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إسْرَائِيلَ أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَالْآخَرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الْخَيْرَ» . قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: إنَّ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَالِمِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَحْفَظَ مِنْ ذَلِكَ الْعِلْمِ شَيْئًا فَلَهُ سَبْعُ كَرَامَاتٍ: أَوَّلُهَا: يَنَالُ فَضْلَ الْمُتَعَلِّمِينَ، وَالثَّانِي: مَا دَامَ جَالِسًا عِنْدَهُ كَانَ مَحْبُوسًا عَنْ الذُّنُوبِ، وَالثَّالِثُ: إذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ نَزَلَتْ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِ، وَالرَّابِعُ: إذَا جَلَسَ فِي حَلْقَةِ الْعِلْمِ فَإِذَا نَزَلَتْ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ حَصَلَ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ، وَالْخَامِسُ: مَا دَامَ فِي الِاسْتِمَاعِ يُكْتَبُ لَهُ طَاعَةً، وَالسَّادِسُ: إذَا اسْتَمَعَ وَلَمْ يَفْهَمْ ضَاقَ قَلْبُهُ لِحِرْمَانِهِ عَنْ إدْرَاكِ الْعِلْمِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْغَمُّ وَسِيلَةً إلَى حَضْرَةِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: " أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ " أَيْ جَابِرُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ لِأَجْلِي، وَالسَّابِعُ: يَرَى إعْزَازَ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَالِمِ وَإِذْلَالَهُمْ لِلْفَاسِقِ، فَيُرَدُّ قَلْبُهُ عَنْ الْفِسْقِ وَيَمِيلُ طَبْعُهُ إلَى الْعِلْمِ، وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ أَيْضًا: «مَنْ جَلَسَ مَعَ ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ زَادَهُ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ: مَنْ جَلَسَ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ زَادَهُ اللَّهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةَ فِيهَا، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُقَرَاءِ حَصَلَ لَهُ الشُّكْرُ وَالرِّضَا بِقِسْمَةِ اللَّهِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ السُّلْطَانِ زَادَهُ اللَّهُ الْقَسْوَةَ وَالْكِبْرَ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ النِّسَاءِ زَادَهُ اللَّهُ الْجَهْلَ وَالشَّهْوَةَ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الصِّبْيَانِ ازْدَادَ مِنْ اللَّهْوِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُسَّاقِ ازْدَادَ مِنْ الْجَرَاءَةِ عَلَى الذُّنُوبِ وَتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ أَيْ تَأْخِيرِهَا، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الصَّالِحِينَ ازْدَادَ رَغْبَةً فِي الطَّاعَاتِ وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْعُلَمَاءِ ازْدَادَ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ» . قَوْلُهُ: (وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ) قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: صَرِيرُ قَلَمِ الْعَالِمِ تَسْبِيحٌ وَكِتَابَةُ الْعِلْمِ وَالنَّظَرُ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَإِذَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ الْمِدَادِ ثَوْبَهُ فَكَإِصَابَةِ دَمِ الشُّهَدَاءِ، وَإِذَا قَطَرَ مِنْهَا عَلَى الْأَرْضِ تَلَأْلَأَ نُورُهُ، وَإِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ نَظَرَ إلَيْهِ أَهْلُ الْجَمْعِ فَقَالُوا: هَذَا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ وَحَشَرَهُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «يُؤْتَى

فَمَنْ أَرَادَهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ كَمَالٍ أَوْ رِيَاسَةٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ شُهْرَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ مَذْمُومٌ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ يُرِيدُ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ» أَيْ لَمْ يَجِدْ رِيحَهَا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَالِمٌ لَا يَنْتَفِعُ بِعِلْمِهِ» . وَفِي ذَمِّ الْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

[حاشية البجيرمي]

بِمِدَادِ طَالِبِ الْعِلْمِ وَدَمِ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَفْضُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَيُرَجَّحُ مِدَادُ الْعُلَمَاءِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اتَّكَأَ عَلَى يَدِهِ عَالِمٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ وَمَنْ قَبَّلَ رَأْسَ عَالِمٍ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بَكَتْ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَنْ عَلَيْهِنَّ لِعَزِيزٍ ذَلَّ وَغَنِيٍّ افْتَقَرَ وَعَالِمٍ يَلْعَبُ بِهِ الْجُهَّالُ» . اهـ. رَازِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) كَالْجَدَلِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ مَذْمُومٌ) خَبَرُ مَنْ فِي قَوْلِهِ فَمَنْ أَرَادَهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ) أَيْ بِعِلْمِهِ حَرْثَ الْآخِرَةِ أَيْ ثَوَابَهَا فَشَبَّهَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِالزَّرْعِ وَأَطْلَقَ اسْمَهُ عَلَيْهِ فَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ وَالْجَامِعُ أَنَّ كُلًّا فَائِدَةٌ تَحْصُلُ بِشَيْءٍ، فَالثَّوَابُ بِالْعَمَلِ وَالزَّرْعِ بِالْبَذْرِ وَلِذَلِكَ قِيلَ: الدُّنْيَا مَزْرَعَةٌ لِلْآخِرَةِ، وَالْحَرْثُ فِي الْأَصْلِ إلْقَاءُ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ، وَيُقَالُ لِلزَّرْعِ الْحَاصِلِ مِنْهُ كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ وَقَوْلُهُ: فِي الْأَصْلِ إشَارَةٌ إلَى غَيْرِ مَا اُشْتُهِرَ وَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي تَكْرِيبِ الْأَرْضِ أَيْ حَرْثِهَا بِالْآلَةِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (نَزِدْ لَهُ) أَيْ بِالتَّضْعِيفِ أَيْ نُضَعِّفْهُ لَهُ قَوْلُهُ: (لَمْ يَرِحْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالرَّاءِ وَبِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ رَاحَ يَرَاحُ أَوْ رَاحَ يَرِيحُ أَوْ أَرَاحَ يُرِيحُ رِوَايَاتٌ ثَلَاثَةٌ أَيْ لَمْ يَشُمَّ رِيحَهَا كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ دُخُولِهَا أَيْ مَعَ السَّابِقِينَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ مُؤْمِنًا يَدْخُلُهَا أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ.
قَوْلُهُ: (أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْكَافِرَ أَشَدُّ عَذَابًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي ذَمِّ الْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ) مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ أَيْ تَخْرُجُ أَمْعَاؤُهُ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ فِي الرَّحَا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَك أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى كُنْت آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» . وَقَدْ جَاءَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إلَى عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " يَا ابْنَ مَرْيَمَ عِظْ نَفْسَك فَإِنْ اتَّعَظَتْ فَعِظْ النَّاسَ وَإِلَّا فَاسْتَحِي مِنِّي " وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 94] قَالَ: الْغَاوُونَ قَوْمٌ وَصَفُوا الْحَقَّ وَالْعَدْلَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَخَالَفُوهُ إلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُلَمَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلَانِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طُعْمًا وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا فَذَاكَ يُصَلِّي عَلَيْهِ طَيْرُ السَّمَاءِ وَحِيتَانُ الْمَاءِ وَدَوَابُّ الْأَرْضِ وَالْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، وَيَقْدَمُ عَلَى اللَّهِ سَيِّدًا شَرِيفًا حَتَّى يُوَاقِفَ الْمُرْسَلِينَ.
وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فِي الدُّنْيَا فَضَنَّ أَيْ بَخِلَ بِهِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طُعْمًا وَاشْتَرَى بِهِ ثَمَنًا فَذَلِكَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَجَّمًا بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يُنَادَى بِهِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا فِي الدُّنْيَا فَضَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ وَأَخَذَ عَلَيْهِ طُعْمًا وَاشْتَرَى بِهِ ثَمَنًا ثُمَّ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْحِسَابِ» وَقَالَ كَعْبٌ: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عُلَمَاءُ يُزَهِّدُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَزْهَدُونَ وَيُخَوِّفُونَ وَلَا يَخَافُونَ وَيَنْهَوْنَ عَنْ غَشَيَانِ الْوُلَاةِ وَيَأْتُونَهُمْ يُؤْثِرُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ.
وَقَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: لَيْسَ فِي الْقِيَامَةِ أَشَدُّ حَسْرَةً مِنْ رَجُلٍ عَلَّمَ النَّاسَ عِلْمًا فَعَمِلُوا بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ هُوَ بِهِ فَفَازُوا بِسَبَبِهِ وَهَلَكَ.
وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَالْأَحَادِيثُ فِي ذَمِّ عُلَمَاءِ السُّوءِ وَتَوْبِيخِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ، وَمَنْ خَالَفَ قَوْلُهُ عَمَلَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَهِيَ نَاطِقَةٌ بِأَنَّ مَنْ أَمَرَ بِمَا لَا يَفْعَلُ أَشَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ الْفَجَرَةَ هُمْ الْأَخْسَرُونَ إذْ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا وَأَنَّ حُجَّتَهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَمَّا وَهَبَهُمْ مِنْ عِلْمِهِ نِعْمَةً مِنْهُ عَلَيْهِمْ فَكَفَرُوا بِنِعْمَتِهِ وَخَالَفُوا أَمْرَهُ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى الْمِعْرَاجِ.

وَالْفِقْهُ لُغَةً الْفَهْمُ مُطْلَقًا كَمَا صَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاصْطِلَاحًا كَمَا فِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا (عَلَى مَذْهَبِ) أَيْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ (الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ) مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْمَسَائِلِ مَجَازًا عَنْ مَكَانِ الذَّهَابِ؛ وَإِذْ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (الْفَهْمُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ أَوْ لَا.
بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمَا دَقَّ وَمَا لَمْ يَدِقَّ، وَقِيلَ فَهْمُ مَا دَقَّ فَقَطْ عَلَيْهِ فَلَا يُقَالُ فَقِهْت أَنَّ السَّمَاءَ فَوْقَنَا مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا صَوَّبَهُ الْإِسْنَوِيُّ) أَيْ نَقَلَ تَصْوِيبَهُ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ إذْ مُقَابِلُهُ يَقْصُرُهُ عَلَى فَهْمِ الْأُمُورِ الدَّقِيقَةِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ مِنْ الِاعْتِرَاضِ هُنَا مِنْ أَنَّ الْإِسْنَوِيَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَهُمْ لَا تَصْوِيبَ لَهُمْ فِي الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: يُقَالُ فَقُهَ يَفْقُهُ بِالضَّمِّ فِيهِمَا إذَا صَارَ فَقِيهًا أَيْ عَالِمًا، وَأَمَّا فَقِهَ بِالْكَسْرِ فَمُضَارِعُهُ يَفْقَهُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ مَقِيسٌ تَقُولُ فَقِهْت الْمَسْأَلَةَ أَيْ فَهِمْتهَا اهـ أُجْهُورِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ إلَخْ) خَرَجَ بِالْأَحْكَامِ مَعْرِفَةُ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ وَالْبَيَاضِ، وَخَرَجَ بِإِضَافَتِهَا لِلْحَوَادِثِ الْعُلُومُ الْعَقْلِيَّةُ الْمُسْتَقِرَّةُ فِي نَفْسِهَا كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَالْحِسِّيَّةُ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النَّارَ مُحْرِقَةٌ وَالِاعْتِقَادِيَّة كَالْعِلْمِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ نَصًّا إلَخْ.
عِلْمُ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ، أَوْ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ لَكِنْ يَنْقَلِبُ ضَرُورِيًّا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْحَوَادِثِ الْأَفْعَالُ وَنَصَبَ نَصًّا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَعَلَى تَفْسِيرِ الْفِقْهِ بِمَعْرِفَةِ إلَخْ.
يَكُونُ قَوْلُ الشَّارِحِ فِي عِلْمِ الْفِقْهِ مِنْ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ إنْ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ الْإِدْرَاكُ، فَإِنْ أُرِيدَ الْمَسَائِلُ فَالْمَعْنَى فِي مَسَائِلِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ إلَخْ وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ. قَوْلُهُ: (نَصًّا) أَيْ بِالنَّصِّ أَوْ مِنْ النَّصِّ وَالِاسْتِنْبَاطِ أَيْ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْفِقْهَ دَلِيلُهُ النَّصُّ وَالْقِيَاسُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِهِ الْمَشْهُورِ وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَذْهَبِ) حَالٌ مِنْ الْفِقْهِ أَيْ حَالَ كَوْنِ الْفِقْهِ جَارِيًا عَلَى مَذْهَبٍ أَيْ طَرِيقَةٍ، وَرَأْيِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ إلَخْ.
أَوْ حَالٌ مِنْ مُخْتَصَرٍ أَيْ حَالَ كَوْنِ الْمُخْتَصَرِ كَائِنًا عَلَى مَذْهَبِ إلَخْ.
أَوْ عَلَى بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي مَذْهَبٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ الْفِقْهِ.
قَالَ سم فَإِنْ قُلْت: كَانَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ مُخْتَصَرًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَلِمَ زَادَ قَوْلَهُ فِي الْفِقْهِ؟ قُلْت: إشَارَةٌ لِمَدْحِ مُخْتَصَرِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ عُمُومِ كَوْنِهِ فِي الْفِقْهِ، وَخُصُوصِ كَوْنِهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلِمَدْحِ عُمُومِ الْفِقْهِ وَخُصُوصِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ الْفِقْهِ كَأُصُولِ الْفِقْهِ اهـ. وَالْمَذْهَبُ لُغَةً مَكَانُ الذَّهَابِ وَهُوَ الطَّرِيقُ وَاصْطِلَاحًا الْأَحْكَامُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ شُبِّهَتْ بِمَكَانِ الذَّهَابِ بِجَامِعِ أَنَّ الطَّرِيقَ يُوَصِّلُ إلَى الْمَعَاشِ وَتِلْكَ الْأَحْكَامُ تُوَصِّلُ إلَى الْمَعَادِ أَوْ بِجَامِعِ أَنَّ الْأَجْسَادَ تَتَرَدَّدُ فِي الطَّرِيقِ وَالْأَفْكَارَ تَتَرَدَّدُ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ فَهِيَ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ وَهَلْ هِيَ أَصْلِيَّةٌ أَوْ تَبَعِيَّةٌ قَوْلَانِ الْأَرْجَحُ مِنْهُمَا الثَّانِي وَعَلَيْهِ فَيُقَالُ شَبَّهَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالذَّهَابِ فِي الطَّرِيقِ وَاسْتَعَارَ الذَّهَابَ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَاشْتُقَّ مِنْهُ مَذْهَبُ هَذَا إنْ لَمْ يُهْجَرْ الْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ وَإِلَّا فَهُمْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ فَإِنَّ الْإِمَامَ فِيهِ مَجْرُورٌ وَفِي حَلِّ الشَّارِحِ مَرْفُوعٌ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ حَلُّ مَعْنًى لَا حَلُّ إعْرَابٍ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّقْرِيبِ قَوْلًا بِجَوَازِ التَّغْيِيرِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُؤَلَّفُ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (الشَّافِعِيِّ) النِّسْبَةُ إلَى الشَّافِعِيِّ شَافِعِيٌّ لَا شَفْعَوِيٌّ كَمَا قِيلَ بِهِ، لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمَنْسُوبَ لِلْمَنْسُوبِ يُؤْتَى بِهِ عَلَى صُورَةِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، لَكِنْ بَعْدَ حَذْفِ الْيَاءِ مِنْ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ وَإِثْبَاتِ بَدَلِهَا فِي الْمَنْسُوبِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَمِثْلُهُ مِمَّا حَوَاهُ احْذِفْ وَقَوْلُهُ: (الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلِقِ وَهُوَ كَامِلُ الْأَدِلَّةِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَخَرَجَ مُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمُقَلِّدُ لِإِمَامٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ؛ الْعَارِفِ بِقَوَاعِدِ إمَامِهِ، فَإِذَا وَقَعَتْ حَادِثَةٌ لَمْ يُعْرَفْ لِإِمَامِهِ فِيهَا نَصٌّ اجْتَهَدَ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِهِ وَخَرَّجَهَا عَلَى أُصُولِهِ وَخَرَجَ أَيْضًا مُجْتَهِدُ الْفَتْوَى وَهُوَ الْمُتَبَحِّرُ فِي مَذْهَبِهِ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى الْآخَرِ إذَا أَطْلَقَهُمَا اهـ م د. قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْمَسَائِلِ) مِنْ ظَرْفِيَّةُ الْبَعْضِ فِي الْكُلِّ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ

ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الشَّافِعِيَّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) فَلْنَتَعَرَّضْ إلَى طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِهِ تَبَرُّكًا بِهِ.
فَنَقُولُ: هُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَسُلْطَانُ الْأَئِمَّةِ مُحَمَّدٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهَذَا نَسَبٌ عَظِيمٌ كَمَا قِيلَ:

[حاشية البجيرمي]

الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَالنِّسْبَةُ بَيْنَهُمَا الَّتِي هِيَ الْحُكْمُ قَوْلُهُ: (مَجَازًا) أَيْ مُتَجَوِّزًا بِهِ عَنْ مَكَانِ إلَخْ.
أَوْ مَنْقُولًا عَنْ مَكَانِ إلَخْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: حَالٌ مِنْ مَا ذَهَبَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَفْظٌ وَمَا ذَهَبَ مَعَانٍ بِدَلِيلِ تَبْيِينِهِ بِالْأَحْكَامِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ دَالِّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَجَازًا، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ مَحْذُوفٌ أَيْ اسْتَعْمَلَ فِيمَا ذُكِرَ مَجَازًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (إلَى طَرَفٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالرَّاءِ أَوْ بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ طُرْفَةٍ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (حَبْرُ الْأُمَّةِ) أَيْ عَالِمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَسُلْطَانُ الْأَئِمَّةِ) أَيْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ أَيْ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَصَرُّفَ السُّلْطَانِ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ إدْرِيسَ) وَأُمُّ الْإِمَامِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
قَوْلُهُ: (هَاشِمِ) عِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ قَوْلُهُ هَاشِمٌ هُوَ غَيْرُ هَاشِمٍ الَّذِي هُوَ أَخُو الْمُطَّلِبِ وَجَدُّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهَاشِمٌ الْمَذْكُورُ فِي نَسَبِ الشَّافِعِيِّ هُوَ ابْنُ الْمُطَّلِبِ أَخُو هَاشِمٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ لَهُ أَخٌ اسْمُهُ هَاشِمٌ جَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَابْنٌ يُسَمَّى هَاشِمًا أَيْضًا هُوَ جَدُّ الشَّافِعِيِّ، وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا يَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ جَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصْفٌ لِعَبْدِ مَنَافٍ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
فَهَاشِمٌ الَّذِي فِي نَسَبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمُّ هَاشِمٍ الَّذِي فِي نَسَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. قَوْلُهُ: (ابْنِ هَاشِمِ) . هَاشِمٌ هَذَا غَيْرُ هَاشِمٍ الَّذِي فِي نَسَبِ الْإِمَامِ، فَاَلَّذِي فِي نَسَبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمُّ الَّذِي فِي نَسَبِ الْإِمَامِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ مَنَافٍ وَالِدُ ابْنَيْنِ شَقِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَاشِمٌ وَالْآخَرُ الْمُطَّلِبُ، فَهَاشِمٌ أَعْقَبَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَعْقَبَ عَبْدَ اللَّهِ أَبَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمُطَّلِبُ أَعْقَبَ هَاشِمًا، وَهَاشِمٌ أَعْقَبَ عَبْدَ يَزِيدَ إلَى آخِرِ نَسَبِ الْإِمَامِ، فَالْمُطَّلِبُ عَمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَمَّا أَبُو طَالِبٍ فَعَمُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَاشِمٌ هُوَ عَمْرُو الْعَلَاءُ أَيْ لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَهُوَ أَخُو عَبْدِ شَمْسٍ، وَكَانَا تَوْأَمَيْنِ، وَكَانَتْ رِجْلُ هَاشِمٍ أَيْ أُصْبُعُهَا مُلْصَقَةً بِجَبْهَةِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهَا إلَّا بِسَيَلَانِ دَمٍ، فَكَانُوا يَقُولُونَ سَيَكُونُ بَيْنَهُمَا دَمٌ فَكَانَ بَيْنَ وَلَدَيْهِمَا أَيْ بَيْنَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَبَيْنَ بَنِي أُمَيَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ لَهُ هَاشِمٌ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مِنْ هَشَمَ الثَّرِيدَ بَعْدَ جَدِّهِ إبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَيْ ثَرَدَ الثَّرِيدَ وَأَطْعَمَهُ الْمَسَاكِينَ اهـ حَلَبِيٌّ فِي السِّيرَةِ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ عَبْدِ مَنَافٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ الثَّالِثِ وَهُوَ الْأَبُ الرَّابِعُ، فَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ابْنُ عَمِّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَبْدُ مَنَافٍ اسْمُهُ الْمُغِيرَةُ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ قَمَرُ الْبَطْحَاءِ لِحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ، وَمَنَافٌ أَصْلُهُ مَنَاةُ اسْمُ صَنَمٍ كَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِهِمْ، وَكَانَتْ أُمُّهُ جَعَلَتْهُ خَادِمًا لِذَلِكَ الصَّنَمِ، وَقِيلَ وَهَبَتْهُ لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ وَلَدٍ وُلِدَ لِقُصَيٍّ عَلَى مَا قِيلَ ح ل فِي السِّيرَةِ.
قَوْلُهُ: (ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) وَيُدْعَى شَيْبَةُ الْحَمْدِ لِكَثْرَةِ حَمْدِ النَّاسِ لَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ مَفْزِعَ قُرَيْشٍ فِي النَّوَائِبِ وَمَلْجَأَهُمْ فِي الْأُمُورِ، وَكَانَ شَرِيفَ قُرَيْشٍ وَسَيِّدَهَا كَمَالًا وَفِعَالًا مِنْ غَيْرِ مُدَافِعٍ، أَوْ قِيلَ لَهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي رَأْسِهِ شَيْبَةٌ، أَيْ وَفِي عِبَارَةٍ كَانَ وَسَطُ رَأْسِهِ أَبْيَضَ أَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا بِأَنْ يَبْلُغَ سِنَّ الشَّيْبِ، قِيلَ اسْمُهُ عَامِرٌ وَعَاشَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً أَيْ وَكَانَ مِمَّنْ حَرَّمَ الْخَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْفَيَّاضُ لِجُودِهِ، وَمُطْعِمُ طَيْرِ السَّمَاءِ لِأَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ مِنْ مَائِدَتِهِ لِلطَّيْرِ وَالْوُحُوشِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَكَانَ مِنْ حُلَمَاءِ قُرَيْشٍ وَحُكَمَائِهَا.
وَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ عَمَّهُ الْمُطَّلِبَ لَمَّا جَاءَ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ صَغِيرًا أَرْدَفَهُ خَلْفَهُ أَيْ وَكَانَ بِهَيْئَةٍ رَثَّةٍ أَيْ ثِيَابٍ خَلْقَةٍ فَصَارَ كُلُّ مَنْ يَسْأَلُ عَنْهُ وَيَقُولُ مَنْ هَذَا؟ يَقُولُ عَبْدِي أَيْ حَيَاءً

نَسَبٌ كَأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى ... نُورًا وَمِنْ فَلَقِ الصَّبَاحِ عَمُودًا مَا فِيهِ إلَّا سَيِّدٌ وَابْنُ سَيِّدٍ ... حَازَ الْمَكَارِمَ وَالتُّقَى وَالْجُودَا وَشَافِعُ بْنُ السَّائِبِ: هُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُتَرَعْرِعٌ، وَأَسْلَمَ أَبُوهُ السَّائِبُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ رَايَةِ بَنِي هَاشِمٍ، فَأُسِرَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ وَفَدَى نَفْسَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَعَبْدُ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ ابْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى هَذَا النَّسَبِ إلَى عَدْنَانَ، وَلَيْسَ فِيمَا بَعْدَهُ إلَى آدَمَ طَرِيقٌ صَحِيحٌ فِيمَا يُنْقَلُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ إذَا انْتَهَى فِي النَّسَبِ إلَى عَدْنَانَ أَمْسَكَ ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النَّسَّابُونَ» أَيْ بَعْدَهُ.
وُلِدَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى الْأَصَحِّ بِغَزَّةَ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا هَاشِمٌ جَدُّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقِيلَ بِعَسْقَلَانَ، وَقِيلَ بِمِنًى سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، ثُمَّ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ وَنَشَأَ بِهَا، وَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ

[حاشية البجيرمي]

أَنْ يَقُولَ ابْنُ أَخِي، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَحْسَنَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ وَصَارَ يَقُولُ لِمَنْ يَقُولُ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَيْحَكُمْ إنَّمَا هُوَ شَيْبَةُ الْحَمْدِ ابْنُ أَخِي هَاشِمٍ لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، أَيْ وَقِيلَ لِأَنَّهُ تَرَبَّى فِي حِجْرِ عَمِّهِ الْمُطَّلِبِ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تَقُولَ لِلْيَتِيمِ الَّذِي يَتَرَبَّى فِي حِجْرِ أَحَدٍ هُوَ عَبْدُهُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ نَسَبُ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ: (وَمِنْ فَلَقِ الصَّبَاحِ) الْفَلَقُ بِالتَّحْرِيكِ الصُّبْحُ بِعَيْنِهِ فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَابْنُ سَيِّدٍ) صَوَابُهُ مِنْ سَيِّدٍ فَإِنَّهُ مِنْ الْكَامِلِ وَلَا يَصِحُّ الْوَزْنُ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ.
قَوْلُهُ: (مُتَرَعْرِعٌ) هُوَ بِمُهْمَلَاتٍ مَنْ جَاوَزَ فِي الْعُمْرِ خَمْسَ سِنِينَ ق ل. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ شَابٌّ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: تَرَعْرَعَ الصَّبِيُّ أَيْ تَحَرَّكَ وَنَشَأَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَافِعًا صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ، فَلِذَا نُسِبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ خِفَّةِ اللَّفْظِ وَالتَّفَاؤُلِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ كَانَ) أَيْ فَسَبَبُ إسْلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ إلَخْ قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَسْلَمَ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا مِنْ أَنَّ إسْلَامَهُ بَعْدَ الْفِدَاءِ يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ إسْلَامَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، لِأَنَّ الْفِدَاءَ كَانَ بَعْدَ انْفِضَاضِ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَرُجُوعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ.
وَأُجِيبُ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا أَنَّهُ أَسْلَمَ أَوَّلًا يَوْمَ بَدْرٍ خُفْيَةً، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفِدَاءِ جِهَارًا.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِيَوْمِ بَدْرٍ غَزْوَةُ بَدْرٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ أَوَّلًا أَسْلَمَ مَعْنَاهُ عَزَمَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ ثَانِيًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَيْ بِالْفِعْلِ.
وَمِنْهَا أَنَّ الْأَسْرَى مِنْهُمْ مَنْ فَدَى نَفْسَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَخَّرَ إلَى رُجُوعِهِ الْمَدِينَةَ.
قَوْلُهُ: (وَعَبْدُ مَنَافٍ) مُبْتَدَأٌ فَهُوَ بِالتَّنْوِينِ وَابْنُ خَبَرٌ.
قَوْلُهُ: (كِلَابٍ) وَاسْمُهُ حَكِيمٌ، وَقِيلَ عُرْوَةُ وَلُقِّبَ بِكِلَابٍ لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الصَّيْدَ وَأَكْثَرُ صَيْدِهِ كَانَ بِالْكِلَابِ.
قَوْلُهُ: (كِنَانَةَ) قِيلَ لَهُ كِنَانَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ فِي كِنٍّ بَيْنَ قَوْمِهِ أَيْ مُخْتَفِيًا.
قَوْلُهُ: (إلْيَاسَ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ وَقِيلَ مَفْتُوحَةٌ أَيْضًا قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ كِبَرِ سِنِّ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى هَذَا النَّسَبِ إلَى عَدْنَانَ) وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ هَذَا النَّسَبَ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ مُطَّلِبٌ هَاشِمُ ... مَنَافٍ قُصَيٌّ مَعَ كِلَابٍ فَمُرَّةُ فَكَعْبٌ لُؤَيٌّ غَالِبٌ فَهُوَ مَالِكُ ... كَذَا النَّضْرُ نَجْلُ كِنَانَةَ بْنُ خُزَيْمَةَ فَمُدْرِكَةٌ إلْيَاسُ مَعَ مُضَرَ كَذَا ... نِزَارُ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ أَثْبَتُ

قَوْلُهُ: (بِغَزَّةَ) مُعْتَمَدٌ وَهِيَ مِنْ الشَّامِ.
وَقَوْلُهُ: (وَقِيلَ إلَخْ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ ضَعِيفَانِ.
قَوْلُهُ: (سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ) وَالسَّنَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُوُفِّيَ فِيهَا الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْكُوفِيُّ بِبَغْدَادَ وَقَبْرُهُ هُنَاكَ ظَاهِرٌ يُزَارُ.
وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ.
وَفِي عَامِ ثَلَاثَةٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ تِسْعِينَ وُلِدَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَتُوُفِّيَ فِي عَامِ تِسْعٍ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَمِائَةٍ وَسَبْعِينَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ.
وَوُلِدَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.
وَتُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي عَامِ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، فَعُمُرُ أَبِي حَنِيفَةَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَعُمُرُ مَالِكٍ تِسْعٌ وَثَمَانُونَ، وَعُمُرُ

سِنِينَ، وَالْمُوَطَّأَ وَهُوَ ابْنُ عَشَرَةٍ.
وَتَفَقَّهَ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ مُفْتِي مَكَّةَ الْمَعْرُوفِ بِالزَّوْجِيِّ لِشِدَّةِ شُقْرَتِهِ مِنْ بَابِ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْإِفْتَاءِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَعَ أَنَّهُ نَشَأَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّهِ فِي قِلَّةٍ مِنْ الْعَيْشِ وَضِيقِ حَالٍ، وَكَانَ فِي صِبَاهُ يُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ وَيَكْتُبُ مَا يَسْتَفِيدُهُ فِي الْعِظَامِ وَنَحْوِهَا حَتَّى مَلَأَ مِنْهَا خَبَايَا.
ثُمَّ رَحَلَ إلَى مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ وَلَازَمَهُ مُدَّةً، ثُمَّ قَدِمَ بَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَأَقَامَ بِهَا سَنَتَيْنِ فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهَا وَرَجَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْ مَذَاهِبَ كَانُوا عَلَيْهَا إلَى مَذْهَبِهِ.

