فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَسَلَفًا وَذُخْرًا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا.
لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِلْحَالِ، وَزَادَ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى هَذَا: وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ وَلَا تُحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ.
وَيُؤَنَّثُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى، وَيَأْتِي فِي الْخُنْثَى مَا مَرَّ.
وَيَكْفِي هَذَا الدُّعَاءُ لِلطِّفْلِ.
وَلَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ إنَّهُ لَا بُدَّ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُخَصَّ بِهِ كَمَا مَرَّ لِثُبُوتِ النَّصِّ فِي هَذَا بِخُصُوصِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» وَلَكِنْ لَوْ دَعَا لَهُ بِخُصُوصِهِ كَفَى، وَلَوْ تُرُدِّدَ فِي بُلُوغِ الْمُرَاهِقِ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا وَيُخَصِّصُهُ بِالدُّعَاءِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسَوَاءٌ فِيمَا قَالُوهُ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبَوَيْهِ أَمْ لَا.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: مَحَلُّهُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْحَيَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ أَتَى بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَهَذَا أَوْلَى، وَلَوْ جَهِلَ إسْلَامَهُمَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى إيمَانِهِمَا خُصُوصًا فِي نَاحِيَةٍ يَكْثُرُ فِيهَا الْكُفَّارُ، وَلَوْ عَلِمَ كُفْرَهُمَا كَتَبَعِيَّةِ الصَّغِيرِ لِلسَّابِي حُرِّمَ الدُّعَاءُ لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ وَالشَّفَاعَةِ وَنَحْوِهِمَا، (وَيَقُولُ فِي) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ) نَدْبًا (اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّهَا (أَجْرَهُ) أَيْ أَجْرَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ أَجْرَ الْمُصِيبَةِ بِهِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُصِيبَةِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ (وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) أَيْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْمَعَاصِي، وَزَادَ الْمُصَنِّفُ كَالتَّنْبِيهِ (وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ) وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَصْحَابُ، وَيُسَنُّ أَنْ يُطَوِّلَ الدُّعَاءَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
نَعَمْ لَوْ خَشِيَ تَغَيُّرَ الْمَيِّتِ أَوْ انْفِجَارَهُ لَوْ أَتَى
[حاشية البجيرمي]
عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ مُطْلَقُ السَّابِقِ سَوَاءٌ كَانَ مُهَيَّئًا لِلْمَصَالِحِ أَمْ لَا، وَالْفَرْطُ السَّابِقُ الْمُهَيَّأُ لِلْمَصَالِحِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَذُخْرًا) شَبَّهَ تَقَدُّمَهُ لَهُمَا بِشَيْءٍ نَفِيسٍ يَكُونُ أَمَامَهُمَا مُدَّخَرًا إلَى وَقْتِ حَاجَتِهِمَا لَهُ بِشَفَاعَتِهِ لَهُمَا، وَقَوْلُهُ " وَاعْتِبَارًا " أَيْ يَعْتَبِرَانِ بِمَوْتِهِ وَفَقْدِهِ حَتَّى يَحْمِلَهُمَا ذَلِكَ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، شَرْحُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَعِظَةً) اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى الْوَعْظِ، أَوْ اسْمُ فَاعِلٍ، أَيْ وَاعِظًا؛ وَالْمُرَادُ بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ أَعْنِي اعْتِبَارًا غَايَتُهُمَا وَهُوَ الظَّفْرُ بِالْمَطْلُوبِ مِنْ الْخَيْرِ وَثَوَابِهِ، فَسَقَطَ التَّنْظِيرُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَعْظَ التَّذْكِيرُ بِالْعَوَاقِبِ، وَهَذَا قَدْ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ شَرْحُ م ر، أَيْ فَلَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ مَيِّتَيْنِ؛ لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِمِنْ كَانَ أَبَوَاهُ حَيَّيْنِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَثَقُلَ بِهِ) أَيْ بِثَوَابِ الصَّبْرِ عَلَى فَقْدِهِ أَوْ الرِّضَا بِهِ؛ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي الْكَافِرِينَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ) لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي الْحَيِّ وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ) وَإِتْيَانُ هَذَا فِي الْمَيِّتِينَ صَحِيحٌ إذْ الْفِتْنَةُ يُكَنَّى بِهَا عَنْ الْعَذَابِ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّبْرِ بِمَوْتِ الْوَلَدِ فَضْلٌ كَثِيرٌ، مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «إذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ؟ فَيَقُولُونَ: حَمَدَك وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ وَالِاسْتِرْجَاعِ» وَوَرَدَ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» أَيْ ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71] الْآيَةُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّ الْوَلَدَ يَشْفَعُ لِأَبَوَيْهِ» وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ أَشْبَهَ الْعُلَمَاءَ وَالشُّهَدَاءَ فَإِنَّ لَهُمْ حَظًّا فِي الشَّفَاعَةِ، فَلْيَكُنْ هَذَا أَوْلَى؛ لَكِنْ صَحَّ: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ» الْحَدِيثُ، وَفَسَّرَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعُقَّ عَنْهُ لَمْ يَشْفَعْ لِوَالِدَيْهِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْخَطَّابِيُّ؛ فَيَنْبَغِي لِمَنْ يَرْجُو شَفَاعَةَ وَلَدِهِ أَنْ يُعِقَّ عَنْهُ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الشَّفَاعَةِ بِالِارْتِهَانِ لِأَنَّ الْمُرْتَهَنَ مَحْبُوسٌ غَالِبًا عِنْدَ رَاهِنِهِ فَلَا يَشْفَعُ، فَشُبِّهَ مَنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ بِمَرْهُونٍ تَعَطَّلَ الِانْتِفَاعُ بِهِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ شَرْحِ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَحْوَطُ إلَخْ) فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَارِدِ لَمْ يَكْفِ لِاحْتِمَالِ بُلُوغِهِ، وَإِنْ دَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ كَفَى، وَالْأَحْوَطُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (كَتَبَعِيَّةِ الصَّغِيرِ لِلسَّابِي إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الصَّغِيرُ الَّذِي أَبَوَاهُ كَافِرَانِ كَافِرٌ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُكْمًا تَبَعًا لِسَابِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ فِي التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ) أَيْ بَعْدَهَا، وَقَوْلُهُ " نَدْبًا " أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ شَيْءٌ، فَلَوْ سَلَّمَ عَقِبَهَا جَازَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُطَوِّلَ الدُّعَاءَ) أَيْ بِقَدْرِ مَا قَبْلَهَا مِنْ التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: 7] إلَى قَوْلِهِ الْعَظِيمُ
بِالسُّنَنِ فَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْكَانِ
(وَ) الرُّكْنُ السَّابِعُ (يُسَلِّمُ بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ) كَسَلَامِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي كَيْفِيَّتِهِ وَتَعَدُّدِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ سَنِّ وَبَرَكَاتِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُسَنُّ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَلْتَفِتُ فِي السَّلَامِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ يَجْعَلُهَا تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ إنَّهُ الْأَشْهَرُ وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ بِأَنْ يَضَعَهُمَا رَجُلٌ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَرَأْسُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلَانِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ بِأَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ، وَلَا يَحْمِلُهَا وَلَوْ أُنْثَى إلَّا الرِّجَالُ لِضَعْفِ النِّسَاءِ عَنْ حَمْلِهَا فَيُكْرَهُ لَهُنَّ ذَلِكَ، وَحُرِّمَ جَمْعُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ كَحَمْلِهَا فِي قُفَّةٍ يُخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا.
وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا
[حاشية البجيرمي]
قَالَ الْبَابِلِيُّ: نَعَمْ وَرَدَتْ هَذِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ.
اهـ. بِرْمَاوِيُّ
قَوْلُهُ: (وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ " أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ " خَبَرٌ، وَقِيلَ: التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ، بَلْ حُكِيَ وُجُوبُهُ؛ وَهَذَا إنْ أُرِيدَ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ تَارَةً بِهَيْئَةِ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَتَارَةً بِهَيْئَةِ التَّرْبِيعِ أج وَلَيْسَ فِي الْحَمْلِ دَنَاءَةٌ وَلَا سُقُوطُ مُرُوءَةٍ بَلْ هُوَ بِرٌّ وَإِكْرَامٌ لِلْمَيِّتِ فَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ م ر.
قَوْلُهُ: (وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلَانِ) أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَيْسَرِ، إذْ لَوْ تَوَسَّطَهُمَا وَاحِدٌ كَالْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَرَ مَا بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ) أَيْ وَيَضَعُ أَحَدُ الْمُتَقَدِّمَيْنِ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَالْآخَرُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَالْمُتَأَخِّرَانِ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: أَمَّا حَمْلُهَا عَلَى رَأْسِ اثْنَيْنِ فَشَيْءٌ لَا يُعْرَفُ، وَبَقَيْتُ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً لَمْ أَجِدْ ذَلِكَ مَنْقُولًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنْ رَأَيْتُهُ فِي الِاسْتِذْكَارِ لِلدَّارَمِيِّ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا شَرْحُ الدَّمِيرِيِّ لِلْمِنْهَاجِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَمْلَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَاجِبٌ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي كَيْفِيَّتِهِ، فَكَوْنُهَا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْمِلُهَا) أَيْ نَدْبًا أج؛ فَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ حَمْلُهَا لِضَعْفِهِنَّ غَالِبًا وَقَدْ يَنْكَشِفُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُنَّ تَعَيَّنَ حَمْلُهُنَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ وَبِأَمَامِهَا إلَخْ) رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فِي الْجِنَازَةِ فَقَالَ: أَلَّا تَسْتَحْيُونَ؟ إنَّ الْمَلَائِكَةَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُشَيِّعَ الْجِنَازَةَ لَهُ أَحْوَالٌ: إمَّا رَاكِبٌ أَوْ مَاشٍ وَإِمَّا أَمَامَهَا أَوْ خَلْفَهَا وَإِمَّا قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ فَمَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ أَفْضَلُ، وَالْمَاشِي أَمَامَهَا أَوْ خَلْفَهَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا مِنْ الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ قَرِيبًا أَفْضَلُ مِنْ الرَّاكِبِ الْبَعِيدِ، وَالْأَمَامُ أَفْضَلُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلَّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَرُئِيَ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ: غُفِرَ لِي بِكَلِمَةٍ كُنْت أَقُولُهَا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْجِنَازَةِ وَكَانَ يَقُولُهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْحِكْمَةُ فِي الْمَاشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَنَّ الْمُشَيِّعَ شَافِعٌ وَمِنْ حَقِّ الشَّافِعِ أَنْ يَكُونَ أَمَامَ الْمَشْفُوعِ لَهُ؛ وَأَخَذَ الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ: «أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» فَقَالُوا: إنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ أَنَّ الْأَحْسَنَ فِي زَمَانِنَا الْمَشْيُ أَمَامَهَا لِمَا يَتْبَعُهَا مِنْ النِّسَاءِ وَأَجَابَ الشَّافِعِيَّةُ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الِاتِّبَاعَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَخْذِ فِي طَرِيقِهَا وَالسَّعْيِ لِأَجْلِهَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: التَّقَدُّمُ وَالتَّأَخُّرُ وَتَقَدُّمُ الْمَاشِي وَتَأَخُّرُ الرَّاكِبِ؛ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَتَأَخَّرْنَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «مَنْ شَيَّعَ جِنَازَةً إلَى الْمَسْجِدِ فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنْ الْأَجْرِ فَإِنْ وَقَفَ حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ» فَائِدَةٌ: سُئِلَ أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّارُ عَنْ وُقُوفِ الْجِنَازَةِ وَرُجُوعِهَا؟ فَقَالَ: يُحْتَمَلُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَ يَدَيْهَا رَجَعَتْ أَوْ وَقَفَتْ وَمَتَى كَثُرَتْ خَلْفَهَا أَسْرَعَتْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلَوْمِ النَّفْسِ لِلْجَسَدِ وَلَوْمِ الْجَسَدِ لِلنَّفْسِ؛ يَخْتَلِفُ حَالُهَا، تَارَةً تَتَقَدَّمُ وَتَارَةً تَتَأَخَّرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهَا فِي حَالِ رُجُوعِهَا لِيَتِمَّ أَجَلُ بَقَائِهَا فِي الدُّنْيَا وَسُئِلَ عَنْ خِفَّةِ الْجِنَازَةِ وَثِقَلِهَا؟ فَقَالَ: إذَا خَفَّتْ فَصَاحِبُهَا شَهِيدٌ لِأَنَّ الشَّهِيدَ حَيٌّ وَالْحَيُّ أَخَفُّ مِنْ الْمَيِّتِ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: 169] الْآيَةُ.
اهـ. بِرْمَاوِيُّ وَفِيهِ أَنَّ الْآيَةَ فِي شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَالسُّؤَالُ عَامٌّ فَلْيُحَرَّرْ اهـ ط ف
وَقُرْبَهَا بِحَيْثُ لَوْ الْتَفَتَ لَرَآهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَسُنَّ إسْرَاعٌ بِهَا إنْ أُمِنَ، فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأَنِّي أَيْضًا زَيْدَ فِي الْإِسْرَاعِ، وَسُنَّ لِغَيْرِ ذَكَرٍ مَا يَسْتُرُهُ كَقُبَّةٍ وَكُرِهَ لَغَطٌ فِي الْجِنَازَةِ بَلْ الْمُسْتَحَبُّ التَّفَكُّرُ فِي الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ، وَاتِّبَاعُهَا بِنَارٍ فِي مِجْمَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَا يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي رُجُوعِهَا وَلَا اتِّبَاعُ مُسْلِمٍ جِنَازَةَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَا يُبْعَدُ إلْحَاقُ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ بِالْقَرِيبِ.
قَالَ: وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ الْجَارُ كَمَا فِي الْعِيَادَةِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ وَلَا بُعْدَ فِيهِ.
وَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ عَلَى الْكَافِرِ،
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ إسْرَاعٌ بِهَا) قَالَ فِي الْخَصَائِصِ: وَاخْتُصَّ وَأُمَّتُهُ بِالْإِسْرَاعِ أَيْ الْمَشْيِ بِسُرْعَةٍ بِالْجِنَازَةِ إسْرَاعًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ وَالْخَبَبِ الَّذِي هُوَ الْعَدْوُ؛ لِأَنَّ مَا فَوْقَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ مَنْ مَعَهَا مِنْ الضُّعَفَاءِ أَوْ مَشَقَّةِ الْحَامِلِ لَهَا أَوْ انْتِشَارِ أَكْفَانِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» أَيْ قَرِيبِ رِقَابِكُمْ وَهُوَ الْأَكْتَافُ تَنْبِيهٌ: مِنْ خَصَائِصِنَا أَيْضًا تَخْمِيرُ وَجْهِ الْمَيِّتِ، لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: «خَمِّرُوا وُجُوهَ مَوْتَاكُمْ وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ» وَفِي رِوَايَةٍ: " بِأَهْلِ الْكِتَابِ " أَيْ فَإِنَّهُمْ لَا يُغَطُّونَ وَجْهَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (زِيدَ) أَيْ وُجُوبًا قَوْلُهُ: (كَقُبَّةٍ) وَأَوَّلُ مَنْ جُعِلَ عَلَى نَعْشِهَا قُبَّةٌ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ زَوْجَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ بَعْدَ فَاطِمَةَ، فَلَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ مِمَّا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ زَيْنَبَ هَذِهِ أَوَّلُ مَنْ حُمِلَ عَلَى نَعْشٍ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ حُمِلَ عَلَى نَعْشٍ فَاطِمَةُ، كَذَا فِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ؛ لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ م ر أَنَّ أَوَّلَ مَنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا فِي الْإِسْلَامِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَرِّ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ بَعْدَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَكَانَتْ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا هَاجَرَتْ وَأَوْصَتْ بِهِ اهـ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ لِلْجِنَازَةِ وَلَوْ كَافِرَةً، وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ: وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نَدْبُ الْقِيَامِ لِلْجِنَازَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ تَبَعًا لِجَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ النَّدْبُ؛ وَلَكِنْ صَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمَهُ حَيْثُ قَالَ: الْقِيَامُ لَهَا إذَا مَرَّتْ وَالْقِيَامُ إذَا تَبِعَهَا مَنْسُوخَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ بِالْقِيَامِ لَهَا الْآنَ سَوَاءٌ مَرَّتْ بِهِ أَمْ تَبِعَهَا إلَى الْقَبْرِ وَجَرَى فِي الرَّوْضَةِ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِيَامِ لَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْقَاعِدِ إذَا مَرَّتْ بِهِ، أَمَّا مُشَيَّعُهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَقْعُدَ حَتَّى تُوضَعَ، لِخَبَرِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ: «إذَا تَبِعْتُمْ الْجِنَازَةَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» أَيْ إذَا مَشَيْتُمْ مَعَهَا مُشَيِّعِينَ لَهَا فَلَا تَجْلِسُوا نَدْبًا " حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ " كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَتَبِعَهُ الثَّوْرِيُّ، وَرَجَّحَهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَيِّتَ كَالْمَتْبُوعِ فَلَا يَجْلِسُ التَّابِعُ قَبْلَهُ، وَلِأَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ نَدْبِ الشَّارِعِ حُضُورَ دَفْنِهِ إكْرَامُ الْمَيِّتِ وَفِي قُعُودِهِ قِيلَ دَفْنُهُ إزْرَاءٌ بِهِ اهـ وَبِذَلِكَ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: يُكْرَهُ الْقُعُودُ حَتَّى تُوضَعَ وَفِي الْمُحِيطِ لِلْحَنَفِيَّةِ: الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْعُدَ حَتَّى يَنْهَالَ عَلَيْهَا التُّرَابُ اهـ بِحُرُوفِهِ فَائِدَةٌ: كَرِهَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ الْمُنَادِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ: " اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لَهُ " فَقَدْ سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَقُولُ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَك،.
اهـ. م ر قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ لَغَطٌ) أَيْ رَفْعُ الصَّوْتِ وَلَوْ بِقُرْآنٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. اهـ. ق ل وَهَذَا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَالْآنَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ شِعَارٌ لِلْمَيِّتِ لِأَنَّ تَرْكَهُ مُزْرٍ بِهِ؛ وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لَمْ يَبْعُدُ كَمَا نَقَلَهُ الْمَدَابِغِيُّ.
قَوْلُهُ: (بَلْ الْمُسْتَحَبُّ التَّفَكُّرُ فِي الْمَوْتِ) أَيْ أَوْ الْقِرَاءَةُ سِرًّا.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَإِتْبَاعُهَا بِنَارٍ إلَخْ) أَيْ بِلَا حَاجَةٍ، أَمَّا بِهَا كَبَخُورٍ لِدَفْعِ النَّتْنِ أَوْ فَتِيلَةً لِرُؤْيَةِ دَفْنِهِ لَيْلًا فَلَا كَرَاهَةَ وَفِي الْمَجْمُوعِ: يُنْدَبُ الْبَخُورُ عِنْدَ الْمَيِّتِ فِي وَقْتِ مَوْتِهِ إلَى تَمَامِ دَفْنِهِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (فِي مِجْمَرَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ، شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْعِيَادَةِ) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ فَفَرَّقَ بَيْنَ الْعِيَادَةِ وَاتِّبَاعِ
وَلَا يَجِبُ طُهْرُهُ لِأَنَّهُ كَرَامَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَيَجِبُ عَلَيْنَا تَكْفِينُ ذِمِّيٍّ وَدَفْنُهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَفَاءً بِذِمَّتِهِ.
وَلَوْ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ كَمُسْلِمٍ بِكَافِرٍ وَغَيْرِ شَهِيدٍ بِشَهِيدٍ وَجَبَ تَجْهِيزُ كُلٍّ إذْ لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِذَلِكَ وَيُصَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ وَهُوَ أَفْضَلُ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ بِقَصْدِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي الْكَيْفِيَّتَيْنِ، وَيُغْتَفَرُ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ وَيَقُولُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِ مِنْهُمْ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فِي الْكَيْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِمَسْجِدٍ وَبِثَلَاثَةِ صُفُوفٍ فَأَكْثَرَ لِخَبَرِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ إلَّا غُفِرَ لَهُ» وَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ أُعِيدَتْ وَقَعَتْ نَفْلًا، وَلَا تُؤَخَّرُ لِغَيْرِ وَلِيٍّ أَمَّا هُوَ فَتُؤَخَّرُ لَهُ مَا لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرٌ.
وَلَوْ نَوَى إمَامٌ مَيِّتًا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَمَأْمُومٌ آخَرَ كَذَلِكَ جَازَ لِأَنَّ اخْتِلَافَ نِيَّتِهِمَا لَا يَضُرُّ، وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمَأْمُومُ عَنْ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ بِتَكْبِيرَةٍ حَتَّى شَرَعَ إمَامُهُ فِي أُخْرَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إذْ الِاقْتِدَاءُ هُنَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي التَّكْبِيرَاتِ وَهُوَ تَخَلُّفٌ فَاحِشٌ يُشْبِهُ التَّخَلُّفَ بِرَكْعَةٍ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَنِسْيَانٍ فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَتَيْنِ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، وَلَا شَكَّ
[حاشية البجيرمي]
جِنَازَتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا بُعْدَ فِيهِ) أَيْ فِي الْإِلْحَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَيْنَا) أَيْ مَعَاشِرِ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَا وَقَوْلُهُ " حَيْثُ لَمْ يَكُنْ إلَخْ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَنَدْفَعُ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِنَا حَيْثُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِذَلِكَ) وَعُورِضَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ مُحَرَّمَةٌ وَلَا يَتِمُّ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَيُجَابُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ عَلَى الْفَرِيقِ الْآخَرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ " بِقَصْدٍ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (وَيُغْتَفَرُ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ) أَيْ فِي الْكَيْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ أَمَّا الْأُولَى فَلَا تَرَدُّدَ فِيهَا لِأَنَّهُ يَقُولُ: أُصَلِّي عَلَى مَنْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، فَهُوَ جَازِمٌ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِلضَّرُورَةِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لَهُ لِإِمْكَانِ الْكَيْفِيَّةِ الْأُولَى وَأُجِيبُ بِأَنَّهَا قَدْ تَشُقُّ بِتَأْخِيرٍ مِنْ غُسْلٍ إلَى فَرَاغِ غُسْلِ الْبَاقِينَ، بَلْ قَدْ تَتَعَيَّنُ الثَّانِيَةُ إنْ أَدَّى التَّأْخِيرُ إلَى تَغَيُّرٍ، وَكَذَا تَتَعَيَّنُ الْأُولَى لَوْ تَمَّ غُسْلُ الْجَمِيعِ وَكَانَ الْإِفْرَادُ يُؤَدِّي إلَى تَغَيُّرِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
اهـ. حَجّ س ل مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ: (فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَأَمَّا الْمِثَالُ الثَّانِي وَهُوَ الشَّهِيدُ فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّهِيدَ يَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِثَلَاثَةِ صُفُوفٍ) أَيْ حَيْثُ كَانَ الْمُصَلُّونَ سِتَّةً فَأَكْثَرَ كَمَا فِي حَجّ وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الصُّفُوفَ الثَّلَاثَةَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْفَضِيلَةِ، فَلِلْمَسْبُوقِ أَنْ يُحْرِمَ مَعَ أَيُّهَا شَاءَ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ اثْنَانِ وَقَفَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ خَلْفَهُمَا؛ نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنَّ الْأَوَّلَ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ أَوْلَى لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهَا أَيْ بِالثَّلَاثَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الصُّفُوفُ خَمْسَةً فَأَكْثَرَ فَيَكُونُ الرَّابِعُ أَفْضَلَ مِنْ الْخَامِسِ وَالْخَامِسُ أَفْضَلَ مِمَّا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلُوا الْأَوَّلَ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلَ مُحَافَظَةً عَلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ مِنْ الثَّلَاثَةِ.
اهـ. س ل وَأَقَلُّ الثَّلَاثَةِ مِنْ سِتَّةِ أَنْفَارٍ وَاحِدٌ مَعَ الْإِمَامِ وَاثْنَانِ ثُمَّ اثْنَانِ، وَلَا تُكْرَهُ الْمُسَاوَاةُ لِلْإِمَامِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ، وَتَحْصُلُ الثَّلَاثَةُ صُفُوفٍ بِثَلَاثَةٍ وَبَقِيَ مَا لَوْ كَانَ الْحَاضِرُونَ ثَلَاثَةً فَقَطْ بِالْإِمَامِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ وَاحِدٌ خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْآخَرُ وَرَاءَ مَنْ هُوَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ اثْنَانِ خَلْفَ الْإِمَامِ فَيَكُونُ الْإِمَامُ صَفًّا وَالِاثْنَانِ صَفًّا وَسَقَطَ الصَّفُّ الثَّالِثُ لِتَعَذُّرِهِ حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا) أَيْ مِمَّنْ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلُ، أَمَّا مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ وَتَقَعُ فَرْضَ كِفَايَةٍ م د وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ إعَادَةً.
قَوْلُهُ: (وَقَعَتْ نَفْلًا) أَيْ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَرَّةٍ وَلَا بِجَمَاعَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ سم.
قَوْلُهُ: (تَغَيَّرَ) وَشَرَطَ أَنْ يُرْجَى حُضُورُهُ عَنْ قُرْبٍ.
قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) أَيْ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ قَوْلُهُ: (حَتَّى شَرَعَ إمَامُهُ فِي أُخْرَى) كَأَنْ شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الثَّالِثَةِ وَالْمَأْمُومُ فِي الْأُولَى، أَوْ شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الرَّابِعَةِ وَالْمَأْمُومُ فِي الثَّانِيَةِ؛ وَلَا يُتَصَوَّرُ غَيْرُ هَذَيْنِ، وَيَظْهَرُ أَنَّ التَّقَدُّمَ كَالتَّأَخُّرِ ق ل.
قَوْلُهُ: (كَنِسْيَانٍ) أَيْ لِلْقِرَاءَةِ، وَيَكُونُ كَلَامُ الشَّارِحِ غَيْرَ ضَعِيفٍ وَمِثْلُ نِسْيَانِ الْقِرَاءَةِ بُطْءُ الْقِرَاءَةِ، وَأَمَّا إنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى نِسْيَانِ الصَّلَاةِ أَوْ الِاقْتِدَاءِ فَلَا تَبْطُلُ، وَلَوْ تَخَلَّفَ بِالتَّكْبِيرَاتِ كُلِّهَا فَيَكُونُ كَلَامُ الشَّارِحِ ضَعِيفًا.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَتَيْنِ) الْوَجْهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ بِالتَّأَخُّرِ لِعُذْرٍ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّخَلُّفُ بِتَكْبِيرَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَأَخَّرَ عَنْ إمَامِهِ بِجَمِيعِ الرَّكَعَاتِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ فَهُنَا أَوْلَى.
اهـ. حَجّ ز ي وَقَالَ
أَنَّ التَّقَدُّمَ كَالتَّخَلُّفِ بَلْ أَوْلَى.
وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِهَا كَالدُّعَاءِ لِأَنَّ مَا أَدْرَكَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أُخْرَى قَبْلَ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ الْقِرَاءَةُ عَنْهُ كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ حَتْمًا بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا تَرْتَفِعَ الْجِنَازَةُ حَتَّى يُتِمَّ الْمَسْبُوقُ، وَلَا يَضُرُّ رَفْعُهَا قَبْلَ إتْمَامِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَكْمَلِ الدَّفْنِ الْمَوْعُودِ بِذِكْرِهِ فَقَالَ: (وَيُدْفَنُ فِي لَحْدٍ) وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا وَسُكُونِ الْحَاءِ فِيهِمَا أَصْلُهُ الْمَيْلُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يُحْفَرَ فِي أَسْفَلِ جَانِبِ الْقَبْرِ الْقِبْلِيِّ مَائِلًا عَنْ الِاسْتِوَاءِ قَدْرَ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ وَيَسْتُرُهُ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الشَّقِّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ إنْ صَلُبَتْ الْأَرْضُ، وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ قَعْرَ الْقَبْرِ كَالنَّهْرِ وَيَبْنِيَ جَانِبَاهُ بِلَبَنٍ أَوْ غَيْرِهِ غَيْرَ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ وَيُجْعَلُ الْمَيِّتُ بَيْنَهُمَا، أَمَّا الْأَرْضُ الرَّخْوَةُ فَالشَّقُّ فِيهَا أَفْضَلُ خَشْيَةَ الِانْهِيَارِ وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ أَوْ غَيْرِهِ (مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ) وُجُوبًا تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْمُصَلِّي فَلَوْ وُجِّهَ لِغَيْرِهَا نُبِشَ وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ وُجُوبًا إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِلَّا فَلَا، وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ
[حاشية البجيرمي]
الشَّوْبَرِيُّ:
قَوْلُهُ " كَنِسْيَانٍ " أَيْ لِلْقِرَاءَةِ لَا لِلصَّلَاةِ أَوْ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ فِي هَذَيْنِ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ كَمَا لَوْ نَسِيَ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ ثُمَّ وَلَوْ بِجَمِيعِ الرَّكَعَاتِ اهـ وَمِثْلُهُ ح ل وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُ الشَّارِحِ لَا ضَعْفَ فِيهِ، وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ أَيْضًا، فَقَوْلُ الْمُحَشِّي: الْوَجْهُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ إلَخْ، مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ الشَّارِحِ " كَنِسْيَانٍ " نِسْيَانُ الصَّلَاةِ لَا الْقِرَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (كَالتَّخَلُّفِ) ضَعِيفٌ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَقِيسِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ) الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يُوَافِقْ الْإِمَامَ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) أَيْ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا لِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى سم عَلَى حَجّ؛ لَكِنْ قَالَ ز ي: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهَا وُجُوبًا لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُوَافِقِ قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ رَفْعُهَا قَبْلَ إتْمَامِهِ) وَإِنْ حُوِّلَتْ عَنْ الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ عَقْدِ الصَّلَاةِ لَا يُحْتَمَلُ فِيهِ ذَلِكَ وَالْجِنَازَةُ حَاضِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يَحْتَمِلُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ عَلَى جِنَازَةٍ وَهِيَ سَائِرَةٌ صَحَّتْ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ تَكُونَ سَائِرَةً إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ حَالَةَ التَّحَرُّمِ، وَأَنْ لَا يَبْعُدَ عَنْهَا بِأَكْثَرِ مِنْ ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ إلَى تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ حَائِلٌ حَالَةَ التَّحَرُّمِ؛ وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُحَاذَاةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، أَمَّا إذَا أَحْرَمَ عَلَيْهَا وَهِيَ قَارَّةٌ ثُمَّ رُفِعَتْ فَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا م د وَقَوْلُهُ " وَأَنْ لَا يَبْعُدُ " أَيْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ تَنْزِيلًا لِلْمَيِّتِ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ " وَأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ حَائِلٌ " عِبَارَةُ ز ي: وَلَا يَضُرُّ الْحَائِلُ بَيْنَهُمَا اهـ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا بَعْدَ التَّحَرُّمِ
قَوْلُهُ: (الْمَوْعُودُ بِذَكَرِهِ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ " وَدَفْنِهِ ".
قَوْلُهُ: (وَيُدْفَنُ) أَيْ وُجُوبًا، وَقَوْلُهُ " فِي لَحْدٍ " أَيْ نَدْبًا.
قَوْلُهُ: (أَصْلُهُ الْمَيْلُ) وَمِنْهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أَيْ يَمِيلُونَ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ مِنْ الْحَقِّ.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ مَا يَسَعُ) نَائِبُ الْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: (الرِّخْوَةُ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ، هِيَ الَّتِي تَنْهَارُ وَلَا تَتَمَاسَكُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ) تَنْبِيهٌ: يَجِبُ فِيمَنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ وَتَعَذَّرَ دَفْنُهُ فِي الْبَرِّ أَنْ يُوضَعَ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بَيْنَ لَوْحَيْنِ مَثَلًا وَيُرْمَى فِي الْبَحْرِ وَإِنْ ثُقِّلَ بِحَجَرٍ لِيَصِلَ إلَى الْقَرَارِ، فَهُوَ أَوْلَى.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ وُجِّهَ لِغَيْرِهَا) وَمِنْهُ الِاسْتِلْقَاءُ فَيَجِبُ نَبْشُهُ فِيهِ أَيْضًا تَنْبِيهٌ: يَجِبُ فِي كَافِرَةٍ مَاتَتْ حَامِلًا بِمُسْلِمٍ وَقَدْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ أَنْ تَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّ وَجْهَ الْوَلَدِ إلَى ظَهْرِهَا، وَأَنْ تُدْفَنَ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ ق ل
نَدْبًا عِنْدَ مُؤَخَّرِ الْقَبْرِ الَّذِي سَيَصِيرُ عِنْدَ أَسْفَلِهِ رِجْلُ الْمَيِّتِ (وَيُسَلُّ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُدْخَلُ (مِنْ قِبَلِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مِنْ جِهَةِ (رَأْسِهِ بِرِفْقٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ» وَيُدْخِلُهُ الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَرَجَةً فَلَا يُدْخِلُهُ وَلَوْ أُنْثَى إلَّا الرِّجَالُ، لَكِنَّ الْأَحَقَّ فِي الْأُنْثَى زَوْجٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الصَّلَاةِ فَمَحْرَمٌ فَعَبْدُهَا لِأَنَّهُ كَالْمَحْرَمِ فِي النَّظَرِ وَنَحْوِهِ فَمَمْسُوحٌ فَمَجْبُوبٌ فَخَصِيٌّ لِبَعْضِ شَهْوَتِهِمْ فَأَجْنَبِيٌّ صَالِحٌ، وَسُنَّ كَوْنُ الْمَدْخَلِ وِتْرًا وَاحِدًا فَأَكْثَرَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَسُنَّ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ عِنْدَ الدَّفْنِ وَهُوَ لِغَيْرِ ذَكَرٍ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى آكَدُ احْتِيَاطًا (وَيَقُولُ الَّذِي يَلْحَدُهُ) أَيْ يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ نَدْبًا (بِاسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ) أَيْ دَيْنِ (رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِلِاتِّبَاعِ وَفِي رِوَايَةٍ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَيُضْجَعُ فِي الْقَبْرِ) عَلَى يَمِينِهِ نَدْبًا كَمَا فِي الِاضْطِجَاعِ عِنْدَ النَّوْمِ، فَإِنْ وُضِعَ عَلَى يَسَارِهِ كُرِهَ وَلَمْ يُنْبَشْ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُفْضِيَ بِخَدِّهِ إلَى الْأَرْضِ (بَعْدَ أَنْ) يُوَسَّعَ بِأَنْ يُزَادَ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ وَأَنْ (يُعَمَّقَ) الْقَبْرُ وَهُوَ بِضَمِّ حَرْفِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيَوْضَعُ الْمَيِّتُ) أَيْ قَبْلَ دَفْنِهِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ مُؤَخَّرِ الْقَبْرِ) هُوَ وَاحِدُ الْقُبُورِ فِي الْكَثْرَةِ وَأَقْبُرٌ فِي الْقِلَّةِ وَهُوَ الْحُفْرَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْقَبْرُ مَدْفَنُ الْإِنْسَانِ وَالْجَمْعُ قُبُورٌ وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ سَنَّ الْقَبْرَ فَقِيلَ الْغُرَابُ لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ وَقِيلَ بَنُو إسْرَائِيلَ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَفِي التَّنْزِيلِ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ أَيْ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا يُوَارَى فِيهِ إكْرَامًا لَهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِمَّا يَلْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَأْكُلُهُ الطَّيْرُ وَالْوَحْشُ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ أَسْفَلِهِ) خَبَرٌ يَصِيرُ مُقَدَّمًا وَرَجُلٌ اسْمُهَا مُؤَخَّرٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَدْخُلَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ يُؤْخَذُ مِنْ النَّعْشِ وَيُخْرَجُ؛ لِأَنَّ السَّلَّ هُوَ الْإِخْرَاجُ لَا الْإِدْخَالُ.
قَوْلُهُ: (وَيُدْخِلُهُ) أَيْ نَدْبًا، وَقَوْلُهُ " فَلَا يُدْخِلُهُ " أَيْ نَدْبًا؛ فَإِذَا أَدْخَلَهُ الْإِنَاثُ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَمَنْ عَبَّرَ بِالْوُجُوبِ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ إزْرَاءٌ بِالْمَيِّتِ بِإِدْخَالِ غَيْرِ الرِّجَالِ ع ش فَائِدَةٌ: النِّسَاءُ أَحَقُّ بِالْأُنْثَى فِي أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: حَمْلِهَا مِنْ مَحِلِّ مَوْتِهَا إلَى الْمُغْتَسَلِ وَحَمْلِهَا مِنْهُ إلَى وَضْعِهَا فِي النَّعْشِ وَحَمْلِهَا لِتَسْلِيمِهَا لِمَنْ فِي الْقَبْرِ وَحَلِّ شِدَادِهَا بَعْدَ وَضْعِهَا فِي الْقَبْرِ ق ل وع ش.
قَوْلُهُ: (دَرَجَةً) بِخِلَافِهِ صِفَةً، فَالْأَفْقَهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَسَنِّ كَمَا فِي الْغُسْلِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ لِأَنَّ مَنْظُورَهُ أَكْثَرُ وَالْمُرَادُ حَيْثُ وُجِدَ مَعَهُ غَيْرُ الْأَجَانِبِ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ حَقٌّ كَمَا مَرَّ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَخَصِيٌّ) وَهُوَ الَّذِي قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ.
قَوْلُهُ: (لِضَعْفِ شَهْوَتِهِمْ) وَرُتِّبُوا كَذَلِكَ لِتَفَاوُتِهِمْ فِيهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ، إذْ الْمَمْسُوحُ أَضْعَفُ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْآلَتَيْنِ وَالْمَجْبُوبُ أَضْعَفُ مِنْ الْخَصِيِّ لِجَبِّ ذَكَرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَجْنَبِيٌّ صَالِحٌ) الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ، ثُمَّ النِّسَاءُ بَعْدُ الْأَجْنَبِيِّ كَتَرْتِيبِهِنَّ فِي الْغُسْلِ، وَالْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ؛ كَذَا قَالَ شَيْخُنَا.
اهـ. ح ل وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: فَخَصِيٌّ، فَعَصَبَةٌ، فَذُو رَحِمٍ، فَأَجْنَبِيٌّ صَالِحٌ اهـ قَالَ م ر: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّرْتِيبَ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الدَّفْنِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ فَيَظْهَرُ مَا يُطْلَبُ إخْفَاؤُهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (نَدْبًا) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: " وَيَقُولُ " قَوْلُهُ: (بِاسْمِ اللَّهِ) أَيْ: أُدْخِلُهُ بِاسْمِ اللَّهِ وَمَاتَ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، أَوْ: أَدْفِنُهُ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَالَ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ: وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ مَنْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ دَفْنِهِ رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَتُسَنُّ زِيَادَةُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مُنَاسِبَةٌ لِلْمَقَامِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُفْضِي بِخَدِّهِ إلَى الْأَرْضِ) وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ:
فَكَيْفَ يَهْنُو بِعَيْشٍ أَوْ يَلَذُّ بِهِ ... مِنْ التُّرَابِ عَلَى خَدَّيْهِ مَجْعُولُ
اهـ. م د
الْمُضَارَعَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ (قَامَةً وَبَسْطَةً) مِنْ رَجُلٍ مُعْتَدِلٍ لَهُمَا وَهُمَا أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ كَمَا صَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهُمَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ وَنِصْفٌ تَبَعًا لِلْمَحَامِلِيِّ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُنْدَبُ وَجْهُهُ وَرِجْلَاهُ إلَى جِدَارِ الْقَبْرِ وَظَهْرُهُ بِنَحْوِ لَبِنَةٍ كَحَجَرٍ حَتَّى لَا يُنَكَّبَ وَلَا يَسْتَلْقِي، وَأَنْ يُسَدَّ فَتْحُهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ بِنَحْوِ لَبِنٍ كَطِينٍ بِأَنْ يُبْنَى بِذَلِكَ ثُمَّ يُسَدُّ فَرْجُهُ بِكِسَرِ لَبِنٍ وَطِينٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، وَكُرِهَ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ فَرْشٌ وَمِخَدَّةٌ وَصُنْدُوقٌ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ لِأَنَّ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (قَامَةً وَبَسْطَةً) أَيْ قَدْرَ قَامَةِ الرَّجُلِ وَرَفْعِ يَدَيْهِ مَبْسُوطَةً فَوْقَ رَأْسِهِ ق ل وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: بِأَنْ يَقُومَ رَجُلٌ مُعْتَدِلٌ بَاسِطًا يَدَيْهِ مَرْفُوعَتَيْنِ؛ قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَأَشَارَ حَجّ إلَى أَنَّهُمَا مَنْصُوبَانِ خَبَرًا ل " يَكُونُ " الْمَحْذُوفَةِ، أَيْ وَأَنْ يَكُونَ التَّعْمِيقُ قَامَةً وَبَسْطَةً، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَنْصُوبَيْنِ ب يُعَمِّقُ عَلَى حَذْفُ مُضَافٍ وَإِقَامَةِ هَذَا مَقَامَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: قَدْرَ قَامَةٍ.
قَوْلُهُ: (لَهُمَا) أَيْ لِلْقَامَةِ وَالْبَسْطَةِ.
قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ) كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى ذِرَاعِ الْعَمَلِ وَمَا قَبْلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذِرَاعِ الْيَدِ فَلَا مُخَالَفَةَ، مَرْحُومِيٍّ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ يَنْقُصُ عَنْهُ ثُمُنُ ذِرَاعٍ لِأَنَّ ذِرَاعَ الْيَدِ أَرْبَعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا ثُمُنًا وَذِرَاعُ الْعَمَلِ يَزِيدُ عَلَى ذِرَاعِ الْيَدِ بِرُبْعِ ذِرَاعٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَا يَنْكَبَّ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " أَنْ يُسْنَدَ وَجْهَهُ وَرِجْلَاهُ إلَى جِدَارِ الْقَبْرِ " وَقَوْلُهُ: " وَلَا يَسْتَلْقِي " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَظَهْرُهُ إلَخْ " وَلَا يَجِبُ نَبْشُهُ لَوْ انْكَبَّ أَوْ اسْتَلْقَى بَعْدَ الدَّفْنِ، وَكَذَا لَوْ انْهَارَ الْقَبْرُ أَوْ التُّرَابُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَيَجُوزُ نَبْشُهُ وَإِصْلَاحُهُ أَوْ نَقْلُهُ إلَى مَحِلٍّ آخَرَ نَعَمْ لَوْ انْهَارَ عَلَيْهِ التُّرَابُ قَبْلَ تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ وَقَبْلَ سَدِّهِ وَجَبَ إصْلَاحُهُ اهـ بِرْمَاوِيٌّ مَسْأَلَةٌ عَنْ الْحُكَمَاءِ، وَذَكَرَهَا أَبُو دَاوُد الْحَكِيمُ: أَنَّ الْوَلَدَ إذَا دُفِنَ وَانْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ فَإِنَّ أُمَّهُ لَا تَحْبَلُ مَا دَامَ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ.
اهـ. كَنْزُ الْبَكْرِيِّ وَقَرَّرَهُ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَسُدَّ) وَقَضِيَّةُ نَدْبِهِ جَوَازُ إهَالَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ بِلَا سَدٍّ، وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ؛ لَكِنْ بَحَثَ آخَرُونَ وُجُوبَهُ كَمَا عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الْفِعْلِيُّ فَتَحْرُمُ تِلْكَ الْإِهَالَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِزْرَاءِ وَإِذَا حَرَّمُوا مَا دُونَ ذَلِكَ كَكَبِّهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهَذَا أَوْلَى، وَيَجْرِي مَا ذُكِرَ فِي تَسْقِيفِ الشِّقِّ شَرْحُ م ر وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ إذَا اُسْتُدْرِكَ عَلَى حُكْمٍ كَانَ مُعْتَمَدُهُ مَا بَعْدَ الِاسْتِدْرَاكِ اهـ وَقَالَ ز ي: إنْ لَزِمَ عَلَى عَدَمِ السَّدِّ إهَالَةُ التُّرَابِ عَلَى الْمَيِّتِ وَجَبَ وَإِلَّا نُدِبَ وَعَلَى كُلٍّ يُحْمَلُ كَلَامُ جَمْعٍ، وَإِذَا انْهَدَمَ الْقَبْرُ تَخَيَّرَ الْوَلِيُّ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: تَرْكُهُ وَإِصْلَاحُهُ وَنَقْلُهُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ وَأُلْحِقَ بِانْهِدَامِهِ انْهِيَارُ تُرَابِهِ عَقِبَ دَفْنِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ نَحْوُ سَبُعٍ أَوْ يَظْهَرُ مِنْهُ رِيحٌ وَإِلَّا وَجَبَ إصْلَاحُهُ قَطْعًا اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ فَرُشٌ) أَيْ كَمَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ التَّابُوتِ الَّذِي يُجْعَلُ فَوْقَ الْقَبْرِ، وَكَذَا تَقْبِيلُ الْقَبْرِ وَاسْتِلَامُهُ وَأَعْتَابِ الْأَوْلِيَاءِ عِنْدَ الدُّخُولِ لِزِيَارَتِهِمْ نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِتَقْبِيلِ أَضْرِحَتِهِمْ التَّبَرُّكَ لَا يُكْرَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ شَرْحُ م ر أج وَقَالَ ق ل: نَعَمْ يَحْرُمُ ذَلِكَ، أَيْ الْفَرْشُ، مِنْ مَالٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ كَصَبِيٍّ وَلَوْ مِنْ التَّرِكَةِ اهـ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَكُرِهَ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ فَرْشٌ " أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ، أَمَّا هُوَ فَلَا كَرَاهَةَ؛ قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: وَفُرِشَ لَهُ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةٌ كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ أَيْ وَبَرٌ وَكَانَتْ حَمْرَاءَ فَرَشَهَا لَهُ شَقْرَانُ مَوْلَاهُ بِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ «الْحَسَنِ: افْرِشُوا لِي قَطِيفَتِي فِي لَحْدِي فَإِنَّ الْأَرْضَ لَمْ تُسَلَّطْ عَلَى أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ» قَالَ وَكِيعٌ: هَذَا لِلنَّبِيِّ خَاصَّةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يُشَارِكُهُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " فَإِنَّ الْأَرْضَ إلَخْ " فَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّةِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنَّمَا أَمَرَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُفْرَشَ لَهُ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ كَمَا فَارَقَ الْأُمَّةَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ حَيَاتِهِ فَارَقَهُمْ فِي بَعْضِ أَحْكَامِ مَمَاتِهِ الَّتِي مِنْهَا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " فَإِنَّ الْأَرْضَ " أَيْ بَطْنَهَا " لَمْ تُسَلَّطْ عَلَى أَكْلِ أَجْسَادِ الْأَنْبِيَاءِ " وَحَقٌّ لِجَسَدٍ عَصَمَهُ اللَّهُ عَنْ الْبِلَى وَالتَّغَيُّرِ وَالِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُفْرَشَ لَهُ فِي قَبْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُفْرَشُ لِلْحَيِّ لِأَجَلِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَوْتِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي غَيْرِهِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يُعَارِضُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ فِي كَرَاهَةِ وَضْعِ فُرُشٍ تَحْتَ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ يَتَغَيَّرُ وَيَبْلَى، وَمَا فِي الِاسْتِيعَابِ مِنْ أَنَّهَا أُخْرِجَتْ قَبْلَ إهَالَةِ التُّرَابِ لَمْ يَثْبُتْ اهـ
فِي ذَلِكَ إضَاعَةَ مَالٍ، أَمَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَى صُنْدُوقٍ لِنَدَاوَةٍ وَنَحْوِهَا كَرَخَاوَةٍ فِي الْأَرْضِ فَلَا يُكْرَهُ وَلَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ إلَّا حِينَئِذٍ، وَلَا يُكْرَهُ دَفْنُهُ لَيْلًا مُطْلَقًا وَوَقْتَ كَرَاهَةِ صَلَاةٍ مَا لَمْ يَتَحَرَّهُ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ تَحَرَّاهُ كُرِهَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (وَلَا يُبْنَى) عَلَى الْقَبْرِ نَحْوُ قُبَّةٍ كَبَيْتٍ (وَلَا يُجَصَّصُ) أَيْ يُبَيَّضُ بِالْجِصِّ وَهُوَ الْجِبْسُ وَقِيلَ: الْجِيرُ وَالْمُرَادُ هُنَا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، أَيْ يُكْرَهُ الْبِنَاءُ وَالتَّجْصِيصُ لِلنَّهْيِ عَنْهُمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ.
وَخَرَجَ بِتَجْصِيصِهِ تَطْيِينُهُ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَتُكْرَهُ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كُتِبَ عَلَيْهِ اسْمُ صَاحِبِهِ أَمْ غَيْرِهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْقَبْرِ مِظَلَّةٌ لِأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَأَى قُبَّةً فَنَحَّاهَا وَقَالَ: دَعُوهُ يُظِلُّهُ عَمَلُهُ.
وَلَوْ بُنِيَ عَلَيْهِ فِي مَقْبَرَةٍ مُسْبَلَةٌ وَهِيَ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِالدَّفْنِ فِيهَا حُرِّمَ وَهُدِمَ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبْنِي قُبَّةً أَوْ بَيْتًا أَوْ مَسْجِدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَمِنْ الْمُسْبَلِ كَمَا قَالَ الدَّمِيرِيُّ قَرَافَةُ مِصْرَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: ذُكِرَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضَاعَةَ مَالٍ) وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمُ لِغَرَضٍ وَهُوَ إكْرَامُ الْمَيِّتِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ احْتَاجَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَا يُكْرَهُ دَفْنُهُ لَيْلًا مُطْلَقًا) أَيْ تَحَرَّاهُ أَوْ لَا وَفِي الْخَصَائِصِ: وَدُفِنَ بِاللَّيْلِ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّفْنَ لَيْلًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ خَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ: «لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا» أَيْ بِالدَّفْنِ لَيْلًا لِخَوْفِ انْفِجَارِ الْمَيِّتِ وَتَغَيُّرِهِ وَخِلَافُ الْأَوْلَى عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ وَتَأَوَّلُوا الْخَبَرَ بِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ رُخِّصَ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ.
1 -
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَحَرَّاهُ كُرِهَ) أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ كَمَا اعْتَمَدَهُ ع ش خِلَافًا لِلزِّيَادِيِّ، وَمَحِلُّهُ فِي غَيْرِ حَرَمِ مَكَّةَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ ح ل، وَفِي الشَّوْبَرِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ حَرَمِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُبْنَى) أَيْ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُسْبَلَةِ وَالْمَوْقُوفَةِ وَيَحْرُمُ فِيهِمَا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ، إلَّا إنْ خِيفَ نَبْشُهُ أَوْ تَخْرِقَةُ سَيْلٍ لَهُ فَلَا يُكْرَهُ حِينَئِذٍ وَلَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِأَجْلِ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْبَلَةِ وَغَيْرِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيّ.
اهـ. حَجّ وَلَوْ وُجِدَ بِنَاءٌ فِي أَرْضٍ مُسْبَلَةٍ وَلَمْ يُعْلَمْ أَصْلُهُ تُرِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ قِيَاسًا عَلَى مَا حَرَّرُوهُ فِي الْكَنَائِسِ وَمِنْ الْبِنَاءِ الْأَحْجَارُ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِتَرْكِيبِهَا نَعَمْ اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَنَحْوَهُمْ، بِرْمَاوِيٌّ وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ: نَعَمْ قُبُورُ الصَّالِحِينَ يَجُوزُ بِنَاؤُهَا وَلَوْ بِقُبَّةٍ الْأَحْيَاءِ لِلزِّيَارَةِ وَالتَّبَرُّكِ، قَالَ الْحَلَبِيُّ: وَلَوْ فِي مُسْبَلَةٍ، وَأَفْتَى بِهِ، وَقَالَ: أَمَرَ بِهِ الشَّيْخُ الزِّيَادِيُّ مَعَ وِلَايَتِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ، وَقَالَ: الْحَقُّ خِلَافُهُ وَقَدْ أَفْتَى الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِهَدْمِ مَا فِي الْقَرَافَةِ، وَيُسْتَثْنَى قُبَّةُ الْإِمَامِ لِكَوْنِهَا فِي دَارِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ اهـ وَيَظْهَرُ حَمْلُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى مَا إذَا عَرَفَ حَالَ الْبِنَاءِ فِي الْوَضْعِ، فَإِنْ جُهِلَ تُرِكَ حَمْلًا عَلَى وَضْعِهِ بِحَقٍّ كَمَا فِي الْكَنَائِسِ الَّتِي نُقِرُّ أَهْلَ الْكَنَائِسِ عَلَيْهَا فِي بِلَادِنَا وَجَهِلْنَا حَالَهَا، وَكَمَا فِي الْبِنَاءِ الْمَوْجُودِ عَلَى حَافَّاتِ الْأَنْهَارِ وَالشَّوَارِعِ اهـ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ بِحُرْمَةِ الْبِنَاءِ فِي الْمُسْبَلَةِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَقْرُبُ إلْحَاقُ الْمَوَاتِ بِهَا
لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِمَا لَا مَصْلَحَةَ وَلَا غَرَضَ شَرْعِيٌّ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَحْيَاءِ.
اهـ..
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَالْمُعْتَمَدُ نَدْبُهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا م د.
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَبْرِ وَلَوْ لِقُرْآنٍ بِخِلَافِ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْكَفَنِ فَحَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهُ لِلصَّدِيدِ وَمَحِلُّ كَرَاهَةِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقَبْرِ مَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهَا، وَإِلَّا بِأَنْ اُحْتِيجَ إلَى كِتَابَةِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ لِيُعْرَفَ فَيُزَارَ فَلَا يُكْرَهُ بِشَرْطِ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ لَا سِيَّمَا قُبُورُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَإِنَّهَا لَا تُعْرَفُ إلَّا بِذَلِكَ عِنْدَ تَطَاوُلِ السِّنِينَ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (مَظِلَّةٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الظَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ: مِنْ ظَلَّ يَظَلُّ.
قَوْلُهُ: (مُسَبَّلَةٍ) وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْمَوْقُوفَةِ لِصِدْقِ تَعْرِيفِهَا بِمَوَاتٍ اعْتَادُوا الدَّفْنَ فِيهِ، فَهَذَا يُسَمَّى مُسَبَّلًا لَا مَوْقُوفًا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُدِمَ) إلَّا إنْ اُحْتِيجَ إلَى الْبِنَاءِ فِيهَا لِخَوْفِ نَبْشِ سَارِقٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ تَخْرِقَةِ سَيْلٍ فَلَا يُهْدَمُ إلَّا مَا حُرِّمَ وَضْعُهُ، وَالْهَادِمُ لَهُ الْحَاكِمُ أَيْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ هَدْمُهُ دُونَ الْآحَادِ م ر وَقَالَ حَجّ: وَيَنْبَغِي أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ هَدْمُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُخْشَ مِنْهُ مَفْسَدَةٌ فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ لِلْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) وَمِنْهُ مَا اُعْتِيدَ مِنْ جَعْلِ أَرْبَعَةِ أَحْجَارٍ مُرَبَّعَةٍ
أَعْطَاهُ الْمُقَوْقَسُ فِيهَا مَالًا جَزِيلًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ فَكَاتَبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ إنِّي لَا أَعْرِفُ تُرْبَةَ الْجَنَّةِ إلَّا لِأَجْسَادِ الْمُؤْمِنِينَ فَاجْعَلُوهَا لِمَوْتَاكُمْ.
وَيُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ
[حاشية البجيرمي]
مُحِيطَةٍ بِالْقَبْرِ كَمَا فِي حَجّ، قَالَ سم: إلَّا إذَا كَانَتْ الْأَحْجَارُ الْمَذْكُورَةُ لِحِفْظِهِ مِنْ النَّبْشِ وَالدَّفْنِ عَلَيْهِ وَمِنْ الْمُحَرَّمِ زَرْعُ شَيْءٍ فِيهَا وَإِنْ تُيُقِّنَ بِلَى مَنْ بِهَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِغَيْرِ الدَّفْنِ فَيُقْلَعُ وُجُوبًا، وَقَوْلُ الْمُتَوَلِّي يَجُوزُ بَعْدَ الْبِلَى مَحْمُولٌ عَلَى الْمَمْلُوكَةِ.
اهـ. حَجّ أج.
قَوْلُهُ: (أَعْطَاهُ الْمُقَوْقَسُ) وَكَانَ كَافِرًا، وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ مِصْرَ.
قَوْلُهُ: (فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ) أَيْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ.
قَوْلُهُ: (تُرْبَةُ الْجَنَّةِ) أَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَوْلُهُ: (أَنْ يَرُشَّ) أَيْ عَقِبَ الدَّفْنِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَطَرَ لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِنَا لِأَدَاءِ السُّنَّةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ م ر خِلَافًا لحج بَابِلِيٍّ.
قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ) طَهُورٍ أَيْ طَاهِرٍ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ فِيهِ إزْرَاءٌ بِالْمَيِّتِ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ بِقَبْرِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ) وَمَاتَ إبْرَاهِيمُ وَلَدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَاخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ، فَقِيلَ: سَنَةٌ وَعَشْرَةُ أَشْهُرٍ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مَاتَ عِنْدَ ظِئْرِهِ أُمُّ بُرْدَةَ، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مُرْضِعَتَهُ، وَغَسَّلَتْهُ وَحَمَلَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهَا عَلَى سَرِيرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: غَسَّلَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَرِيرٍ؛ وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْأَثِيرِ: قِيلَ إنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - غَسَّلَ إبْرَاهِيمَ وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، قَالَ الزُّبَيْرُ: وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً، وَعَلَّمَ عَلَى قَبْرِهِ بِعَلَامَةٍ، وَهُوَ أَوَّلُ قَبْرٍ رُشَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ؛ وَفِيهِ أَنَّهُ رَشَّ عَلَى قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ بِالْمَاءِ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى سَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ وَصَلَّى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَلَقَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ غَرِيبٌ؛ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا عَلَى اسْتِحْبَابِ تَلْقِينِ الطِّفْلِ؛ قَالَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَئِمَّتِنَا: وَالْأَصْلُ فِي التَّلْقِينِ مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَفَنَ إبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْ اللَّهُ رَبِّي وَرَسُولُ اللَّهِ أَبِي وَالْإِسْلَامُ دِينِي فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْتَ تُلَقِّنُهُ فَمَنْ يُلَقِّنُنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27] » أَيْ وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَفَنَ وَلَدَهُ إبْرَاهِيمَ وَقَفَ عَلَى قَبْرِهِ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ إنَّ الْقَلْبَ يَحْزَنُ وَالْعَيْنَ تَدْمَعُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، يَا بُنَيَّ قُلْ اللَّهُ رَبِّي وَالْإِسْلَامُ دِينِي وَرَسُولُ اللَّهِ أَبِي فَبَكَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمِنْهُمْ عُمَرُ حَتَّى ارْتَفَعَ صَوْتُهُ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يُبْكِيك يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا وَلَدُك وَمَا بَلَغَ الْحُلُمَ وَلَا جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ وَيَحْتَاجُ إلَى تَلْقِينِ مِثْلِك تُلَقِّنُهُ التَّوْحِيدَ فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ، فَمَا حَالُ عُمَرَ وَقَدْ بَلَغَ الْحُلُمَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ وَلَيْسَ لَهُ مُلَقِّنٌ مِثْلُك؟ فَبَكَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَكَتْ الصَّحَابَةُ مَعَهُ، وَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27] » يُرِيدُ بِذَلِكَ وَقْتَ الْمَوْتِ، أَيْ وَعِنْدَ وُجُودِ الْفَتَّانِينَ وَعِنْدَ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ، فَتَلَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْآيَةَ فَطَابَتْ الْأَنْفُسُ وَسَكَنَتْ الْقُلُوبُ وَشَكَرُوا اللَّهَ " وَفِيهِ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُلَقِّنْ أَحَدًا قَبْلَ وَلَدِهِ وَهَذَا الْحَدِيثُ اسْتَنَدَ إلَيْهِ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْأَطْفَالَ يُسْأَلُونَ فِي الْقَبْرِ فَيُسَنُّ تَلْقِينُهُمْ وَذَهَبَ جَمْعٌ إلَى أَنَّهُمْ لَا يُسْأَلُونَ وَأَنَّ السُّؤَالَ خَاصٌّ بِالْمُكَلَّفِ، وَبِهِ أَفْتَى الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ اخْتِصَاصُ السُّؤَالِ بِمِنْ يَكُونُ مُكَلَّفًا، يُوَافِقُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ: التَّلْقِينُ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ الْمُكَلَّفِ أَمَّا الصَّبِيُّ وَنَحْوُهُ فَلَا يُلَقَّنُ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْأَطْفَالَ يُسْأَلُونَ وَأَنَّ الْعَقْلَ يُكَمَّلُ لَهُمْ، وَذَكَرَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ مُصَرِّحَةٌ بِسُؤَالِ الْكَافِرِ، وَيُخَالِفُهُ قَوْلُهُمْ حِكْمَةُ السُّؤَالِ تَمْيِيزُ الْمُؤْمِنِ مِنْ الْمُنَافِقِ الَّذِي كَانَ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا الْجَاحِدُ الْكَافِرُ فَلَا يُسْأَلُ، قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يُسْأَلُونَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ إنَّمَا يَمُوتُونَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، أَيْ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ يَقَعُ مِنْهُ السُّؤَالُ، وَأَمَّا عَذَابُ الْقَبْرِ فَعَامٌّ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ فَعُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ فِتْنَةِ الْقَبْرِ
بِقَبْرِ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا بَارِدًا، وَخَرَجَ بِالْمَاءِ مَاءُ الْوَرْدِ فَالرَّشُّ بِهِ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: لَا بَأْسَ بِيَسِيرٍ مِنْهُ إنْ قَصَدَ بِهِ حُضُورَ الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهَا تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَانِعُ مِنْ حُرْمَةِ
[حاشية البجيرمي]
وَعَذَابِهِ وَهُوَ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَكُونُ بِامْتِحَانِ الْمَيِّتِ بِالسُّؤَالِ وَأَمَّا الْعَذَابُ فَعَامٌّ يَكُونُ نَاشِئًا عَنْ عَدَمِ جَوَابِ السُّؤَالِ وَيَكُونُ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: يُكَرَّرُ السُّؤَالُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي بَعْضِهَا: إنَّ الْمُؤْمِنَ يُسْأَلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالْمُنَافِقُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَيْ قَدْ يَقَعُ ذَلِكَ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ: أَنَّ فَتَّانِي الْقَبْرِ أَرْبَعَةٌ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ يَكُونَانِ لِلْمُنَافِقِ، وَمُبَشِّرٌ وَبَشِيرٌ يَكُونَانِ لِلْمُؤْمِنِ وَنَقَلَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ عَنْ شَيْخِهِ الْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ السُّؤَالَ يَكُونُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَاسْتَغْرَبَهُ وَقَالَ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَفِي كَلَامِ الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ لَمْ يَثْبُتْ فِي التَّلْقِينِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَا حَسَنٌ بَلْ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَلِهَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُمَّةِ إلَى أَنَّ التَّلْقِينَ بِدْعَةٌ وَآخِرُ مَنْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَإِنَّمَا اسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْإِمَامِ السُّبْكِيّ حَدِيثُ تَلْقِينِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِهِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، أَيْ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ ح ل فِي السِّيرَةِ وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى وَنَقَلَهَا ع ش عَلَى م ر: سُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَا مُحَصِّلُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَطْفَالِ هَلْ هُمْ فِي الْجَنَّةِ خُدَّامٌ لِأَهْلِهَا ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَهَلْ تَتَفَاضَلُ دَرَجَاتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَمَّا أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فَفِي الْجَنَّةِ قَطْعًا بَلْ إجْمَاعًا وَالْخِلَافُ فِيهِ شَاذٌّ بَلْ غَلَطٌ، وَأَمَّا أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فَفِيهِمْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15] الثَّانِي: أَنَّهُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، وَنَسَبَهُ النَّوَوِيُّ لِلْأَكْثَرِينَ لَكِنَّهُ نُوزِعَ فِيهِ الثَّالِثُ: الْوُقُوفُ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ الرَّابِعُ: أَنَّهُمْ يُجْمَعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُؤَجَّجُ لَهُمْ نَارٌ يُقَالُ اُدْخُلُوهَا، فَيَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ إلَخْ اهـ مُلَخَّصًا وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ: هَلْ يُعَذَّبُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ؟ وَهَلْ وَرَدَ أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَأَنَّ الْقَبْرَ يَضُمُّهُمْ؟ وَإِذَا قُلْتُمْ بِذَلِكَ فَهَلْ يَتَأَلَّمُونَ بِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَوْلُ الْقَائِلِ إنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ مُعَذَّبُونَ مُصِيبٌ فِيهِ أَمْ هُوَ مُخْطِئٌ؟ وَمَا الْحُكْمُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ هَلْ هُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ أَمْ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ أَمْ غَيْرُ هَذَا؟ فَأَجَابَ: لَا يُعَذَّبُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي، إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وَالْعَذَابُ عَلَى ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُكَلَّفِينَ، وَلَا يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ كَمَا عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ؛ وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَلِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ قَوْلٌ إنَّ الطِّفْلَ يُسْأَلُ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا لَا يَصِحُّ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَّنَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ؛ وَلَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الطِّفْلِ: «اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ مَا فِيهِ عُقُوبَةٌ وَلَا السُّؤَالُ بَلْ مُجَرَّدَ أَلَمِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْوَحْشَةِ وَالضَّغْطَةِ الَّتِي تَعُمُّ الْأَطْفَالَ وَغَيْرَهُمْ وَأَخْرَجَ عَلِيُّ بْنُ مَعِينٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: كُنْت عِنْدَ عَائِشَةَ فَمَرَّتْ جِنَازَةُ صَبِيٍّ صَغِيرٍ، فَبَكَتْ، فَقُلْت لَهَا: مَا يُبْكِيك؟ قَالَتْ: هَذَا الصَّبِيُّ بَكَيْتُ شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ وَالْقَائِلُ الْمَذْكُورُ إنْ أَرَادَ ب يُعَذَّبُونَ بِالنَّارِ أَوْ عَلَى الْمَعَاصِي فَغَيْرُ مُصِيبٍ بَلْ هُوَ مُخْطِئٌ أَشَدَّ الْخَطَأِ لِمَا تَقَرَّرَ وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ عَلَى نَحْوِ عَشْرَةِ أَقْوَالٍ، الرَّاجِحُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بَارِدًا) وَالْمَعْنَى فِيهِ التَّفَاؤُلُ بِتَبْرِيدِ الْمُضْطَجِعِ وَحِفْظِ التُّرَابِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ السُّبْكِيُّ لَا بَأْسَ بِيَسِيرٍ مِنْهُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ بِهِ حُضُورَ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ فَلَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا بَلْ يُسْتَحَبُّ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ؛ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا كَانَ مُبَاحًا وَإِنْ
إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَيُسَنُّ وَضْعُ الْجَرِيدِ الْأَخْضَرِ عَلَى الْقَبْرِ وَكَذَا الرَّيْحَانُ وَنَحْوُهُ مِنْ الشَّيْءِ الرَّطْبِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْغَيْرِ أَخْذُهُ مِنْ عَلَى الْقَبْرِ قَبْلَ يُبْسِهِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ إلَّا عِنْدَ يُبْسِهِ لِزَوَالِ نَفْعِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَقْتَ رُطُوبَتِهِ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ، وَأَنْ يَضَعَ عِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرًا أَوْ خَشَبَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ عِنْدَ رَأْسِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ صَخْرَةً وَقَالَ: أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي لِأَدْفِنَ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» وَيُنْدَبُ جَمْعُ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمَقْبَرَةِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَى الزَّائِرِ، وَالدَّفْنُ فِي الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِغَيْرِهَا لِيَنَالَ الْمَيِّتُ دُعَاءَ الْمَارِّينَ وَالزَّائِرِينَ، وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْوَحْشَةِ
[حاشية البجيرمي]
كَانَ كَثِيرًا كُرِهَ تَنْزِيهًا م د.