وَصَنَّفَ بِهَا كِتَابَهُ الْقَدِيمَ، ثُمَّ عَادَ إلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ عَادَ إلَى بَغْدَادَ سَنَةَ ثَمَانٍ

[حاشية البجيرمي]

الشَّافِعِيِّ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَعُمُرُ أَحْمَدَ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ تَارِيخَ وِلَادَتِهِمْ وَمَوْتِهِمْ وَمِقْدَارَ عُمُرِهِمْ فِي قَوْلِهِ: تَارِيخُ نُعْمَانَ يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا ... وَمَالِكٍ فِي قَطْعِ جَوْفٍ ضَبَطَا وَالشَّافِعِيِّ صِينَ بِبَرْنَدْ ... وَأَحْمَدَ بِسَبْقِ أَمْرٍ جَعَدْ فَاحْسُبْ عَلَى تَرْتِيبِ نَظْمِ الشِّعْرِ ... مِيلَادَهُمْ فَمَوْتَهُمْ فَالْعُمْرِ قَوْلُهُ: (بِالزِّنْجِيِّ) بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَمُسْلِمٌ أَخَذَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدٌ أَخَذَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ رَبَاحٍ، وَعَطَاءٌ أَخَذَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّبِيُّ عَنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ عَنْ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى.
قَوْلُهُ: (وَأُذِنَ لَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ الْآذِنَ لَهُ فِيهِ هُوَ مَالِكٌ كَمَا فِي شَرْحِ م ر حَيْثُ قَالَ: وَأَذِنَ لَهُ مَالِكٌ فِي الْإِفْتَاءِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ وَأَذِنَ أَيْ مُسْلِمٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ.
وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَلَا تَنَافِي لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْإِذْنَ صَدَرَ مِنْهُمَا لَهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّهُ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِحَفِظَ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ مَعَ أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ شَأْنُهُ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ.
وَحَاصِلُهُ التَّعَجُّبُ مِنْ حَالِهِ مَعَ كَوْنِهِ يَتِيمًا، وَذَكَرُوا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا سَلَّمُوهُ إلَى الْمَكْتَبِ مَا كَانُوا يَجِدُونَ أُجْرَةَ الْمُعَلِّمِ، وَكَانَ الْمُعَلِّمُ يُقَصِّرُ فِي التَّعْلِيمِ إلَّا أَنَّ الْمُعَلِّمَ كُلَّمَا عَلَّمَ صَبِيًّا كَانَ الشَّافِعِيُّ يَتَلَقَّفُ ذَلِكَ الْكَلَامَ أَيْ يَتَنَاوَلُهُ وَيَحْفَظُهُ بِسَمَاعِهِ مِنْ مُعَلِّمِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي الْمَكْتَبِ، ثُمَّ إذَا قَامَ الْمُعَلِّمُ مِنْ مَكَانِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ فَنَظَرَ الْمُعَلِّمُ فَرَأَى الشَّافِعِيَّ يَكْفِيهِ أَمْرَ الصِّبْيَانِ أَكْثَرَ مِنْ الْأُجْرَةِ الَّتِي كَانَ يَطْمَعُ بِهَا مِنْهُ فَتَرَكَ طَلَبَ الْأُجْرَةِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْتُبُ مَا يَسْتَفِيدُهُ فِي الْعِظَامِ وَنَحْوِهَا) لِعَجْزِهِ عَنْ ثَمَنِ الْوَرَقِ لِأَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَقِيرًا.
قَوْلُهُ: (خَبَايَا) جَمْعُ خَبِيَّةٍ وَهِيَ جِرَارُ الْفَخَّارِ وَنَحْوُهَا، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَوَّلَ كَاغَدٍ أَيْ وَرَقٍ عُمِلَ فِي الْأَرْضِ لِسَيِّدِنَا يُوسُفَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى الْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَاللِّخَافِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا أَلِفٌ فِي آخِرِهَا فَاءٌ الْحِجَارَةُ الرَّقِيقَةُ وَاحِدُهُ لَخْفٌ، وَالْعُسُبُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ عَسِيبٍ اسْمٌ لِجُدُورِ الْجَرِيدِ وَهِيَ الْقِحْفُ الْمَشْهُورَةُ الْآنَ، وَقِيلَ اسْمٌ لِمُطْلَقِ الْجَرِيدِ اهـ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَحَلَ إلَى مَالِكٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَلَا يُنَافِي مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْآذِنَ لَهُ فِي الْإِفْتَاءِ هُوَ مَالِكٌ، لِأَنَّ هَذَا مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ فِي صِبَاهُ يُجَالِسُ الْعُلَمَاءَ إلَخْ.
فَهُوَ تَفْصِيلٌ لِمَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ رَحَلَ فِي سَنَةِ الْإِذْنِ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ وَهِيَ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا رَآهُ مَاهِرًا أَذِنَ لَهُ هُوَ أَيْضًا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فَقَدْ حَصَلَ الْإِذْنُ لَهُ مِنْ مُفْتِي مَكَّةَ وَمُفْتِي الْمَدِينَةِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا مَرَّ اهـ م د. فَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِذْنِ.
قَوْلُهُ: (بَغْدَادَ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: وَفِي بَغْدَادَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: إحْدَاهَا بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ بِإِهْمَالِ الْأُولَى وَإِعْجَامِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةُ بَغْدَانُ بِالنُّونِ، وَالرَّابِعَةُ مَغْدَانُ بِالْمِيمِ أَوَّلَهَا اهـ خَضِرٌ عَلَى التَّحْرِيرِ

قَوْلُهُ: (وَصَنَّفَ بِهَا كِتَابَهُ الْقَدِيمَ) وَرُوَاتُهُ أَرْبَعَةٌ أَجَلُّهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْكَرَابِيسِيُّ، وَالزَّعْفَرَانِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَرُوَاةُ الْجَدِيدِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيُّ وَالرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ رَاوِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَالَ الْإِمَامُ فِيهِ: إنَّهُ أَحْفَظُ أَصْحَابِي رَحَلَتْ النَّاسُ إلَيْهِ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِيَأْخُذُوا عَنْهُ عِلْمَ الشَّافِعِيِّ، فَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ فَلَمْ يَنْقُلْ عَنْ الشَّافِعِيِّ إلَّا كَرَاهَةَ الْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ أَيْ الْأَنْغَامِ وَأَنَّ الشَّعْرَ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ اهـ طَبَقَاتُ الْإِسْنَوِيِّ ع ش عَلَى م ر. وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية البجيرمي]

الْجَدِيدِ دُونَ الْقَدِيمِ، فَقَدْ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ وَقَالَ: لَا أَجْعَلُ فِي حِلٍّ مَنْ رَوَاهُ عَنِّي إلَّا فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ نَحْوُ السَّبْعَةَ عَشَرَ يُفْتِي فِيهَا بِالْقَدِيمِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي قَدِيمٍ لَمْ يُعَضِّدْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَا مُعَارِضَ لَهُ، فَإِنْ اعْتَضَدَ بِدَلِيلٍ فَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عُرْضَ الْحَائِطِ.
فَائِدَةٌ: الْمَسَائِلُ الَّتِي يُفْتِي بِهَا عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ تَبْلُغُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَسْأَلَةً مِنْهَا عَدَمُ وُجُوبِ التَّبَاعُدِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَالتَّثْوِيبُ فِي الْأَذَانِ وَعَدَمُ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الْمَحَارِمِ وَطَهَارَةُ الْمَاءِ الْجَارِي الْكَثِيرِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَعَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِالْحَجَرِ إذَا انْتَشَرَ الْبَوْلُ وَتَعْجِيلُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَعَدَمُ مُضِيِّ وَقْتِ الْمَغْرِبِ بِمُضِيِّ خَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَعَدَمُ قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ، وَالْمُنْفَرِدُ إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ أَنْشَأَ الْقُدْوَةُ، وَكَرَاهِيَةُ قَلْمِ أَظْفَارِ الْمَيِّتِ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي الرِّكَازِ، وَشَرْطُ التَّحَلُّلِ فِي الْحَجِّ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، وَتَحْرِيمُ أَكْلِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَلُزُومُ الْحَدِّ بِوَطْءِ الْمَحْرَمِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَبُولُ شَهَادَةِ فَرَعَيْنَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَصْلَيْنِ، وَغَرَامَةُ شُهُودِ الْمَالِ إذَا رَجَعُوا وَتَسَاقُطُ الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَإِذَا كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ شَاهِدَيْنِ وَعَارَضَهَا شَاهِدٌ وَيَمِينٌ يُرَجَّحُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْقَدِيمِ وَعَدَمُ تَحْلِيفِ الدَّاخِلِ مَعَ بَيِّنَتِهِ إذَا عَارَضَهَا بَيِّنَةُ الْخَارِجِ وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَأَرْخَتْ إحْدَاهُمَا قُدِّمَتْ عَلَى الْقَدِيمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَإِذَا عَلِقَتْ الْأَمَةُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ ثُمَّ مَلَكَهَا الْوَاطِئُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَدِيمِ وَاخْتُلِفَ فِي الصَّحِيحِ، وَتَزْوِيجُ أُمِّ الْوَلَدِ فِيهِ قَوْلَانِ وَاخْتَلَفَ فِي الصَّحِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ذَكَرَهُ النَّسَّابَةُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ الْعِمَادِ فِي الْأَنْكِحَةِ وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَبَعْدُ فَالْحَقُّ الْقَوِيمُ الْمُعْتَبَرْ ... الْمَذْهَبُ الْجَدِيدُ طَيِّبُ الْأَثَرْ وَالْهَجْرُ لِلْقَدِيمِ حَقًّا قَدْ ثَبَتْ ... إلَّا مَسَائِلَ قَلِيلَةً أَتَتْ أَرْبَعَةٌ مَعَ عَشَرَةٍ بِالسَّنَدْ ... عَنْ صَاحِبِ الْأَشْبَاهِ خُذْ وَاعْتَمِدْ وَزِدْتهَا سَبْعًا عَنْ النَّسَّابَةْ ... السَّيِّدِ الشَّرِيفِ ذِي الْمَهَابَهْ الْمَسْحُ بِالْأَحْجَارِ غَيْرُ جَائِزْ ... مِنْ خَارِجٍ مُلَوَّثٍ مُجَاوِزْ وَلَمْسُ جِلْدِ مَحْرَمٍ لَا نَقْضَ بِهْ ... وَقَصُّ نَحْوِ الظُّفْرِ مِنْ مَيْتٍ كُرِهْ وَإِنْ تَرَى رِجْسًا بِمَاءٍ رَاكِدِ ... وَلَمْ يُنَجِّسْهُ فَلَا تُبَاعِدْ لِفَائِتٍ سُنَّ الْأَذَانُ يَا فَتَى ... وَلَوْ بِلَا جَمَاعَةٍ فِيمَا أَتَى وَوَقْتُ مَغْرِبٍ حَقِيقِيٍّ بَقِيَ ... مُوَسَّعًا إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ وَفَضْلُ تَقْدِيمِ الْعَشَا قَدْ زُكِنْ ... وَسُنَّ تَثْوِيبٌ لِصُبْحٍ يَا فَطِنْ وَفِي أَخِيرَتَيْ صَلَاةٍ قَدْ ذَكَرَهْ ... شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ يَا ذَا فَانْتَبِهْ وَإِنْ نَوَى فَذٌّ جَمَاعَةً يَصِحّ ... وَدَبْغُ جِلْدِ الْمَيْتِ أَكْلًا لَمْ يُبِحْ وَالْجَهْرُ بِالتَّأْمِينِ لِلْمَأْمُومِ فِي ... جَهْرِيَّةٍ يَا صَاحِ سُنَّةٌ قَفِيّ وَسُنَّ خَطٌّ لِلْمُصَلِّي إنْ فَقَدْ ... نَحْوَ الْعَصَا مِمَّا عَلَيْهِ يَعْتَمِدْ وَمَنْ يَمُتْ وَصَوْمُهُ قَدْ عُلِّقَا ... بِذِمَّتِهِ يُصَامُ عَنْهُ مُطْلَقَا وَشَرْطُ تَحْلِيلٍ مِنْ التَّحَرُّمِ ... لِنَحْوِ تَمْرِيضٍ جَوَازُهُ نَمِي وَغَرِمُوا شُهُودُنَا إنْ رَجَعُوا ... عَنْ الْأَدَاءِ لَعَلَّهُمْ يَرْتَدِعُوا وَصَحَّحُوا شَهَادَةَ الْفَرْعَيْنِ ... فِي نَصِّهِمْ عَلَى كِلَا الْأَصْلَيْنِ

وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِصْرَ وَلَمْ يَزَلْ بِهَا نَاشِرًا لِلْعِلْمِ مُلَازِمًا لِلِاشْتِغَالِ بِجَامِعِهَا الْعَتِيقِ إلَى أَنْ أَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ شَدِيدَةٌ فَمَرِضَ بِسَبَبِهَا أَيَّامًا عَلَى مَا قِيلَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قُطْبُ الْوُجُودِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ

[حاشية البجيرمي]

وَأَسْقَطُوا بَيِّنَتَيْ خَصْمَيْنِ ... تَعَارُضًا جَزْمًا بِغَيْرِ مَيْنِ وَالشَّاهِدَانِ قَدَّمُوهُمَا عَلَى ... شَطْرٍ مَعَ الْيَمِينِ فِيمَا نُقِلَا وَلَمْ يَحْلِفْ دَاخِلٌ قَدْ عَارَضَتْ ... حُجَّتُهُ لِخَارِجٍ فِيمَا ثَبَتْ وَجَائِزٌ تَزْوِيجُ أُمِّ الْوَلَدِ ... فِي أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ وَالْمُعْتَمَدِ قَوْلُهُ: (ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِصْرَ) وَأَقَامَ بِهَا سِتَّ سِنِينَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (أَصَابَتْهُ ضَرْبَةٌ) قِيلَ الضَّارِبُ لَهُ أَشْهَبُ حِينَ تَنَاظَرَ مَعَ الشَّافِعِيِّ فَأَفْحَمَهُ الشَّافِعِيُّ فَضَرَبَهُ قِيلَ بِكِيلُونَ وَقِيلَ بِمِفْتَاحٍ فِي جَبْهَتِهِ فَمَرِضَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِمِفْتَاحِ كِيلُونَ، وَكَانَ يَدْعُو عَلَيْهِ فِي سُجُودِهِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَمِتْ الشَّافِعِيَّ وَإِلَّا ذَهَبَ عِلْمُ مَالِكٍ، لَكِنْ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بَوْنٌ بَعِيدٌ، فَقَدْ كَانَ يَدْعُو لِلشَّافِعِيِّ فِي سُجُودِهِ، وَسَأَلَتْهُ ابْنَتُهُ عَنْهُ فَقَالَ: هُوَ رَجُلٌ كَالشَّمْسِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَافِيَةِ فِي الْبَدَنِ، فَإِذَا ذَهَبَا هَلْ لَهُمَا مِنْ خَلَفٍ؟ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُعَظِّمُ الشَّافِعِيَّ وَيَذْكُرُهُ كَثِيرًا وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ صَالِحَةٌ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ وَتُحِبُّ أَخْبَارَ الصَّالِحِينَ، وَتَوَدُّ أَنْ تَرَى الصَّالِحِينَ وَتَرَى الشَّافِعِيَّ لِتَعْظِيمِ أَبِيهَا إيَّاهُ، فَاتَّفَقَ مَبِيتُ الشَّافِعِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي وَقْتٍ فَفَرِحَتْ الْبِنْتُ بِذَلِكَ طَمَعًا أَنْ تَرَى أَفْعَالَهُ وَتَسْمَعَ مَقَالَهُ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ قَامَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى وَظِيفَةِ صَلَاتِهِ وَذِكْرِهِ، وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مُلْقًى عَلَى ظَهْرِهِ وَالْبِنْتُ تَرْقُبُهُ إلَى الْفَجْرِ، ثُمَّ قَالَتْ لِأَبِيهَا: يَا أَبَتِ تُعَظِّمُ الشَّافِعِيَّ وَمَا رَأَيْته يُصَلِّي فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَا يَذْكُرُ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي الْحَدِيثِ إذْ قَامَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: كَيْفَ كَانَتْ لَيْلَتُك؟ فَقَالَ: مَا بِتّ بِلَيْلَةٍ أَطْيَبَ مِنْهَا وَلَا أَبْرَكَ.
فَقَالَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي اسْتَنْبَطْت فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مِائَةَ مَسْأَلَةٍ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِي فِي مَنَافِعِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ وَدَّعَهُ وَمَضَى، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لِابْنَتِهِ: هَذَا الَّذِي عَمِلَهُ اللَّيْلَةَ أَفْضَلُ مِنْ الَّذِي عَمِلْته وَأَنَا قَائِمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا رَأَيْت أَفْقَهَ مِنْ أَشْهَبَ لَوْلَا طَيْشٌ فِيهِ، وَالطَّيْشُ خِفَّةُ الْعَقْلِ.
وَأَشْهَبُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ دَاوُد الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ الْمِصْرِيُّ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا الشَّافِعِيُّ وَهِيَ سَنَةُ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْت أَشْهَبَ يَدْعُو عَلَى الشَّافِعِيِّ بِالْمَوْتِ فَذَكَرْت لِلشَّافِعِيِّ ذَلِكَ فَقَالَ: تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْت فِيهَا بِأَوْحَدِ فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى ... تَهَيَّأْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدْ أَيْ فَكَانَ يَقْرَبُ التَّهَيُّؤُ.
قَالَ: فَمَاتَ الشَّافِعِيُّ وَاشْتَرَى أَشْهَبُ مِنْ تَرِكَتِهِ عَبْدًا فَاشْتَرَيْته مِنْ تَرِكَتِهِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الضَّارِبَ لَهُ فِتْيَانُ الْمَغْرِبِيِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ جُمْلَةِ كَرَامَاتِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ اللَّهَ أَخْفَى ذِكْرَ فِتْيَانَ وَكَلَامَهُ فِي الْعِلْمِ حَتَّى عِنْدَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ.
قَوْلُهُ: (فَمَرِضَ بِسَبَبِهَا أَيَّامًا) وَدَخَلَ الْمُزَنِيّ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْت يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْت مِنْ الدُّنْيَا رَاحِلًا وَلِلْإِخْوَانِ مُفَارِقًا وَلِسَيِّئِ عَمَلِي مُلَاقِيًا وَلِكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شَارِبًا وَعَلَى رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَارِدًا، وَلَا أَدْرِي تَصِيرُ رُوحِي إلَى الْجَنَّةِ فَأُهَنِّيهَا أَوْ إلَى النَّارِ فَأُعَزِّيهَا ثُمَّ أَنْشَدَ.
وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي ... حَمَلْت الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِك سُلَّمَا تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْته ... بِعَفْوِك رَبِّي كَانَ عَفْوُك أَعْظَمَا وَمَازِلْت ذَا عَفْوٍ عَنْ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ ... تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا قَوْلُهُ: (وَهُوَ قُطْبُ الْوُجُودِ) الْقُطْبُ فِي الْأَصْلِ الْقَلْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ الرَّحَا وَتَتَعَطَّلُ بِفَقْدِهِ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِلْإِمَامِ بِاعْتِبَارِ

سَلْخَ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِهِ، وَانْتَشَرَ عِلْمُهُ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ وَتَقَدَّمَ عَلَى الْأَئِمَّةِ فِي الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: «عَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» وَمِنْ كَلَامِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَمَتُّ مَطَامِعِي فَأَرَحْت نَفْسِي ... فَإِنَّ النَّفْسَ مَا طَمِعَتْ تَهُونُ وَأَحْيَيْت الْقُنُوعَ وَكَانَ مَيْتًا ... فَفِي إحْيَائِهِ عِرْضٌ مَصُونُ إذَا طَمَعٌ يَحِلُّ بِقَلْبِ عَبْدٍ ... عَلَتْهُ مَهَانَةٌ وَعَلَاهُ هُونُ

[حاشية البجيرمي]

أَنَّهُ الْمَدَارُ وَالْمَرْجِعُ فِي الْأَحْكَامِ؛ وَيَحْتَمِلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ وَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ تَوَلَّى الْقُطْبَانِيَّةَ وَتُوُفِّيَ وَهُوَ قُطْبٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اهـ شَيْخُنَا حِفْنِيٌّ لِأَنَّ الْحَالَ تَدُلُّ عَلَى الْمُقَارَنَةِ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (سَلْخَ رَجَبٍ) أَيْ آخِرَ يَوْمٍ مِنْهُ.
قَالَ الرَّبِيعُ: رَأَيْت فِي الْمَنَامِ قَبْلَ مَوْتِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَيَّامٍ أَنَّ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه مَاتَ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُخْرِجُوا جِنَازَتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْت سَأَلْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ: هَذَا مَوْتُ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا فَمَا كَانَ إلَّا يَسِيرُ حَتَّى مَاتَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. قَوْلُهُ: (بِالْقَرَافَةِ) وَهِيَ الصُّغْرَى، وَأُرِيدَ بَعْدَ أَزْمِنَةِ نَقْلِهِ مِنْهَا لِبَغْدَادَ فَظَهَرَ مِنْ قَبْرِهِ لَمَّا فُتِحَ رَوَائِحُ طَيِّبَةٌ عَطَّلَتْ الْحَاضِرِينَ عَنْ إحْسَاسِهِمْ فَتَرَكُوهُ.
قَالَ الْقُضَاعِيُّ: الشَّافِعِيُّ مَدْفُونٌ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ بِمِصْرَ وَحَوْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَبْرُ الْبَحْرِيُّ مِنْ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَحْتَ مِصْطَبَةٍ وَاحِدَةٍ غَرْبِيِّ الْخَنْدَقِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ) تَقَدُّمُهُ فِي الْخِلَافِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْوِفَاقِ فَمَعْنَاهُ أَنْ يُقَالَ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ «عَالِمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» ) وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هَذَا الْعَالِمُ هُوَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْشَرْ فِي طِبَاقِ الْأَرْضِ مِنْ عِلْمِ عَالِمٍ مَا انْتَشَرَ مِنْ عِلْمِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ مِنْ خَوَاصِّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ مِنْ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ مَنْ تَعَرَّضَ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَذْهَبِهِ بِسُوءٍ أَوْ نَقْصٍ هَلَكَ قَرِيبًا، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَهَانَ قُرَيْشًا أَهَانَهُ اللَّهُ» . قَوْلُهُ: (أَمَتّ مَطَامِعِي إلَخْ) وَهُوَ مِنْ الْوَافِرِ.
وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ وَتَخْيِيلٌ حَيْثُ شَبَّهَ الْمَطَامِعَ بِأَشْخَاصٍ أَحْيَاءٍ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَاسْتَعَارَ الْأَشْخَاصَ لِلْمَطَامِعِ فِي النَّفْسِ وَأَمَتّ تَخْيِيلٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ فِي أَمَتّ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً حَيْثُ شَبَّهَ التَّرْكَ بِالْإِمَاتَةِ وَاسْتَعَارَ الْإِمَاتَةَ لِلتَّرْكِ وَاشْتَقَّ مِنْ الْإِمَاتَةِ أَمَتّ بِمَعْنَى تَرَكْت.
قَوْلُهُ: (مَا طَمِعَتْ تَهُونُ) أَيْ تَهُونُ مُدَّةُ طَمَعِهَا فَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَحْيَيْتُ الْقُنُوعَ) مَصْدَرُ قَنِعَ بِكَسْرِ النُّونِ كَرَضِيَ وَزْنًا وَمَعْنًى، فَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ بِمَعْنَى الْقَنَاعَةِ، وَلِبَعْضِهِمْ: خُذْ الْقَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وَارْضَ بِهَا ... وَاجْعَلْ نَصِيبَك مِنْهَا رَاحَةَ الْبَدَنِ وَانْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا ... هَلْ رَاحَ مِنْهَا سِوَى بِالْقُطْنِ وَالْكَفَنِ قَوْلُهُ: (عِرْضٌ) فِي نُسْخَةٍ عِرْضِي وَالْعِرْضُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَحَلُّ الذَّمِّ وَالْمَدْحِ مِنْ الْإِنْسَانِ.
قَوْلُهُ: (عَلَتْهُ مَهَانَةٌ) أَيْ اسْتِخْفَافٌ مِنْ الْخَلْقِ بِهِ، وَعَلَاهُ هُونٌ أَيْ ذُلٌّ وَهُوَ عَطْفُ مُسَبِّبٍ، وَمِنْ كَلَامِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَا مَنْ يُعَانِقُ دُنْيَا لَا بَقَاءَ لَهَا ... يُمْسِي وَيُصْبِحُ فِي دُنْيَاهُ سَفَّارًا هَلَّا تَرَكْت لِذِي الدُّنْيَا مُعَانَقَةً حَتَّى ... تُعَانِقَ فِي الْفِرْدَوْسِ أَبْكَارَا إنْ كُنْت تَبْغِي جِنَانَ الْخُلْدِ تَسْكُنُهَا ... فَيَنْبَغِي لَك أَنْ لَا تَأْمَنَ النَّارَا

وَلَهُ أَيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَا حَكَّ جِسْمَك مِثْلُ ظُفْرِك ... فَتَوَلَّ أَنْتَ جَمِيعَ أَمْرِك وَإِذَا قَصَدْت لِحَاجَةٍ فَاقْصِدْ لِمُعْتَرِفٍ بِقَدْرِك وَقَدْ أَفْرَدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَنَسَبِهِ وَأَشْعَارِهِ كُتُبًا مَشْهُورَةً، وَفِيمَا ذَكَرْته تَذْكِرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْمَلَلِ لَشَحَنْت كِتَابِي هَذَا مِنْهَا بِأَبْوَابٍ وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ،

وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُخْتَصَرُ (فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَطْوَلَ مِنْهُ وَغَايَةُ الشَّيْءِ مَعْنَاهَا تَرَتُّبُ الْأَثَرِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ كَمَا تَقُولُ: غَايَةُ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ حِلُّ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ، وَغَايَةُ الصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ إجْزَاؤُهَا.
(وَ) فِي (نِهَايَةِ الْإِيجَازِ) بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ أَيْ الْقَصْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَغَايُرُ لَفْظَيْ الِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ وَالْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَالِاخْتِصَارُ حَذْفُ عَرْضِ الْكَلَامِ وَالْإِيجَازُ حَذْفُ طُولِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي إشَارَاتِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ،

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (مَا حَكَّ جِسْمَك) مِنْ مَجْزُوءِ الْكَامِلِ الْمُرَفَّلِ الْمُصَرَّعِ، لِأَنَّ التَّرْفِيلَ خَاصٌّ بِالضَّرْبِ فَدَخَلَ الْعَرُوضَ لِأَجْلِ التَّصْرِيعِ أَيْ لِتَلْتَحِقَ بِالضَّرْبِ.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةٍ) اللَّامُ زَائِدَةٌ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لَشَحَنْت) أَيْ مَلَأْت، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى ثِقَتِهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَنْبَطَهُ.
تَنْبِيهٌ: كُلٌّ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الصَّوَابِ وَيَجِبُ تَقْلِيدُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَمَنْ قَلَّدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ، وَعَلَى الْمُقَلِّدِ اعْتِقَادُ أَرْجَحِيَّةِ مَذْهَبِهِ أَوْ مُسَاوَاتُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ فِي إفْتَاءٍ أَوْ قَضَاءٍ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالضَّعِيفِ فِي الْمَذْهَبِ وَيَمْتَنِعُ التَّلْفِيقُ فِي مَسْأَلَةٍ كَأَنْ قَلَّدَ مَالِكًا فِي طَهَارَةِ الْكَلْبِ وَالشَّافِعِيَّ فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةٍ بِتَمَامِهَا بِجَمِيعِ مُعْتَبَرَاتِهَا فَيَجُوزُ وَلَوْ بَعْدَ الْعَمَلِ كَأَنْ أَدَّى عِبَادَتَهُ صَحِيحَةً عِنْدَ بَعْضِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَهُ تَقْلِيدُهُ فِيهَا حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ قَضَاؤُهَا، وَيَجُوزُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبٍ لِغَيْرِهِ وَلَوْ بَعْدَ الْعَمَلِ اهـ دَيْرَبِيٌّ.
فَائِدَةٌ: اتَّفَقَ لِبَعْضِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: يَا رَبِّ بِأَيِّ الْمَذَاهِبِ أَشْتَغِلُ؟ فَقَالَ لَهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ نَفِيسٌ.

قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ إلَخْ) هُوَ حَلٌّ مَعْنًى، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ فِي غَايَةِ إلَخْ.
صِفَةٌ لِمُخْتَصَرٍ فَلَوْ قَالَ كَابْنِ قَاسِمٍ كَائِنًا ذَلِكَ الْمُخْتَصَرُ إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى قَوْلُهُ: (فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ) أَيْ فِي آخِرِ مَرَاتِبِهِ قَوْلُهُ: (أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَطْوَلَ مِنْهُ) حَيْثُ أُرِيدَ بِالْغَايَةِ آخِرُ مَرَاتِبِ الِاخْتِصَارِ أَيْ لَيْسَ فَوْقَهُ أَخْصَرُ مِنْهُ مُبَالَغَةً فَلَا حَاجَةَ لِهَذَا، بَلْ لَا يَصِحُّ كَمَا قَالَهُ ق ل، وَقَوْلُهُ فَوْقَهُ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَغَايَةُ الشَّيْءِ إلَخْ) هَذَا تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا، إذْ الْمُرَادُ هُنَا تَقْلِيلُ الْأَلْفَاظِ فَلْيُتَأَمَّلْ اج.
فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ فِي غَايَةٍ هِيَ الِاخْتِصَارُ، وَقَدْ يُقَالُ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْغَايَةِ قُرْبَ دَرْسِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَسُهُولَةَ حِفْظِهِ عَلَى الْمُبْتَدِئِ فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاخْتِصَارِ، أَوْ يُرَادُ بِهِ أَيْ الْأَثَرُ اتِّصَافُ الْكَلَامِ بِكَوْنِهِ فِي أَقَلِّ رُتَبِ الِاخْتِصَارِ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ق ل. وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ وَغَايَةُ الشَّيْءِ إلَخْ.
هَذَا سَبْقُ قَلَمٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا تَقْلِيلُ اللَّفْظِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُهُ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (تَرَتُّبُ الْأَثَرِ إلَخْ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ لِأَنَّ الْغَايَةَ نَفْسُ الْأَثَرِ لَا التَّرَتُّبُ قَوْلُهُ: (أَيْ الْقِصَرِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ.
قَوْلُهُ: (تَغَايُرُ لَفْظَيْ إلَخْ) أَيْ مَعْنَى لَفْظَيْ الِاخْتِصَارِ إلَخْ.
إذْ تَغَايُرُ اللَّفْظَيْنِ لَا شَكَّ فِيهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (حَذْفُ عَرْضِ الْكَلَامِ) مَثَّلَ بَعْضُهُمْ لِلْحَذْفِ مِنْ الْعَرْضِ بِقَوْلِهِ عِنْدِي ذَهَبٌ بَدَلَ عَسْجَدٍ وَخَمْرٌ بَدَلَ عَقَارٍ فَالْحَذْفُ مِنْ الْعَرْضِ أَنْ يُؤْتَى بِكَلِمَةٍ قَلِيلَةِ الْحُرُوفِ بَدَلَ كَثِيرَتِهَا.
قَوْلُهُ: (حَذْفُ طُولِهِ) وَهُوَ الْإِطْنَابُ كَقَوْلِهِ: وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا

(يَقْرَبُ) لِوُضُوحِ عِبَارَتِهِ (عَلَى الْمُتَعَلِّمِ) أَيْ الْمُبْتَدِئِ فِي التَّعَلُّمِ شَيْئًا فَشَيْئًا (دَرْسُهُ) أَيْ بِسَبَبِ اخْتِصَارِهِ وَعُذُوبَةِ أَلْفَاظِهِ، (وَيَسْهُلُ) أَيْ يَتَيَسَّرُ (عَلَى الْمُبْتَدِئِ) أَيْ فِي طَلَبِ الْفِقْهِ (حِفْظُهُ) عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ لِمَا مَرَّ عَنْ الْخَلِيلِ: إنَّ الْكَلَامَ يُخْتَصَرُ لِيُحْفَظَ.

تَنْبِيهٌ: حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ فِي الْفِعْلَيْنِ مَفْتُوحٌ

(وَ) سَأَلَنِي أَيْضًا بَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ (أَنْ أُكْثِرَ فِيهِ مِنْ التَّقْسِيمَاتِ) لِمَا

[حاشية البجيرمي]

فَالْحَذْفُ مِنْ الطُّولِ أَنْ لَا يُكَرِّرَ فَتَرْكُ التَّكْرِيرِ اخْتِصَارٌ وَتَرْكُ الْإِطْنَابِ إيجَازٌ اهـ سم.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَرَادُفِ الِاخْتِصَارِ وَالْإِيجَازِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِمَا مِنْ الْمُبَالَغَةِ لِلْقَطْعِ بِثُبُوتِ مَا هُوَ أَوْضَحُ وَأَوْجَزُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ إلَخْ) لَمْ يُعْلَمْ الْفَرْقُ مِنْ كَلَامِهِ إذْ لَمْ يُبَيِّنْ مَعْنَى النِّهَايَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: عُلِمَ الْفَرْقُ مِنْ الْعَطْفِ إذْ هُوَ يَقْتَضِي التَّغَايُرَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ إلَخْ.
أَوْ يُقَالُ عُلِمَ الْفَرْقُ مِنْ تَغَايُرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (يَقْرُبُ لِوُضُوحِ عِبَارَتِهِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ) ، أَيْ يَسْهُلُ.
فَإِنْ قُلْت: هَذَا مُنَافٍ لِقَوْلِهِ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ.
أُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ عِبَارَتُهُ وَاضِحَةٌ، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ لِوُضُوحِ عِبَارَتِهِ فَهُوَ جَوَابٌ عَنْ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمُبْتَدِئِ فِي التَّعَلُّمِ) وَقَالَ سم أَيْ مُرِيدِ التَّعَلُّمِ قَوْلُهُ: (شَيْئًا فَشَيْئًا) أَخَذَهُ مِنْ التَّاءِ.
قَوْلُهُ: (دَرْسُهُ) أَيْ قِرَاءَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُ مَعْنَاهُ ع ش. هَذَا لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ لِوُضُوحِ عِبَارَتِهِ لِأَنَّ وُضُوحَ الْعِبَارَةِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ، فَالْأَوْلَى تَفْسِيرُ قَوْلِهِ دَرْسُهُ بِقَوْلِ الرَّحْمَانِيِّ أَيْ تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِسَبَبِ اخْتِصَارِهِ إلَخْ) هَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ لِوُضُوحِ عِبَارَتِهِ أَيْ يُغْنِي عَنْهُ فِي التَّعْلِيلِ وَإِلَّا فَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ فَالْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ لِوُضُوحِ عِبَارَتِهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ دَرْسُهُ.
قَوْلُهُ: (وَعُذُوبَةِ أَلْفَاظِهِ) أَيْ حَلَاوَتِهَا فَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَتَخْيِيلٌ بِأَنَّ شَبَّهَ الْأَلْفَاظَ بِشَيْءٍ عَذْبٍ وَالْعُذُوبَةُ تَخْيِيلٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ) أَيْ وَعَلَى غَيْرِهِ بِالْأَوْلَى وَخَصَّ الْمُبْتَدِئَ لِأَنَّهُ أَشَدُّ اعْتِنَاءً بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (حِفْظُهُ) الْحِفْظُ لُغَةً صَوْنُ الشَّيْءِ عَنْ الضَّيَاعِ وَاصْطِلَاحًا اسْتِحْضَارُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ أَيْ غَيْبٍ كَالظَّهْرِ فِي الْقُوَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.

قَوْلُهُ: (حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ إلَخْ) وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُضَارِعَ يُضَمُّ أَوَّلُهُ إنْ كَانَ مَاضِيهِ رُبَاعِيًّا وَيُفْتَحُ فِي غَيْرِهِ.
قَالَ الْعِمْرِيطِيُّ فِي نَظْمِ الْأَجْرُومِيَّةِ: وَافْتَتَحُوا مُضَارِعًا بِوَاحِدْ ... مِنْ أَحْرُفٍ أَرْبَعَةٍ زَوَائِدْ هَمْزٌ وَنُونٌ ثُمَّ يَاءٌ ثُمَّ تَا ... يَجْمَعُهَا قَوْلُك أَنَيْت يَا فَتَى وَحَيْثُ كَانَتْ فِي رُبَاعِيٍّ تُضَمّْ ... وَفَتْحُهَا فِيمَا سِوَاهُ مُلْتَزَمْ

قَوْلُهُ: (وَسَأَلَنِي إلَخْ) لَمْ يُقَدِّرْهُ فِي سَابِقِهِ وَهُوَ يَقْرُبُ وَلَعَلَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي صِفَاتِ الْمُخْتَصَرِ الْمَسْئُولِ فِيهِ لَمْ يُصَرِّحْ السَّائِلُ بِهِ، وَيُمْكِنُ أَنَّ السَّائِلَ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا وَلَعَلَّ التَّصْرِيحَ فِي الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ سَأَلَنِي وَإِعَادَةُ الشَّيْخِ لَهُ هُنَا لِلْإِشَارَةِ إلَى تَغَايُرِ الْمَوْصُوفَيْنِ.
إذْ الْأَوَّلُ مِنْ أَوْصَافِ الْمُخْتَصَرِ، وَالثَّانِي مِنْ أَوْصَافِ الْمُصَنَّفِ وَالصِّنَاعَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَيْضًا ع ش قَوْلُهُ: (مِنْ التَّقْسِيمَاتِ) جَمْعُ تَقْسِيمَةٍ بِمَعْنَى الْمَرَّةِ مِنْ التَّقْسِيمِ، أَوْ جَمْعُ تَقْسِيمٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ وَصْفٌ لِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَهُوَ الْمُخْتَصَرُ فَيَنْقَاسُ فِيهِ جَمْعُ الْمُؤَنَّثِ السَّالِمُ نَحْوُ: قَوْلُهُ: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13] ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 11] قَالَ النَّاظِمُ: وَقِسْهُ فِي ذِي التَّا وَنَحْوِ ذِكْرَى وَدِرْهَمٍ مُصَغَّرٍ وَصَحْرَا ... وَزَيْنَبَ وَوَصْفِ غَيْرِ الْعَاقِلْ وَغَيْرُ ذَا مُسَلَّمٌ لِلنَّاقِلْ

وَالتَّقْسِيمُ لُغَةً التَّفْرِيقُ وَاصْطِلَاحًا ضَمُّ قُيُودٍ إلَى أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ لِتَحْصِيلِ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ هِيَ أَقْسَامٌ لِذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُشْتَرَكِ كَالْمَاءِ، فَإِذَا ضَمَمْت إلَيْهِ الْمُطْلَقَ صَارَ قِسْمًا، وَإِذَا ضَمَمْت إلَيْهِ الْمُسْتَعْمَلَ صَارَ قِسْمًا، وَإِذَا ضَمَمْت إلَيْهِ الْمُتَنَجِّسَ صَارَ

يُحْتَاجُ إلَى تَقْسِيمِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْآتِيَةِ كَمَا فِي الْمِيَاهِ وَغَيْرِهَا مِمَّا سَتَعْرِفُهُ، (وَ) مِنْ (حَصْرِ) أَيْ ضَبْطِ (الْخِصَالِ) الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ (فَأَجَبْته) أَيْ السَّائِلَ (إلَى ذَلِكَ) أَيْ إلَى تَصْنِيفِ مُخْتَصَرٍ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَقَوْلُهُ: (طَالِبًا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ أَيْ مُرِيدًا (لِلثَّوَابِ) أَيْ الْجَزَاءِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى تَصْنِيفِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» وَقَوْلُهُ: (رَاغِبًا) حَالٌ أَيْضًا مِمَّا ذَكَرَ أَيْ مُلْتَجِئًا (إلَى اللَّهِ) سُبْحَانَهُ وَ (تَعَالَى فِي) الْإِعَانَةِ

مِنْ فَضْلِهِ عَلَى حُصُولِ (التَّوْفِيقِ) الَّذِي هُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ (

[حاشية البجيرمي]

قِسْمًا.
قَوْلُهُ: (لِمَا يَحْتَاجُ إلَخْ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِمُتَعَلِّقٍ أَوْ لِمَحَلِّ مَا يَحْتَاجُ، فَإِنَّ التَّقْسِيمَ لَيْسَ لِلْحُكْمِ بَلْ لِمَحَلِّهِ كَالْمَاءِ مَثَلًا ع ش. أَيْ فَإِنَّ الْمَاءَ مَوْرِدُ التَّقْسِيمِ، وَهُوَ مَحَلٌّ لِلْأَحْكَامِ بِالنَّظَرِ لِثُبُوتِ نَحْوِ الْكَرَاهَةِ لِاسْتِعْمَالِهِ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّقْسِيمُ وَارِدًا عَلَى مَحَلِّ الْحُكْمِ اللَّازِمِ لَهُ تَقْسِيمُ الْحُكْمِ أُطْلِقَ التَّقْسِيمُ عَلَيْهِ مَجَازًا إطْلَاقًا لِوَصْفِ الْمَحَلِّ عَلَى وَصْفِ الْحَالِ اهـ. قَوْلُهُ: (أَيْ ضَبْطِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا بِالْحَصْرِ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيَّ مِنْ حَصْرِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الشَّيْءِ غَيْرِ مُخِلٍّ مِنْهَا بِشَيْءٍ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَا هُوَ دَالٌّ عَلَى الْحَصْرِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي الْوَاقِعِ مَحْصُورًا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَمْ لَا.
وَهُوَ الْكَثِيرُ مِنْ حَالِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ السَّائِلَ) كَانَ الْمُتَبَادِرُ أَنْ يَقُولَ أَيْ بَعْضَ الْأَصْدِقَاءِ إلَّا أَنَّهُ أَقَامَ الصِّفَةَ مَقَامَ الْمَوْصُوفِ وَالْمَوْصُوفُ بَعْضُ الْأَصْدِقَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ إلَى تَصْنِيفِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ أَجَابَهُمْ بِالشُّرُوعِ لَا بِمُجَرَّدِ الْوَعْدِ وَالْعَزْمِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إلَى الْعَمَلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ أَعْمَلَ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْعَمَلُ مَعْنَاهُ التَّصْنِيفُ صَنَعَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَطْلُوبَةِ) وَهِيَ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الْخَمْسَةِ الَّتِي طَلَبُوهَا كَوْنُهُ فِي الْفِقْهِ، وَكَوْنُهُ فِي غَايَةِ الِاخْتِصَارِ، وَكَوْنُهُ يَقْرُبُ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ دَرْسُهُ، وَكَوْنُهُ يَسْهُلُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ حِفْظُهُ، وَكَوْنُ الْمُصَنِّفِ يُكْثِرُ فِيهِ مِنْ التَّقْسِيمَاتِ وَحَصْرِ الْخِصَالِ اهـ. قَرَّرَهُ ح ف. قَوْلُهُ: (حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ) أَيْ وَهُوَ التَّاءُ مِنْ أَجَبْته.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُرِيدًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ رَاجِيًا كَمَا قَالَهُ سم.
قَوْلُهُ: (عَلَى تَصْنِيفِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِالْجَزَاءِ قَالَ سم: بَلْ وَعَلَى الْإِجَابَةِ إلَيْهِ فَإِنَّهَا خَيْرٌ أَيْضًا لَا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ ثَنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ لِلثَّوَابِ الثَّوَابُ الدَّائِمُ، فَيَكُونُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِدَوَامِ الثَّوَابِ لِأَجْلِ أَنْ يَتَطَابَقَ الدَّلِيلُ وَالْمَدْلُولُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُلْتَجِئًا) الْأَوْلَى سَائِلًا مُبْتَهِلًا.
إذْ الرَّغْبَةُ مُفَسَّرَةٌ بِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ فَسَّرَهُ بِمَا قَالَهُ لِتَعْدِيَتِهِ بِإِلَى.
قَوْلُهُ: (فِي الْإِعَانَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ ضَمَّهَا فِي الطَّلَبِ ع ش.

قَوْلُهُ: (مِنْ فَضْلِهِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا بِوُجُوبِ فِعْلِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحُ تَنَزُّهُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ: وَقَوْلُهُمْ إنَّ الصَّلَاحَ وَاجِبٌ ... عَلَيْهِ زَوْرُ مَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ قَالَ سم: وَالْحَقُّ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى أَنَّ لَهُ تَعَالَى إثَابَةَ الْعَاصِي وَتَنْعِيمَهُ أَبَدًا، لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ وَلَهُ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ أَبَدًا وَلَوْ مَلَكًا أَوْ رَسُولًا بِلَا قُبْحٍ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَيْضًا لَا يَقَعُ فَسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِالْإِعَانَةِ.
قَوْلُهُ: (خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ) وَالْمُرَادُ بِالْقُدْرَةِ الْعَرْضُ لِلْقَارِنِ لِلْفِعْلِ فَلَا حَاجَةَ لِزِيَادَةِ وَتَسْهِيلِ سَبِيلِ الْخَيْرِ إلَيْهِ لِإِخْرَاجِ الْكَافِرِ، وَلِذَا قَالَ سم: خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ الْمُقَارَنَةُ لَهَا، وَأَمَّا إذَا أَرَدْنَا بِالْقُدْرَةِ سَلَامَةَ الْآلَاتِ فَيَحْتَاجُ إلَيْهِ اهـ. ثُمَّ إنَّ الطَّاعَةَ هِيَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْقُرْبَةِ، أَعْنِي مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَمِنْ الْعِبَادَةِ أَعْنِي مَا تَعَبَّدَ بِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَطَاعَةٌ بِالِامْتِثَالِ كَالنَّظَرِ ... وَقُرْبَةٌ مِنْ عَارِفِ رَبِّ الْبَشَرِ عِبَادَةٌ لِنِيَّةٍ مُفْتَقِرَهْ ... حَقَائِقُ الثَّلَاثِ جَاءَتْ شُهْرَهْ

وَقَوْلُهُ: كَالنَّظَرِ أَيْ كَالْأَمْرِ بِالنَّظَرِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الْبَارِي.
فَائِدَةٌ: التَّوْفِيقُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُتَعَلِّمِ شَرْطُهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَرْبَعَةٌ: شِدَّةُ الْعِنَايَةِ، وَمُعَلِّمٌ ذُو نَصِيحَةٍ، وَذَكَاءُ الْقَرِيحَةِ، وَاسْتِوَاءُ الطَّبِيعَةِ أَيْ خُلُوُّهَا عَنْ الْمَيْلِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ سِتَّةٌ مَنْظُومَةٌ فِي بَيْتَيْنِ وَهُمَا:

لِلصَّوَابِ) الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخَطَأِ بِأَنْ يُقَدِّرَنِي عَلَى إتْمَامِهِ كَمَا أَقْدَرَنِي عَلَى ابْتِدَائِهِ، فَإِنَّهُ كَرِيمٌ جَوَادٌ لَا يَرُدُّ مَنْ سَأَلَهُ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ (إنَّهُ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (عَلَى مَا يَشَاءُ) أَيْ يُرِيدُ (قَدِيرٌ) أَيْ قَادِرٌ.
وَالْقُدْرَةُ صِفَةٌ تُؤَثِّرُ فِي الشَّيْءِ عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهِ، وَهِيَ إحْدَى الصِّفَاتِ الثَّمَانِيَةِ الْقَدِيمَةِ الثَّابِتَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّتِي هِيَ صِفَاتُ الذَّاتِ الْقَدِيمِ الْمُقَدَّسِ.
(وَ) هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (بِعِبَادِهِ) جَمْعُ عَبْدٍ وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْإِنْسَانُ حُرًّا كَانَ أَوْ رَقِيقًا فَقَدْ دُعِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

[حاشية البجيرمي]

أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إلَّا بِسِتَّةٍ ... سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَةٌ ... نَصِيحَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانٍ وَلِبَعْضِهِمْ: إنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا ... لَا يَنْصَحَانِ إذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا فَانْظُرْ لِدَائِك إنْ جَفَوْت طَبِيبَهُ ... وَانْظُرْ لِجَهْلِك إنْ جَفَوْت مُعَلِّمَا قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُقْدِرَنِي عَلَى إتْمَامِهِ إلَخْ) فِي تَصْوِيرِ الصَّوَابِ بِهَذَا نَظَرٌ وَاللَّائِقُ شَرْحُهُ بِقَوْلِ سم، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ بِأَنْ يَرْزُقَنِي مُوَافَقَةَ مَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَاقِعِ اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ تَفْسِيرٌ لِلتَّوْفِيقِ فَقَطْ بَلْ لَا يُنَاسِبُ إلَّا لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ التَّوْفِيقُ لِإِتْمَامِهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُطَابَقَةَ مَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْوَاقِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنْ لَمْ يُوَافِقْهُ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، أَمَّا الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ وَهِيَ الْمُعْتَقَدَاتُ فَهُوَ آثِمٌ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ مَنْ خَالَفَ أَهْلَ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (كَرِيمٌ) أَيْ مُعْطٍ جَوَادٌ أَيْ كَثِيرُ الْجُودِ أَيْ الْعَطَاءِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي.
وَالْجَوَادُ بِتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَارِدٌ وَأَمَّا بِتَشْدِيدِهَا فَلَمْ يَرِدْ، فَيَحْرُمُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُخْتَارِ لِأَنَّ أَسْمَاءَهُ تَوْقِيفِيَّةٌ اهـ م د. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى تَقْدِيرِ اللَّامِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا يَشَاءُ) مُتَعَلِّقٌ بِتَقْدِيرِ أَيْ قَادِرٌ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَبَقِيَّةِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الَّتِي بِهَذَا الْوَزْنِ كَرَحِيمٍ أَيْ قَادِرٍ عَلَى مَا يَشَاءُ أَيْ يُرِيدُهُ فَفِيهِ حَذْفُ الْمَفْعُولِ أَيْ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ.
وَالْمَشِيئَةُ وَالْإِرَادَةُ بِمَعْنًى وَهُمَا لُغَةً ضِدُّ الْكَرَاهَةِ وَاصْطِلَاحًا صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ فِي الْأَزَلِ بِتَخْصِيصِ الْحَوَادِثِ بِأَوْقَاتِ حُدُوثِهَا وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى هِيَ صِفَةٌ فِي الْحَيِّ تُوجِبُ تَخْصِيصَ أَحَدِ الْمَقْدُورَيْنِ فِي أَحَدِ الْأَوْقَاتِ بِالْوُقُوعِ مَعَ اسْتِوَاءِ نِسْبَةِ الْقُدْرَةِ إلَى كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَقَرَّبَ الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ لِلْفَهْمِ بِمِثَالٍ فَقَالُوا إذَا وَضَعَ لَك شَخْصٌ رَغِيفَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ وَقَالَ خُذْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ فَأَخْذُك أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ تَخْصِيصٌ لِأَحَدِ الْمَقْدُورَيْنِ وَهُوَ الْمَأْخُوذُ عَنْ الْآخَرِ مَعَ اسْتِوَاءِ نِسْبَةِ الْقُدْرَةِ إلَى الْكُلِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا بِالْإِرَادَةِ م د. قَوْلُهُ: (أَيْ يُرِيدُ) أَشَارَ بِهِ إلَى تَرَادُفِ مَعْنَى الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ ع ش. قَوْلُهُ: (أَيْ قَادِرٌ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَيْ عَامُّ الْقُدْرَةِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى تَسَاوِي مَعْنَى فَاعِلٍ وَفَعِيلٍ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ع ش. قَوْلُهُ: (تُؤَثِّرُ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الذَّاتُ فَقَوْلُهُ تُؤَثِّرُ أَيْ مَجَازًا مِنْ الْإِسْنَادِ لِلسَّبَبِ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تُؤَثِّرُ فَقَدْ كَفَرَ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ تَعَلُّقِهَا بِهِ) أَيْ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا عَلَى وَفْقِ الْإِرَادَةِ فَقَوْلُ م د. تَعَلُّقًا صُلُوحِيًّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِيهِ عِنْدَ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ.
قَوْلُهُ: (الثَّمَانِيَةِ) الْمَنْظُومَةُ فِي قَوْلِهِ: حَيَاةٌ وَعِلْمٌ قُدْرَةٌ وَإِرَادَةٌ ... كَلَامٌ وَإِبْصَارٌ وَسَمْعٌ مَعَ الْبَقَا صِفَاتٌ لِذَاتِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ لَدَى الْأَشْعَرِيِّ الْحَبْرِ ذِي الْعِلْمِ وَالتُّقَى وَالْحَقُّ أَنَّ الْبَقَاءَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ سُبْحَانَهُ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَإِنَّهُ لِأَنَّ.
قَوْلَهُ: لَطِيفٌ، مَعْطُوفٌ عَلَى

بِذَلِكَ فِي أَشْرَفِ الْمَوَاطِنِ كَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ [الإسراء: 1] قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ صِفَةٌ أَتَمُّ وَلَا أَشْرَفُ مِنْ الْعُبُودِيَّةِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا أَشْطَرُ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي.
وَقَوْلُهُ: (لَطِيفٌ) مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى بِالْإِجْمَاعِ، وَاللُّطْفُ الرَّأْفَةُ وَالرِّفْقُ وَهُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ

وَالْعِصْمَةُ بِأَنْ يَخْلُقَ قُدْرَةَ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ.

فَائِدَةٌ: قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إلَى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْطَاهُ فِي الْبِشَارَةِ كَلِمَاتٍ كَانَ يَرْوِيهَا عَنْ

[حاشية البجيرمي]

خَبَرِ إنَّ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (الْإِنْسَانُ) خَرَجَ الْمَلَكُ وَالْجِنُّ فَلَا يُقَالُ لَهُمَا عِبَادٌ عَلَى هَذَا م د لَكِنْ إنْ أُرِيدَ الْإِنْسَانُ مِنْ نَاسٍ بِمَعْنَى تَحَرَّكَ دَخَلَا وَهُوَ الْمُرَادُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93] وَإِطْلَاقُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْمَلَكِ لَمْ يَرِدْ فِي اللُّغَةِ فَالْأَوْلَى عَدَمُ تَفْسِيرِ الْعَبْدِ بِهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ تَفْسِيرَهُ بِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُهُ بِالرَّقِيقِ وَعِبَارَةُ اج قَوْلُهُ الْإِنْسَانُ هُوَ أَحَدُ مَعَانِيهِ أَيْ الْعَبْدُ وَفِي الْحَقِيقَةِ كُلُّ مَخْلُوقٍ وَلَوْ جَمَادًا إذْ مَعْنَى الْعَبْدِ حَقِيقَةً الْخَاضِعُ الْمُحْتَاجُ اهـ وَإِطْلَاقُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْجِنِّ وَارِدٌ فِي الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: 5] ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6] قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ النَّاسُ مُفْرَدُهُ إنْسَانٌ وَلِلْعَبْدِ جُمُوعٌ أُخَرُ نَظَمَهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ عِبَادٌ عَبِيدٌ جَمْعُ عَبْدٍ وَأَعْبُدْ ... أَعَابِدُ مَعْبُودَاءُ مَعْبَدَةٌ عُبُدْ كَذَاكَ عُبْدَانُ عُبْدَانُ وَأَثْبِتْ ... كَذَاكَ الْعَبْدَا وَامْدُدْ إنْ شِئْت أَنْ تَمُدّْ قَوْلُهُ: (فَقَدْ دُعِيَ) أَيْ وُصِفَ وَكَأَنَّهُ عِلَّةٌ لِلتَّعْمِيمِ وَالظَّاهِرُ ذِكْرُهُ بَعْدَ قَوْلِ الدَّقَّاقِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ) مِنْ أَكَابِرِ الصُّوفِيَّةِ وَهُوَ شَيْخُ الْإِمَامِ الْقُشَيْرِيِّ لَا الْأُصُولِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَتَمُّ وَلَا أَشْرَفُ) وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ نِهَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالْخُضُوعِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّ مَا عَلَيْهِ حَسَبَ طَاقَتِهِ اهـ أج وَعَرَّفَ الْمُنَاوِيُّ الْعُبُودِيَّةَ بِأَنَّهَا الْوَفَاءُ بِالْوُعُودِ وَحِفْظُ الْعُهُودِ وَالرِّضَا بِالْمَوْجُودِ وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَفْقُودِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَدْعُنِي) أَيْ لَا تَصِفْنِي عِنْدَ النِّدَاءِ وَغَيْرِهِ، وَضَمِيرُ عَبْدِهَا لِلْحَضْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَسْمَاءِ الصِّفَاتُ وَقَبْلَ هَذَا الْبَيْتِ: يَا قَوْمِ قَلْبِي عِنْدَ زَهْرَاءَ ... يَعْرِفُهَا السَّامِعُ وَالرَّائِي قَوْلُهُ: (الرَّأْفَةُ وَالرِّفْقُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الرَّأْفَةُ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ، وَالرِّفْقُ ضِدُّ الْعُنْفِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَشْمَلُ غَيْرَ اللَّهِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَاللَّطِيفُ الْخَفِيُّ عَنْ الْإِدْرَاكِ أَوْ الْعَالِمُ بِدَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَالْخَبِيرُ أَعَمُّ مِنْهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.

قَوْلُهُ: (وَالْعِصْمَةُ) بِالْكَسْرِ وَهِيَ لُغَةً الْمَنْعُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 43] أَيْ لَا مَانِعَ وَيُقَالُ عَصَمَهُ الطَّعَامُ إذَا مَنَعَهُ الْجُوعَ وَاصْطِلَاحًا عَدَمُ خَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالصَّبِيِّ وَالْمَيِّتِ وَمَنْ مَنَعَهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مَانِعٌ وَالْأَحْسَنُ تَعْرِيفُهَا بِأَنَّهَا مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ الْفُجُورِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ بِهَا مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْحِفْظُ عَنْ الْمَعَاصِي، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الدُّعَاءِ بِهَا مُطْلَقَةً لِأَنَّهَا إنَّمَا هِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهَا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَاجِبَةٌ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِمْ جَائِزَةٌ وَسُؤَالُ الْجَائِزِ جَائِزٌ، وَأَنَّ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وُقُوعًا لَهُمْ لَا طَلَبُهَا اهـ شَبْرَخِيتِيٌّ.
وَعِبَارَةُ سم: وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ سُؤَالِ الْعِصْمَةِ وَالْوَجْهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّوَقِّيَ عَنْ جَمِيعِ الْمَعَاصِي وَالرَّذَائِلِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ امْتَنَعَ لِأَنَّهُ سُؤَالُ مَقَامِ النُّبُوَّةِ، أَوْ التَّحَفُّظُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالتَّحَصُّنُ مِنْ أَفْعَالِ السُّوءِ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ حَالَ الْإِطْلَاقِ، وَالْمُتَّجَهُ عِنْدِي الْجَوَازُ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ لِلْمَحْذُورِ وَاحْتِمَالِهِ لِلْوَجْهِ الْجَائِزِ اهـ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَخْلُقَ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِلتَّوْفِيقِ وَلَمْ يُفَسِّرْ الْعِصْمَةَ فَطَاهِرُهُ أَنَّهَا مُرَادِفَةٌ لِلتَّوْفِيقِ، وَقَدْ يُقَالُ لَمْ يُفَسِّرْهَا لِأَنَّهُ لَمْ

أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهِيَ: يَا لَطِيفًا فَوْقَ كُلِّ لَطِيفٍ اُلْطُفْ بِي فِي أُمُورِي كُلِّهَا كَمَا أُحِبُّ وَرَضِّنِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي وَقَوْلُهُ: (خَبِيرٌ) مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِعِبَادِهِ وَبِأَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَبِمَوَاضِعِ حَوَائِجِهِمْ وَمَا تُخْفِيهِ صُدُورُهُمْ.
وَإِذْ قَدْ أَنْهَيْنَا الْكَلَامَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا قَصَدْنَاهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْخُطْبَةِ فَنَذْكُرُ طَرَفًا مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الْكِتَابِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ.
فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ عَلِمَ مِنْ مُؤَلِّفِهِ خُلُوصَ نِيَّتِهِ فِي تَصْنِيفِهِ فَعَمَّ النَّفْعُ بِهِ فَقَلَّ مِنْ مُتَعَلِّمٍ إلَّا وَيَقْرَؤُهُ أَوَّلًا إمَّا بِحِفْظٍ وَإِمَّا بِمُطَالَعَةٍ، وَقَدْ اعْتَنَى بِشَرْحِهِ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ الْقَاصِدِينَ بِعِلْمِهِمْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَرَارَهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلَهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِنَا وَبِوَالِدِينَا وَمَشَايِخِنَا وَمُحِبِّينَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمِنْ أَعْظَمِ شُرُوطِهَا الطَّهَارَةُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ» وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ طَبْعًا فَقُدِّمَ وَضْعًا بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِهَا فَقَالَ

[حاشية البجيرمي]

يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ م د.

قَوْلُهُ: (يَا لَطِيفًا) وَفِي نُسْخَةٍ يَا لَطِيفُ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مِنْ نِدَاءِ الْمَوْصُوفِ فَيُنْصَبُ إذْ هُوَ حِينَئِذٍ مِنْ الشَّبِيهِ بِالْمُضَافِ، أَوْ مِنْ وَصْفِ الْمُنَادَى فَيَبْقَى عَلَى بِنَائِهِ عَلَى الضَّمِّ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ: وَبِعِبَادِهِ لَطِيفٌ خَبِيرٌ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: 19] ثُمَّ إنْ فَسَّرَ اللُّطْفَ بِالتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ اخْتَصَّ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ فَسَّرَهُ بِالْعَامِّ أَيْ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ كَالْإِحْسَانِ يَشْمَلُ الْكَافِرَ أَيْضًا بِأَنْ لَا يَقْتُلَهُمْ جُوعًا وَنَحْوَهُ بِمَعَاصِيهِمْ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ كُلِّ لَطِيفٍ) أَيْ فَوْقِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَقَدْ نَقَلَ الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي كَرْبٍ وَقَرَأَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِفَضْلِهِ ذَلِكَ الْكَرْبَ.
قَوْلُهُ: (وَرَضِّنِي) أَيْ اجْعَلْنِي رَاضِيًا بِمَا أَنْعَمْت بِهِ عَلَيَّ أَوْ أَعْطِنِي مَا يُرْضِينِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَحَاسِنِ) أَيْ ضِمْنًا لِأَنَّ الْمَذْكُورَ مَحَاسِنُ الْمُؤَلِّفِ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (قِرَاهُ) أَيْ مَحَلُّ قِرَاهُ بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ ضِيَافَتِهِ وَإِكْرَامِهِ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: قَرَيْت الضَّيْفَ أَقْرِيهِ مِنْ بَابِ رَمَى قِرًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قِرَارِهِ.
قَوْلُهُ.
(بَعْدَ الْإِيمَانِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا بَدَنِيَّةٌ وَتَكُونُ نَفْلًا.
قَوْلُهُ (وَمِنْ أَعْظَمِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ مِنْ لِيَتِمَّ لَهُ تَوْجِيهُ الْبُدَاءَةِ بِالطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الطَّهَارَةُ أَعْظَمَ شُرُوطِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ لَهَا مَزِيَّةً عِنْدَ الْفَقِيهِ عَلَى بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ مِنْ حَيْثُ إنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ فَاقِدِ السُّتْرَةِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تُغْنِيهِ عَنْ الْقَضَاءِ، وَمَنْ صَلَّى ظَانًّا دُخُولَ الْوَقْتِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ لَا يُحْكَمُ عَلَى صَلَاتِهِ بِالْبُطْلَانِ، بَلْ تَصِحُّ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مِنْ جِنْسِهَا، وَإِلَّا وَقَعَتْ عَنْهَا بِخِلَافِ مَنْ صَلَّى ظَانًّا الطَّهَارَةَ فَبَانَ خِلَافُهَا فَيَتَبَيَّنَ بُطْلَانَهَا.
وَمَنْ صَلَّى فِي نَفْلِ السَّفَرِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ الْقِبْلَةُ، فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَعَظْمِيَّةِ الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ تُسْتَفَادُ الْأَعْظَمِيَّةُ مِنْ الْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِيهِ عَلَى حَدِّ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ» اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَتَخْيِيلٌ حَيْثُ شَبَّهَ الصَّلَاةَ بِالْمَحَلِّ الْمُغْلَقِ فِي تَوَقُّفِ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِشَيْءٍ كَالْمِفْتَاحِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ الْمَكْنِيَّةِ، وَإِثْبَاتُ الْمِفْتَاحِ تَخْيِيلٌ.
وَالطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْفِعْلُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا أَمَّا بِفَتْحِهَا فَالْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا.
قَوْلُهُ: (بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِهَا) جَوَابٌ لِمَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَبَدَأَ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ آلَتُهَا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية البجيرمي]

وَاعْلَمْ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِعِبَادَةٍ أَوْ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ بِمُنَاكَحَةٍ أَوْ بِجِنَايَةٍ، وَأَهَمُّهَا الْعِبَادَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالدِّينِ، ثُمَّ الْمُعَامَلَةُ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا، ثُمَّ الْمُنَاكَحَةُ لِأَنَّهَا دُونَهَا فِي الْحَاجَةِ، ثُمَّ الْجِنَايَةُ لِأَنَّهَا غَالِبًا إنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، فَرَتَّبُوهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَرَتَّبُوا الْعِبَادَةَ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمَبْحُوثِ عَنْهُمَا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ عَلَى تَرْتِيبِ خَبَرِ: بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ إلَخْ.
وَاخْتَارُوا رِوَايَةَ تَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَجِّ عَلَى رِوَايَةِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ، لِأَنَّ وُجُوبَ الصَّوْمِ فَوْرِيٌّ وَيَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ وَإِفْرَادُ مَنْ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا فِي هَذِهِ الْحِكْمَةِ لِلْفَرَائِضِ لَعَلَّهُ لِكَوْنِهَا عِلْمًا مُسْتَقِلًّا، أَوْ لِجَعْلِهَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ حُكْمًا، إذْ مَرْجِعُهَا قِسْمَةُ التَّرِكَاتِ وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالْمُعَامَلَاتِ، وَأَخَّرُوا الْقَضَاءَ وَالشَّهَادَاتِ وَالدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمُعَامَلَاتِ وَالْمُنَاكَحَاتِ وَالْجِنَايَاتِ.

كِتَابُ الطَّهَارَةِ] هَذَا كِتَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَ لُغَةً مَعْنَاهُ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ يُقَالُ كَتَبْت كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ تَكَتَّبَتْ بَنُو فُلَانٍ إذَا

[حاشية البجيرمي]

[كِتَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ]

لَوْ أَبْقَى الْمَتْنَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ كَمَا ذَكَرَ أَحْكَامَ الطَّهَارَةِ مِنْ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ ذَكَرَ نَفْسَهَا حَيْثُ بَيَّنَ الْوُضُوءَ بِبَيَانِ أَرْكَانِهِ وَسُنَنِهِ، وَبَيَّنَ الْغُسْلَ وَالتَّيَمُّمَ وَإِزَالَةَ النَّجَاسَةِ، أَوْ كَأَنْ يَقُولَ الشَّارِحُ: كِتَابُ بَيَانِ الطَّهَارَةِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَصِحُّ هُنَا مَعَانِي الْإِضَافَةِ الثَّلَاثَةُ مِنْ وَاللَّامُ وَفِي، أَمَّا مِنْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ الطَّهَارَةِ أَيْ مِنْ أَنْوَاعِهَا نَحْوُ: خَاتَمُ فِضَّةٍ أَيْ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَمَّا اللَّامُ فَالْمَعْنَى هَذَا كِتَابٌ لِلطَّهَارَةِ، وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ أَيْ مُخْتَصٌّ بِالطَّهَارَةِ مِنْ بَيْنِ كُتُبِ الْفِقْهِ لَا يُشَارِكُ الطَّهَارَةَ فِيهِ غَيْرُهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْفِقْهِ، وَأَمَّا " فِي " فَتَقْدِيرُهُ هَذَا كِتَابٌ فِي الطَّهَارَةِ أَيْ مَظْرُوفٌ فِي الطَّهَارَةِ مُنْدَرِجٌ فِي سِلْكِ أَحْكَامِهَا شَوْبَرِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (اعْلَمْ أَنَّ الْكِتَابَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ التَّرَاجِمَ هِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ كَمَا قَالَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ، وح ف الْمَشْهُورَةُ خَمْسَةٌ: الْكِتَابُ وَالْبَابُ وَالْفَصْلُ وَالْفَرْعُ وَالْمَسْأَلَةُ وَكُلٌّ لَهُ مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَمَعْنًى اصْطِلَاحِيٌّ فَتِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي، وَقِيلَ أَسْمَاءٌ لِلْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ لِلْمَعَانِي، وَقِيلَ لِلنُّقُوشِ، وَقِيلَ لِاثْنَيْنِ مِنْهَا، وَقِيلَ لِلثَّلَاثَةِ؛ فَهِيَ سَبْعَةُ احْتِمَالَاتٍ: الْأَوَّلُ: الْمُخْتَارُ وَتَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ.
فَالْبَابُ فُرْجَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا مِنْ دَاخِلٍ إلَى خَارِجٍ وَبِالْعَكْسِ.
وَالْفَصْلُ الْحَاجِزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ.
وَالْفَرْعُ مَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ وَالْأَصْلُ عَكْسُهُ.
وَالْمَسْأَلَةُ لُغَة السُّؤَالُ وَعُرْفًا مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ أَيْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْبُرْهَانُ أَيْ الدَّلِيلُ أَيْ شَأْنُهَا ذَلِكَ، وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى مَجْمُوعِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَالْحُكْمِ، وَعَلَى الْحُكْمِ فَقَطْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُسْأَلُ عَنْهُ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ فَمَطْلَبٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُبْحَثُ عَنْهُ فَمَبْحَثٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُدَّعَى فَمُدَّعَى، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِالْحُجَّةِ فَنَتِيجَةٌ.
اهـ. م د. وَأَشَارُوا بِقَوْلِهِمْ غَالِبًا إلَى خُلُوِّ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ: الْبَابُ اصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْكِتَابِ وَالْفَصْلِ فَإِنْ جَمَعْت الثَّلَاثَةَ قُلْت الْكِتَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ وَالْبَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ وَالْفَصْلُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَسَائِلَ فَالْكِتَابُ كَالْجِنْسِ الْجَامِعِ لِأَبْوَابٍ جَامِعَةٍ لِفُصُولٍ جَامِعَةٍ لِمَسَائِلَ فَالْأَبْوَابُ أَنْوَاعُهُ وَالْفُصُولُ أَصْنَافُهُ وَالْمَسَائِلُ أَشْخَاصُهُ اهـ كَلَامُهُ فَالثَّلَاثَةُ كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ إذَا اجْتَمَعَتْ افْتَرَقَتْ وَإِذَا افْتَرَقَتْ اجْتَمَعَتْ.
قَوْلُهُ: (لُغَةً) أَيْ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَوْ حَالَةَ كَوْنِهِ لُغَةً، أَوْ أَعْنِي لُغَةً أَوْ فِي اللُّغَةِ، فَالنَّصْبُ عَلَى التَّمْيِيزِ لِلنِّسْبَةِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ عَلَى الْحَالِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْ النِّسْبَةِ الْكَلَامِيَّةِ، أَوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ أَوْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ عَلَى مَا فِيهِ، لَكِنْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ سَمَاعِيٌّ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفِينَ يُنْزِلُونَهُ مَنْزِلَةَ الْمَسْمُوعِ لِكَثْرَتِهِ شَوْبَرِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
وَالْمُرَادُ بِاللُّغَةِ لُغَةُ الْعَرَبِ وَهِيَ أَلْفَاظٌ وَضَعَهَا الْوَاضِعُ يُعَبِّرُ بِهَا كُلُّ قَوْمٍ عَنْ أَغْرَاضِهِمْ، وَالْوَاضِعُ لَهَا قِيلَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ أَلْفَاظًا

اجْتَمَعُوا وَكَتَبَ إذَا خَطَّ بِالْقَلَمِ لِمَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ قَالَ أَبُو حَيَّانَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْكَتْبِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْمَصْدَرِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَزِيدَ يُشْتَقُّ مِنْ الْمُجَرَّدِ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْبَابِ وَبِالْفَصْلِ أَيْضًا فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ قِيلَ الْكِتَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ وَفُصُولٍ وَمَسَائِلَ غَالِبًا وَالْبَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْكِتَابِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ وَمَسَائِلَ غَالِبًا وَالْفَصْلُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ مِنْ الْبَابِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَسَائِلَ غَالِبًا وَالْبَابُ لُغَةً مَا يُتَوَصَّلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَالْفَصْلُ لُغَةً الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَالْكِتَابُ هُنَا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مُضَافٌ إلَى مَحْذُوفَيْنِ كَمَا قَدَّرْته وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَوْ بَابٍ أَوْ فَصْلٍ

[حاشية البجيرمي]

وَوَضَعَهَا بِإِزَاءِ الْمَعَانِي، وَخَلَقَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا فِي أُنَاسٍ بِأَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ مَوْضُوعَةٌ لِتِلْكَ الْمَعَانِي، وَقِيلَ الْوَاضِعُ لَهَا الْبَشَرُ بِاصْطِلَاحٍ وَتَوَافُقٍ بَيْنَهُمْ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَمْعُ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ لِأَنَّ كُلَّ ضَمٍّ فِيهِ جَمْعٌ وَلَا عَكْسَ لِأَخْذِ التَّلَاصُقِ فِي مَفْهُومِ الضَّمِّ دُونَ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (يُقَالُ كَتَبْت كَتْبًا) أَيْ يُقَالُ قَوْلًا جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُ: كَتْبًا مَصْدَرٌ لِكَتَبَ وَهُوَ مَقِيسٌ لِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ: فِعْلٌ قِيَاسُ مَصْدَرِ الْمُعَدَّى.
وَأَمَّا اللَّذَانِ بَعْدَهُ فَسَمَاعِيَّانِ: قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) أَيْ الْخَطِّ.
وَقَوْلُهُ: كَتْبًا مَعْنَاهُ الْجَمْعُ.
وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ مُجَرَّدٌ وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَهُ كِتَابًا لِأَنَّ فِيهِ حَرْفًا زَائِدًا فَقَطْ، وَكِتَابَةٌ فِيهِ حَرْفَانِ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَشْهَرَ مِنْ كِتَابًا قُدِّمَ عَلَيْهِ اهـ اج.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ: كَتْبًا مَصْدَرٌ مُجَرَّدٌ، وَكِتَابَةً وَكِتَابًا مَصْدَرَانِ مَزِيدَانِ، وَالْأَوَّلُ مَزِيدٌ بِحَرْفَيْنِ، وَالثَّانِي بِحَرْفٍ وَقَدَّمَ الْمَزِيدَ بِحَرْفَيْنِ لِشُهْرَتِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (الْمَزِيدَ) وَهُوَ الْكِتَابُ وَالْكِتَابَةُ.
قَوْلُهُ: (يُشْتَقُّ مِنْ الْمُجَرَّدِ) وَهُوَ الْكَتْبُ أَيْ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْمَصْدَرَ جَامِدٌ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَاصْطِلَاحًا) أَيْ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ أَيْ فِي عُرْفِهِمْ.
وَالِاصْطِلَاحُ اتِّفَاقُ طَائِفَةٍ عَلَى أَمْرٍ مَعْلُومٍ بَيْنَهُمْ مَتَى أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، وَعَبَّرَ فِي الْكِتَابَةِ عَنْ مُقَابِلِ اللُّغَوِيِّ بِقَوْلِهِ وَاصْطِلَاحًا، وَفِي الطَّهَارَةِ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ مَا تَلْقَى مَعْنَاهَا مِنْ الشَّارِعِ، وَأَنَّ مَا لَمْ يَتَلَقَّ مِنْ الشَّارِعِ يُسَمَّى اصْطِلَاحًا وَإِنْ كَانَ فِي عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ اصْطَلَحُوا عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي مَعْنًى فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَتَلَقَّوْا التَّسْمِيَةَ بِهِ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ، نَعَمْ قَدْ يَسْتَعْمِلُونَ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِيمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَلَقًّى مِنْ الشَّارِعِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْعِلْمِ) أَيْ مِنْ دَالِّ الْعِلْمِ فَلَا يُخَالِفُ مَا اخْتَارَهُ السَّيِّدُ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَارَ فِي أَسْمَاءِ الْكُتُبِ وَالْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِلْأَلْفَاظِ الْمَخْصُوصَةِ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إلَخْ) أَيْ هَذَا إنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهَا أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ تُسَمَّى بِأَسْمَاءٍ إذَا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهَا إلَخْ.
فَهُوَ تَفْصِيلٌ لِلْمُجْمَلِ السَّابِقِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مُخْتَصَّةٍ) مَعْنَى اخْتِصَاصِهَا كَوْنُهَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: (مُشْتَمِلَةٍ عَلَى أَبْوَابٍ إلَخْ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَتْ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ بَلْ الْكِتَابُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ مُخْتَصَّةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَا ذُكِرَ، فَلَوْ حَذَفَهَا لَكَانَ أَوْلَى لِإِيهَامِ تَوَقُّفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهَا، لَكِنْ هَذَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ غَالِبًا كَمَا فِي الْإِطْفِيحِيِّ.
بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ اسْمٌ لِجُمْلَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْجَمَةَ هِيَ لَفْظُ الْكِتَابِ فَقَطْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّرَاجِمَ مِنْ قَبِيلِ عَلَمِ الْجِنْسِ أَوْ الشَّخْصِ عَلَى الْخِلَافِ فَيَلْزَمُ إضَافَةُ الْعَلَمِ، وَلَوْ جُعِلَتْ التَّرْجَمَةُ مَجْمُوعَ التَّرْكِيبِ الْإِضَافِيِّ كَانَ أَحْسَنَ، غَيْرَ أَنَّ الشَّارِحَ عَرَّفَ كُلًّا مِنْ الْجُزْأَيْنِ عَلَى حِدَتِهِ لِبَيَانِ حَالِهِمَا قَبْلَ الْعَلَمِيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْآنَ لَا مَعْنَى لِكُلِّ جُزْءٍ عَلَى حِدَتِهِ لِأَنَّهُ جُزْءُ عَلَمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَابُ لُغَةً مَا يُتَوَصَّلُ) أَيْ فُرْجَةٌ يُتَوَصَّلُ إلَخْ.
وَأَمَّا الْخَشَبُ فَتَسْمِيَتُهُ بَابًا مَجَازٌ لِلْمُجَاوَرَةِ أَوْ الْحَالِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ.
وَأَلْغَزَ بَعْضُهُمْ فِي بَابِ الْخَشَبِ الَّذِي لَهُ مِصْرَاعَانِ فَقَالَ: خَلِيلَانِ مَمْنُوعَانِ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ ... يَبِيتَانِ طُولَ اللَّيْلِ يَعْتَنِقَانِ هُمَا يَحْفَظَانِ الْأَهْلَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ ... وَعِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَفْتَرِقَانِ قَوْلُهُ: (وَالْكِتَابُ هُنَا) احْتَرَزَ عَمَّا إذَا صَرَّحَ بِالْمُبْتَدَأِ.
قَوْلُهُ: (مُضَافٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةُ خَبَرٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ

بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَإِذْ قَدْ عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا احْتِيَاجَ إلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَوْ بَابٍ أَوْ فَصْلٍ اخْتِصَارًا.
وَالطَّهَارَةُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ حِسِّيَّةً كَانَتْ الْأَنْجَاسُ أَوْ مَعْنَوِيَّةً كَالْعُيُوبِ يُقَالُ طَهُرَ بِالْمَاءِ وَهُمْ قَوْمٌ يَتَطَهَّرُونَ أَيْ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الْعَيْبِ وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهَا وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ إنَّهُ ارْتِفَاعُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ فَيَدْخُلُ فِيهِ غُسْلُ الذِّمِّيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ لِيَحِلَّانِ لِحَلِيلِهِمَا الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْوَطْءِ

[حاشية البجيرمي]

مَرْفُوعًا مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَوْ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مَجْرُورًا بِحَرْفِ جَرٍّ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
وَفِي قَوْلِهِ مُضَافٌ إلَى مَحْذُوفَيْنِ تَسَامُحٌ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى بَيَانٍ وَبَيَانٌ مُضَافٌ إلَى أَحْكَامٍ.
قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ) لَوْ قَالَ بِحَسَبِ الْمُضَافِ إلَيْهِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا.
قَوْلُهُ: (وَالْخُلُوصُ مِنْ الْأَدْنَاسِ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ لِأَنَّ الْخُلُوصَ مِنْ الْأَدْنَاسِ يَشْمَلُ الْحِسِّيَّةَ كَالْأَنْجَاسِ وَالْمَعْنَوِيَّةَ كَالْعُيُوبِ وَالنَّظَافَةُ خَاصَّةٌ بِالْحِسِّيَّةِ، أَوْ عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبِّبٍ، أَوْ عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ، أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ لِأَنَّ النَّظَافَةَ أَيْضًا تَشْمَلُ الْحِسِّيَّةَ وَالْمَعْنَوِيَّةَ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ أَيْ مُنَزَّهٌ عَنْ النَّقَائِصِ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» اهـ. قَرَّرَهُ شَيْخُنَا عَشْمَاوِيٌّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّهَارَةَ قِسْمَانِ عَيْنِيَّةٌ وَحُكْمِيَّةٌ، فَالْعَيْنِيَّةُ هِيَ مَا لَا تَتَجَاوَزُ مَحَلَّ سَبَبِهَا كَمَا فِي غَسْلِ الْيَدِ مَثَلًا عَنْ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّ الْغَسْلَ لَا يُجَاوِزُ مَحَلَّ إصَابَةِ النَّجَاسَةِ، وَالْحُكْمِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُجَاوِزُ مَحَلَّ مَا ذُكِرَ كَمَا فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ عَنْ الْحَدَثِ فَإِنَّ مَحَلَّ السَّبَبِ الْفَرْجُ مَثَلًا حَيْثُ خَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ، وَقَدْ وَجَبَ غَسْلُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْأَعْضَاءُ.
وَلَهَا وَسَائِلُ وَمَقَاصِدُ، فَوَسَائِلُهَا أَرْبَعٌ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْوَسَائِلِ الْمُقَدِّمَاتُ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ.
وَهِيَ الْمِيَاهُ وَالْأَوَانِي وَالِاجْتِهَادُ وَالنَّجَاسَةُ.
وَلَمَّا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُوجِبَةً لِلطَّهَارَةِ عُدَّتْ مِنْ الْوَسَائِلِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَمَقَاصِدُهَا أَرْبَعٌ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَعُدُّوا التُّرَابَ مِنْ الْوَسَائِلِ كَالْمِيَاهِ وَلَا الْأَحْدَاثَ مِنْهَا كَالنَّجَاسَةِ، لِأَنَّ التُّرَابَ لَمَّا كَانَ طَهَارَةً ضَرُورَةً لَمْ يُعَدَّ مِنْ الْوَسَائِلِ، وَلَمَّا لَمْ تَتَوَقَّفْ الطَّهَارَةُ عَلَى الْحَدَثِ دَائِمًا بَلْ قَدْ تَجِبُ بِلَا سَبْقِ حَدَثٍ كَالْمَوْلُودِ إذَا أُرِيدَ تَطْهِيرُهُ لِلطَّوَافِ بِهِ لَمْ يَعُدُّوا الْحَدَثَ مِنْهَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ ع ش إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالْأَنْجَاسِ) أَيْ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي تَفْسِيرِهَا) أَيْ تَعْرِيفِهَا قَوْلُهُ: (وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ إلَخْ) إنَّمَا كَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لَهَا بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلطَّهَارَةِ قَوْلُهُ (فِيهِ) أَيْ تَعْرِيفِهَا.
وَقَوْلُهُ: (أَنَّهُ) أَيْ تَعْرِيفَهَا.
قَوْلُهُ: (ارْتِفَاعُ إلَخْ) هَذَا بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ فَإِنَّ لَهَا إطْلَاقَيْنِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ مَجَازًا عِنْدَهُمْ مِنْ إطْلَاقِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ وَتُطْلَقُ عَلَى الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ أَثَرُهُ حَقِيقَةً فَتَعْرِيفُهَا الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفُ.
وَقَوْلُهُ الْآتِي وَقِيلَ هِيَ فِعْلٌ إلَخْ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، لَكِنْ كُلٌّ مِنْ تَعْرِيفَيْهِ خَاصٌّ بِالطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ: أَوْ مَا فِيهِ ثَوَابٌ مُجَرَّدٌ لِيَشْمَلَ الْمَنْدُوبَةَ، وَعَرَّفَهَا ابْنُ حَجَرٍ بِمَا يَعُمُّ الْوَاجِبَةَ وَالْمَنْدُوبَةَ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ وَهُوَ أَخْصَرُ تَعْرِيفٍ وَأَشْمَلُهُ بِقَوْلِهِ: فِعْلُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ أَوْ مَا فِيهِ ثَوَابٌ مُجَرَّدٌ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ إلَى نَحْوِ التَّيَمُّمِ، وَبِقَوْلِهِ أَوْ مَا فِيهِ ثَوَابٌ مُجَرَّدٌ إلَى نَحْوِ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَإِلَى الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمَنْدُوبَيْنِ فَرَاجِعْ.
قَوْلُهُ: (غُسْلُ الذِّمِّيَّةِ وَالْمَجْنُونَةِ) أَيْ مِنْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ وَقَوْلُهُ لِيَحِلَّانِ لِحَلِيلِهِمَا لَيْسَ قَيْدًا وَكَذَا قَوْلُهُ الْمُسْلِمِ وَإِثْبَاتُ النُّونِ فِي لِيَحِلَّانِ فِي غَالِبِ النُّسَخِ لَا وَجْهَ لَهُ، فَالصَّوَابُ حَذْفُهَا لِأَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٌ جَوَازًا بَعْدَ لَامِ التَّعْلِيلِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ مَاءَ هَذَا الْغُسْلِ مُسْتَعْمَلٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَنْ يَعْتَقِدُ تَوَقُّفَ الْحِلِّ عَلَى الْغُسْلِ، فَخَرَجَ الْحَنَفِيُّ الَّذِي لَا يَعْتَقِدُ تَوَقُّفَ الْحِلِّ عَلَى الْغُسْلِ بَلْ عَلَى الِانْقِطَاعِ فَقَطْ فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَخَرَجَ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مِنْ الْجَنَابَةِ فَإِنَّ الْمَاءَ لَا يَكُونُ.

قَدْ زَالَ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ شَرْعِيًّا لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا وَلَمْ يُزِلْ نَجِسًا وَكَذَا يُقَالُ فِي غَسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ أَزَالَ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُزَلْ بِهِ حَدَثٌ وَلَا نَجَسٌ بَلْ هُوَ تَكْرِمَةٌ لِلْمَيِّتِ وَقِيلَ هِيَ فِعْلُ مَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ.

وَتَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ، وَمُسْتَحَبٍّ كَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ، ثُمَّ الْوَاجِبُ يَنْقَسِمُ إلَى بَدَنِيٍّ وَقَلْبِيٍّ، فَالْقَلْبِيُّ كَالْحَسَدِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَعْرِفَةُ حُدُودِهَا وَأَسْبَابِهَا وَطِبِّهَا وَعِلَاجِهَا فَرْضُ عَيْنٍ يَجِبُ تَعَلُّمُهُ،

[حاشية البجيرمي]

مُسْتَعْمَلًا لِعَدَمِ تَوَقُّفِ حَالِ التَّمَتُّعِ عَلَيْهِ م د. وَقَوْلُهُ: فَالصَّوَابُ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فَالْأَوْلَى لِأَنَّ بَعْضَهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلًا عَلَى مَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَنْ تَقْرَآَنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا ... مِنِّي السَّلَامَ وَأَنْ لَا تُشْعِرَا أَحَدَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَبَعْضُهُمْ أَهْمَلَ أَنْ حَمْلًا عَلَى ... مَا أُخْتُهَا حَيْثُ اسْتَحَقَّتْ عَمَلَا قَوْلُهُ: (وَقَدْ يُقَالُ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ غُسْلٌ شَرْعِيٌّ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمَنْعَ مِنْ الْوَطْءِ الْمُرَتَّبِ عَلَى حُدُوثِ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا يُقَالُ) رَاجِعٌ لِلْمُعْتَمَدِ أَوْ لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بَلْ هُوَ تَكْرِمَةٌ لِلْمَيِّتِ) قَدْ يُقَالُ هُوَ مَعَ كَوْنِهِ تَكْرِمَةً أَزَالَ الْمَنْعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ الْمُرَتَّبَ عَلَى الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْحَدَثِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ ارْتِفَاعُ الْمَنْعِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْحَدَثِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ م د. قَوْلُهُ: (فِعْلُ مَا) الْإِضَافَةُ لِلْبَيَانِ لِأَنَّ مَا تُسْتَبَاحُ بِهِ فِعْلٌ، أَوْ الْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الْمُضَافِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ التَّطَهُّرُ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَشْمَلُ الطَّهَارَةَ الْمَنْدُوبَةَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ أَوْ مَا فِيهِ ثَوَابٌ مُجَرَّدٌ كَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ أَوْ الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ.

قَوْلُهُ: (وَتَنْقَسِمُ) لَوْ أَظْهَرَ الْفَاعِلَ وَقَالَ: وَتَنْقَسِمُ الطَّهَارَةُ كَانَ أَوْلَى لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُنْقَسِمَ لِذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ الطَّهَارَةِ الْمُعَرَّفَةِ بِمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْوَاجِبُ إلَخْ) أَرَادَ بِهِ مَا تَأَكَّدَ طَلَبُهُ فَيَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ بِدَلِيلِ مَا قَرَّرَهُ فِي الْبَدَنِيِّ.
أَوْ يُقَالُ غَلَّبَ الْوَاجِبَ لِشَرَفِهِ.
قَوْلُهُ: كَالْحَسَدِ أَيْ كَالتَّنَزُّهِ عَنْ الْحَسَدِ بِفَتْحِ السِّينِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ حَسَدْته عَلَى النِّعْمَةِ وَحَسَدْته النِّعْمَةَ حَسَدًا بِفَتْحِ السِّينِ أَكْثَرُ مِنْ سُكُونِهَا يَتَعَدَّى إلَى الثَّانِي بِنَفْسِهِ وَبِالْحَرْفِ إذَا كَرِهْتهَا عِنْدَهُ وَتَمَنَّيْت زَوَالَهَا عَنْهُ وَالْفَاعِلُ حَاسِدٌ وَالْجَمْعُ حُسَّادٌ وَحَسَدَةٌ اهـ. وَيُفَارِقُ الْغِبْطَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ الْغَيْرِ وَهِيَ تَمَنِّي حُصُولِ مِثْلِ مَا لِلْغَيْرِ، وَرُبَّمَا عُبِّرَ عَنْهَا بِالْحَسَدِ مَجَازًا مِثْلُ: «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» وَسَبَبُ الْحَسَدِ: إمَّا الْكِبْرُ وَإِمَّا الْعَدَاوَةُ وَإِمَّا خُبْثُ النَّفْسِ إذْ يَبْخَلُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ لَهُ فِيهِ، وَمِنْ الْحِكْمَةِ: إنَّ الْحَسُودَ لَا يَسُودُ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَتْ النِّعْمَةُ لِكَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْمَعَاصِي اهـ م د. وَالْمُرَادُ بِنِعْمَةِ الْكَافِرِ الشَّيْءُ الْمُعْطَى لَهُ لِأَنَّ النِّعْمَةَ مُلَائِمٌ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْعُجْبِ) كَأَنْ يُعْجَبَ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ وَالْعَالِمُ بِعِلْمِهِ وَالْمُطِيعُ بِطَاعَتِهِ.
مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالرِّيَاءِ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ.
فَعَلَهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً أَيْ لِيَرَاهُ غَيْرُهُ وَيَسْمَعَهُ وَهُوَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا فِيهِ مِقْدَارُ ذَرَّةٍ مِنْ الرِّيَاءِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمُرَائِيَ يُنَادَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ: يَا مُرَائِي يَا غَاوِي يَا فَاجِرُ يَا خَاسِرُ اذْهَبْ فَخُذْ أَجْرَك مِمَّنْ عَمِلْت لَهُ فَلَا أَجْرَ لَك عِنْدَنَا» . وَقَالَ قَتَادَةَ: إذَا رَاءَى الْعَبْدُ يَقُولُ اللَّهُ: اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي يَسْتَهْزِئُ بِي.
قَوْلُهُ: وَالْكِبْرِ بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَحَقِيقَتُهُ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ غَيْرِهِ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ فَيَحْصُلُ فِيهِ نَفْخَةٌ وَهَزَّةٌ مِنْ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَعُوذُ بِك مِنْ الْكِبْرِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْعَظَمَةُ إزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ وَلَا أُبَالِي» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ أَوْ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ مَعَ السَّابِقِينَ.
وَالْكِبْرُ نَاشِئٌ عَنْ الْعُجْبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ أَنَّ الْعُجْبَ يَتَحَقَّقُ فِي نَفْسِ الْمُعْجَبِ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ شَخْصٌ سِوَاهُ، بِخِلَافِ الْكِبْرِ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: (مَعْرِفَةُ حُدُودِهَا) أَيْ أَسْمَائِهَا بِتَنْزِيلِ مَعَانِيهَا عَلَيْهَا م د. وَالظَّاهِرُ إبْقَاءُ الْحُدُودِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا

وَالْبَدَنِيُّ إمَّا بِالْمَاءِ أَوْ بِالتُّرَابِ أَوْ بِهِمَا كَمَا فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا كَالْحِرِّيفِ فِي الدِّبَاغِ أَوْ بِنَفْسِهِ كَانْقِلَابِ الْخَمْرِ خَلًّا،

وَقَوْلُهُ: (الْمِيَاهُ) جَمْعُ مَاءٍ، وَالْمَاءُ مَمْدُودٌ عَلَى الْأَفْصَحِ، وَأَصْلُهُ مَوَهٌ تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً.
وَمِنْ عَجِيبِ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَمْ يُحْوِجْ فِيهِ إلَى كَثِيرِ مُعَالَجَةٍ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (الَّتِي يَجُوزُ التَّطْهِيرُ بِهَا) أَيْ بِكُلٍّ مِنْهَا عَنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ.
وَالْحَدَثُ فِي اللُّغَةِ الشَّيْءُ الْحَادِثُ وَفِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ وَعَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْتَهِي بِهَا الطُّهْرُ وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ بِخِلَافِ الْمَنْعِ لِأَنَّهُ صِفَةُ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ فَهُوَ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْمَنْعَ هُوَ

[حاشية البجيرمي]

التَّعَارِيفُ أَيْ مَعْرِفَةُ تَعَارِيفِهَا لِتُجْتَنَبَ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَأَسْبَابِهَا) كَطَلَبِ الْجَاهِ وَالْمَالِ بِالطَّبْعِ وَطَلَبُهَا تَرْكُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَعِلَاجِهَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.

قَوْلُهُ: (الْمِيَاهُ) وَأَصْلُهُ مِوَاهٌ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرِ الْمِيمِ قَبْلَهَا كَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ.
وَلِهَذَا لَمْ تُقْلَبْ الْوَاوُ فِي أَمْوَاهٍ وَمُوَيْهٍ أَيْ لِعَدَمِ كَسْرِ مَا قَبْلَ الْوَاوِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِلطَّهَارَةِ مَقَاصِدُ أَرْبَعٌ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَالتَّيَمُّمُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، وَوَسَائِلُ أَرْبَعٌ: الْمِيَاهُ وَالتُّرَابُ وَالتَّخَلُّلُ وَالدَّابِغُ، وَبَعْضُهُمْ أَبْدَلَ التَّخَلُّلَ بِحَجَرِ الِاسْتِنْجَاءِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَوَانِي.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالْوَجْهُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ وَالْأَوَانِيَ وَسِيلَةٌ لِلْوَسِيلَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَمَّا كَانَ أَظْهَرَ وَسَائِلِهَا الْمِيَاهُ قَدَّمَهَا الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَفْصَحِ) وَمُقَابِلُهُ قَصْرُهُ مَعَ التَّنْوِينِ وَتَرْكُهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً) أَيْ فَتَوَالَى عَلَى الْكَلِمَةِ إعْلَالَانِ أَيْ تَغْيِيرَانِ.
وَقَدْ أُلْغِزَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوَافِرِ الْمَجْزُوءِ: أَبِنْ لِي لَفْظَةً جَاءَتْ ... بِإِعْلَالَيْنِ قَدْ حَصَلَا فَأَجَابَ: نَعَمْ مَاءٌ يَلِيقُ بِأَنْ ... يُجَابَ بِهِ الَّذِي سَأَلَا قَوْلُهُ: (مِنْ عَجِيبِ لُطْفِ اللَّهِ) أَيْ كَثْرَةِ رِفْقِهِ بِعَبِيدِهِ ق ل قَوْلُهُ: (التَّطْهِيرُ) هُوَ مَصْدَرٌ.
وَالْمُرَادُ الْحَاصِلُ بِهِ فَإِنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ سم، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَلَوْ عَلَّلَ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الطَّهَارَةُ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ لَا الْفِعْلِ لَكَانَ أَوْلَى م د. وَقَوْلُهُ: وَفِيهِ أَيْ التَّعْلِيلِ نَظَرٌ، وَفِي هَذَا النَّظَرِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إلَخْ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ سم، فَإِنَّهُ الَّذِي إلَخْ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ حُصُولُ الطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ فِعْلٍ كَحُصُولِهَا بِالْمَطَرِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِكُلٍّ مِنْهَا) دَفَعَ بِهِ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمَتْنِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهَا، وَلَوْ قَالَ بِمَجْمُوعِهَا الصَّادِقِ بِالْفَرْدِ مِنْهَا وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ مِنْهَا لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَالْحَدَثُ إلَخْ) ذَكَرَ هَذَا هُنَا تَعْجِيلًا لِلْفَائِدَةِ، وَإِلَّا فَمَحَلُّ ذِكْرِهِ نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (أَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ) أَيْ غَيْرِ مَحْسُوسٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْبَصَائِرِ تُشَاهِدُهُ ظُلْمَةً عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَمَعْنَى قِيَامِهِ بِالْأَعْضَاءِ وَصْفُهَا بِهِ وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْحَيْثِيَّةِ لِإِدْخَالِ الصِّحَّةِ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ لِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ ق ل. قَوْلُهُ: (يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ) أَيْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ فِي الْأَصْغَرِ وَجَمِيعِ الْبَدَنِ فِي الْأَكْبَرِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْأَسْبَابِ) أَيْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ إلَخْ) أَمَّا تَرَتُّبُ الْمَنْعِ عَلَى الْأَسْبَابِ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمَا مُتَقَارِنَانِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّرَتُّبِ تَوَقُّفُهُ عَلَيْهِ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ وَالْأَسْبَابُ، لَكِنَّ تَرَتُّبَهُ عَلَى الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَتَرَتُّبُهُ عَلَى الْأَسْبَابِ بِوَاسِطَةِ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ، وَخَرَجَ بِهُنَا مَا فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَسْبَابُ.
وَفِي جَعْلِ الْمَنْعِ صِفَةً لَهُ تَجَوُّزٌ ق ل. وَقَوْلُهُ: (تَجُوزُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقِيقَةً هُوَ الشَّارِعُ، وَالْحَدَثُ إنَّمَا هُوَ سَبَبٌ.
وَاعْتُرِضَ قَوْلُهُ: يَمْنَعُ إلَخْ.
بِأَنَّهُ حُكْمٌ لِلْحَدَثِ وَإِدْخَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ يُوجِبُ الدَّوْرَ لِتَوَقُّفِ مَعْرِفَةِ الْحَدَثِ حِينَئِذٍ عَلَى الْحُكْمِ لِأَخْذِهِ فِي تَعْرِيفِهِ، وَتَوَقُّفِ

الْحُرْمَةُ وَهِيَ تَرْتَفِعُ ارْتِفَاعًا مُقَيَّدًا بِنَحْوِ التَّيَمُّمِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْحَدَثِ بَيْنَ الْأَصْغَرِ وَهُوَ مَا نَقَضَ الْوُضُوءَ، وَالْمُتَوَسِّطِ وَهُوَ مَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ، وَالْأَكْبَرِ وَهُوَ مَا أَوْجَبَهُ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ.
وَالْخَبَثُ فِي اللُّغَةِ مَا يُسْتَقْذَرُ وَفِي الشَّرْعِ مُسْتَقْذَرٌ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُخَفَّفِ كَبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يُطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ، وَالْمُتَوَسِّطِ كَبَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نَحْوِ الْكَلْبِ، وَالْمُغَلَّظِ كَبَوْلِ نَحْوِ الْكَلْبِ، وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْمَاءُ لِرَفْعِ الْحَدَثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَلَوْ رَفَعَ غَيْرُ الْمَاءِ لَمَا وَجَبَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ فَقْدِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ فِي الْحَدَثِ وَإِزَالَةِ الْخَبَثِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ حِينَ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ: «صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» وَالذَّنُوبُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً.

[حاشية البجيرمي]

الْحُكْمِ عَلَى الْحَدَثِ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ رَسْمٌ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّعْرِيفِ بَلْ زِيدَ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ كَمَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ) عِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: لِأَنَّ الْمَنْعَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى ذَلِكَ، وَكَوْنُ التَّيَمُّمِ يَرْفَعُ هَذَا لَا يَرِدُ لِأَنَّهُ رَفْعٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ لِفَرْضٍ وَاحِدٍ، وَكَلَامُنَا فِي الرَّفْعِ الْعَامِّ وَهُوَ خَاصٌّ بِالْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ التَّيَمُّمِ) كَطَهَارَةِ دَائِمِ الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ فِي الْحَدَثِ إلَخْ) كَلَامُهُ هُنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَسْبَابُ فَيُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَدَثَ هُنَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ فِيمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ مَا هُنَا لَا يَرْتَفِعُ، وَأَمَّا ذَاكَ فَيَرْتَفِعُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَظْهَرُ وَلَمْ يَقُلْ وَلَا فَرْقَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (الْأَصْغَرِ) لَيْسَ عَلَى بَابِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ عَلَى بَابِهِ أَيْ أَصْغَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَوَسِّطِ وَالْأَكْبَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَوَسِّطِ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَبَثُ إلَخْ) ذِكْرُهُ هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ وَإِلَّا فَمَحَلُّهُ بَابُ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (يَمْنَعُ) فِيهِ مَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِ الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ: (كَبَوْلِ صَبِيٍّ) الْكَافُ فِي هَذَا لِلِاسْتِقْصَاءِ وَفِيمَا بَعْدَهُ لِلتَّمْثِيلِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَطْعَمْ) مِنْ بَابِ عَلِمَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ إلَخْ) كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ عَلَى هَذَا امْتِنَاعَ التَّطْهِيرِ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: إنَّمَا يُطَّهَّرُ مِنْ مَائِعٍ مَاءٌ مُطْلَقُ أَيْ لَا غَيْرُهُ ثُمَّ يُرَتَّبُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا تَعَيَّنَ الْمَاءُ إلَخْ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ وَلَا فِي كَلَامِ الْمَتْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فِيهِ.
قَالَ ق ل: هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ الْمَعْلُومِ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (الْإِجْمَاعَ) هُوَ إجْمَاعٌ مَذْهَبِيٌّ، فَلَا يُنَافِي مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِتَطْهِيرِ غَيْرِ الْمَاءِ مِنْ كُلِّ مَائِعٍ خَالٍ عَنْ الدُّهْنِيَّةِ كَالْخَلِّ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ يُطَّهَّرُ الْخَبَثَ لَا الْحَدَثَ لِأَنَّهُ يُحِلُّ الْبَاطِنَ وَالظَّاهِرَ فَلَا يَرْفَعُهُ إلَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ وَالْخَبَثُ يُحِلُّ الظَّاهِرَ فَقَطْ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَكْفِي كَشْطُ جِلْدِهِ فَكَفَى فِيهِ غَسْلُ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْأَعْرَابِيُّ) وَهُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ الْيَمَانِيُّ وَهُوَ مُسْلِمٌ صَحَابِيٌّ لَا التَّمِيمِيُّ، وَاسْمُهُ حُرْقُوصٌ وَهُوَ رَئِيسُ الْخَوَارِجِ، وَقِيلَ هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ.
وَالْأَعْرَابِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي، وَوَقَعَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ فَقِيلَ لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْعَلَمِ عَلَى الْقَبِيلَةِ كَأَنْصَارٍ، وَقِيلَ لَوْ نُسِبَ إلَى وَاحِدِهِ وَهُوَ عَرَبٌ لَقِيلَ عَرَبِيٌّ فَيَشْتَبِهُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ كُلُّ مَنْ وَلَدَهُ إسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى، وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَزَجْرُ النَّاسِ لَهُ مِنْ بَابِ الْمُبَادَرَةِ إلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ مُنْكَرًا وَفِيهِ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْ الْأَنْجَاسِ كُلِّهَا.
«وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ عَنْ زَجْرِهِ» ، لِأَنَّهُ إذَا قُطِعَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ أَدَّى إلَى ضَرَرِ بَدَنِهِ، وَالْمَفْسَدَةُ الَّتِي حَصَلَتْ بِبَوْلِهِ لَا يَنْضَمُّ لَهَا مَفْسَدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ ضَرَرُ بَدَنِهِ، لِئَلَّا يَجْتَمِعَ مَفْسَدَتَانِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا زُجِرَ مَعَ جَهْلِهِ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى تَنَجُّسِ مَكَان آخَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ بِتَرْشِيشِ الْبَوْلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تُرِكَ حَتَّى يَفْرُغَ فَإِنَّ الرَّشَاشَ لَا يَنْتَشِرُ، وَفِي هَذَا الْإِبَانَةُ عَنْ جَمِيلِ أَخْلَاقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِفْقِهِ وَلُطْفِهِ بِالْجَاهِلِ، وَبَيْنَ الْأَعْرَابِ وَالْعَرَبِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَعْرَابِ بِأَنَّهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْعَجَمِ، وَتَفْسِيرُ الْعَرَبِ بِأَنَّهُمْ مَنْ وَلَدَهُ إسْمَاعِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ سُكَّانِ الْحَضَرِ أَوْ الْبَوَادِي، فَيَجْتَمِعَانِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَسَكَنَ الْبَادِيَةَ، وَيَنْفَرِدُ الْعَرَبِيُّ فِيمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَسَكَنَ الْحَضَرَ، وَيَنْفَرِدُ الْأَعْرَابِيُّ فِيمَنْ كَانَ مِنْ الْعَجَمِ وَسَكَنَ الْبَادِيَةَ.
قَوْلُهُ: (ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ مَظْرُوفَ ذَنُوبٍ حَالَ كَوْنِهِ بَعْضَ الْمَاءِ، فَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهِيَ مَعَ مَدْخُولِهَا فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ وَمَجِيءُ الْحَالِ مِنْ النَّكِرَةِ قَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: (الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً) إذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى الذَّنُوبِ فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ

وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ كَمَا مَرَّ، فَلَوْ كَفَى غَيْرُهُ لَمَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ وَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ، لِأَنَّ الطُّهْرَ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ تَعَبُّدِيٌّ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَاللَّطَافَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ.

تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْعُقُودِ كَانَ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ، وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْأَفْعَالِ كَانَ بِمَعْنَى الْحِلِّ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْأَمْرَيْنِ، لِأَنَّ مَنْ أَمَرَّ غَيْرَ الْمَاءِ عَلَى أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لَا يَصِحُّ وَيَحْرُمُ لِأَنَّهُ تَقَرَّبَ بِمَا لَيْسَ مَوْضُوعًا لِلتَّقَرُّبِ فَعَصَى لِتَلَاعُبِهِ، (سَبْعُ مِيَاهٍ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ أَحَدُهَا (مَاءُ السَّمَاءِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11]

[حاشية البجيرمي]

فِي الْحَدِيثِ مِنْ مَاءٍ وَتَقْيِيدُهُ بِهِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الذَّنُوبَ يُطْلَقُ أَيْضًا حَقِيقَةً عَلَى الدَّلْوِ الْفَارِغَةِ وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ الذَّنُوبُ الدَّلْوُ أَوْ وَفِيهَا مَاءٌ أَوْ الْمُمْتَلِئَةُ أَوْ الْقَرِيبَةُ مِنْ الْمِلْءِ أَيْ فَيُحْمَلُ الذَّنُوبُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الدَّلْوِ فَقَطْ، وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ قَوْلُهُ الدَّلْوُ الْمُمْتَلِئَةُ مَاءً وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَاءٍ؛ تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ بِالذَّنُوبِ عَنْ مُطْلَقِ الدَّلْوِ.
وَقَوْلُهُ: الْمُمْتَلِئَةُ يُفِيدُ أَنَّ الدَّلْوَ مُؤَنَّثَةٌ، وَفِي الْمُخْتَارِ أَنَّهَا تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ كَمَا نَقَلَهُ ع ش عَلَى م ر. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الْغَالِبُ عَلَيْهَا التَّأْنِيثُ، وَقَدْ تُذَكَّرُ وَتَصْغِيرُهَا دُلَيَّةٌ وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَدْلٍ.
وَفِي الْكَثْرَةِ دِلَاءٌ وَدُلِيٌّ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَأَدْلَيْت الدَّلْوَ أَيْ أَرْسَلْتهَا فِي الْبِئْرِ، وَدَلَوْتهَا نَزَعْتهَا مِنْهَا اهـ إشَارَاتٌ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ وَقَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (لَمَا وَجَبَ غَسْلُ الْبَوْلِ بِهِ) فِيهِ بَحْثٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِهِ لِكَوْنِهِ مِنْ مَا صَدَقَ الْوَاجِبُ، أَوْ لِأَنَّهُ الْمُتَيَسِّرُ إذْ ذَاكَ، فَلَا يُنَافِي زَوَالَ الْخَبَثِ بِغَيْرِهِ كَالْخَلِّ شَوْبَرِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ نَفْيُ الْقِيَاسِ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ.
اهـ. ق ل. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ فِي الْحَدَثِ، وَمَا هُنَا فِي الْخَبَثِ فَمَحَلُّ الْإِجْمَاعِ غَيْرُ مَحَلِّ الْقِيَاسِ الْمَنْفِيِّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْإِمَامِ أَيْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ) لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّقَّةِ) أَيْ فَهُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ) بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَرْسُبُ لِلصَّافِي مِنْهُ ثُفْلٌ بِإِغْلَائِهِ بِخِلَافِ الصَّافِي مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا لَوْنَ لَهُ وَمَا يَظْهَرُ فِيهِ لَوْنُ ظَرْفِهِ أَوْ مُقَابِلِهِ لِأَنَّهُ جِسْمٌ شَفَّافٌ.
وَقَالَ الرَّازِيّ: بَلْ لَهُ لَوْنٌ وَيُرَى وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَحْجُبُ عَنْ رُؤْيَةِ مَا وَرَاءَهُ وَعَلَى أَنَّ لَهُ لَوْنًا فَقِيلَ أَبْيَضُ اهـ.

قَوْلُهُ: (إذَا أُضِيفَ إلَى الْعُقُودِ) أَيْ إضَافَةً لُغَوِيَّةً وَهِيَ مُجَرَّدُ الْإِسْنَادِ نَحْوُ: يَجُوزُ بَيْعُ كَذَا أَيْ يَصِحُّ، وَقَوْلُهُ: إلَى الْأَفْعَالِ.
نَحْوُ: يَجُوزُ أَكْلُ الْبَصَلِ أَيْ يَحِلُّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْأَمْرَيْنِ) أَيْ فَيَكُونُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ نَحْوُ الْمَاءِ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ وَلَا يَحِلُّ، وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ أَنْ يَجُوزَ هُنَا بِمَعْنَى يَصِحُّ لِأَجْلِ إدْخَالِ الْمَاءِ الْمُسَبَّلِ وَالْمَغْصُوبِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ بِلَا قَرِينَةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا حَالِيَّةٌ.
وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْأَمْرَيْنِ أَيْ أَنَّ هَذَا الْمَحَلَّ مُسْتَثْنًى وَالْجَوَازُ فِيهِ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ وَالْحِلِّ مَعًا، فَلَا يَرِدُ أَنَّ التَّطْهِيرَ فِعْلٌ فَكَيْفَ يَكُونُ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ اِ هـ. وَقَوْلُهُ: (فَلَا يَرِدُ) أَيْ لِأَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ يَجُوزُ إلَى قَوْلِهِ بِمَعْنَى الْحِلِّ أَيْ فَهِيَ قَاعِدَةٌ أَغْلَبِيَّةٌ.
وَأَجَابَ سم عَنْ إيرَادِ الْمُسَبَّلِ وَالْمَغْصُوبِ، بِأَنَّهُمَا يَحِلَّانِ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِمَا وَإِنْ حَرُمَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (فَعَصَى) تَفْرِيعٌ عَلَى تَقَرَّبَ إلَخْ.
وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ تَعْلِيلِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ يَحْرُمُ مَعَ تَعْلِيلِهِ الَّذِي هُوَ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ الصِّحَّةِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْحُرْمَةِ الْعِصْيَانُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا.
قَوْلُهُ: (لِتَلَاعُبِهِ) قَالَ ق ل: لَوْ قَالَ لِتَعَاطِيهِ عِبَادَةً فَاسِدَةً كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ الْعِصْيَانَ قَدْ يُجَامِعُ الصِّحَّةَ اهـ. قَوْلُهُ: (سَبْعُ مِيَاهٍ) الْأَحْسَنُ سَبْعَةٌ بِالتَّاءِ لِأَنَّ مَعْدُودَهُ جَمْعُ مَاءٍ وَهُوَ مُذَكَّرٌ.
اهـ. ع ش. قَالَ اج: زَادَ لَفْظَ مِيَاهٍ لِلتَّأَكُّدِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْأَنْوَاعُ لَا الْأَفْرَادُ، وَلَا يَرِدُ تَبَادُرُ الْحَصْرِ لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ غَيْرِهَا كَالنَّابِعِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمِيَاهُ الْمَشْهُورَةُ الْعَامَّةُ الْوُجُودِ وَلِأَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (مَاءُ السَّمَاءِ) مِنْ إضَافَةِ الْحَالِ لِلْمَحَلِّ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ إلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَقِيلَ: أَوَ تَبْكِي؟ فَقَالَ: وَمَا لِلْأَرْضِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ يَعْمُرُهَا

وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِهَا لِشَرَفِهَا عَلَى الْأَرْضِ كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَهَلْ الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ فِي الْآيَةِ الْجِرْمُ الْمَعْهُودُ أَوْ السَّحَابُ؟ قَوْلَانِ.
حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ فِي دَقَائِقِ الرَّوْضَةِ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَنْزِلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا.

(وَ) ثَانِيهَا (مَاءُ الْبَحْرِ) الْمَالِحُ لِحَدِيثِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَسُمِّيَ بَحْرًا لِعُمْقِهِ

[حاشية البجيرمي]

بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمَا لِلسَّمَاءِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ تَسْبِيحُهُ وَتَكْبِيرُهُ فِيهَا يُدَوِّي كَدَوِيِّ النَّحْلِ.
قِيلَ: بُكَاءُ السَّمَاءِ حُمْرَةُ أَطْرَافِهَا اهـ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلَّا وَلَهُ بَابَانِ بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ فَإِذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ بَابُ عَمَلِهِ» وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ذَكَرَهُ النَّبِتِيتِيُّ عَلَى الْمِعْرَاجِ.
قَوْلُهُ: (لِشَرَفِهَا عَلَى الْأَرْضِ إلَخْ) هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ غَيْرِهِ أَنَّ الْأَرْضَ أَفْضَلُ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا اهـ ق ل. قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَمَكَّةُ أَيْ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْحَرَمِ أَفْضَلُ الْأَرْضِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ النِّزَاعَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَأَفْضَلُ بِقَاعِهَا الْكَعْبَةُ الْمُشَرَّفَةُ ثُمَّ بَيْتُ خَدِيجَةَ بَعْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، نَعَمْ التُّرْبَةُ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ مَا مَرَّ حَتَّى مِنْ الْعَرْشِ اهـ. وَقَالَ وَالِدُهُ فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ: وَأَفْضَلُ مِنْ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمِنْ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْجَنَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يُنْقَلُ مِنْ أَفْضَلَ لِمَفْضُولٍ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّ أَفْضَلُ مِنْهَا لَخُلِقَ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ «إنَّ صَدْرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمَّا شُقَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ» ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّ أَفْضَلُ مِنْهُ لَغُسِلَ بِذَلِكَ الْأَفْضَلِ عَلَى أَنَّهُ وَرَدَ: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» فَإِنْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْجَنَّةِ حَقِيقَةً زَالَ الْإِشْكَالُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْبَيْنِيَّةِ مَا بَيْنَ ابْتِدَاءِ قَبْرِي أَيْ لَا مِنْ آخِرِهِ رَوْضَةٌ، فَيَكُونُ الْقَبْرُ دَاخِلًا فِي الرَّوْضَةِ اهـ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: زَالَ الْإِشْكَالُ يَعْنِي بِأَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِعَيْنِهِ فِي الْآخِرَةِ إلَى الْجَنَّةِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ أَيْضًا فِي مَعْنَاهُ أَيْ كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فِي نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُصُولِ السَّعَادَةِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ مُلَازَمَةِ حِلَقِ الذِّكْرِ فِيهَا، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ أَدَاةٍ، أَوْ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا تُؤَدِّي إلَى الْجَنَّةِ فَيَكُونُ مَجَازًا هَذَا مُحَصَّلُ مَا أَوَّلَهُ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ قُبُورَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، كَقَبْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ كَشَرْحِ م ر لَمْ تُسْتَثْنَ فِيهِ إلَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَضِيَّةُ اقْتِصَارِهِمَا عَلَيْهَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا ضَمَّ رُوحَهُ الشَّرِيفَةَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِمَّا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ أَوْ مُسَاوِيهِ فِي الْفَضْلِ أَوْ مَا ضَمَّ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ أَفْضَلُ مِمَّا ضَمَّ رُوحَهُ الشَّرِيفَةَ؟ حَرِّرْهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَجْمُوعِ) اعْتَمَدَهُ الرَّمْلِيُّ قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْزِلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ يَنْزِلَ عَلَى التَّعَاقُبِ مِنْ الْجِرْمِ أَوَّلًا وَمِنْ السَّحَابِ ثَانِيًا، فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الْمَطَرَ ثَمَرُ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ يَنْفَتِحُ لَهُ أَزْهَارُهَا فَيَخْرُجُ فَسُبْحَانَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «مَا مِنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا وَالسَّمَاءُ تُمْطِرُ إلَّا أَنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ شَاءَ» اهـ. وَأَفْضَلُ السَّمَوَاتِ السَّمَاءُ الَّتِي فِيهَا الْعَرْشُ، وَأَفْضَلُ الْأَرَضِينَ الْأَرْضُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا.
وَسُئِلَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ هَلْ كَانَتْ أَيَّامٌ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ فَأَجَابَ.
بِأَنَّ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقَ الْأَيَّامِ كَانَ دُفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْفَتَاوَى.
قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِسَائِلِهِ عَنْ خَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ فَسَوَّاهَا فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ بَسَطَهَا وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ، فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ.