قَوْلُهُ: (وَلَعَلَّ هَذَا) أَيْ قَصَدَ حُضُورَ الْمَلَائِكَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الشَّيْءِ الرَّطْبِ) عُمُومُهُ شَامِلٌ لِنَحْوِ عُرُوقِ الْجَزَرِ كَوَرَقِ الْخَسِّ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَاللِّفْتِ؛ لِأَنَّهُ يُخَفِّفُ عَنْ الْمَيِّتِ بِبَرَكَةِ تَسْبِيحِهِ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ لِلْغَيْرِ) أَيْ لِغَيْرِ وَاضِعِهِ، أَمَّا وَاضِعُهُ فَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا.
اهـ. م د وَقَوْلُهُ " مُطْلَقًا " أَيْ سَوَاءٌ يَبِسَ أَوْ لَمْ يَيْبَسْ، لَكِنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي حَاشِيَةِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الشَّيْءُ الْأَخْضَرُ قَلِيلًا كَخُوصَةٍ أَوْ خُوصَتَيْنِ مَثَلًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَهُوَ أَخْضَرُ لِأَنَّهُ صَارَ حَقًّا لِلْمَيِّتِ فَحُرِّمَ أَخْذُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ؛ فَيَجُوزُ لِمَنْ وَضَعَ خُوصًا كَثِيرًا مَثَلًا عَلَى قَبْرٍ الْأَخْذُ مِنْهُ لِيَضَعَهُ عَلَى قَبْرٍ آخَرَ وَهَكَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْخُوصُ مَثَلًا أَخْضَرَ لَمْ يَيْبَسْ وَكَانَ الْآخِذُ لَهُ مَالِكَهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ عَلَى الْقَبْرِ) " عَلَى " اسْمٌ بِمَعْنَى " فَوْقَ " فَلِذَا جَازَ دُخُولُ " مِنْ " عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَالْحَرْفُ لَا يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلَى الْحَرْفِ كَقَوْلِهِ:
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظَمْؤُهَا
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ) أَيْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَأَمَّا هُوَ فَيُسَبِّحُ سَوَاءٌ كَانَ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا؛ لَكِنَّ تَسْبِيحَ الرَّطْبِ أَكْثَرُ مِنْ الْيَابِسِ، وَيُصَرِّحُ بِهِ مَا وَرَدَ: " إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ " لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ الْجَرِيدِ، فَيُحَرَّرُ.
قَوْلُهُ: (أَتَعَلَّمُ) أَيْ أَجْعَلُهَا عَلَامَةً عَلَى قَبْرِ أَخِي فَهُوَ مِنْ تَعَلَّمَ بِمَعْنَى جَعَلَ لَهُ عَلَامَةً، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: أَتَعَلَّمَ أَيْ أَعْلَمَ مِنْ الْعَلَامَةِ، وَاَلَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ " نُعْلِمُ " بِضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ مِنْ الْإِعْلَامِ اهـ.
قَوْلُهُ: (قَبْرَ أَخِي) أَيْ مِنْ الرَّضَاعِ، رَضَعَ مَعَهُ عَلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ لَهُ أَخٌ وَلَا أُخْتٌ مِنْ النَّسَبِ وَقَدْ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ آمِنَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَلِدَا غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. اهـ. زُرْقَانِيٌّ وَنَقَلَهُ م د.
قَوْلُهُ: (لِأَدْفِنَ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي) قَضِيَّتُهُ نَدْبُ عِظَمِ الْحَجَرِ وَمِثْلُهُ نَحْوُهُ، وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْقَصْدَ بِذَلِكَ مَعْرِفَةُ قَبْرِ الْمَيِّتِ عَلَى الدَّوَامِ، وَلَا يَثْبُتُ كَذَلِكَ إلَّا الْعَظِيمُ؛ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ، اسْتِحْبَابَهُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَالدَّفْنُ بِالْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ) وَإِنَّمَا دُفِنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِهِ لِأَنَّ مِنْ خَوَاصِّ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ وَكَذَا الشُّهَدَاءُ سم وَلَوْ قَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ: يُدْفَنُ فِي مِلْكِهِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: فِي الْمَقْبَرَةِ: أُجِيبَ طَالِبُهَا.
اهـ. بَابِلِيٌّ وَقَوْلُهُ أَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ أَيْ حَيْثُ أَمْكَنَ الدَّفْنُ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ نُقِلُوا كَأَنْ مَاتَ عَلَى سَقْفٍ لَا يَتَأَتَّى الدَّفْنُ فِيهِ فَالظَّاهِرُ دَفْنُهُمْ تَحْتَ الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتُوا فِيهِ بِحَيْثُ يُحَاذِيهِ كَمَا فِي ع ش وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْيَاءَ يَقُولُ: مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ» ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ؛ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا دَنَا فِرَاقُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اجْتَمَعَتْ أَصْحَابُهُ عِنْدَهُ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، ثُمَّ قُلْنَا لَهُ: فَمَنْ يُغَسِّلُك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي قُلْنَا: فَفِي أَيِّ شَيْءٍ نُكَفِّنُك فِيهِ؟ قَالَ: فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ إنْ شِئْتُمْ أَوْ فِي حُلَّةٍ يَمَانِيَةٍ قُلْنَا: مَنْ يُصَلِّي عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا؟ قَالَ: مَهْلًا مَهْلًا غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ إذَا أَنْتُمْ غَسَّلْتُمُونِي وَكَفَّنْتُمُونِي ضَعُونِي عَلَى سَرِيرِي هَذَا عَلَى شَفِيرِ لَحْدِي ثُمَّ اُخْرُجُوا عَنِّي سَاعَةً فَأَوَّلُ مَنْ يُصَلِّي عَلِيَّ رَبِّي ثُمَّ خَلِيلِي جِبْرِيلُ ثُمَّ مِيكَائِيلُ ثُمَّ إسْرَافِيلُ ثُمَّ عِزْرَائِيلُ ثُمَّ جُنُودُهُمْ ثُمَّ اُدْخُلُوا عَلَيَّ فَوْجًا وَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ثُمَّ نِسَاؤُهُمْ ثُمَّ أَنْتُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَقَالَ عَلِيٌّ: مَنْ
وَيُنْدَبُ زِيَارَةُ الْقُبُورِ الَّتِي فِيهَا الْمُسْلِمُونَ لِلرِّجَالِ بِالْإِجْمَاعِ وَكَانَتْ زِيَارَتُهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» وَيُكْرَهُ زِيَارَتُهَا لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِطَلَبِ بُكَائِهِنَّ وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ، نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُنَّ زِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالشُّهَدَاءِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُسَلِّمَ
[حاشية البجيرمي]
يُغَسِّلُك يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: أَنْتَ يَا عَلِيُّ تُغَسِّلُنِي وَابْنُ عَبَّاسٍ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيَّ وَجِبْرِيلُ يَأْتِيك بِحَنُوطٍ مِنْ الْجَنَّةِ» قَالَ: ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُوِّلَ فِرَاشُهُ وَحُفِرَ لَهُ وَدُفِنَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَفَّاهُ اللَّهُ فِيهِ، وَكَانَ دَفْنُهُ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ مِنْ وَسَطِ اللَّيْلِ وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهَا مِنْ الْوَحْشَةِ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُقَيَّدَةٌ بِأَمْرَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ بِهَا سَكَنٌ وَأَنْ يَبِيتَ وَحْدَهُ لَا مَعَ جَمَاعَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ لِانْتِفَاءِ الْوَحْشَةِ م د
قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ زِيَارَةُ الْقُبُورِ) فَرْعٌ: رُوحُ الْمُؤْمِنِ لَهَا ارْتِبَاطٌ بِقَبْرِهِ لَا تُفَارِقُهُ أَبَدًا، لَكِنَّهَا أَشَدُّ ارْتِبَاطًا بِهِ مِنْ عَصْرِ الْخَمِيسِ إلَى شَمْسِ السَّبْتِ؛ وَلِذَلِكَ اعْتَادَ النَّاسُ الزِّيَارَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَفِي عَصْرِ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَأَمَّا زِيَارَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِشُهَدَاءَ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ فَلِضِيقِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَمَّا يُطْلَبُ فِيهِ مِنْ الْأَعْمَالِ مَعَ بُعْدِهِمْ عَنْ الْمَدِينَةِ.
اهـ. ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْتُونَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَقِفُونَ بِحِذَاءِ بُيُوتِهِمْ وَيُنَادِي كُلُّ وَاحِدٍ بِصَوْتٍ حَزِينٍ أَلْفَ مَرَّةٍ يَا أَهْلِي وَأَقَارِبِي وَوَلَدِي يَا مَنْ سَكَنُوا بُيُوتَنَا وَلَبِسُوا ثِيَابَنَا وَاقْتَسَمُوا أَمْوَالَنَا هَلْ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَذْكُرُنَا وَيُفَكِّرُنَا فِي غُرْبَتِنَا وَنَحْنُ فِي سِجْنٍ طَوِيلٍ وَحِصْنٍ شَدِيدٍ؟ فَارْحَمُونَا يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ وَلَا تَبْخَلُوا عَلَيْنَا قَبْلَ أَنْ تَصِيرُوا مِثْلنَا يَا عِبَادَ اللَّهِ إنَّ الْفَضْلَ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ كَانَ فِي أَيْدِينَا وَكُنَّا لَا نُنْفِقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحِسَابُهُ وَوَبَالُهُ عَلَيْنَا وَالْمَنْفَعَةُ لِغَيْرِنَا؛ فَإِنْ لَمْ تَنْصَرِفْ أَيْ الْأَرْوَاحُ بِشَيْءٍ فَيَنْصَرِفُونَ بِالْحَسْرَةِ وَالْحِرْمَانِ» اهـ مِنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي فِيهَا الْمُسْلِمُونَ) أَمَّا زِيَارَةُ قُبُورِ الْكُفَّارِ فَمُبَاحَةٌ، وَقِيلَ مُحَرَّمَةٌ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ نَعَمْ إنْ كَانَتْ الزِّيَارَةُ بِقَصْدِ الِاعْتِبَارِ وَتَذَكُّرِ الْمَوْتِ كَانَتْ مَنْدُوبَةً مُطْلَقًا إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ زِيَارَتُهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا إلَخْ) فَقَوْلُهُ: " نَهَيْتُكُمْ " خُطَّابٌ لِلرِّجَالِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، فَلَا يُنْدَبُ لَهُنَّ زِيَارَتُهَا بَلْ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ إنْ اشْتَمَلَتْ زِيَارَتُهُنَّ عَلَى تَعْدِيدٍ وَبُكَاءٍ وَنَوْحٍ زِيَادَةً عَلَى عَادَتِهِنَّ، وَإِلَّا فَكَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَيُسْتَثْنَى قُبُورُ الْأَنْبِيَاءِ، فَتُسَنُّ لَهُنَّ زِيَارَتُهَا، وَأُلْحِقَ بِهِمْ قُبُورُ الْأَوْلِيَاءِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَتِهَا لِحَدَثَانِ عَهْدِكُمْ بِالْكُفْرِ، وَأَمَّا الْآنَ فَحَيْثُ انْمَحَتْ آثَارُ الْجَاهِلِيَّةِ وَاسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ وَصِرْتُمْ أَهْلَ يَقِينٍ وَتَقْوَى فَزُورُوهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ تَمْسِيحٌ بِقَبْرٍ أَوْ تَقْبِيلُهُ أَوْ سُجُودٌ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ دَأْبُ النَّصَارَى؛ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ قَالَ السُّبْكِيُّ: فِعْلُ ذَلِكَ بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ إنَّمَا يَفْعَلُهَا الْجُهَّالُ وَقَدْ رَوَى الْحَكِيمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَكَانَ بَارًّا بِوَالِدِيهِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ أَحَدِهِمَا فَقَرَأَ عِنْدَهُ يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ غُفِرَ لَهُ بِعَدَدِ ذَلِكَ آيَةً وَحَرْفًا» وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ كَحَجَّةٍ» وَرُوِيَ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ وَهُوَ عَاقٌّ لَهُمَا فَيَدْعُو اللَّهَ لَهُمَا مِنْ بَعْدِهِمَا فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ مِنْ الْبَارِّينَ» فَأَفَادَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ أَنَّ مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ كَانَ بَارًّا لَهُمَا غَيْرَ عَاقٍّ وَلَا مُضَيَّعَ حَقِّهِمَا قَالَ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ: وَالزِّيَارَةُ لِأَدَاءِ الْحَقِّ كَزِيَارَةِ قَبْرِ الْوَالِدَيْنِ يُسَنُّ شَدُّ الرَّحَّالِ إلَيْهَا تَأْدِيَةً لِهَذَا الْحَقِّ، وَكَانَ ابْنُ وَاسِعٍ يَزُورُ الْقُبُورَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِطَلَبِ بُكَائِهِنَّ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ " لِبُكَائِهِنَّ " وَيَحْذِفُ " لِطَلَبِ ".
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُنَّ زِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ فِي الْخَصَائِصِ: وَلَا يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا يُكْرَهُ لَهُنَّ زِيَارَةُ سَائِرِ الْقُبُورِ أَيْ بَاقِيهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ زِيَارَةُ قَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِخَبَرِ: «مَنْ حَجَّ وَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَّاتِي»
الزَّائِرُ لِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَقْبِلًا وَجْهَ الْمَيِّتِ قَائِلًا مَا عَلَّمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ إذَا خَرَجُوا لِلْمَقَابِرِ: «السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» أَوْ «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَزَادَ أَبُو دَاوُد «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ» لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ وَقَوْلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِلتَّبَرُّكِ، وَيَقْرَأُ عِنْدَهُمْ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ فِي مَحِلِّ الْقِرَاءَةِ وَالْمَيِّتُ كَحَاضِرٍ تُرْجَى لَهُ الرَّحْمَةُ وَيَدْعُو لَهُ عَقِبَ الْقِرَاءَةِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَهُوَ عَقِبُ الْقِرَاءَةِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَأَنْ يَقْرُبَ زَائِرَهُ مِنْهُ كَقُرْبِهِ مِنْهُ فِي زِيَارَتِهِ حَيًّا احْتِرَامًا لَهُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الزِّيَارَةِ وَأَنْ يُكْثِرَ الْوُقُوفَ عِنْدَ قُبُورِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ
(وَلَا
[حاشية البجيرمي]
وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ إلَيْهِ مَيِّتًا كَهِيَ إلَيْهِ حَيًّا وَأَخَذَ مِنْهُ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ يُسَنُّ زِيَارَتُهُ حَتَّى لِلنِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لَهُنَّ مَكْرُوهَةً، وَأَطَالَ فِي إبْطَالِ مَا زَعَمَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ مِنْ حُرْمَةِ السَّفَرِ لِزِيَارَتِهِ حَتَّى عَلَى الرِّجَالِ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (وَالشُّهَدَاءِ) عَطْفُ خَاصٍّ لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الصُّلَحَاءِ وَمِثْلُهُمْ الْعُلَمَاءُ.
قَوْلُهُ: (السَّلَامُ) بَدَلٌ مِنْ " مَا ".
قَوْلُهُ: (الْعَافِيَةُ) أَيْ مِنْ الْعَذَابِ.
قَوْلُهُ: (دَارَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَهُوَ أَفْصَحُ، أَوْ النِّدَاءِ وَبِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ " كَمْ " شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّبَرُّكِ) فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ مَا فَائِدَةُ الْمَشِيئَةِ مَعَ أَنَّ اللُّحُوقَ مَقْطُوعٌ بِهِ وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَشِيئَةَ لِلُّحُوقِ فِي الْوَفَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ أَوْ لِلُّحُوقِ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْرَأُ عِنْدَهُمْ مَا تَيَسَّرَ) وَقَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْإِخْلَاص إحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ أَهْدَى ثَوَابَهَا لِأَهْلِ مَقْبَرَةٍ غُفِرَ لَهُ ذُنُوبٌ بِعَدَدِهِمْ.
اهـ. ق ل وَقَدْ نَقَلَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ أَنَّ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةَ الثَّلَاثَةَ عَلَى وُصُولِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ، لَكِنْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ عَدَمُ الْوُصُولِ وَفِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ وَحَوَاشِيه: وَيَنْفَعُهُ أَيْ الْمَيِّتَ مِنْ وَارِثٍ وَغَيْرِهِ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ بِالْإِجْمَاعِ وَغَيْرَهُ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] فَعَامٌّ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ أَيْ بِالْإِجْمَاعِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ مَنْسُوخٌ؛ وَالَأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ شَرْعُ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: 36] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] إلَخْ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَكَمَا يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ بِذَلِكَ يَنْتَفِعُ الْمُتَصَدِّقُ وَالدَّاعِي وَيَحْصُلُ لَهُ أَيْ الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ إذَا نَوَاهُ أَوْ قَرَأَ عِنْدَهُ أَوْ دَعَا لَهُ عَقِبَهَا اهـ ثُمَّ إنَّ مَحِلَّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يُخْرِجْهُ مَخْرَجَ الدُّعَاءِ، كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ قِرَاءَتِي لِفُلَانٍ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ إجْمَاعًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَدْخَلِ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَهَا أَوْ جُزْءًا مِنْهَا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمَجْعُولِ لَهُ شَيْءٌ وَعِبَارَةُ الْخَازِنِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا مَنْسُوخُ الْحُكْمِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] فَأُدْخِلَ الْأَبْنَاءُ الْجَنَّةَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ؛ وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِقَوْمِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَلَهَا مَا سَعَوْا وَمَا سَعَى لَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ «امْرَأَةً رَفَعَتْ صَبِيًّا لَهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْهُ: أَنَّ «رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» اهـ.
قَوْلُهُ: (كَحَاضِرٍ) أَيْ كَحَيٍّ حَاضِرٍ، وَإِلَّا فَهُوَ حَاضِرٌ لَكِنْ لَيْسَ كَحُضُورِ الْحَيِّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا نَوَى ثَوَابَ قِرَاءَةٍ لَهُ أَوْ دَعَا عَقِبَهَا بِحُصُولِ ثَوَابِهَا لَهُ أَوْ قَرَأَ عِنْدَ قَبْرِهِ حَصَلَ لَهُ مِثْلُ ثَوَابِ قِرَاءَتِهِ وَحَصَلَ لِلْقَارِئِ أَيْضًا الثَّوَابُ، فَلَوْ سَقَطَ ثَوَابُ الْقَارِئِ لَسَقَطَ كَأَنْ غَلَبَ الْبَاعِثُ الدُّنْيَوِيُّ كَقِرَاءَتِهِ بِأُجْرَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ مِثْلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَيِّتِ؛ وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِلْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَلَمْ يَنْوِهِ وَلَا دَعَا لَهُ بَعْدَهَا وَلَا قَرَأَ عِنْدَ قَبْرِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْ وَاجِبِ الْإِجَارَةِ وَهَلْ يَكْفِي نِيَّةُ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِهَا وَإِنْ تَخَلَّلَ فِيهَا سُكُوتٌ؟ يَنْبَغِي نَعَمْ، إذَا عَدَّ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ تَوَابِعِهِ، سم عَلَى حَجّ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الزِّيَارَةِ) وَلَا يُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي الْمَقْبَرَةِ وَلَوْ بِالنَّعْلِ إلَّا فِي مَنْبُوشَةٍ رَطْبَةٍ فَيَحْرُمُ مِنْ غَيْرِ نَعْلٍ
بَأْسَ بِالْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ) قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: وَالْبُكَاءُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْلَى مِنْ بَعْدِهِ لَكِنْ الْأَوْلَى عَدَمُهُ بِحَضْرَةِ الْمُحْتَضَرِ، وَالْبُكَاءُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَلَكِنْ يَكُونُ (مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ) وَهُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالنَّدْبِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَهُوَ حَرَامٌ لِخَبَرِ: «النَّائِحَةُ إذَا لَمْ تَتُبْ تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالسِّرْبَالُ الْقَمِيصُ وَالدِّرْعُ قَمِيصٌ فَوْقَهُ (وَلَا شَقِّ جَيْبٍ) وَنَحْوِهِ كَنَشْرِ شَعْرٍ وَتَسْوِيدِ وَجْهٍ وَإِلْقَاءِ رَمَادٍ عَلَى رَأْسٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِإِفْرَاطٍ فِي اُلْبُكَا، أَيْ يَحْرُمُ ذَلِكَ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» وَالْجَيْبُ هُوَ تَقْوِيرُ مَوْضِعِ دُخُولِ رَأْسِ
[حاشية البجيرمي]
لِلتَّنْجِيسِ
قَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا عَذَابَ لِأَنَّ الْبَأْسَ الْعَذَابُ، وَقَوْلُهُ " بِالْبُكَا إلَخْ " لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَكَى عَلَى وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَقَالَ: إنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِك يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» وَبَكَى عَلَى قَبْرِ بِنْتٍ لَهُ وَزَارَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِالْبُكَاءِ) بِالْقَصْرِ وَالْمَدِّ فَهُوَ بِالْقَصْرِ نُزُولُ الدُّمُوعِ وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَبِالْمَدِّ رَفْعُ الصَّوْتِ وَهَذَا أَيْضًا لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ وَلَا شَقِّ جَيْبٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا.
قَوْلُهُ: (وَالْبُكَاءُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْلَى مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لَا أَنَّهُ مَطْلُوبٌ وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْبُكَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ مَكْرُوهٌ، كَمَا نَقَلَهُ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ لِخَبَرِ: «فَإِذَا وَجَبَتْ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ قَالُوا: وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمَوْتُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ؛ لَكِنْ نُقِلَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَبَحَثَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَ اُلْبُكَا لِرِقَّةٍ عَلَى الْمَيِّتِ وَمَا يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يُكْرَهْ وَلَا يَكُونُ خِلَافَ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ لِلْجَزَعِ وَعَدَمِ التَّسْلِيمِ لِلْقَضَاءِ فَيُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ؛ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْبُكَاءِ بِصَوْتٍ، أَمَّا مُجَرَّدُ دَمْعِ الْعَيْنِ فَلَا مَنْعَ مِنْهُ، وَاسْتَثْنَى الرُّويَانِيُّ مَا إذَا غَلَبَهُ الْبُكَاءُ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ الْبَشَرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنْ كَانَ لِمَحَبَّةٍ وَرِقَّةٍ كَالْبُكَا عَلَى الطِّفْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَالصَّبْرُ أَجْمَلُ، وَإِنْ كَانَ لِمَا فُقِدَ مِنْ عِلْمِهِ وَصَلَاحِهِ وَبَرَكَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ فَيَظْهَرُ اسْتِحْبَابُهُ أَوْ لِمَا فَاتَهُ مِنْ بِرِّهِ وَقِيَامِهِ بِمَصَالِحِهِ فَيَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ لِتَضَمُّنِهِ عَدَمَ الثِّقَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (بِالنَّدْبِ) أَيْ بِتَعْدِيدِ مَحَاسِنِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: وَاكَهْفَاهُ وَاجَمَلَاهُ وَاسَنَدَاهُ،.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ النَّائِحَةِ إذَا لَمْ تَتُبْ إلَخْ) وَجَاءَ: " تَخْرُجُ النَّائِحَةُ مِنْ قَبْرِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَعْثَاءَ غَبْرَاءَ عَلَيْهَا جِلْبَابٌ مِنْ لَعْنَةٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ وَاضِعَةً يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا تَقُولُ وَيْلَاه " وَجَاءَ: " لَا تُقْبِلُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى نَائِحَةٍ " وَجَاءَ: " لَيْسَ لِلنِّسَاءِ فِي اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ أَجْرٌ " ح ل.
قَوْلُهُ: (قَطِرَانٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الطَّاءِ وَسُكُونِهَا وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي اشْتِعَالِ النَّارِ م ر وَهُوَ مَا يُدَاوَى بِهِ الْإِبِلُ الْجَرْبَى، وَهُوَ أَسْوَدُ مُنْتِنٌ تُشْعَلُ فِيهِ النَّارُ بِسُرْعَةٍ تُطْلَى بِهِ جُلُودُ أَهْلِ النَّارِ؛ فَشُبِّهَ طِلَاؤُهَا بِهِ بِالْقَمِيصِ بِجَامِعِ الْإِحَاطَةِ فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا لَذْعُ الْقَطِرَانِ وَنَتْنُ رِيحِهِ مَعَ إسْرَاعِ النَّارِ فِي جِلْدِهَا كَمَا فِي الْبَيْضَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَوْقَهُ) الصَّوَابُ حَذْفُهُ، إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَرَبَ مُحِيطٌ بِجِلْدِهَا كَالدِّرْعِ وَالْقَطِرَانُ مَطْلِيٌّ بِهِ كَالْقَمِيصِ، فَاَلَّذِي يَكُونُ فَوْقَ الْآخَرِ هُوَ الْقَطِرَانُ الْمُشَبَّهُ بِالسِّرْبَالِ لَا الْجَرَبُ الْمُشَبَّهُ بِالدِّرْعِ، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِإِفْرَاطٍ فِي اُلْبُكَا) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ، أَيْ مَعَ إفْرَاطٍ فِي اُلْبُكَا أَيْ جَرَيَانِ الدُّمُوعِ فَهُوَ بِالْقَصْرِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ مِنَّا) مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ أَوْ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ وَقَالَ وَلِيُّ اللَّهِ الْكَبِيرُ الشَّعْرَانِيُّ: لَيْسَ مِنَّا أَيْ عَلَى طَرِيقَتِنَا، وَعِبَارَتُهُ فِي الْمِيزَانِ: قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مِنْ الْأَدَبِ إجْرَاءُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي خَرَجَتْ مَخْرَجَ الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَإِنَّهَا إذَا أُوِّلَتْ خَرَجَتْ عَنْ مُرَادِ الشَّارِعِ كَحَدِيثِ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَحَدِيثِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطَيِّرَ لَهُ» وَحَدِيثِ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» فَإِنَّ الْعَالِمَ إذَا أَوَّلَهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ مِنَّا فِي تِلْكَ الْخَصْلَةِ فَقَطْ، أَيْ وَهُوَ مِنَّا فِي غَيْرِهَا هَانَ عَلَى الْفَاسِقِ الْوُقُوعُ فِيهَا؛ وَقَالَ: الْمُخَالَفَةُ فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْرٌ سَهْلٌ، فَكَانَ أَدَبُ السَّلَفِ بِعَدَمِ التَّأْوِيلِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ لِلشَّارِعِ وَإِنْ كَانَتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَشْهَدُ أَيْضًا بِذَلِكَ التَّأْوِيلِ.
قَوْلُهُ: (وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) كَأَنْ يَقُولَ: وَاكَهْفَاه وَاسَنَدَاهُ، وَلِبَعْضِهِمْ:
اللَّابِسِ مِنْ الثَّوْبِ قَالَهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ.
وَيَحْرُمُ أَيْضًا الْجَزَعُ بِضَرْبِ صَدْرِهِ وَنَحْوِهِ كَضَرْبِ خَدٍّ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا تَغْيِيرُ الزِّيِّ وَلُبْسُ غَيْرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَالضَّابِطُ كُلُّ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ إظْهَارَ جَزَعٍ يُنَافِي الِانْقِيَادَ وَالِاسْتِسْلَامَ لِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُوصِ بِهِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ وَعَلَيْهِ حَمَلَ الْجُمْهُورُ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ مَا ذُكِرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَافِرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الذُّنُوبِ.
وَتُنْدَبُ الْمُبَادَرَةُ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ إنْ تَيَسَّرَ حَالًا.
قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِتَجْهِيزِهِ لِخَبَرِ «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ أَيْ رُوحُهُ مُعَلَّقَةٌ أَيْ مَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الْكَرِيمِ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَتَجِبُ
[حاشية البجيرمي]
إذَا شِئْتَ أَنْ تَبْكِي فَقَيْدًا مِنْ الْوَرَى ... وَتَنْدُبُهُ نَدْبَ النَّبِيِّ الْمُكَرَّمِ
فَلَا تَبْكِيَنَّ إلَّا عَلَى فَقْدِ عَالَمٍ ... يُبَالِغُ فِي التَّعْلِيمِ لِلْمُتَعَلِّمِ
وَفَقْدِ إمَامٍ عَادِلٍ صَانَ مُلْكَهُ ... بِأَنْوَارِ حُكْمِ اللَّهِ لَا بِالتَّحَكُّمِ
وَفَقْدِ وَلِيٍّ صَالِحٍ حَافِظِ الْوَفَا ... مُطِيعٍ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مُعَظِّمِ
وَفَقْدِ شُجَاعٍ صَادِقٍ فِي جِهَادِهِ ... قَدْ انْتَشَرَتْ أَعْلَامُهُ لِلتَّقَدُّمِ
وَفَقَدَ سَخِيٍّ لَا يَمَلُّ مِنْ الْعَطَا ... يُفَرِّجُ هَمَّ الْعُسْرِ عَنْ كُلِّ مُعْدَمِ
فَهُمْ خَمْسَةٌ يُبْكَى عَلَيْهِمْ وَغَيْرُهُمْ ... إلَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمِ
اهـ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ أُمَّ قَشْعَمٍ كَانَتْ نَاقَةً مَجْنُونَةً أَلْقَتْ رَحْلَهَا فِي النَّارِ.
قَوْلُهُ: (الزِّيِّ) بِكَسْرِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْهَيْئَةِ، وَأَصْلُهُ زُوِيَ بِوَاوٍ ثُمَّ يَاءٍ فَاجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ قُلِبَتْ يَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا فَصَارَ كَمَا تَرَاهُ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَلُبْسُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ خَاصٍّ عَلَى عَامِّ الشُّمُولِ تَغْيِيرُ الزِّيِّ لِنَشْرِ الشَّعْرِ مَثَلًا، فَفِي الْمُخْتَارِ: الزِّيُّ اللِّبَاسُ وَالْهَيْئَةُ وَمِثْلُهُ وَضْعُ نَحْوِ الطِّينِ وَالنَّجَاسَةِ عَلَى الرَّأْسِ وَدَقُّ الطَّارِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِقَضَاءِ اللَّهِ) وَقَدْ نَظَمَ الْعَلَّامَةُ الَأُجْهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَقَالَ:
إرَادَةُ اللَّهِ مَعَ التَّعَلُّقِ ... فِي أَزَلٍ قَضَاؤُهُ فَحَقِّقْ
وَالْقَدَرُ الْإِيجَادُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى ... وَجْهٍ مُعَيَّنٍ أَرَادَهُ عَلَا
وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ مَعْنَى الْأَوَّلِ ... الْعِلْمُ مَعَ تَعَلُّقٍ فِي الْأَزَلِ
وَالْقَدَرُ الْإِيجَادُ لِلْأُمُورِ ... عَلَى وِفَاقِ عِلْمِهِ الْمَذْكُورِ
قَوْلُهُ: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ) أَيْ لَا تَحْمِلُ ذَاتٌ وَازِرَةٌ وِزْرَ غَيْرِهَا أج، أَيْ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ) فِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ ق ل وَوَجْهُ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، بَلْ ذَكَرَ حَجّ أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِالْبُكَاءِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ حَيْثُ سَكَتَ عِنْدَ الْمَوْتِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِعَدَمِ الْبُكَاءِ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ حِينَئِذٍ رِضًا بِهِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْمُعْتَمَدِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ: وَالْأَصَحُّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مَحْمُولٌ عَلَى الْكَافِرِ) أَيْ فَيُعَذَّبُ الْكَافِرُ بِالنَّوْحِ عَلَيْهِ إذَا أَوْصَى بِهِ، بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ لَا يُعَذَّبُ بِهِ وَلَوْ أَوْصَى بِهِ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (نَفْسُ الْمُؤْمِنِ) أَيْ الَّذِي قَصَّرَ فِي الْوَفَاءِ فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُقَصِّرْ أَوْ خَلَّفَ
الْمُبَادَرَةُ عِنْدَ طَلَبِ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ، وَتَجِبُ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنُ وَكَذَا عِنْدَ الْمُكْنَةِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ أَوْ كَانَ قَدْ أَوْصَى بِتَعْجِيلِهَا.
وَيُكْرَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي بَدَنِهِ أَوْ ضِيقٍ فِي دُنْيَاهُ إلَّا لِفِتْنَةِ دَيْنٍ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، أَمَّا تَمَنِّيهِ لِغَرَضٍ أُخْرَوِيٍّ فَمَحْبُوبٌ كَتَمَنِي الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُسَنُّ التَّدَاوِي لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا جَعَلَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ الْهَرَمِ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ تَرَكَ التَّدَاوِي تَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيُكْرَهُ إكْرَاهُ الْمَرِيضِ عَلَيْهِ وَكَذَا إكْرَاهُهُ عَلَى الطَّعَامِ، وَيَجِبُ أَنْ يَسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ كُلُّ مُكَلَّفٍ بِتَوْبَةٍ بِأَنْ يُبَادِرَ بِهَا لِئَلَّا يَفْجَأَهُ الْمَوْتُ الْمُفَوِّتُ لَهَا، وَيُسَنُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ لِخَبَرِ «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ فَإِنَّهُ مَا يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ
[حاشية البجيرمي]
تَرِكَةً فَلَا حَبْسَ، وَمَحِلُّهُ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ أَمَّا هُمْ فَلَا حَبْسَ مُطْلَقًا م د عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ نَبِيٌّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَمَا وَرَدَ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ يُقَالُ لَهُ أَبُو الشَّحْمِ عَلَى صِيعَانٍ مِنْ شَعِيرٍ» ، أُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَنَّ أَحَدًا دَفَعَ لَهُ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ الدِّرْعَ مِنْ الْيَهُودِيِّ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الرَّهْنِ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ وَمَا قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا اسْتَدَانَ لِأَهْلِهِ لَا لِنَفْسِهِ لَا يُجْدِي نَفْعًا، وَإِنَّمَا قَدِمَ الْيَهُودِيَّ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَى أَصْحَابِهِ لِإِفَادَةِ أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْ أَصْحَابِهِ لَأَعْطَوْهُ مَجَّانًا أَوْ أَبْرَءُوهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الصَّدَقَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ) أَيْ إنْ كَانَ قَدْ عَصَى بِتَأْخِيرِهِ لِمَطْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَضَمَانِ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ) بِالْجَرِّ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " بِقَضَاءِ إلَخْ " أَيْ وَتُسَنُّ الْمُبَادَرَةُ أَيْضًا بِتَنْفِيذِ قَوْلِهِ: (عِنْدَ الْمُكْنَةِ) أَيْ التَّمَكُّنِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ خَلَّفَ نَقْدًا فَيَحْصُلُ التَّمَكُّنُ بِالْبَيْعِ لِتَحْصِيلِ النَّقْدِ لِيُدْفَعَ لِلْمُوصَى لَهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، وَفَسَّرَ الْمُحَشِّي الْمُكْنَةَ بِالْيَسَارِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ قَدْ أَوْصَى) أَيْ فَيَجِبُ تَنْفِيذُهَا عِنْدَ التَّمَكُّنِ أَيْضًا كَمَا فِي شَرْحِ م ر خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ، وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ: وَقَوْلُهُ " أَوْ كَانَ قَدْ أَوْصَى " مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " عِنْدَ طَلَبِ الْمُوصَى لَهُ " أَيْ وَكَذَا إنْ لَمْ يَطْلُبْ وَكَانَ قَدْ أَوْصَى بِتَعْجِيلِهَا.
قَوْلُهُ: (لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ) خَرَجَ الصَّحِيحُ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُطْلَقًا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ التَّدَاوِي) أَيْ وَيَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى طِبِّ الْكَافِرِ وَوَصْفِهِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى ذَلِكَ تَرْكُ عِبَادَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيهِ، كَأَنْ قَالَ: لَا يَحْسُنُ التَّدَاوِي إلَّا بِتَرْكِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ اهـ م ر فَإِنْ قُلْت: الرِّضَا وَاجِبٌ فَلَعَلَّ التَّدَاوِي خُرُوجٌ عَنْ الرِّضَا؟ قُلْت: اعْلَمْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى التَّوَصُّلَ إلَى مَحْبُوبَاتِهِ بِمُبَاشَرَةِ مَا جَعَلَهُ سَبَبًا، فَلَيْسَ مِنْ الرِّضَا لِلْعَطْشَانِ أَنْ لَا يَمُدَّ يَدَهُ إلَى الْمَاءِ زَاعِمًا رِضَاهُ بِالْعَطَشِ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَ بِإِزَالَةِ الْعَطَشِ بِالْمَاءِ، وَقَالَ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ فَمَعْنَى الرِّضَا تَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ لَا يَتْرُكُ الْأَسْبَابَ الْعَادِيَةَ وَقَدْ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْعَزَائِمِ وَالرُّقْيَا: هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: لَا تَرُدُّ مِنْ قَدْرِ اللَّهِ تَعَالَى» .
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ إلَخْ) هَذَا لَا يَقْتَضِي السِّنَّ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَخْبَارُ بِأَنَّ كُلَّ دَاءٍ لَهُ دَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْهَرَمُ) هُوَ بِفَتْحَتَيْنِ: الْكِبَرُ وَالشَّيْخُوخَةُ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَفْضَلُ) أَيْ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصَّبْرِ، وَفَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّهُ رَأْسُ الْمُتَوَكِّلِينَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ، فَقَدْ رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كَثُرَتْ أَسْقَامُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَقُومُ أَطِبَّاءُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَيَصْنَعُونَ دَوَاءً فَيُعَالِجُهَا بِهِ» اهـ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ فِي أَشْيَاءَ خَوَاصَّ فَمَنْ أَنْكَرَهَا فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ قَالَ لَا فَائِدَةَ بِالطِّبِّ فَقَدْ رَدَّ عَلَى الْوَاضِعِ وَالشَّارِعِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِالطِّبِّ التَّسَبُّبُ إلَى دَفْعِ ضَرَرٍ وَاجْتِلَابِ نَفْعٍ كَمَا يَتَسَبَّبُ فِي دَفْعِ الْحَرِّ وَاجْتِلَابِ الْبَرْدِ وَاكْتِسَابِ الرِّزْقِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا إكْرَاهُهُ عَلَى الطَّعَامِ) لِخَبَرِ: «لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ» .
قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْتَعِدَّ) الِاسْتِعْدَادُ لِلشَّيْءِ التَّهَيُّؤُ لَهُ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْمُبَادَرَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ) بِأَنْ يَجْعَلَهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ لَا بِلِسَانِهِ فَقَطْ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَهَاذِمِ) بِالْمُعْجَمَةِ، وَأَمَّا " هَادِمِ " بِالْمُهْمَلَةِ
إلَّا قَلَّلَهُ وَلَا قَلِيلٍ أَلَّا كَثَّرَهُ» أَيْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَلِ فِي الدُّنْيَا وَقَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ.
وَهَاذِمُ بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ قَاطِعٌ، وَيَحْرُمُ نَقْلُ الْمَيِّتِ قَبْلَ دَفْنِهِ مِنْ مَحِلِّ مَوْتِهِ إلَى مَحِلٍّ أَبْعَدَ مِنْ مَقْبَرَةِ مَحِلِّ مَوْتِهِ لِيُدْفَنَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لِفَضْلِهَا.
(وَيُعَزَّى) نَدْبًا (أَهْلُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» نَعَمْ الشَّابَّةُ لَا يُعَزِّيهَا أَجْنَبِيٌّ وَإِنَّمَا يُعَزِّيهَا مَحَارِمُهَا وَزَوْجُهَا، وَكَذَا مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ فِي جَوَازِ النَّظَرِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَصَرَّحَ ابْنُ خَيْرَانَ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ بِالْمَمْلُوكِ بَلْ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَزَّى بِكُلِّ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ وَجْدٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ حَتَّى الزَّوْجَةِ وَالصِّدِّيقِ،
[حاشية البجيرمي]
فَمَعْنَاهُ مُزِيلُ الشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ ق ل وَلَا يَصِحُّ قِرَاءَتُهُ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ دَفْنِهِ) وَأَمَّا بَعْدَ دَفْنِهِ فَسَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِهِ " وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ " حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا نَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ وَقَبْلَ الْبِلَى عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَرْضِ لِلنَّقْلَةِ وَغَيْرِهَا كَصَلَاةٍ عَلَيْهِ وَتَكْفِينٍ فَحَرَامٌ، فَكَانَ الْأُولَى أَنْ يُقَدِّمَ ذَاكَ عَلَى هَذَا كَمَا فَعَلَ فِي الْمَنْهَجِ، وَبَعْدَ دَفْنِهِ يَحْرُمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ النَّبْشُ وَالنَّقْلُ فَكَانَ تَقْيِيدُهُ بِالْقَبْلِيَّةِ لِتَكُونَ الْحُرْمَةُ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (بِقُرْبِ مَكَّةَ) قَالَ شَيْخُنَا: وَمُرَادُهُ بِالْقُرْبِ مَسَافَةٌ لَا يَتَغَيَّرُ الْمَيِّتُ فِيهَا قَبْلَ وُصُولِهِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمَحِلُّ جَوَازِ نَقْلِهِ بَعْدَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِتَوَجُّهِ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ مَوْتِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ بِجَوَازِ نَقْلِهِ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ ظَاهِرٌ ح ل وَالْمُرَادُ بِمَكَّةَ جَمِيعُ الْحَرَمِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَا يَنْبَغِي التَّخْصِيصُ بِالثَّلَاثَةِ بَلْ لَوْ كَانَ بِقُرْبِ مَقَابِرِ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْخَبَرِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَقْصِدُ الْجَارَ الْحَسَنَ اهـ أج
قَوْلُهُ: (وَيُعَزِّي) التَّعْزِيَةُ لُغَةً التَّسْلِيَةُ وَشَرْعًا الْأَمْرُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ الْوِزْرِ بِالْجَزَعِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ وَلِلْمُصَابِ بِجَبْرِ الْمُصِيبَةِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَتَحْصُلُ التَّعْزِيَةُ بِالْمُكَاتَبَاتِ وَالْمُرَاسِلَاتِ، وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ رِجَالًا وَنِسَاءً الْجُلُوسُ لَهَا أَيْ بِمَكَانٍ تَأْتِيهِمْ فِيهِ النَّاسُ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَالْمَكْرُوهُ الْجُلُوسُ لَهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ بِخِلَافِ الْجُلُوسِ سَاعَةَ الْإِعْلَامِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْوُقُوفَ لَهَا عِنْدَ الْقَبْرِ عَقِبَ الدَّفْنِ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَرِهَهُ النَّخَعِيُّ لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَى قَاصِدِيهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُشَيِّعِينَ وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ الْجُلُوسَ لَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَعَارَفِ فِي زَمَانِنَا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ.
اهـ. شَرْحُ الْعُبَابِ.
قَوْلُهُ: (أَهْلَهُ) أَيْ لِأَنَّ الْأَجَانِبَ تُعَزِّي أَهْلَ الْمَيِّتِ، أَمَّا أَقَارِبُ الْمَيِّتِ فَلَا يُعَزِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ م ر سم عَلَى حَجّ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ حَجّ، وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: قَوْلُهُ " وَيُعَزِّي أَهْلَهُ " قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: وَكَذَا كُلُّ مَنْ حَصَلَ لَهُ عَلَيْهِ وَجْدٌ حَتَّى الزَّوْجَةِ وَالصِّدِّيقِ فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ: هَلْ تُسَنُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمَيِّتِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَوْ لَا؟ فَرَأَيْتُ فِي فَتَاوَى الشِّهَابِ م ر أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَ أَنَّهُ يُسَنُّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مُصَابٌ، ثُمَّ رَأَيْت أَيْضًا بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مَا نَصُّهُ: وَيُسَنُّ لِلْأَخِ أَنْ يُعَزِّيَ أَخَاهُ وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْأَهْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ.
اهـ. شَيْخُنَا فَرْعٌ: قَدْ عَزَّى الْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَهْلَ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: إنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هَالِكٍ وَدَرْكًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ فَبِاَللَّهِ فَثِقُوا وَإِيَّاهُ فَارْجُوا فَإِنَّ الْمُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ، وَالْخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَبِيٌّ حَيٌّ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (بِمُصِيبَةٍ) وَلَوْ غَيْرَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُعَزِّيهَا أَجْنَبِيٌّ) وَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ حُرِّمَ عَلَيْهَا الرَّدُّ كَرَدِّ السَّلَامِ، وَكَذَلِكَ تَعْزِيَتُهَا لَهُ أَيْضًا كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ س ل بِالْمَعْنَى فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا ابْتِدَاءً وَرَدًّا.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ) كَالْعَبْدِ وَالْمَمْسُوحِ.
قَوْلُهُ: (بِكُلِّ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ عَلَيْهِ وَجْدٌ) أَيْ حُزْنٌ، وَهُوَ شَامِلٌ لِنَحْوِ الْهِرَّةِ، وَشَامِلٌ أَيْضًا لِمَا
وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْأَهْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَتُنْدَبُ الْبُدَاءَةُ بِأَضْعَفِهِمْ عَنْ حَمْلِ الْمُصِيبَةِ، وَتُسَنُّ قَبْلَ دَفْنِهِ لِأَنَّهُ وَقْتَ شِدَّةِ الْجَزَعِ وَالْحُزْنِ وَلَكِنْ بَعْدَهُ أَوْلَى لِاشْتِغَالِهِمْ قَبْلَهُ بِتَجْهِيزِهِ إلَّا إنْ أَفْرَطَ حُزْنُهُمْ فَتَقْدِيمُهَا أَوْلَى لِيُصَبِّرَهُمْ.
وَغَايَتُهَا (إلَى) آخِرِ (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) تَقْرِيبًا تَمْضِي (مِنْ) وَقْتِ الْمَوْتِ لِحَاضِرٍ وَمِنْ الْقُدُومِ لِغَائِبٍ وَقِيلَ مِنْ وَقْتِ (دَفْنِهِ) وَمِثْلُ الْغَائِبِ الْمَرِيضُ وَالْمَحْبُوسُ فَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ بَعْدَهَا إذْ الْغَرَضُ مِنْهَا تَسْكِينُ قَلْبِ الْمُصَابِ وَالْغَالِبُ سُكُونُهُ فِيهَا فَلَا يُجَدَّدُ حُزْنُهُ.
وَيُقَالُ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك أَيْ جَعَلَهُ عَظِيمًا، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك أَيْ جَعَلَهُ حَسَنًا، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك، وَيُقَالُ فِي تَعْزِيَتِهِ بِالْكَافِرِ، الذِّمِّيَّ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَصَبَّرَك وَأَخْلَفَ عَلَيْك أَوْ جَبَرَ مُصِيبَتَك أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَيُقَالُ فِي تَعْزِيَةِ الْكَافِرِ بِالْمُسْلِمِ: غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك وَأَحْسَن عَزَاءَك، أَمَّا الْكَافِرُ غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ مِنْ حَرْبِيٍّ وَمُرْتَدٍّ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ فَلَا يُعَزَّى وَهَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؟ الظَّاهِرُ فِي الْمُهِمَّاتِ الْأَوَّلُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الثَّانِي وَهُوَ الظَّاهِرُ هَذَا إنْ لَمْ يُرْجَ إسْلَامُهُ، فَإِنْ رُجِيَ اُسْتُحِبَّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ السُّبْكِيّ، وَأَمَّا تَعْزِيَةُ الْكَافِرِ بِالْكَافِرِ فَهِيَ غَيْرُ مَنْدُوبَةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ بَلْ هِيَ جَائِزَةٌ إنْ لَمْ يُرْجَ إسْلَامُهُ، وَصِيغَتُهَا: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك وَلَا نَقَصَ عَدَدُك لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُنَا فِي الدُّنْيَا بِكَثْرَةِ الْجِزْيَةِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالْفِدَاءِ مِنْ النَّارِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِدَوَامِ الْكُفْرِ فَالْمُخْتَارُ تَرْكُهُ، وَمَنَعَهُ ابْنُ النَّقِيبِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِهِ بِتَكْثِيرِ الْجِزْيَةِ
(وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ) ابْتِدَاءً (فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) بَلْ يُفْرَدُ كُلُّ مَيِّتٍ بِقَبْرٍ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ لِلِاتِّبَاعِ، فَلَوْ جُمِعَ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ كَرَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ
[حاشية البجيرمي]
لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ كَالْمَالِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ م ر.
قَوْلُهُ: (تَقْرِيبًا) فَلَا يَضُرُّ الزِّيَادَةُ بِنَحْوِ نِصْفِ يَوْمٍ مَثَلًا ح ل.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْقُدُومِ لِغَائِبٍ) أَيْ قُدُومِ الْمُعَزَّى أَوْ الْمِعْزَى.
اهـ. شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ الْغَائِبِ الْمَرِيضُ) أَيْ فَإِذَا شُفِيَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْحَبْسِ عُزِّيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
قَوْلُهُ: (أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك) لَا يُقَالُ إنَّ عِظَمِ الْأَجْرِ يَكُونُ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْمَصَائِبِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ دُعَاءٌ عَلَى الْمُعَزَّى بِفَتْحِ الزَّايِ بِكَثْرَةِ مَصَائِبِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دُعَاءٌ بِكَثْرَةِ مَصَائِبِهِ إذْ الْأَجْرُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِنُزُولِ الْمَصَائِبِ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق: 5] . اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (عَزَاءَك) بِالْمَدِّ أَيْ صَبْرَك.
قَوْلُهُ: (وَصَبْرَك) وَلَا يُقَالُ: وَغُفِرَ لِمَيِّتِك لِأَنَّهُ حَرَامٌ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَأَخْلَفَ عَلَيْك) نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مِمَّنْ لَا يُخْلَفُ بَدَلُهُ كَأَبٍ فَلْيَقُلْ بَدَلَ " أَخْلَفَ عَلَيْك " " خَلَّفَ عَلَيْك " أَيْ كَانَ اللَّهُ خَلِيفَةً عَلَيْك، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك) قَدَّمَ هُنَا الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ مَعَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِشَرَفِ الْمُسْلِمِ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدٌ، نَعَمْ لَوْ كَانَ فِيهَا تَوْقِيرُهُ حُرِّمَتْ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا نَقَصَ) بِتَخْفِيفِ الْقَافِ وَنَصْبِ " عَدَدَ " عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَوْ رَفْعِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] .
قَوْلُهُ: (بِالْفِدَاءِ مِنْ النَّارِ) لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَهُ مَقْعَدٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَقْعَدٌ فِي النَّارِ فَإِنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وُضِعَ كَافِرٌ مَحَلَّ مَقْعَدِهِ فِي النَّارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَهُوَ) أَيْ قَوْلُهُ وَلَا نَقَصَ عَدَدُك ظَاهِرُهُ أَنَّهُ دُعَاءٌ بِدَوَامِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِتَكْثِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَمِنْ لَازِمِ كَثْرَتِهِمْ امْتِدَادُ بَقَائِهِمْ وَامْتِدَادُهُ مَعَ الْكُفْرِ فِيهِ دَوَامٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي إلَخْ) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْعَدَدِ بَقَاؤُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " وَلَا نَقَصَ عَدَدُك " يَصْدُقُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ تَعْزِيَةُ مُسْلِمٍ بِمُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ بِخِلَافِ نَحْوِ مُحَارِبٍ أَوْ قَاطِعِ طَرِيقٍ وَزَانٍ مُحْصَنِ وَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَإِنْ قُتِلَ حَدًّا، وَيَنْبَغِي لِلْمُعَزَّى إجَابَةُ التَّعْزِيَةِ بِنَحْوِ: جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا، وَلَعَلَّهُمْ حَذَفُوهُ لِوُضُوحِهِ اهـ م ر
قَوْلُهُ: (وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا م ر: أَيْ يَحْرُمُ ذَلِكَ وَلَوْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَكَلَامُ الشَّارِحِ لَا يُوَافِقُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ق ل.
قَوْلُهُ: (ابْتِدَاءً) وَأَمَّا دَوَامًا بِأَنْ يُدْفَنَ مَيِّتٌ عَلَى مَيِّتٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بِلَى الْأَوَّلِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ)
كُرِهَ عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ وَحُرِّمَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وَعِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ، وَنَازَعَ فِي التَّحْرِيمِ السُّبْكِيُّ وَسَيَأْتِي مَا يُقَوِّي التَّحْرِيمَ (إلَّا لِحَاجَةٍ) أَيْ لِضَرُورَةٍ كَمَا فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ كَأَنْ كَثُرَ الْمَوْتَى وَعَسُرَ إفْرَادُ كُلِّ مَيِّتٍ بِقَبْرٍ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ فِي قَبْرٍ بِحَسَبِ الضَّرُورَةِ وَكَذَا فِي ثَوْبٍ لِلِاتِّبَاعِ فِي قَتْلَى أُحُدٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ أَفْضَلُهُمَا نَدْبًا وَهُوَ الْأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ إلَى جِدَارِ الْقَبْرِ الْقِبْلِيِّ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْأَلُ فِي قَتْلَى أُحُدٍ عَنْ أَكْثَرِهِمْ قُرْآنًا فَيُقَدِّمُهُ إلَى اللَّحْدِ» لَكِنْ لَا يُقَدَّمُ فَرْعٌ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَإِنْ عَلَا حَتَّى يُقَدَّمَ الْجَدُّ وَلَوْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَكَذَا الْجَدَّةُ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ، وَتُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْبِنْتِ وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْهَا، أَمَّا الِابْنُ مَعَ الْأُمِّ فَيُقَدَّمُ لِفَضِيلَةِ الذُّكُورَةِ، وَيُقَدَّمُ الرَّجُلُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالصَّبِيُّ عَلَى الْخُنْثَى وَالْخُنْثَى عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَا يُجْمَعُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيَحْرُمُ عِنْدَ عَدَمِهَا كَمَا فِي
[حاشية البجيرمي]
وَلَوْ كَانَ لِلْقَبْرِ لَحْدَانِ مَثَلًا وَنُبِشَ لِلدَّفْنِ فِي لَحْدٍ آخَرَ جَازَ إنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَيِّتِ الْأَوَّلِ رَائِحَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، فَإِنْ حُفِرَ قَبْرٌ فَوُجِدَ فِيهِ عَظْمُ مَيِّتٍ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ فَرَاغِ الْحَفْرِ أَعَادَهُ وَلَمْ يُتِمَّ الْحَفْرَ وَإِنْ ظَهَرَ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِهِ جَعَلَهُ فِي جَانِبٍ مَحْفُورٍ وَدُفِنَ الْمَيِّتُ بِجَانِبٍ آخَرَ ز ي وح ل.
قَوْلُهُ: (وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ) أَيْ أَوْ اخْتَلَفَ وَكَانَ نَحْوَ مَحْرَمِيَّةٍ كَمَا يُشِيرُ لَهُ كَلَامُهُ؛ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّحَادُ الْجِنْسِ أَوْ الْمَحْرَمِيَّةِ أَوْ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ عَدَمِ بُلُوغِ حَدِّ الشَّهْوَةِ كَالرَّجُلِ مَعَ الْبِنْتِ الْأَجْنَبِيَّةِ الصَّغِيرَةِ جِدًّا، وَأَمَّا الْأَجْنَبِيُّ مَعَ الْأَجْنَبِيَّةِ الْكَبِيرَيْنِ فَحَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ أَيْ لَحْدٍ أَوْ شِقٍّ فَيَحْرُمُ عِنْدَ م ر وَلَوْ مَعَ مَحْرَمِيَّةٍ كَأُمٍّ وَابْنِهَا وَاتِّفَاقِ جِنْسٍ كَأَبٍ وَابْنِهِ، وَيُكْرَهُ عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَاخْتَلَفَتْ الْمَحْرَمِيَّةُ؛ لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ بَيْنَهُمَا مَا يَمْنَعُ التَّمَاسَّ كَتُرَابٍ وَنَحْوِهِ وَمَا اُعْتِيدَ مِنْ الدَّفْنِ فِي الْفَسَاقِيِ الْمَعْرُوفَةِ فَحَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ مَيِّتٍ عَلَى مَيِّتٍ آخَرَ، وَيَحْرُمُ جَمْعُ عِظَامِهِمْ لِدَفْنِ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا وَضْعُهُ فَوْقَ عِظَامِهِمْ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَحُرِّمَ عِنْدَ السَّرَخْسِيِّ) لَكِنَّ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَلَا بِنَحْوِ مَحْرَمِيَّةٍ بَلْ هُوَ حَرَامٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَوْ اخْتَلَفَ، وَسَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ مَحْرَمِيَّةٌ أَوْ لَا قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَإِنْ رُجِيَتْ حَيَاةُ جَنِينِ مَيِّتَةٍ شُقَّ جَوْفُهَا وُجُوبًا قَبْلَ إدْخَالِهَا الْقَبْرَ وَفِي الْقَبْرِ نَدْبًا فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَأُخْرِجَ مِنْهُ ذَلِكَ
لِأَنَّ مَصْلَحَةَ إخْرَاجِهِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) لَكِنَّ الْحَجْزَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (لِلِاتِّبَاعِ فِي قَتْلَى أُحُدٍ) أَيْ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ أَيْ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَقْتَ عَجْزٍ عَنْ الثِّيَابِ وَحِينَئِذٍ فَبَعْضُ الثِّيَابِ الَّتِي وُجِدَتْ كَانَ فِيهِ سَعَةٌ بِحَيْثُ يَسَعُ اثْنَيْنِ يُدْرَجَانِ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَمَاسُّ عَوْرَتَيْهِمَا لِإِمْكَانِ أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَهُمَا بِإِذْخِرٍ وَنَحْوِهِ، شَرْحُ الْمِشْكَاةِ شَوْبَرِيٌّ فَقَوْلُهُ: " وَكَذَا فِي ثَوْبٍ " أَيْ يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَوْبٍ لِلضَّرُورَةِ قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي السِّيرَةِ: وَدُفِنَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَدُفِنَ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ بْنُ الْخَشْخَاشِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَرُبَّمَا دُفِنُوا ثَلَاثَةً فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَصَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: اُنْظُرُوا أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ جَمْعًا أَيْ حِفْظًا لِلْقُرْآنِ فَقَدِّمُوهُ فِي الْقَبْرِ» أَيْ اللَّحْدِ، وَاحْتَمَلَ نَاسٌ مِنْ الْمَدِينَةِ قَتْلَاهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ فَرَدَّهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيُدْفَنُوا حَيْثُ قُتِلُوا وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ أَئِمَّتُنَا عَلَى حُرْمَةِ نَقْلِ الْمَيِّتِ قَبْلَ دَفْنِهِ فِي مَحِلِّ مَوْتِهِ إلَى مَحِلٍّ أَبْعَدَ مِنْ مَقْبَرَتِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: إلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشَّهِيدِ، أَمَّا هُوَ فَالْأَفْضَلُ دَفْنُهُ بِمَحِلِّ مَوْتِهِ وَلَوْ بِقُرْبِ مَا ذَكَرَ؛ بَحَثَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَشَهِدَ لَهُ مَا هُنَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْجَدَّةُ) أَيْ تُقَدَّمُ عَلَى الْبِنْتِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ) أَيْ الِابْنُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ أَيْ الْبِنْتُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الِابْنُ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَهَلْ يُقَدَّمُ الْخُنْثَى عَلَى أُمِّهِ احْتِيَاطًا أَوْ هِيَ؟ قَالَ الشَّيْخُ: فِيهِ نَظَرٌ أَقُولُ: وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا لِأَنَّ جِهَةَ تَقْدِيمِهَا مُحَقَّقَةٌ بِخِلَافِ الْخُنْثَى شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الصَّبِيِّ) وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْمَعُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ) أَيْ
الْحَيَاةِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمَحِلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ أَوْ زَوْجِيَّةٌ وَإِلَّا فَيَجُوزُ الْجَمْعُ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
وَاَلَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فَقَالَ: إنَّهُ حَرَامٌ حَتَّى فِي الْأُمِّ مَعَ وَلَدِهَا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إذْ الْعِلَّةُ فِي مَنْعِ الْجَمْعِ الْإِيذَاءُ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ قَدْ انْقَطَعَتْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا، وَالْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى أَوْ غَيْرِهِ كَالْأُنْثَى مَعَ الذَّكَرِ وَالصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ كَالْمَحْرَمِ، وَيُحْجَزُ بَيْنَ الْمَيِّتَيْنِ بِتُرَابٍ حَيْثُ جُمِعَ بَيْنَهُمَا نَدْبًا كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ وَلَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ، وَأَمَّا نَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ وَقَبْلَ الْبِلَى عِنْدَ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَرْضِ لِلنَّقْلِ وَغَيْرِهِ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَتَكْفِينِهِ فَحَرَامٌ لِأَنَّ فِيهِ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ وَلَا تَيَمُّمٍ بِشَرْطِهِ وَهُوَ مِمَّنْ يَجِبُ غُسْلُهُ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ، فَاسْتَدْرَكَ عِنْدَ قُرْبِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ نَبْشُهُ وَغُسْلُهُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ أَوْ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ وَطَالَبَ بِهِمَا مَالِكُهُمَا فَيَجِبُ النَّبْشُ وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ لِيَصِلَ الْمُسْتَحِقُّ إلَى حَقِّهِ، وَيُسَنُّ لِصَاحِبِهِمَا التَّرْكُ.
وَمَحِلُّ النَّبْشِ فِي الثَّوْبِ إذَا وُجِدَ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ الْمَيِّتُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ النَّبْشُ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْكَفَنُ الْحَرِيرُ أَيْ لِلرَّجُلِ كَالْمَغْصُوبِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ فِيهِ بِعَدَمِ النَّبْشِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَالٌ وَإِنْ قَلَّ كَخَاتَمٍ فَيَجِبُ نَبْشُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ لِأَنَّ تَرْكَهُ
[حاشية البجيرمي]
أَجْنَبِيَّانِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي؛ وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ سَابِقًا وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) أَيْ مُتَأَكِّدَةٍ، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّجَالِ فَقَطْ أَوْ النِّسَاءِ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمُطْلَقِ الضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ: " كَمَا فِي الْحَيَاةِ " أَيْ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ جَمْعُهُمَا فِي مَكَان وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اتَّحَدَ الْجِنْسُ) غَايَةُ قَوْلِهِ: (وَأَمَّا نَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ) أَيْ وَلَوْ لِغَيْرِ الدَّفْنِ عَلَيْهِ وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ ابْتِدَاءً لَكِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْمَفْهُومِ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مَا إذَا نُبِشَ بَعْدَ دَفْنِهِ لِأَجَلِ الدَّفْنِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بِلَى الْأَوَّلِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَأَمَّا هَذَا فَشَامِلٌ لِلنَّبْشِ لِلدَّفْنِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ كَنَقْلِهِ أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ أَوْ تَكْفِينِهِ، كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي.
قَوْلُهُ: (وَقَبْلَ الْبِلَى) بِكَسْرِ الْبَاءِ مَعَ الْقَصْرِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ الْمَدِّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) وَقَدْ مَثَّلَهَا الشَّارِحُ بِأَحَدِ أُمُورٍ خَمْسَةٍ، وَقَدْ نَظَمْت ذَلِكَ فَقُلْت:
وَنَبْشُ مَيِّتٍ حَرَامٌ إنْ وَفِي ... بِلَا ضَرُورَةٍ كَطُهْرٍ انْتَفَى
أَوْ دَفْنُهُ بِغَصْبٍ أَوْ سُقُوطِ مَالٍ ... أَوْ بَلْعِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِهِ) وَهُوَ فَقْدُ الْمَاءِ أَوْ تَهَرِّيهِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (فَاسْتُدْرِكَ) أَيْ الْوَاجِبُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ قُرْبِهِ) أَيْ الدَّفْنِ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) الْمُرَادُ بِالتَّغَيُّرِ النَّتْنَ لَا التَّقَطُّعُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ ز ي.
قَوْلُهُ (أَوْ دُفِنَ فِي أَرْضٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ " وَدَفْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ كَهُوَ فِي الْمَغْصُوبِ فَيُنْبَشُ وَيُخْرَجُ مُطْلَقًا فِيمَا يَظْهَرُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَطَالَبَ بِهِمَا مَالِكُهُمَا) فَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ الْمَالِكُ حُرِّمَ النَّبْشُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْأُسْتَاذِ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: مَا لَمْ يَكُنْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ مِمَّنْ يُحْتَاطُ لَهُ كَالْغَائِبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ م ر.
قَوْلُهُ: (فِي الثَّوْبِ) وَكَذَا فِي الْأَرْضِ، وَعِبَارَةُ سم: فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ كَفَنٌ وَلَا أَرْضٌ، فَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّبْشُ بَلْ يُدْفَعُ لِلْمَالِكِ ثَمَنُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالْمَغْصُوبِ) أَيْ فَيُنْبَشُ لِنَزْعِهِ مِنْهُ وَإِبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَرِيرَ، أَيْ تَحْرِيمَهُ حَقُّ اللَّهِ، أَيْ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُشَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لَا يُجْدِي، أَيْ وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْكَفَنِ وَالْمَالِ فَقَالَ: لَا يُنْبَشُ لِلْكَفَنِ إلَّا إذَا طَلَبَهُ مَالِكُهُ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ وَلَا كَذَلِكَ الْمَالُ فَيُنْبَشُ لِإِخْرَاجِهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ مَالِكُهُ فَفَرْقُهُ لَا يُجْدِي، أَيْ لَا يُفِيدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَلَغَ) بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ بَابِ تَعِبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَمَفْتُوحُ اللَّامِ مِنْ بَابِ نَفَعَ كَمَا فِيهِ أَيْضًا وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَوْ بَلَعَ، لِيَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ
فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ.
وَقَيَّدَهُ فِي الْمُهَذَّبِ بِطَلَبِ مَالِكِهِ وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ وَلَوْ بَلَعَ مَالًا لِغَيْرِهِ وَطَلَبَهُ صَاحِبُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَلَمْ يَضْمَنْ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ كَمَا فِي الرَّوْضِ نُبِشَ وَشُقَّ جَوْفُهُ وَأُخْرِجَ مِنْهُ وَرُدَّ لِصَاحِبِهِ، أَمَّا إذَا ابْتَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ وَلَا يُشَقُّ لِاسْتِهْلَاكِهِ مَالَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، أَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَيَجِبُ نَبْشُهُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ وَيُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا دُفِنَ بِلَا تَكْفِينٍ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ لِأَنَّ غَرَضَ التَّكْفِينِ السَّتْرُ وَقَدْ حَصَلَ بِالتُّرَابِ.
تَتِمَّةٌ: يُسَنُّ أَنْ يَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثْبِيتَ لِأَنَّهُ (ص) كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ مَيِّتٍ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»
وَيُسَنُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْمُكَلَّفِ بَعْدَ الدَّفْنِ لِحَدِيثٍ وَرَدَ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ) أَظْهَرَ مَوْضِعَ الْإِضْمَارِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ دَفْنِهِ) أَيْ تَمَامِ الدَّفْنِ.
قَوْلُهُ: (سَاعَةً) أَيْ قَدْرَ ذَبْحِ الْجَمَلِ وَتَفْرِقَةِ لَحْمِهِ، وَهَذَا غَيْرُ التَّلْقِينِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ السُّؤَالَ عَامٌّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ إلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَشُهَدَاءُ الْمَعْرَكَةِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَارُونُ الرَّشِيدِ وَأَمَّا ضَمَّةُ الْقَبْرِ فَهِيَ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَيِّتٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهَا إلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ وَسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ بِالسُّرْيَانِيِّ كَمَا قَالَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ وَهُوَ أَرْبَعُ كَلِمَاتٍ: الْأُولَى أتره، الثَّانِيَةُ أترح، الثَّالِثَةُ كاره، الرَّابِعَةُ سَالِحِين؛ فَمَعْنَى الْأُولَى: قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ إلَى سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ، وَمَعْنَى الثَّانِيَةِ: فِيمَ كُنْتَ وَمَعْنَى الثَّالِثَةِ: مَنْ رَبُّك مَا دِينُك، وَمَعْنَى الرَّابِعَةِ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ وَفِي الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حِفْظَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ، مَيْدَانِيٌّ وَقَوْلُهُ: فِي هَذَا الرَّجُلِ إلَخْ قَدْ يُقَالُ: هَذِهِ الْإِشَارَةُ لَا تَكُونُ إلَّا لِحَاضِرٍ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُكْشَفَ الْمَيِّتُ حَتَّى يُشَاهِدَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ أَنَّهُ يُمْثَلُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَوَايَا الْقَبْرِ فَائِدَةٌ: ذَكَرَ النَّاشِرِيُّ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ: أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ حَالَ الدَّفْنِ فِي كَفِّهِ شَيْئًا مِنْهُ وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1] سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ وَضَعَهُ فِي كَفَنِهِ لَمْ يُعَذَّبْ ذَلِكَ الْمَيِّتُ؛ وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ.
اهـ. عَلْقَمِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " فِي كَفَنِهِ " أَيْ إنْ كَانَ التُّرَابُ طَاهِرًا بِأَنْ لَمْ يَنْبُشَ الْقَبْرَ فَإِنْ كَانَ نَجِسًا وُضِعَ فِي جَانِبِ قَبْرِ الْمَيِّتِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ مَاتَ وَكَتَبَ هَذَا الدُّعَاءَ وَجُعِلَ فِي كَفَنِهِ خُصُوصًا إذَا كَانَ عَلَى صَدْرِهِ وَدُفِنَ مَعَهُ لَا يُعَذَّبُ ذَلِكَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، وَهُوَ هَذَا: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِعِزَّتِك يَا عَزِيزُ وَبِقُدْرَتِك يَا قَدِيرُ وَبِحِلْمِك يَا حَلِيمُ وَبِعَظَمَتِك يَا عَظِيمُ وَبِرَحْمَتِك يَا رَحِيمُ وَبِمَنِّك يَا مَنَّانُ أَنْ تَحْفَظَنِي بِإِيمَانِي قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِعًا وَسَاجِدًا وَحَيًّا وَمَيِّتًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، إلَهِي هَذَا أَوَّلُ قُدُومِي إلَيْك فَأَكْرِمْنِي فَإِنَّ الضَّيْفَ إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ يُكْرَمُ وَأَنْتَ أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ، إلَهِي مَا دُمْتُ حَيًّا أَنْتَ أَحْسَنْتَ إلَيَّ الْآنَ انْقَطَعَ حَيَاتِي وَلَا تَمْنَعْ إحْسَانَك عَنِّي بِوَفَاتِي الْآنَ بِرَحْمَتَك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ يَا دَلِيلَ الْمُتَحَيِّرِينَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الْعَلِيمُ رَبُّ الْخَلْقِ وَالْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ اسْتَوْدَعْتُك دِينِي وَإِيمَانِي فَاحْفَظْهُمَا عَلَيَّ فِي حَيَّاتِي وَعِنْدَ وَفَاتِي وَبَعْدَ مَمَاتِي» اهـ مِنْ الْمَصَابِيحِ
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ الْمُكَلَّفِ) أَيْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ قَالَ فِي الْإِيعَابِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَا غَيْرُ حَقِيقَتِهَا لِاسْتِحَالَتِهَا مِمَّنْ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، بَلْ نَحْوَ التَّلَجْلُجِ فِي الْجَوَابِ أَوْ عَدَمِ الْمُبَادَرَةِ إلَيْهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: وَيُسَنُّ تَلْقِينُ الْمَيِّتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إلَى التَّذَكُّرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهُوَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أَمَةِ اللَّهِ اُذْكُرْ الْعَهْدَ الَّذِي خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةٌ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ الْقَبْرَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّك رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا وَرَسُولًا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا وَيُسَنُّ إعَادَةُ التَّلْقِينِ ثَلَاثًا
فِيهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِشَوَاهِدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلَمْ تَزَلْ النَّاسُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ مِنْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ فِي زَمَنِ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ، وَيَقْعُدُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ الطِّفْلُ وَنَحْوُهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ تَكْلِيفٌ فَلَا يُسَنُّ تَلْقِينُهُ لِأَنَّهُ لَا يَفُتْنَ فِي قَبْرِهِ.
وَسُنَّ لِنَحْوِ جِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ كَأَقَارِبِهِ الْبُعْدَى وَلَوْ كَانُوا بِبَلَدٍ وَهُوَ بِأُخْرَى تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِشَغْلِهِمْ بِالْحُزْنِ عَنْهُ، وَأَنْ يُلِحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ لِئَلَّا يَضْعُفُوا بِتَرْكِهِ، وَحُرِّمَ تَهْيِئَتُهُ لِنَحْوِ نَائِحَةٍ كَنَادِبَةٍ لِأَنَّهَا إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، أَمَّا إصْلَاحُ أَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا وَجَمْعُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَبِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ.
[حاشية البجيرمي]
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنْ خَتَمُوا الْقُرْآنَ كَانَ أَفْضَلَ؛ شَرْحُ الرَّوْضِ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْمُكَلَّفُ) وَلَوْ فِيمَا مَضَى فَيَشْمَلُ مَنْ جُنَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ كَمَا فِي م ر، وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ غَيْرُ النَّبِيِّ وَغَيْرُ الشَّهِيدِ.
قَوْلُهُ: (رَأْسَ الْقَبْرِ) أَيْ الَّذِي رَأْسُ الْمَيِّتِ تَحْتَهُ.
قَوْلُهُ (مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ تَكْلِيفٌ) كَمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَاسْتَمَرَّ جُنُونُهُ لِمَوْتٍ، وَمِثْلُهُ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ وَالْأَنْبِيَاءُ لِأَنَّهُمْ لَا يُسْأَلُونَ أَيْضًا ق ل فَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِينَ لَا يُسْأَلُونَ أَرْبَعَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِشُغْلِهِمْ بِالْحُزْنِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الطَّعَامِ أَيْ تَهْيِئَتِهِ، أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلتَّهْيِئَةِ وَذَكَرَهُ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ التَّذْكِيرَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إصْلَاحُ أَهْلِ الْمَيِّتِ) نُسْخَةٌ اصْطِنَاعُ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ) بَلْ هُوَ حَرَامٌ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَوْ قَلِيلًا، لِأَنَّ التَّرِكَةَ مَرْهُونَةٌ بِهِ رَهْنًا شَرْعِيًّا وَكَذَا إنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَوْ غَائِبٌ وَمَحِلُّ الْحُرْمَةِ فِيمَا ذَكَرَ لَوْ صَنَعُوا مِنْ التَّرِكَةِ، أَمَّا لَوْ صَنَعُوا مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ فَبِدْعَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ؛ وَمِثْلُ الْوَحْشَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا يُعْمَلُ لِلْمُقْرِئِينَ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا كَالسَّبْحِ وَالْجَمْعِ فَهُوَ حَرَامٌ أَيْضًا وَكَذَا الْكَفَّارَةُ الْمَعْرُوفَةُ.
اهـ. ق ل
كِتَابُ الزَّكَاةِ وَهِيَ لُغَةً النُّمُوُّ وَالْبَرَكَةُ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ يُقَالُ زَكَا الزَّرْعُ إذَا نَمَا وَزَكَتْ النَّفَقَةُ إذَا بِوَرِكِ فِيهَا وَفُلَانٌ زَاكٍ أَيْ كَثِيرُ الْخَيْرِ وَتُطْلَقُ عَلَى التَّطْهِيرِ قَالَ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] أَيْ طَهَّرَهَا مِنْ الْأَدْنَاسِ وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَدْحِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] أَيْ تَمْدَحُوهَا وَشَرْعًا اسْمٌ لِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ مِنْ مَالٍ مَخْصُوصٍ يَجِبُ صَرْفُهُ لِأَصْنَافٍ مَخْصُوصَةٍ بِشَرَائِطَ سَتَأْتِي وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ يَنْمُو بِبَرَكَةِ إخْرَاجِهَا وَدُعَاءِ الْآخِذِ لَهَا وَلِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُخْرِجَهَا مِنْ الْإِثْمِ وَتَمْدَحُهُ حَتَّى تَشْهَدَ لَهُ بِصِحَّةِ الْإِيمَانِ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وقَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ لِهَذَا الْخَبَرِ.
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
هِيَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ سَيِّدِنَا عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 31] وَقِيلَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَجُمِعَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ بِالنَّظَرِ لِلْأَصْلِ وَالثَّانِيَ بِالنَّظَرِ لِلْكَيْفِيَّةِ وَالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ وَقَدَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّوْمِ وَالْحَجِّ مَعَ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْهَا مُرَاعَاةً لِلْحَدِيثِ النَّاظِرِ إلَى كَثْرَةِ أَفْرَادِ مَنْ تَلْزَمُهُ عَلَيْهِمَا ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ لِأَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهَا وَهُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ يَلْزَمُ أَفْرَادًا كَثِيرَةً
قَوْلُهُ (وَهِيَ لُغَةً النُّمُوُّ) يَعْنِي أَنَّهَا فِي اللُّغَةِ لِأَحَدِ مَعَانٍ خَمْسَةٍ النُّمُوُّ وَالْبَرَكَةُ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ وَالتَّطْهِيرُ وَالْمَدْحُ وَأَدِلَّتُهَا مَا ذَكَرَهُ
وَانْظُرْ وَجْهَ ذِكْرِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ أَوَّلًا أَعْنِي النُّمُوَّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفْرَدَ الْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُمَا التَّطْهِيرُ وَالْمَدْحُ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ لَمَّا كَانَتْ مُتَقَارِبَةَ الْمَعْنَى أَوْ مُتَّحِدَتَهُ جَمَعَهَا إشَارَةً لِذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُغَايِرٌ لِلْآخَرِ وَلِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ فَتَأَمَّلْ
قَوْلُهُ (أَيْ تَمْدَحُوهَا) أَيْ لَا تَمْدَحُوهَا عَلَى جِهَةِ الْإِعْجَابِ وَأَمَّا عَلَى جِهَةِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ فَحَسَنٌ قَوْلُهُ (وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ " وَسُمِّيَ " أَيْ الْقَدْرُ الْمَخْصُوصُ بِذَلِكَ أَيْ بِالزَّكَاةِ وَعِبَارَةُ م ر سُمِّيَ بِهَا ذَلِكَ لِأَنَّ إلَخْ
وَبَعْدَ هَذَا فَيُقَالُ هَذَا لَا يَشْمَلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ وَيُقَالَ أَوْ عَنْ بَدَنٍ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمَالَ يَنْمُو إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِيِّ
قَوْلُهُ (حَتَّى تَشْهَدَ لَهُ بِصِحَّةِ الْإِيمَانِ) لَعَلَّ حَتَّى تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَشْهَدُ إلَخْ أَوْ أَنَّهَا لِلْغَايَةِ أَيْ اسْتَمَرَّ تَطْهِيرُهَا وَمَدْحُهَا مُنْتَهِيًا إلَى أَنْ تَشْهَدَ إلَخْ وَهَلْ الْمُرَادُ الشَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِمَعْنَى أَنَّهَا أَمَارَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ أَوْ فِي الْآخِرَةِ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ حِينَئِذٍ حَقِيقَةً ذَكَرَهُ م د
قَوْلُهُ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] هَذِهِ الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُبَيِّنْ الْمَالَ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ وَلَا الْقَدْرَ الْمُخْرَجَ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ ذَلِكَ وَقِيلَ عَامَّةٌ وَقِيلَ مُطْلَقَةٌ وَالرَّاجِحُ هُنَا الْأَوَّلُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] فَإِنَّ الرَّاجِحَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا عَامَّةٌ أَيْ كُلُّ بَيْعٍ إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحِلُّ
قَوْلُهُ (صَدَقَةً) مِنْ التَّصْدِيقِ لِأَنَّ دَافِعَهَا يُصَدِّقُ بِوُجُوبِهَا.
اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ
قَوْلُهُ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» فِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخَمْسِ فَيَلْزَمُ بِنَاءُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ بُنِيَ
وَيُكَفَّرُ جَاحِدُهَا وَإِنْ أَتَى بِهَا وَهَذَا فِي الزَّكَاةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَالرِّكَازِ، وَيُقَاتَلُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا عَلَيْهَا وَتُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ
(تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ) مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ (وَهِيَ الْمَوَاشِي وَالْأَثْمَانُ وَالزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ) وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَالِ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ الْإِنْسِيَّةُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالزَّرْعُ وَالنَّخْلُ وَالْكَرْمُ، وَمِنْ
[حاشية البجيرمي]
بِمَعْنَى تَرَكَّبَ وَعَلَى بِمَعْنَى مِنْ وَالتَّقْدِيرُ تَرَكَّبَ الْإِسْلَامُ مِنْ خَمْسٍ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ [المطففين: 2] أَيْ مِنْهُمْ أَوْ شَبَّهَ الْإِسْلَامَ بِقَصْرٍ مُشَيَّدٍ عَلَى دَعَائِمَ خَمْسٍ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَطَوَى ذِكْرَ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ خَوَاصِّهِ وَهُوَ قَوْلُهُ بُنِيَ فَيَكُونُ تَخْيِيلًا قَوْلُهُ وَيُكَفَّرُ جَاحِدُهَا عِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ وَيُكَفَّرُ جَاحِدُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ كَوُجُوبِهَا فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَمَالِ التِّجَارَةِ وَمَنْ جَهِلَهَا عُرِّفَ فَإِنْ جَحَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَفَرَ وَيُقَاتَلُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا وَتُؤْخَذُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتَلْ قَهْرًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّاسَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا وَيُؤَدِّيهَا فَيَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] الْآيَةَ وَضَرْبٌ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا وَيَمْتَنِعُ مِنْ إخْرَاجِهَا فَإِنْ كَانَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ أَخَذَهَا مِنْ مَالِهِ قَهْرًا وَإِلَّا قَاتَلَهُ كَمَا فَعَلَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِمَانِعِ الزَّكَاةِ وَضَرْبٌ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ عُرِّفَهُ أَيْ الْوُجُوبَ وَيُنْهَى عَنْ الْعَوْدِ وَإِلَّا حُكِمَ بِكُفْرِهِ اهـ قَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ الْمُجْمَعِ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِيَكْفُرُ قَوْلُهُ كَالرِّكَازِ وَكَمَالِ الصَّبِيِّ وَلِبَعْضِهِمْ مِنْ الْوَافِرِ أَقُولُ لِشَادِنٍ فِي الْحُسْنِ أَضْحَى ... يَصِيدُ بِلَحْظَةٍ قَلْبَ الْكَمِيِّ مَلَكْت الْحُسْنَ أَجْمَعَ فِي نِصَابٍ ... فَأَدِّ زَكَاةَ مَنْظَرِكَ الْبَهِيِّ وَذَاكَ بِأَنْ تَجُودَ لِمُسْتَهَامٍ ... بِرَشْفٍ مِنْ مَقْبَلِك الشَّهِيِّ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِي إمَامٌ ... يَرَى أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَى الصَّبِيِّ فَإِنْ تَكُ شَافِعِيَّ الرَّأْيِ أَوْ مَنْ ... يَرَى رَأْيَ الْإِمَامِ الْمَالِكِيِّ فَلَا تَكُ طَالِبًا مِنِّي زَكَاةً ... فَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَلَى الْوَلِيِّ وَلِبَعْضِهِمْ يَا مَنْ تَفَرَّدَ فِي الْوَرَى بِجَمَالِهِ ... وَبِهِ الْكَوَاكِبُ فِي السَّمَا تَتَبَاهَى إنَّ الْفَقِيرَ يُرِيدُ مِنْك تَعَطُّفًا بِزَكَاةِ حُسْنٍ ... قَدْ مَنَعْت عَطَاهَا لَمَّا طَلَبْت زَكَاتَهُ فَأَجَابَنِي وَرْدُ الْخُدُودِ بِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَوْلُهُ (وَفُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ) وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ شَهْرٍ مِنْهَا وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُنَا الْبَابِلِيُّ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي شَوَّالٍ مِنْ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ
قَوْلُهُ: (مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ) الْأَوْلَى مِنْ أَجْنَاسِ الْمَالِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِيمَا بَعْدُ، لَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ الْجِنْسَ الْمَنْطِقِيَّ بَلْ مَا دَلَّ عَلَى مُتَعَدِّدٍ فَأَشْبَهَ النَّوْعَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ) وَتَرْجِعُ إلَى ضَرْبَيْنِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ وَهُوَ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَبَاتٌ وَجَوْهَرُ النَّقْدَيْنِ وَحَيَوَانٌ زي قَوْلُهُ: (أَصْنَافٍ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ مَثَلًا لَيْسَ صِنْفًا مِنْ نَوْعٍ بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنْ جِنْسٍ وَهُوَ الْمَاشِيَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُرُوضَ التِّجَارَةِ مَعَ أَنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي الْإِجْمَالِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهَا تُقَوَّمُ بِأَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ
ذَلِكَ وَجَبَتْ لِثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنْ طَبَقَاتِ النَّاسِ (فَأَمَّا الْمَوَاشِي) جَمْعُ مَاشِيَةٍ وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُرَادٍ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ الْمُرَادَ مِنْهَا بِقَوْلِهِ (فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ مِنْهَا) فَقَطْ (وَهِيَ الْإِبِلُ) بِكَسْرِ الْبَاءِ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَتُسَكَّنُ بَاؤُهُ لِلتَّخْفِيفِ وَيُجْمَعُ عَلَى آبَالٍ كَحَمْلٍ وَأَحْمَالٍ (وَالْبَقَرُ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ وَاحِدُهُ بَقَرَةٌ وَبَاقُورَةٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ يَشُقُّهَا بِالْحِرَاثَةِ (وَالْغَنْمُ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ فَلَا تَجِبُ فِي الْخَيْلِ وَلَا فِي الرَّقِيقِ وَلَا فِي الْمُتَوَلِّدِ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ، وَأَمَّا الْمُتَوَلِّدُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ النَّعَمِ وَمِنْ آخَرَ مِنْهَا كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ إبِلٍ وَبَقَرٍ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا تَجِبُ فِيهِ.
وَقَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِهِ.
قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُزَكِّي زَكَاةَ أَخَفِّهِمَا، فَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ يُزَكَّى زَكَاةَ الْبَقَرِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ
(وَشَرَائِطُ وُجُوبِهَا) أَيْ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ الَّتِي هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ (سِتَّةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ) لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ وَإِنْ كَانَ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
نَعَمْ الْمُرْتَدُّ تُؤْخَذُ مِنْهُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ أَسْلَمَ أَمْ لَا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ هَذَا إذَا لَزِمَتْهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ، وَمَا لَزِمَهُ فِي رِدَّتِهِ فَهُوَ مَوْقُوفٌ كَمَا لَهُ إنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا لِتَبَيُّنِ بَقَاءِ مِلْكِهِ وَإِلَّا فَلَا.
(وَ) الثَّانِي (الْحُرِّيَّةُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى رَقِيقٍ وَلَوْ مُدَبَّرًا وَمُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، أَوْ مُكَاتَبًا لِضَعْفِ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَلِعَدَمِ مِلْكِ غَيْرِهِ.
نَعَمْ تَجِبُ عَلَى مَنْ مَلَكَ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ نِصَابًا لِتَمَامِ مِلْكِهِ.
[حاشية البجيرمي]
أَجْنَاسٍ) لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ اللُّغَوِيَّ الشَّامِلَ لِلنَّوْعِ لِيُلَائِمَ مَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (الْإِنْسِيَّةُ) هَذَا قَيْدٌ لِلْبَقَرِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَهُ عَلَى لَفْظِ الْغَنَمِ لِأَنَّ الظِّبَاءَ إنَّمَا تُسَمَّى شِيَاهَ الْبَرِّ لَا غَنَمَ الْبَرِّ.
اهـ. ز ي أج.
قَوْلُهُ: (وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) وَمِنْ ذَلِكَ عُرُوضُ التِّجَارَةِ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ لِلْقِيمَةِ وَهِيَ هُمَا.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ ذَلِكَ) مِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ كَانَ كُلُّ زَكَاةٍ مِنْ نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ الثَّمَانِيَةِ تُدْفَعُ لِصِنْفٍ مِنْ الثَّمَانِيَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ زَكَاةٍ تُدْفَعُ لِلثَّمَانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَنْعَامِ) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ وَالنُّكْتَةُ فِيهِ كَوْنُ الْكَلَامِ فِيهَا.
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَالنَّعَمُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ وَجَمْعُهُ أَنْعَامٌ وَأَنْعَامٌ جَمْعُهُ أَنَاعِمُ وَسُمِّيَتْ نَعَمًا لِكَثْرَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا عَلَى خَلْقِهِ مِنْ النُّمُوِّ وَعُمُومِ الِانْتِفَاعِ بِهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (مِنْ لَفْظِهِ) بَلْ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ مَعْنَاهُ وَهُوَ بَعِيرٌ وَجَمَلٌ وَنَاقَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ) أَيْ جَمْعِيٌّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَاحِدُهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (اسْمُ جِنْسٍ) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ اسْمَ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ لِعَدَمِ وَاحِدٍ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَجِبُ فِي الْخَيْلِ) هُوَ اسْمُ جَمْعٍ لِأَنَّهُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِي الْمُتَوَلِّدِ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ) وَهَذَا مِنْ قَاعِدَةِ الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ زَكَوِيٍّ وَغَيْرِهِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، فَقَوْلُ م د هُوَ مِنْ قَاعِدَةٍ يَتْبَعُ الْفَرْعَ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِ الشَّارِحِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُزَكِّي زَكَاةَ أَخَفِّهِمَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (زَكَاةَ أَخَفِّهِمَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ لَا مِنْ حَيْثُ السِّنُّ، فَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ يَجِبُ فِيهِ مَا لَهُ سَنَتَانِ.
اهـ. ق ل.
وَقَالَ سم: يَكْفِي مَا لَهُ سَنَةٌ، وَقَالَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى حَجّ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَتْبَعُ أَعْلَى السِّنِّ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ) وَإِذْ كَانَ يُزَكِّي زَكَاةَ الْبَقَرِ فَلَا تَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ وَلَوْ كَانَ عَلَى صُورَةِ الْإِبِلِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِ الصِّدِّيقِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ) .
قَوْلُهُ: (نَعَمْ الْمُرْتَدُّ تُؤْخَذُ مِنْهُ) وَإِنْ أَخْرَجَ حَالَ رِدَّتِهِ أَجْزَأَهُ كَمَا لَوْ أَطْعَمَ عَنْ الْكَفَّارَةِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ وَتَكْفِي نِيَّتُهُ فِي الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ شَرْطُهَا الْإِسْلَامَ لِلضَّرُورَةِ وَتَكُونُ لِلتَّمْيِيزِ.
قَوْلُهُ: (مَوْقُوفٌ) أَيْ لُزُومُ الْأَدَاءِ وَالْإِخْرَاجِ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَثَابِتٌ لَا وَقْفَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا) وَلَوْ أَخْرَجَهَا حَالَ رِدَّتِهِ أَجْزَأَتْهُ إنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَوْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْلَامِ رَجَعَ الْإِمَامُ عَلَى الْآخِذِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا فَلَا تُخْرَجُ الزَّكَاةُ عَنْهُ لِتَبَيُّنِ أَنَّ الْمَالَ لَيْسَ عَلَى مِلْكِهِ بَلْ هُوَ فَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (الْحُرِّيَّةُ) أَيْ وَلَوْ بَعْضًا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُكَاتَبًا) وَلَوْ كِتَابَةً
(وَ) الثَّالِثُ (الْمِلْكُ التَّامُّ) فَلَا تَجِبُ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ مِلْكًا تَامًّا كَمَالِ كِتَابَةٍ إذْ لِلْعَبْدِ إسْقَاطُهُ مَتَى شَاءَ، وَتَجِبُ فِي مَالِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ وَلِيُّهُ، وَلَا تَجِبُ فِي مَالِ وَقْفٍ لِجَنِينٍ إذْ لَا وُثُوقَ بِوُجُودِهِ وَحَيَاتِهِ.
وَتَجِبُ فِي مَغْصُوبٍ وَضَالٍّ وَمَجْحُودٍ وَغَائِبٍ، وَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهُ وَمَمْلُوكٍ بِعَقْدٍ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهَا مُلِكَتْ مِلْكًا تَامًّا، وَفِي دَيْنٍ لَازِمٍ مِنْ نَقْدٍ وَعَرْضِ تِجَارَةٍ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَلَا يَمْنَعُ دَيْنٌ وَلَوْ حُجِرَ بِهِ وُجُوبَهَا، وَلَوْ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ بِأَنْ مَاتَ
[حاشية البجيرمي]
فَاسِدَةً، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ صَارَ مَا بِيَدِهِ لِسَيِّدِهِ وَابْتَدَأَ حَوْلَهُ مِنْ حِينَئِذٍ وَإِنْ عَتَقَ ابْتَدَأَ حَوْلَهُ مِنْ حِينِ عِتْقِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَلَا زَكَاةَ عَلَى السَّيِّدِ وَلَا مُكَاتَبِهِ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبُ لَيْسَ بِحُرٍّ وَمِلْكُهُ ضَعِيفٌ، فَإِنْ زَالَتْ الْكِتَابَةُ لِعَجْزٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ غَيْرِهِ انْعَقَدَ حَوْلُهُ مِنْ حِينِ زَوَالِهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (الْمِلْكُ) دَخَلَ الْأَنْبِيَاءُ لِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ، خِلَافًا لِمَالِكٍ حَيْثُ قَالَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُمْ لَا مِلْكَ لَهُمْ مَعَ اللَّهِ، وَأَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ وَدَائِعِ اللَّهِ لَهُمْ يَبْذُلُونَهَا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ طُهْرَةٌ وَهُمْ مُبَرَّءُونَ مِنْ الدَّنَسِ أج مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ (كَمَالِ كِتَابَةٍ) أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ نُجُومِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا، فَانْدَفَعَ قَوْلُ م د إنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ خَارِجٌ بِقَيْدِ الْحُرِّيَّةِ فَذِكْرُهُ تَكْرَارٌ اهـ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ بِقَيْدِ الْحُرِّيَّةِ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِيمَا بِيَدِهِ سَوَاءٌ نُجُومُ الْكِتَابَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي السَّيِّدِ أَيْ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ فِي النُّجُومِ قَبْلَ قَبْضِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي مَالِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ) وَهُوَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ وَتَلْزَمُ النِّيَّةُ الْوَلِيَّ عَنْ مَحْجُورِهِ، فَلَوْ دَفَعَ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلِوَلِيِّ السَّفِيهِ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُفَوِّضَ النِّيَّةَ لَهُ كَغَيْرِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُخَاطَبُ بِالْإِخْرَاجِ إلَخْ) وَمَحِلُّ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ كَحَنَفِيٍّ فَلَا وُجُوبَ وَالِاحْتِيَاطُ لَهُ أَنْ يَحْسُبَ زَكَاتَهُ، فَإِذَا كَمُلَ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَلَا يُخْرِجْهَا فَيُغَرِّمَهُ الْحَاكِمُ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ فِي مَالِ وَقْفٍ) لَوْ قَدَّمَهُ عَلَى قَوْلِهِ " وَتَجِبُ فِي مَالِ إلَخْ " لَكَانَ أَوْلَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
وَفِي شَرْحِ م ر تَفْرِيعُ هَذَا عَلَى شَرْطٍ آخَرَ، وَعِبَارَتُهُ: وَيَتَعَيَّنُ وُجُودُ الْمَالِكِ فَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ وَقْفٍ لِجَنِينٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الْجَنِينُ) أَيْ وَلَوْ انْفَصَلَ حَيًّا كَمَا قَالَهُ سم، وَاللَّامُ فِي " لِجَنِينٍ " تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ لِأَجْلِ جَنِينٍ، فَيَشْمَلُ التَّرِكَةَ كُلَّهَا حَتَّى لَوْ انْفَصَلَ مَيِّتًا لَا تَجِبُ عَلَى الْوَرَثَةِ لَا فِي نَصِيبِهِ وَلَا فِي نَصِيبِهِمْ لِضَعْفِ مِلْكِهِمْ بِمَنْعِهِمْ مِنْ التَّصَرُّفِ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا وُثُوقَ بِوُجُودِهِ) أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، فَلَوْ تَيَقَّنَ وُجُودَهُ لَا تَجِبُ أَيْضًا؛ قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: فَلَوْ انْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجَهُ عَدَمُ لُزُومِهَا بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ لِضَعْفِ مِلْكِهِمْ اهـ.
قَالَ ع ش: قَوْلُهُ " الْمُتَّجَهُ عَدَمُ لُزُومِهَا " أَيْ فِي جَمِيعِ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ لَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالْجَنِينِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقِيَاسُ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْوَرَثَةِ إذَا تَبَيَّنَ عَدَمُ الْحَمْلِ لِلتَّرَدُّدِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ لَهُ الْمَالُ فِي عَيْنِ مَنْ انْتَقَلَ الْمَالُ لَهُ، وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ زي وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيمَا لَوْ تَبَيَّنَ لَا حَمْلَ لِحُصُولِ الْمِلْكِ لِلْوَرَثَةِ بِمَوْتِ الْمُوَرِّثِ اهـ.
وَهَذِهِ الْعِلَّةُ بِعَيْنِهَا مَوْجُودَةٌ فِيمَا لَوْ انْفَصَلَ مَيِّتًا اهـ بِالْحَرْفِ.
وَفِي وُجُوبِهَا فِي ذَلِكَ وَقْفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ فِي مَغْصُوبٍ إلَخْ) وَمِنْهُ الْمَسْرُوقُ، وَالْمُرَادُ بِوُجُوبِهَا فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ اسْتِقْرَارُهَا فِي ذِمَّتِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا إلَّا بِحُضُورِهَا أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، قَالَ م ر: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْمَغْصُوبِ وَفِي نَحْوِ الْغَائِبِ بِمُسْتَحِقِّي مَحَلِّ الْوُجُوبِ لَا التَّمَكُّنِ اهـ؛ أَيْ فَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ لِمُسْتَحِقِّ الْبَلَدِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا حَالَةَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَيْ حَالَةَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ وَقَوْلُهُ وَضَالٍّ، وَمِنْهُ الْوَاقِعُ فِي بَحْرٍ وَالْمَدْفُونُ الْمَنْسِيُّ مَحَلُّهُ وَيَتَصَوَّرُ إسَامَةَ الضَّالَّةِ بِأَنْ يَقْصِدَ مَالِكُهَا إسَامَتَهَا وَتَسْتَمِرُّ سَائِمَةً وَهِيَ ضَالَّةٌ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْإِسَامَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَمَا قَالَهُ الْعَنَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمَجْحُودٍ) أَيْ مُودَعٍ جَحَدَهُ الْوَدِيعُ أَوْ دَيْنٌ جَحَدَهُ مَنْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهُ) أَيْ أَخْذُ كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَمْلُوكٍ بِعَقْدٍ قَبْلَ قَبْضِهِ) بِأَنْ بَاعَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ حَتَّى مُضِيِّ الْحَوْلِ، أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا مُلِكَتْ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلْكُلِّ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ إسَامَةَ الْمَالِكِ لَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: (وَعَرْضِ تِجَارَةٍ) كَأَنْ
قَبْلَ أَدَائِهَا وَضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْهُمَا قُدِّمَتْ عَلَى الدَّيْنِ تَقْدِيمًا لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» وَخَرَجَ بِدَيْنِ الْآدَمِيِّ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى كَزَكَاةٍ وَحَجٍّ، فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ النِّصَابُ مَوْجُودًا قُدِّمَتْ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَيَسْتَوِيَانِ، وَبِالتَّرِكَةِ مَا لَوْ اجْتَمَعَا عَلَى حَيٍّ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ قُدِّمَ حَقُّ الْآدَمِيِّ إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِالْعَيْنِ وَإِلَّا قُدِّمَتْ مُطْلَقًا.
(وَ) الشَّرْطُ (الرَّابِعُ النِّصَابُ) بِكَسْرِ النُّونِ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ فَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَهُ.
(وَ) الْخَامِسُ (الْحَوْلُ) لِخَبَرِ «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا مَجْبُورٌ بِآثَارٍ صَحِيحَةٍ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعِ وَغَيْرِهِمْ، وَالْحَوْلُ كَمَا فِي الْمُحْكَمِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ تَمَامِهِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ.
وَلَكِنْ
[حاشية البجيرمي]
قَالَ: أَسْلَمْت إلَيْك هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فِي مِائَةِ مَقْطَعِ قُمَاشٍ أَتَّجِرُ فِيهَا، وَنَوَى بِهَا التِّجَارَةَ؛ وَكَأَنْ أَقْرَضَ الْعُرُوضَ لِآخَرَ فَإِنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ، فَإِذَا مَضَى حَوْلٌ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي الصُّورَتَيْنِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: قَوْلُهُ " وَعَرْضِ تِجَارَةٍ " خَرَجَ بِذَلِكَ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَلَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ لِأَنَّ شَرْطَ زَكَاتِهَا السَّوْمُ وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُسَامُ اهـ. قَوْلُهُ: (لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وَ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: 103] شَامِلٌ لِمَالِ التِّجَارَةِ وَلِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُقْتَرِضِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ هَذَا: بِخِلَافِ غَيْرِ اللَّازِمِ كَمَالِ كِتَابَةٍ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ تَامٍّ فِيهِ إذْ لِلْعَبْدِ إسْقَاطُهُ مَتَى شَاءَ، وَبِخِلَافِ اللَّازِمِ مِنْ مَاشِيَةٍ وَمُعَشَّرٍ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الزَّكَاةِ فِي الْمَاشِيَةِ السَّوْمُ وَمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُسَامُ وَفِي الْمُعَشَّرِ الزَّهْوُ أَيْ النُّمُوُّ فِي مِلْكِهِ وَلَمْ يُوجَدْ.
قَوْلُهُ: (قُدِّمَتْ عَلَى الدَّيْنِ) أَيْ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ قَبْلَ الْمَوْتِ كَالْمَرْهُونِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: حُقُوقُ اللَّهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحُدُودِ وَنَحْوِهَا، أَوْ يُقَالُ الزَّكَاةُ فِيهَا جِهَتَانِ حَقُّ اللَّهِ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: (كَزَكَاةٍ وَحَجٍّ) أَوْ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ النِّصَابُ) أَوْ بَعْضُهُ شَوْبَرِيٌّ، وَعِبَارَةُ حَجّ: إنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ بِأَنْ بَقِيَ النِّصَابُ وَإِلَّا بِأَنْ تَلِفَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَالتَّمَكُّنِ اسْتَوَتْ مَعَ غَيْرِهَا فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَوِيَانِ) أَيْ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِالْقِسْطِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ س ل، أَيْ فَإِذَا اشْتَدَّ احْتِيَاجُ الْفُقَرَاءِ قُدِّمَتْ الزَّكَاةُ.
وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ " فَيَسْتَوِيَانِ ": أَيْ فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا فَيُدْفَعُ مَا خَصَّ الزَّكَاةَ لَهَا وَمَا خَصَّ الْحَجَّ لَهُ وَيَجِبُ الْحَجُّ إنْ كَفَى الْحَجُّ وَإِلَّا فَلَا؛ وَهَلْ يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ حِينَئِذٍ أَوْ يَبْقَى فَرُبَّمَا حَصَلَ لَهُ مَالٌ كَمَّلَ بِهِ مَالَ الْحَجِّ؟ فَتَدَبَّرْ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ " فَيَسْتَوِيَانِ " أَيْ فِي التَّعَلُّقِ أَيْ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُوَزَّعُ الْمَالُ الْمَوْجُودُ عَلَى قَدْرِهِمَا بِالنِّسْبَةِ؛ فَإِذَا كَانَ قَدْرُ الزَّكَاةِ خَمْسَةً وَالْحَجُّ أُجْرَتُهُ عَشَرَةٌ فَالْمَجْمُوعُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَالزَّكَاةُ ثُلُثٌ فَيَخُصُّهَا الثُّلُثَ وَالْجَمْعُ الثُّلُثَانِ وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا شَيْءَ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ سِوَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ الَّذِي خَصَّهُ يُوفِي بِأُجْرَتِهِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَفِي فَيُحْفَظُ إلَى أَنْ يَحْصُلَ مَا يُكَمِّلُهُ وَيَحُجُّ بِهِ وَلَا يَمْلِكُهُ الْوَارِثُ؛ هَكَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ اجْتَمَعَا عَلَى حَيٍّ) أَيْ وَضَاقَ مَالُهُ عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِالْعَيْنِ) بِأَنْ تَعَلَّقَتْ بِالْقِيمَةِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَقَالَ سم: قَوْلُهُ " قُدِّمَ حَقُّ الْآدَمِيِّ " لَعَلَّ صُورَتَهُ إنْ كَانَ النِّصَابُ تَالِفًا، فَإِنْ كَانَ النِّصَابُ بَاقِيًا قَدَّمْت مَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَوْ حُجِرَ بِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَيْنِ قُدِّمَتْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ إلَخْ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْبَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا بَاءُ التَّصْوِيرِ أَوْ التَّقْدِيرِ، وَيَتَحَقَّقُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ؛ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: قَدْرٌ
لِنِتَاجِ نِصَابِ مِلْكِهِ بِسَبَبِ مِلْكِ النِّصَابِ حَوْلَ النِّصَابِ وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِسَاعِيهِ: اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ.
وَأَيْضًا الْمَعْنَى فِي اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ أَنْ يَحْصُلَ النَّمَاءُ وَالنِّتَاجُ نَمَاءٌ عَظِيمٌ فَيَتْبَعُ الْأُصُولَ فِي الْحَوْلِ، وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ النِّتَاجَ بَعْدَ الْحَوْلِ صُدِّقَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِهِ قَبْلَهُ، فَإِنْ اتَّهَمَهُ السَّاعِي سُنَّ تَحْلِيفُهُ.
(وَ) السَّادِسُ (السَّوْمُ) وَهُوَ إسَامَةُ مَالِكٍ لَهَا كُلَّ الْحَوْلِ، وَاخْتُصَّتْ السَّائِمَةُ بِالزَّكَاةِ لِتَوَفُّرِ مُؤْنَتِهَا بِالرَّعْيِ فِي كَلَأٍ مُبَاحٍ أَوْ مَمْلُوكٍ قِيمَتُهُ يَسِيرَةٌ لَا يُعَدُّ مِثْلُهَا كُلْفَةً فِي مُقَابَلَةِ نَمَائِهَا، لَكِنْ لَوْ عَلَفَهَا قَدْرًا تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلَا ضَرَرٍ بَيِّنٍ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ قَطْعَ سَوْمٍ لَمْ يَضُرَّ، أَمَّا لَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ أَسَامَهَا غَيْرُ مَالِكِهَا كَغَاصِبٍ أَوْ اعْتَلَفَتْ سَائِمَةٌ أَوْ عُلِفَتْ مُعْظَمَ الْحَوْلِ أَوْ قَدْرًا لَا تَعِيشُ بِدُونِهِ أَوْ تَعِيشُ لَكِنْ بِضَرَرٍ بَيِّنٍ أَوْ بِلَا ضَرَرٍ بَيِّنٍ لَكِنْ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ سَوْمٍ أَوْ وَرِثَهَا وَتَمَّ حَوْلُهَا وَلَمْ
[حاشية البجيرمي]
أَيْ وَهُوَ قَدْرٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الْحَوْلُ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَحَوُّلِهِ أَيْ ذَهَابِهِ وَمَجِيءِ غَيْرِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ لِنِتَاجِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا تَجِبُ قَبْلَ تَمَامِهِ.
وَصُورَةُ هَذِهِ أَنْ يَمْلِكَ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ فَتَنْتِجُ قَبْلَ الْحَوْلِ خَمْسًا، أَوْ يَمْلِكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ؛ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ شَاةٌ كَالْأَرْبَعِينَ، فَإِذَا أَنْتَجَتْ وَاحِدَةً فَصَارَ الْمِلْكُ لِمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَجَبَ شَاتَانِ، وَلَوْ كَانَ النِّتَاجُ قَبْلَ الْحَوْلِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، فَقَوْلُهُ " نِصَابٍ " قَيْدٌ اهـ. لَا يُقَالُ شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ السَّوْمُ فِي كَلَأٍ مُبَاحٍ فَكَيْفَ وَجَبَتْ فِي النِّتَاجِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ النِّتَاجَ لَمَّا أُعْطِيَ حُكْمَ أُمَّهَاتِهِ فِي الْحَوْلِ فَأَوْلَى فِي السَّوْمِ، فَمَحَلُّ اشْتِرَاطِهِمَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ التَّابِعُ الَّذِي لَا تُتَصَوَّرُ إسَامَتُهُ كَمَا فِي م ر وحج.
وَيَجِبُ فِي النِّتَاجِ شَاةٌ صَغِيرَةٌ شَوْبَرِيٌّ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ النِّتَاجُ مِنْ جِنْسِ النِّصَابِ وَإِلَّا أُفْرِدَ بِحَوْلٍ كَخَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ نَتَجَتْ خَمْسِينَ عِجْلًا.
قَوْلُهُ: (بِسَبَبِ مِلْكِ النِّصَابِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَفَ السَّبَبُ كَأَنْ أَوْصَى مَالِكُ الْأُمَّهَاتِ بِالنِّتَاجِ لِآخَرَ وَمَاتَ فَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ أَوْصَى بِالنِّتَاجِ لِلْوَارِثِ فَلَا ضَمَّ لِاخْتِلَافِ سَبَبِ مِلْكِهِمَا أَوْ وَرِثَهُ الْوَارِثُ مِنْ الْمُوصَى لَهُ؛ كَذَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (اعْتَدَّ) أَيْ اُحْسُبْهَا عَلَيْهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَالِ ع ش.
قَوْلُهُ: (سُنَّ تَحْلِيفُهُ) فَلَوْ نَكَلَ تُرِكَ وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيفُ السَّاعِي؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ وَلَا الْفُقَرَاءِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِمْ م ر.
قَوْلُهُ: (السَّوْمُ) وَهُوَ إسَامَةُ مَالِكِهَا أَيْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا فِي مِلْكِهِ لِتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ الْإِرْثِ الْآتِيَةُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، وَهَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ وَإِلَّا فَالسَّوْمُ الرَّعْيُ فِي كَلَأٍ مُبَاحٍ اهـ.
وَمِثْلُ مَالِكِهَا نَائِبُهُ كَالْإِمَامِ فِي نَحْوِ الضَّالِّ.
قَوْلُهُ: (فِي كَلَأٍ مُبَاحٍ) هُوَ الْحَشِيشُ الرَّطْبُ، وَلَيْسَ قَيْدًا بَلْ مِثْلُهُ الْأَوْرَاقُ الْمُتَنَاثِرَةُ تَحْتَ الْأَشْجَارِ وَغَيْرِهَا؛ بَلْ الضَّابِطُ أَنْ لَا تُرْعَى فِي شَيْءٍ مَمْلُوكٍ.
اهـ. ع ش عَلَى الْغَزِّيِّ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ سُكُوتِهِمْ عَنْ الشُّرْبِ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ مَثَلًا لَا يَقْدَحُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا كُلْفَةَ وَحَاجَةَ فِي الْمَاءِ وَأَنَّ كُلْفَتَهُ يَسِيرَةٌ بِخِلَافِ الْعَلَفِ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (لَا يُعَدُّ مِثْلُهَا كُلْفَةً) كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى كُلِّ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فِي كُلِّ عَامٍ دِرْهَمٌ مَثَلًا، قَالَ الْمَرْحُومِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ أَنَّهَا غَيْرُ سَائِمَةٍ، وَلَا تَكُونُ سَائِمَةً إلَّا إذَا كَانَ الْكَلَأُ الْمَمْلُوكُ لَا قِيمَةَ لَهُ أَصْلًا؛ هَذَا مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّارِحِ فَيَكُونُ قَوْلُ الشَّارِحِ " أَوْ مَمْلُوكٍ إلَخْ " ضَعِيفًا عَلَى كَلَامِ الْمَرْحُومِيِّ.
قَوْلُهُ: (فِي مُقَابَلَةِ نَمَائِهَا) هُوَ دَرُّهَا وَنَسْلُهَا وَصُوفُهَا وَوَبَرُهَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ سَامَتْ إلَخْ) هِيَ وَمَا بَعْدَهَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ إسَامَةُ الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اعْتَلَفَتْ سَائِمَةٌ) أَيْ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ عَلَفِ الْمَالِكِ لَهَا كَأَنْ نَسِيَهَا الرَّاعِي فَمَكَثَتْ مُدَّةً تَعْتَلِفُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا مَالِكُهَا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيَكُونَ مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ " عُلِفَتْ " لِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَفَهَا مَالِكُهَا أَوْ نَائِبُهُ.
قَوْلُهُ: (مُعْظَمَ الْحَوْلِ) مُحْتَرَزُ كُلِّ الْحَوْلِ وَقَدْ تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ اعْتَلَفَتْ وَعُلِفَتْ.
قَوْلُهُ: (لَا تَعِيشُ بِدُونِهِ) كَأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذِهِ يُفْهَمُ مِنْهَا مَا قَبْلَهَا بِالْأَوْلَى فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَرْكَزِهِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ بِضَرَرٍ بَيِّنٍ) كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لِانْتِفَاءِ السَّوْمِ مَعَ كَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ؛ كَذَا فِي
يَعْلَمْ فَلَا زَكَاةَ لِفَقْدِ إسَامَةِ الْمَالِكِ الْمَذْكُورِ، وَالْمَاشِيَةُ تَصْبِرُ عَنْ الْعَلَفِ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ لَا ثَلَاثَةً.
(وَأَمَّا الْأَثْمَانُ فَشَيْئَانِ) وَهُمَا (الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ) . وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] وَالْكَنْزُ هُوَ الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ الْأَثْمَانَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شُمُولُ الْأَثْمَانِ لِغَيْرِ الْمَضْرُوبِ، فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَضْرُوبِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا وَإِنَّمَا هِيَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ خَاصَّةً كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِتَفْسِيرِ الْأَثْمَانِ وَإِنْ كَانَ حَسَنًا مِنْ حَيْثُ شُمُولُ الْمَضْرُوبِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ الْمُرَادُ هُنَا.
(وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا) أَيْ الْأَثْمَانِ وَلَوْ قَالَ فِيهِمَا لِيَعُودَ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ (خَمْسٌ) وَهِيَ (الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْمِلْكُ التَّامُّ وَالنِّصَابُ وَالْحَوْلُ) وَمُحْتَرَزَاتُهَا مَعْلُومَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ فِي الْحَوْلِ عَنْ النِّصَابِ أَوْ بَعْضُهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَادَ بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ لِانْقِطَاعِ الْأَوَّلِ بِمَا فَعَلَهُ فَصَارَ مِلْكًا جَدِيدًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَوْلٍ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِقَصْدِ الْفِرَارِ مِنْ الزَّكَاةِ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لِأَنَّهُ فِرَارٌ مِنْ الْقُرْبَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا
[حاشية البجيرمي]
فَتْحِ الْجَوَادِ وَالتُّحْفَةِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَرِثَهَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " سَامَتْ " بِأَنْ كَانَ يَسُومُهَا الْوَارِثُ جَاهِلًا بِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَهَذَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ " إسَامَةِ الْمَالِكِ " مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمُقَدَّرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ عِلْمُ الْمَالِكِ بِأَنَّهَا فِي مِلْكِهِ لِاسْتِحَالَةِ الْقَصْدِ إلَيْهَا مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَعْلَمْ) أَيْ وَكَانَ هُوَ الْمُسِيمُ لَهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا زَكَاةَ) أَيْ فِي الصُّوَرِ الثَّمَانِيَةِ، وَيُضَمُّ لَهَا صُورَةُ جَزِّ الْكَلَأِ الْمُبَاحِ وَتَقْدِيمِهِ لَهَا فَإِنَّهُ كَالْعَلَفِ كَمَا قَالَهُ ق ل وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا ثَلَاثَةً) أَيْ بِلَا ضَرَرٍ بَيِّنٍ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا تَعِيشُ حِينَئِذٍ لَكِنْ بِضَرَرٍ بَيِّنٍ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْأَثْمَانُ) جَمْعُ ثَمَنٍ كَجَمَلٍ وَأَجْمَالٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَنْزُ هُوَ الَّذِي إلَخْ) هُوَ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] وَإِلَّا فَالْكَنْزُ لُغَةً الْمَالُ الْمَكْنُوزُ، فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ الْمَالَ الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ بِالْمَالِ الْمَدْفُونِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَالَ دَفْنِهِ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ إلَخْ) غَرَضُهُ بِذَلِكَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَثْمَانِ بِذَلِكَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لُغَةً؛ لِأَنَّ الْأَثْمَانَ لُغَةً الْمَضْرُوبُ مِنْهُمَا، وَهُمَا أَيْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ يَشْمَلَانِ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَهُ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ أَجَابَ بِأَنَّ غَرَضَ الْمَتْنِ بَيَانُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ هُنَا لَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعْنَى الْعَامِّ لَا الْخَاصِّ، وَالْحُكْمُ هُوَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَثْمَانِ مَا يَشْمَلُ الْمَضْرُوبَ وَغَيْرَهُ مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ مُرَادًا) أَيْ فِي اللُّغَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مُرَادٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ كَمَا تَجِبُ فِي الْمَضْرُوبِ تَجِبُ فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَحِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ شَامِلَيْنِ لِلْمَضْرُوبِ وَغَيْرِهِ وَالْأَثْمَانُ خَاصَّةٌ بِالْمَضْرُوبِ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ " الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ " فَإِنَّهُمَا شَامِلَانِ لِغَيْرِ الْمَضْرُوبِ.
قَوْلُهُ: (لِتَفْسِيرِ الْأَثْمَانِ) أَيْ لُغَةً، وَقَوْلُهُ " فَإِنَّهُ " أَيْ شُمُولَ الْمَضْرُوبِ وَغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ " لِمَا تَقَدَّمَ " وَهُوَ شُمُولُ الْمَضْرُوبِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِقَصْدِ الْفِرَارِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ﴾ [الأحزاب: 16] وَإِنَّمَا كُرِهَ بِقَصْدِ الْفِرَارِ هُنَا بِقَصْدِ تَرْكِ الْقُرْبَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِزِينَةٍ وَحَاجَةٍ) أَيْ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَقَوْلُهُ: فَقَوِيَ الْمَنْعُ فَلِذَاكِرِهِ.
كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَهَا وَلِلْفِرَارِ أَوْ مُطْلَقًا عَلَى مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُمْ.
فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ فِيمَا إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ وَقَصَدَ الْفِرَارَ بِمَا إذَا اتَّخَذَ ضَبَّةً لِزِينَةٍ وَحَاجَةٍ، أُجِيبُ بِأَنَّ الضَّبَّةَ فِيهَا اُتُّخِذَ فَقَوِيَ الْمَنْعُ بِخِلَافِ الْفِرَارِ.
وَلَوْ بَاعَ النَّقْدَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ لِلتِّجَارَةِ كَالصَّيَارِفَةِ اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ كُلَّمَا بَادَلَ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: بَشِّرْ الصَّيَارِفَةَ بِأَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ.
(وَأَمَّا الزُّرُوعُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ) الْأَوَّلُ (أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَزْرَعُهُ) أَيْ يَتَوَلَّى أَسْبَابَهُ (الْآدَمِيُّونَ) كَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالْعَدَسِ (وَ) الثَّانِي (أَنْ يَكُونَ) الزَّرْعُ (قُوتًا مُدَّخَرًا) كَالْحِمَّصِ وَالْبَاقِلَّا وَهِيَ بِالتَّشْدِيدِ مَعَ الْقَصْرِ: الْفُولُ وَالذُّرَةُ وَهِيَ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مُخَفَّفَةٍ وَالْهُرْطُمَانِ وَهُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَالطَّاءِ الْجُلْبَانُ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَالْمَاشِ وَهُوَ بِالْمُعْجَمَةِ نَوْعٌ مِنْ الْجُلْبَانِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِوُرُودِهَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْبَاقِي وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ «لَا تَأْخُذَا الصَّدَقَةَ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ» فَالْحَصْرُ فِيهِ إضَافِيٌّ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُمْ، وَخَرَجَ بِالْقُوتِ غَيْرُهُ كَخَوْخٍ وَرُمَّانٍ وَتِينٍ وَلَوْزٍ وَتُفَّاحٍ وَمِشْمِشٍ، وَبِالِاخْتِيَارِ مَا يُقْتَاتُ فِي الْجَدْبِ اضْطِرَارًا كَحُبُوبِ الْبَوَادِي حَبِّ الْحَنْظَلِ وَحَبِّ الْغَاسُولِ وَهُوَ الْأُشْنَانُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا كَمَا لَا زَكَاةَ فِي الْوَحْشِيَّاتِ مِنْ الظِّبَاءِ وَنَحْوِهَا، وَأَبْدَلَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ قَيْدَ الِاخْتِيَارِ بِمَا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ، وَعِبَارَةُ التَّنْبِيهِ مِمَّا يَسْتَنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ لِأَنَّ مَا لَا يَزْرَعُونَهُ أَوْ يَسْتَنْبِتُونَهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُقْتَاتُ اخْتِيَارًا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ حَبًّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَنَبَتَ بِأَرْضِنَا فَإِنَّهُ زَكَاةٌ فِيهِ كَالنَّخْلِ الْمُبَاحِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَكَذَا ثِمَارُ الْبُسْتَانِ وَغَلَّةِ الْقَرْيَةِ الْمَوْقُوفَيْنِ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَالْقَنَاطِرِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الزُّرُوعُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا) وَإِنَّمَا وَجَبَتْ لِأَنَّ الْقُوتَ ضَرُورِيٌّ فَأَوْجَبَ الشَّارِعُ فِيهِ شَيْئًا لِذَوِي الضَّرُورَاتِ سم وَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا مِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267] وَقَوْلُهُ " بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ " أَيْ زَائِدَةٍ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْمِلْكِ التَّامِّ، وَسَكَتَ عَنْهَا لِظُهُورِهَا؛ وَالْأَوْلَى حَذْفُ التَّاءِ لِأَنَّ شَرَائِطَ جَمْعُ شَرِيطَةٍ بِمَعْنَى مَشْرُوطَةٍ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ شَرَائِطَ بِمَعْنَى شُرُوطٍ فَأَتَى بِالتَّاءِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَزْرَعُهُ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَزْرَعَهُ الْآدَمِيُّونَ وَإِنْ نَبَتَ اتِّفَاقًا، فَشَمِلَ مَا لَوْ سَقَطَ الْحَبُّ بِنَفْسِهِ مِنْ السَّنَابِلِ وَنَبَتَ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاقِلَّا) قَالَ يَحْيَى بْنُ شَرَفٍ: قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ لُغَتَانِ التَّشْدِيدُ مَعَ الْقَصْرِ وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ، وَالتَّخْفِيفُ مَعَ الْمَدِّ وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ أج.
قَوْلُهُ: (كَخَوْخٍ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ كَبَزْرِ الْكَتَّانِ وَنَحْوِهِ مِنْ الزُّرُوعِ، أَمَّا الْخَوْخُ وَنَحْوُهُ فَمِنْ الثِّمَارِ لَا مِنْ الزُّرُوعِ؛ وَلَوْ أَخْرَجَ هَذَا بِقَوْلِ الْمَتْنِ: وَأَمَّا الثِّمَارُ إلَخْ وَقَالَ هُنَا: وَخَرَجَ بِالْقُوتِ غَيْرُهُ كَالْكَمُّونِ وَالشَّمَرِ، لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الزَّرْعِ م د.
قَوْلُهُ: (وَبِالِاخْتِيَارِ مَا يُقْتَاتُ فِي الْجَدْبِ) لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الِاخْتِيَارِ حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ مَا ذَكَرَ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ ذُكِرَ بِاللَّازِمِ لِأَنَّ قَوْلَهُ " يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّونَ " قَائِمٌ مَقَامَهُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ بَعْدُ، وَأَبْدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ زَرْعِ الْآدَمِيِّينَ لَهُ كَوْنُهُ مُقْتَاتًا اخْتِيَارًا إلَّا أَنْ يُقَالَ اللُّزُومُ أَغْلَبِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَحَبِّ الْغَاسُولِ) أَيْ وَالتُّرْمُسِ.
قَوْلُهُ: (يُسْتَثْنَى إلَخْ) فَإِنَّ هَذَا شَأْنَهُ أَنْ يَسْتَنْبِتَهُ الْآدَمِيُّونَ مَعَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ قَالَ ق ل وَلَوْ جَعَلَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ خَارِجًا بِقَيْدِ الْمِلْكِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ صُورِيٌّ لِأَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ هُنَا لِعَدَمِ الْمَالِكِ الْمُعَيَّنِ لَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَزْرَعْهُ الْآدَمِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ) الْمُرَادُ مِنْ جِنْسِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ق ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ دَارِ الْحَرْبِ) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَالِكُ غَيْرَ حَرْبِيٍّ.
قَوْلُهُ: (بِأَرْضِنَا) أَيْ الْمُبَاحَةِ كَالْمَوَاتِ، أَمَّا الْمَمْلُوكَةُ فَيَمْلِكُهُ مَالِكُهَا وَتَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ أج وع ش. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ قَصَدَ تَمَلُّكَهُ مَلَكَ جَمِيعَهُ، فَلْيُنْظَرْ وَجْهُ ذَلِكَ.
وَهَلَّا جُعِلَ غَنِيمَةً أَوْ فَيْئًا؟
وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ إذْ لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، وَلَوْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْخَرَاجَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ الْعُشْرِ كَانَ أَخْذُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ بِالِاجْتِهَادِ فَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ وَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْوَاجِبِ تَمَّمَهُ.
(وَ) الثَّالِثُ (أَنْ يَكُونَ نِصَابًا) كَامِلًا (وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَالْوَسْقُ بِالْفَتْحِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْجَمْعِ سُمِّيَ بِهِ هَذَا الْمِقْدَارُ لِأَجْلِ مَا جَمَعَهُ مِنْ الصِّيعَانِ.
قَالَ تَعَالَى ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: 17] أَيْ جَمَعَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْأَوْسُقِ بِالْوَزْنِ فِي كِلَاءٍ وَقَدَّرَهَا بِالْكَيْلِ فِي الشَّرْحِ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ أَنْ تَكُونَ مُصَفَّاةً مِنْ تِبْنِهَا (لَا قِشْرَ عَلَيْهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ مَعَهَا.
وَأَمَّا مَا اُدُّخِرَ فِي قِشْرِهِ وَلَمْ يُؤْكَلْ مَعَهُ مِنْ أُرْزٍ وَعَلَسِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْعَيْنِ نَوْعٌ مِنْ الْبُرِّ فَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ غَالِبًا اعْتِبَارًا بِقِشْرِهِ الَّذِي ادِّخَارُهُ فِيهِ أَصْلَحُ لَهُ وَأَبْقَى وَلَا يُكَمَّلُ فِي النِّصَابِ جِنْسٌ بِجِنْسٍ كَالْحِنْطَةِ مَعَ الشَّعِيرِ، وَيُكَمَّلُ فِي نِصَابِ نَوْعٍ بِآخَرَ كَبُرٍّ بِعَلَسٍ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ كَمَا مَرَّ، وَيَخْرُجُ مِنْ كُلٍّ مِنْ النَّوْعَيْنِ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسِرَ إخْرَاجُهُ لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ وَقِلَّةِ مِقْدَارِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا أَخْرَجَ الْوَسَطَ
[حاشية البجيرمي]
سم.
أَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ هَذَا مِمَّا يُعْرَضُ عَنْهُ مَلَكَهُ مَنْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ بِلَا قَصْدٍ، فَإِنْ نَبَتَ فِي مَوَاتٍ مَلَكَهُ مَنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ كَالْحَطَبِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعْرَضُ عَنْهُ لَكِنْ تَرَكُوهُ خَوْفًا مِنْ دُخُولِهِمْ بِلَادِنَا فَهُوَ فَيْءٌ، وَإِنْ قَصَدُوهُ فَمُنِعُوا بِقِتَالٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ لِمَنْ مَنَعَهُمْ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَغَلَّةِ الْقَرْيَةِ) صُورَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَلَّةَ نَبَتَتْ مِنْ حَبٍّ مُبَاحٍ أَوْ بَذَرَهَا النَّاظِرُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ، أَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ الْأَرْضَ الْمَوْقُوفَةَ وَزَرَعَهَا بِبَزْرٍ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَيَمْلِكُ زَرْعَهَا وَتَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ) أَيْ بِالشَّخْصِ كَوَقَفْتُ هَذَا عَلَى زَيْدٍ أَوْ عَلَى زَيْدٍ إمَامِ الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ أَوْ مُدَرِّسِهِ أَوْ خَطِيبِهِ، وَقَوْلُ الْقَلْيُوبِيِّ: إذْ لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مَالِكٌ أَصْلًا كَالْوَقْفِ عَلَى نَحْوِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ كَانَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ بِالنَّوْعِ كَقَوْلِهِ: وَقَفْت هَذَا عَلَى إمَامِ الْجَامِعِ الْفُلَانِيِّ، إذْ لَمْ يَقْصِدْ إمَامًا بِعَيْنِهِ، فَخَرَجَ الْمَوْقُوفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ كَالْمَمْلُوكِ م ر وأ ج.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْخَرَاجَ) بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ لَا يَرَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيمَا زَرَعَ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ كَالْحَنَفِيِّ، وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ يَرَى وُجُوبَهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْمُصَنِّفِ حَاجَةٌ لِذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ ق ل أَيْ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ انْقَطَعَ مِنْ زَمَنِ الشَّافِعِيِّ إلَى الْآنَ.
اهـ. م د. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ مُجْتَهِدًا فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ الْخَرَاجُ وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَإِنْ اكْتَفَى الْإِمَامُ بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَلَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (بَدَلًا عَنْ الْعُشْرِ) أَيْ الْعُشْرِ فِي الزَّكَاةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ الْخَرَاجُ وَيَجِبُ الْعُشْرُ وَالْعُشْرُ هُوَ الزَّكَاةُ فِي الْمُعَشَّرِ فَالْأَمْرَانِ عِنْدَنَا وَاجِبَانِ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْخَرَاجُ فَقَطْ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَوْ أَخَذَ الْإِمَامُ الْخَرَاجَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ عُشْرِ الزَّكَاةِ كَانَ إلَى آخِرِ كَلَامِ الشَّارِحِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَقَصَ) أَيْ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْخَرَاجِ بَدَلًا عَنْ الْعُشْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْرِهَا) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى " الْأَوْسُقِ " وَقَوْلُهُ " مِنْ تِبْنِهَا " الْمُرَادُ بِهِ غِلَافُ الْحَبِّ.
قَوْلُهُ: (لَا قِشْرَ عَلَيْهَا) كَأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقِشْرِ مَا كَانَ غِلَافًا لَهَا فَهُوَ غَيْرُ التِّبْنِ، وَقَوْلُهُ " لِأَنَّ ذَلِكَ " أَيْ التِّبْنَ وَالْقِشْرَ بِخِلَافِ مَا يُؤْكَلُ قِشْرُهُ مَعَهُ كَالْبَاقِلَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ التِّبْنِ وَالْقِشْرِ.
قَوْلُهُ (فَنِصَابُهُ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ " غَالِبًا " بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يَحْصُلُ مِنْهُ النِّصَابُ خَالِصًا سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرَ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَقَدْ يَكُونُ خَالِصُهَا أَيْ الْعَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنْ ذَلِكَ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، أَوْ خَالِصُ مَا دُونَهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَهُوَ نِصَابٌ.
وَهُوَ مَا احْتَرَزْت عَنْهُ بِزِيَادَتِي " غَالِبًا ".
قَوْلُهُ: (فِي النِّصَابِ) مُتَعَلِّقٌ بِاعْتِبَارِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْمِلُ فِي نِصَابِ نَوْعٍ إلَخْ) أَيْ حَيْثُ كَانَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ ح ل.
قَوْلُهُ: (بِقِسْطِهِ) أَيْ لِانْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْمَوَاشِي فَإِنَّهُ يَدْفَعُ نَوْعًا مِنْهَا مَعَ مُرَاعَاةِ قِيمَةِ الْأَنْوَاعِ، وَلَا يُكَلَّفُ
مِنْهَا لَا أَعْلَاهَا وَلَا أَدْنَاهَا رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ، وَلَوْ تَكَلَّفَ وَأَخْرَجَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ قِسْطَهُ جَازَ بَلْ هُوَ الْأَفْضَلُ.
وَالسُّلْتُ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ اللَّامِ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الشَّعِيرَ فِي بُرُودَةِ الطَّبْعِ وَالْحِنْطَةَ فِي اللَّوْنِ وَالْمَلَاسَةِ فَاكْتَسَبَ مِنْ تَرَكُّبِ الشَّبَهَيْنِ طَبْعًا انْفَرَدَ بِهِ وَصَارَ أَصْلًا بِرَأْسِهِ فَلَا يُضَمُّ إلَى غَيْرِهِ
(وَأَمَّا الثِّمَارُ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي شَيْئَيْنِ مِنْهَا) فَقَطْ وَهُمَا (ثَمَرَةُ النَّخْلِ وَثَمَرَةُ الْكَرْمِ) أَيْ الْعِنَبِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْأَقْوَاتِ الْمُدَّخَرَةِ، وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْعِنَبِ لَكَانَ أَوْلَى لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَرْمِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ كَرْمًا إنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قِيلَ سُمِّيَ كَرْمًا مِنْ الْكَرْمِ بِفَتْحِ الرَّاءِ لِأَنَّ الْخَمْرَةَ الْمُتَّخَذَةَ مِنْهُ تُحْمَلُ عَلَيْهِ فَكُرِهَ أَنْ يُسَمَّى بِهِ وَجُعِلَ الْمُؤْمِنُ أَحَقَّ بِمَا يُشْتَقُّ مِنْ الْكَرْمِ يُقَالُ رَجُلٌ كَرْمٌ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا أَيْ كَرِيمٌ.
وَثَمَرَاتُ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ أَفْضَلُ الثِّمَارِ وَشَجَرُهُمَا أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَيُّهَا أَفْضَلُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ النَّخْلَ أَفْضَلُ لِوُرُودِ " أَكْرِمُوا عَمَّاتِكُمْ النَّخْلَ الْمَطْعَمَاتِ فِي الْمَحَلِّ وَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ طِينَةِ آدَمَ " وَالنَّخْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعِنَبِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَشَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّخْلَةَ بِالْمُؤْمِنِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِرَأْسِهَا، فَإِذَا قُطِعَ مَاتَتْ، وَيُنْتَفَعُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَهِيَ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ، فَكَانَتْ أَفْضَلَ وَلَيْسَ فِي الشَّجَرِ شَجَرٌ فِيهِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى تَحْتَاجُ الْأُنْثَى فِيهِ إلَى الذَّكَرِ سِوَاهُ، وَشَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَيْنَ الدَّجَّالِ بِحَبَّةِ الْعِنَبِ لِأَنَّهَا أَصْلُ الْخَمْرِ وَهِيَ أُمُّ الْخَبَائِثِ
(وَشَرَائِطُ
[حاشية البجيرمي]
بَعْضًا مِنْ كُلٍّ لِلْمَشَقَّةِ زِيّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَسِرَ إخْرَاجُهُ) أَيْ الْقِسْطِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَعْلَاهَا) أَيْ لَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ فَلَوْ أَخْرَجَ الْأَعْلَى أَجْزَأَ وَزَادَ خَيْرًا ع ش وق ل قَوْلُهُ: (وَلَا أَدْنَاهَا) أَيْ لَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (لِلْجَانِبَيْنِ) أَيْ جَانِبِ الْمَالِكِ وَجَانِبِ الْآخِذِ.
قَوْلُهُ: (وَالسُّلْتُ) وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ شَعِيرَ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ع ش وق ل.
قَوْلُهُ: (طَبْعًا) أَيْ وَصْفًا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُضَمُّ إلَى غَيْرِهِ) وَالْقَوْل الثَّانِي أَنَّهُ شَعِيرٌ فَيُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ بُرٌّ فَيُضَمُّ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (سُمِّيَ إلَخْ) حَكَاهُ بِقِيلَ لِعَدَمِ صِحَّةِ مَا ذُكِرَ فِيهِ ق ل.
وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي " سُمِّيَ " عَائِدٌ عَلَى الْعِنَبِ.
قَوْلُهُ: (فَكُرِهَ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ عَقِبَ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُشْتَقُّ مِنْ الْكَرْمِ) وَهُوَ كَرِيمٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ كَرِيمٌ) فَهُوَ مِنْ الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ كَرَجُلٍ عَدْلٍ.
قَوْلُهُ: (فِي أَيُّهَا أَفْضَلُ) أَيْ فِي جَوَابِ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّخْلَ أَفْضَلُ) وَذَكَرَ لَهُ أَدِلَّةً خَمْسَةً مَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ خَاصٌّ بِالنَّخْلِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يُوجَدُ فِي الْعِنَبِ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: " لِوُرُودِ إلَخْ ".
الثَّانِي: أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ طِينِ آدَمَ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّخْلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعِنَبِ: الرَّابِعُ: أَنَّهُ شَبَّهَ النَّخْلَةَ بِالْمُؤْمِنِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهَا الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ النَّخْلِ؛ فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ " فَكَانَتْ أَفْضَلَ " وَقَوْلَهُ " أَكْرِمُوا إلَخْ " وَإِكْرَامُهَا أَنْ يُقَلِّمَهَا وَيُنَظِّفَهَا مِنْ الْجَرِيدِ وَالْكِرْنَافِ وَالسَّعَفِ وَاللِّيفِ الزَّائِدِ مِنْ غَيْرِ إجْحَافٍ وَيَذَرَهَا بِالطَّلْعِ وَيَسْقِيَهَا عِنْدَ احْتِيَاجِهَا لَهُ وَقَطْعُ ثَمَرِهَا بِرِفْقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِكْرَامِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ ح ف وَقِيلَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (الْمُطْعِمَاتِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ، أَيْ الَّتِي تُطْعِمُ ثِمَارَهَا فِي الْمَحَلِّ أَيْ الْقَحْطِ وَالْمَجَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّهَا) أَيْ وَلِأَنَّهَا أَفْضَلُ، فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى " لِوُرُودِ " وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يُنْتِجَ الْأَفْضَلِيَّةَ؛ لِأَنَّ الْعِنَبَ وَالرُّمَّانَ خُلِقَا أَيْضًا مِنْ طِينَةِ آدَمَ أَيْ مِنْ فَضْلِ طِينَةِ آدَمَ كَمَا فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّخْلُ مُقَدَّمٌ) هَذَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْأَفْضَلِيَّةِ فَيَصِحُّ نَسَبُ النَّخْلِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ " إنَّ " أَيْ وَلِأَنَّ النَّخْلَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَشَبَّهَ إلَخْ) هَذَا أَيْضًا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْأَفْضَلِيَّةِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ) أَيْ إذَا اجْتَمَعَا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ، فَلَا يَرِدُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ عَبَسَ: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: 28] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ [عبس: 29] فَإِنَّهُ قَدَّمَ فِيهَا الْعِنَبَ عَلَى النَّخْلِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِرَأْسِهَا) أَيْ لِأَنَّ الْمَاءَ يَصْعَدُ مِنْ جِذْرِهَا إلَى رَأْسِهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ) الْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا دَلِيلًا لِلْأَفْضَلِيَّةِ بِأَنْ يَقُولَ: وَلِأَنَّهَا الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ " فَكَانَتْ أَفْضَلَ " قَوْلُهُ: (تَحْتَاجُ الْأُنْثَى إلَخْ) هَذَا هُوَ
وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا) أَيْ الثِّمَارِ (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) بَلْ خَمْسَةٌ كَمَا سَتَعْرِفُهُ وَهِيَ (الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْمِلْكُ التَّامُّ وَالنِّصَابُ) وَقَدْ عَلِمْت مُحْتَرَزَاتِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَالْخَامِسُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ وَهُوَ بُلُوغُهُ صِفَةً يُطْلَبُ فِيهَا غَالِبًا فَعَلَامَتُهُ فِي الثَّمَرِ الْمَأْكُولِ الْمُتَلَوِّنِ أَخْذُهُ فِي حُمْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ أَوْ صُفْرَةٍ وَفِي غَيْرِ الْمُتَلَوِّنِ مِنْهُ كَالْعِنَبِ الْأَبْيَضِ لِينُهُ وَتَمْوِيهُهُ وَهُوَ صَفَاؤُهُ وَجَرَيَانُ الْمَاءِ فِيهِ إذْ هُوَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَا يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ
(وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ) جَمْعُ عَرْضٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا قَابَلَ النَّقْدَيْنِ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ (فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا) لِخَبَرِ الْحَاكِمِ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ: «فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا وَفِي الْبُرِّ صَدَقَتُهُ» وَهُوَ يُقَالُ لِأَمْتِعَةِ الْبَزَّازِ وَلِلسِّلَاحِ وَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةُ عَيْنٍ فَصَدَقَتُهُ زَكَاةُ تِجَارَةٍ وَهِيَ تَقْلِيبُ الْمَالِ بِمُعَاوَضَةٍ لِغَرَضِ الرِّبْحِ (بِالشَّرَائِطِ) الْخَمْسَةِ (الْمَذْكُورَةِ فِي) زَكَاةِ (الْأَثْمَانِ) .
وَتَرَكَ سَادِسًا وَهُوَ أَنْ يُمْلَكَ بِمُعَاوَضَةٍ كَمَهْرٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ وَصُلْحٍ عَنْ دَمٍ فَلَا زَكَاةَ فِيمَا مُلِكَ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَهِبَةٍ بِلَا ثَوَابٍ وَإِرْثٍ وَوَصِيَّةٍ لِانْتِفَاءِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَسَابِعًا وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ حَالَ التَّمَلُّكِ التِّجَارَةَ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ الْقِنْيَةِ، وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ بَلْ تَسْتَمِرُّ مَا لَمْ يَنْوِ الْقِنْيَةَ، فَإِنْ نَوَاهَا انْقَطَعَ الْحَوْلُ فَيَحْتَاجُ إلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ مَقْرُونَةً بِتَصَرُّفٍ.
[حاشية البجيرمي]
مَحَلُّ الِاخْتِصَاصِ فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلنَّفْيِ الْعَامِّ قَبْلَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْأَشْجَارِ بَلْ سَائِرُ النَّبَاتِ فِيهِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى.
وَانْظُرْ هَلْ يَدُلُّ لَهُ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] . اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (عَيْنَ الدَّجَّالِ) أَيْ الَّتِي يُبْصِرُ بِهَا وَأَمَّا الْأُخْرَى فَهِيَ مَمْسُوخَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِحَبَّةِ الْعِنَبِ) أَيْ الْبَارِزَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ بَقِيَّةِ الْحَبَّاتِ.
وَلَوْ قَيَّدَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى؛ وَوَجْهُ الشَّبَهِ خُرُوجُ عَيْنِهِ وَبُرُوزُهَا فِي وَجْهِهِ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ " لِأَنَّهَا أَصْلُ الْخَمْرِ إلَخْ " غَيْرُ مُنَاسِبٍ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْخَمْرَةُ.
وَحُكِيَ أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا غَرَسَ الْكَرْمَةَ جَاءَ إبْلِيسُ فَذَبَحَ عَلَيْهَا طَاوُسًا فَشَرِبَتْ دَمَهُ، فَلَمَّا طَلَعَتْ أَوْرَاقُهَا ذَبَحَ عَلَيْهَا قِرْدًا فَشَرِبَتْ دَمَهُ، فَلَمَّا طَلَعَتْ ثَمَرَتُهَا ذَبَحَ عَلَيْهَا أَسَدًا فَشَرِبَتْ دَمَهُ، فَلَمَّا انْتَهَتْ ثَمَرَتُهَا ذَبَحَ عَلَيْهَا خِنْزِيرًا فَشَرِبَتْ دَمَهُ؛ فَكَذَا شَارِبُ الْخَمْرِ تَعْتَرِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْأَرْبَعَةُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلَ مَا يَشْرَبُهَا تَدِبُّ فِي أَعْضَائِهِ فَيَزْهُو لَوْنُهُ وَيَحْسُنُ كَمَا يَحْسُنُ الطَّاوُسُ، فَإِذَا جَاءَ مَبَادِئُ السُّكْرِ لَعِبَ وَصَفَّقَ وَرَقَصَ كَمَا يَفْعَلُ الْقِرْدُ، فَإِذَا قَوِيَ السُّكْرُ وَجَاءَتْ الصُّورَةُ الْأَسْدِيَةُ عَبَثَ وَعَرْبَدَ وَهَذَى بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ ثُمَّ يَتَنَقَّصُ كَمَا يَتَنَقَّصُ الْخِنْزِيرُ وَيَطْلُبُ النَّوْمَ.
اهـ. نَسَّابَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَامِسُ بُدُوُّ الصَّلَاحِ) كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ اشْتِدَادَ الْحَبِّ فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَا ذَكَرَ بُدُوَّ الصَّلَاحِ هُنَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَرْطٌ لِلْوُجُودِ.
قَوْلُهُ: (يُطْلَبُ فِيهَا) أَيْ بِسَبَبِهَا أَوْ فِي أَوَانِهَا، فَيَكُونُ كَلَامُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
وَقَوْلُهُ " فَعَلَامَتُهُ " أَيْ بُدُوِّ الصَّلَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي غَيْرِ الْمُتَلَوِّنِ) الْمُرَادُ بِالْمُتَلَوِّنِ الَّذِي يَحْدُثُ لَهُ لَوْنٌ بَعْدَ آخَرَ كَمَا تُشْعِرُ بِهِ الصِّيغَةُ فَصَحَّ التَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ كَالْعِنَبِ الْأَبْيَضِ؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ لَازِمٌ لَهُ مِنْ حِينِ ظُهُورِهِ فَلَا يُقَالُ لَهُ مُتَلَوِّنٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ) أَيْ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ لُغَةً وَكَذَا شَرْعًا بِزِيَادَةٍ مَعَ النِّيَّةِ م د. وَقَدْ يُقَالُ تَقْلِيبُ الْمَالِ لِغَرَضِ الرِّبْحِ يَلْزَمُ مِنْهُ نِيَّةُ التِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ: (لِغَرَضِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، قَوْلُهُ: (بِلَا ثَوَابٍ) أَيْ عِوَضٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ إلَخْ) فَإِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّتِهَا فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ إلَى أَنْ يَفْرُغَ رَأْسُ مَالِ التِّجَارَةِ، وَقَوْلُهُ " وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ " أَيْ بَعْدَ شِرَائِهِ بِجَمِيعِ رَأْسِ مَالِ التِّجَارَةِ لِانْسِحَابِ حُكْمِ التِّجَارَةِ عَلَيْهِ ح ل وح ف. وَقَالَ ح ف: وَأَوَّلُ الْحَوْلِ مِنْ أَوَّلِ الشِّرَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ حَالَ التَّمَلُّكِ التِّجَارَةَ) وَقَالَ ح ل: تَكْفِي النِّيَّةُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَنَقَلَهُ الْإِطْفِيحِيُّ عَنْ شَيْخِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَاهَا) أَيْ الْقِنْيَةَ وَهِيَ الْإِمْسَاكُ لِلِانْتِفَاعِ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ نِصَابِ الْإِبِلِ وَمَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ (وَأَوَّلُ نِصَابِ الْإِبِلِ خَمْسٌ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» (وَفِيهَا شَاةٌ) وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الشَّاةُ وَإِنْ كَانَ وُجُوبُهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِلرِّفْقِ بِالْفَرِيقَيْنِ لِأَنَّ إيجَابَ الْبَعِيرِ يَضُرُّ بِالْمَالِكِ، وَإِيجَابَ جُزْءٍ مِنْ بَعِيرٍ وَهُوَ الْخُمْسُ يَضُرُّ بِهِ وَبِالْفُقَرَاءِ (وَفِي عَشْرٍ شَاتَانِ وَفِي خَمْسَةَ عَشَرَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَفِي عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ) وَالشَّاةُ الْوَاجِبَةُ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ جَذَعَةُ ضَأْنٍ لَهَا سَنَةٌ أَوْ أَجْذَعَتْ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ لَهَا سَنَةٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَنَزَّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ أَوْ الِاحْتِلَامِ، أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ لَهَا سَنَتَانِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَذَعَةِ وَالثَّنِيَّةِ، لَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ لِخَبَرِ «فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» وَالشَّاةُ تُطْلَقُ عَلَى الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إلَى غَنَمِ بَلَدٍ أُخْرَى إلَّا بِمِثْلِهَا فِي الْقِيمَةِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهَا، وَيُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ كَالْأُضْحِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ إنَاثًا لَصَدَقَ اسْمُ الشَّاةِ عَلَيْهِ، وَيُجْزِئُ بَعِيرُ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ عِوَضًا عَنْ الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الشِّيَاهِ الْمُتَعَدِّدَةِ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِ قِيمَةَ الشَّاةِ لِأَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ كَمَا سَيَأْتِي فَعَمَّا دُونَهَا أَوْلَى وَأَفَادَتْ إضَافَتُهُ إلَى الزَّكَاةِ اعْتِبَارَ كَوْنِهِ أُنْثَى
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ نِصَابِ الْإِبِلِ]
ِ قَوْلُهُ: (وَأَوَّلُ نِصَابِ الْإِبِلِ) بَدَأَ بِالْإِبِلِ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ أَمْوَالِ الْعَرَبِ؛ وَهَذَا الْعَدَدُ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُسْأَلُ عَنْ حِكْمَتِهِ بَلْ يُتَلَقَّى عَنْ الشَّارِعِ بِالْقَبُولِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ إلَخْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ» وَالذَّوْدُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إلَى الْعَشَرَةِ، فَإِضَافَةُ الْخَمْسِ إلَيْهِ عَلَى مَعْنَى مِنْ.
قَوْلُهُ: (وَفِيهَا شَاةٌ) وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً وَإِنْ كَانَتْ إبِلُهُ مَهَازِيلَ؛ لِأَنَّ مَحِلَّ إجْزَاءِ الْمَعِيبِ إذَا كَانَ مِنْ الْجِنْسِ ح ف؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الشَّاةَ الْمَذْكُورَةَ أَصْلٌ، وَقِيلَ: بَدَلٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ وُجُوبُهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِخْرَاجُ مِنْ الْجِنْسِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْخُمُسُ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُمْسُ مِنْ كُلِّ بَعِيرٍ أَيْ مِنْ الْخَمْسَةِ الَّتِي هِيَ النِّصَابُ، وَيَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ " الْبَعِيرِ " أَيْ بِجُمْلَتِهِ فِيمَا قَبْلَهُ، فَهَذَا مُضِرٌّ بِالْمَالِكِ مِنْ جِهَةِ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بَعِيرًا وَإِنْ كَانَ مُوَزَّعًا أَيْ مِنْ كُلِّ بَعِيرٍ خُمْسُهُ، وَمُضِرٌّ بِالْفُقَرَاءِ مِنْ جِهَةِ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ أَيْضًا، وَأَمَّا إخْرَاجُ بَعِيرٍ بِجُمْلَتِهِ فَهُوَ مُضِرٌّ بِالْمَالِكِ فَقَطْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخُمْسُ مِنْ بَعِيرٍ فَيَكُونَ مُضِرًّا بِالْفَرِيقَيْنِ مِنْ جِهَةِ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ عَلَى الْمَالِكِ مِنْ بَعِيرٍ كَامِلٍ.
قَوْلُهُ: (يَضُرُّ بِهِ) أَيْ بِسَبَبِ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ فَأَوْجَبْنَا الشَّاةَ بَدَلًا.
وَيَضُرُّ بِضَمِّ الْيَاءِ إنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا بِالْبَاءِ فَإِنْ تَعَدَّى بِنَفْسِهِ كَانَ بِفَتْحِ الْيَاءِ، قَوْلُهُ: ضَرَّهُ يَضُرُّهُ.
قَوْلُهُ: (وَالشَّاةُ) تَاؤُهَا لِلْوَحْدَةِ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ، فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْوَاحِدَ وَالْمُتَعَدِّدَ وَالضَّأْنَ وَالْمَعْزَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَجْذَعَتْ) أَيْ أَسْقَطَتْ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِجْذَاعُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُعْتَبَرُ إذَا كَانَ قَبْلَهَا م د.
قَوْلُهُ: (وَنَزَلَ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ السَّنَةِ وَالْإِجْذَاعِ، فَيَكُونُ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْ بُلُوغُ السَّنَةِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ، وَالْإِجْذَاعُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ) أَيْ إذَا غَلَبَ أَحَدُ النَّوْعَيْنِ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ يَكُونُ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ، بَلْ يَجُوزُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِ الْأَغْلَبِ.
قَوْلُهُ: (وَيُجْزِئُ الْجَذَعُ إلَخْ) أَيْ يُجْزِئُ الذَّكَرُ مِنْ الشَّاةِ وَإِنْ كَانَتْ إبِلُهُ إنَاثًا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ لَا أَصْلٌ، بِخِلَافِ الْمُخْرَجِ عَنْ الْغَنَمِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا أُنْثَى إنْ كَانَ غَنَمُهُ إنَاثًا أَوْ فِيهَا إنَاثًا، ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ بَدَلٌ لَا أَصْلٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ أَصْلٌ.
قَوْلُهُ: (لِصِدْقِ اسْمِ الشَّاةِ) لِأَنَّ التَّاءَ لِلْوَحْدَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُجْزِئُ بَعِيرُ الزَّكَاةِ) وَيَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَجْزِئَتُهُ يَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا بِخِلَافِ مَا يُمْكِنُ تَجْزِئَتُهُ كَمَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَقَعُ قَدْرُ الْوَاجِبِ فَرْضًا وَالْبَاقِي نَفْلًا ح ف. وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالْإِجْزَاءِ أَنَّ الشَّاةَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَيَنْبَغِي تَفْضِيلُ الْبَعِيرِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْجِنْسِ.
وَأَجَابَ شَيْخُنَا ح ف بِأَنَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِالْإِجْزَاءِ لِكَوْنِ الشَّاةِ هِيَ الْأَصْلَ، فَرُبَّمَا يُتَوَهَّم أَنَّ غَيْرَهَا لَا يُجْزِئُ.
قَالَ ع ش: وَمَحَلُّ أَفْضَلِيَّةِ الْبَعِيرِ إنْ
بِنْتَ مَخَاضٍ فَمَا فَوْقَهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ (وَفِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ) مِنْ الْإِبِلِ (بِنْتُ مَخَاضٍ) مِنْ الْإِبِلِ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ وَطَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ وِلَادَتِهَا تَحْمِلُ مَرَّةً أُخْرَى فَتَصِيرُ مِنْ الْمَخَاضِ أَيْ الْحَوَامِلِ (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) مِنْ الْإِبِلِ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ وَطَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّهَا آنَ لَهَا أَنْ تَلِدَ فَتَصِيرَ لَبُونًا (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ) مِنْ الْإِبِلِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَهِيَ الَّتِي لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيَطْرُقَهَا الْفَحْلُ وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا.
وَلَوْ أَخْرَجَ بَدَلَهَا بِنْتَيْ لَبُونٍ أَجْزَأَهُ كَمَا فِي الزَّوَائِدِ (وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَهِيَ الَّتِي تَمَّ لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَجْذَعَتْ مُقَدَّمَ أَسْنَانِهَا أَيْ أَسْقَطَتْهُ وَقِيلَ لِتَكَامُلِ أَسْنَانِهَا وَهُوَ آخِرُ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ وَاعْتُبِرَ فِي الْجَمِيعِ الْأُنُوثَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ رِفْقِ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ.
وَلَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ الْجَذَعَةِ حِقَّتَيْنِ أَوْ بِنْتَيْ لَبُونٍ أَجْزَأَهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُمَا يُجْزِئَانِ عَمَّا زَادَ (وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ) مِنْ الْإِبِلِ (وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ) مِنْ الْإِبِلِ (وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) مِنْ الْإِبِلِ (ثُمَّ) يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ إلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَيَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ فِيهَا وَفِي كُلِّ عَشْرٍ بَعْدَهَا، (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ) مِنْ الْإِبِلِ (بِنْتُ لَبُونٍ) مِنْهَا (وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) مِنْهَا كَمَا رَوَى ذَلِكَ كُلَّهُ الْبُخَارِيُّ مُقَطَّعًا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ وَأَبُو دَاوُد بِكَمَالِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ إلَى آخِرِهِ.
قَدْ يَقْتَضِي لَوْلَا مَا قَدَّرْتُهُ أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْحِسَابِ بِذَلِكَ إنَّمَا تَكُونُ فِيمَا بَعْدَ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ بِزِيَادَةِ تِسْعٍ ثُمَّ بِزِيَادَةِ عَشْرٍ عَشْرٍ كَمَا قَرَّرْت بِهِ كَلَامَهُ، فَإِنْ
[حاشية البجيرمي]
كَانَ أَكْثَرَ قِيمَةً مِنْهَا أَوْ مُسَاوِيًا وَإِلَّا فَالشَّاةُ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (اعْتِبَارَ كَوْنِهِ أُنْثَى) أَيْ إذَا كَانَ فِي إبِلِهِ إنَاثٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْإِبِلِ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ) لَمْ يَقُلْ فِيهَا وَيُجْزِئُ عَنْهَا بِنْتَا مَخَاضٍ كَمَا ذَكَرَ نَظِيرَ ذَلِكَ فِي الْحِقَّةِ وَالْجَذَعَةِ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ فِيمَا سَيَأْتِي لِأَنَّهُمَا يُجْزِئَانِ عَمَّا زَادَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِبِنْتَيْ اللَّبُونِ أَوْ الْحِقَّتَيْنِ بِخِلَافِ بِنْتَيْ الْمَخَاضِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (آنَ) بِالْمَدِّ مِنْ الْأَوَانِ أَيْ قَرُبَ أَوَانُ وِلَادَتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إلَخْ) اُنْظُرْ وَجْهَ مُنَاسَبَةِ هَذَا التَّعْلِيلِ لِلتَّسْمِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ آخِرُ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ) خَرَجَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَإِنَّ آخِرُ أَسْنَانِهَا الثَّنِيَّةُ وَهِيَ مَا لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي السَّادِسَةِ؛ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ عَنْ الْجَذَعَةِ إلَى الثَّنِيَّةِ مَعَ وُجُودِهَا.
قَوْلُهُ: (فَيَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ فِيهَا) فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ.
قَوْلُهُ: (مُقَطَّعًا) أَيْ مُفَرَّقًا.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ إلَخْ) غَرَضُهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمَتْنِ يَعْنِي أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ يُوهِمُ أَنَّهُ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْإِحْدَى وَالْعِشْرِينَ إنْ زَادَ وَلَوْ وَاحِدَةً يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ، وَيُقَالُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا يَتَغَيَّرُ إلَّا بِزِيَادَةِ تِسْعٍ عَلَى الْمِائَةِ وَالْإِحْدَى وَالْعِشْرِينَ فَيُقَالُ: ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ عَشَرًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ: ثُمَّ يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ أَيْ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ إلَى مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ فَيَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ فِيهَا وَفِي كُلِّ عَشَرٍ بَعْدَهَا إلَخْ؛ لَكِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إلَى تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّهُ إذَا تَمَّتْ الثَّلَاثُونَ لَا تَسْتَمِرُّ الثَّلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ بَلْ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ.
قَوْلُهُ: (لَوْلَا مَا قَدَّرْته) وَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْحِسَابِ) أَيْ اسْتِقَامَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا تَغَيُّرُ الْوَاجِبِ.
وَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ تَغَيُّرَ الْوَاجِبِ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَوْ زَادَ أَدْنَى زِيَادَةٍ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (بِذَلِكَ) أَيْ بِأَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا تَكُونُ إلَخْ) أَيْ يُوهِمُ كَلَامُ الْمَتْنِ تَغَيُّرَ الْوَاجِبِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ فَأَكْثَرَ إلَى مَا دُونَ التِّسْعِ، وَلَيْسَ مُرَادًا م د. هَذَا الْإِيهَامُ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ بِزِيَادَةِ تِسْعٍ إلَخْ) وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَبِتِسْعٍ ثُمَّ كُلُّ عَشَرٍ يَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ، أَيْ وَيَتَغَيَّرُ الْوَاجِبُ بِزِيَادَةِ تِسْعٍ عَلَى الْمِائَةِ وَالْإِحْدَى وَعِشْرِينَ فَفِيهَا حِينَئِذٍ بِنْتَا لَبُونٍ
عَدِمَ بِنْتَ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ إنْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً مِنْهَا.
وَبِنْتُ الْمَخَاضِ الْمَعِيبَةُ وَالْمَغْصُوبَةُ الْعَاجِزُ عَنْ تَخْلِيصِهَا وَالْمَرْهُونَةُ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ حَالٍّ وَعَجَزَ عَنْ تَخْلِيصِهَا كَمَعْدُومَةٍ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يُخْرِجَ بِنْتَ مَخَاضٍ كَرِيمَةً لَكِنْ تَمْنَعُ الْكَرِيمَةُ عِنْدَهُ ابْنَ لَبُونٍ وَحِقًّا لِوُجُودِ بِنْتِ مَخَاضٍ مُجْزِئَةٍ فِي مَالِهِ، وَيُؤْخَذُ الْحَقُّ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ عِنْدَ فَقْدِهَا لَا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ عِنْدَ فَقْدِهَا.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ نِصَابِ الْبَقَرِ وَمَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ (وَأَوَّلُ نِصَابِ الْبَقَرِ ثَلَاثُونَ فَيَجِبُ فِيهِ) أَيْ النِّصَابِ (تَبِيعٌ) ابْنُ سَنَةٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْمَرْعَى (وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ) لَهَا سَنَتَانِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَكَامُلِ أَسْنَانِهَا، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ.
وَالْبَقَرَةُ تُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ الْمُسِنَّةِ تَبِيعَيْنِ أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَعَلَى هَذَا) الْحُكْمُ (أَبَدًا فَقِسْ) عِنْدَ الزِّيَادَةِ فَفِي سِتِّينَ تَبِيعَانِ، وَفِي سَبْعِينَ تَبِيعٌ وَمُسِنَّةٌ، وَفِي ثَمَانِينَ مُسِنَّتَانِ، وَفِي تِسْعِينَ ثَلَاثَةُ أَتْبِعَةٍ، وَفِي مِائَةٍ مُسِنَّةٌ وَتَبِيعَانِ، وَفِي مِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مُسِنَّتَانِ وَتَبِيعٌ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ ثَلَاثُ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَتْبِعَةٍ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ تَلَخَّصَ أَنَّ الْفَرْضَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ لَا يَتَغَيَّرُ إلَّا بِزِيَادَةِ عِشْرِينَ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةِ كُلِّ عَشَرَةٍ، وَفِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَتَّفِقُ فَرْضَانِ، وَإِذَا اتَّفَقَ فِي إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ فَرْضَانِ فِي نِصَابٍ وَاحِدٍ وَجَبَ فِيهِمَا الْأَغْبَطُ مِنْهُمَا وَهُوَ الْأَنْفَعُ
[حاشية البجيرمي]
وَحِقَّةٌ ثُمَّ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالثَّلَاثِينَ تَغَيُّرٌ بِزِيَادَةِ عَشَرَةٍ عَشَرَةٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ مَخَاضٍ) أَيْ حَالَ الْإِخْرَاجِ عَلَى الْأَصَحِّ م ر ع ش، أَيْ وَإِنْ وَجَدَهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ زي أَيْ عَدِمَهَا حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كَمَعْدُومَةٍ) أَيْ فَيَنْتَقِلُ إلَى ابْنِ اللَّبُونِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُكَلَّفُ) أَيْ حَيْثُ كَانَتْ إبِلُهُ كُلُّهَا مَهَازِيلَ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَالْمَنْهَجِ، فَإِذَا كَانَتْ كِرَامًا كُلِّفَ كَرِيمَةً.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُخْرِجَ بِنْتَ مَخَاضٍ كَرِيمَةً) «لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ عَامِلًا إيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» .
قَوْلُهُ: (لَكِنْ تَمْنَعُ الْكَرِيمَةُ عِنْدَهُ ابْنَ لَبُونٍ) أَيْ إجْزَاءَهُ.
قَوْلُهُ (لَا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ) أَيْ لِأَنَّهُ أَعْلَى مِنْهَا بِدَرَجَةٍ فَقَطْ، بِخِلَافِهِ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ فَإِنَّهُ أَعْلَى مِنْهَا بِدَرَجَتَيْنِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخْذِ ابْنِ اللَّبُونِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ عِنْدَ فَقْدِهَا بِأَنَّ زِيَادَةَ السِّنِّ فِي ابْنِ اللَّبُونِ الْمَأْخُوذِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ تُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ لِقُوَّةِ وُرُودِهِ الْمَاءَ وَالشَّجَرَ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بِخِلَافِهَا فِي الْحَقِّ لَا تُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ بِهَذِهِ الْقُوَّةِ بَلْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَبْرِ الزِّيَادَةِ ثُمَّ أَيْ فِي أَخْذِ ابْنِ اللَّبُونِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ جَبْرُهَا هُنَا؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ السِّنِّ جَبَرَتْ الْأُنُوثَةَ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ مُلَخَّصًا.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ نِصَابِ الْبَقَر وَمَا يَجِب إخراجه]
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ نِصَابِ الْبَقَرِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبْقُرُ الْأَرْضَ أَيْ يَشُقُّهَا بِالْحَرْثِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعِرَابِ وَالْجَوَامِيسِ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَالثَّوْرُ خَاصٌّ بِالذَّكَرِ.
قَوْلُهُ: (تَبِيعٌ) أَيْ ذَكَرٌ وَيَكْفِي عَنْهُ أُنْثَى أَوْ مُسِنَّةٌ بِالْأَوْلَى، وَتَبِيعٌ بِمَعْنَى تَابِعٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ فِي الْمَرْعَى، وَيُجْمَعُ عَلَى أَتْبِعَةٍ كَرَغِيفٍ وَأَرْغِفَةٍ.
قَوْلُهُ: (مُسِنَّةٌ) أَيْ أُنْثَى فَلَا يَكْفِي الذَّكَرُ.
قَوْلُهُ: (لَهَا سَنَتَانِ) أَيْ تَحْدِيدًا ق ل. وَلَمْ يَقُلْ " وَطَعَنَتْ فِي الثَّالِثَةِ " اكْتِفَاءً بِمَا سَبَقَ فِي نَظِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (بَقَرَةً) تَمْيِيزٌ وَقَوْلُهُ مُسِنَّةً مَفْعُولُ آخُذَ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَقَرَةُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ التَّاءَ لِلْوَحْدَةِ.
قَوْلُهُ: (أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهُمَا يُجْزِئَانِ عَنْ سِتِّينَ فَعَمَّا دُونَهَا أَوْلَى، وَإِنَّمَا مَنَعَ مُقَابِلُ الْمَذْهَبِ الْإِجْزَاءَ لِعَدَمِ الْأُنُوثَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقِسْ) الْفَاءُ زَائِدَةٌ لِتَحْسِينِ اللَّفْظِ.
لِلْمُسْتَحِقِّينَ، فَفِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَوْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ بَقَرَةٌ يَجِبُ فِيهِمَا الْأَغْبَطُ مِنْ أَرْبَعِ حِقَاقٍ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ وَأَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ إنْ وُجِدَا بِمَالِهِ بِصِفَةِ الْإِجْزَاءِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَرْضُهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَا رُوعِيَ مَا فِيهِ حَظُّ الْمُسْتَحِقِّينَ إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي تَحْصِيلِهِ وَأَجْزَأَهُ غَيْرُ الْأَغْبَطِ بِلَا تَقْصِيرٍ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ السَّاعِي لِلْعُذْرِ، وَجَبْرُ التَّفَاوُتِ لِنَقْصِ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّينَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ أَوْ جُزْءٍ مِنْ الْأَغْبَطِ، أَمَّا مَعَ التَّقْصِيرِ مِنْ الْمَالِكِ بِأَنْ دَلَّسَ، أَوْ مِنْ السَّاعِي بِأَنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ الْأَغْبَطُ فَلَا يُجْزِئُ وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ أُخِذَ وَإِنْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ الْآخَرِ إذْ النَّاقِصُ كَالْمَعْدُومِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدَا أَوْ أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ بِصِفَةِ الْإِجْزَاءِ فَلَهُ تَحْصِيلُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا كُلًّا أَوْ بَعْضًا مُتَمِّمًا بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ غَيْرَ أَغْبَطَ لِمَا فِي تَعْيِينِ الْأَغْبَطِ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي تَحْصِيلِهِ.
تَتِمَّةٌ لِمَنْ عَدِمَ وَاجِبًا مِنْ الْإِبِلِ وَلَوْ جَذَعَةً فِي مَالِهِ أَنْ يَصْعَدَ دَرَجَةً وَيَأْخُذَ جُبْرَانًا وَإِبِلُهُ سَلِيمَةٌ، أَوْ يَنْزِلَ دَرَجَةً
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَإِذَا اتَّفَقَ فِي إبِلٍ إلَخْ) وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ فِيهِمَا) أَيْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَقَوْلُهُ " الْأَغْبَطُ " أَيْ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ أَوْ مِنْ حَيْثُ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ.
قَوْلُهُ (إنْ وُجِدَا) أَيْ فَرْضَاهَا، أَيْ الزَّكَاةُ أَوْ الْمَذْكُورَاتُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْمُزَكِّي أَحْوَالًا خَمْسَةً: الْأَوَّلُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ كُلُّ الْوَاجِبِ بِكُلٍّ مِنْ الْحِسَابَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ الْأَغْبَطُ.
الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ كُلُّ الْوَاجِبِ بِأَخْذِ الْحِسَابَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَوْجُودُ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ عِنْدَهُ مِنْ الْوَاجِبِ فَيَحْصُلُ مَا شَاءَ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ بَعْضُ كُلٍّ مِنْ الْوَاجِبِ بِالْحِسَابَيْنِ كَثَلَاثِ حِقَاقٍ وَأَرْبَعِ بَنَاتِ لَبُونٍ فَيُكْمِلُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا وَيَدْفَعُهُ.
الْخَامِسُ: أَنْ يُوجَدَ عِنْدَهُ بَعْضُ الْوَاجِبِ بِأَحَدِ الْحِسَابَيْنِ فَقَطْ كَحِقَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّابِعِ م د.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا) أَيْ الْفَرْضَيْنِ وَقَوْلُهُ فَرْضُهَا أَيْ الزَّكَاةِ أَوْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
قَوْلُهُ: (فِي تَحْصِيلِهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي إخْرَاجِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُمَا حَاصِلَانِ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَجْزَأَهُ غَيْرُ الْأَغْبَطِ) أَيْ يُحْسَبُ مِنْ الزَّكَاةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَجُبِرَ التَّفَاوُتُ، فَالْإِجْزَاءُ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ الَّذِي هُوَ الْكِفَايَةُ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ ز ي.
قَوْلُهُ: (أَوْ السَّاعِي) أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ إذَا وَقَعَتْ فِي حَيِّزِ نَفْيٍ أَوْ نَهْيٍ، فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِنَقْدِ الْبَلَدِ) التَّعْبِيرُ بِهِ لِلْغَالِبِ فَيُجْزِئُ غَيْرُهُ حَيْثُ كَانَ هُوَ نَقْدَ الْبَلَدِ ع ش، وَجَازَ دَفْعُ النَّقْدِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْوَاجِبِ وَتَمَكُّنُهُ مِنْ شِرَاءِ جُزْئِهِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الْمُشَارَكَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جُزْءٍ مِنْ الْأَغْبَطِ) لَا مِنْ الْمَأْخُوذِ فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْحِقَاقِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَقِيمَةُ بَنَاتِ اللَّبُونِ أَرْبَعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَقَدْ أَخَذَ الْحِقَاقَ فَالْجَبْرُ بِخَمْسِينَ أَوْ بِخَمْسَةِ أَتْسَاعِ بِنْتِ لَبُونٍ لَا بِنِصْفِ حِقَّةٍ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ خَمْسُونَ وَقِيمَةَ كُلِّ بِنْتِ لَبُونٍ تِسْعُونَ، شَرْحُ الْمَنْهَج؛ أَيْ وَنِسْبَةُ الْخَمْسِينَ لِلتِّسْعِينَ خَمْسَةُ أَتْسَاعٍ لِأَنَّ تُسْعَ التِّسْعِينَ عَشَرَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ دَلَّسَ) أَيْ أَخْفَى الْأَغْبَطَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ ظَنَّ) غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُجْزِئُ) وَيَرُدُّ السَّاعِي مَا أَخَذَهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَدَلَهُ إنْ كَانَ تَالِفًا كَمَا قَالَهُ م ر وَيَأْخُذُ الْأَغْبَطَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَوْ أَحَدُهُمَا) فِيهِ اعْتِبَارُ نَفْيِ الْحَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَهُمَا وُجُودُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ نَفْيُ أَحَدِهِمَا يَلْزَمُهُ نَفْيُهُمَا مَعًا، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِأَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ: عَدَمُ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ وُجُودُ بَعْضِ أَحَدِهِمَا، أَوْ وُجُودُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَبِهَا تَتِمُّ الْأَحْوَالُ الْخَمْسَةُ أَيْ بِضَمِّ الْحَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَهُمَا وُجُودُهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فِي مَالِهِ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " كُلًّا " إلَى تَحْصِيلِ فَرْضٍ كَامِلٍ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ بِجَعْلِ الْبَعْضِ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ كَالْعَدَمِ، وَبِقَوْلِهِ: " أَوْ بَعْضًا " مُتَمِّمًا إلَى تَحْصِيلِ مَا يُكْمِلُ بِهِ بَعْضَ الْفَرْضِ الَّذِي عِنْدَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الثَّانِيَةِ أَوْ مِنْ أَحَدِ الْبَعْضَيْنِ فِي الثَّالِثَةِ، وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ فَلَهُ جَعْلُ مَا عِنْدَهُ أَصْلًا وَيَصْعَدُ أَوْ يَهْبِطُ عَلَى مَا يَأْتِي ق ل.
فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَأَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْحِقَاقَ أَصْلًا فَيُعْطِيهَا مَعَ بِنْتِ لَبُونٍ وَجُبْرَانٍ أَوْ مَعَ جَذَعَةٍ وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَنَاتِ اللَّبُونِ أَصْلًا فَيُعْطِيهَا مَعَ بِنْتِ مَخَاضٍ وَجُبْرَانٍ أَوْ مَعَ حِقَّةٍ وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا سم.
وَبِهِ يَتَّضِحُ قَوْلُ ق ل وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ إلَخْ م د. قَوْلُهُ: (مُتَمَّمًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ صِفَةٌ لِلْبَعْضِ، وَقَوْلُهُ " بِشِرَاءٍ " أَوْ غَيْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِتَحْصِيلٍ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي تَعْيِينِ الْأَغْبَطِ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِهِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ عَدِمَ إلَخْ) ذَكَرَ لِلصُّعُودِ وَالنُّزُولِ ثَلَاثَةَ قُيُودٍ: عَدَمُ الْوَاجِبِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ إبِلٍ، وَأَنْ تَكُونَ
وَيُعْطِيهِ الْجُبْرَانَ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي خَبَرِ أَنَسٍ، فَالْخِيرَةُ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ لِلْمَالِكِ لِأَنَّهُمَا شُرِعَا تَخْفِيفًا عَلَيْهِ، وَالْجُبْرَانُ شَاتَانِ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمًا نُقْرَةً خَالِصَةً بِخِيرَةِ الدَّافِعِ سَاعِيًا كَانَ أَوْ مَالِكًا، وَلَهُ صُعُودُ دَرَجَتَيْنِ فَأَكْثَرَ مَعَ تَعَدُّدِ الْجُبْرَانِ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ الْقُرْبَى فِي جِهَةِ الْمُخْرَجَةِ.
وَلَا يَتَبَعَّضُ جُبْرَانٌ فَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ بِجُبْرَانٍ وَاحِدٍ إلَّا لِمَالِكٍ رَضِيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْجُبْرَانَ حَقُّهُ فَلَهُ إسْقَاطُهُ، أَمَّا الْجُبْرَانَانِ فَيَجُوزُ تَبْعِيضُهُمَا فَيُجْزِئُ شَاتَانِ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا لِجُبْرَانَيْنِ كَالْكَفَّارَتَيْنِ، وَلَا جُبْرَانَ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ مِنْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ.
فِي بَيَانِ نِصَابِ الْغَنَمِ وَمَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ (وَأَوَّلُ نِصَابِ الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ شَاةً وَفِيهَا شَاةٌ جَذَعَةٌ مِنْ الضَّأْنِ) بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ لَهَا سَنَةٌ (أَوْ ثَنِيَّةٌ مِنْ الْمَعَزِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَهَا سَنَتَانِ (وَفِي مِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَانِ وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَفِي أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ تَفَرَّقَتْ مَاشِيَةُ الْمَالِكِ فِي أَمَاكِنَ فَهِيَ كَاَلَّتِي فِي مَكَان وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي بَلَدَيْنِ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ، وَلَوْ مَلَكَ ثَمَانِينَ فِي بَلَدَيْنِ فِي كُلِّ بَلَدٍ أَرْبَعُونَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عِنْدَهُ عِنْدَ التَّبَاعُدِ شَاتَانِ.
[حاشية البجيرمي]
إبِلُهُ سَلِيمَةً.
وَهَذَا الثَّالِثُ خَاصٌّ بِالصُّعُودِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ جَذَعَةً) رَدَّ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ وَفَقَدَهَا لَا يَجُوزُ لَهُ إخْرَاجُ ثَنِيَّةٍ عَنْهَا وَهِيَ مَا لَهَا خَمْسُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي السَّادِسَةِ وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا لِانْتِفَاءِ كَوْنِهَا مِنْ أَسْنَانِ الزَّكَاةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ فَصِيلًا وَرَدَّ بِأَنَّ الثَّنِيَّةَ أَعْلَى مِنْهَا بِعَامٍ فَجَازَ إخْرَاجُهَا عَنْ الْجَذَعَةِ كَالْجَذَعَةِ مَعَ الْحِقَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ م ر إطْفِيحِيٌّ وَأَيْضًا الثَّنِيَّةُ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ فِي الْجُمْلَةِ كَالْأُضْحِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ الصُّعُودُ لِأَعْلَى مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ النُّزُولُ لِغَيْرِ سِنِّ الزَّكَاةِ أَصْلًا ح ف.
قَوْلُهُ (فِي مَالِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " عَدِمَ " وَقَوْلُهُ " وَإِبِلُهُ " جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْخُذُ جُبْرَانًا) . وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ عِنْدَ الْمِيَاهِ غَالِبًا وَلَيْسَ هُنَاكَ حَاكِمٌ وَلَا مُقَوِّمٌ، فَضُبِطَ ذَلِكَ بِقِيمَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَصَاعِ الْمُصَرَّاةِ وَالْفِطْرِ وَنَحْوِهِمَا.
اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (سَلِيمَةٌ) خَرَّجَ الْمَعِيبَةَ فَلَا يَصْعَدُ بِالْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّ وَاجِبَهَا مَعِيبٌ وَالْجُبْرَانُ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ السَّلِيمَيْنِ وَهُوَ فَوْقَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْمَعِيبَيْنِ بِخِلَافِ نُزُولِهِ مَعَ إعْطَاءِ الْجُبْرَانِ فَجَائِزٌ لِتَبَرُّعِهِ بِالزِّيَادَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَيُعْطِيهِ) أَيْ السَّاعِي أَيْ يُعْطِي الْمَالِكُ السَّاعِيَ.
قَوْلُهُ (وَالْجُبْرَانُ شَاتَانِ) وَلَوْ ذَكَرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (دِرْهَمًا نَقْرَةً) أَيْ فِضَّةً؛ وَالدِّرْهَمُ النَّقْرَةُ يُسَاوِي نِصْفَ فِضَّةٍ وَجَدِيدًا كَمَا حَرَّرَهُ م ر الْكَبِيرُ، أَوْ يُسَاوِي نِصْفَ فِضَّةٍ وَثُلْثًا لِتُنَاسِبَ الدَّرَاهِمُ الْمَذْكُورَةُ قِيمَةَ الشَّاتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي شَاةِ الْعَرَبِ وَهِيَ تُسَاوِي نَحْوَ أَحَدَ عَشَرَ نِصْفَ فِضَّةٍ بَلْ أَقَلَّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الدِّرْهَمَ الْمَشْهُورَ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ (وَلَهُ صُعُودُ إلَخْ) كَأَنْ يُعْطِيَ بَدَلَ بِنْتِ مَخَاضٍ عَدِمَهَا مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ حِقَّةً وَيَأْخُذَ جُبْرَانَيْنِ، أَوْ يُعْطِيَ بَدَلَ حِقَّةٍ عَدِمَهَا مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ بِنْتَ مَخَاضٍ وَيَدْفَعَ جُبْرَانَيْنِ.
قَوْلُهُ (فَأَكْثَرَ) فَيَصْعَدُ مِنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ إلَى الثَّنِيَّةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ مَا بَيْنَهُمَا ز ي قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ الصُّعُودُ وَالنُّزُولُ قَوْلُهُ: (فِي جِهَةِ الْمُخْرَجَةِ) أَيْ الَّتِي يُرِيدُ إخْرَاجَهَا وَجِهَتُهَا هُوَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَاجِبِ الشَّرْعِيِّ، أَيْ لَا يَصْعَدُ لِلْحِقَّةِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ إلَّا إذَا عَدِمَ بِنْتَ اللَّبُونِ وَلَا يَنْزِلُ لِبِنْتِ الْمَخَاضِ عَنْ الْحِقَّةِ إلَّا إذَا عَدِمَ بِنْتَ اللَّبُونِ.
[فَصْلٌ فِي نِصَابِ الْغَنَمِ]
ِ قَوْلُهُ: (مِنْ الضَّأْنِ) الضَّأْنُ جَمْعُ ضَائِنٍ لِلذَّكَرِ كَرَكْبِ وَرَاكِبٍ وَضَائِنَةٍ لِلْأُنْثَى، وَالْمَعْزُ جَمْعُ مَاعِزٍ لِلذَّكَرِ وَمَاعِزَةٍ لِلْأُنْثَى ز ي.
قَوْلُهُ: (لَهَا سَنَةٌ) أَوْ أَجْذَعَتْ قَبْلَهَا وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا أُنْثَى إنْ كَانَتْ غَنَمُهُ إنَاثًا أَوْ فِيهَا إنَاثٌ، وَكَذَا فِيمَا يَأْتِي.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) وَكَذَا سُكُونُهَا كَمَا قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: (لَزِمَتْهُ) أَيْ
تَتِمَّةٌ: يُجْزِئُ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ نَوْعٌ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ نَوْعٌ كَضَأْنٍ عَنْ مَعْزٍ وَعَكْسِهِ مِنْ الْغَنَمِ، وَأَرْحَبِيَّةٍ عَنْ مَهْرِيَّةٍ وَعَكْسِهِ مِنْ الْإِبِلِ، وَعِرَابٍ عَنْ جَوَامِيسَ وَعَكْسِهِ مِنْ الْبَقَرِ بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ فَفِي ثَلَاثِينَ عَنْزًا وَهِيَ أُنْثَى الْمَعَزِ وَعَشْرِ نَعَجَاتٍ مِنْ الضَّأْنِ عَنْزٌ أَوْ نَعْجَةٌ بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عَنْزٍ وَرُبْعِ نَعْجَةٍ وَفِي عَكْسِ ذَلِكَ عَكْسُهُ.
وَلَا يُؤْخَذُ نَاقِصٌ مِنْ ذَكَرٍ وَمَعِيبٍ وَصَغِيرٍ إلَّا مِنْ مِثْلِهِ فِي غَيْرِ مَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ أَخْذِ ابْنِ اللَّبُونِ وَالْحِقِّ أَوْ الذَّكَرِ مِنْ الشِّيَاهِ فِي الْإِبِلِ أَوْ التَّبِيعِ فِي الْبَقَرِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ مَالُهُ نَقْصًا وَكَمَالًا وَاتَّحَدَ نَوْعًا أَخْرَجَ كَامِلًا بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ لَمْ يُوفِ تَمَّمَ بِنَاقِصٍ وَلَا يُؤْخَذُ خِيَارٌ كَحَامِلٍ وَأَكُولَةٍ وَهِيَ الْمُسَمَّنَةُ لِلْأَكْلِ وَرَبِيٍّ وَهِيَ الْحَدِيثَةُ الْعَهْدِ بِالنِّتَاجِ بِأَنْ يَمْضِيَ لَهَا مِنْ وِلَادَتِهَا نِصْفُ شَهْرٍ كَمَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، أَوْ شَهْرَانِ كَمَا نَقَلَهُ الْجَوْهَرِيُّ إلَّا بِرِضَا مَالِكِهَا بِأَخْذِهَا.
نَعَمْ إنْ كَانَتْ كُلُّهَا خِيَارًا أَخَذَ الْخِيَارَ مِنْهَا إلَّا الْحَوَامِلَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا
[حاشية البجيرمي]
كَالزَّكَاةِ، وَيُخَيَّرُ فِي إخْرَاجِهَا فِي كُلٍّ مِنْ الْبَلَدَيْنِ؛ لِأَنَّا لَوْ كَلَّفْنَاهُ أَنْ يَنْقُلَ نِصْفَهَا إلَى بَلَدٍ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ لِلْبَلَدِ الْأُخْرَى لَكَانَ ذَلِكَ كُلْفَةً لَا يَتَحَمَّلُهَا الْمُحْسِنُ.
قَوْلُهُ: (فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ) أَيْ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْحَبِيَّةٌ) نِسْبَةٌ إلَى أَرْحَبَ قَبِيلَةٌ مِنْ هَمْدَانَ، وَالْمَهْرِيَّةُ بِسُكُونِ الْهَاءِ مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ نِسْبَةٌ إلَى مَهْرَةَ بْنِ حَيْدَانَ أَبِي قَبِيلَةٍ، وَمِنْهَا الْمَجِيدِيَّةُ نِسْبَةً إلَى مَحَلِّ الْإِبِلِ يُقَالُ لَهُ مَجِيدٌ وَهِيَ دُونَ الْمَهْرِيَّةِ؛ وَهَذِهِ هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْإِبِلِ الْعِرَابِ لِكَوْنِهَا إبِلَ الْعَرَبِ، وَيُقَابِلُهَا إبِلُ الْبَخَاتِيِّ وَهِيَ إبِلُ التُّرْكِ وَلَهَا سَنَامَانِ ع ش ز ي.
قَوْلُهُ: (وَعِرَابٍ) هِيَ الْمُسَمَّاةُ الْآنَ بِالْبَقَرِ.
قَوْلُهُ: (بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ) أَيْ قِيمَةِ مَا يُجْزِئُ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ؛ لِأَنَّ مَا يُجْزِئُ قَدْ يَتَفَاوَتُ قِيمَتُهُ بِأَنْ تَكُونَ الْعَنْزُ الْمُخْرَجَةُ بِقِيمَةِ نَعْجَةٍ إذَا كَانَتْ الْكُلُّ نِعَاجًا، تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ قَوْلِهِ " بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ ": كَأَنْ تُسَاوِيَ ثَنِيَّةُ الْمَعْزِ فِي الْقِيمَةِ جَذَعَةَ الضَّأْنِ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ سَوَاءٌ اتَّحَدَ نَوْعُ مَاشِيَتِهِ أَمْ اخْتَلَفَ، فَقَوْلُهُ هُنَا كَالْمَنْهَجِ فَفِي ثَلَاثِينَ عَنْزًا مِثَالٌ لِلْمُخْتَلِفِ وَتُرِكَ الْمُتَّفِقُ لِظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ: (بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ إلَخْ) أَيْ مُتَلَبِّسُ ذَلِكَ الْعَنْزِ أَوْ النَّعْجَةِ بِقِيمَةِ إلَخْ، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ عَنْزٍ مُجْزِئَةٍ دِينَارًا وَنَعْجَةٍ مُجْزِئَةٍ دِينَارَيْنِ لَزِمَ عَنْزٌ أَوْ نَعْجَةٌ قِيمَتُهَا دِينَارٌ وَرُبْعٌ، وَقَوْلُهُ " وَفِي عَكْسِ ذَلِكَ " أَيْ الْمِثَالِ عَكْسُهُ أَيْ الْوَاجِبُ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ نَعْجَةٌ أَوْ عَنْزٌ بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ نَعْجَةٍ وَرُبْعِ عَنْزٍ وَهُوَ دِينَارَانِ إلَّا رُبْعًا؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَعِيبٍ) أَسْبَابُ النَّقْصِ فِي الزَّكَاةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر خَمْسَةٌ: الْمَرَضُ، وَالْعَيْبُ، وَالذُّكُورَةُ، وَالصِّغَرُ، وَرَدَاءَةُ النَّوْعِ.
قَوْلُهُ: (وَصَغِيرٍ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الْفَرْضِ ز ي. وَاسْتُشْكِلَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الصِّغَارِ مَعَ أَنَّ السَّوْمَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَاشِيَةِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا.
وَأُجِيبُ بِفَرْضِ مَوْتِ الْأُمَّهَاتِ قُبَيْلَ آخِرِ الْحَوْلِ بِزَمَنٍ لَا تَشْرَبُ الصِّغَارُ فِيهِ لَبَنًا مَمْلُوكًا اهـ ز ي.
قَوْلُهُ: (أَوْ التَّبِيعِ فِي الْبَقَرِ) زَادَ فِي الْمَنْهَجِ: أَوْ النَّوْعِ الْأَرْدَأِ عَنْ الْأَجْوَدِ بِشَرْطِهِ اهـ، أَيْ وَهُوَ مُرَاعَاةُ الْقِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاتَّحَدَ نَوْعًا) فَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ نَوْعًا فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِغَيْرِ رَدَاءَةِ النَّوْعِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَالصِّغَرِ أَخْرَجَ الْكَامِلَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بِرَدَاءَةِ النَّوْعِ كَالْمَعْزِ وَالضَّأْنِ وَالْعِرَابِ وَالْجَوَامِيسِ جَازَ إخْرَاجُ الْكَامِلِ وَالنَّاقِصِ كَإِخْرَاجِ الْمَعْزِ عَنْ الضَّأْنِ لِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ؛ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ قَوْلَهُ " وَاتَّحَدَ نَوْعًا " لَيْسَ بِقَيْدِ.
اهـ. شَيْخِنَا.
قَوْلُهُ: (أَخْرَجَ كَامِلًا) أَيْ أُنْثَى سَلِيمَةً.
قَوْلُهُ: (بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ) مِثَالُهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ بَعِيرًا نِصْفُهَا صِحَاحٌ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ دِينَارَانِ وَنِصْفُهَا مِرَاضٌ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ دِينَارٌ فَيُخْرِجُ صَحِيحَةً قِيمَتُهَا دِينَارٌ وَنِصْفُ دِينَارٍ وَهَكَذَا، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمِرَاضُ قَدْرَ الْوَقْصِ وَجَبَ كَامِلَةً كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاةً فِيهَا ثَمَانُونَ مَرِيضَةً ق ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُوفِ إلَخْ) بِأَنْ كَانَ الْوَاجِبُ مُتَعَدِّدًا وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ مِنْ الْكَامِلِ إلَّا الْبَعْضُ فَيَجِبُ دَفْعُ الْكَامِلِ، وَيُتِمُّ بِالنَّاقِصِ كَمَا إذَا كَانَ عِنْدَهُ مِائَتَانِ مِنْ الْغَنَمِ لَيْسَ فِيهَا صَحِيحٌ إلَّا وَاحِدٌ أَخْرَجَهَا مَعَ مَرِيضَةٍ بِرِعَايَةِ الْقِيمَةِ شَوْبَرِيٌّ؛ وَلِذَا قَالَ فِي الْعُبَابِ: فَإِنْ كَانَ الْكَامِلُ دُونَ الْفَرْضِ كَمِائَتَيْ شَاةٍ فِيهَا كَامِلَةٌ فَقَطْ أَجْزَأَتْهُ كَامِلَةٌ وَنَاقِصَةٌ بِالْقِسْطِ، أَيْ بِحَيْثُ يَكُونُ نِسْبَةُ قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ إلَى قِيمَةِ النِّصَابِ كَنِسْبَةِ الْمَأْخُوذِ إلَى النِّصَابِ.
اهـ. عَنَانِيٌّ.
فَفِي هَذَا الْمِثَالِ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمِائَتَيْنِ مِائَتَيْ دِينَارٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الشَّاتَيْنِ الْمَأْخُوذَتَيْنِ دِينَارَيْنِ، وَالدِّينَارَانِ اللَّذَانِ هُمَا قِيمَةُ الشَّاتَيْنِ خُمْسَ نِصْفِ الْعُشْرِ كَمَا أَنَّ الشَّاتَيْنِ نِسْبَتُهُمَا إلَى هَذَا الْعَدَدِ كَهَذِهِ النِّسْبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْحَدِيثَةُ الْعَهْدِ إلَخْ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُرَبِّي وَلَدَهَا بِلَبَنِهَا ق ل. قَوْلُهُ: (أَخَذَ الْخِيَارَ مِنْهَا)
حَامِلٌ كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَاسْتَحْسَنَهُ.
وَتُؤْخَذُ زَكَاةُ سَائِمَةٍ عِنْدَ وُرُودِهَا مَاءً لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ حِينَئِذٍ فَلَا يُكَلِّفُهُمْ السَّاعِي رَدَّهَا إلَى الْبَلَدِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمَرَاعِيَ، فَإِنْ لَمْ تَرِدْ الْمَاءَ بِأَنْ اكْتَفَتْ بِالْكَلَأِ وَقْتَ الرَّبِيعِ فَعِنْدَ بُيُوتِ أَهْلِهَا وَأَفْنِيَتِهِمْ، وَيُصَدَّقُ مُخْرِجُهَا فِي عَدَدِهَا إنْ كَانَ ثِقَةً وَإِلَّا فَتُعَدُّ، وَالْأَسْهَلُ عَدُّهَا عِنْدَ مَضِيقٍ تَمُرُّ بِهِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَبِيَدِ كُلٍّ مِنْ الْمَالِكِ وَالسَّاعِي أَوْ نَائِبِهِمَا قَضِيبٌ يُشِيرَانِ بِهِ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ أَوْ يُصِيبَانِ بِهِ ظَهْرَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنْ الْغَلَطِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَدِّ وَكَانَ الْوَاجِبُ يُخْتَلَفُ بِهِ أَعَادَ الْعَدَّ.