وَاتِّسَاعِهِ.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ أُطْلِقَ الْبَحْرُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَالِحُ غَالِبًا، وَيَقِلُّ فِي الْعَذْبِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ.
فَائِدَةٌ: اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: كُلُّ مَاءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ فَالتَّطْهِيرُ بِهِ جَائِزٌ بِأَنَّهُ لَحْنٌ، وَإِنَّمَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (الْمَالِحُ إلَخْ) بِالرَّفْعِ نَعْتٌ لِمَاءٍ وَبِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلْبَحْرِ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ أَوْ الْمِلْحِ فَقَطْ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَكَانُ الْمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ كَمَا فِي ق ل. قَوْلُهُ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ إلَخْ) أَوَّلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَالطَّهُورُ هُنَا بِفَتْحِ الطَّاءِ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَالطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ اسْمٌ لِفِعْلِ التَّطَهُّرِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْحِلُّ بِمَعْنَى الْحَلَالِ كَالْحُرْمِ بِمَعْنَى الْحَرَامِ، وَالْمَيْتَةُ هُنَا بِفَتْحِ الْمِيمِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَيْنُ الْمَيْتَةُ، وَأَمَّا الْمِيتَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ فَهِيَ هَيْئَةُ الْمَوْتِ، وَلَا مَعْنَى لَهَا هُنَا إلَّا بِتَكَلُّفٍ، وَالْمَيِّتَةُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ، وَفَصَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا.
وَفِي إعْرَابِ الْحَدِيثِ أَوْجُهٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً، وَالطَّهُورُ مُبْتَدَأً ثَانِيًا خَبَرُهُ مَاؤُهُ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ هَذَا الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي وَخَبَرِهِ خَبَرُ الْأَوَّلِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُون هُوَ مُبْتَدَأً، وَالطَّهُورُ خَبَرَهُ، وَمَاؤُهُ بَدَلَ اشْتِمَالٍ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ بَحْثٌ دَقِيقٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وَالطَّهُورُ مَاؤُهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ خَبَرَهُ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا تَقَدُّمُ ذِكْرِ الْبَحْرِ فِي السُّؤَالِ لِأَنَّهُ إذَا قُصِدَ الِاسْتِئْنَافُ وَعَدَمُ إعَادَةِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ هُوَ عَلَى الْبَحْرِ صَحَّ هَذَا الْوَجْهُ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا فِي هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إنَّهُ ضَمِيرُ شَأْنٍ مَعَ مَا رُوِيَ مِنْ تَقَدُّمِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ قَالُوا اُنْسُبْ لَنَا رَبَّك.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً، وَالطَّهُورُ خَبَرَهُ، وَمَاؤُهُ فَاعِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ اعْتَمَدَ عَامِلَهُ لِكَوْنِهِ خَبَرًا.
فَإِنْ قُلْت: مَاءُ الْبَحْرِ هَلْ خُلِقَ مِلْحًا أَوْ كَانَ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ عَذْبًا ثُمَّ صَارَ مِلْحًا لِئَلَّا يَتَعَفَّنَ؟ قُلْت: نَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ إنَّ جَمِيعَ الْمِيَاهِ مِنْ السَّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: 21] وَإِنَّمَا قَسَّمَهَا الْفُقَهَاءُ عَلَى مَا يُشَاهَدُ عَادَةً وَالْمَاءُ الْمُنَزَّلُ مِنْ السَّمَاءِ عَذْبٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ: أَنَّ قَابِيلَ لَمَّا قَتَلَ هَابِيلَ وَآدَمُ حِينَئِذٍ بِمَكَّةَ اشْتَاكَ الشَّجَرُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَطْعِمَةُ وَحَمُضَتْ الْفَوَاكِهُ وَمُرَّ الْمَاءُ وَاغْبَرَّتْ الْأَرْضُ.
وَعَنْ عَلِيٍّ تَغَيَّرَتْ الْأَرْضُ يَوْمَئِذٍ وَطُعُومُ الثِّمَارِ وَضَوْءُ الشَّمْسِ وَنُورُ الْقَمَرِ وَرِيحُ الرَّيَاحِينِ وَعُذُوبَةُ الْمَاءِ وَنَبَتَ الْعَوْسَجُ.
وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ النَّجْمُ الْغَيْطِيُّ عَنْ مَاءِ الطُّوفَانِ: هَلْ كَانَ عَذْبًا أَوْ مِلْحًا وَهُوَ الَّذِي أَغْرَقَ اللَّهُ بِهِ قَوْمَ نُوحٍ، وَهَلْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا وَمَا الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّهُمَّ عَلِّمْنِي مِنْ لَدُنْك عِلْمًا كَانَ حَالَ الْإِغْرَاقِ عَذْبًا، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ لَهُ الْمُلُوحَةُ بَعْدُ وَالْبِحَارُ الْمَلْحَةُ الْآنَ مِنْ بَقَايَا ذَلِكَ، وَاسْتَشْهَدَ بِأَحَادِيثَ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ وَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ أَبُو الْحَسَنِ الصِّدِّيقِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ تَسْهِيلِ السَّبِيلِ: إنَّ مَاءَ الطُّوفَانِ كَانَ عَذْبًا وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِيهِ فِي الْآثَارِ، وَقِيلَ كَانَ كُلُّهُ مِنْ السَّمَاءِ، وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى مَحَلِّهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتَ رِجْسٌ وَغَضَبٌ فَعَادَ مِلْحًا، وَقِيلَ إنَّ الْأَرْضَ بَلَعَتْ الْحُلْوَ وَمَا اسْتَعْصَى عَلَيْهَا صَارَ مِلْحًا، وَقَدْ تَضَافَرَ عَلَى مَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الشَّافِعِيِّ) وَعَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى الْمُزَنِيِّ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَهَا ابْتِدَاءً فِي تَقْرِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ،

يَصِحُّ مِنْ بَحْرٍ مِلْحٍ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الشَّاعِرُ: فَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ مَالِحٌ ... لَأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقِهَا عَذْبَا وَلَكِنَّ فَهْمَهُ السَّقِيمَ أَدَّاهُ إلَى ذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ: وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ... وَآفَتُهُ مِنْ الْفَهْمِ السَّقِيمِ (وَ) ثَالِثُهَا (مَاءُ النَّهْرِ) أَيْ الْعَذْبُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَنَحْوِهِمَا بِالْإِجْمَاعِ.

[حاشية البجيرمي]

وَقَالَهَا الْمُزَنِيّ بَعْدَهُ، وَالْمُعْتَرِضُ هُوَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الشَّافِعِيِّ مُخْطِئٌ فِي اعْتِرَاضِهِ، وَذِكْرُ الْبَيْتِ مِنْ الشَّارِحِ اسْتِشْهَادٌ عَلَى خَطَئِهِ وَقَرَعَهُ أَيْ وَبَّخَهُ بِسَقَمِ فَهْمِهِ وَرَدَاءَتِهِ ق ل. قَوْلُهُ: (فَلَوْ تَفَلَتْ إلَخْ) وَقَبْلَهُ: وَلَوْ ظَهَرَتْ فِي الْغَرْبِ يَوْمًا لِرَاهِبٍ ... لَخَلَّى سَبِيلَ الشَّرْقِ وَاتَّبَعَ الْغَرْبَا وَلَوْ أَنَّهَا لِلْمُشْرِكِينَ تَعَرَّضَتْ ... لَاتَّخَذُوهَا بَيْنَ أَصْنَامِهِمْ رَبَّا فَلَوْ تَفَلَتْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ إلَخْ) وَبَعْدَهُ: وَلَكِنْ تَأْخُذُ الْآذَانُ مِنْهُ ... عَلَى قَدْرِ الْقَرِيحَةِ وَالْفُهُومِ قَوْلُهُ: (أَيْ الْعَذْبُ) بِالرَّفْعِ نَعْتٌ لِمَاءٍ فَإِنَّ النَّهْرَ مَجْرَى الْمَاءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ) هُمَا مَعَ سَيْحَانَ وَجَيْحَانَ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ.
وَمِنْ عَجَائِبِ النِّيلِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَمْتَدُّ فِي أَيَّامِ الزِّيَادَةِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى شِرَاءِ جَارِيَةٍ وَيُزَيِّنُوهَا وَيُلْبِسُونَهَا حُلَلًا وَيَطْرَحُونَهَا فِي مَكَان مَخْصُوصٍ مِنْ النِّيلِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أُخْبِرَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ عُمَرُ كِتَابًا يَقُولُ فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنْ كُنْت أَيُّهَا النِّيلُ لَا تَمْتَدُّ إلَّا بِقَتْلِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيك، وَإِنْ كُنْت تَمْتَدُّ بِأَمْرِ اللَّهِ فَافْعَلْ، وَأَمَرَ بِطَرْحِ الْكِتَابِ فِيهِ، فَلَمَّا طَرَحُوهُ امْتَدَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ.
ذَكَرَهُ فِي عَجَائِبِ الْمَلَكُوتِ، وَقَدْ كَانُوا أَقَامُوا بَئُونَةَ وَأَبِيبَ وَمِسْرَى لَا يَجْرِي لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، فَلَمَّا أَلْقَوْا كِتَابَ عُمَرَ أَصْبَحُوا وَقَدْ أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إلَى الْيَوْمِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: نِيلُ مِصْرَ سَيِّدُ الْأَنْهَارِ فَسَخَّرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ كُلَّ نَهْرٍ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَذَلَّلَهُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجْرِيَ نِيلَ مِصْرَ أَمَرَ كُلَّ نَهْرٍ يَمُدُّهُ فَتَمُدُّهُ الْأَنْهَارُ بِمَائِهَا وَيُفَجِّرُ اللَّهُ لَهُ الْأَرْضَ عُيُونًا، فَإِذَا انْتَهَى جَرَيَانُهُ إلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إلَى كُلِّ مَاءٍ أَنْ يَرْجِعَ إلَى عُنْصُرِهِ أَيْ أَصْلِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ زُولَاقٍ فِي تَارِيخِ مِصْرَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنْ الْجَنَّةِ وَضَعَهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا فَنَهْرُ مِصْرَ نَهْرُ الْعَسَلِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْفُرَاتُ نَهْرُ الْخَمْرِ، وَسَيْحَانُ نَهْرُ الْمَاءِ، وَجَيْحَانُ نَهْرُ اللَّبَنِ، وَقَالَ أَيْضًا: إنَّ النِّيلَ يَجْرِي مِنْ تَحْتِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى حَالَ نُزُولِهِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ النِّيلَ يَخْرُجُ مِنْ الْجَنَّةِ وَلَوْ أَنَّكُمْ الْتَمَسْتُمْ فِيهِ إذْ مَدَدْتُمْ أَيْدِيَكُمْ لَوَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» وَلِذَلِكَ نُدِبَ أَكْلُ الْبُلْطِيِّ مِنْ السَّمَكِ لِأَنَّهُ يَتَتَبَّعُ أَوْرَاقَ الْجَنَّةِ فَيَرْعَاهَا.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ الْأَقْفَهْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْخَيْرُومِ فَإِنَّهُ يَرْعَى مِنْ حَشِيشِ الْجَنَّةِ» وَذَكَرَ السُّيُوطِيّ أَنَّهُ كَانَ عَلَى نِيلِ مِصْرَ لِحَفْرِ خُلْجَانِهَا وَإِقَامَةِ جُسُورِهَا وَبِنَاءِ قَنَاطِرِهَا وَقَطْعِ جَزَائِرِهَا مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفَ فَاعِلٍ، مَعَهُمْ الْأَغْلَاقُ وَالْمَسَاحِي يَتَعَهَّدُونَ ذَلِكَ وَلَا يَدَعُونَهُ صَيْفًا وَلَا شِتَاءً، وَأُجْرَتُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ إيَاسٍ فِي كِتَابِهِ نَشْقُ الْأَزْهَارِ مَا نَصُّهُ: قَالَ السُّدِّيُّ: وَجَدْت رُمَّانَةً عَلَى بَعْضِ شُطُوطِ الْفُرَاتِ جَاءَ بِهَا الْمَاءُ وَهِيَ خِلْقَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَتَوْا بِهَا إلَيْهِ فَوَزَنُوهَا فَوَجَدُوهَا ثَلَاثَةَ قَنَاطِيرَ عِرَاقِيَّةً فَقَسَّمَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا مِنْ رُمَّانِ الْجَنَّةِ اهـ اج.
وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْمَوَاهِبِ: الْبِحَارُ سَبْعَةٌ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَهْبٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَسِيرَةَ الْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، بُحُورُهَا مِنْهَا ثَلَاثُمِائَةِ

(وَ) رَابِعُهَا (مَاءُ الْبِئْرِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» لَمَّا سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْهَا وَمِنْ بِئْرِ رُومَةَ.
تَنْبِيهٌ: شَمِلَ إطْلَاقُهُ الْبِئْرَ بِئْرَ زَمْزَمَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ مِنْهَا.
وَفِي الْمَجْمُوعِ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الطَّهَارَةِ بِهِ،

[حاشية البجيرمي]

سَنَةٍ، وَالْخَرَابُ مِنْهَا مَسِيرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ وَالْعُمْرَانُ مَسِيرَةُ مِائَةِ سَنَةٍ اهـ.

قَوْلُهُ: (بِئْرُ زَمْزَمَ) كَجَعْفَرٍ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْبُقْعَةُ مُنِعَ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ الْمَعْنَوِيِّ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَكَانُ صُرِفَ لِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ، وَهِيَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَرِيبَةٌ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَعُمْقُهَا إحْدَى عَشْرَةَ قَامَةً وَعُمْقُ الْمَاءِ سَبْعُ قَامَاتٍ، وَدَوْرُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ شِبْرًا، وَارْتِفَاعُ سُورِ الْبِئْرِ أَرْبَعَةُ أَشْبَارٍ وَنِصْفٌ.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَتَجْتَمِعُ فِيهَا أَرْوَاحُ الْمَوْتَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ الصَّالِحِينَ، وَغَيْرُ الصَّالِحِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي بِئْرِ مَعُونَةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسُمِّيَتْ الْبِئْرُ بِزَمْزَمَ لِأَنَّ الْمَاءَ حِينَ خَرَجَ مِنْهَا سَالَ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَزُمَّ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ مُنِعَ مِنْ السَّيَلَانِ بِجَمْعِ التُّرَابِ حَوَالَيْهِ، وَأَصْلُهَا مِنْ ضَرْبِ جِبْرِيلَ الْأَرْضَ بِجَنَاحِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ سَيِّدَنَا إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَضَعَ أَمَتَهُ هَاجَرَ وَوَلَدَهُ مِنْهَا إسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ فِي الْحِجْرِ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَقِرْبَةً صَغِيرَةً فِيهَا مَاءٌ ثُمَّ ذَهَبَ فَتَبِعَتْهُ هَاجَرُ، فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ؟ وَكَرَّرَتْ ذَلِكَ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا.
فَقَالَتْ: هَلْ أَمَرَك اللَّهُ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَتْ: إذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا ثُمَّ رَجَعَتْ، فَاسْتَقْبَلَ إبْرَاهِيمُ الْبَيْتَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: 37] حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37] وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ بَعْضُ ذُرِّيَّتِي، فَلَمَّا فَرَغَ الْمَاءُ عَطِشَتْ فَانْقَطَعَ لَبَنُهَا فَعَطِشَ إسْمَاعِيلُ وَبَكَى وَصَارَ يَعْلُو صَوْتُهُ وَيَنْخَفِضُ وَيَضْرِبُ بِعَقِبَيْهِ، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهَةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ وَقَالَتْ: يَمُوتُ وَأَنَا غَائِبَةٌ عَنْهُ أَهْوَنُ عَلَيَّ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَمْشَايَ خَيْرًا، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ فَقَامَتْ عَلَيْهِ وَاسْتَغَاثَتْ بِاَللَّهِ وَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا وَالْوَادِي يَوْمَئِذٍ عَمِيقٌ، فَجَاوَزَتْ الْوَادِيَ إلَى الْمَرْوَةِ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلِذَا شُرِعَ السَّعْيُ سَبْعًا، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ تَذْهَبُ إلَى إسْمَاعِيلَ وَتَنْظُرُ مَا حَدَثَ لَهُ، فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: أَغِثْنِي فَإِذَا هُوَ جِبْرِيلُ فَقَالَ.
مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: هَاجَرُ أُمُّ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ.
قَالَ: فَإِلَى مَنْ وَكَّلَكُمَا؟ قَالَتْ: إلَى اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: وَكَّلَكُمَا إلَى كَافٍ فَخَرَجَ يُصَوِّبُ بَيْنَ يَدَيْهَا حَتَّى انْتَهَى بِهَا عِنْدَ رَأْسِ إسْمَاعِيلَ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهَا حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِعَقِبِهِ أَوْ بِجَنَاحِهِ الْأَرْضَ، فَنَبَعَ زَمْزَمُ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَسَاحَ حَتَّى قَرُبَ مِنْ إسْمَاعِيلَ فَصَارَتْ تَجْمَعُ التُّرَابَ حَوْلَ الْمَاءِ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِقِرْبَتِهَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ الْمَاءَ فِي سِقَائِهَا وَتَقُولُ: زِمِّي زِمِّي أَيْ اجْتَمِعِي فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا: لَا تَخَافِي الضَّيْعَةَ أَيْ الْهَلَاكَ فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِيه هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، فَاجْتَمَعَتْ فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِزَمْزَمَتِهَا أَيْ اجْتِمَاعِهَا أَوْ لِكَثْرَةِ مَائِهَا، أَوْ لِزَمْزَمَةِ جِبْرِيلَ أَيْ تَكَلُّمِهِ عِنْدَ انْفِجَارِهَا، وَيُقَالُ لَهَا زَمْزَامُ وَشَرَابُ الْأَبْرَارِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلُّوا فِي مُصَلَّى الْأَخْيَارِ، وَاشْرَبُوا مِنْ شَرَابِ الْأَبْرَارِ.
قِيلَ: مَا مُصَلَّى الْأَخْيَارِ؟ قَالَ: تَحْتَ الْمِيزَابِ، قِيلَ: مَا شَرَابُ الْأَبْرَارِ؟ قَالَ: مَاءُ زَمْزَمَ، وَأَكْرِمْ بِهِ مِنْ شَرَابٍ، وَأَصْلُهَا زَمَّمَ فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْعَ بَيْنَ ثَلَاثِ مِيمَاتٍ فَأَبْدَلُوا مِنْ الثَّانِيَةِ زَايًا.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ق ل: وَلَا بَأْسَ بِنَقْلِ مَائِهَا بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ «لِأَنَّ الْمُصْطَفَى كَانَ يَنْقُلُهُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَيُهْدِيهِ لِأَصْحَابِهِ وَكَانَ يَسْتَهْدِيهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ» . وَمَا قِيلَ إنَّهُ يُبَدَّلُ فَمِنْ خُرَافَاتِ الْعَوَامّ اهـ. وَذَكَرَ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَزُورُ هَاجَرَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الشَّامِ عَلَى الْبُرَاقِ شَغَفًا بِهَا وَقِلَّةَ صَبْرٍ عَنْهَا.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي إسْكَانِهَا مَكَّةَ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ سَارَةَ زَوْجَ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ مُنِعَتْ الْوَلَدَ وَيَئِسَتْ، وَكَانَتْ هَاجَرُ جَارِيَتُهَا ذَاتَ هَيْئَةٍ وَجَمَالٍ فَوَهَبَتْهَا لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ بِإِسْمَاعِيلَ فَغَضِبَتْ سَارَةُ

وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ، سِيَّمَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ لِمَا قِيلَ إنَّهُ يُورِثُ الْبَوَاسِيرَ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَهَلْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى؟ أَوْجُهٌ حَكَاهَا الدَّمِيرِيُّ وَالطَّيِّبُ النَّاشِرِيُّ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ تَبَعًا لِلْأَذْرَعِيِّ.
وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ، لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَزَالَ بِهِ الدَّمَ الَّذِي أَدَمْته قُرَيْشٌ حِينَ رَجَمُوهُ كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَغَسَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَلَدَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حِينَ قُتِلَ وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ.

(وَ) خَامِسُهَا (مَاءُ الْعَيْنِ) الْأَرْضِيَّةِ كَالنَّابِعَةِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ، أَوْ الْحَيَوَانِيَّةِ كَالنَّابِعَةِ مِنْ الزُّلَالِ وَهُوَ شَيْءٌ يَنْعَقِدُ مِنْ الْمَاءِ.
عَلَى صُورَةِ الْحَيَوَانِ، أَوْ الْإِنْسَانِيَّةِ كَالنَّابِعِ، مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ذَاتِهَا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ مُطْلَقًا.
(وَ) سَادِسُهَا (مَاءُ الثَّلْجِ) بِالْمُثَلَّثَةِ (وَ) سَابِعُهَا (مَاءُ الْبَرَدِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ لِأَنَّهُمَا يَنْزِلَانِ مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُمَا الْجُمُودُ فِي الْهَوَاءِ كَمَا يَعْرِضُ لَهُمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ.
فَلَا يَرِدَانِ عَلَى الْمُصَنِّفِ وَكَذَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا رَشْحُ بُخَارِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ مَاءٌ حَقِيقَةً وَيَنْقُصُ بِقَدْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قَالَ الرَّافِعِيُّ نَازَعَ فِيهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ وَقَالُوا يُسَمُّونَهُ بُخَارًا أَوْ رَشْحًا لَا مَاءً عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا مَاءُ الزَّرْعِ إذَا قُلْنَا بِطَهُورِيَّتِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ الْمِيَاهِ الْمَذْكُورَةِ.

[حاشية البجيرمي]

فَحَصَلَتْ لَهَا غَيْرَةٌ فَنَقَلَهَا مِنْ عِنْدَهَا، وَبَعْدَ ذَلِكَ حَمَلَتْ سَارَةُ بِإِسْحَاقَ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَبَلَغَ عُمُرُ إسْمَاعِيلَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعُمُرُ إِسْحَاقَ مِائَةً وَثَمَانِينَ سَنَةً ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي إلَخْ) صَادِقٌ بِالْإِبَاحَةِ وَهُوَ لَا يُلَائِمُ مَا يَأْتِي مِنْ حِكَايَةِ الْخِلَافِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُزَالَ النَّجَاسَةُ بِهِ اهـ. أَيْ فَيَكُونُ الِانْبِغَاءُ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالنَّدْبِ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ.
اهـ. ح ف. قَوْلُهُ: (وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ) ضَعِيفٌ بَلْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ الْمَاءُ النَّابِعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ع ش. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ) هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (أَدْمَتْهُ) أَيْ أَسَالَتْهُ.
وَقَوْلُهُ: رَجَمُوهُ وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُفْعَلُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ.
قَوْلُهُ: (قُتِلَ) أَيْ قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ وَصَلَبَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً.
قَوْلُهُ: (أَوْصَالُهُ) أَيْ أَعْضَاؤُهُ.
وَقَوْلُهُ: بِمَاءِ زَمْزَمَ مُتَعَلِّقٌ ب غَسَلَتْ.

قَوْلُهُ: (أَوْ الْحَيَوَانِيَّةِ) أَيْ صُورَةً.
قَوْلُهُ: (مِنْ الزُّلَالِ) بِوَزْنِ غُرَابٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى صُورَةِ الْحَيَوَانِ) وَلَيْسَ حَيَوَانًا لِأَنَّهُ يَنْمَاعُ إلَى الْمَاءِ عِنْدَ عُرُوضِ الْحَرَارَةِ لَهُ ق ل. قَالَ اج: وَإِنَّمَا هُوَ جَمَادٌ يُقَالُ لَهُ دُودُ الْمَاءِ وَيُسَمَّى بِالزُّلَالِ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَإِنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ حَيَوَانًا كَانَ مَا فِي بَطْنِهِ نَجِسًا لِأَنَّهُ قَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (كَالنَّابِعِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَهُوَ إيجَادُ مَعْدُومٍ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَقِيلَ تَكْثِيرُ مَوْجُودٍ يَعْنِي أَنَّهُ هُوَ مِنْ ذَاتِ الْأَصَابِعِ الشَّرِيفَةِ أَوْ مِنْ خَارِجٍ.
وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ إيجَادُ مَعْدُومٍ بِالنِّسْبَةِ لِلزِّيَادَةِ عَلَى مَا فِي الْإِنَاءِ وَتَكْثِيرُ مَوْجُودٍ بِالنِّسْبَةِ لَمَّا فِي الْإِنَاءِ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ مَاءٌ قَدْ نَبَعْ ... مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ الْمُتَّبَعْ يَلِيه مَاءُ زَمْزَمَ فَالْكَوْثَرْ ... فَنِيلُ مِصْرَ ثُمَّ بَاقِي الْأَنْهُرْ قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُمَا الْجُمُودُ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اتِّحَادَهُمَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا كِبَرُ حَبَّاتِ الْأَوَّلِ وَصِغَرُ حَبَّاتِ الثَّانِي، وَفِي حَاشِيَةِ الَأُجْهُورِيُّ مَا نَصُّهُ: وَكَلَامُ ابْنِ الرِّفْعَةِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَاءَ يَنْزِلُ مَائِعًا ابْتِدَاءً، لَكِنَّ الثَّلْجَ يَعْرِضُ لَهُ الْجُمُودُ وَيَسْتَمِرُّ، وَالْبَرَدُ يَعْرِضُ لَهُ الْجُمُودُ وَيَنْمَاعُ أَيْ عَقِبَ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَرِدَانِ عَلَى الْمُصَنِّفِ) أَيْ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ ذِكْرُهُمَا مَعَ دُخُولِهِمَا فِي مَاءِ السَّمَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ مَا تَحَلَّلَ مِنْهُمَا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ سم.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: لَا يَرِدَانِ لِأَنَّهُ عَرَضَ لَهُمَا صِفَةٌ غَيَّرَتْهُ أَيْ الْمَاءَ عَنْ حَالَتِهِ وَهِيَ الْجُمُودُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَاءُ الزَّرْعِ) وَهُوَ النَّدَى وَمَا قِيلَ إنَّهُ نَفَسُ دَابَّةٍ فَمَرْدُودٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ)

(ثُمَّ الْمِيَاهُ) الْمَذْكُورَةُ (عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ) . أَحَدُهَا: مَاءٌ (طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ (مُطَهِّرٌ) لِغَيْرِهِ (غَيْرُ مَكْرُوهٍ) اسْتِعْمَالُهُ (وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ) وَهُوَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ بِإِضَافَةٍ كَمَاءِ وَرْدٍ أَوْ بِصِفَةٍ كَمَاءٍ دَافِقٍ، أَوْ فَاللَّامُ عَهْدٍ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَعَمْ إذَا رَأَتْ الْمَاءَ» يَعْنِي الْمَنِيَّ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَلَا يُحْتَاجُ لِتَقْيِيدِ الْقَيْدِ بِكَوْنِهِ لَازِمًا لِأَنَّ الْقَيْدَ الَّذِي لَيْسَ بِلَازِمٍ كَمَاءِ الْبِئْرِ مَثَلًا يَنْطَلِقُ اسْمُ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِدُونِهِ، فَلَا حَاجَةَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى الْقَيْدِ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ كَقَوْلِنَا غَيْرُ الْمُطْلَقِ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِقَيْدٍ لَازِمٍ اهـ. تَنْبِيهٌ: تَعْرِيفُ الْمُطْلَقِ بِمَا ذَكَرَ هُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْمِنْهَاجِ.
وَأُورِدَ عَلَيْهِ الْمُتَغَيِّرُ كَثِيرًا بِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ كَطِينٍ وَطُحْلُبٍ، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرَ عَمَّا ذُكِرَ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَإِنَّمَا أُعْطِيَ حُكْمَهُ فِي جَوَازِ

[حاشية البجيرمي]

لِدُخُولِهِ فِي مَاءِ السَّمَاءِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْمِيَاهُ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَقْسِيمِ الْمِيَاهِ بِحَسَبِ مَحَالِّهَا الْمُضَافَةِ هِيَ إلَيْهَا شَرَعَ فِي تَقْسِيمِهَا بِحَسْبِ أَوْصَافِهَا فَقَالَ: ثُمَّ إلَخْ.
وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لَا الْمَعْنَوِيِّ وَأَلْ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورَةُ، وَلَوْ قَالَ ثُمَّ الْمَاءُ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْقَسِمُ إلَى هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ فَلَا يَنْقَسِمُ إلَيْهَا بَلْ إلَى مَا سَبَقَ وَهُوَ مَاءُ السَّمَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَلْ جِنْسِيَّةٌ تُبْطِلُ الْجَمْعِيَّةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَى بِمَعْنَى إلَى، لِأَنَّ الْمَعْنَى تَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ وَلَوْ أَسْقَطَهَا الْمُصَنِّفُ لَكَانَ أَخْصَرَ، وَالتَّقْسِيمُ بِاعْتِبَارِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا وَالْكَرَاهَةِ وَنَفْيِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ فَقَطْ طَهُورٌ وَطَاهِرٌ وَنَجِسٌ، وَالتَّقْسِيمُ الْمَذْكُورُ مِنْ قَبِيلِ تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَتَقْسِيمِ الْكَلِمَةِ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ، لِوُجُودِ شَرْطِ صِحَّتِهِ وَهُوَ صِحَّةُ الْإِخْبَارِ بِالْمُقْسَمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ وُرُودِ الْقِسْمَةِ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ، فَالْمُقْسَمُ هُنَا الْمَاءُ مُفْرَدُ الْمِيَاهِ، وَقِسْمَةُ أَحَدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ مِثْلُ الطَّاهِرِ الْمُطَّهِر الْغَيْرِ الْمَكْرُوهِ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَحَلِّهَا وَهُوَ الْمَاءُ قِسْمٌ، وَبِالنِّسْبَةِ لِأَحَدِ بَقِيَّةِ الْأَقْسَامِ قَسِيمٌ لِأَنَّ الْقِسْمَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مَا كَانَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ الْقَسْمِ وَأَخَصَّ مِنْهُ، وَالْقِسْمُ مَحَلُّ وُرُودِ الْقِسْمَةِ، وَالْقَسِيمُ مَا كَانَ مُبَايِنًا لِلشَّيْءِ أَيْ مُخَالِفًا وَمُغَايِرًا لَهُ وَمُنْدَرِجًا مَعَهُ تَحْتَ أَصْلٍ كُلِّيٍّ، وَاخْتِيَارُ صِحَّةِ تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ بِجَعْلِ الْقِسْمِ مُبْتَدَأً وَالْإِخْبَارِ عَنْهُ بِالْمِقْسَمِ، فَإِنْ صَحَّ الْإِخْبَارُ نَحْوُ الطَّاهِرِ الْمُطَهِّرِ إلَخْ مَاءٌ فَهُوَ مِنْ تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ تَقْسِيمِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ كَتَقْسِيمِ الْكَلَامِ إلَى الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ، إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الِاسْمُ كَلَامٌ وَهَكَذَا.
وَسَكَتَ عَنْ الْحَرَامِ كَالْمُسَبَّلِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ضَرَرٍ فِيهِ فِي الْبَدَنِ، قَالَ سم: وَهَذَا تَقْسِيمٌ اعْتِبَارِيٌّ فَلَا يُنَافِي تَدَاخُلَ بَعْضِ الْأَقْسَامِ، فَالْمُشَمَّسُ مُطْلَقٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ تَعْرِيفِهِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ لِإِجْزَاءِ التَّطْهِيرِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُهَا مَاءٌ إلَخْ) جَعَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ طَاهِرٌ خَبَرًا لِهَذَا الْمُبْتَدَأِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لِجَوَازِ جَرِّهِ بِالْبَدَلِيَّةِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَنَصْبِهِ بِمُقَدَّرٍ، وَإِنْ لَمْ يُسَاعِدْهُ الرَّسْمُ لِجَوَازِ جَرْيِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ رَسَمَ الْمَنْصُوبَ بِصُورَةِ رَسْمِ الْمَرْفُوعِ ع ش. قَوْلُهُ: (فِي نَفْسِهِ) أَيْ لِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَمٍّ.
وَصْفٌ إلَيْهِ كَمَا يُقَالُ قِيمَةُ الْأَمَةِ فِي نَفْسِهَا كَذَا أَيْ: غَيْرُ مَنْظُورٍ فِيهَا إلَى وَصْفٍ زَائِدٍ كَالْحَمْلِ وَاللَّبَنِ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (مُطَهِّرٌ) أَيْ مُجْزِئٌ فِي الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ رَفْعِ حَدَثٍ وَإِزَالَةِ نَجَسٍ وَغَيْرِهِمَا كَالْأَغْسَالِ الْمَنْدُوبَةِ.
قَوْلُهُ: (اسْتِعْمَالُهُ) نَائِبُ فَاعِلِ مَكْرُوهٍ وَقَدَّرَهُ لِأَنَّ ذَاتَ الْمَاءِ لَا يَصِحُّ وَصْفُهَا بِالْكَرَاهَةِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ كَمَا قَالَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (بِإِضَافَةٍ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَيْدٍ لِإِفَادَةِ بَيَانِ أَنْوَاعِهِ ق ل. وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَيْدٍ، فَمُرَادُ ق ل التَّعَلُّقُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (إذَا رَأَتْ) أَيْ عَلِمَتْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْقَيْدَ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذَا الْقَيْدِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِدُونِهِ) أَيْ الْقَيْدِ الْغَيْرِ اللَّازِمِ.
قَوْلُهُ: (عَنْهُ) أَيْ عَنْ خُرُوجِهِ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ بِدُونِ الْقَيْدِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا ذُكِرَ) أَيْ قَوْلُهُ وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَأُورِدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُطْلَقِ.
الْحَاصِلُ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى التَّعْرِيفِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ لِلْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِمَا فِي الْمَقَرِّ وَنَحْوِهِ وَغَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُتَنَجِّسِ بِمُجَرَّدِ اتِّصَالِ النَّجَاسَةِ بِهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يُسَمَّى مَاءً بِلَا قَيْدٍ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ وَاللِّسَانِ الْعَالِمِينَ بِأَحْوَالِ الْمِيَاهِ وَهُمْ يُدْخِلُونَ الْأَوَّلَ وَيُخْرِجُونَ الثَّانِيَ.
قَوْلُهُ: (وَطُحْلُبٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَعَ ضَمِّ ثَالِثِهِ أَوْ فَتْحِهِ شَيْءٌ أَخْضَرُ يَعْلُو الْمَاءَ مِنْ طُولِ الْمُكْثِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِمَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ أَوْ لَا، نَعَمْ إنْ أُخِذَ

التَّطْهِيرِ بِهِ لِلضَّرُورَةِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ غَيْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ قَالَ: أَهْلُ اللِّسَانِ وَالْعُرْفِ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ إيقَاعِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ لَا إيرَادَ، وَلَا يَرِدُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ وَلَا الْمُسْتَعْمَلُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ.

(وَ) ثَانِيهَا مَاءٌ (طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ (مُطَهِّرٌ) لِغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ (مَكْرُوهٌ) اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا تَنْزِيهًا فِي الطَّهَارَةِ (وَهُوَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ) أَيْ الْمُتَشَمِّسُ، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ

[حاشية البجيرمي]

وَدُقَّ ثُمَّ طُرِحَ ضَرَّ لِكَوْنِهِ مُخَالِطًا مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
اهـ. م ر. فَرْعٌ: لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ مُخَالِطٌ وَمُجَاوِرٌ مَعًا وَشَكَكْنَا هَلْ التَّغَيُّرُ مِنْ الْمُخَالِطِ أَوْ الْمُجَاوِرِ؟ فَالصَّحِيحُ أَنَّا لَا نَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ بِالشَّكِّ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَعْرَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَمْ يَخْلُ وَأَمَّا بِضَمِّهَا فَبِمَعْنَى يَنْزِلُ قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاك هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ الْعُصْفُورُ بَلَّلَهُ الْقَطْرُ قَوْلُهُ: (عَمَّا ذُكِرَ) أَيْ الْقَيْدُ اللَّازِمُ وَهُوَ التَّغَيُّرُ فَإِنَّ مَنْ رَآهُ يَقُولُ هَذَا مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ.
قَوْلُهُ: (بِمَنْعِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ) ضَعِيفٌ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ الْمُطْلَقِ) أَيْ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّطْهِيرِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ.
وَقَوْلُهُ: (عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ) إلَخْ.
مُعْتَمَدٌ وَأَهْلُ اللِّسَانِ هُمْ أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ هُمْ حَمَلَةُ الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْ إيقَاعِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ) بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ) الْمُنَاسِبُ يَقُولُ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ عِنْدَ الْعَالِمِ بِحَالِهِ.

قَوْلُهُ: (اسْتِعْمَالُهُ) قَدَّرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ.
قَوْلُهُ: (شَرْعًا) أَيْ وَطِبًّا وَمِثْلُهُ الشُّرْبُ قَائِمًا وَسَهَرُ اللَّيْلِ أَيْ مُعْظَمِهِ فِي الْعِبَادَةِ يُكْرَهُ طِبًّا لَا شَرْعًا، وَالنَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ شَرْعًا لَا طِبًّا، وَمِمَّا يُسَنُّ طِبًّا وَشَرْعًا الْفِطْرُ عَلَى التَّمْرِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ شَرْعًا لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ الْكَرَاهَةُ طِبِّيَّةٌ فَقَطْ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ الثَّوَابُ وَعَدَمُهُ، فَإِنْ قُلْنَا: شَرْعِيَّةٌ أُثِيبَ تَارِكُهُ امْتِثَالًا، وَإِنْ قُلْنَا إرْشَادِيَّةٌ أَيْ طِبِّيَّةٌ فَقَطْ فَلَا، وَلِهَذَا قَالَ السُّبْكِيُّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ فَاعِلَ الْإِرْشَادِ لِمُجَرَّدِ غَرَضِهِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلِمُجَرَّدِ الِامْتِثَالِ يُثَابُ وَلَهُمَا يُثَابُ ثَوَابًا أَنْقَصَ مِنْ ثَوَابِ مَنْ مَحَضَ قَصْدَ الِامْتِثَالِ اهـ. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَكَرَاهَتُهُ شَرْعِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا الطِّبَّ فَيُثَابُ تَارِكُهَا امْتِثَالًا، وَلِذَلِكَ حَرُمَ عَلَى مَنْ ظَنَّ فِيهِ الضَّرَرَ بِعَدْلٍ، وَلَا تُنْتَظَرُ بُرُودَتُهُ لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ، بَلْ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ ضَرَرَهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهُ، بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِخِلَافِ مَنْ مَعَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَى تَسْخِينِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ، وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ اهـ. وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّبْرِيدَ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ بِخِلَافِ التَّسْخِينِ.
قَوْلُهُ: (تَنْزِيهًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَهُوَ مَا طُلِبَ تَرْكُهُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ، وَدَفَعَ بِذَلِكَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ.
نَعَمْ إنْ ظَنَّ فِيهِ الضَّرَرَ عَادَةً كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا، أَوْ بِقَوْلِ طَبِيبٍ عَدْلٍ حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَيَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ ق ل مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الطَّهَارَةِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا سَيَأْتِي لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ اج.
وَهَذِهِ الظَّرْفِيَّةُ مُشْكِلَةٌ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مَعْنَاهُ الْفِعْلُ، وَالطَّهَارَةُ إمَّا فِعْلُ مَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوْ زَوَالُ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِنَا مَكْرُوهٌ اسْتِعْمَالُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَوْ فِي زَوَالِ الْمَنْعِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ الْمَظْرُوفَ هُوَ اللُّغَوِيُّ الْعَامُّ فَظَرْفٌ فِي الْخَاصِّ وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْمَخْصُوصُ، وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ فِي لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ مَكْرُوهٌ اسْتِعْمَالُهُ لِأَجْلِ زَوَالِ الْمَنْعِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ) وَمِثْلُ الْمَاءِ غَيْرُهُ مِنْ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَاءَ لِأَجْلِ التَّقْسِيمِ أَيْ تَقْسِيمِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمُتَشَمَّسُ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْكَرَاهَةِ فِعْلٌ وَفَاعِلٌ، وَلَا الْقَصْدُ فَيَشْمَلُ مَا تَشَمَّسَ بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ دَاوَمَ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ أَمْ لَا خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَ الْكَرَاهِيَةَ بِالْمُدَاوَمَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مُغَطًّى أَوْ مَكْشُوفًا لَكِنَّ الْمَكْشُوفَ أَشَدُّ كَرَاهَةً.
قَوْلُهُ: (عَنْ عُمَرَ) لَعَلَّ الشَّافِعِيَّ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَقُلْهُ عَنْ اجْتِهَادٍ حَتَّى يَتَأَتَّى الِاسْتِدْلَال بِهِ، وَلَوْ اسْتَدَلَّ الشَّارِحُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَفْعَلِي يَا حُمَيْرَاءُ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ثُمَّ يُقَوِّيه بِخَبَرِ عُمَرَ كَانَ أَوْلَى وَلِضَعْفِهِ لَمْ يَقُلْ بِالْحُرْمَةِ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: يَا حُمَيْرَاءُ تَصْغِيرُ حَمْرَاءَ لِأَنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءَ ح ف. لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ بَيَاضَهَا مَشُوبٌ بِحُمْرَةٍ.
وَفِي الْمِيزَانِ لِلشَّعْرَانِيِّ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ بِعَدَمِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فِي الطَّهَارَةِ، وَالْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ

الِاغْتِسَالَ بِهِ وَقَالَ: إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ لَكِنْ بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ بِبِلَادٍ حَارَّةٍ أَيْ وَتَنْقُلُهُ الشَّمْسُ عَنْ حَالَتِهِ إلَى حَالَةٍ أُخْرَى كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي آنِيَةٍ مُنْطَبِعَةٍ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ وَهِيَ كُلُّ مَا طُرِقَ نَحْوُ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي حَالِ حَرَارَتِهِ فِي الْبَدَنِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ بِحِدَّتِهَا تَفْصِلُ مِنْهُ زُهُومَةً تَعْلُو الْمَاءَ، فَإِذَا لَاقَتْ الْبَدَنَ بِسُخُونَتِهَا خِيفَ أَنْ تَقْبِضَ عَلَيْهِ فَيَحْتَبِسُ الدَّمُ فَيَحْصُلُ الْبَرَصُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْبَدَنِ لِغَيْرِ الطَّهَارَةِ كَشُرْبٍ كَالطَّهَارَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ الْبَدَنِ كَغَسْلِ ثَوْبٍ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَبِخِلَافِ الْمُسَخَّنِ بِالنَّارِ

[حاشية البجيرمي]

كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِهِ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ عَدَمُ صِحَّةِ دَلِيلٍ فِيهِ، فَلَوْ أَنَّهُ كَانَ يَضُرُّ الْأُمَّةَ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَالْأَثَرُ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ضَعِيفٌ جِدًّا فَبَقِيَ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
وَوَجْهُ الثَّانِي الْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ خَبَرَ عُمَرَ اُشْتُهِرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَصَارَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا.
قَوْلُهُ: (يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ بِهِ) وَقِيسَ بِالِاغْتِسَالِ بَاقِي أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالَاتِ.
قَوْلُهُ: (بِبِلَادٍ حَارَّةٍ) فِيهِ اعْتِبَارُ الْبَلَدِ دُونَ الْقُطْرِ وَمَحَلُّهُ فِي بَلَدٍ خَالَفَتْ وَضْعَ الْقُطْرِ مِثْلُ حَرَّانَ فِي الشَّامِ، وَإِلَّا فَالْمُعْتَبَرُ الْقُطْرُ كَالْحِجَازِ ق ل. وَهَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ قَالَ بِبَلَدٍ حَارَّةٍ لِأَنَّ الْبِلَادَ قُطْرٌ، نَعَمْ تَعْبِيرُهُ بِبِلَادٍ دُونَ الْقُطْرِ يُشْعِرُ بِاعْتِبَارِ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَتَنْقُلُهُ إلَخْ) لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الِانْتِقَالِ مِنْ الْبُرُودَةِ إلَى الْحَرَارَةِ كَمَا يُوجَدُ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ الزُّهُومَةِ، وَلِذَا قَالَ ق ل أَيْ نَقْلًا يُوجَدُ فِيهِ ظُهُورُ الزُّهُومَةِ لَا مُجَرَّدَ السُّخُونَةِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَضَابِطُ الْمُتَشَمَّسِ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ السُّخُونَةُ بِحَيْثُ تُفْصَلُ مِنْ الْإِنَاءِ أَجْزَاءٌ سُمِّيَّةٌ تُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ لَا مُجَرَّدُ انْتِقَالِهِ مِنْ حَالَةٍ لِأُخْرَى بِسَبَبِهَا وَإِنْ نَقَلَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْأَصْحَابِ الِاكْتِفَاءَ بِذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (مُنْطَبِعَةٍ) أَيْ الَّتِي تُمَدُّ بِالْمَطَارِقِ أَيْ شَأْنُهَا ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تُطْرَقْ بِالْفِعْلِ كَجَبَلٍ أَوْ بِرْكَةٍ مِنْ نَحْوِ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ.
اهـ. م د وا ج وع ش. قَوْلُهُ: (غَيْرِ النَّقْدَيْنِ) وَالْعِبْرَةُ بِمَا يُلَاقِي الْمَاءَ فَلَا يُكْرَهُ فِي النُّحَاسِ الْمُمَوَّهِ بِهِمَا حَيْثُ مَنَعَ مِنْ انْفِصَالِ الزُّهُومَةِ وَيُكْرَهُ عَكْسُهُ وَالصَّدَأُ كَالنَّقْدِ إنْ مَنَعَ مَا ذُكِرَ.
قَالَ اج: فَلَوْ كَانَ الْإِنَاءُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَطُلِيَ بِنُحَاسٍ وَشُمِّسَ فِيهِ الْمَاءُ كُرِهَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ حَصَلَ مِنْ النُّحَاسِ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ أَمْ لَا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْإِنَاءُ مِنْ نُحَاسٍ وَطُلِيَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْطَبِعُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِصَفَاءِ جَوْهَرِهِمَا فَلَا يَنْفَصِلُ مِنْهُمَا شَيْءٌ، وَلَا فَرْقَ فِيهِمَا.
وَفِي الْمُنْطَبِعِ مِنْ غَيْرِهِمَا بَيْنَ أَنْ يَصْدَأَ أَوْ لَا.
وَأَمَّا الْمُمَوَّهُ بِأَحَدِهِمَا فَالْأَوْجَهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَثُرَ التَّمْوِيهُ بِحَيْثُ يَمْنَعُ انْفِصَالَ شَيْءٍ مِنْ الْإِنَاءِ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَ حَيْثُ انْفَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ يُؤَثِّرُ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الْإِنَاءِ الْمَغْشُوشِ اهـ. قَوْلُهُ: (فِي الْبَدَنِ) وَلَوْ بَدَنَ أَبْرَصَ وَإِنْ عَمَّهُ الْبَرَصُ وَمَيِّتٍ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ كَمَا فِي الْحَيَاةِ زي.
قَالَ ح ل: أَيْ وَلَوْ اسْتَعْمَلَهُ شُرْبًا وَمِثْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْمَائِعَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دُهْنِيَّةٌ، بِخِلَافِ الْجَامِدِ كَسَوِيقٍ لُتَّ بِهَذَا الْمَاءِ وَاسْتُعْمِلَ حَالَ سُخُونَتِهِ وَمِنْ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْبَدَنِ غَسْلُ الثَّوْبِ وَلُبْسُهُ حَالَ رُطُوبَتِهِ وَسُخُونَتِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: فِي الْبَدَنِ عُلِمَ مِنْهُ شَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْبَدَنِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا بِأَنْ شَرِبَهُ لَا فِي غَيْرِهِ كَثَوْبٍ إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ فِي حَالِ حَرَارَتِهِ، وَيُزَادُ خَامِسٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَشْمِيسُهُ وَقْتَ الْحَرِّ مِنْ النَّهَارِ، وَسَادِسٌ وَهُوَ أَنْ يَجِدَ غَيْرَهُ، وَسَابِعٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا، وَثَامِنٌ وَهُوَ أَنْ لَا يَخَافَ مِنْهُ ضَرَرًا.
وَحَاصِلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ سم أَنَّ الْمُشَمَّسَ وَصْفُهُ الْكَرَاهَةُ، وَتَرْتَفِعُ إذَا فَقَدَ غَيْرَهُ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ، فَيَكُونُ مُبَاحًا وَيَحْرُمُ إنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِضَرَرِهِ وَيَجِبُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَلَمْ يُخْبِرْهُ عَدْلٌ بِضَرَرِهِ، وَأَمَّا النَّدْبُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (تَعْلُو الْمَاءَ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ خَرَقَ الْإِنَاءَ مِنْ أَسْفَلِهِ وَاسْتَعْمَلَ النَّازِلَ وَتَرَكَ الْأَعْلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَالْأَوْجَهُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الزُّهُومَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعْلُو الْمَاءَ تَظْهَرُ بِعُلُوِّهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا مُنْبَثَّةٌ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَحْصُلُ الْبَرَصُ) أَيْ إمَّا حُدُوثُهُ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوْ اسْتِحْكَامُهُ شَوْبَرِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ، فَيُكْرَهُ لِلْأَبْرَصِ أَيْضًا لِأَنَّهُ

الْمُعْتَدِلِ وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجِسٍ وَلَوْ بِرَوْثِ نَحْوِ كَلْبٍ فَلَا يُكْرَهُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ نَهْيٍ عَنْهُ، وَلِذَهَابِ الزُّهُومَةِ لِقُوَّةِ تَأْثِيرِهَا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي بِلَادٍ بَارِدَةٍ أَوْ مُعْتَدِلَةٍ، وَبِخِلَافِ الْمُشَمَّسِ فِي غَيْرِ الْمُنْطَبِعِ كَالْخَزَفِ وَالْحِيَاضِ أَوْ فِي مُنْطَبِعٍ نَقْدٍ لِصَفَاءِ جَوْهَرِهِ أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَدَنِ بَعْدَ أَنْ بَرُدَ، وَأَمَّا الْمَطْبُوخُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَائِعًا كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَيُكْرَهُ فِي الْأَبْرَصِ لِزِيَادَةِ الضَّرَرِ، وَكَذَا فِي الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ، وَفِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ الْحَيَوَانِ إنْ كَانَ الْبَرَصُ يُدْرِكُهُ كَالْخَيْلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ الْمُشَمَّسُ كَالسُّمِّ لِأَنَّ ضَرَرَهُ مَظْنُونٌ بِخِلَافِ السُّمِّ، وَيَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهِ أَيْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَيُكْرَهُ أَيْضًا تَنْزِيهًا شَدِيدُ السُّخُونَةِ أَوْ الْبُرُودَةِ فِي الطَّهَارَةِ لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ، وَكَذَا مِيَاهُ ثَمُودَ وَكُلُّ مَاءٍ مَغْضُوبٍ عَلَى أَهْلِهِ كَمَاءِ دِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ وَمَاءِ الْبِئْرِ الَّتِي وُضِعَ فِيهَا السِّحْرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[حاشية البجيرمي]

يَزِيدُ بَرَصُهُ.
قَوْلُهُ: (كَغَسْلِ ثَوْبٍ) أَيْ لَمْ يَلْبَسْهُ حَالَ حَرَارَتِهِ رَطْبًا ق ل. قَوْلُهُ: (لِفَقْدِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ) وَهِيَ خَوْفُ الْبَرَصِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سُخِّنَ بِنَجِسٍ) غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُكْرَهُ) أَيْ إذَا سُخِّنَ بِالنَّارِ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ الْمُشَمَّسِ إذَا سُخِّنَ بِالنَّارِ قَبْلَ تَبْرِيدِهِ فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ بَاقِيَةٌ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ وَهِيَ مَا لَوْ طُبِخَ بِهِ طَعَامٌ مَائِعٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ تَنَاوُلُهُ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ زَوَالِ الْكَرَاهَةِ بِالتَّسْخِينِ بِالنَّارِ بَعْدَ تَشْمِيسِهِ وَقَبْلَ تَبْرِيدِهِ، أَمَّا إذَا بَرُدَ ثُمَّ سُخِّنَ بِالنَّارِ فَإِنَّهَا أَيْ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ وَلَا تَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ.
اهـ. ز ي. وَإِذَا بَرُدَ الْمَاءُ الْمُشَمَّسُ فِي الْإِنَاءِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ شُمِّسَ ثَانِيًا فِي إنَاءٍ مِنْ خَزَفٍ مَثَلًا عَادَتْ الْكَرَاهَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، لِأَنَّ الزُّهُومَةَ لَمْ تَزُلْ بِالتَّبْرِيدِ بَلْ زَالَ تَأْثِيرُهَا لِلشُّرُوطِ بِالسُّخُونَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ، لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الزُّهُومَةَ كَامِنَةٌ فِيهِ، فَإِذَا شُمِّسَ ثَانِيًا ظَهَرَتْ مِنْهُ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (وَلِذَهَابِ الزُّهُومَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا وُجِدَتْ فِي أَوَّلِ الْحَرَارَةِ، ثُمَّ ذَهَبَتْ بِشِدَّتِهَا.
قَوْلُهُ: (تَأْثِيرِهَا) أَيْ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (بَارِدَةٍ) كَالشَّامِ أَوْ مُعْتَدِلَةٍ كَمِصْرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمَطْبُوخُ بِهِ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ الْمَطْبُوخِ بِهِ وَأَمَّا إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: (كُرِهَ) أَيْ إذَا اُسْتُعْمِلَ حَالَ حَرَارَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا فِي الْمَيِّتِ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (كَالْخَيْلِ) أَيْ الْبُلْقِ وَغَيْرِهَا وَالتَّقْيِيدُ بِالْبُلْقِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، فَالْبَرَصُ يُوجَدُ فِي الْخَيْلِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بَعْضُهُمْ بِالْبُلْقِ لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْأَبْلَقِ أَكْثَرَ.
اهـ. ح ف. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ضَرَرَهُ مَظْنُونٌ) قَضِيَّتُهُ جَوَازُ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ الْكَرَاهَةِ إذَا ظَنَّ الضَّرَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ حِينَئِذٍ، فَكَانَ يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ بِالتَّوَهُّمِ إذْ الْكَرَاهَةُ فِي التَّوَهُّمِ فَقَطْ، أَمَّا إذَا تَحَقَّقَ الضَّرَرَ أَوْ ظَنَّهُ بِمَعْرِفَتِهِ أَوْ عَدْلِ رِوَايَةٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ م د. وَقَوْلُهُ: بِمَعْرِفَتِهِ أَيْ طِبًّا لَا تَجْرِبَةً رَشِيدِيٌّ وع ش. خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ الْقَائِلِ إنَّهُ يَعْمَلُ بِتَجْرِبَةِ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ) أَيْ حَيْثُ لَا ضَرَرَ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ وَيَنْتَقِلُ لِلتَّيَمُّمِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْوُجُوبِ هَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَيُكْرَهُ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَالْغُسْلُ الْمَسْنُونُ وَالْوُضُوءُ الْمُجَدَّدُ لِعَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ وَيُتَّجَهُ الْمَنْعُ.
اهـ. سم.
وَقَوْلُهُ: (وَيُتَّجَهُ الْمَنْعُ) أَيْ مَنْعُ مَا زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ.
قَالَ سم: وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِالْوُجُوبِ وَكَأَنَّ مُدْرَكَهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ وَالْوُجُوبَ رَاجِعَانِ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الِاسْتِعْمَالُ، وَالشَّيْءُ إذَا كَانَ لَهُ جِهَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَجْتَمِعُ فِيهِ حُكْمَانِ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَلَهَا جِهَتَانِ، وَلِذَا كَانَ لَهَا حُكْمَانِ أَيْ الْوُجُوبُ وَالْحُرْمَةُ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ أَيْضًا إلَخْ) أَيْ فَحَصْرُ الْمُصَنِّفِ الْكَرَاهَةَ فِي الْمُشَمَّسِ غَيْرُ مُرَادٍ لِتَحَقُّقِهَا فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْعِهِ الْإِسْبَاغَ) أَيْ الْإِتْمَامَ أَيْ كَمَالَ الْإِتْمَامِ، وَإِلَّا فَلَوْ مَنَعَ إتْمَامَ الْوُضُوءِ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ، وَيَحْرُمُ سم.
وَفِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ قَالَ فِي الْمَصَابِيحِ: وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ إسْبَاغَ الْوُضُوءِ إكْمَالُهُ وَإِتْمَامُهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ، وَفِي الْمُخْتَارِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ إتْمَامُهُ، فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى كَلَامِ الْمُخْتَارِ فَيَكُونُ كَلَامُ سم جَارِيًا عَلَيْهِ.
قَالَ اج: وَظَاهِرُ هَذِهِ الْعِلَّةِ اخْتِصَاصُ الْكَرَاهَةِ بِالطَّهَارَةِ وَلَيْسَ مُرَادًا فَقَدْ عَلَّلَهَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِخَوْفِ الضَّرَرِ وَقَضِيَّتُهُ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مِيَاهُ ثَمُودَ) إلَّا بِئْرَ النَّاقَةِ فَلَا كَرَاهَةَ لِاسْتِعْمَالِ مَائِهَا، وَالْمِيَاهُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ بَلْ التُّرَابُ وَالْأَحْجَارُ كَذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي شَجَرِهَا، وَالْأَوْلَى الْكَرَاهَةُ فَيُكْرَهُ أَكْلُ ثَمَرِهِ وَاسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي وُضِعَ فِيهَا السِّحْرُ) وَهِيَ بِئْرُ ذَرْوَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا وَالْوَاضِعُ

فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَخَ مَاءَهَا حَتَّى صَارَ كَنُقَاعَةِ الْحِنَّاءِ وَمَاءِ دِيَارِ بَابِلَ.

(وَ) ثَالِثُهَا مَاءٌ (طَاهِرٌ) فِي نَفْسِهِ (غَيْرُ مُطَهِّرٍ) لِغَيْرِهِ (وَهُوَ) الْمَاءُ الْقَلِيلُ (الْمُسْتَعْمَلُ) فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ عَنْ حَدَثٍ كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى؛ أَمَّا كَوْنُهُ طَاهِرًا فَلِأَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا لَا يَحْتَرِزُونَ عَمَّا يَتَطَايَرُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَ جَابِرًا فِي مَرَضِهِ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ وَضُوئِهِ» . وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ فَلِأَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا مَعَ قِلَّةِ مِيَاهِهِمْ لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ لِلِاسْتِعْمَالِ ثَانِيًا بَلْ انْتَقَلُوا إلَى التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَجْمَعُوهُ لِلشُّرْبِ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْفَرْضِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ أَثِمَ الشَّخْصُ بِتَرْكِهِ كَحَنَفِيٍّ تَوَضَّأَ بِلَا نِيَّةٍ أَمْ لَا كَصَبِيٍّ إذْ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِمَا

[حاشية البجيرمي]

لِلسِّحْرِ هُوَ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ، وَكَانَ السِّحْرُ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِيهِ إحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً، فَأَمَرَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَقْرَأَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ لِإِبْطَالِ السِّحْرِ، وَكَذَا يُكْرَهُ مَاءُ بِئْرِ بَرَهُوتَ، فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَهِيَ الْمُشَمَّسُ وَشَدِيدُ الْحَرَارَةِ وَشَدِيدُ الْبُرُودَةِ، وَمَاءُ دِيَارِ ثَمُودَ إلَّا بِئْرَ النَّاقَةِ، وَمَاءُ دِيَارِ قَوْمِ لُوطٍ، وَمَاءُ بِئْرِ بَرَهُوتَ، وَمَاءُ أَرْضِ بَابِلَ، وَمَاءُ بِئْرِ ذَرْوَانَ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَخَ مَاءَهَا) أَيْ وَمَسَخَ طَلْعَ النَّخْلِ الَّذِي حَوْلَهَا حَتَّى صَارَ كَرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (بَابِلَ) هِيَ مَدِينَةُ السِّحْرِ بِالْعِرَاقِ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ) بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ صِرْفٍ وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا أَوْ مُتَنَجِّسًا وَلَا تَغَيَّرَ عَادَ طَهُورًا ق ل. قَوْلُهُ: (الْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ الظَّرْفَ صِلَةُ الْمُسْتَعْمَلِ فَهُوَ ظَرْفٌ لِغَيْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أَيْ: مَاءٌ حَصَلَ اسْتِعْمَالُهُ فِي فَرْضٍ فَالِاسْتِعْمَالُ مَظْرُوفٌ، وَالْفَرْضُ ظَرْفٌ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَيْضًا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ ظَرْفِيَّةُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ الْمَظْرُوفَ هُوَ اللُّغَوِيُّ الْعَامُّ وَالظَّرْفُ هُوَ الِاسْتِعْمَالُ الشَّرْعِيُّ الْخَاصُّ فَهُوَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ حَدَثٍ) أَوْ إزَالَةِ نَجَسٍ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي غَسْلِ مَا نَجُسَ بِنَحْوِ كَلْبٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُسْتَعْمَلُ التُّرَابُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ نَجَاسَةِ نَحْوِ كَلْبٍ مَرَّةً ثَانِيَةً عَلَى الْمُرَجَّحِ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر. وَإِنْ جَرَى الْمُصَنِّفُ أَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحَيْ الرَّوْضِ وَالْبَهْجَةِ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ مَرَّةً ثَانِيَةً كَحَجَرِ الِاسْتِنْجَاءِ بَعْدَ غَسْلِهِ وَجَفَافِهِ وَكَدَوَاءٍ دُبِغَ بِهِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ الدَّبْغَ مِنْ بَابِ الْإِحَالَةِ وَالْحَجَرُ لَيْسَ رَافِعًا فَلْيُتَأَمَّلْ ق ل وا ج. وَذِكْرُ حُكْمِ التُّرَابِ هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالْغَسْلَةِ الْأُولَى) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ إذْ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا الْأُولَى، وَإِمَّا تَمْثِيلِيَّةٌ لِتَدْخُلَ الْمَسْحَةُ الْأُولَى كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَقَالَ ق ل: الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ أَوْ تَمْثِيلِيَّةٌ لِإِدْخَالِ الْمَسْحِ، أَوْ مَاءِ غَسْلِ الْجَبِيرَةِ، أَوْ الْخُفِّ بَدَلَ مَسْحِهِمَا، أَوْ بَقِيَّةِ السَّبْعِ فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ اهـ. قَوْلُهُ (فِي مَرَضِهِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَفِيهَا نَظَرٌ لِأَنَّ جَابِرًا عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (مِنْ وَضُوئِهِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُسْتَعْمَلِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجْمَعُوا الْمُسْتَعْمَلَ) . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يُنْظَرُ فِيهِ بِأَنَّ تَحْصِيلَ الْمَاءِ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا يَجِبُ فَعَدَمُ الْجَمْعِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٍ احْتَمَلَتْ اهـ. أَيْ وَوَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبُ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ الْبَعِيدَ لَا يُؤَثِّرُ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا ح ف فِيهِ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوهُ لِكَوْنِهِ قَلِيلًا بَعْدَ جَمْعِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ مَعَ كَثْرَةٍ وَمَعَ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَغْتَسِلُونَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَهُوَ مَعَ كَثْرَتِهِ لَمْ يَجْمَعُوهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ لَمْ يَجْمَعُوا مَاءَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مَاءَهُمَا يُخَالِطُ غَالِبًا مَاءَ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ مُسْتَعْمَلًا فَلَمْ يَجْمَعُوهُ لِذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَصِرُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ الْقَلِيلَةِ الْمَاءَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ) فَيُكْرَهُ شُرْبُهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَحْرُمُ قَوْلُهُ: (مَا لَا بُدَّ مِنْهُ) وَهُوَ مَا لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: (كَحَنَفِيٍّ تَوَضَّأَ إلَخْ) وَإِنَّمَا مَثَّلَ بِالْحَنَفِيِّ لِأَنَّ وُضُوءَهُ خَالٍ عَنْ النِّيَّةِ فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ أَثِمَ بِتَرْكِهِ لِلْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (كَصَبِيٍّ) أَيْ مُمَيِّزٍ تَوَضَّأَ وَنَوَى أَوْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ وَمَجْنُونٍ كَذَلِكَ كَأَنْ وَضَّأَ

مِنْ وُضُوءٍ، وَلَا أَثَرَ لِاعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَاءَ الْحَنَفِيِّ فِيمَا ذُكِرَ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا بِخِلَافِ اقْتِدَائِهِ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ حَيْثُ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ لِأَنَّ الرَّابِطَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِاقْتِدَاءِ دُونَ الطِّهَارَاتِ.
تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ مَنْعِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَقِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ إنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَحْقِيقِهِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ مُطْلَقٌ وَلَكِنْ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ تَعَبُّدًا كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَخَرَجَ بِالْمُسْتَعْمَلِ فِي فَرْضٍ الْمُسْتَعْمَلُ فِي نَفْلِ الطَّهَارَةِ كَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ وَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ عَلَى الْجَدِيدِ.
تَنْبِيهٌ: مِنْ الْمُسْتَعْمَلِ مَاءُ غُسْلٍ بَدَلَ مَسْحٍ مِنْ رَأْسٍ أَوْ خُفٍّ، وَمَاءُ غُسْلِ كَافِرَةِ لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا الْمُسْلِمِ.
وَأُورِدَ

[حاشية البجيرمي]

وَلِيَّهُ لِطَوَافٍ حِينَ أَحْرَمَ عَنْهُ فَيَنْوِي عَنْهُ اهـ. قَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ، قَالَ شَيْخُنَا م ر: وَلَهُ إذَا مَيَّزَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ، وَفِي ع ش عَلَى م ر خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّهُ: وَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهَذَا الْوُضُوءِ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَدَّ بِوُضُوءِ وَلِيِّهِ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ زَالَتْ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا قِيلَ فِي زَوْجِ الْمَجْنُونَةِ إذَا غَسَّلَهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ مِنْ أَنَّهَا إذَا أَفَاقَتْ لَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِذَلِكَ الطُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا) يَقْتَضِي اعْتِقَادُهُ أَيْ الشَّافِعِيِّ أَنْ وُضُوءَهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ لِخُلُوِّهِ عَنْ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ اقْتِدَائِهِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَلَا جَوَابَ لِأَنَّ الْمُتَوَضِّئَ الْحَنَفِيَّ قَدْ أَتَى بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي اعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْوُضُوءُ الرَّافِعُ لِحَدَثِهِ، كَمَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ إذَا أَتَى بِالْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَلَا يَضُرُّ اعْتِقَادُ عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ.
اهـ. ق ل. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ بِالْفَرْضِ نَفْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الشَّافِعِيِّ بِهِ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَحَلَّ ضَرَرِ اعْتِقَادِ النَّفْلِ بِالْفَرْضِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَقِدًا لِلْفَاعِلِ ع ش. قَوْلُهُ: (مَسَّ فَرْجَهُ) أَوْ أَتَى بِمُخَالِفٍ، وَمِنْهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ.
قَوْلُهُ: (مُعْتَبَرَةٌ فِي الِاقْتِدَاءِ) إذْ لَا بُدَّ مِنْ رَبْطِ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ بِالْأُخْرَى بِالنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الطِّهَارَاتِ) إذْ لَا رَابِطَ بَيْنَ طَهَارَةٍ وَطَهَارَةٍ وَاحْتِيَاطًا فِي الْبَابَيْنِ، وَلِأَنَّ الْحُكْمَ بِالِاسْتِعْمَالِ يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ كَمَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغُسْلِ الْمَجْنُونَةِ وَالْمُمْتَنِعَةِ مِنْ الْغُسْلِ، بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَنِيَّةُ الْإِمَامِ الْمَذْكُورِ أَيْ الَّذِي مَسَّ فَرْجَهُ فِيمَا ذُكِرَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي ظَنِّ الْمَأْمُومِ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (مَنْعِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) الْأَوْلَى مَنْعُ التَّطْهِيرِ لِأَنَّهُ الْمَمْنُوعُ لَا مُطْلَقَ اسْتِعْمَالِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَصَحُّ) مُعْتَمَدٌ وَقَوْلُهُ: (وَقِيلَ مُطْلَقٌ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (كَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ نَذَرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَيُلْغَزُ وَيُقَالُ لَنَا غُسْلٌ وَاجِبٌ أَوْ وُضُوءٌ وَاجِبٌ وَمَاؤُهُمَا غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، فَإِذَا اغْتَسَلَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ مَثَلًا الْمَنْذُورَ، فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ الَّذِي اغْتَسَلَ بِهِ وَيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، وَعِبَارَةُ ق ل كَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ وَإِنْ نَذَرَهُ أَوْ كَانَ لِنَحْوِ مَجْنُونٍ بَعْدَ إفَاقَتِهِ وَإِنْ لَزِمَهُ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ عِنْدَ غُسْلِهِ بَعْدَ الْجُنُونِ لِاحْتِمَالِ الْإِنْزَالِ، وَكَذَا وُضُوءُ مَنْ شَكَّ فِي حَدَثِهِ لِعَدَمِ رَفْعِ الطَّهَارَةِ بِالشَّكِّ اهـ. قَوْلُهُ: (بَدَلَ مَسْحٍ) أَيْ لِشَيْءٍ مِنْ رَأْسٍ أَوْ خُفٍّ.
قَوْلُهُ: (غُسْلِ كَافِرَةٍ) أَيْ كِتَابِيَّةٍ أَيْ بِنَفْسِهَا أَوْ بِغَيْرِهَا عِنْدَ امْتِنَاعِهَا لِأَنَّ غُسْلَهَا لَيْسَ عِبَادَةً وَنِيَّتُهَا لِلتَّمْيِيزِ، فَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوْ أَحَدُ أُصُولِهَا وَهِيَ مَجْنُونَةٌ بَطَلَ غُسْلُهَا.
وَحِينَئِذٍ يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا غُسْلٌ صَحِيحٌ يَبْطُلُ بِكَلَامِ الْمُغْتَسِلِ أَوْ كَلَامِ غَيْرِهِ.
اهـ. ح ل. وَفِي مَتْنِ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَغُسْلُ كَافِرَةٍ لِقَصْدِ حِلِّهَا لِمُسْلِمٍ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهَا تَمْكِينُهُ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِغُسْلِهَا، فَيَجِبُ وَلَوْ عَبَّرَ كَالرَّوْضَةِ بِالْكِتَابِيَّةِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ مَا سِوَاهَا مِنْ الْكَافِرَاتِ حَرَامٌ وَكَالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فِيمَا يَظْهَرُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْفُرُوعِ وَهِيَ مُكَلَّفَةٌ بِالْغُسْلِ لَهُ كَالْمُسْلِمَةِ اهـ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ: ثُمَّ تَرَجَّحَ عِنْدِي خِلَافُ ذَلِكَ عَمَلًا بِتَقْيِيدِهِمْ الْحُكْمَ بِالْمُسْلِمِ لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِهَذِهِ النِّيَّةِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّخْفِيفِ عَلَيْهِ، وَالْكَافِرُ لَا يَسْتَحِقُّهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهَا بِأَنْ يُسْلِمَ اهـ. قَوْلُهُ: (لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا الْمُسْلِمِ) هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ، وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّ قَصْدَ الْحِلِّ كَافٍ وَإِنْ كَانَ حَلِيلُهَا صَغِيرًا أَوْ كَافِرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ يَرَى تَوَقُّفَ الْحِلِّ عَلَى الْغُسْلِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَلِيلٌ أَصْلًا، أَوْ قَصَدَتْ الْحِلَّ لِلزِّنَا، فَكُلٌّ مِنْ

عَلَى ضَابِطِ الْمُسْتَعْمَلِ مَاءٌ غُسِلَ بِهِ الرِّجْلَانِ بَعْدَ مَسْحِ الْخُفِّ، وَمَاءٌ غُسِلَ بِهِ الْوَجْهُ قَبْلَ بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ، وَمَاءٌ غُسِلَ بِهِ الْخَبَثُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فَإِنَّهَا لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي فَرْضٍ.
وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَنْعِ عَدَمِ رَفْعِهِ لِأَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ شَيْئًا.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي فَرْضٍ وَهُوَ رَفْعُ الْحَدَثِ الْمُسْتَفَادِ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ.
وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي فَرْضٍ أَصَالَةً.
فَائِدَةٌ: الْمَاءُ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ مَا بَقِيَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِعْمَالِ بِالِاتِّفَاقِ

[حاشية البجيرمي]

حَلِيلِهَا وَالْمُسْلِمِ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
نَعَمْ لَوْ قَصَدَتْ حَنَفِيَّةٌ حِلَّ وَطْءِ حَنَفِيٍّ يَرَى حِلَّهَا مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ لَمْ يَكُنْ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا وَلَا يَصِحُّ غُسْلُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رَفْعُ مَانِعٍ شَرْعًا، وَلِذَلِكَ فَارَقَ الْكَافِرَةَ لِلْكَافِرِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا شَافِعِيًّا وَاغْتَسَلَتْ لِتَحِلَّ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ شَافِعِيَّةً وَزَوْجُهَا حَنَفِيٌّ وَاغْتَسَلَتْ لِيَحِلَّ لَهَا التَّمْكِينُ كَانَ مَاؤُهَا مُسْتَعْمَلًا، أَوْ لِتَحِلَّ لَهُ كَانَ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ حَرَّرَ ح ل وس ل. قَوْلُهُ: (لِحَلِيلِهَا الْمُسْلِمِ) اقْتَضَى صَنِيعُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا أَوْ غَيْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْغُسْلِ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا وَوَلِيُّهُ مُخَاطَبٌ بِمَنْعِهِ مِنْهُ وَبِالْغُسْلِ يَزُولُ هَذَا الْمَنْعُ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (وَأُورِدَ عَلَى ضَابِطِ الْمُسْتَعْمَلِ) حَاصِلُ الْإِيرَادِ أَنَّ هَذِهِ الْمِيَاهَ لَا تَرْفَعُ حَدَثًا وَلَا خَبَثًا مِنْ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمُسْتَعْمَلِ لَا يَشْمَلُهَا فَيَكُونُ غَيْرَ جَامِعٍ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ عَدَمُ تَسْلِيمِ كَوْنِ الْأَوَّلِ مُسْتَعْمَلًا بَلْ هُوَ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ، وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَهُمَا دَاخِلَانِ فِي الْمُسْتَعْمَلِ فَقَوْلُهُ بِمَنْعِ عَدَمِ رَفْعِهِ أَيْ مَاءِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْخُفِّ لِحَدَثٍ آخَرَ أَيْ بَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْآخَرَ إذَا اُسْتُعْمِلَ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يُؤَثِّرْ شَيْئًا لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ رَفَعَ الْحَدَثَ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا يَزِيدُ بِهَذَا الْغَسْلِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لِلْمُقِيمِ أَوْ الْمُسَافِرِ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الْغَسْلِ كَانَ الْحَدَثُ مَرْفُوعًا، فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَا بَعْدَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (مَاءٌ غُسِلَ بِهِ الرِّجْلَانِ) أَيْ دَاخِلَ الْخُفِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَاءٌ غُسِلَ بِهِ الْوَجْهُ) أَيْ وَبَاقِي الْأَعْضَاءِ، وَصُورَتُهُ كَأَنْ تَيَمَّمَ لِضَرُورَةٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَجْهَ لَيْسَ بِقَيْدٍ، قَوْلُهُ: (قَبْلَ بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِيَصِحَّ تَصْوِيرُهُ لِكَوْنِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا فِي أَمْرٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا) أَيْ الْمَاءَاتِ الثَّلَاثَ لَا تَرْفَعُ حَدَثًا آخَرَ.
قَوْلُهُ: (بِمَنْعِ عَدَمِ رَفْعِهِ إلَخْ) أَيْ بَلْ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَيْ حَدَثًا آخَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي فَرْضٍ.
وَلَا يُشْكِلُ بِتَأْثِيرِ غَسْلِ الْوَجْهِ قَبْلَ بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ حَيْثُ رَفَعَ الْحَدَثَ الْمُسْتَفَادِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ فَرِيضَةٍ وَلَمْ يَرْفَعْ هُنَا لِأَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ فَأَثَّرَ بَعْدَهُ الْغَسْلُ وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الْغَسْلُ بَعْدَهُ شَيْئًا.
اهـ. ق ل. وَبَحَثَ سم أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مُدَّةِ الْخُفِّ، وَهَذَا الْبَحْثُ مَرْدُودٌ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُؤَثِّرْ) فَلَا يَكُونُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا اج.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي فَرْضٍ) فَقَوْلُ الْمُعْتَرِضِ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي فَرْضٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ الثَّالِثِ) وَهُوَ غَسْلُ الْخَبَثِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَيُحْكَمُ بِاسْتِعْمَالِ مَائِهِ نَظَرًا لِجِنْسِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَبَثِ وُجُوبُ غَسْلِهِ، وَلَا نَظَرَ لِطُرُوِّ الْعَفْوِ عَنْهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَذْكُرْ الْمُسْتَعْمَلَ فِي الْخَبَثِ فِيمَا مَرَّ فَإِيرَادُ هَذِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ق ل. قَوْلُهُ: (عَلَى الْعُضْوِ إلَخْ) مُرَادُهُ بِالْعُضْوِ مَا يَشْمَلُ بَدَنَ الْجُنُبِ لَا خُصُوصَ عُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ كَمَا يُتَوَهَّمُ مِمَّا يَأْتِي وَحِينَئِذٍ صَحَّ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ: فَلَوْ نَوَى جُنُبٌ إلَخْ وَعَلَيْهِ فَانْدَفَعَ مَا فِي الْحَوَاشِي.
قَوْلُهُ: (لَا يَثْبُتُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْعُضْوِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، فَلَوْ غَرَفَ بِكَفَّيْهِ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ وَفَصَلَهُمَا عَنْهُ فَإِنْ كَانَ جُنُبًا مَثَلًا وَنَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ ارْتَفَعَ حَدَثُ كَفَّيْهِ مَعًا إنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَهُ أَنْ يَغْسِلَ بِمَا فِيهِمَا مَا شَاءَ مِنْ بَقِيَّةِ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَبَقِيَّةِ بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالِهِ عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَصْغَرَ وَكَانَ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُمَا مَعًا ارْتَفَعَ حَدَثُ كَفِّهِ الْيُمْنَى سَوَاءٌ قَصَدَهَا أَوْ أَطْلَقَ نَظَرًا لِطَلَبِ تَقْدِيمِهَا، وَلَهُ إتْمَامُ غَسْلِهَا بِمَا فِي كَفِّهِ بِلَا انْفِصَالٍ، وَإِنْ قَصَدَ الْيُسْرَى وَحْدَهَا ارْتَفَعَ حَدَثُ مَا لَاقَى الْمَاءُ مِنْهَا وَلَهُ إتْمَامُ غَسْلِهَا بِهِ، وَإِنْ قَصَدَهُمَا مَعًا ارْتَفَعَ الْحَدَثُ عَمَّا لَاقَاهُ الْمَاءُ مِنْهُمَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْفَعَ بِهِ بَقِيَّةَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ مَاءَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُخْرَى ق ل. قَوْلُهُ: (مَا بَقِيَتْ الْحَاجَةُ إلَى الِاسْتِعْمَالِ) إنْ أُرِيدَ بَقَاءُ الْحَاجَةِ بِعَدَمِ اسْتِيعَابِ الْعُضْوِ فَالتَّقْيِيدُ بِهِ مُضِرٌّ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُ إذَا اسْتَوْعَبَ

لِلضَّرُورَةِ، فَلَوْ نَوَى جُنُبٌ رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْحَدَثِ، وَكَذَا فِي غَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَلَوْ نَوَى جُنُبَانِ مَعًا بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ طُهْرًا أَوْ مُرَتَّبًا وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ فَالْأَوَّلُ فَقَطْ، أَوْ نَوَيَا مَعًا فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُمَا عَنْ بَاقِيهِمَا، وَلَوْ شَكَا فِي الْمَعِيَّةِ فَالظَّاهِرُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمَا يَطْهُرَانِ لِأَنَّا لَا نَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ بِالشَّكِّ وَسَلْبُهَا فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا فَقَطْ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَالْمَاءُ الْمُتَرَدِّدُ عَلَى عُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ وَعَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ وَعَلَى الْمُتَنَجِّسِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَهُورٌ، فَإِنْ جَرَى الْمَاءُ مِنْ عُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ إلَى عُضْوِهِ الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَأَنْ جَاوَزَ مَنْكِبَهُ أَوْ تَقَاطَرَ مِنْ عُضْوٍ وَلَوْ مِنْ عُضْوِ بَدَنِ الْجُنُبِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، نَعَمْ مَا يَغْلِبُ فِيهِ التَّقَاذُفُ كَمِنْ الْكَفِّ إلَى السَّاعِدِ وَعَكْسُهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا لِلْعُذْرِ، وَإِنْ خَرَقَهُ الْهَوَاءُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَلَوْ غَرَفَ بِكَفِّهِ جُنُبٌ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ أَوْ مُحْدِثٌ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ الْغَسْلَةَ الْأُولَى عَلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرُهُ أَوْ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ أَوْجَهُ إنْ لَمْ يُرِدْ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ وَلَمْ يَنْوِ الِاغْتِرَافَ بِأَنْ نَوَى اسْتِعْمَالًا أَوْ أَطْلَقَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، فَلَوْ غَسَلَ بِمَا فِي كَفِّهِ بَاقِيَ

[حاشية البجيرمي]

الْعُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَوْ نَوَى إلَخْ.
وَإِنْ أُرِيدَ بَقَاؤُهَا بَعْدَ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا مَا لَا يَغْلِبُ فِيهِ التَّقَاذُفُ لَا مُجَرَّدَ ارْتِفَاعِ حَدَثِهِ كَمَا قَالَهُ ع ش. فَالتَّقْيِيدُ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، لِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا عَلَى الْعُضْوِ يُغْنِي عَنْهُ تَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: (مَا بَقِيَتْ الْحَاجَةُ) بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الْعُضْوَ كَذَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ نَوَى جُنُبٌ) أَيْ يَغْتَسِلُ بِالِانْغِمَاسِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) لِلرَّدِّ عَلَى الْخِلَافِ كَأَنْ كَانَ الْأَوَّلُ حَيْضًا، وَالثَّانِي جَنَابَةً بِنُزُولِ الْمَنِيِّ أَيْ إنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ حَالَ انْغِمَاسِهِ ق ل وم ر وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَوَى جُنُبَانِ مَعًا) أَيْ يَقِينًا أَوْ احْتِمَالًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ سِتٌّ لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يَنْوِيَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا أَوْ يَشُكَّا فِي الْمَعِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إمَّا بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ أَوْ قَبْلَهُ فَمَتَى نَوَيَا مَعًا بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ أَوْ شَكَا فِي الْمَعِيَّةِ كَذَلِكَ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِمَا أَوْ نَوَيَا مَعًا أَوْ شَكَا فِي الْمَعِيَّةِ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ عَنْ الْجُزْءِ الْمُلَاقِي لِلْمَاءِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَقَطْ، أَوْ نَوَيَا مُرَتَّبًا بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ أَوْ قَبْلَهُ ارْتَفَعَ حَدَثُ السَّابِقِ، وَلَهُ رَفْعُ حَدَثٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ فِي الْأُولَى أَيْ: بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ وَإِتْمَامُ غَسْلِهِ بِالِانْغِمَاسِ دُونَ الِاغْتِرَافِ فِي الثَّانِيَةِ أَيْ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ) أَيْ انْغِمَاسِهِمَا وَإِلَّا ارْتَفَعَ عَنْ الْمُلَاقِي لِلْمَاءِ فَقَطْ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَبْلَ انْغِمَاسِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَرْتَفِعْ عَنْ بَاقِيهِ وَحْدَهُ فَرَاجِعْهُ ق ل. قَوْلُهُ: (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ الِانْغِمَاسِ قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَكَا فِي الْمَعِيَّةِ) أَيْ بَعْدَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ.
قَوْلُهُ: (يَطْهُرَانِ) إلْحَاقًا بِالْمَعِيَّةِ الْمُحَقَّقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَاءُ الْمُتَرَدِّدُ إلَخْ) هَذَا تَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا إلَخْ.
وَأَعَادَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) رَاجِعٌ لِلْأَخِيرِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (طَهُورٌ) أَيْ مُطَهِّرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ عُضْوِ بَدَنِ الْجُنُبِ) أَخْذُهُ غَايَةٌ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ، فَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِعْمَالُ بِالتَّقَاطُرِ.
1 - قَوْلُهُ: (صَارَ مُسْتَعْمَلًا) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ نَزَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَنَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ قَبْلَ تَمَامِ الِانْغِمَاسِ، ثُمَّ اغْتَرَفَ الْمَاءَ بِإِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ وَصَبَّهُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَةُ ذَلِكَ الْعُضْوِ الَّذِي اغْتَرَفَ لَهُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِأَنَّهُ انْفَصَلَ اهـ بِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ قَوْلُهُ: (التَّقَاذُفُ) وَهُوَ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الِاتِّصَالِ اج.
وَفِي التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ عَلَى الِاتِّصَالِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ مُنَافٍ لِقَوْلِهِ وَإِنْ خَرَّقَهُ الْهَوَاءُ.
وَكَتَبَ الْمَيْدَانِيُّ عَلَى التَّقَاذُفِ أَيْ التَّدَافُعِ.
قَوْلُهُ: (كَمِنْ الْكَفِّ إلَى السَّاعِدِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَمِنْ الرَّأْسِ إلَى الصَّدْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجُنُبِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَرَّقَهُ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ حَرَّكَهُ وَقَطَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَرَفَ إلَخْ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ إدْخَالُ الْيَدِ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ غَرْفٍ، وَعِبَارَةُ م ر وَابْنِ حَجَرٍ: وَلَوْ أَدْخَلَ كَفَّهُ جُنُبٌ إلَخْ لَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدُ فَلَوْ غَسَلَ بِمَا فِي كَفِّهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يُرِدْ إلَخْ) بِأَنْ أَرَادَ الثَّلَاثَ أَوْ أَطْلَقَ فَالْمُعْتَبَرُ إرَادَتُهُ إنْ وُجِدَتْ وَإِلَّا فَالثَّلَاثُ ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِغَرَفَ.
قَوْلُهُ: (صَارَ) أَيْ الْمَاءُ الْبَاقِي مِنْ الْقَلِيلِ مُسْتَعْمَلًا.
قَوْلُهُ: (بَاقِيَ يَدِهِ) أَيْ فِي الْمُحْدِثِ أَوْ بَاقِيَ بَدَنِهِ فِي الْجُنُبِ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل