حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 250-289
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ

صفحات 250-289
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

[حاشية البجيرمي]

وَنُقِلَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا؛ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ ذَلِكَ.
قَالَ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: لَعَلَّ هَذَا يَكُونُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُ نَاهِيًا لَك عَنْ التَّعَرُّضِ إلَى عِلْمِ الْكَوَاكِبِ وَاقْتِرَانَاتِهَا وَمَانِعًا لَك أَنْ تَدَّعِيَ وُجُودَ تَأْثِيرَاتِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ فِيك قَضَاءً لَا بُدَّ أَنْ يُنَفِّذَهُ وَحُكْمًا لَا بُدَّ أَنْ يُظْهِرَهُ، فَمَا فَائِدَةُ التَّجَسُّسِ عَلَى غَيْبِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَقَدْ نَهَانَا سُبْحَانَهُ أَنْ نَتَجَسَّسَ عَلَى غَيْبِهِ اهـ ذَكَرَهُ ح ل فِي السِّيرَةِ.

[تَتِمَّةٌ سَبُّ الرِّيحِ]

قَوْلُهُ: (الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الرِّيحَ الْمُفْرَدَةَ تَأْتِي بِالْعَذَابِ وَالرِّيَاحَ الْمَجْمُوعَةَ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ.
وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْجَامِعِ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيَاحُ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا تَجِيءُ بِهِ الرِّيحُ» سَأَلَ اللَّهَ خَيْرَ الْمَجْمُوعَةِ لِأَنَّهَا لِلرَّحْمَةِ وَتَعَوَّذَ بِهِ مِنْ شَرِّ الْمُفْرَدَةِ لِأَنَّهَا لِلْعَذَابِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْأُسْلُوبُ فِي كَلَامِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَيْنُ الرِّيحِ وَاوٌ لِقَوْلِهِمْ أَرْوَاحٌ وَرُوَيْحَةٌ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَا تُفْلِحُ السَّحَابُ إلَّا مِنْ رِيَاحٍ، وَيُصَدِّقُهُ مَجِيءُ الْجَمْعِ فِي آيَاتِ الرَّحْمَةِ وَالْوَاحِدِ فِي قَصَصِ الْعَذَابِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُرَدَّ أَنَّهَا تَأْتِي بِالْعَذَابِ أَيْضًا شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ ق ل: وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ أَيْ مِنْ حَيْثُ مَا يَظْهَرُ لَنَا وَإِلَّا فَهِيَ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُطْلَقًا اهـ وَمِثْلُهُ ع ش عَلَى م ر. رَوَى الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ «رَجُلًا شَكَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَقْرَ فَقَالَ لَهُ: لَعَلَّك تَسُبُّ الرِّيحَ؟» وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ سَبَبَ الْمَطَرِ وَالْمَطَرُ سَبَبُ الرِّزْقِ فَمَنْ سَبَّهَا مُنِعَ الرِّزْقَ بِذَلِكَ اهـ دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يُقَرِّبُنِي) بِالْجَزْمِ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ أَوْ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَيُبْعِدُنِي كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الَّذِي يُبْعِدُك) فِيهِ أَنَّ هَذَا يُقَرِّبُهُ مِنْ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَلِذَا رُوِيَ " وَيُقَرِّبُنِي مِنْ النَّاسِ وَأَمَّا الَّذِي يُقَرِّبُك " إلَخْ وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ هَذِهِ النُّسْخَةِ أَيْ الَّتِي فِي الشَّرْحِ بِأَنَّ تَرْكَ مَسْأَلَتِهِمْ فِيهِ إعْرَاضٌ عَنْهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْبُعْدَ عَنْهُمْ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَوَى) أَيْ الْوَرَّاقُ 1 - خَاتِمَةٌ: تُفَارِقُ الْعِيدُ الِاسْتِسْقَاءَ فِي أَنَّ الْعِيدَ تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ بِخِلَافِهَا وَصَلَاةُ الْعِيدِ تُقْضَى بِخِلَافِهَا، وَيُقْرَأُ فِي الْعِيدِ ﴿ق﴾ [ق: 1] وَ " اقْتَرَبَتْ " وَيُقْرَأُ فِي ثَانِيَةِ الِاسْتِسْقَاءِ سُورَةُ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] لِأَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ فِيمَا يُقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِحَ قَاسَهَا عَلَى الْعِيدِ فِيمَا تَقَدَّمَ حَيْثُ قَالَ قِيَاسًا لَا نَصًّا.
وَيُفْتَتَحُ خُطْبَةُ الْعِيدِ بِالتَّكْبِيرِ وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَفِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ اسْتِدْبَارٌ وَتَحْوِيلٌ بِخِلَافِ الْعِيدِ؛ ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ.

[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْف] أَيْ الْخَائِفِ أَوْ حَالَةِ الْخَوْفِ أَوْ فِي الْخَوْفِ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْخَائِفِ أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَوْ مِنْ الْإِضَافَةِ لِلظَّرْفِ وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَتَأْخِيرُهَا لِقِلَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهَا وَإِلَّا فَالْأَنْسَبُ تَقْدِيمُهَا لِأَنَّهَا تَجْرِي فِي الْفَرْضِ

وَهُوَ ضِدُّ الْأَمْنِ، وَحُكْمُ صَلَاتِهِ حُكْمُ صَلَاةِ الْأَمْنِ، وَإِنَّمَا أُفْرِدَ بِفَصْلٍ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَهُ فِي الْجَمَاعَةِ وَغَيْرِهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِيهَا عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 102] الْآيَةُ وَالْأَخْبَارُ الْآتِيَةُ مَعَ خَبَرِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَتَجُوزُ فِي الْحَضَرِ كَالسَّفَرِ خِلَافًا لِمَالِكٍ (وَصَلَاةُ الْخَوْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ) بَلْ أَرْبَعَةٍ كَمَا سَتَرَاهَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَابِعَهَا وَجَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَاخْتَارَ بَقِيَّتَهَا مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ نَوْعًا مَذْكُورَةٍ فِي الْأَخْبَارِ وَبَعْضُهَا فِي الْقُرْآنِ: (أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ) أَوْ فِيهَا وَثَمَّ سَاتِرٌ وَهُوَ قَلِيلٌ، وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ وَخِيفَ هُجُومُهُ (فَيُفَرِّقُهُمْ الْإِمَامُ فِرْقَتَيْنِ) بِحَيْثُ تَكُونُ كُلُّ فِرْقَةٍ تُقَاوِمُ الْعَدُوَّ (فِرْقَةٌ تَقِفُ فِي

[حاشية البجيرمي]

وَالنَّفَلِ غَيْرِ الْمُطْلَقِ وَالْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْخَوْفُ فَزَعُ الْقَلْبِ مِنْ مَكْرُوهٍ يَنَالُهُ أَوْ مَحْبُوبٍ يَفُوتُهُ، وَسَبَبُهُ تَفَكُّرُ الْعَبْدِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ كَتَفَكُّرِهِ فِي تَقْصِيرِهِ وَإِهْمَالِهِ وَقِلَّةِ مُرَاقَبَتِهِ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَكَتَفَكُّرِهِ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ مِنْ إهْلَاكِ مُخَالِفِهِ وَمَا أَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ وَقِيلَ: الْخَوْفُ تَوَقُّعُ مَكْرُوهٍ عَنْ أَمَارَةٍ مَظْنُونَةٍ أَوْ مَعْلُومَةٍ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَهُ) أَيْ الْخَوْفِ وَقَوْلُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ أَيْ الْأَمْنِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ.
. . إلَخْ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ وَارِدَةً فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَوْ فِي بَطْنِ نَخْلٍ، فَقَوْلُهُ فِيهَا: " فَإِذَا سَجَدُوا " إنْ حُمِلَ عَلَى فَرَغُوا مِنْ السُّجُودِ وَمِنْ تَمَامِ رَكْعَتِهِمْ كَانَتْ صَلَاةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى صَلُّوا أَيْ فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ كَانَتْ بَطْنَ نَخْلٍ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجَلَالُ، وَذَكَرَ الرَّشِيدِيُّ أَنَّهَا وَارِدَةٌ فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ وَلَا تَشْمَلُ شِدَّةَ الْخَوْفِ فَهِيَ دَلِيلٌ لَهَا فِي الْجُمْلَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف وَحَاصِلُ الصَّلَاةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي الْخَوْفِ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا مُؤَقَّتًا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ جَازَ فِي الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ نَفْلًا مُؤَقَّتًا لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ جَازَ فِي الرَّابِعِ وَهُوَ شِدَّةُ الْخَوْفِ، وَأَمَّا النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فَلَا يُفْعَلُ أَصْلًا، وَأَمَّا ذُو السَّبَبِ فَيُفْعَلُ مِنْهُ الْخُسُوفُ وَالْكُسُوفُ فِي الرَّابِعِ فَقَطْ؛ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْأَدَاءِ، أَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنْ كَانَ فَائِتًا بِعُذْرٍ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا إنْ خَافَ الْمَوْتَ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَ فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ إلَخْ) إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الرَّابِعَ وَهُوَ بَطْنُ نَخْلٍ يَجُوزُ فِي الْخَوْفِ وَالْأَمْنِ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ) أَيْ اخْتَصَّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، لَكِنْ يَحْتَاجُ بَقِيَّةُ الْأَئِمَّةِ لِلْجَوَابِ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] الدَّالُ عَلَى الرَّابِعِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرُوهُ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالرَّابِعِ فُرَادَى لَا جَمَاعَةً، فَيَكُونُ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ الشَّافِعِيُّ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ جَمَاعَةً؛ وَقَوْلُهُ " رَابِعُهَا " أَيْ رَابِعُهَا فِي كَلَامِ غَيْرِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ، إذْ الرَّابِعُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ صَلَاةُ بَطْنِ نَخْلٍ، وَلَيْسَ مُرَادًا بِالرَّابِعِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَهُوَ ثَالِثٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَعَلَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ سَرَتْ لِلشَّارِحِ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَجَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ) أَيْ صَرِيحًا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ جَاءَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ أَوْ بَطْنِ نَخْلٍ لِكَوْنِهِ لَيْسَ نَصَّا فِي أَحَدِهِمَا، فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ ق ل بِقَوْلِهِ الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدَ وَبَعْضُهَا فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ قَوْلَهُ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَابِعَهَا وَجَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَ بَقِيَّتَهَا) أَيْ لِقِلَّةِ أَفْعَالِهَا قَوْلُهُ: (مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ) تَنَازَعَ فِيهِ ذَكَرَ وَاخْتَارَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الرَّابِعُ الْمُخْتَارَ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ السِّتَّةِ عَشَرَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ وَأَنَّ الرَّابِعَ زَائِدٌ عَلَى السِّتَّةَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ إلَخْ) أَيْ الصَّلَاةُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ " أَنْ يَكُونَ إلَخْ " وَإِلَّا فَقَوْلُهُ " أَنْ يَكُونَ إلَخْ " لَيْسَ صَلَاةً اُنْظُرْ م ر. قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْعَدُوُّ قَلِيلٌ قَوْلُهُ: (وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ) الْمُرَادُ بِالْكَثْرَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهُمْ فِي الْعَدَدِ بِأَنْ يَكُونُوا مِائَتَيْنِ وَالْكُفَّارُ مِائَتَيْنِ مَثَلًا، فَإِذَا صَلَّى بِطَائِفَةٍ وَهِيَ مِائَةٌ يَبْقَى مِائَةٌ فِي مُقَابَلَةِ مِائَتَيْ الْعَدُوِّ، وَهَذِهِ أَقَلُّ دَرَجَاتِ الْكَثْرَةِ، اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فَيُفَرِّقُهُمْ الْإِمَامُ) وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَإِنْ رُجِيَ زَوَالُ الْخَوْفِ، وَقَوْلُهُ: " الْإِمَامُ " لَيْسَ بِقَيْدٍ،

وَجْهِ الْعَدُوِّ) لِلْحِرَاسَةِ (وَفِرْقَةٌ) تَقِفُ (خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِالْفِرْقَةِ الَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً) مِنْ الثُّنَائِيَّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْحَازَ بِهِمْ إلَى حَيْثُ لَا يَبْلُغُهُمْ سِهَامُ الْعَدُوِّ (ثُمَّ) إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ بِالنِّيَّةِ بَعْدَ الِانْتِصَابِ نَدْبًا وَقَبْلَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ السُّجُودِ جَوَازًا، و (تَتِمُّ لِنَفْسِهَا) الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ (وَتَمْضِي) بَعْدَ سَلَامِهَا (إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ) لِلْحِرَاسَةِ.
وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الْأُولَى لِاشْتِغَالِ قُلُوبِهِمْ بِمَا هُمْ فِيهِ، وَيُسَنُّ لَهُمْ كُلِّهِمْ تَخْفِيفُ الثَّانِيَةِ الَّتِي انْفَرَدُوا بِهَا لِئَلَّا يَطُولَ الِانْتِظَارُ (وَتَجِيءُ الطَّائِفَةُ) أَيْ الْفِرْقَةُ (الْأُخْرَى) بَعْدَ ذَهَابِ أُولَئِكَ إلَى جِهَةِ الْعَدُوِّ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُطِيلُ الْقِيَامَ نَدْبًا إلَى لُحُوقِهِمْ (فَيُصَلِّي بِهَا) بَعْدَ اقْتِدَائِهَا بِهِ (رَكْعَةً) فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ قَامَتْ (وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا) ثَانِيَتَهَا وَهُوَ مُنْتَظِرٌ لَهَا وَهِيَ غَيْرُ مُنْفَرِدَةٍ عَنْهُ بَلْ مُقْتَدِيَةٌ بِهِ وَلَحِقَتْهُ وَهُوَ جَالِسٌ (ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهَا) لِتَحُوزَ فَضِيلَةَ التَّحَلُّلِ مَعَهُ كَمَا حَازَتْ الْأُولَى فَضِيلَةَ التَّحَرُّمِ مَعَهُ.
وَهَذِهِ صِفَةُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَاتِ الرِّقَاعِ مَكَانٌ مِنْ نَجْدٍ بِأَرْضِ غَطَفَانَ.
رَوَاهَا الشَّيْخَانِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَفُّوا بِأَرْجُلِهِمْ الْخِرَقَ لَمَّا تَقَرَّحَتْ، وَقِيلَ بِاسْمِ شَجَرَةٍ هُنَاكَ، وَقِيلَ بِاسْمِ جَبَلٍ فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ وَسَوَادٌ يُقَالُ لَهُ الرِّقَاعُ، وَقِيلَ لِتَرَقُّعِ صَلَاتِهِمْ فِيهَا.
وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ بَعْدَ قِيَامِهِ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً بَعْدَهَا فِي زَمَنِ انْتِظَارِهِ الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةِ، وَيَتَشَهَّدُ فِي جُلُوسِهِ لِانْتِظَارِهَا، فَإِنْ صَلَّى الْإِمَامُ مَغْرِبًا عَلَى كَيْفِيَّةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ الْجَائِزِ أَيْضًا، وَيَنْتَظِرُ مَجِيءَ الثَّانِيَةِ وَلَهُمْ فِي جُلُوسِ تَشَهُّدِهِ أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ، أَوْ صَلَّى رُبَاعِيَّةً فَبِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ وَصَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ.
وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ مَحْمُولٌ فِي

[حاشية البجيرمي]

وَكَذَا قَوْلُهُ " فِرْقَتَيْنِ " قَالَ الشَّمْسُ الشَّوْبَرِيُّ: هَلْ الْخِيَرَةُ فِي جَعْلِ إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ تُصَلِّي مَعَهُ الْأُولَى وَالْأُخْرَى الثَّانِيَةُ لِلْإِمَامِ أَوْ يُقْرِعَ إذَا حَصَلَ نِزَاعٌ؟ اهـ قَالَ شَيْخُنَا: الْخِيَرَةُ لِلْإِمَامِ وَإِذَا أَمَرَهُمْ بِشَيْءٍ وَجَبَ فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْ بِشَيْءٍ فَالْخِيَرَةُ لِلْقَوْمِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرِعُوا؛ وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ إمَامُ الْجَيْشِ فَإِنْ فَوَّضَهُ لِإِمَامِ الصَّلَاةِ كَانَ نَائِبًا عَنْهُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (إلَى حَيْثُ) أَيْ مَكَانٌ مُنْعَطِفٌ، وَقَوْلُهُ " لَا يَبْلُغُهُمْ سِهَامُ الْعَدُوِّ " أَيْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (جَوَازًا) وَعِنْدَ رُكُوعِهَا وُجُوبًا لِئَلَّا يَحْصُلَ السَّبْقُ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ، أَيْ لَوْ رَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَهَوَى لِلسُّجُودِ قَبْلَ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ السَّبْقُ بِرُكْنَيْنِ إلَّا عِنْدَ الْهَوِي لِلسُّجُودِ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ وُجُوبُ نِيَّةِ الْمُفَارَقَةِ عِنْدَ الِاعْتِدَالِ لَا عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ نِيَّةَ الْمُفَارَقَةِ لَا بُدَّ مِنْهَا لَكِنَّ حُكْمَهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَحَالِّ الثَّلَاثَةِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَيُطِيلُ إلَخْ) فَإِنْ لَمْ يُطِلْ جَازَ ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ تَكُونُ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مَسْبُوقَةً.
قَوْلُهُ: (فَيُصَلِّي بِهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهَا بِهِ رَكْعَةً) هَذَا إنْ أَدْرَكَتْ مَعَهُ الرُّكُوعَ فَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ مَعَهُ الرُّكُوعَ وَجَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالْإِمَامُ مُنْتَظِرٌ لَهُمْ لِيُسَلِّمَ بِهِمْ كَمَا لَوْ صَلَّى بِأَرْبَعِ فِرَقٍ صَلَاةً رُبَاعِيَّةً، فَإِنَّ الْفِرْقَةَ الرَّابِعَةَ تَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ وَالْإِمَامُ مُنْتَظِرٌ لَهُمْ، أَوْ تُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَ جُلُوسِهِ وَرَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِهِ، أَوْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ عَدَمُ الْقِيَامِ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فَيَقُومُونَ كَالْمَسْبُوقِ فِي الْأَمْنِ؛ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: احْتِمَالَاتٌ ثَلَاثٌ اهـ قَالَ شَيْخُنَا: الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ بَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ، وَقَالَ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (غَطَفَانُ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَتْ) أَيْ هَذِهِ الْبُقْعَةُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الصَّحَابَةَ) هَذَا هُوَ الْأَرْجَحُ لِوُرُودِهِ فِي السِّيَرِ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَمِنْ ثَمَّ قَدَّمَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ (لَفُّوا بِأَرْجُلِهِمْ الْخِرَقَ) وَالْخِرَقُ تُسَمَّى رِقَاعًا، فَظَهَرَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ بِاسْمِ جَبَلٍ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ إذْ اسْمُ الْجَبَلِ جُزْءُ الِاسْمِ أَيْ وَالِاسْمُ بِتَمَامِهِ ذَاتُ الرِّقَاعِ، فَهُوَ مِنْ الْأَعْلَامِ الْمُرَكَّبَةِ.
قَوْلُهُ: (لِتَرَقُّعِ صَلَاتِهِمْ) لِأَنَّ بَعْضَهَا جَمَاعَةٌ وَبَعْضَهَا فُرَادَى وَبَعْضَهَا فِيهِ الِاقْتِدَاءُ حَقِيقِيٌّ وَبَعْضَهَا فِيهِ الِاقْتِدَاءُ حُكْمِيٌّ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ رَفَعُوا فِيهَا رَايَاتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ وَتُفَارِقُهُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مَعَهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَشَهُّدِهِمْ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ شَرْحُ م ر أج.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ) لِسَلَامَتِهِ مِنْ التَّطْوِيلِ فِي عَكْسِهِ بِزِيَادَةِ تَشَهُّدٍ فِي أُولَى الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ، أَيْ زِيَادَةِ التَّشَهُّدِ عَلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ.
قَوْلُهُ (الْجَائِزِ) أَشَارَ بِقَوْلِهِ " الْجَائِزُ " إلَى أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ، إذْ صُورَةُ الْعَكْسِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ م ر أج وَقَوْلُهُ " لَيْسَ عَلَى بَابِهِ " فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِلْكَرَاهَةِ عَلَى بَابِهِ.
قَوْلُهُ: (فَبِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ) أَيْ فَبِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ

أُولَاهُمْ لِاقْتِدَائِهِمْ فِيهَا وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ لَا ثَانِيَةُ الْأُولَى لِانْفِرَادِهِمْ، وَسَهْوُ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الْأُولَى لِمُفَارِقِهِمْ قَبْلَ السَّهْوِ (وَ) الضَّرْبُ (الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ) وَلَا سَاتِرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَفِينَا كَثْرَةٌ بِحَيْثُ تُقَاوِمُ كُلُّ فِرْقَةٍ الْعَدُوَّ (فَيَصُفُّهُمْ الْإِمَامُ صَفَّيْنِ) فَأَكْثَرَ خَلْفَهُ (وَيُحْرِمُ بِهِمْ) جَمِيعًا وَيَسْتَمِرُّونَ مَعَهُ إلَى اعْتِدَالِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الْحِرَاسَةَ الْآتِيَةَ مَحِلُّهَا الِاعْتِدَالُ لَا الرُّكُوعُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ (فَإِذَا سَجَدَ) الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (سَجَدَ مَعَهُ أَحَدُ الصَّفَّيْنِ) سَجْدَتَيْهِ (وَوَقَفَ الصَّفُّ الْآخَرُ) عَلَى حَالَةِ الِاعْتِدَالِ (يَحْرُسُهُمْ) أَيْ السَّاجِدِينَ مَعَ الْإِمَامِ (فَإِذَا رَفَعَ) الصَّفُّ السَّاجِدُ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (سَجَدُوا) أَيْ الْحَارِسُونَ لِإِكْمَالِ رَكْعَتِهِمْ (وَلَحِقُوهُ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَسَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلًا وَحَرَسَتْ الْفِرْقَةُ السَّاجِدَةُ أَوَّلًا مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَتَشَهَّدَ الْإِمَامُ بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صِفَةُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ خَلِيصٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سُمِّيَتْ بِهِ لِعَسْفِ السُّيُولِ فِيهَا وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ فِي هَذَا صَادِقَةٌ بِأَنْ يَسْجُدَ الصَّفُّ الْأَوَّلِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالثَّانِي فِي الثَّانِيَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِيهَا بِمَكَانِهِ أَوْ تَحُولُ بِمَكَانٍ آخَرَ، وَبِعَكْسِ ذَلِكَ فَهِيَ أَرْبَعُ كَيْفِيَّاتٍ وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ إذَا لَمْ تَكْثُرُ أَفْعَالُهُمْ فِي التَّحَوُّلِ، وَاَلَّذِي فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ سُجُودُ الْأَوَّلِ فِي الْأُولَى وَالثَّانِي

[حاشية البجيرمي]

صَلَّى بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً وَبِالْأُخْرَى ثَلَاثًا أَوْ عَكْسَهُ صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَسَجَدَ الْإِمَامُ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ سُجُودَ السَّهْوِ لِلْمُخَالَفَةِ بِالِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقً سَجَدُوا لِلسَّهْوِ أَيْضًا لِلْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ " سَجَدُوا " أَيْ غَيْرُ الْفِرْقَةِ الْأُولَى اهـ أج.
قَوْلُهُ: (صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ) أَيْ الْفِرَقُ الْأَرْبَعُ، وَتُفَارِقُ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا وَهُوَ مُنْتَظِرٌ فَرَاغَهَا وَمَجِيءَ الْأُخْرَى فِي الْقِيَامِ، وَيَنْتَظِرُ الرَّابِعَةَ فِي تَشَهُّدِهِ لِيُسَلِّمَ بِهَا؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَيُنْدَبُ لَهُ وَلَهُمْ غَيْرَ الْفِرْقَةِ الْأُولَى سُجُودُ السَّهْوِ لِمُخَالِفَتِهِ الْوَارِدَ بِالِانْتِظَارِ فِي غَيْرِ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ مَتَى خَالَفَ الْوَارِدَ نُدِبَ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَتَطَرَّقَ الْخَلَلُ مِنْهُ إلَى الْمَأْمُومِينَ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ سَهْوَ الْمَأْمُومِ حَالَ اقْتِدَائِهِ وَلَوْ حُكْمًا مَحْمُولٌ عَنْهُ، وَأَنَّ سَهْوَ الْإِمَامِ يَلْحَقُ مَنْ حَضَرَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَا مَنْ فَارَقَهُ قَبْلَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ) أَيْ فِي الثُّنَائِيَّةِ لِانْسِحَابِ حُكْمِ الْقُدْوَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَشَهَّدُونَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فَهُمْ مُقْتَدُونَ بِهِ حُكْمًا.
قَوْلُهُ: (وَفِينَا كَثْرَةٌ) قَالَ شَيْخُنَا هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ لِصِحَّتِهَا وَجَوَازِهَا فَلَا تَصِحُّ مَعَ فَقْدِ شَرْطٍ مِنْهَا وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ضِيقِ الْوَقْتِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَحِقُوهُ فِي الرَّكْعَةِ إلَخْ) أَيْ فِي الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمْ كَالْمَسْبُوقِ، فَإِنْ لَحِقُوهُ فِي الْقِيَامِ أَوْ فِي الرُّكُوعِ أَدْرَكُوا الرَّكْعَةَ، وَإِنْ أَدْرَكُوهُ فِي الِاعْتِدَالِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ إنْ لَمْ يَنْوُوا الْمُفَارَقَةَ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الِاعْتِدَالِ.
قَوْلُهُ: (بِعُسْفَانَ) وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَعِيدًا مِنْهُ فِي صَحْرَاءَ وَاسِعَةٍ.
اهـ. شَوْبَرِيُّ؛ ثُمَّ أَسْلَمَ خَالِدُ بَعْدَ ذَلِكَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَوْلُهُ: (لِعَسْفِ السُّيُولِ فِيهَا) أَيْ لِتَسَلُّطِ السُّيُولِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَحَوَّلَ بِمَكَانٍ آخَرَ) أَيْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَبِعَكْسِ ذَلِكَ) بِأَنْ يَسْجُدَ الصَّفُّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالْأَوَّلُ فِي الثَّانِيَةِ إلَخْ.
قَوْلُهُمْ: (إذَا لَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُمْ) فِي التَّحَوُّلِ بِأَنْ لَا يَأْتِي كُلٌّ بِثَلَاثِ حَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَإِنْ قُلْت: الْأَفْعَالُ الْكَثِيرَةُ الْمُتَوَالِيَةُ مُغْتَفَرَةٌ فِي الْقِتَالِ فَلِمَ لَمْ يُغْتَفَرْ هُنَا ذَلِكَ؟ قُلْنَا: هَذَا لَيْسَ بِسَبَبِ الْقِتَالِ وَلَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ لِإِمْكَانِ الْحِرَاسَةِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَحِلِّهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ) هَذَا أَفْضَلُ الْكَيْفِيَّاتِ أج وَفِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ: وَصَلَاةُ عُسْفَانَ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَفَّهُمْ صَفَّيْنِ وَأَنَّهُ أَحْرَمَ بِهِمْ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ لَمَّا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ سَجْدَتَيْهِ وَتَخَلَّفَ الصَّفُّ الثَّانِي فِي اعْتِدَالِهِ لِلْحِرَاسَةِ، فَلَمَّا قَامَ وَقَامَ مَنْ مَعَهُ سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي وَلَحِقَهُ فِي الْقِيَامِ وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي وَتَأَخَّرَ

فِي الثَّانِيَةِ مَعَ التَّحَوُّلِ فِيهَا، وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ صُفُوفًا ثُمَّ يَحْرُسُ صَفَّانِ فَأَكْثَرُ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْحِرَاسَةُ بِالسُّجُودِ دُونَ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الرَّاكِعَ تُمْكِنُهُ الْمُشَاهَدَةُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْرِسَ جَمِيعَ مَنْ فِي الصَّفِّ، بَلْ لَوْ حَرَس فِي الرَّكْعَتَيْنِ فِرْقَتَا صَفٍّ عَلَى الْمُنَاوَبَةِ وَدَامَ غَيْرُهُمَا عَلَى الْمُتَابَعَةِ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْحَارِسَةُ مُقَاوِمَةً لِلْعَدُوِّ حَتَّى لَوْ كَانَ الْجُلُوسُ وَاحِدًا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَزِيدَ الْكُفَّارُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَكَذَا يَجُوزُ لَوْ حَرَسَتْ فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِكُلِّ ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَأَنْ يَحْرُسَ أَقَلُّ مِنْهَا (وَ) الضَّرْبُ (الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ) فِعْلُهُمْ الصَّلَاةَ (فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ) وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ الْقِتَالُ بِحَيْثُ لَمْ يَأْمَنُوا هُجُومَ الْعَدُوِّ وَلَوْ وَلَّوْا عَنْهُ أَوْ انْقَسَمُوا (وَالْتِحَامِ الْحَرْبِ) أَيْ الْقِتَالِ بِأَنْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ، وَهَذَا كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اخْتِلَاطِهِمْ بِحَيْثُ يَلْتَصِقُ لَحْمُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ أَوْ يُقَارِبُ الْتِصَاقُهُ (فَيُصَلِّي) كُلُّ وَاحِدٍ حِينَئِذٍ (كَيْفَ أَمْكَنَهُ رَاجِلًا) أَيْ مَاشِيًا (أَوْ رَاكِبًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] وَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا (مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لَهَا) فَيُعْذَرُ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي تَرْكِ تَوَجُّهِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ بِسَبَبِ الْعَدُوِّ لِلضَّرُورَةِ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا.
قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَاهُ إلَّا مَرْفُوعًا بَلْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَوْ انْحَرَفَ عَنْهَا بِجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَطَالَ الزَّمَانُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ وَتَقَدَّمُوا

[حاشية البجيرمي]

الصَّفُّ الْأَوَّلُ، ثُمَّ رَكَعَ وَاعْتَدَلَ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الثَّانِي الَّذِي تَقَدَّمَ وَاسْتَمَرَّ الصَّفُّ الْأَوَّلُ الَّذِي تَأَخَّرَ عَلَى الْحِرَاسَةِ فِي اعْتِدَالِهِ، فَلَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ أَتَمُّوا بَقِيَّةَ صَلَاتِهِمْ وَجَلَسُوا مَعَهُ لِلتَّشَهُّدِ، فَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ بِهِمْ جَمِيعًا» وَعَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ حَمَلَ أَئِمَّتُنَا مَا جَاءَ " فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْخَوْفِ رَكْعَةً " أَيْ أَنَّهَا رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ، وَيُضَمُّ إلَيْهَا أُخْرَى ثُمَّ رَأَيْت فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ هِيَ صَلَاةُ عُسْفَانَ، عَنْ أَبِي عَبَّاسٍ الزُّرَقِيُّ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُسْفَانَ، فَاسْتَقْبَلَنَا الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ فَقَالُوا: قَدْ كَانُوا عَلَى حَالِ غِرَّةٍ» الْحَدِيثُ وَاشْتَرَطَ أَئِمَّتُنَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَهِيَ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَا سَاتِرَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ صَفٍّ مُقَاوِمًا لِلْعَدُوِّ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلَعَلَّ صَلَاتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّفَّيْنِ كَانَتْ كَذَلِكَ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ لَمْ يَنْزِلْ بِهَا الْقُرْآنُ كَصَلَاةِ بَطْنِ نَخْلٍ، فَعُلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ إلَّا بِصَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَبِصَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَهُوَ أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ أَوْ لَمْ يَأْمَنُوا هُجُومَ الْعَدُوِّ اهـ. قَوْلُهُ: (بِالسُّجُودِ) أَيْ فِي حَالِ سُجُودِهِمْ دُونَ رُكُوعِهِمْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الرَّاكِعَ تُمْكِنُهُ الْمُشَاهَدَةُ) فِي نُسْخَةٍ: " تُمْكِنُهُ بِالْمُشَاهَدَةِ " أَيْ تُمْكِنُهُ الْحِرَاسَةُ بِالْمُشَاهَدَةِ قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ لَمْ يَأْمَنُوا) بَيَانٌ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ قَوْلُهُ: (وَلَّوْا عَنْهُ) كَمَا فِي ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ انْقَسَمُوا " كَمَا فِي عُسْفَانَ قَوْلُهُ: (وَالْتِحَامُ الْحَرْبِ) قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَصِلَ سِلَاحُ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى " أَوْ " لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيمَا قَبْلَهُ " وَإِنْ لَمْ يَلْتَحِمْ الْقِتَالُ ". قَوْلُهُ: (أَوْ يُقَارِبُ الْتِصَاقَهُ) أَيْ الْتِصَاقَ اللَّحْمِ قَوْلُهُ: (كَيْفَ أَمْكَنَهُ) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَا دَامَ يَرْجُو الْأَمْنَ لَا يَفْعَلُهَا، فَإِنْ رَجَاهُ وَلَوْ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ وَجَبَ التَّأْخِيرُ ق ل وم ر؛ فَإِنْ لَمْ يَرْجُ الْأَمْنَ فَلَهُ فِعْلُهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ قِيَاسًا عَلَى فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَأَمَّا بَاقِي الْأَنْوَاعِ فَالظَّاهِرُ فِيهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ ز ي وَسَوَّى سم بَيْنَ الْجَمِيعِ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ التَّفْصِيلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ رَاكِبًا) وَلَوْ فِي الْأَثْنَاءِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَلَوْ أَمِنَ الرَّاكِبُ نَزَلَ فَوْرًا وُجُوبًا وَبَنَى إنْ لَمْ يَسْتَدْبِرْ الْقِبْلَةَ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (بِسَبَبِ الْعَدُوِّ) خَرَجَ مَا إذَا انْحَرَفَ لِجِمَاحِ الدَّابَّةِ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي قَوْلُهُ: (فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ) أَيْ فِي سِيَاقِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَإِلَّا فَتَفْسِيرُ رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا بِذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ اللَّفْظِ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (فَلَوْ انْحَرَفَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْجِهَةِ الَّتِي أَمْكَنَهُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قِبْلَةً إذْ هِيَ

عَلَى الْإِمَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ لِلضَّرُورَةِ، وَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ مِنْ انْفِرَادِهِمْ كَمَا فِي الْأَمْنِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ فِي فَضْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَيُعْذَرُ أَيْضًا فِي الْأَعْمَالِ الْكَثِيرَةِ كَالضَّرَبَاتِ وَالطَّعَنَاتِ الْمُتَوَالِيَةِ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ قِيَاسًا عَلَى مَا وَرَدَ مِنْ الْمَشْيِ وِتْرِك الِاسْتِقْبَالِ، وَلَا يُعْذَرُ فِي الصِّيَاحِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِأَنَّ السَّاكِتَ أَهْيَبُ، وَيَجِبُ أَنْ يُلْقِيَ السِّلَاحَ إذَا دَمِي دَمًا لَا يُعْفَى عَنْهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ شَرْعًا بِأَنْ احْتَاجَ إلَى إمْسَاكِهِ لِلْحَاجَةِ، وَيَقْضِي خِلَافًا لِمَا فِي الْمِنْهَاجِ لِنُدْرَةِ عُذْرِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ، فَإِنْ عَجْزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْمَأَ بِهِمَا لِلضَّرُورَةِ وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا.
وَلَهُ حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ فِي كُلِّ مُبَاحِ قِتَالٍ وَهَرَبٍ كَقِتَالٍ عَادِلٍ لِبَاغٍ، وَذِي مَالٍ لِقَاصِدٍ أَخَذَهُ ظُلْمًا، وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ وَسَيْلٍ، وَسَبُعٍ لَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَغَرِيمٍ لَهُ عِنْدَ إعْسَارِهِ وَهَذَا كُلُّهُ إنْ خَافَ فَوْتَ

[حاشية البجيرمي]

بِمَنْزِلَةِ الْقِبْلَةِ لَهُ قَوْلُهُ: (وَطَالَ الزَّمَانُ) فَإِنْ لَمْ يَطُلْ فَلَا بُطْلَانَ، لَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ انْفِرَادِهِمْ) إلَّا إنْ كَانَ الِانْفِرَادُ هُوَ الْحَزْمُ أَيْ الرَّأْيُ السَّدِيدُ فَهُوَ أَفْضَلُ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (الْمُتَوَالِيَةِ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ) لَوْ احْتَاجَ إلَى خَمْسِ ضَرَبَاتٍ مَثَلًا فَقَصَدَ الْإِتْيَانَ بِسِتٍّ فَهَلْ تَبْطُلُ بِالشُّرُوعِ أَوْ لَا تَبْطُلُ؟ قَالَ سم فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ: ظَهَرَ لِي الْآنَ الْأَوَّلُ اهـ قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ بِأَنَّ مَا هُنَا مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ وَاجِبًا، بِخِلَافِ تِلْكَ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فَاقْتَضَى الْبُطْلَانَ فِيهَا دُونَ هَذِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعْذَرُ فِي الصِّيَاحِ) وَمِثْلُهُ النُّطْقُ بِلَا صِيَاحٍ كَمَا فِي الْأُمِّ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ) فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ كَإِنْذَارِ أَحَدٍ مِمَّنْ يُرَادُ الْفَتْكُ بِهِ مَثَلًا فَيَحْتَمِلُ اغْتِفَارَهُ وَعَدَمَ الْقَضَاءِ وَيَحْتَمِلُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ نَادِرٌ.
اهـ. ز ي أج.
قَوْلُهُ: (إذَا دَمِي) أَيْ مَثَلًا فَالْمُرَادُ إذَا تَنَجَّسَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَنَجَّسْ فَتَارَةً يُسَنُّ حَمْلُهُ إذَا كَانَ لَا يُؤْذِي غَيْرَهُ وَلَا يَظْهَرُ بِتَرْكِهِ خَطَرٌ وَتَارَةً يُكْرَهُ إذَا آذَى، بَلْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ حُرِّمَ؛ وَتَارَةً يَجِبُ إذَا ظَهَرَ بِتَرْكِهِ خَطَرٌ، فَإِنْ خَلَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ حَمْلُهُ مُبَاحًا.
قَوْلُهُ: (أَمْسَكَهُ) أَيْ فَيَجِبُ حَمْلُهُ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا، وَيَجِبُ إبْقَاءُ بَيْضِهِ وَإِنْ مَنَعَتْ السُّجُودَ حَيْثُ انْحَصَرَتْ الْوِقَايَةُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ حِينَئِذٍ اسْتِسْلَامًا لِلْعَدُوِّ، وَيَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَوْ أَدَّى لِإِيذَاءِ غَيْرِهِ حِفْظًا لِنَفْسِهِ ، وَلَا نَظَرَ لِضَرَرِ غَيْرِهِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الِاضْطِرَارِ حَيْثُ قَدَّمَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَجِبْ دَفْعُهُ لِمُضْطَرٍّ آخَرَ تَقْدِيمًا لِنَفْسِهِ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ اهـ أج وَالْمُرَادُ بِالْبَيْضَةِ الطَّاسَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْضِي) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَا فِي الْمِنْهَاجِ ضَعِيفٌ شَرْحُ م ر أج.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا إلَخْ) لَمَّا حَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ احْتَاجَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مُبَاحِ قِتَالٍ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ؛ أَيْ قِتَالٌ مُبَاحٌ أَيْ جَائِزٌ، فَشَمَلَ الْمَنْدُوبَ وَالْوَاجِبَ وَالْمُبَاحَ؛ فَالْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ غَيْرُ الْحَرَامِ ز ي وَلَا يَضُرُّ وَطْؤُهُ نَجَاسَةً، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ وَطِئَهَا قَصْدًا وَكَانَتْ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهَا ح ل. قَوْلُهُ: (كَقِتَالِ عَادِلٍ لِبَاغٍ) بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ، أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَأْوِيلٌ فَإِنْ كَانَ لِلْبُغَاةِ تَأْوِيلٌ جَازَ لَهُمْ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (لِقَاصِدِ أَخْذِهِ) أَوْ لِمَنْ أَخَذَهُ كَخَطْفِهِ نَعْلَهُ، وَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَوْرًا وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ مَوْضِعُهُ كَمَا قَالَهُ ق ل وَكَذَا إذَا شَرَدَتْ دَابَّتُهُ وَخَافَ عَلَيْهَا الضَّيَاعَ وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَوْ خُطِفَ نَعْلُهُ فِي الصَّلَاةِ جَازَ لَهُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ إذَا خَافَ ضَيَاعَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَبَعًا لِابْنِ الْعِمَادِ، وَيُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَلَا يَضُرُّ وَطْؤُهُ النَّجَاسَةَ كَحَامِلِ سِلَاحِهِ الْمُلَطَّخِ بِالدَّمِ لِلْحَاجَةِ وَيَلْزَمُهُ فِعْلُهَا ثَانِيًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَفِي الْجِيلِيِّ: لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَهُوَ بِأَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَحْرَمَ مَاشِيًا كَهَارِبٍ مِنْ حَرِيقٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ الشَّرْعِيَّ كَالْحِسِّيِّ، وَإِذَا أَحْرَمَ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الْمَدِّ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ حَيْثُ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَالْوَقْتُ يَسَعُهَا فَلَهُ الْمَدُّ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَقَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَالْخَارِجُ مِنْ الْمَغْصُوبِ يُصَلِّي وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ حَالَ خُرُوجِهِ قِيلَ: وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اهـ وَأَظُنُّهُ كَلَامَ ابْنِ حَجَرٍ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ) بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ رَكْعَةً شَرْحُ الرَّوْضِ؛ وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَرْجُو الْأَمْنَ كَمَا تَقَدَّمَ

الْوَقْتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ.
وَلَيْسَ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ بِفَوْتِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ إنْ صَلَّى الْعِشَاءَ مَاكِثًا أَنْ يُصَلِّيَهَا سَائِرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ حَاصِلٍ كَفَوْتِ نَفْسٍ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَاكِثًا وَيُفَوِّتُ الْحَجَّ لِعِظَمِ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ أَوْ يُحَصِّلُ الْوُقُوفَ لِصُعُوبَةِ قَضَاءِ الْحَجِّ وَسُهُولَةِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ؟ وَجْهَانِ: رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ مِنْهُمَا الْأَوَّلَ، وَالنَّوَوِيُّ الثَّانِيَ بَلْ صَوَّبَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ فَتَأْخِيرُهَا وَاجِبٌ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ، وَلَوْ صَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِشَيْءٍ ظَنُّوهُ عَدُوًّا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ضِعْفِهِمْ فَبَانَ خِلَافُهُ قَضَوْا إذْ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ الَّذِي أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِيهَا وَثَمَّ سَاتِرٌ وَهُوَ قَلِيلٌ وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ وَخِيفَ هُجُومُهُ، فَيُرَتِّبُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ فِرْقَتَيْنِ وَيُصَلِّي بِهِمْ مَرَّتَيْنِ كُلُّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ جَمِيعَ الصَّلَاةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَمْ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، وَتَكُونُ الْفِرْقَةُ الْأُخْرَى تُجَاهَ الْعَدُوِّ وَتَحْرُسُ، ثُمَّ تَذْهَبُ الْفِرْقَةُ الْمُصَلِّيَةُ إلَى جِهَةِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الْفِرْقَةُ الْحَارِسَةُ فَيُصَلِّي بِهَا مَرَّةً أُخْرَى جَمِيعَ الصَّلَاةِ، وَتَقَعُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ لِلْإِمَامِ نَفْلًا وَهَذِهِ صِفَةُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَطْنِ نَخْلٍ مَكَانٌ مِنْ نَجْدٍ بِأَرْضِ غَطَفَانَ وَهِيَ وَإِنْ جَازَتْ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ فِيهِ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقِلَّةِ عَدُوِّهِمْ وَخَوْفِ هُجُومِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ.
تَتِمَّةٌ: تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِي الْخَوْفِ حَيْثُ وَقَعَ بِبَلَدٍ كَصَلَاةِ عُسْفَانَ وَكَذَاتِ الرِّقَاعِ لَا كَصَلَاةِ بَطْنِ نَخْلٍ إذْ لَا تُقَامُ جُمُعَةٌ بَعْدَ أُخْرَى، وَيُشْتَرَطُ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ عَدَدٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لِمُحْرِمٍ) خَرَجَ بِهِ مَرِيدُ الْإِحْرَامِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ إنْ ظَنَّ فَوَاتَ الصَّلَاةِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ) وَكَذَا الْعُمْرَةِ إذَا نَذَرَ فِعْلَهَا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَضَاقَ ذَلِكَ الْوَقْتُ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِيهِ لَوْ صَلَّى مَاكِثًا م ر وَخَالَفَ حَجّ فَقَالَ: يُصَلِّي ثُمَّ يَعْتَمِرُ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُمْرَةِ وَقْتُهَا الْأَبَدُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (إنْ صَلَّى الْعِشَاءَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُ الْوُقُوفِ إلَّا بِتَرْكِ صَلَوَاتِ أَيَّامٍ وَجَبَ التَّرْكُ.
اهـ. ز ي وَعِبَارَةُ ق ل: هُوَ مِثَالٌ، وَإِلَّا فَلَا يَتَقَيَّدُ بِصَلَاةٍ وَلَا بِأَكْثَرَ وَلَا بِأَيَّامٍ وَلَا بِأَشْهُرٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَهَا) فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرِ اسْمٍ لَيْسَ مُؤَخَّرٍ، وَقَوْلُهُ " لِمُحْرِمٍ " خَبَرُهَا مُقَدَّمٌ قَوْلُهُ: (حَاصِلٌ) أَيْ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ إلَى الْآنَ لَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ إنْقَاذِ النَّفْسِ وَرَدِّ النَّعْلِ وَالْبَعِيرِ النَّادِّ لِأَنَّهُ يَخَافُ فَوْتَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ، بِخِلَافِ الْحَاجِّ فَإِنَّهُ يَرُومُ تَحْصِيلَ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ م د وَقَوْلُهُ " لِأَنَّ الْحَجَّ " الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ " لِأَنَّ عَرَفَةَ " لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ) هَذَا جَارٍ فِي الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ " قَضَوْا " يَحْتَاجُ لِتَقْيِيدٍ بِأَنْ يُقَالَ قَضَى مَنْ اشْتَمَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى مُبْطِلٍ اُحْتُمِلَ فِي الْخَوْفِ وَلَمْ يُحْتَمَلْ فِي الْأَمْنِ، كَتَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ وَالِانْفِرَادِ بِرَكْعَةٍ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (ظَنُّوهُ) مِثْلُهُ الشَّكُّ.
قَوْلُهُ: (قَضَوْا) فَلَوْ بَانَ عَدُوًّا يُرِيدُ الصُّلْحَ فَلَا قَضَاءَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (الَّذِي أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ) لَعَلَّهُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْخَوْفِ.
قَوْلُهُ: (نَفْلًا) أَيْ مُعَادَةً، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا نِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فَهُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ نِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمُعَادَةِ شَوْبَرِيُّ، وَأَقَرَّهُ أج قَالَ ع ش: وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ وُجُوبُ نِيَّةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ فِيهِ) صَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَا تُنْدَبُ فِي الْأَمْنِ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْأَصْلِيَّةَ خَلْفَ الْمُعَادَةِ مِنْ نَوْعِهَا مَنْدُوبَةٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا م ر ق ل وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَبْنَى الْإِشْكَالِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَهِيَ رَاجِعٌ لِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ لِصَلَاةِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ خَلْفَهُ، فَهِيَ وَإِنْ جَازَتْ فِي الْأَمْنِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ أَيْ فَهِيَ مُبَاحَةٌ فَهِيَ هُنَا مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ الْفَرْضِ خَلْفَ النَّفْلِ فِي غَيْرِ الْمُعَادَةِ ح ل وَأَيْضًا لَيْسَ الْإِعَادَةُ هُنَا كَثَمَّ لِأَنَّهُ هُنَا يَأْمُرُ مَنْ صَلَّى بِعَدَمِ الْإِعَادَةِ وَيُعِيدُ بِغَيْرِهِ شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ) فَهِيَ شُرُوطٌ لِلنَّدَبِ لَا لِلْجَوَازِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَكَرَاهَةُ اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ مَحِلُّهَا فِي الْأَمْنِ ز ي، أَوْ أَنَّ مَحِلَّهُ فِي النَّفْلِ الْمَحْضِ ح ف. قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ عَدَدٌ) أَيْ أَنْ يَسْمَعَ ثَمَانُونَ فَأَكْثَرَ وَيُصَلِّي

خَطَبَ بِفِرْقَةٍ وَصَلَّى بِأُخْرَى، وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ مِنْ السَّامِعِينَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ فَلَا لِلْحَاجَةِ مَعَ سَبْقِ انْعِقَادِهَا، وَتَجْهَرُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُمْ مُنْفَرِدُونَ، وَلَا تَجْهَرُ الثَّانِيَةُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُمْ مُقْتَدُونَ بِهِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ.

فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْمُحَارِبِ وَغَيْرِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَبَدَأَ بِهَذَا فَقَالَ: (وَيُحَرَّمُ عَلَى الرِّجَالِ) الْمُكَلَّفِينَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَكَذَا الْخَنَاثَى خِلَافًا لِلْقَفَّالِ (لُبْسُ الْحَرِيرِ) وَهُوَ مَا يَحِلُّ عَنْ الدُّودَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَالْقَزِّ وَهُوَ مَا قَطَعَتْهُ الدُّودَةُ وَخَرَجَتْ مِنْهُ وَهُوَ كَمِدُ اللَّوْنِ.
وَمِثْلُ اللُّبْسِ سَائِرُ أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ بِفُرُشٍ وَتَدَثُّرٍ وَجُلُوسٍ عَلَيْهِ وَاسْتِنَادٍ إلَيْهِ وَتَسَتُّرٍ بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ تَحْرِيمُ النَّوْمِ فِي

[حاشية البجيرمي]

مِنْهُمْ مَعَ كُلِّ فِرْقَةٍ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ) الْحَاصِلُ أَنَّ النَّقْصَ فِي الْفِرْقَةِ الْأُولَى يَضُرُّ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءً كَانَ فِي أُولَاهُمْ أَوْ فِي ثَانِيَتِهِمْ، وَالنَّقْصُ فِي الثَّانِيَةِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءً كَانَ فِي أُولَاهُمْ أَوْ فِي ثَانِيَتِهِمْ؛ قَرَّرَهُ الشَّبْشِيرِيُّ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعَ الْخُطْبَةَ مِنْ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ أَرْبَعُونَ إذْ لَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ سَمَاعِ الْأَرْبَعِينَ مَعَ جَوَازِ نَقْصِهِمْ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَلَوْ عِنْدَ التَّحَرُّمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ع ش عَلَى م ر؛ أَيْ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِجُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ فِي الثَّانِيَةِ " أَيْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَيْضًا، فَلَا تَبْطُلُ سَوَاءً حَدَثَ النَّقْصُ فِي ثَانِيَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ فِي أُولَاهَا.
اهـ. مَرْحُومِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ) أَيْ كَصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَتَجْهَرُ الْفِرْقَةُ الْأُولَى فِي ثَانِيَتِهِمْ لِانْفِرَادِهِمْ دُونَ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ حُكْمًا

[فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْمُحَارِبِ]

ِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُحَارِبِ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى مُنَاسَبَةِ هَذَا الْفَصْلِ لِمَا قَبْلَهُ؛ قَالَ فِي التُّحْفَةِ: ذَكَرَهُ هُنَا الْأَكْثَرُونَ تَبَعًا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَكَأَنَّ وَجْهَ مُنَاسَبَتِهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُقَاتِلِينَ يَحْتَاجُونَ لِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالنَّجِسِ لِلْبَرْدِ وَالْقِتَالِ، وَذَكَرَهُ جَمْعٌ فِي الْعِيدِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَبَدَأَ بِهَذَا) أَيْ مَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ أَفْرَادَهُ مَضْبُوطَةٌ، بِخِلَافِ مَا يَحِلُّ فَأَفْرَادُهُ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ وَضَابِطُ الْفَصْلِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا عُرْفًا سَوَاءً كَانَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ مَا لَا ضَابِطَ لَهُ لُغَةً وَلَا شَرْعًا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَالِاسْتِعْمَالِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ) وَهُوَ صَغِيرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر خِلَافًا لحج، وَقَالَ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: إنَّهُ مِنْ الصَّغَائِرِ مَعَ عَدَمِ الْإِصْرَارِ، وَاَلَّذِي فِي حَاشِيَةِ ع ش أَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الرِّجَالِ) وَلَوْ ذِمِّيِّينَ لِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ لُبْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ حُكْمًا فِيهِ، فَكَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ لَا يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ) خَرَجَ مَا إذَا اُضْطُرَّ أَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لُبْسُ الْحَرِيرِ) وَكَذَا اتِّخَاذُهُ مِنْ غَيْرِ لُبْسٍ إنْ كَانَ لِأَجَلِ اسْتِعْمَالِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ لِأَجَلِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ أَوْ يُعِيرَهُ لِمَنْ يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ فَيَجُوزُ وَلَوْ عَبَّرَ بِالِاسْتِعْمَالِ بَدَلَ اللُّبْسِ لَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ " وَمِثْلُ اللُّبْسِ إلَخْ " وَمِثْلُ الْحَرِيرِ الْمُزَعْفَرُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ أَيْ الْمَصْبُوغُ بِالزَّعْفَرَانِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ؛ وَأَمَّا الْمُعَصْفَرُ فَمَكْرُوهٌ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَصْبُوغَاتِ مِنْ أَحْمَرَ وَأَخْضَرَ وَمُخَطَّطٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا خ ض وَفِي شَرْحِ م ر تَقْيِيدُ حُرْمَةِ الْمُزَعْفَرِ بَعْضُهُ بِصِحَّةِ إطْلَاقِ الْمُزَعْفَرِ عَلَيْهِ عُرْفًا، قَالَ: فَإِنْ صَحَّ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا يَحِلُّ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ ق ل بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْإِبْرَيْسَمُ فَمُقَابِلُ الْقَزِّ الْإِبْرَيْسَمُ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَيَعُمُّهُمَا وَهُوَ الْأَنْسَبُ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَلَوْ أَبْقَى الشَّارِحُ الْمَتْنَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْقِسْمَيْنِ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ، فَذَكَرَ الْحَرِيرَ أَوَّلًا بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ ثَانِيًا بِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْإِبْرَيْسَمُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَمِدُ اللَّوْنِ) أَيْ غَيْرُ صَافٍ.
قَوْلُهُ: (سَائِرُ أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ) وَلَيْسَ مِنْهَا الْمَشْيُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْرُمُ لِأَنَّهُ لِمُفَارِقَتِهِ لَهُ حَالًا لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لَهُ عُرْفًا شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَتَدَثُّرٍ) أَيْ تَدَفٍّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَجُلُوسٍ عَلَيْهِ) أَيْ بِلَا

النَّامُوسِيَّةِ الَّتِي وَجْهُهَا حَرِيرٌ.
أَمَّا لُبْسُهُ لِلرَّجُلِ فَمُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَأَمَّا لِلْخُنْثَى فَاحْتِيَاطٌ، وَأَمَّا مَا سِوَاهُ فَلِقَوْلِ حُذَيْفَةَ: «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَلَّلَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الْحُرْمَةَ عَلَى الرَّجُلِ بِأَنَّ فِي الْحَرِيرِ خُنُوثَةٌ لَا تَلِيقُ بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ، أَمَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ أَوْ مُضِرَّيْنِ كَالْخَوْفِ عَلَى عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فَيَجُوزُ إزَالَةً لِلضَّرُورَةِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ جَوَازِ اللُّبْسِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَخَفُّ، وَيَجُوزُ أَيْضًا لِفُجَاءَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلِحَاجَةٍ كَجَرَبٍ وَدَفْعِ قُمَّلٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْخَصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِهِ لِذَلِكَ وَسَتْرِ عَوْرَتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ عُيُونِ النَّاسِ وَفِي الْخَلْوَةِ إذَا أَوْجَبْنَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ الْحَرِيرِ.

(وَ) كَذَا يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَمِثْلُهُمْ الْخَنَاثَى (التَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ) لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ فِي يَمِينِهِ قِطْعَةَ حَرِيرٍ وَفِي شِمَالِهِ قِطْعَةَ ذَهَبٍ وَقَالَ: هَذَانِ أَيْ اسْتِعْمَالُهُمَا حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ»

[حاشية البجيرمي]

حَائِلٍ، فَإِنْ فَرَشَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ وَلَوْ خَفِيفًا مُهَلْهَلَ النَّسْجِ وَجَلَسَ فَوْقَهُ جَازَ كَمَا يَجُوزُ جُلُوسُهُ عَلَى مِخَدَّةٍ مَحْشُوَّةٍ بِهِ وَعَلَى نَجَاسَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ بِحَيْثُ لَا تُلَاقِي شَيْئًا مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثِيَابِهِ، وَسَوَاءٌ اتَّخَذَ الْحَرِيرَ قَصْدًا وَبَسَطَ عَلَيْهِ شَيْئًا وَجَلَسَ أَوْ اتَّفَقَ لَهُ فِي دَعْوَةٍ وَنَحْوِهَا فَبَسَطَ عَلَيْهِ شَيْئًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِمَنْ صَوَّرَ الْحِلَّ بِمَا إذَا اتَّفَقَ فِي دَعْوَةٍ وَنَحْوِهَا أَمَّا إذَا اتَّخَذَ لَهُ حَصِيرًا مِنْ حَرِيرٍ فَالْوَجْهُ التَّحْرِيمُ وَإِنْ بَسَطَ فَوْقَهَا شَيْئًا لِمَا فِيهِ مِنْ السَّرَفِ وَاِتِّخَاذِ الْحَرِيرِ لَا مَحَالَةَ اهـ وَبَقِيَ مَا لَوْ بَسَطَ عَلَى مَحِلِّ جُلُوسِهِ وَبَاقِي الْحَرِيرِ ظَاهِرٌ هَلْ يَحْرُمُ نَظَرًا لِعَدَمِ سَتْرِهِ كُلِّهِ أَوْ لَا يَحْرُمُ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ مِنْ حَصِيرٍ وَاسِعٍ وَبَاقِيه نَجِسٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاسْتَقْرَبَ ع ش الثَّانِي اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَتَسَتَّرَ بِهِ) كَالنَّامُوسِيَّةِ الْآتِيَةِ قَوْلُهُ: (الَّتِي وَجْهُهَا حَرِيرٌ) هَذَا كُلُّهُ إذَا بَقِيَ الْحَرِيرُ عَلَى أَصْلِهِ وَلَمْ يُسْتَهْلَكْ، فَإِنْ اُسْتُهْلِكَ لَمْ يَحْرُمُ الِاسْتِعْمَالُ؛ وَلِذَا قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ وَرِقِ الْحَرِيرِ فِي الْكِتَابَةِ وَنَحْوِهَا وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاسْتِحَالَةَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فَاحْتِيَاطٌ) الْمُنَاسِبُ فَعَلَى الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا مَا سِوَاهُ) أَيْ مَا سِوَى اللُّبْسِ مِنْ بَقِيَّةِ الِاسْتِعْمَالَاتِ، وَفِيهِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ السِّوَى؛ نَعَمْ ذَكَر م ر مَا حَاصِلُهُ أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَفْرَادِ ذُكِرَتْ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ تَجْلِسَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَّلَ الْإِمَامُ) فِيهِ أَنَّ هَذَا يَصْلُحُ حِكْمَةً لَا عِلَّةً ق ل؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تُقَارِنُ الْمَعْلُولَ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى عَنْ الرِّجَالِ الشَّهَامَةُ كَبَعْضِ الرِّجَالِ لَا يَحْرُمُ أَوْ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النِّسَاءِ يَحْرُمُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيهِمَا فَهُوَ حِكْمَةٌ لَا عِلَّةٌ وَالْحِكْمَةُ لَا يَضُرُّ تَخَلُّفُهَا.
قَوْلُهُ: (خُنُوثَةً) أَيْ لُيُونَةً وَنُعُومَةً.
قَوْلُهُ: (بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ) أَيْ قُوَّتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُضِرِّينَ) أَيْ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ م ر. قَوْلُهُ: (إزَالَةً لِلضَّرُورَةِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ إزَالَةً لِلضَّرَرِ، وَهِيَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ أَيْضًا) هَذَا مِنْ أَفْرَادِ الضَّرُورَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِفُجَاءَةٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ وَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ أَيْ بَغْتَتُهَا، أَيْ مَجِيئُهَا بِلَا اسْتِعْدَادٍ لَهَا وَلَا مِيعَادٍ.
قَوْلُهُ: (يَقُومُ مَقَامَهُ) أَيْ فِي الْجِهَادِ بِأَنْ كَانَ ضِيقَ الْكُمَّيْنِ يَصْلُحُ لِلْقِتَالِ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ كَذَلِكَ أَوْ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السِّلَاحِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَمَقَامُهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ قَامَ الشَّيْءُ مَقَامَ غَيْرِهِ بِالْفَتْحِ، وَأَقَمْتُهُ مُقَامَ غَيْرِهِ بِالضَّمِّ ﴿تَنْبِيهٌ﴾ : خَطَرَ بِذِهْنِي أَنْ يُقَالَ: هَلَّا جَوَّزُوا التَّزَيُّنَ بِالْحَرِيرِ فِي الْحُرُوبِ غَيْظًا لِلْكُفَّارِ وَلَوْ وُجِدَ غَيْرُهُ كَتَحْلِيَةِ الْآلَةِ لِأَنَّ بَابَ الْحَرِيرِ أَوْسَعُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّحْلِيَةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ وَلِأَنَّهَا فِي الْآلَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ الْبَدَنِ بِخِلَافِ التَّزَيُّنِ بِالْحَرِيرِ فِيهِمَا، عَلَى أَنْ ابْنَ كَجٍّ جَوَّزَ الْقَبَاءَ وَغَيْرَهُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْقِتَالِ مِنْ الْحَرِيرِ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ اهـ عَمِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) وَلِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامّ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ لِلْجَرَبِ وَالْقُمَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى " جَرَبٍ "

قَوْلُهُ: (التَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ) وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ الْحُلِيِّ، وَأَمَّا التَّخَتُّمُ بِالْفِضَّةِ فَيَجُوزُ حَيْثُ كَانَ عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِهِ قَدْرًا وَمَحَلًّا وَصِفَةً.
قَوْلُهُ: (أَيْ اسْتِعْمَالُهُمَا) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ حَرَامٌ مُفْرَدٌ وَلَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْ الْمُثَنَّى وَأَشَارَ بِهِ أَيْضًا إلَى أَنَّ الَّذِي

وَأُلْحِقَ بِالذُّكُورِ الْخَنَاثَى احْتِيَاطًا.
وَاحْتَرَزَ بِالتَّخَتُّمِ عَنْ اتِّخَاذِ أَنْفٍ أَوْ أُنْمُلَةٍ أَوْ سِنٍّ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا مِنْ ذَهَبٍ عَلَى مَقْطُوعِهَا وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهَا مِنْ الْفِضَّةِ

(وَيَحِلُّ لِلنِّسَاءِ) لُبْسُ الْحَرِيرِ وَاسْتِعْمَالُهُ بِفُرُشٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالتَّخَتُّمُ بِالذَّهَبِ وَالتَّحَلِّي بِهِ لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ (وَيَسِيرُ الذَّهَبِ وَكَثِيرُهُ فِي) حُكْمِ (التَّحْرِيمِ) عَلَى مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ (سَوَاءٌ) بِلَا فَرْقٍ (وَإِذَا كَانَ بَعْضُ الثَّوْبِ إبْرِيسَمًا) وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَفَتْحِهِمَا وَبِكَسْرِهِمَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْحَرِيرُ (وَبَعْضُهُ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا جَازَ لُبْسُهُ مَا لَمْ يَكُنْ الْإِبْرَيْسَمُ غَالِبًا) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ بِخِلَافِ مَا أَكْثَرُهُ مِنْ غَيْرِهِ.
وَالْمُسْتَوِي مِنْهُمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُسَمَّى ثَوْبَ حَرِيرٍ، وَالْأَصْلُ الْحِلُّ وَتَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ فِي الْأُولَى.
وَلِلْوَلِيِّ إلْبَاسُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَرِيرِ وَمَا أَكْثَرَهُ مِنْهُ صَبِيًّا إذْ

[حاشية البجيرمي]

يَتَّصِفَ بِالْحُرْمَةِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ لَا ذَاتُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ حَرَامَ اسْمُ مَصْدَرٍ وَهُوَ كَالْمَصْدَرِ يَسْتَوِي فِيهِ الْمَثْنَى وَغَيْرُهُ أَوْ أَنَّ الْمَعْنَى حَرَامٌ كُلٌّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ) مَحَلُّهُ فِي الذَّهَبِ إذَا كَانَ حُلِيًّا، بِخِلَافِ أَوَانِي الذَّهَبِ فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ.
قَوْلُهُ: (وَاحْتُرِزَ بِالتَّخَتُّمِ إلَخْ) فَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ أَمْرٍ خَاصٍّ وَإِلَّا فَغَيْرُ التَّخَتُّمِ مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ الْمَذْكُورَاتِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ " وَاحْتُرِزَ بِالذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ لِجَوَازِ التَّخَتُّمِ بِهَا " حَيْثُ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا يَضُرُّ نَقْشُ اسْمِهِ عَلَيْهِ لِيَخْتِمَ بِهِ، قَرَّرَهُ ح ف. قَوْلُهُ: (عَنْ اتِّخَاذِ أَنْفٍ إلَخْ) وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ " أَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ " بِضَمِّ الْكَافِ اسْمٌ لِمَاءٍ كَانَتْ الْوَاقِعَةُ عِنْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقِيسَ بِالْأَنْفِ الْأُنْمُلَةُ وَالسِّنُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أُنْمُلَةٍ) وَأَمَّا الْأُنْمُلَتَانِ فَإِنْ كَانَتَا مِنْ أَعْلَى الْأُصْبُعِ جَازَ اتِّخَاذُهُمَا لِوُجُودِ الْعَمَلِ بِوَاسِطَةِ الْأُنْمُلَةِ السُّفْلَى، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ سم؛ وَإِنْ كَانَتَا مِنْ أَسْفَلِ الْأُصْبُعِ امْتَنَعَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ م ر فِي شَرْحِهِ.

قَوْلُهُ: (وَاسْتِعْمَالُهُ بِفَرْشٍ) سَوَاءٌ الْحِلْيَةُ وَغَيْرُهَا فَيُحْمَلَ لَهَا ذَلِكَ أَيْ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ لُبْسًا وَفَرْشًا؛ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرِيرِ وَمَا أَكْثَرُهُ حَرِيرٌ، أَمَّا الْمُطَرَّزُ أَوْ الْمَنْسُوجُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَيَحِلُّ لَهَا لُبْسُهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا فَرْشُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقُونَوِيُّ؛ لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ يُحَرِّمُ عَلَيْهَا فَرْشَ الْحَرِيرِ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ إلَّا فِي الْحَرِيرِ، فَعُلِمَ مِنْ اسْتِدْرَاكِهِ عَلَيْهِ فِي الْحَرِيرِ أَنَّ الْمُطَرَّزَ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ الْمَنْسُوجَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا فَرْشُهُ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهِ، كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ز ي فِي دَرْسِهِ خ ض وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْسُوجَ الْمَذْكُورَ وَالْمُمَوَّهَ وَالْمُطَرَّزَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا إلَّا اللُّبْسُ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الْحِلِّ تَزَيُّنُهَا الدَّاعِي إلَى الْمَيْلِ إلَيْهَا وَوَطْئِهَا الْمُؤَدِّي إلَى كَثْرَةِ النَّسْلِ الْمَطْلُوبَةِ لِلشَّارِعِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ اللُّبْسِ مِنْ الْفَرْشِ وَالتَّدَثُّرِ وَنَحْوِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِنْ ثَمَّ اقْتَصَرَ فِي الْمَنْهَجِ عَلَى اللُّبْسِ فَقَالَ: وَلِامْرَأَةٍ لُبْسُ حُلِّيهِمَا وَمَا نُسِجَ بِهِمَا لَا إنْ بَالَغَتْ فِي سَرَفٍ وَقَوْلُهُ: " لَا إنْ بَالَغَتْ فِي سَرَفٍ " الْمُعْتَمَدُ: لَا إنْ أَسْرَفَتْ؛ فَإِنَّهَا إنْ أَسْرَفَتْ حُرِّمَ وَإِنْ لَمْ تُبَالِغْ فِي الْإِسْرَافِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُحَشُّوهُ، وَمَا نَقَلَهُ ق ل عَنْ شَيْخِهِ مِنْ حُرْمَةِ الْمُمَوَّهِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا ضَعِيفٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِلنِّسَاءِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ فَقَطْ، الْأُولَى: اسْتِعْمَالُ الْأَوَانِي، الثَّانِيَةُ: إذَا أَخَذَتْ الْحَرِيرَ وَزَرْكَشَتْهُ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَفَرَشَتْهُ تَحْتَهَا أَوْ تَدَثَّرَتْ بِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَافَةِ النَّقْدَيْنِ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ) وَهُوَ الرَّجُلُ وَالْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُحَرَّمُ تَغْلِيبًا) وَكَذَا إذَا شَكَّ هَلْ الْأَكْثَرُ حَرِيرٌ أَوْ لَا خِلَافًا لحج وَعِبَارَةُ م د وَلَوْ شُكَّ فِي كَثْرَةِ الْحَرِيرِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ اسْتِوَائِهِمَا حُرِّمَ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ كَالتَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدِيثِ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ وَالِاسْتِوَاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ زِيَادَةِ التَّفْسِيرِ وَلَوْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ حُرْمَةِ الْمُضَبَّبِ إذَا شُكَّ فِي كِبَرِ الضَّبَّةِ وَصِغَرِهَا بِالْعَمَلِ بِالْأَصْلِ فِيهِمَا، إذْ الْأَصْلُ حِلُّ اسْتِعْمَالِ الْإِنَاءِ قَبْلَ تَضْبِيبِهِ وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُ الْحَرِيرِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ وَاسْتِمْرَارُهُ مُلَابَسَةَ الْمَلْبُوسِ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ، بِخِلَافِ الْإِنَاءِ؛ وَغَلَبَةُ الظَّنِّ كَافِيَةٌ كَالْيَقِينِ؛ وَلِذَا قَالَ: وَلَا يُشْتَرَطُ الْيَقِينُ أَيْ بَلْ يَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْوَلِيِّ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّأْدِيبِ فَيَشْمَلُ الْأُمَّ وَالْأَخَ الْكَبِيرَ فَيَجُوزُ لَهُمَا إلْبَاسُهُ الْحَرِيرَ فِيمَا يَظْهَرُ،

لَيْسَ لَهُ شَهَامَةٌ تُنَافِي خُنُوثَةِ الْحَرِيرِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ الْمَجْنُونَ.
وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ رُقِّعَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ لِوُرُودِهِ فِيمَا خَبَرَ مُسْلِمٌ، أَوْ طَرَفُ ثَوْبِهِ بِأَنَّ جَعَلَ طَرَفَ ثَوْبِهِ مُسَجَّفًا بِهِ قَدْرَ عَادَةٍ

[حاشية البجيرمي]

وَأَمَّا الْخَنْجَرُ الْمَعْرُوفُ وَالسِّكِّينُ الْمَطْلِيَّانِ بِالنَّقْدِ فَيَحْرُمُ إلْبَاسُهُمَا لَهُ، وَأَمَّا الْحِيَاصَةُ فَتَحِلُّ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (إلْبَاسُ مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْمَنْسُوجِ وَالْمُمَوَّهِ، أَيْ لِافْتِرَاشِهِ وَدِثَارِهِ ق ل وَلَهُ تَزْيِينُهُ بِالْحُلِيِّ وَلَوْ مِنْ ذَهَبٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ عِيدٍ وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّ مَا جَازَ لِلْمَرْأَةِ جَازَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَيَجُوزُ إلْبَاسُ كُلٍّ مِنْهُمَا نَعْلًا مِنْ ذَهَبٍ حَيْثُ لَا إسْرَافَ عَادَةً سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَالْمُرَادُ بِالصَّبِيِّ وَلَوْ مُرَاهِقًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، قَالَ الشَّرِيفُ الرَّحْمَانِيُّ: وَخَرْقُ الْأَنْفِ لِمَا يُجْعَلُ فِيهِ مِنْ نَحْوِ حَلْقَةِ نَقْدٍ حَرَامٌ مُطْلَقًا، وَلَا عِبْرَةَ بِاعْتِيَادِ ذَلِكَ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي نِسَائِهِمْ وَأُذُنُ الصَّبِيِّ كَذَلِكَ، وَلَا نَظَرَ لِزِينَتِهِ بِذَلِكَ دُونَ الْأُنْثَى، فَيَجُوزُ خَرْقُ أُذُنِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ إفْتَاءَيْنِ لِلرَّمْلِيِّ مُتَنَاقِضَيْنِ وَعِبَارَةُ الرَّمْلِيِّ فِي شَرْحِ الزُّبَدِ: وَأَمَّا تَثْقِيبُ آذَانِ الصَّبِيَّةِ لِتَعْلِيقِ الْحَلَقِ فَحَرَامٌ لِأَنَّهُ جُرْحٌ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ، صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَبَالَغَ فِيهِ مُبَالَغَةً شَدِيدَةً، قَالَ: إلَّا أَنْ ثَبَتَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ رُخْصَةٌ وَلَمْ يَبْلُغْنَا.
وَقَوْلُهُ: " فَحَرَامٌ " ضَعِيفٌ، وَفِي الرِّعَايَةِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: يَجُوزُ تَثْقِيبُ آذَانِ الصَّبِيَّةِ لِلتَّزْيِينِ وَيُكْرَهُ ثَقْبُ أُذُنِ الصَّبِيِّ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (صَبِيًّا) مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لِقَوْلِهِ إلْبَاسُ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ فِي الْمَعْنَى وَالْهَاءُ مَفْعُولٌ ثَانٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ) وَهُوَ مَا رُكِّبَ بِالْإِبْرَةِ مِنْ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ كَالشَّرِيطِ؛ قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالتَّطْرِيزُ جَعْلُ الطِّرَازِ مُرَكَّبًا عَلَى الثَّوْبِ، أَمَّا الْمُطَرَّزُ بِالْإِبْرَةِ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ كَالْمَنْسُوجِ حَتَّى يَكُونَ مَعَ الثَّوْبِ كَالْمُرَكَّبِ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ لَا كَالْمُطَرَّزِ؛ وَقَوْلُهُ " أَوْ رُقِّعَ " أَيْ جُعِلَ رُقَعًا كَالْقَطْعِ الْقَطِيفَةِ الَّتِي تَجْعَلُهَا الْقَوَّاسَةُ عَلَى بَشَرَتِهِمْ، أَمَّا الْمُشْتَغَلُ بِالْإِبْرَةِ فَحُكْمُهُ كَالْمَنْسُوجِ ذَكَرَهُ م د وَالْحَاصِلُ عِنْدَ شَيْخِنَا أَنَّ مَا طُرِّزَ أَوْ رُقِّعَ وَإِنْ تَعَدَّدَ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا طُرِّزَ أَوْ رُقِّعَ بِهِ عَلَى الثَّوْبِ وَزْنًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ طَرْزٍ أَوْ رُقْعَةٍ بِقَدْرِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا اُعْتُبِرَ فِي الْمَنْسُوجِ وَزِيَادَةُ قَدْرِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ كَمَا أَفَادَهُ ح ل. قَوْلُهُ: (قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ) أَيْ عَرْضَا وَإِنْ زَادَ طُولُهُ ز ي وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ " أَيْ طُولًا وَعَرْضًا فِي التَّرْقِيعِ وَعَرْضًا فَقَطْ فِي التَّطْرِيزِ وَإِنْ زَادَ طُولًا.
قَوْلُهُ: (قَدْرَ عَادَةٍ) أَيْ عَادَةَ أَمْثَالِ اللَّابِسِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى زِيَادَةِ وَزْنٍ بِدَلِيلِ الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَإِنْ خَالَفَ عَادَةً أَمْثَالَهُ وَجَبَ قَطْعُ الزَّائِدِ وَإِنْ بَاعَهُ لِمَنْ هُوَ عَادَتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِمَّنْ عَادَتُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَوَامٌ ق ل ﴿فَرْعٌ﴾ : يَحِلُّ خَيْطُ الْمِفْتَاحِ وَالْمِيزَانِ وَالْكُوزِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالْقِنْدِيلِ وَلَيْقَةِ الدَّوَاةِ وَتِكَّةِ اللِّبَاسِ وَخَيْطِ السُّبْحَةِ، وَفِي شَرَارِيبِهَا تَرَدُّدٌ وَنُقِلَ عَنْ م ر حِلُّهَا وَقَالَ ق ل بِالْحُرْمَةِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الشُّرَّابَةَ الَّتِي هِيَ طَرَفُ الْخَيْطِ عِنْدَ الْمُسَمَّاةِ بِالْمِئْذَنَةِ، فَقَالَ: إنَّهَا تَحِلُّ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا بَيْنَ الْحَبَّاتِ مِنْ الشَّرَارِيبِ وَيَحِلُّ خَيْطُ الْخِيَاطَةِ وَالْأَزْرَارِ وَخَيْطُ الْمُصْحَفِ وَكِيسِهِ لَا كِيسِ الدَّرَاهِمِ، وَيَحِلُّ غِطَاءُ الْكُوزِ كَخَيْطِهِ لَا غِطَاءُ الْعِمَامَةِ وَمِنْ الْمُحَرَّمِ سَتْرُ الْجُدَرَانِ وَمِنْهُ مَا يُفْعَلُ أَيَّامَ الزِّينَةِ إلَّا لِفَاعِلِهَا بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ مُكْرَهُونَ وَأَمَّا سَتْرُ الْكَعْبَةِ بِهِ فَجَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَا قُبُورُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لِلشِّهَابِ ق ل وَأَمَّا قُبُورُ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَسَتْرُهَا بِهِ حَرَامٌ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر أَيْضًا وَمَا نَقَلَهُ الرَّحْمَانِيُّ مِنْ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَضَعِيفٌ وَيَحْرُمُ إلْبَاسُ الْحَرِيرِ لِلدَّوَابِّ لِأَنَّهَا لَا تَتَقَاعَدُ، أَيْ لَا تَنْقُصُ عَنْ سَتْرِ الْجُدَرَانِ بِهِ وَإِذَا قِيلَ بِجَوَازِ سَتْرِ الْكَعْبَةِ بِاتِّفَاقٍ فَهَلْ يَجُوزُ الدُّخُولُ بَيْنَ سِتْرِ الْكَعْبَةِ وَجِدَارِهَا لِنَحْوِ الدُّعَاءِ؟ قُلْنَا: لَا يَبْعُدُ جَوَازُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْتِعْمَالًا وَهُوَ دُخُولٌ لِحَاجَةٍ وَهَلْ يَجُوزُ الِالْتِصَاقُ بِسِتْرِهَا مِنْ خَارِجٍ فِي نَحْوِ الْمُلْتَزَمِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ الدُّخُولِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ، وَصَرَّحَ بِهِ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ وَيُحَرَّمُ زَرْكَشَةُ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ مِنْ الْفِضَّةِ وَمِثْلِهَا فِي حُرْمَةِ الزَّرْكَشَةِ بِمَا ذَكَرَ سُتُورَ قُبُورِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ وَإِذَا قُلْنَا بِحُرْمَةِ ذَلِكَ فَتَحْرُمُ الْفُرْجَةُ عَلَيْهِ أَيْضًا كَالْفُرْجَةِ عَلَى الزِّينَةِ الْمُحَرَّمَةِ لِكَوْنِهَا بِنَحْوِ الْحَرِيرِ، بِخِلَافِ الْمُرُورِ عَلَيْهَا لِحَاجَةٍ؛ وَامْتِنَاعُ ابْنِ الرِّفْعَةِ مِنْ

لِوُرُودِهِ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّ التَّطْرِيفَ مَحِلُّ الْحَاجَةِ وَقَدْ تَمَسُّ الْحَاجَةُ لِلزِّيَادَةِ عَلَى

[حاشية البجيرمي]

الْمُرُورِ أَيَّامَ الزِّينَةِ كَانَ وَرَعًا كَمَا قَالَهُ م ر وَلَوْ أُكْرِهَ النَّاسُ عَلَى الزِّينَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ، وَهَلْ يَجُوزُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ؟ الَّذِي يَتَّجِهُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْجُدَرَانِ بِالْحَرِيرِ حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ، وَعَدَمُ حُرْمَةِ وَضْعِهِ لِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْحُرْمَةِ فِي نَفْسِهِ، وَمَا هُوَ حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ يَحْرُمُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رِضًا بِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ ع ش: وَيَحْرُمُ الْقَاوُوقُ إذَا كَانَتْ بِطَانَتُهُ وَظِهَارَتُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا حَرِيرٌ وَلَا بُدَّ مِنْ خِيَاطَةِ غِطَاءٍ يَعُمُّ بِطَانَتَهُ وَظِهَارَتَهُ، أَمَّا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَرِيرًا فَقَطْ فَالْعِبْرَةُ بِهِ فِي الْخِيَاطَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ مِثْلُ اللِّحَافِ؛ وَيَحْرُمُ الْكِتَابَةُ عَلَى الْحَرِيرِ وَلَوْ نَحْوِ صَدَاقٍ وَلَوْ لِامْرَأَةٍ أَيْ حَيْثُ كَانَتْ الْكِتَابَةُ مِنْ الرَّجُلِ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ مِنْ الْمَرْأَةِ لِلصَّدَاقِ فِي الْحَرِيرِ فَلَا حُرْمَةَ وَلَوْ لِلرَّجُلِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَدَابِغِيُّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْبَابِلِيِّ وَأَقَرَّهُ وَعِبَارَةُ سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَبَحَثَ م ر أَنَّ كِتَابَةَ اسْمِهَا عَلَى ثَوْبِهَا الْحَرِيرِ إنْ احْتَاجَتْ إلَيْهَا فِي حِفْظِهِ جَازَ فِعْلُهَا لِلرَّجُلِ وَإِلَّا فَلَا، وَيَحِلُّ لَهُمَا تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِالْفِضَّةِ وَلَهَا بِالذَّهَبِ أَيْضًا وَكِتَابَتُهُ كَذَلِكَ وَقَدْ سُئِلَ م ر عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ جَوَازِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ حَتَّى لِلرِّجَالِ وَحُرْمَةِ تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ لِلرَّجُلِ؛ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ كِتَابَتَهُ رَاجِعَةٌ لِنَفْسِ حُرُوفِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ تَحْلِيَتِهِ فَالْكِتَابَةُ أَدْخَلُ فِي التَّعَلُّقِ بِهِ اهـ وَخَرَجَ بِالْمُصْحَفِ كُتُبُ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهَا وَالْكَعْبَةُ وَقُبُورُ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فَلَا يَحِلُّ فِيهَا ذَلِكَ؛ وَكَالتَّحْلِيَةِ التَّمْوِيهُ فَلَا يَحِلُّ، وَالتَّحْلِيَةُ وَضْعُ قِطَعِ النَّقْدِ الرِّقَاقِ مُسَمَّرَةً عَلَى الشَّيْءِ، وَالتَّمْوِيهُ إذَابَتُهُ وَالطِّلَاءُ بِهِ، وَمِنْ التَّمْوِيهِ الْقَصَبُ الَّذِي فِي أَطْرَافِ الشَّاشَاتِ فَإِنَّهُ إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا يُحَرَّمُ ز ي ﴿تَنْبِيهٌ﴾ : يُعْلَمُ مِنْ هُنَا وَمَا يَأْتِي فِي زَكَاةِ النَّقْدِ أَنَّ الْمَحْمَلَ الْمَشْهُورَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ وَلَا تَحِلُّ الْفُرْجَةُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ كِسْوَةُ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَذَا الذَّهَبُ الَّذِي عَلَى الْكُسْوَةِ وَالْبُرْقُعِ؛ فَرَاجِعْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ.
اهـ. ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ وَأَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ عَدْنَانُ بْنُ دَاوُد، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَشْتَرِكُ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ حَتَّى نَشَأَ أَبُو رَبِيعَةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ لَقُرَيْشٍ: أَنَا أَكْسُو الْكَعْبَةَ سَنَةً وَحْدِي وَجَمِيعُ قُرَيْشٍ سَنَةً؛ أَيْ وَقِيلَ: كَانَ يُخْرِجُ نِصْفَ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ إلَى أَنْ مَاتَ فَسَمَّتْهُ قُرَيْشٌ الْعِدْلَ لِأَنَّهُ عَدَلَ قُرَيْشًا وَحْدَهُ فِي كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَيُقَالُ لِبَنِيهِ بَنُو الْعِدْلِ وَكَانَتْ كِسْوَتُهَا لَا تُنْزَعُ، فَكَانَ كُلَّمَا تُجَدَّدُ كِسْوَةٌ تُجْعَلُ فَوْقَ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلَى زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ كَسَاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الثِّيَابَ الْيَمَانِيَّةَ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الْقَبَاطِيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَسَاهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ الْقَبَاطِيَّ، وَكَسَاهَا مُعَاوِيَةُ الدِّيبَاجَ وَالْقَبَاطِيَّ وَالْحَبَرَاتِ، فَكَانَتْ تُكْسَى الدِّيبَاجَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَالْقَبَاطِيَّ فِي آخِرِ رَمَضَانَ وَكَسَاهَا الْمَأْمُونُ الدِّيبَاجَ الْأَحْمَرَ وَالدِّيبَاجَ الْأَبْيَضَ وَالْقَبَاطِيَّ وَالْقَبَاطِيُّ نَوْعٌ مِنْ الْحَرِيرِ فَكَانَتْ تُكْسَى الْأَحْمَرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْقَبَاطِيَّ يَوْمَ هِلَالِ رَجَبٍ وَالدِّيبَاجَ الْأَبْيَضَ يَوْمَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَكَذَا كَانَتْ تُكْسَى فِي زَمَنِ الْمُتَوَكِّلِ الْعَبَّاسِيِّ، ثُمَّ فِي زَمَنِ النَّاصِرِ الْعَبَّاسِيِّ كُسِيَتْ السَّوَادَ مِنْ الْحَرِيرِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلَى الْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ؛ وَكُسْوَتُهَا مِنْ غَلَّةِ قَرْيَتَيْنِ يُقَالُ لَهُمَا بِيسُوسُ وَسَنْدَبِيسُ مِنْ قُرَى الْقَاهِرَةِ، وَقَفَهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ إسْمَاعِيلُ بْنُ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ فِي سَنَةِ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَالْآنَ زَادَتْ الْقُرَى عَلَى هَاتَيْنِ الْقَرْيَتَيْنِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَاهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ تُبَّعٌ الْحِمْيَرِيُّ عَلَى الرَّاجِحِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِتِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ، لِأَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ مِنْ أُمَرَاءِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ الْبُلْقِينِيُّ: هَلْ يَجُوزُ كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ الْمَنْسُوجِ بِالذَّهَبِ وَيَجُوزُ إظْهَارُهَا فِي دَوْرَانِ الْمَحْمَلِ الشَّرِيفِ؟ فَأَجَابَ بِجَوَازِ ذَلِكَ، قَالَ: لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعْظِيمِ لِكُسْوَتِهَا الْفَاخِرَةِ الَّتِي تُرْجَى بِكُسْوَتِهَا الْخُلَعُ السَّنِيَّةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَجُوزُ إظْهَارُهَا فِي دَوَرَانِ الْمَحْمَلِ الشَّرِيفِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ التَّفْخِيمَ الْمُنَاسِبَ لِلْحَالِ الْمُنِيفِ اهـ مِنْ السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَحِلُّ الْحَاجَةِ) أَيْ لِأَنَّهُ يَصُونَ الثَّوْبَ عَنْ الْقَطْعِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ زِينَةٍ) قَدْ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحَاجَةُ

الْأَرْبَعِ بِخِلَافِ مَا مَرَّ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ زِينَةٍ فَيَتَقَيَّدُ بِالْأَرْبَعِ.

يَحِلُّ اسْتِصْبَاحٌ بِدُهْنٍ نَجِسٍ كَالْمُتَنَجِّسِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: «إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ أَوْ فَانْتَفِعُوا بِهِ» لَا دُهْنَ نَحْوِ كَلْبٍ كَخِنْزِيرٍ فَلَا يَحِلُّ اسْتِصْبَاحٌ بِهِ لِغِلَظِ نَجَاسَتِهِ، وَيَحِلُّ لُبْسُ شَيْءٍ مُتَنَجِّسٍ وَلَا رُطُوبَةٍ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ عَارِضَةٌ سَهْلَةُ الْإِزَالَةِ لَا لِبْسُ نَجِسٍ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ التَّعَبُّدِ بِاجْتِنَابِ النَّجِسِ لِإِقَامَةِ الْعِبَادَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَحَرٍّ وَنَحْوِهِ مِمَّا مَرَّ.
وَلَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ النَّشَاءِ وَهُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ الْقَمْحِ فِي الثَّوْبِ، وَالَأَوْلَى تَرْكُهُ، وَتَرْكُ دَقِّ الثِّيَابِ وَصَقْلِهَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَنْبَغِي طَيُّ الثِّيَابِ أَيْ وَذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهَا

[حاشية البجيرمي]

كَالرَّفْوِ فَيَكُونُ كَالتَّطْرِيفِ عَلَى الْأَقْرَبِ سم

قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ يَحِلُّ اسْتِصْبَاحُ إلَخْ) مُنَاسَبَةُ هَذَا لِمَا هُنَا مِنْ جِهَةِ حِلِّ الِاسْتِعْمَالِ تَارَةً وَعَدَمِهِ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (بِدُهْنٍ نَجِسٍ) لَا فِي مَسْجِدٍ مُطْلَقًا وَلَا فِي مُؤَجَّرٍ وَمُعَارٍ وَمَوْقُوفٍ إنْ لُوِّثَ مَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ فِي الْمَسْجِدِ وَإِلَّا جَازَ، وَيَجُوزُ تَنْجِيسُ الْمَوْقُوفِ أَيْ الْبَيْتِ الْمَوْقُوفِ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَتَرْبِيَةِ الدَّجَاجِ وَنَحْوِهِ وَمِلْكُ الْغَيْرِ كَالْمَوْقُوفِ ق ل. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ إلَخْ) دَلِيلٌ لِلْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُتَنَجِّسُ.
قَوْلُهُ: (لَا دُهْنَ نَحْوِ كَلْبٍ) فَلَا يَحِلُّ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ وَلَا الطَّلْيُ لِغِلَظِ نَجَاسَتِهِ؛ نَعَمْ أَفْتَى شَيْخُنَا م ر بِجَوَازِ دُهْنِ كَلْبٍ مُحْتَرَمٍ بِدُهْنِ كَلْبٍ آخَرَ حَيْثُ دَعَتْ لَهُ حَاجَةٌ وَلَمْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَضَمُّخٌ بِنَجَاسَةٍ عَيْنًا قَالَ شَيْخُنَا ز ي: وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الدَّبْغُ بِرَوْثِ الْكَلْبِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ أَجْزَأَ فِي الدَّبْغِ اهـ خ ض. قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ لُبْسُ شَيْءٍ مُتَنَجِّسٍ) لَا فِي مَسْجِدٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ فِيهِ إلَّا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إدْخَالُ النَّجَاسَةِ الْمَسْجِدَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ تَنْزِيهًا لَهُ م د. قَوْلُهُ: (كَجِلْدِ مَيْتَةٍ) أَيْ فَلَا يَحِلُّ لُبْسُهُ لِآدَمِيٍّ وَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ إلَّا جِلْدُ نَحْوِ كَلْبٍ، فَلَا يَحِلُّ إلْبَاسُهُ لِنَحْوِ الْكَلْبِ وَخَرَجَ بِاللُّبْسِ الِافْتِرَاشُ وَالتَّدَثُّرُ فَيَحِلُّ مُطْلَقًا.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (لِإِقَامَةِ الْعِبَادَةِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ يَجُوزُ إلْبَاسُهُ ذَلِكَ، وَكَذَا الْمُمَيِّزُ فِي غَيْرِ وَقْتِ إقَامَةِ الْعِبَادَةِ وَالْمُدَّعَى أَنَّهُ يَحْرُمُ لُبْسُ النَّجِسِ مُطْلَقًا، فَلَا يُنْتَجُ هَذَا الدَّلِيلُ الْمُدَّعَى إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ مِنْ شَأْنِهِ التَّعَبُّدُ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا.
اهـ. ح ل مَعَ زِيَادَةٍ فَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ " لِإِقَامَةِ الْعِبَادَةِ " لَتَمَّ الدَّلِيلُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ فِي اللُّبْسِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْفُرُشِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْأَنْوَارِ: وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا وَيَحِلُّ تَسْمِيدُ الْأَرْضِ بِالزِّبْلِ وَدَبْغُ الْجِلْدِ بِالنَّجَسِ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا وَطَلْيُ السُّفُنِ وَالِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ مُطْلَقًا وَغَيْرِ مَوْقُوفٍ وَمُؤَجَّرٍ وَمُعَارٍ إنْ لُوِّثَ، وَإِذَا اُسْتُصْبِحَ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ جَازَ إصْلَاحُ الْفَتِيلَةِ بِيَدِهِ وَإِنْ تَنَجَّسَ أُصْبُعُهُ وَأَمْكَنَ إصْلَاحُهَا بِعُودٍ؛ لِأَنَّ التَّنَجُّسَ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِهِ الضَّرُورَةُ وَقَضِيَّةُ حُرْمَةِ اسْتِعْمَالِ نَحْوِ جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَشَعْرِهِمَا حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِ مَا يُقَالُ لَهُ فِي الْعُرْفِ الشِّيتَةُ لِأَنَّهَا مِنْ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ؛ نَعَمْ إنْ تَوَقَّفَ اسْتِعْمَالُ الْكَتَّانِ عَلَيْهَا وَلَمْ يُوجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَهَذَا ضَرُورَةٌ مُجَوِّزَةٌ لِاسْتِعْمَالِهَا؛ وَعَلَى هَذَا لَوْ تَنَدَّى الْكَتَّانُ فَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا وَيُعْفَى عَنْ مُلَاقَاتِهَا لَهُ حِينَئِذٍ مَعَ نَدَاوَتِهِ؟ قَالَ م ر: يَنْبَغِي الْجَوَازُ إنْ تَوَقَّفَ الِاسْتِعْمَالُ عَلَيْهَا وَأَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْجَوَازُ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَجْفِيفُ الْكَتَّانِ وَعَمَلُهُ عَلَيْهَا جَافًّا سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَعَبْدُ الْبَرِّ وَيَحِلُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالُ الْمِشْطِ مِنْ الْعَاجِ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ حَيْثُ لَا رُطُوبَةَ لِشِدَّةِ جَفَافِهِ مَعَ ظُهُورِ رَوْنَقِهِ كَمَا ذَكَرَهُ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ النَّشَا) أَيْ فِي ثَوْبٍ يَقْتَنِيهِ وَعِبَارَةُ ق ل: وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ النَّشَا فِي الثِّيَابِ وَالدِّقَاقِ فِي غَسْلِ الْأَيْدِي بِقَدْرِ الْحَاجَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَتَرْكُ دَقِّ الثِّيَابِ) أَيْ لِمَالِكِهَا لِأَنَّهُ يُذْهِبُ قُوَّتَهَا، أَمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِلْبَيْعِ فَإِنَّهُ مِنْ الْغِشِّ الْمُحَرَّمِ فَيَجِبُ إعْلَامُ الْمُشْتَرِي بِهِ م د فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِنْ عَمَائِمَ كَالْأَبْرَاجِ وَأَكْمَامٍ كَالْأَخْرَاجِ فَحَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ اهـ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ

لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ «إذَا طَوَيْتُمْ ثِيَابَكُمْ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهَا لِئَلَّا يَلْبَسَهَا الْجِنُّ بِاللَّيْلِ وَأَنْتُمْ بِالنَّهَارِ فَتَبْلَى سَرِيعًا»

[حاشية البجيرمي]

مَحِلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَّصِفِينَ بِالْعِلْمِ وَأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ كَالْقُضَاةِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّ مَا صَارَ شِعَارًا لِلْعُلَمَاءِ يُنْدَبُ لَهُمْ لُبْسُهُ لِيُعْرَفُوا فَيُسْأَلُوا وَلْيُطَاعُوا فِيمَا عَنْهُ زَجَرُوا، وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِمْ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِيهِ لِيَلْحَقُوا بِهِمْ، وَيُحَرَّمُ عَلَى غَيْرِ الصَّالِحِ التَّزَيِّيِ بِزِيِّهِمْ حَتَّى يُظَنَّ صَلَاحُهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْعَالِمِ وَقَدْ كَثُرَ فِي زَمَانِنَا هَذَا؛ وَمِنْهُ يُعْلَمُ تَحْرِيمُ لُبْسِ الْعِمَامَةِ الْخَضْرَاءِ لِغَيْرِ الشَّرِيفِ، فَقَدْ جُعِلَتْ الْعِمَامَةُ الْخَضْرَاءُ لِأَوْلَادِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ لِيَمْتَازُوا فَلَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِمْ مِنْ بَقِيَّةِ آلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لُبْسُهَا لِأَنَّهُ تَزَيَّا بِزِيِّهِمْ فَيُوهَمُ انْتِسَابُهُ لِلْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ مَعَ انْتِفَاءِ نَسَبِهِ عَنْهُمَا وَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، فَاعْلَمْهُ وَتَنَبَّهْ لَهُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الصَّوَاعِقِ: وَلَمْ تَزَلْ أَنْسَابُ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ مَضْبُوطَةً عَلَى تَطَاوُلِ الْأَيَّامِ وَأَحْسَابُهُمْ مَحْفُوظَةً عَنْ أَنْ يَدَّعِيَهُمْ الْجُهَّالُ وَاللِّئَامُ، وَمِنْ ثَمَّ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ عَلَى اخْتِصَاصِ الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ بَنِي فَاطِمَةَ مِنْ بَيْنِ ذَوِي الشَّرَفِ كَالْعَبَّاسِيِّينَ بِلِبْسِ الْأَخْضَرِ إظْهَارًا لِمَزِيدِ شَرَفِهِ.
وَسَبَبُهُ أَنَّ الْمَأْمُونَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ فَاتَّخَذَ لَهُمْ شِعَارًا أَخْضَرَ وَأَلْبَسَهُمْ ثِيَابًا خُضْرًا لِكَوْنِ السَّوَادِ شِعَارَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالْبَيَاضِ شِعَارَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فِي جُمَعِهِمْ وَنَحْوِهَا؛ وَالْأَحْمَرُ مُخْتَلَفٌ فِي تَحْرِيمِهِ، وَالْأَصْفَرُ شِعَارُ الْيَهُودِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ ثُمَّ انْتَهَى عَزْمُهُ وَرُدَّ الْخِلَافَةُ لِبَنِي الْعَبَّاسِ فَبَقِيَ شِعَارَ الْأَشْرَافِ بَنَى الزَّهْرَاءِ، لَكِنَّهُمْ اخْتَصَرُوا الثِّيَابَ إلَى قِطْعَةِ ثَوْبٍ أَخْضَرَ تُوضَعُ عَلَى عِمَامَتِهِمْ شِعَارًا لَهُمْ، ثُمَّ انْقَطَعَ ذَلِكَ إلَى أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ، ثُمَّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَمَرَ السُّلْطَانُ الْأَشْرَافَ أَنْ يَمْتَازُوا عَنْ النَّاسِ بِعَصَائِبَ خُضْرٍ عَلَى الْعَمَائِمِ؛ وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: جَعَلُوا لِأَبْنَاءِ الرَّسُولِ عَلَامَةً ... إنَّ الْعَلَّامَةَ شَأْنُ مَنْ لَمْ يُشْهَرْ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي كَرِيمِ وُجُوهِهِمْ ... يُغْنِي الشَّرِيفَ عَنْ الطِّرَازِ الْأَخْضَرِ وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنْ شَخْصٍ أُمُّهُ شَرِيفَةٌ وَأَبُوهُ غَيْرُ شَرِيفٍ: هَلْ هُوَ شَرِيفٌ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْتُمْ: إنَّهُ لَيْسَ شَرِيفًا فَهَلْ لَهُ شَرَفٌ عَلَى مَنْ لَيْسَتْ أُمُّهُ شَرِيفَةً؟ وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مِنْ آلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؟ وَمَا حُكْمُ لُبْسِ الْعِمَامَةِ الْخَضْرَاءِ لِلْأَشْرَافِ وَغَيْرِهِمْ؟ فَأَجَابَ: هَذَا الشَّخْصُ لَيْسَ شَرِيفًا؛ لِأَنَّ الشَّرِيفَ فِي عُرْفِ أَهْلِ مِصْرَ الْآنَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ يُنْسَبُ لِلْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ، وَأَوْلَادُ بَنَاتِ الْإِنْسَانِ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ لَكِنْ يُعَدُّونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، فَلَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ شَرَفٌ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ لِأَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ أَقَارِبِهِ، وَلُبْسُ الْعَلَامَةِ الْخَضْرَاءِ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَإِنَّمَا حَدَثَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ السُّلْطَانِ الْأَشْرَفِ شَعْبَانِ بْنِ السُّلْطَانِ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا مِنْ أَرَادَ لُبْسَهَا مِنْ غَيْرِ الْأَشْرَافِ؛ لَكِنَّ الَّذِي يَنْبَغِي اجْتِنَابُ ذَلِكَ لِأَنَّ فِيهِ تَدْلِيسًا لِأَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلْأَشْرَافِ فَيُوهِمُ أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ الدَّاخِلَ فِينَا بِغَيْرِ نَسَبٍ وَالْخَارِجَ مِنَّا بِغَيْرِ سَبَبٍ» حَشَرَنَا اللَّهُ فِي زُمْرَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ فَإِنَّنَا مِنْ مُحِبِّيهِمْ وَخِدْمَةِ جَنَابِهِمْ، وَمَنْ أَحَبَّ قَوْمًا رَجَا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ بِنَصِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَصَقَلَهَا) أَيْ: الْأَوْلَى تَرْكُ صَقْلِهَا وَلُبْسُ خَشِنٍ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ خِلَافُ السُّنَّةِ كَمَا اخْتَارَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ؛ وَيُسَنُّ لُبْسِ الْعَذْبَةِ وَأَنْ تَكُونَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ لِلِاتِّبَاعِ وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا، إذْ لَمْ يَصِحَّ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ، وَيَحْرُمُ إطَالَتُهَا طُولًا فَاحِشًا وَإِنْزَالُ ثَوْبِهِ وَإِزَارِهِ عَنْ كَعْبَيْهِ لِلْخُيَلَاءِ لِلْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْوَارِدِ فِيهِ، فَإِنْ انْتَفَتْ الْخُيَلَاءُ كُرِهَ وَيُسَنُّ فِي الْكُمِّ كَوْنُهُ إلَى الرُّسْغِ لِلِاتِّبَاعِ، وَهُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ؛ وَلِلْمَرْأَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِيمَا يَظْهَرُ إرْسَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ إلَى ذِرَاعٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ لِمَا صَحَّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَالْأَوْجُهُ أَنَّ الذِّرَاعَ يُعْتَبَرُ مِنْ الْكَفَّيْنِ، وَقِيلَ: مِنْ الْحَدِّ الْمُسْتَحَبِّ لِلرِّجَالِ وَهُوَ أَنْصَافُ السَّاقَيْنِ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ؛ وَقِيلَ: مِنْ أَوَّلِ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ وَإِفْرَاطُ تَوْسِعَةِ الثِّيَابِ وَالْأَكْمَامِ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، نَعَمْ لَوْ صَارَ شِعَارًا لِلْعُلَمَاءِ نُدِبَ لَهُمْ ذَلِكَ لِيُعْرَفُوا فَيُسْأَلُوا اهـ شَرْحُ م ر أج.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي طَيُّ الثِّيَابِ إلَخْ) أَيْ وَلَمَّا قِيلَ: إنَّ طَيَّهَا يَرُدُّ إلَيْهَا أَرْوَاحَهَا وَلَا كَرَاهَةَ فِي لُبْسِ نَحْوِ قَمِيصٍ وَقَبَاءٍ وَفُرْجِيَّةٍ وَلَوْ

فَصْلٌ: فِي الْجِنَازَةِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ فَهُوَ سَرِيرٌ وَنَعْشٌ وَهُوَ مِنْ جَنَزَهُ يَجْنِزُهُ إذَا سَتَرَهُ، وَلَمَّا اشْتَمَلَ هَذَا الْفَصْلُ عَلَى الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا دُونَ الْفَرَائِضِ فَقَالَ: (وَيَلْزَمُ فِي الْمَيِّتِ) الْمُسْلِمِ غَيْرِ الشَّهِيدِ (أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) عَلَى جِهَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ: الْأَوَّلُ (غُسْلُهُ) إذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ

[حاشية البجيرمي]

مَحْلُولَ الْإِزَارِ، إذْ لَمْ تَبْدُ عَوْرَتُهُ وَيُكْرَهُ بِلَا عُذْرٍ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ أَوْ خُفٍّ وَاحِدَةٍ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْهُمَا، بَلْ يَخْلَعُهُمَا أَوْ يَلْبَسُهُمَا لِيَعْدِلَ بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ وَلِئَلَّا يَخْتَلَّ مَشْيُهُ وَيُسَنُّ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِهِ لُبْسًا وَيَسَارَهُ خَلْعًا وَأَنْ يَخْلَعَ نَحْوَ نَعْلَيْهِ إذَا جَلَسَ وَأَنْ يَجْعَلَهُمَا وَرَاءَهُ وَبِجَنْبِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَخَوْفٍ عَلَيْهِمَا، وَوَرَدَ: " امْشُوا حُفَاةً " وَفِي آخَرَ: " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشَى حَافِيًا " وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ نَدْبُ الْحَفَاءِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِقَصْدِ التَّوَاضُعِ حَيْثُ أَمِنَ مُؤْذِيًا وَمُنَجِّسًا وَلَوْ احْتِمَالًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْحَفَاءُ مُخِلًّا بِمُرُوءَتِهِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الشَّهَادَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

[فَصْلٌ فِي الْجِنَازَةِ]

ِ أَيْ بَيَانِ حَقِيقَتِهَا وَحُكْمِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا وَمَا يُطْلَبُ فِيهَا وَمَا لَا يُطْلَبُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالْمُعَامَلَاتِ أَوْ عِنْدَ الْجِهَادِ لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَهَمُّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ الصَّلَاةَ ذَكَرَ عَقِبَهَا.
قَوْلُهُ: (لُغَتَانِ) وَقِيلَ بِالْفَتْحِ: اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ، وَبِالْكَسْرِ: لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْأَعْلَى لِلْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ لِلْأَسْفَلِ وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: أَصُلِّيَ عَلَى هَذِهِ الْجِنَازَةِ وَأَتَى بِالْجِيمِ مَكْسُورَةً لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمَكْسُورَ اسْمٌ لِلنَّعْشِ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالْمُتَّجِهُ الصِّحَّةُ إذَا أَرَادَ الْمَيِّتَ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظٍ مَجَازِيٍّ عَلَاقَتُهُ الْمُجَاوَرَةُ وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ: وَلَوْ قَالَ: أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَة بِكَسْرِ الْجِيمِ صَحَّتْ إنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا النَّعْشَ اهـ قُلْت: وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَلَامِ الْقَاضِي وَالْإِسْنَوِيِّ، إذْ كَلَامُ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُرِدْ الْمَيِّتَ وَكَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ عَلَى مَا إذَا أَرَادَ وَحْدَهُ أَوْ أَطْلَقَ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ النَّعْشَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْمَيِّتِ فَلَا يَصِحُّ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَتَغْلِيبًا لِلْمُبْطِلِ.
قَوْلُهُ: (اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ إلَخْ) لَكِنَّ هَذِهِ الْمَعَانِي قَدْ هُجِرَتْ وَصَارَتْ الْجِنَازَةُ اسْمًا لِلْمَيِّتِ مُطْلَقًا؛ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ النِّيَّةُ الْمُطْلَقَةُ ق ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ هَذَا قَوْلَهُ وَقِيلَ اسْمٌ لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ سَرِيرٌ وَنَعْشٌ) وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ فِي كُلِّ يَوْمٍ لِابْنِ آدَمَ: اُنْظُرْ إلَيَّ بِعَقْلِك ... أَنَا الْمُهَيَّا لِنَقْلِك أَنَا سَرِيرُ الْمَنَايَا ... كَمْ سَارَ مِثْلِي بِمِثْلِك قَالَ الشَّاعِرُ فِي الْمَعْنَى: وَإِذَا حَمَلْتَ إلَى الْقُبُورِ جِنَازَةً ... فَاعْلَمْ بِأَنَّك بَعْدَهَا مَحْمُولُ وَإِذَا وَلِيتَ لِأَمْرِ قَوْمٍ مَرَّةً ... فَاعْلَمْ بِأَنَّك عَنْهُمْ مَسْئُولُ اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جَنَزَهُ) بَابُهُ ضَرَبَ فَجَنَّ وَجَنَزَ بِمَعْنَى سَتَرَ؛ وَلِذَا سُمِّيَتْ بِهِ الْجِنُّ لِاسْتِتَارِهِمْ عَنَّا كَمَا ذَكَرَهُ الرَّحْمَانِيُّ وَعِبَارَةُ الَأُجْهُورِيُّ: قَوْلُهُ " مِنْ جَنَزَهُ " أَيْ عَلَى سَائِرِ التَّقَادِيرِ كُلِّهَا، إذْ السَّتْرُ حَاصِلٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ النَّعْشَ سَاتِرٌ لِلْمَيِّتِ وَالْمَيِّتُ مَسْتُورٌ بِهِ اهـ مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ: (فِي الْمَيِّتِ) فِي سَبَبِيَّةٍ أَوْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ بِسَبَبِهِ وَلِأَجَلِهِ.
اهـ. سم فَالظَّرْفِيَّةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً

أَمَارَاتِهِ كَاسْتِرْخَاءِ قَدَمٍ وَمَيْلِ أَنْفٍ وَانْخِسَافِ صُدْغٍ، فَإِنْ شَكَّ فِي مَوْتِهِ أُخِّرَ وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ إلَى الْيَقِينِ بِتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ أَوْ غَيْرِهِ.
وَأَقَلُّ الْغُسْلِ تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بِالْمَاءِ مَرَّةً لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفَرْضُ كَمَا فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي حَقِّ الْحَيِّ، فَلَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ كَمَا يَلُوحُ بِهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ إزَالَتِهَا، وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ النَّظَافَةُ وَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، فَيَكْفِي غُسْلُ كَافِرٍ لَا غَرَقٌ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (الْمُسْلِمِ إلَخْ) خَرَجَ الْكَافِرُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا فَلَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ وَمِثْلُهُ الْمُرْتَدُّ؛ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهَدًا أَوْ مُؤْمِنًا وَجَبَ الدَّفْنُ وَالتَّكْفِينُ وَجَازَ الْغُسْلُ وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَقَالَ خ ض: حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْكَافِرِ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَالْغُسْلُ جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَالتَّكْفِينُ وَالدَّفْنُ إنْ كَانَ لَهُ ذِمَّةٌ أَوْ عَهْدٌ وَجَبَا وَإِلَّا فَلَا اهـ. قَوْلُهُ: (غَيْرِ الشَّهِيدِ) فَيَجِبُ فِيهِ اثْنَانِ وَيَحْرُمُ فِيهِ اثْنَانِ وَقَوْلُهُ غَيْرِ الشَّهِيدِ أَيْ وَغَيْرِ السَّقْطِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جِهَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ) أَيْ إذَا عَلِمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ عَدَمُ عِلْمِهِ عَنْ تَقْصِيرٍ بِأَنْ كَانَ جَارًا لَهُ فَعُلِمَ أَنَّ تَعَلُّقَ الْوُجُوبِ بِمِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَوْ حُكْمًا كَجَارِ قَصَّرَ فِي السُّؤَالِ عَنْهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ: وَالْمُخَاطَبُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ كُلُّ مَنْ عَلِمَ بِمَوْتِهِ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ قَصَّرَ لِكَوْنِهِ بِقُرْبِهِ وَنُسِبَ فِي عَدَمِ الْبَحْثِ عَنْهُ إلَى تَقْصِيرٍ مِنْ أَقَارِبِهِ وَغَيْرِهِمْ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ هُوَ الْأَفْعَالُ، وَأَمَّا الْأَعْيَانُ كَثَمَنِ الْمَاءِ وَأُجْرَةِ الْغَاسِلِ وَالْكَفَنِ فَهِيَ مِنْ تَرِكَتِهِ عَلَى مَا يَأْتِي وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ.
قَوْلُهُ: (إذَا تَيَقَّنَّ مَوْتُهُ إلَخْ) وَالْمَوْتُ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ، وَقِيلَ: عَرَضٌ يُضَادُّ الْحَيَاةَ، وَقِيلَ: عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ؛ وَهَذَا هُوَ الْأَحْسَنُ لِدُخُولِ السَّقْطِ وَإِخْرَاجِ الْجَمَادَاتِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَرُدُّ عَلَيْهِ السَّقْطُ الَّذِي لَمْ تُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ عَلَيْهِ مَيِّتٌ مَعَ أَنْ رُوحَهُ لَمْ تَدْخُلْ جَسَدَهُ حَتَّى يُقَالَ فَارَقَتْهُ وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِي الْجَمَادَاتُ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ عَلَيْهَا مَيِّتَةٌ مَعَ قِيَامِ الْعَرَضِ بِهَا وَالرُّوحُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُشْتَبِكٌ بِالْبَدَنِ كَاشْتِبَاكِ الْمَاءِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ وَالرُّوحُ بَاقٍ لَا يَفْنَى، وَأَمَّا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] فَفِيهِ تَقْدِيرٌ، أَيْ حِينَ مَوْتِ أَجْسَادِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَرْوَاحَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ: وَأَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ، وَأَرْوَاحُ الْمُطِيعِينَ، وَأَرْوَاحُ الْعُصَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فَأَمَّا أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ فَتَخْرُجُ مِنْ أَجْسَادِهَا وَتَصِيرُ عَلَى صُورَتِهَا مِثْلَ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَتَكُونُ فِي الْجَنَّةِ تَأْكُلُ وَتَتَنَعَّمُ وَتَأْوِي بِاللَّيْلِ إلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ وَأَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ أَجْسَادِهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهَا فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَدُورُ بِهَا فِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ؛ هَكَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا أَرْوَاحُ الْمُطِيعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَهِيَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ لَا تَأْكُلُ وَلَا تَتَنَعَّمُ لَكِنْ تَنْظُرُ فِي الْجَنَّةِ فَقَطْ وَأَمَّا أَرْوَاحُ الْعُصَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَبَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فِي الْهَوَاءِ وَأَمَّا أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فَهِيَ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ سُودٍ فِي سِجِّينٍ، وَسِجِّينٌ تَحْتُ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِأَجْسَادِهَا، فَتُعَذَّبُ أَرْوَاحُهَا، فَيَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ الْجَسَدُ كَالشَّمْسِ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَنُورُهَا فِي الْأَرْضِ؛ كَمَا أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ مُتَنَعِّمَةٌ وَنُورُهَا مُتَّصِلٌ بِالْجَسَدِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بِالْمَاءِ مَرَّةً) حَتَّى مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِ الثَّيِّبِ عِنْدَ جُلُوسِهَا عَلَى قَدَمَيْهَا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْحَيِّ ر م. قَوْلُهُ: (فَلَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) أَيْ الْحُكْمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ) أُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا مَنَعَتْ النَّجَاسَةُ إيصَالَ الْمَاءِ إلَى الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَنْبَغِي نَدْبُ نِيَّةِ الْغُسْلِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ؛ وَكَيْفِيَّتُهَا أَنْ يَنْوِيَ نَحْوَ أَدَاءِ الْغُسْلِ عَنْهُ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَلَوْ يُمِّمَ بَدَّلَ الْغُسْلِ فَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّيَمُّمِ أَيْضًا كَمَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي أَصْلِهِ، شَيْخُنَا: قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ: إنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ، وَقَالَ مَالِكٌ

بِغُسْلِهِ فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنَّا إلَّا بِفِعْلِنَا، وَأَكْمَلُهُ أَنْ يُغَسَّلَ فِي خِلْوَةٍ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يُعِينُهُ وَالْوَلِيُّ، وَفِي قَمِيصٍ بَالٍ أَوْ سَخِيفٍ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ، عَلَى مُرْتَفِعٍ كَلَوْحٍ لِئَلَّا يُصِيبُهُ الرَّشَّاشُ بِمَاءٍ بَارِدِ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْبَدَنَ إلَّا لِحَاجَةٍ إلَى الْمُسَخَّنِ كَوَسَخٍ أَوْ بَرْدٍ، وَأَنْ يُجْلِسَهُ الْغَاسِلُ عَلَى الْمُرْتَفِعِ بِرِفْقٍ مَائِلًا إلَى وَرَائِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَإِبْهَامَهُ فِي نَقْرَةِ قَفَاهُ لِئَلَّا تَمِيلَ رَأْسُهُ، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ بِرُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ بِمُبَالَغَةٍ لِيُخْرِجَ مَا فِيهِ مِنْ الْفَضَلَاتِ، ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِخِرْقَةٍ مَلْفُوفَةٍ عَلَى يَسَارِهِ سَوْأَتَيْهِ، ثُمَّ يُلْقِيهَا وَيَلُفُّ خِرْقَةً أُخْرَى عَلَى الْيَدِ وَيُنَظِّفُ أَسْنَانَهُ

[حاشية البجيرمي]

بِوُجُوبِهَا وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْغُسْلِ النَّظَافَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِلَا نِيَّةٍ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْغَاسِلَ نَائِبٌ عَنْ الْمَيِّتِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ؛ وَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهَا النَّظَافَةُ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقَدْ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَلَا يَكُونُ عَمَلٌ صَالِحٌ إلَّا بِنِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (غُسْلُ كَافِرٍ) وَإِنْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ كَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ م د. قَوْلُهُ: (لَا غَرَقٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " غُسْلٌ " أَيْ لَا يَكْفِي غَرَقٌ عَنْ الْغُسْلِ وَهَذَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ " تَعْمِيمٌ " الَّذِي هُوَ فِعْلٌ وَالْغَرَقُ لَا فِعْلَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّا مَأْمُورُونَ) أَيْ مُعَاشِرَ الْمُكَلَّفِينَ قَوْلُهُ: (إلَّا بِفِعْلِنَا) أَيْ جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ كَمَجْنُونٍ، وَيَكْفِي غُسْلُ الْجِنِّ وَتَغْسِيلُ الْمَيِّتِ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ كَرَامَةً لَا تَغْسِيلُ الْمَلَائِكَةِ فَلَا يَكْفِي أَيْ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ هُوَ الثَّقَلَانِ مِنْ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَوْ شَاهَدْنَا الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنَّا بِخِلَافِ التَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا السَّتْرُ وَالْمُوَارَاةُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّعَبُّدُ أَيْ الطَّلَبُ عَلَى وَجْهِ التَّكْلِيفِ؛ وَلِهَذَا يُنْبَشُ لِلْغُسْلِ لَا لِلتَّكْفِينِ وَالصَّلَاةُ كَالْغُسْلِ وَلَا يَرِدُ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِتَغْسِيلِ الْمَيِّتِ نَفْسَهُ كَرَامَةَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ غَيْرُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا خُوطِبَ غَيْرُهُ لِعَجْزِهِ أَيْ الْمَيِّتِ فَإِذَا أَتَى بِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ اُكْتُفِيَ بِهِ إذْ الْمَدَارُ عَلَى وُجُودِهِ مِنْ جِنْسِ الْمُكَلَّفِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَتَنَا فَاطِمَةَ لَمَّا عَلِمَتْ بِنُورِ الْكَشْفِ أَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ غَسَلَتْ نَفْسَهَا وَتَطَيَّبَتْ وَتَجَمَّلَتْ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهَا وَقَالَتْ: فَلَا تَغْسِلُونِي فَإِنِّي مَقْبُوضَةٌ الْآنَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنَّا لِأَنَّ قَوْلَهَا " لَا تَغْسِلُونِي " مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ وَحُكِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عَبْدَ اللَّهِ الْمَنُوفِيَّ غَسَلَ نَفْسَهُ كَرَامَةً، كَمَا نُقِلَ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْبَدْوِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَالَ سم: وَلَوْ مَاتَ مَوْتًا حَقِيقِيًّا ثُمَّ جُهِّزَ ثُمَّ أُحْيِيَ حَيَاةً حَقِيقِيَّةً ثُمَّ مَاتَ فَالْوَجْهُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ تَجْهِيزٌ آخَرُ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهُّمَ.
1 - قَوْلُهُ: (وَالْوَلِيُّ) قَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيّ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَإِلَّا فَكَالْأَجْنَبِيِّ، وَمُرَادُهُ بِالْوَلِيِّ أَقْرَبُ الْوَرَثَةِ اهـ شَرْحُ م ر وَعَلَيْهِ فَهَلْ يُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ أَوْ الْجَدُّ عَلَى الْعَمِّ أَوْ يَسْتَوِيَانِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَدْلَى بِوَاسِطَةٍ وَاحِدَةٍ؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَمِنْ الْأَقْرَبِ هُنَا مَنْ أَدْلَى بِجِهَتَيْنِ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَنْ أَدْلَى بِجِهَةٍ ع ش. قَوْلُهُ: (وَفِي قَمِيصٍ) أَيْ وَلَمَّا صَحَّ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذُوا فِي غُسْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَادَاهُمْ مُنَادٍ قِبَلَ دَاخِلِ الْبَيْتِ: لَا تَنْزِعُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَمِيصَهُ، وَادِّعَاءُ الْخُصُوصِيَّةِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ ثُمَّ إنْ اتَّسَعَ كُمُّهُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَتَقَ دَخَارِيصَهُ، فَإِنْ فَقَدَ الْقَمِيصَ وَجَبَ سَتْرُ عَوْرَتِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ سَخِيفٍ) أَيْ مُهَلْهَلِ النَّسْجِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْقَوِيَّ يَحْبِسُ الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ) وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ سَقْفٍ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُغَطَّى وَجْهُهُ بِخِرْقَةٍ أَوَّلَ وَضْعِهِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ اهـ شَرْحُ م ر اهـ. قَوْلُهُ: (عَلَى مُرْتَفَعٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " يُغْسَلُ فِي خَلْوَةٍ " وَكَذَا قَوْلُهُ " بِمَاءٍ بَارِدٍ ". قَوْلُهُ: (بَارِدٍ) أَيْ مَالِحٍ لَا عَذْبٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَرَدٍ) أَيْ بِالْغَاسِلِ، وَيُمْكِنُ رُجُوعُهُ إلَيْهِمَا إذَا فُرِضَ أَنَّ الْمَاءَ يُؤْذِيهِ لِشِدَّةِ بَرْدِهِ اهـ ز ي؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَذَّى بِمَا يَتَأَذَّى بِهِ الْحَيُّ، وَيُكْرَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ.
قَوْلُهُ: (مَائِلًا) لِيَسْهُلَ خُرُوجُ مَا فِي بَطْنِهِ أَيْ لِأَنَّ اعْتِدَالَهُ قَدْ يَحْبِسُ مَا فِي بَطْنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَضَعُ) أَيْ الْغَاسِلُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ أَيْ الْمَيِّتِ.
قَوْلُهُ: (بِمُبَالَغَةٍ) أَيْ بِتَكْرَارٍ لَا بِشِدَّةِ اعْتِمَادٍ ق ل. قَوْلُهُ: (مَا فِيهِ) أَيْ بَطْنِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّ الْبَطْنَ مُذَكَّرٌ كَكُلِّ عُضْوٍ مُفْرَدٍ كَالرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُضْجِعُهُ) أَيْ مُسْتَلْقِيًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ " لِقَفَاهُ " بِمَعْنَى " عَلَى ". قَوْلُهُ: (مَلْفُوفَةٍ) أَيْ وُجُوبًا فِي غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ لِجَوَازِ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ فِيهِمَا ق ل، فَيَحْرُمُ فِي غَيْرِ

وَمَنْخِرَيْهِ، ثُمَّ يُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ فَلِحْيَتِهِ بِنَحْوِ سِدْرٍ، وَيُسَرِّحُ شَعْرَهُمَا إنْ تَلَبَّدَ بِمُشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ بِرِفْقٍ، وَيَرُدُّ الْمُنْتَتِفَ مِنْ شَعْرِهِمَا إلَيْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرَ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي قَفَاهُ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ مُسْتَعِينًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِنَحْوِ سِدْرٍ، ثُمَّ يُزِيلُهُ بِمَاءٍ مِنْ فَوْقِهِ إلَى قَدَمَيْهِ، ثُمَّ يَعُمُّهُ كَذَلِكَ بِمَاءٍ قَرَاحٍ فِيهِ قَلِيلُ كَافُورٍ كَمَا سَيَأْتِي بِحَيْثُ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ.
فَهَذِهِ الْأَغْسَالُ الْمَذْكُورَةُ غَسْلَةٌ،

[حاشية البجيرمي]

الزَّوْجَيْنِ مَسُّ مَا بَيْنَ سُرَّةِ الْمَيِّتِ وَرُكْبَتِهِ وَكَذَا النَّظَرُ، وَيُكْرَهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ اهـ م د. قَوْلُهُ: (سَوْأَتَيْهِ) أَيْ وَبَاقِي عَوْرَتِهِ ح ل وَسُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّخْصَ يَسُوءُهُ كَشْفُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَيَلُفُّ خِرْقَةً إلَخْ) بَعْدَ غَسْلِ يَدِهِ بِمَاءٍ وَأُشْنَانٍ أَوْ نَحْوِهِ إنْ تَلَوَّثَتْ؛ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: لَفَّ الشَّيْءَ مِنْ بَابِ رَدَّ فَهُوَ بِضَمِّ اللَّامِ فِي الْمُضَارِعِ.
قَوْلُهُ: (وَيُنَظِّفُ أَسْنَانَهُ) بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ يُزِيلُ مَا فِي أَنْفِهِ بِيَسَارِهِ شَرْحُ م ر وَفَارَقَ الْحَيَّ حَيْثُ يَتَسَوَّكُ بِالْيَمِينِ لِلْخِلَافِ، أَيْ لِيُخَالِفَ الْمَيِّتُ الْحَيَّ؛ وَلِأَنَّ الْقَذَرَ ثَمَّ لَا يَتَّصِلُ بِالْيَدِ بِخِلَافِهِ هُنَا وَلَا يَفْتَحُ أَسْنَانَهُ لِئَلَّا يَسْبِقَ الْمَاءُ إلَى جَوْفِهِ فَيَسْرَعُ فَسَادُهُ وَلَوْ تَنَجَّسَ فَمُهُ وَكَانَ يَلْزَمُهُ طُهْرُهُ وَتَوَقَّفَ عَلَى فَتْحِ أَسْنَانِهِ اتَّجَهَ فَتْحُهَا وَإِنْ عُلِمَ سَبْقُ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ وَلَا تُكْسَرُ أَسْنَانُهُ لَوْ تَوَقَّفَتْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَلَى كَسْرِهَا لِمَا قَالُوهُ فِيمَنْ مَاتَ غَيْرَ مَخْتُونٍ وَتَحْتَ قُلْفَتِهِ نَجَاسَةٌ تَوَقَّفَتْ إزَالَتُهَا عَلَى قَطْعِ الْقُلْفَةِ حَيْثُ قَالُوا: لَا تُقْطَعُ، وَيُدْفَنُ بِلَا صَلَاةٍ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ الْمَدَابِغِيُّ عَنْ الَأُجْهُورِيُّ؛ وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيَحْرُمُ خَتْنُهُ وَإِنْ عَصَى بِتَأْخِيرِهِ أَوْ تَعَذَّرَ غَسْلُ مَا تَحْتَ قُلْفَتِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، وَعَلَيْهِ فَيُيَمِّمُ عَمَّا تَحْتَهَا، وَمَحِلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهَا نَجَاسَةٌ تَعَذَّرَ إزَالَتُهَا وَإِلَّا دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ عَلَيْهِ م ر: وَعِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ: يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ التَّيَمُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْخَرَيْهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْخَاءِ وَكَسْرِهِمَا وَضَمِّهِمَا وَفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ وَهِيَ أَشْهُرُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ وَيُقَالُ فِيهِ مُنْخُورٌ كَعُصْفُورٍ، فَفِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: افْتَحْ لِمِيمِ مَنْخَرٍ وِخَائِهِ وَاكْسِرْهُمَا وَضَمٍّ أَيْضًا مُعْلِنًا وَزِدْ كَمَجْلِسٍ وَعُصْفُورٍ وَقُلْ خَمْسٌ بِقَامُوسٍ أَتَتْ فَاتَّقِنًا أَمَّا مَا اُشْتُهِرَ مِنْ كَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ فَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ لَمْ نَرَهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ) ثَلَاثًا ثَلَاثًا بِمَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ وَيُمِيلُ رَأْسَهُ فِيهِمَا لِئَلَّا يَسْبِقَ الْمَاءُ جَوْفَهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُنْدَبْ فِيهِمَا مُبَالَغَةٌ وَيَتْبَعُ بِعُودٍ لَيِّنٍ مَا تَحْتَ أَظْفَارِهِ إنْ لَمْ يُقَلِّمْهَا وَظَاهِرَ أُذُنَيْهِ وَصِمَاخَيْهِ، وَيَنْوِي بِالْوُضُوءِ الْوُضُوءَ الْمَسْنُونَ كَمَا فِي الْغُسْلِ بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ الْمَسْنُونَ؛ قَالَ الْمَدَابِغِيُّ: فَلَا يَصِحُّ يَعْنِي الْوُضُوءَ بِلَا نِيَّةٍ بِخِلَافِ الْغُسْلِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ وَالنِّيَّةُ فِيهِ سُنَّةٌ وَالْوُضُوءُ سُنَّةٌ وَالنِّيَّةُ فِيهِ وَاجِبَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَرِّحُ شَعْرَهُمَا) وَالْأَوْجُهُ تَقْدِيمُ تَسْرِيحِ الرَّأْسِ عَلَى اللِّحْيَةِ تَبَعًا لِلْغُسْلِ، وَنَقَلَهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ بَعْضِهِمْ.
اهـ. م ر اهـ أج.
قَوْلُهُ: (بِمُشْطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ إسْكَانِ الشِّينِ وَبِضَمِّ الْمِيمِ مَعَ ضَمِّ الشِّينِ أَيْضًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَيَرُدُّ الْمُنْتَتَفَ مِنْ شَعْرِهِمَا إلَيْهِ) أَيْ فِي الْكَفَنِ نَدْبًا وَفِي الْقَبْرِ وُجُوبًا، فَدَفْنُهُمَا وَاجِبٌ وَجَعْلُهُمَا فِي الْكَفَنِ مَعَ الْمَيِّتِ مَنْدُوبُ اهـ م د. قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْأَيْسَرِ) أَيْ مِنْ عُنُقِهِ إلَى قَدَمِهِ؛ وَيَحْرُمُ كَبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ احْتِرَامًا لَهُ وَإِنْ جَازَ لَهُ حَيًّا مَعَ الْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ حَقُّهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَلِي قَفَاهُ) مُقْتَضَاهُ خُرُوجُ الْقَفَا عَنْ الْغُسْلِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مِنْ قَفَاهُ، تَأَمَّلْ قَوْلَهُ: (بِنَحْوِ سِدْرٍ) هُوَ وَرَقُ النَّبْقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ فَرْقِهِ) أَيْ وَسَطِ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ يُفْرَقُ فِيهِ شَعْرُ الرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ قَرَاحٍ) أَيْ خَالِصٍ وَهَذِهِ الْغَسْلَةُ هِيَ الْمَعْدُودَةُ وَالْمُعْتَبَرَةُ لِأَنَّ غَيْرَهَا مُتَغَيِّرٌ وَالْقَرَاحُ بِفَتْحِ الْقَافِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ؛ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُخَالِطْهُ سِدْرٌ.
قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ الْأَغْسَالُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ يَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ إلَخْ لَا مَا يَشْمَلُ غَسْلَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَلَا يُنْدَبُ تَكْرَارُهُ كَمَا

وَيُسَنُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ كَذَلِكَ، وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ نَجَسٌ وَجَبَ إزَالَتُهُ عَنْهُ.
وَيُنْدَبُ أَنْ لَا يَنْظُرَ الْغَاسِلُ مِنْ غَيْرِ عَوْرَتِهِ إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ، أَمَّا الْعَوْرَةُ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَأَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ بِخِرْقَةِ وَأَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ أَمِينًا، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا سُنَّ ذِكْرُهُ أَوْ ضِدَّهُ حُرِّمَ ذِكْرُهُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ كَبِدْعَةٍ ظَاهِرَةٍ وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ كَمَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَلَا يُكْرَهُ لِنَحْوِ جُنُبٍ غُسْلُهُ، وَالرَّجُلُ أَوْلَى بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ أَوْلَى بِالْمَرْأَةِ، وَلَهُ غُسْلُ حَلِيلَتِهِ مِنْ زَوْجَةٍ غَيْرِ رَجْعِيَّةٍ وَلَوْ نَكَحَ غَيْرَهَا وَأَمَةٍ وَلَوْ كِتَابِيَّةً،

[حاشية البجيرمي]

فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) أَيْ أَوْلَى كُلٌّ مِنْهُمَا بِسِدْرٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَالثَّانِيَةُ مُزِيلَةٌ لَهُ، وَالثَّالِثَةُ بِمَاءٍ قَرَاحٍ فِيهِ قَلِيلُ كَافُورٍ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَ الْغُسْلِ نَجَسٌ وَجَبَ إزَالَتُهُ) أَيْ إنْ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَتُنْدَبُ؛ لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى الِانْفِجَارِ وَعِنْدَ م ر وُجُوبُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيْضًا وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا ز ي. اهـ. ق ل وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ الْخَارِجِ مِنْ الْمَيِّتِ بِغُسْلِهِ صَحَّ غُسْلُهُ وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَالْحَيِّ السَّلِسِ وَهُوَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ م ر سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ " كَالْحَيِّ السَّلِسِ " قَضِيَّةُ التَّشْبِيهِ بِالسَّلِسِ وُجُوبُ حَشْوِ مَحِلِّ الدَّمِ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ وَعَصْبَةٍ عَقِبَ الْغُسْلِ وَالْمُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، حَتَّى وَلَوْ أُخِّرَ لَا لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ وَجَبَتْ إعَادَةُ مَا ذُكِرَ وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ كَثْرَةَ الْمُصَلِّينَ كَمَا فِي تَأْخِيرِ السَّلِسِ لِإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (إلَّا قَدْرَ الْحَاجَةِ) بِأَنْ يُرِيدَ مَعْرِفَةَ الْمَغْسُولِ مِنْ غَيْرِهِ.
اهـ. مَرْحُومِيَّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْعَوْرَةُ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا) أَيْ فِي غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ كَمَا مَرَّ ق ل قَوْله: (وَجْهُهُ) أَيْ وَجْهُ الْمَيِّتِ أَوَّلَ وَضْعِهِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ؛ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: مِنْ أَوَّلِ وَضْعِهِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّهُ يُسْتَدَامُ تَغْطِيَتُهُ إلَى آخِرِ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَأَى خَيْرًا) كَاسْتِنَارَةِ وَجْهِهِ وَطِيبِ رَائِحَتِهِ وَقَوْلُهُ: " أَوْ ضِدَّهُ " كَسَوَادٍ وَتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ وَانْقِلَابِ صُورَتِهِ حُرِّمَ ذِكْرُهُ لِأَنَّهُ غِيبَةٌ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى الِاسْتِحْلَالُ مِنْهُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: «اُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مُسَاوِيهِمْ» وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَكَتَمَ عَلَيْهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أَرْبَعِينَ سَيِّئَةً» وَقَوْلُهُ " إلَّا لِمَصْلَحَةٍ " كَأَنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُبْتَدِعًا مُظْهِرًا لِبِدْعَتِهِ، فَلَا يَجِبُ سَتْرُهُ بَلْ يَجُوزُ التَّحَدُّثُ بِهِ لِيَنْزَجِرَ النَّاسُ عَنْهَا؛ وَالْخَبَرُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحَدِّثَ بِذَلِكَ عَنْ الْمُشْتَهِرِ بِبِدْعَتِهِ عِنْدَ الْمُطَّلِعِينَ عَلَيْهَا الْمَائِلِينَ إلَيْهَا لَعَلَّهُمْ يَنْزَجِرُونَ قَالَ: وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إذَا رَأَى مِنْ الْمُبْتَدِعِ أَمَارَةَ خَيْرٍ يَكْتُمُهَا وَلَا يُنْدَبُ لَهُ ذِكْرُهَا لِئَلَّا يُغْرِيَ بِبِدْعَتِهِ وَضَلَالَتِهِ بَلْ لَا يَبْعُدُ إيجَابُ الْكِتْمَانِ عِنْدَ ظَنِّ الْإِغْرَاءِ بِهَا وَالْوُقُوعِ فِيهَا بِذَلِكَ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ " إلَّا لِمَصْلَحَةٍ " عَائِدٌ لِلْأَمْرَيْنِ.
اهـ. م ر فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ) لِفَقْدِ مَاءٍ أَوْ لِغَيْرِهِ كَاحْتِرَاقٍ وَلَوْ غُسِلَ لَتَهَرَّى شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (يُمِّمَ) وَتُنْدَبُ النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ كَالْغُسْلِ، وَقِيلَ: تَجِبُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَعِيفَةٌ فَيَتَقَوَّى بِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لِأَنَّ شَرْطَهُ تَقَدُّمُ إزَالَتِهَا؛ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَتَعَذَّرَتْ إزَالَتُهَا كَالْأَقْلَفِ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر وَيَصِحُّ أَنْ يُيَمَّمَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ابْنُ حَجَرٍ وَيَجِبُ غَسْلُ بَاقِي بَدَنِهِ مَا عَدَا مَحَلَّ الْقُلْفَةِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ فَسْخُهَا اهـ. قَوْلُهُ: (لِنَحْوِ جُنُبٍ) كَحَائِضٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْلَى بِالرَّجُلِ) أَيْ الْأَفْضَلُ ذَلِكَ فَيُقَدَّمُ حَتَّى عَلَى الْحَلِيلَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ " وَالرَّجُلُ أَوْلَى بِالرَّجُلِ " أَيْ وُجُوبًا إنْ كَانَ الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَنَدْبًا إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَوْلَى مِنْ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمَ؛ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ " وَالْمَرْأَةُ أَوْلَى مِنْ الْمَرْأَةِ " أَيْ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ " أَوْلَى بِالرَّجُلِ " أَيْ الذَّكَرِ الْوَاضِحِ الَّذِي بَلَغَ حَدَّ الشَّهْوَةِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (وَلَهُ غَسْلُ حَلِيلَتِهِ) وَسَيَأْتِي أَنَّهُ بَعْدَ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ " وَلَهُ غَسْلُ حَلِيلَتِهِ "، مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ " وَالْمَرْأَةُ أَوْلَى بِالْمَرْأَةِ " وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ " وَلِزَوْجَةٍ " مُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَالرَّجُلُ أَوْلَى بِالرَّجُلِ " فَيَكُونُ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ وَيُشْتَرَطُ فِي الزَّوْجَةِ فِي الْأَوَّلِ أَنْ لَا تَكُونَ مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ رَجْعِيَّةٍ) أَمَّا

وَلِزَوْجَةٍ غَيْرِ رَجْعِيَّةٍ غُسْلُ زَوْجِهَا وَلَوْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ بِلَا مَسٍّ مِنْهَا لَهُ وَلَا مِنْهُ لَهَا، أَوْ السَّيِّدِ لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَجْنَبِيٌّ فِي الْمَيِّتِ الْمَرْأَةِ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ فِي الرَّجُلِ يُمِّمَ الْمَيِّتُ.
نَعَمْ الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ يُغَسِّلُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى الْكَبِيرُ عِنْدَ فَقْدِ الْمَحْرَمِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُغْسَلُ فَوْقَ ثَوْبِ، وَيَحْتَاطُ الْغَاسِلُ فِي غَضِّ الْبَصَرِ وَالْمَسِّ، وَالَأَوْلَى بِالرَّجُلِ فِي غُسْلِهِ الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَرَجَةً وَهُمْ رِجَالُ الْعَصَبَةِ مِنْ النَّسَبِ ثُمَّ الْوَلَاءِ ثُمَّ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ إنْ

[حاشية البجيرمي]

الرَّجْعِيَّةُ فَكَالْأَجْنَبِيَّةِ؛ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ " حَلِيلَتُهُ ". قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَكَحَ غَيْرَهَا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ نَكَحَ مَنْ يَحْرُمُ جَمْعُهُ مَعَهَا كَأُخْتِهَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَ غَيْرِهَا لَا يُخِلُّ بِنِكَاحِهَا ع ش. قَوْلُهُ: (وَأَمَةً وَلَوْ كِتَابِيَّةً) أَيْ الْأَمَةَ الَّتِي تَحِلُّ لَهُ فَخَرَجَتْ الْمُزَوَّجَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ، وَالْمُسْتَبْرَأَةُ وَالْوَثَنِيَّةُ وَالْمَجُوسِيَّةُ فَهُوَ فِيهِنَّ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَيْسَ لِلْأَمَةِ تَغْسِيلُ سَيِّدِهَا لِانْتِقَالِهَا عَنْهُ إمَّا بِالْعِتْقِ كَأُمِّ الْوَلَدِ أَوْ بِالْإِرْثِ كَالْقِنَّةِ، وَالزَّوْجِيَّةُ لَا تَنْقَطِعُ حُقُوقُهَا بِالْمَوْتِ بِدَلِيلِ التَّوَارُثِ.
قَوْلُهُ: (وَلِزَوْجَةٍ إلَخْ) لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَلَا حَقَّ لَهَا عَلَى الْأَوْجَهِ لِبُعْدِهَا عَنْ الْوِلَايَاتِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (غَيْرِ رَجْعِيَّةٍ) أَيْ وَغَيْرِ مُعْتَدَّةٍ عَنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ وَإِنْ حَلَّ نَظَرُهَا لَتَعَلَّقَ الْحَقُّ فِيهَا بِأَجْنَبِيٍّ وَشَمَلَ ذَلِكَ الزَّوْجَةَ الْمُسْلِمَةَ وَالذِّمِّيَّةَ فَتَغْسِلُ زَوْجَهَا أَيْ الذِّمِّيَّ، أَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْكَافِرُ لَا يُغَسِّلُ مُسْلِمًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ) بِأَنْ وَلَدَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ فَلَهَا أَنْ تَغْسِلَهُ لِبَقَاءِ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لَهَا فَلَا يَسْقُطُ كَالْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (بِلَا مَسٍّ مِنْهَا لَهُ) أَيْ نَدْبًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ إيعَابٌ وَقَدْ وَافَقَ م ر عَلَى جَوَازِ كُلٍّ مِنْ النَّظَرِ وَالْمَسِّ بِلَا شَهْوَةٍ وَلَوْ لِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَمَنَعَهُمَا بِشَهْوَةٍ وَلَوْ لِمَا فَوْقَهُمَا تَأَمَّلْ وَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَلِزَوْجَةٍ " وَقَوْلُهُ " وَلَا مِنْهُ لَهَا " رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " وَلَهُ غُسْلُ حَلِيلَتِهِ " عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ؛ قَالَ شَيْخُنَا الْمَدَابِغِيُّ: وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَوْتَ مُحَرِّمٌ لِلنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ دُونَ النَّظَرِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَوْ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ فَيَجُوزُ، وَمِثْلُهُ الْمَسُّ وَلَوْ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمَحَلُّ جَوَازِ غُسْلِ الْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ إذَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَى غُسْلِهِ مَسٌّ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ وَإِنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ، إذْ الْخِلَافُ فِي النَّظَرِ؛ أَمَّا الْمَسُّ فَقَدْ صَرَّحَ م ر فِي بَابِ النِّكَاحِ بِحُرْمَةِ مَسِّ الْأَمْرَدِ مُطْلَقًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ السَّيِّدُ لَهَا) لِئَلَّا يُنْتَقَضُ وُضُوءُ الْمَاسِّ فَقَطْ إذْ الْمَغْسُولُ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ مُطْلَقًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَجْنَبِيٌّ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ، أَيْ لَمْ يُوجَدْ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ السَّعْيُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ إلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (فِي الْمَيِّتِ الْمَرْأَةِ) وَمِثْلُهَا الْأَمْرَدُ الْجَمِيلُ إذَا خُشِيَ الْفِتْنَةُ، أَيْ فَيُيَمَّمُ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (يُمِّمَ الْمَيِّتُ) بِلَا مَسٍّ، إلْحَاقًا لِفَقْدِ الْغَاسِلِ بِفَقْدِ الْمَاءِ لِتَعَذُّرِ الْغُسْلِ شَرْعًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى النَّظَرِ أَوْ الْمَسِّ الْمُحَرَّمِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي ثِيَابٍ سَابِغَةٍ وَبِحَضْرَةِ نَهْرٍ مَثَلًا وَأَمْكَنَ تَعْمِيمُهَا بِهِ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى كُلِّ بَدَنِهَا مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَلَا نَظَرٍ وَجَبَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْأَوْجَهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ لَا يُيَمَّمُ إلَّا بَعْدَ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ خِلَافًا لِمَا فِي التُّحْفَةِ مِنْ صِحَّتِهِ وَإِنْ لَمْ تَزُلْ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَقَضِيَّةُ الْمَتْنِ كَكَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُيَمَّمُ وَإِنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ خَبَثٌ، وَيُوَجَّهُ بِتَعَذُّرِ إزَالَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَحَلُّ تَوَقُّفِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ أَيْ وَالصَّلَاةِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَسِ إنْ أَمْكَنَتْ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى الْكَبِيرُ) أَيْ فَيُغَسِّلُهُ الْفَرِيقَانِ وَهَلْ لَهُ هُوَ تَغْسِيلُ الْفَرِيقَيْنِ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا هُوَ؟ قَالَ سم: نَعَمْ؛ وَيُوَجَّهُ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى عَكْسِهِ اهـ قَالَ النَّاشِرِيُّ: إنَّ الْأَجْنَبِيَّ إذَا غَسَّلَ الْخُنْثَى يَتَّجِهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُغَسَّلُ فَوْقَ ثَوْبٍ) قَالَ حَجّ عَلَى الْإِرْشَادِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، أَيْ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَجْمُوعُ مِنْ قَوْلِهِ " وَيُغَسَّلُ إلَخْ " وَقَوْلُهُ " وَيُحْتَاطُ " مَنْدُوبَانِ، الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ فِي ثَوْبٍ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ ثَوْبٍ) أَيْ فِي ثَوْبٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى بِالرَّجُلِ فِي غُسْلِهِ إلَخْ) وَهَذِهِ أَوْلَوِيَّةُ نَدْبٍ، فَلَوْ تَقَدَّمَ الْأَبْعَدُ لَمْ يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ دَرَجَةً) أَيْ جِهَةً وَفِيهِ حَوَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ لِأَنَّ الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ دَرَجَةً لَمْ يَعْلَمْ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ اتَّكَلَ عَلَى الْمُعَلَّمِ.
قَوْلُهُ: (وَهُمْ رِجَالُ الْعَصَبَةِ مِنْ النَّسَبِ) فَيُقَدَّمُ الْأَبُ ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الْأَخُ الشَّقِيقُ، ثُمَّ الْأَخُ لِأَبٍ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ، ثُمَّ عَمٌّ شَقِيقٌ، ثُمَّ عَمٌّ لِأَبٍ، ثُمَّ ابْنُ عَمٍّ شَقِيقٍ، ثُمَّ لِأَبٍ ح ل وَلَا يُنْظَرُ لِلْأَسَنِّ مَعَ

انْتَظَمَ بَيْتُ الْمَالِ، ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ، وَخَرَجَ بِدَرَجَةِ الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ صِفَةً إذْ الْأَفْقَهُ أَوْلَى مِنْ الْأَسَنِّ، وَالْأَقْرَبُ وَالْبَعِيدُ الْفَقِيهُ أَوْلَى مِنْ الْأَقْرَبِ غَيْرِ الْفَقِيهِ هُنَا عَكْسُ مَا فِي الصَّلَاةِ، وَالَأُولَى بِهَا فِي غُسْلِهَا قَرَابَاتُهَا وَأَوْلَاهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، وَهِيَ مَنْ لَوْ قُدِّرَتْ ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُهَا، وَبَعْدَ الْقَرَابَاتِ ذَاتُ وَلَاءٍ فَأَجْنَبِيَّةٌ فَزَوْجٌ فَرِجَالٌ مَحَارِمُ كَتَرْتِيبِ صِلَاتِهِمْ، فَإِنْ تَنَازَعَ مُسْتَوِيَانِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا وَالْكَافِرُ أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ.
وَلِنَحْوِ أَهْلِ مَيِّتٍ كَأَصْدِقَائِهِ تَقْبِيلُ وَجْهِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ بِخِلَافِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ وَذِكْرُهُ مَآثِرَهُ وَمَفَاخِرَهُ.

[حاشية البجيرمي]

وُجُودِ الْأَفْقَهِ وَلَا لِلْأَقْرَبِ مَعَ وُجُودِ الْفَقِيهِ ح ل. قَوْلُهُ: (ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ) أَيْ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، فَيُقَدَّمُ أَبُو الْأُمِّ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ، ثُمَّ بَنُو الْبَنَاتِ كَمَا فِي الذَّخَائِرِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، ثُمَّ الْخَالُ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ وَجَعْلُهُمْ هُنَا وَفِي الصَّلَاةِ: الْأَخُ لِلْأُمِّ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْإِرْثِ ح ل وَبَعْدَ ذَوِي الْأَرْحَام الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ الزَّوْجَةُ أَيْ الْحُرَّةُ، ثُمَّ النِّسَاءُ الْمَحَارِمُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (صِفَةٌ) فَإِنَّا لَا نُقَدِّمُ هُنَا بِالصِّفَةِ الَّتِي يُقَدِّمُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ السِّنُّ وَالْأَقْرَبِيَّةُ ح ل. قَوْلُهُ: (إذْ الْأَفْقَهُ) أَيْ بِهَذَا الْبَابِ أَوْلَى مِنْ الْأَسَنِّ وَالْأَقْرَبُ كَالْعَمِّ الْأَفْقَهِ مَعَ الْأَخِ الْأَسَنِّ مِنْهُ، فَالْعَمُّ مُقَدَّمٌ هُنَا عَلَى الْأَخِ وَالْأَخُ مُقَدَّمٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دُعَاءَ الْأَسَنِّ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَعِيدُ) أَيْ الْأَجْنَبِيُّ وَقَوْلُهُ " الْفَقِيهُ " أَيْ الْأَفْقَهُ، وَقَوْلُهُ " أَوْلَى مِنْ الْأَقْرَبِ " أَيْ الْقَرِيبِ، فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ وَقَوْلُهُ " غَيْرُ الْفَقِيهِ " أَيْ غَيْرُ الْأَفْقَهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ لَا حَقَّ لَهُ وَقَوْلُهُ " عَكْسُ مَا فِي الصَّلَاةِ " أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ، فَإِنَّ الْأَسَنَّ وَالْأَقْرَبَ يُقَدَّمَانِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَفْقَهِ وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ فَيُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ الصَّغِيرُ عَلَى الْأَسَنِّ غَيْرِ الْأَفْقَهِ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ الْقَرِيبُ عَلَى الْأَقْرَبِ الْغَيْرِ الْأَفْقَهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَدُعَاءُ الْأَسَنِّ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ.
قَوْلُهُ: (قَرَابَاتُهَا) فَيُقَدَّمْنَ حَتَّى عَلَى الزَّوْجِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَقَرَابَاتُهَا جَمْعُ قَرَابَةٍ وَهِيَ التَّعَلُّقُ وَالِارْتِبَاطُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ وَهَذِهِ لَا حَقَّ لَهَا فَكَانَ الْأَوْلَى قَرِيبَاتُهَا جَمْعُ قَرِيبَةٍ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي لَهَا حَقٌّ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: لَفْظُ قَرَابَاتٍ مِنْ كَلَامِ الْعَوَامّ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ مَصْدَرٌ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَفِيهِ أَنَّ مَحِلَّ كَوْنِ الْمَصْدَرِ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ إذَا كَانَ لِلتَّوْكِيدِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَمَا لِتَوْكِيدٍ فَوَحِّدْ أَبَدًا ... وَثَنِّ وَاجْمَعْ غَيْرَهُ وَأُفْرِدَا قَوْلُهُ: (ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) أَيْ مِنْ النَّسَبِ ح ل. قَوْلُهُ: (مَنْ لَوْ قُدِّرَتْ ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ) كَالْبِنْتِ وَالْأُمِّ وَالْأُخْتِ بِخِلَافِ بِنْتِ الْعَمِّ ح ل. قَوْلُهُ: (فَزَوْجٌ) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا م ر أج، أَيْ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَحَارِمِ لِأَنَّ مَنْظُورَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَنْظُورِهِمْ، إذْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ لِجَمِيعِ بَدَنِهَا بِخِلَافِهِمْ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُمْ النَّظَرُ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ وَالْأُخْتُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ، فَإِنَّهُنَّ يُقَدَّمْنَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّ مَنْظُورَهُ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: إلَّا مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ " إذْ الْأَفْقَهُ أَوْلَى مِنْ الْأَسَنِّ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (أَقْرَعَ) أَيْ وُجُوبًا إنْ كَانَ عِنْدَ حَاكِمٍ وَإِلَّا فَنَدْبًا لِأَجَلِ قَطْعِ النِّزَاعِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُحَرَّمْ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَافِرُ) أَيْ الْبَعِيدُ.
قَوْلُهُ: (أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ) أَيْ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْكَافِرِ أَيْ فِي غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] . اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرِيبٌ كَافِرٌ تَوَلَّاهُ الْمُسْلِمُ اط ف. قَوْلُهُ: (وَلِنَحْوِ أَهْلِ مَيِّتٍ إلَخْ) عِبَارَةُ م ر: وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِمْ كَأَصْدِقَائِهِ تَقْبِيلُ وَجْهِهِ، لِخَبَرِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبَّلَ وَجْهَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَعْدَ مَوْتِهِ» وَلِمَا فِي الْبُخَارِيِّ: " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَوْتِهِ " وَيَنْبَغِي نَدْبُهُ لِأَهْلِهِ وَنَحْوِهِمْ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، وَيَنْبَغِي جَوَازُهُ لِغَيْرِهِمْ إذَا كَانَ صَالِحًا، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَالِحًا نُدِبَ تَقْبِيلُهُ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَيَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِنَحْوِ أَهْلِهِ وَبِهَا لِغَيْرِهِمْ؛ وَهَذَا مَحِلُّهُ فِي غَيْرِ مَنْ يَحْمِلُهُ التَّقْبِيلُ عَلَى جَزَعٍ أَوْ سَخَطٍ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النِّسَاءِ وَإِلَّا حُرِّمَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَانْتِفَاءِ الْمُرُوءَةِ أَوْ يَكُونُ ثَمَّ نَحْوُ مَحْرَمِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (تَقْبِيلُ وَجْهِهِ) وَالْأَوْلَى مَحِلُّ السُّجُودِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ بِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ) بَلْ

(وَ) الثَّانِي (تَكْفِينُهُ) بَعْدَ غُسْلِهِ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَكُرِهَ مُغَالَاةٌ فِيهِ وَكُرِهَ لِأُنْثَى نَحْوُ مُعَصْفَرٍ مِنْ

[حاشية البجيرمي]

يُسْتَحَبُّ قَصْدُ كَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ نَعْيِ الْجَاهِلِيَّةِ) هُوَ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَبِكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ مَصْدَرُ نَعَاهُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (مَآثِرَهُ) الْمَآثِرُ مَا تَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ نَفْسِ الْمَيِّتِ وَالْمَفَاخِرُ مَا تَتَعَلَّقُ بِنَسَبِهِ، وَالنَّعْيُ مَكْرُوهٌ وَفِي الْمُخْتَارِ: مَآثِرُهُ جَمْعُ مَأْثُرَةٍ بِفَتْحِ الثَّاءِ وَضَمِّهَا: الْمَكْرُمَةُ، لِأَنَّهَا تُؤْثِرُ أَيْ تُذْكَرُ قَرْنًا عَنْ قَرْنٍ

قَوْلُهُ: (مِنْ حَرِيرٍ) وَيَحْرُمُ الْحَرِيرُ وَالْمُزَعْفَرُ فِي الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ فِي حَقِّهِمَا أَيْضًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ ز ي فَقَوْلُهُ " وَكُرِهَ لِأُنْثَى " لَيْسَ بِقَيْدٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعَصْفَرِ وَمَحِلُّ حُرْمَةِ تَكْفِينِ الرَّجُلِ بِالْحَرِيرِ إذَا وُجِدَ غَيْرُهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَاسْتَثْنَى فِي الْمَطْلَبِ قَتِيلَ الْمَعْرَكَةِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ حَالَ الْحَرْبِ ثَوْبُ حَرِيرٍ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُتْرَكُ إذَا لُطِّخَ بِدَمِهِ وَهَلْ الصَّبِيُّ كَالْبَالِغِ أَوْ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي حَيَاتِهِ؟ وَالْأَوْجَهُ الْمَنْعُ، وَعِبَارَةُ أج: فَيَجُوزُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ فِي الْحَرِيرِ وَالْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ الْخُنْثَى وَالْبَالِغِ فَيَمْتَنِعُ تَكْفِينُهُمَا فِي الْمُزَعْفَرِ وَالْحَرِيرِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا إلَّا الْمُعَصْفَرَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ تَكْفِينُ قَرِيبِهِ الذِّمِّيِّ فِيمَا يَمْتَنِعُ تَكْفِينُ الْمُسْلِمِ فِيهِ اهـ شَرْحُ م ر وَوَقَعَ فِي حَاشِيَةِ ز ي نَقْلًا عَنْ الْأَذْرَعِيِّ مَنْعُ تَكْفِينِ الصَّبِيِّ فِي الْحَرِيرِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا تَقَدَّمَ اهـ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الثَّوْبُ غَيْرُ الْحَرِيرِ، فَإِنْ فُقِدَ فَالْحَرِيرُ فَالْجِلْدُ فَالْحَشِيشُ فَالتَّطْيِينُ حَجّ؛ قَالَ سم: وَقَضِيَّتُهُ وُجُوبُ تَعْمِيمِهِ بِنَحْوِ الطِّينِ لِوُجُوبِ التَّعْمِيمِ فِي الْكَفَنِ، وَإِذَا كُفِّنَ فِي الْحَرِيرِ اُقْتُصِرَ عَلَى ثَوْبٍ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِهِ كَمَا قَالَهُ م ر اهـ أج قَالَ ع ش: وَفِيهِ وَقْفَةٌ، وَالْأَقْرَبُ وُجُوبُ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْحَرِيرَ يَجُوزُ فِي الْحَيِّ لِأَدْنَى حَاجَةٍ كَالْجَرَبِ وَالْحَكَّةِ وَدَفْعِ الْقُمَّلِ وَمَا هُنَا أَوْلَى اهـ. قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ مُغَالَاةٌ فِيهِ) لِخَبَرِ: «لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يَبْلَى سَرِيعًا» وَمَحِلُّ كَرَاهَةِ الْمُغَالَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ بَعْضُ الْوَرَثَةِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ غَائِبًا أَوْ الْمَيِّتُ مُفْلِسًا، وَإِلَّا حُرِّمَتْ؛ قَالَهُ م ر وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «حَسِّنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّ الْمَوْتَى تَتَبَاهَى بِأَكْفَانِهِمْ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَبْلَى سَرِيعًا وَلَا يُسْلَبُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُبَاهَاةَ إمَّا قَبْلَ الْبَلَاءِ أَوْ بَعْدَ إعَادَتِهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ وَيُكَفَّنُ بِالنَّجِسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عَارِيًّا إنْ لَمْ يُوجَدْ نَحْوُ طِينٍ وَسَتْرُ التَّابُوتِ كَالتَّكْفِينِ كَمَا قَالَهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَعِبَارَةُ خ ض: وَجَمَعَ ع ش بَيْنَ مُقْتَضَاهُ مِنْ كَوْنِهِ يَبْلَى وَبَيْنَ مُقْتَضَى خَبَرِ: «حَسِّنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِي قُبُورِهِمْ» مِنْ أَنَّ الْكَفَنَ يَسْتَمِرُّ حَالَ التَّزَاوُرِ وَبِأَنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا بِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ الَّتِي نُشَاهِدُهَا كَتَغَيُّرِ الْمَيِّتِ، وَإِذَا تَزَاوَرُوا يَكُونُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي يُدْفَنُ بِهَا، وَأُمُورُ الْآخِرَةِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ خَبَرِ أَبِي دَاوُد أَيْضًا: «إنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَيْ قَبْلَ مَا يُحْشَرُ عُرْيَانًا حَافِيًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَفَنَ يَبْلَى فِي الْقَبْرِ كَمَا تَبْلَى الْأَجْسَادُ، فَإِذَا أُعِيدَتْ الْأَجْسَادُ عَادَتْ الْأَكْفَانُ وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الْقُبُورِ وَالذَّهَابِ إلَى الْمَحْشَرِ يَحْصُلُ التَّبَاهِي بِالْأَكْفَانِ، فَإِذَا وَصَلُوا إلَى الْمَحْشَرِ تَسَاقَطَتْ الْأَكْفَانُ وَحُشِرُوا حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا أَيْ غَيْرَ مَخْتُونِينَ ثُمَّ عِنْدَ السَّوْقِ إلَى الْجَنَّةِ يُكْسَوْنَ بِحُلَلِ الْجَنَّةِ، وَأَوَّلُ مِنْ يُكْسَى إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ وَلَوْ كَفَّنَهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ التَّرِكَةِ وَأَسْرَفَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ غُرِّمَ حِصَّةَ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، فَلَوْ قَالَ: أَخْرِجُوا الْمَيِّتَ وَخُذُوهُ، لَمْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ نَبْشُ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ الْكَفَنُ مُرْتَفِعَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ زَادَ فِي الْعَدَدِ فَلَهُمْ النَّبْشُ وَإِخْرَاجُ الزَّائِدِ؛ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مُرْتَفِعِ الْقِيمَةِ وَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ حَتَّى جَازَ النَّبْشُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؟ قُلْت: الزِّيَادَةُ فِي الثَّانِي مُتَمَيِّزَةٌ فِي نَفْسِهَا بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ وَغَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ وَاحْتُرِزَ بِالْمُغَالَاةِ عَنْ تَحْسِينِهِ فِي بَيَاضِهِ وَنَظَافَتِهِ وَسُبُوغَتِهِ فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ سُلْطَانٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ وَدَفْنُهَا فِي ثِيَابِهَا الْمُثَمَّنَةِ وَلَوْ بِمَا يُسَاوِي أُلُوفًا مِنْ الذَّهَبِ كَالْبِشْتِ الْمُزَرْكَشِ بِالذَّهَبِ، وَفِي صِيغَتِهَا كَذَلِكَ؛ وَلَا يَحْرُمُ مِنْ جِهَةِ إضَاعَةِ الْمَالِ لِأَنَّ مَحِلَّ الْحُرْمَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِغَرَضٍ، وَهُوَ هُنَا إكْرَامُ الْمَيِّتِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمَوْتَى تَتَبَاهَى بِأَكْفَانِهِمْ وَأَيْضًا فِي هَذَا تَسْكِينٌ

حَرِيرٍ وَمُزَعْفَرٍ، وَأَقَلُّ الْكَفَنِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ هَلْ هُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ أَوْ جَمِيعَ الْبَدَنِ إلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَوَجْهَ الْمُحْرِمَةِ؟ وَجْهَانِ صَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ وَالشَّرْحِ الصَّغِيرِ الْأَوَّلَ، فَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، لَا بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ.
وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ الثَّانِيَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُقْرِي فِي شَرْحِ إرْشَادِهِ كَالْأَذْرَعِيِّ تَبَعًا لِجُمْهُورِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي رَوْضِهِ فَقَالَ: وَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ يَعُمُّ الْبَدَنَ، وَالْوَاجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَحَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ حَقُّ الْمَيِّتِ وَلَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَكَذَا عَلَى الثَّانِي، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ التَّقْرِيبِ وَالْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ أَيْ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ: يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ وَبَعْضُهُمْ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ كُفِّنَ بِثَوْبٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ.
وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ وَبَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ كُفِّنَ بِهَا لِمَا مَرَّ وَقِيلَ بِثَوْبٍ، وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى ثَوْبٍ فَفِي التَّهْذِيبِ يَجُوزُ وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ أَقْيَسُ أَيْ فَيَجِبُ أَنْ

[حاشية البجيرمي]

لِلْحُزْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَثَلًا إذَا رَأَتْ مَتَاعَ بِنْتِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا يَشْتَدُّ حُزْنُهَا وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْوَرَثَةِ قَاصِرٌ، وَأَنْ تَتَّفِقَ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهَا دَيْنٌ مُسْتَغْرَقٌ اهـ وَفِيهِ أَنَّ الْحُلِيَّ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْكَفَنِ.
قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ لِأُنْثَى إلَخْ) وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ لِلرَّجُلِ أَيْضًا، وَكَذَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَفَنِ شَيْءٌ مِمَّا يُخَالِفُ لَوْنَ الْبَيَاضِ، وَمِنْهُ صِبَاغُ طَرَفَيْهِ بِالزَّعْفَرَانِ وَنَحْوِهِ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (إلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ إلَخْ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: " جَمِيعُ الْبَدَنِ ". قَوْلُهُ: (صَحَّحَ) أَيْ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَا بِالرِّقِّ) لِانْقِطَاعِ الرِّقِّ بِالْمَوْتِ قَوْلُهُ: (وَجَمَعَ) أَيْ ابْنُ الْمُقْرِي بَيْنَهُمَا، أَيْ ذَكَرَهُمَا فِي رَوْضِهِ بِلَا تَرْجِيحٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " فَقَالَ إلَخْ " لَا أَنَّهُ جَمَعَ، وَقَالَ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ؛ فَمَعْنَى " وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا " أَيْ فِي الْعِبَارَةِ لَا فِي الْحُكْمِ، إذْ لَمْ يَقَعُ مِنْهُ حَمْلٌ فِي الْحُكْمِ؛ وَحِينَئِذٍ فَيَقْرَأُ فَحُمِلَ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ لِأَنَّ الْحَمْلَ مِنْ غَيْرِهِ لَا مِنْهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَعُمُّ الْبَدَنَ) هَذَا بِالنَّظَرِ لِحَقِّ الْمَيِّتِ؛ وَقَوْلُهُ " فَالْوَاجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ " هَذَا بِالنَّظَرِ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ، فَهَذَا هُوَ الْجَمْعُ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا اهـ قَوْلُهُ: (فَحَمَلَ الْأَوَّلَ) أَيْ سَاتِرَ الْعَوْرَةِ لِأَنَّهُ أَوَّلٌ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِهِ هَلْ هُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ إلَخْ، فَمُرَادُهُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ) أَيْ مَحْضُ حَقِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ) أَيْ مَا زَادَ عَلَى سَاتِرِ الْعَوْرَةِ عَلَى الْأَوَّلِ، أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَكَذَا عَلَى الثَّانِي أَيْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمُقْرِي؛ فَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي هُنَا غَيْرُهُمَا فِيمَا سَبْقِ قَوْلِهِ: (أَيْ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ) يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ نُفُوذِهَا بِإِسْقَاطِ الزَّائِدِ عَلَى الْعَوْرَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ جَمِيعُ الْبَدَنِ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَكَانَ مُقْتَضَاهُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ بِإِسْقَاطِ مَا زَادَ لَكِنْ مُنِعَتْ صِحَّتُهَا مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ الْآخَرِ وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ قَالَ سم: وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ هُنَا ثَلَاثَ وَاجِبَاتٍ: وَاجِبٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَوَاجِبٌ لِحَقِّ الْمَيِّتِ وَحَقِّ اللَّهِ وَهُوَ سَاتِرُ الْبَدَنِ، وَوَاجِبٌ لِحَقِّ الْمَيِّتِ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى سَاتِرِ كُلِّ الْبَدَنِ مِنْ الثَّوْبِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؛ وَأَنَّ الْوَاجِبَ الْأَوَّلَ لَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ بِوَصِيَّةٍ وَلَا مَنْعِ وَارِثٍ وَلَا غَرِيمٍ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ الثَّانِي كَذَلِكَ نَظَرًا لِشَائِبَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى سَاتِرِ الْعَوْرَةِ مَكْرُوهٌ؛ فَالْوَصِيَّةُ بِهِ وَصِيَّةٌ بِمَكْرُوهٍ وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَكْرُوهِ غَيْرُ نَافِذَةٍ؛ وَأَنَّ الْوَاجِبَ الثَّالِثَ يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ بِالْوَصِيَّةِ وَمَنْعُ الْغَرِيمِ وَلَا يَسْقُطُ بِمَنْعِ الْوَارِثِ اهـ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ حَقٌّ وَجَبَ لِلْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا إنْ أَوْصَى بِتَرْكِهِ أَوْ مَنَعَ الْغُرَمَاءَ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لَمْ يُوصِ) شُرُوعٌ فِي فُرُوعٍ سِتَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ) أَيْ جَوَازَ الثَّوْبِ وَقَوْلُهُ عَلَى الْخِلَافِ، أَيْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: " وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ إلَخْ " فَإِنَّهُ قِيلَ فِيهَا: يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةٍ،

يُكَفَّنَ بِثَلَاثَةٍ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَقَالَ الْغُرَمَاءُ: يُكَفَّنُ فِي ثَوْبٍ وَالْوَرَثَةُ فِي ثَلَاثَةٍ أُجِيبَ الْغُرَمَاءُ، وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: يُكَفَّنُ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ وَالْوَرَثَةُ، بِسَاتِرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ أُجِيبَ الْوَرَثَةُ وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْغُرَمَاءُ وَالْوَرَثَةُ عَلَى ثَلَاثَةٍ جَازَ بِلَا خِلَافٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكَفَنَ بِالنِّسْبَةِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْغُرَمَاءِ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةٌ فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الْمَنْعُ مِنْهَا تَقْدِيمًا لِحَقِّ الْمَالِكِ، وَفَارَقَ الْغَرِيمُ بِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ وَبِأَنَّ مَنْفَعَةَ صَرْفِ الْمَالِ لَهُ تَعُودُ إلَى الْمَيِّتِ بِخِلَافِ الْوَارِثِ فِيهِمَا هَذَا إذَا كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، أَمَّا إذَا كُفِّنَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يَلْزَمُ مَنْ يُجَهِّزُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ وَزَوْجٍ وَبَيْتِ مَالٍ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ سَاتِرٌ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ بَلْ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ، وَكَذَا إذَا كُفِّنَ مِمَّا وُقِفَ لِلتَّكْفِينِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ قَالَ: وَيَكُونُ سَابِغًا أَيْ فَلَا يَكْفِي سَتْرُ الْعَوْرَةِ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهَا حَقٌّ لِلْمَيِّتِ كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَسَيَأْتِي، وَسُنَّ مَغْسُولٌ لِأَنَّهُ لِلصَّدِيدِ، وَأَنْ يَبْسُطَ أَحْسَنَ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعَهَا

[حاشية البجيرمي]

وَقِيلَ: فِي ثَوْبٍ؛ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ أَيْ مَسْأَلَةُ الِاتِّفَاقِ فِيهَا خِلَافٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُهُ عَلَى الْخِلَافِ أَقْيَسُ، فَيَكُونُ الْمُعْتَمَدُ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ مُعْتَمَدًا هُنَا كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ " أَيْ فَيَجِبُ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (أُجِيبَ الْوَرَثَةُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَيُكَفَّنُ بِوَاحِدٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ مَعَ حَقِّ الْمَيِّتِ، فَغَلَبَ حَقُّ اللَّهِ فَلَا يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِ أَحَدٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْغُرَمَاءُ وَالْوَرَثَةُ إلَخْ) أَيْ وَلَا نَظَرَ لِبَقَاءِ ذِمَّتِهِ مُرْتَهِنَةً بِالدَّيْنِ لِأَنَّ رِضَاهُمْ قَدْ يَقْتَضِي فَكَّ ذِمَّتِهِ، قَالَ شَيْخُنَا: وَيَظْهَرُ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَوْ كَانُوا غَائِبِينَ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْوَرَثَةِ اهـ قُلْت: وَبِالْأَوْلَى إذَا كَانَ الْغُرَمَاءُ مَحْجُورًا عَلَيْهِمْ أَوْ مُفْلِسِينَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (جَازَ بِلَا خِلَافٍ) فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ الْغُرَمَاءِ مَنْعٌ وَلَا إذْنٌ كُفِّنَ بِوَاحِدٍ، فَإِنْ زَادَ الْوَارِثُ عَلَيْهِ ضَمِنَ الزَّائِدَ كَمَا ذَكَرَهُ م د. قَوْلُهُ: (وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْكَفَنَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَاتِرَ الْعَوْرَةِ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ إلَى سَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِلْمَيِّتِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مَحْضُ حَقِّ الْمَيِّتِ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا م د وَمِثْلُهُ ح ل. قَوْلُهُ: (وَبِالنِّسْبَةِ لِلْوَرَثَةِ ثَلَاثَةٌ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْوَرَثَةُ صِغَارًا أَوْ مُكَلَّفِينَ، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ إذَا خَلَّفَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا الْمَمْنُوعُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ إذَا خَلَّفَ مِنْ ذَكَرٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاجِبَةٌ وَالرَّابِعَ وَالْخَامِسَ خِلَافُ الْأَوْلَى اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ الْمَنْعُ مِنْهَا) وَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لق ل. قَوْلُهُ: (وَفَارَقَ) أَيْ الْوَارِثُ وَقَوْلُهُ الْغَرِيمُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْمَنْعُ مِنْهُمَا وَالْهَاءُ فِي حَقِّهِ لِلْغَرِيمِ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ لَهُ وَقَوْلُهُ تَعُودُ إلَى الْمَيِّتِ وَهِيَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ فِي التَّعْلِيلَيْنِ الْمَذْكُورِينَ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ وَهُوَ الْإِرْثُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لِلْمَيِّتِ بِمَا يَأْخُذُهُ الْوَارِثُ مِنْ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَزَوْجٍ) وَكَالزَّوْجَةِ الْبَائِنِ الْحَامِلِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَهَلْ يُؤْخَذُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْ تَرِكَتِهَا إنْ كَانَ لَهَا تَرِكَةٌ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ الزَّوْجَ إنْ كَانَ مُوسِرًا بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ كَمُلَ وَأَخَذَ ثَانٍ وَثَالِثٌ مِنْ تَرِكَتِهَا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِمَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاحِدِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهَا شَيْءٌ.
اهـ. م د، فَتَأَمَّلْ وَحَرِّرْ الْفَرْقَ وَعِبَارَةُ ح ل فَإِنْ أَعْسَرَ عَنْ تَجْهِيزِ الزَّوْجَةِ الْمُوسِرَةِ أَوْ عَنْ تَمَامِهِ جُهِّزَتْ أَوْ تَمَّمَ تَجْهِيزَهَا مِنْ مَالِهَا وَعِبَارَةُ ز ي وَالْعَنَانِيِّ: وَلَا يَجِبُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْ مَالِهَا إذَا كَفَّنَهَا الزَّوْجُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ وَقَوْلُ م د " إنْ كَانَ مُوسِرًا بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ إلَخْ " فِيهِ أَنَّ سَاتِرَ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ يَكُونُ سَاتِرًا لِجَمِيعِ بَدَنِهَا فَمَا مَعْنَى التَّكْمِيلِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ الْعَوْرَةُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ سَابِغًا) أَيْ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ مَغْسُولٌ) هَكَذَا فِي الْمِنْهَاجِ وَفَرْعُهُ وَغَيْرُهُمَا وَجَرَى عَلَيْهِ م ر وَغَيْرُهُ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ صَنِيعُ الْمَرْحُومِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمَذْهَبَ نَقْلًا وَدَلِيلًا أَوْلَوِيَّةُ الْجَدِيدِ وَمِنْ ثَمَّ كُفِّنَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِاتِّفَاقِهِمْ أَيْ الصَّحَابَةِ اهـ فَأَوْرَدَ الِاعْتِرَاضَ وَلَمْ يُجَبْ عَنْهُ، وَمَا دَرَى أَنَّ شَيْخَهُ الْمُحَقِّقَ الشَّوْبَرِيَّ قَالَ فِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ: قَوْلُهُمْ إنَّهُ لِلصَّدِيدِ يَرُدُّ مَا أَوْرَدَهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُفِّنَ فِي جَدِيدٍ بِحَضْرَةِ جَمْعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ عَدَمُ الْبِلَى لَا يُقَالُ يَرُدُّ الشُّهَدَاءَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذِهِ حِكْمَةٌ وَهِيَ لَا يَجِبُ اطِّرَادُهَا اهـ خ ض. قَوْلُهُ: (وَأَنْ

وَالْبَاقِي فَوْقَهَا، وَأَنْ يَذَرَ عَلَى كُلٍّ وَعَلَى الْمَيِّتِ حَنُوطًا، وَأَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا، وَأَنْ تُشَدَّ أَلْيَاهُ بِخِرْقَةٍ، وَأَنْ يُجْعَلَ عَلَى مَنَافِذِهِ قُطْنٌ عَلَيْهِ حَنُوطٌ وَتُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ، وَتُشَدُّ اللَّفَائِفُ بِشِدَادٍ خَوْفَ الِانْتِشَارِ عِنْدَ الْحَمْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا وَيَحِلُّ الشِّدَادُ فِي الْقَبْرِ.
وَمَحَلُّ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ تَرِكَتُهُ إلَّا زَوْجَةً وَخَادِمَهَا فَتَجْهِيزُهُمَا عَلَى زَوْجٍ غَنِيٍّ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ فَتَجْهِيزُهُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَيًّا فِي الْجُمْلَةِ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَنْ تَلْزَمُهُ

[حاشية البجيرمي]

يَبْسُطَ أَحْسَنَ اللَّفَائِفِ) أَيْ نَدْبًا أج.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاقِي فَوْقَهَا) أَيْ فَيَبْسُطُ الْأَحْسَنَ أَوَّلًا وَالثَّانِيَةَ، أَيْ وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْأُولَى فِي ذَلِكَ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ فَوْقَ الثَّانِيَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيَّ يَجْعَلُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ أَعْلَاهَا فَلِهَذَا يَبْسُطُ الْأَحْسَنَ أَوَّلًا لِأَنَّهُ الَّذِي يَعْلُو عَلَى كُلِّ الْكَفَنِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ أَوْسَعَ فَلِإِمْكَانِ لَفِّهِ عَلَى الضَّيِّقِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ أج.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَذَرَ) أَيْ بِالْمُعْجَمَةِ قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْمَيِّتِ) أَيْ غَيْرِ الْمُحْرِمِ أج.
قَوْلُهُ: (حَنُوطٌ) نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ، وَهُوَ يَشْمَلُ الْكَافُورَ وَذَرِيرَةَ الْقَصَبِ وَالصَّنْدَلِ دَمِيرِيٌّ؛ وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَلْقِيًا) أَيْ عَلَى ظَهْرِهِ وَيَجْعَلُ يَدَاهُ عَلَى صَدْرِهِ وَيُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ أَوْ يُرْسِلَانِ فِي جَنْبِهِ أَيُّهُمَا فَعَلَ مِنْهُمَا فَحَسَنٌ، أج.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ تُشَدَّ أَلْيَاهُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ يُدَسَّ بَيْنَهُمَا قُطْنٌ عَلَيْهِ حَنُوطٌ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَنَافِذِهِ) كَعَيْنَيْهِ وَمَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ، وَكَذَا عَلَى مَسَاجِدِهِ كَجَبْهَتِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحَلُّ الشِّدَادُ) إلَّا شِدَادَ الْأَلْيَةِ عَمِيرَةً؛ أَيْ تَفَاؤُلًا بِحَلِّ الشَّدَائِدِ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ مَعْقُودٌ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ أج.
قَوْلُهُ: (وَمَحِلُّ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ تَرِكَتُهُ) وَيُرَاعَى فِيهِ حَالُهُ سَعَةً وَضِيقًا، وَإِنْ كَانَ مُقَتِّرًا عَلَى نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ حَجّ؛ فَلَوْ مَنَعَ الْأَقَارِبُ مِنْ أَخْذِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهُ الْحَاكِمُ قَهْرًا، فَإِنْ فُقِدَ الْحَاكِمُ أَوْ خِيفَ انْفِجَارُ الْمَيِّتِ إذَا رُفِعَ الْأَمْرُ لِلْحَاكِمِ فَيَنْبَغِي جَوَازُ أَخْذِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لِلْآحَادِ وَإِنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ قَاصِرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّرِكَةِ وَيُجَابُ مَنْ قَالَ مِنْ الْوَرَثَةِ: أُكَفِّنُهُ مِنْ التَّرِكَةِ لَا مَنْ قَالَ: أُكَفِّنُهُ مِنْ مَالِي دَفَعَا لِلْمِنَّةِ عَنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَا يُكَفَّنُ فِيمَا تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ إلَّا إنْ قَبِلَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ؛ وَلَيْسَ لَهُمْ إبْدَالُهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْصَدُ تَكْفِينُهُ لِصَلَاحِهِ وَعِلْمِهِ فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ، فَإِنْ كَفَّنُوهُ فِي غَيْرِهِ رَدُّوهُ لِمَالِكِهِ وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ تَكْفِينَهُ فِيهِ كَانَ لَهُمْ أَخْذُهُ وَتَكْفِينُهُ مِنْ غَيْرِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَخَادِمَهَا) أَيْ الْمَمْلُوكَ لَهَا، فَإِنْ كَانَ مُكْتَرًى لَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَجْهِيزُهُ إلَّا إنْ كَانَ مُكْتَرًى بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَنَا شَخْصٌ تَجِبُ مُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ وَلَيْسَ قَرِيبًا وَلَا زَوْجَةً وَلَا مَمْلُوكًا ح ل. قَوْلُهُ: (عَلَى زَوْجٍ غَنِيٍّ) أَيْ وَلَوْ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْ التَّرِكَةِ وَالْمُرَادُ بِالْغِنَى غِنَى الْفِطْرَةِ، وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى الْكَفَنِ مَا يَكْفِي مُمَوِّنَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَمَا قَالَهُ ع ش وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَانَ غَائِبًا فَجَهَّزَ الزَّوْجَةَ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِهَا أَوْ غَيْرِهِ رَجَعُوا عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ إنْ فَعَلُوهُ بِإِذْنِ حَاكِمٍ يَرَاهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ وَقِيَاسُ نَظَائِرِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ كَفَى الْمُجْهِزَ الْإِشْهَادُ عَلَى أَنَّهُ جَهَّزَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ شَرْحُ م ر وَمِثْلُ غَيْبَةِ الزَّوْجِ غَيْبَةُ الْقَرِيبِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمَيِّتِ فَكَفَّنَهُ شَخْصٌ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَخَرَجَ بِالزَّوْجِ ابْنُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَإِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهَا فِي الْحَيَاةِ كَمَا قَالَهُ حَجّ وَلَوْ أَوْصَتْ بِذَلِكَ مِنْ مَالِهَا تَوَقَّفَتْ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ وَهُوَ الزَّوْجُ حَيْثُ أَسْقَطَتْ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَوَابِعِ مَا يَجِبُ لَهَا فِي الْحَيَاةِ، وَالْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يُنْفِقُ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَقَدْ زَالَ، فَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالزَّوْجُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الزَّوْجَةَ الَّتِي تَجِبُ نَفَقَتُهَا مُؤَنُ تَجْهِيزِهَا عَلَى الزَّوْجِ الْمُوسِرِ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَى الزَّوْجِ مُطْلَقًا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْ مَالِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَفِي مَالِهَا مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا فِي زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَلَى الرَّحَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ وَلَوْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَيَدْخُلُ الْمُكَاتَبُ إذَا مَاتَ فَعَلَى سَيِّدِهِ تَجْهِيزُهُ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ أَوْ بَعْدَ انْفِسَاخِهَا، وَيَدْخُلُ الْوَلَدُ الْكَبِيرُ فَإِنَّهُ بِالْمَوْتِ صَارَ عَاجِزًا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (مِنْ قَرِيبٍ) أَصْلٌ أَوْ فَرْعٌ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ لِعَجْزِهِ بِمَوْتِهِ؛ وَلَوْ مَاتَ مَنْ لَزِمَهُ تَجْهِيزُ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ تَجْهِيزِهِ وَتَرِكَتُهُ لَا تَفِي إلَّا بِتَجْهِيزِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ قُدِّمَ الثَّانِي عَلَى الْأَوْجَهِ لِتَبَيُّنِ عَجْزِهِ عَنْ تَجْهِيزِ غَيْرِهِ، وَأَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ م ر كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ وَلَدُهُ فِي شَرْحِهِ وَأَمَّا الْمُبَعِّضُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً فَالْحُكْمُ وَاضِحٌ، وَإِلَّا فَعَلَى ذِي

نَفَقَتُهُ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ.

(وَ) الثَّالِثُ (الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
قَالَ: كَذَا الْإِيصَاءُ بِالثُّلُثِ.
وَشَرَطَ لِصِحَّتِهَا شُرُوطَ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ، وَتَقَدَّمَ طُهْرُ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَوْ

[حاشية البجيرمي]

النَّوْبَةِ؛ فَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُهُ فِي أَيْ نَوْبَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُلًّا مُهَايَأَةً، فَعَلَى سَيِّدِهِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الرِّقِّ وَالْبَاقِي مِنْ تَرِكَتِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ) فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْتُ الْمَالِ فَعَلَى مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ يَمْلِكُ زِيَادَةً عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ لِمُمَوَّنِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمَيَاسِيرِ أَنَّهُمْ فِي الْأَوَّلِ عَبَّرُوا فِيهِ بِالْغِنَى وَفِي الثَّانِي بِالْيَسَارِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فَرْعٌ: يَحْرُمُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ عَلَى الْكَفَنِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ صَدِيدِ الْمَوْتَى، وَمِثْلُهُ كُلُّ اسْمٍ مُعَظَّمٍ وَاِتِّخَاذُ الْكَفَنِ مَكْرُوهٌ إلَّا مِنْ حِلٍّ أَوْ مِنْ أَثَرِ صَالِحٍ، وَلِلْوَارِثِ إبْدَالُهُ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ لَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْفِينُهُ فِيهِ؛ كَمَا يَجُوزُ لَهُ نَزْعُ ثِيَابِ الشَّهِيدِ الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ وَتَكْفِينُهُ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَثَرُ الْعِبَادَةِ الشَّاهِدَةِ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، بِخِلَافِ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ اتِّخَاذُهُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَا يُنْدَبُ أَنْ يُعِدَّ لِنَفْسِهِ كَفَنًا لِئَلَّا يُحَاسَبَ عَلَى اتِّخَاذِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ حِلٍّ وَأَثَرٍ ذِي صَلَاحٍ فَحَسَنٌ إعْدَادُهُ، لَكِنْ لَا يَجِبُ تَكْفِينُهُ فِيهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ بَلْ لِلْوَرَثَةِ إبْدَالُهُ؛ لَكِنَّ قَضِيَّةَ بِنَاءِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ ذَلِكَ عَلَى مَا لَوْ قَالَ: اقْضُوا دَيْنِي مِنْ هَذَا الْمَالِ الْوُجُوبُ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُومِئُ إلَيْهِ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَالْمُتَّجَهُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَثِيَابِ الشَّهِيدِ الْمُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ لَهُ نَزْعُهَا وَإِبْدَالُهَا؛ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ فِي الْمَبْنِيِّ وَالْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ثِيَابِ الشَّهِيدِ وَاضِحٌ إذْ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةُ أَمْرِ الْمُوَرِّثِ بِخِلَافِهِ فِيهِمَا.
اهـ.

قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) وَشُرِعَتْ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكَّةَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ وَذَكَرَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَكِنْ ذَكَرَ مَا يُخَالِفُهُ فِي الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ حَيْثُ قَالَ: وَرُوِيَ أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا تُوُفِّيَ أُتِيَ لَهُ بِحَنُوطٍ وَكَفَنٍ مِنْ الْجَنَّةِ وَنَزَلَتْ الْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ فِي وِتْرٍ مِنْ الثِّيَابِ وَحَنَّطُوهُ، وَتَقَدَّمَ مَلَكٌ مِنْهُمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ، ثُمَّ أَقْبَرُوهُ وَأَلْحَدُوهُ وَنَصَبُوا اللَّبِنَ عَلَيْهِ وَابْنُهُ شِيثٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الَّذِي هُوَ وَصِيُّهُ مَعَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا لَهُ: هَكَذَا فَاصْنَعْ بِوَلَدِك وَإِخْوَتِك فَإِنَّهَا سُنَّتُكُمْ، هَذَا كَلَامُهُ، أَيْ وَيَبْعُدُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ أَيْ يَبْعُدُ عَدَمُ الْفِعْلِ بَلْ فَعَلَ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ مُجَرَّدُ الدُّعَاءِ لَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الْمَعْرُوفَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى التَّكْبِيرِ لَكِنْ يُبْعِدُهُ مَا فِي الْعَرَائِسِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: " أَنَّ آدَمَ لَمَّا مَاتَ قَالَ وَلَدُهُ شِيثٌ لِجِبْرِيلَ: صَلِّ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَنْتَ مُقَدَّمٌ فَصَلِّ عَلَى أَبِيك، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ ثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً " وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ التَّكْفِينَ وَالْغُسْلَ وَالصَّلَاةَ وَالدَّفْنَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّكْبِيرِ لَا مُجَرَّدِ الدُّعَاءِ.
وَحِينَئِذٍ لَا يَحْسُنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْرُوفَةً لِقُرَيْشٍ، إذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَفَعَلُوا ذَلِكَ؛ وَسَيَأْتِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَأَيْضًا لَوْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً لَهُمْ لَصَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَمَنْ مَاتَ قَبْلَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَالسَّكْرَانِ ابْنِ عَمِّ سَوْدَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - الَّذِي هُوَ زَوْجُهَا، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ قَدْ مَاتَ فَذَهَبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ فِي الْمَدِينَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَمَعْرُورٌ مَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ مَقْصُودٌ لَا يُقَالُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ مُجَرَّدَ الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ جَاءَ أَنَّهُ كَبَّرَ فِي صَلَاتِهِ أَرْبَعًا، وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الصَّلَاةَ تِسْعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُمْ السُّهَيْلِيُّ وَبِمَا ذَكَرَ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الْمَدَابِغِيِّ فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ " وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ " أَيْ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى آدَمَ دُعَاءٌ فَلَا تُرَدُّ اهـ. قَوْلُهُ: (شُرُوطُ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ) أَيْ مِمَّا يَتَأَتَّى مَجِيئُهُ هُنَا، بِخِلَافِ دُخُولِ الْوَقْتِ الشَّرْعِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَقَدُّمٌ) بِضَمِّ الدَّالِ وَالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " شُرُوطُ " وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ حَاضِرًا وَلَوْ فِي قَبْرٍ، وَأَنْ

تَعَذَّرَ كَأَنْ وَقَعَ فِي حُفْرَةٍ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ وَطُهْرُهُ لَمْ يُصْلَ عَلَيْهِ.
وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَبْلَ تَكْفِينِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِازْدِرَاءِ بِالْمَيِّتِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، كَالْمَكْتُوبَةِ بَلْ تُسَنُّ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ» وَيَكْفِي فِي إسْقَاطِ فَرْضِهَا ذَكَرٌ وَلَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا لِلرَّجُلِ لَا غَيْرِهِ مِنْ خُنْثَى وَامْرَأَةٍ مَعَ وُجُودِ الذَّكَرِ لِأَنَّ الذَّكَرَ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِ فَدُعَاؤُهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ، وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْنِ، وَتَصِحُّ عَلَى قَبْرِ غَيْرِ نَبِيٍّ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَتَصِحُّ عَلَى

[حاشية البجيرمي]

لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا تَنْزِيلًا لِلْمَيِّتِ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يُوجَدَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَحِلُّ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا فِي الدَّوَامِ بِأَنْ رُفِعَتْ الْجِنَازَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَزَادَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرَ أَوْ حَالَ حَائِلٌ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (كَالْمَكْتُوبَةِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا يُنَافِي اشْتِرَاطَهَا فِي بَعْضِهَا كَالْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِي الْمَجْمُوعَةِ بِالْمَطَرِ تَقْدِيمًا وَفِي الْمُعَادَةِ.
قَوْلُهُ: (مَا مِنْ رَجُلٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعُونَ رَجُلًا) هَذَا يَصْدُقُ بِصَلَاتِهِمْ فُرَادَى فَلَا يَدُلُّ عَلَى سَنِّ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ تُفْهَمُ مِنْهُ، فَرُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ هَذَا الْعَدَدِ مَعَ أَنَّ الْمُدَّعَى أَعَمُّ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي فِي إسْقَاطِ فَرْضِهَا ذَكَرٌ وَلَوْ صَبِيًّا) وَلَوْ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ؛ عِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِصَلَاةِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَفَارَقَ سُقُوطُ الْفَرْضِ هُنَا عَدَمَ سُقُوطِهِ بِهِ فِي رَدِّ السَّلَامِ بِأَنَّ السَّلَامَ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَالِمٌ مِنْ الْآخَرِ وَآمِنٌ مِنْهُ، وَأَمَانُ الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ صَلَاتِهِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِصَلَاةِ النِّسَاءِ مَعَ ذَكَرٍ وَلَوْ صَبِيًّا لِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْهُنَّ اهـ وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَكْفِي فِي أَرْبَعَةٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَهِيَ: رَدُّ السَّلَامِ وَالْجَمَاعَةُ وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ الصَّبِيُّ كَالْجِنَازَةِ وَالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْكَامِلِينَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَبِيًّا مُمَيِّزًا) فَلَوْ حَضَرَ مَعَ امْرَأَةٍ كَانَ الْمُتَوَجَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَمْرَهُ بِالصَّلَاةِ، كَالْوَلِيِّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ بِالصَّلَاةِ وَالْخُنْثَى فِيمَا ذَكَرَ كَالْمَرْأَةِ؛ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْخَنَاثَى لَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ الْجَمِيعِ فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِوَاحِدٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ ذَكَرٌ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (مَعَ وُجُودِ الذَّكَرِ) أَظْهَرُ فِي مَحِلِّ الْإِضْمَارِ لِلْإِيضَاحِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِوُجُودِهِ فِي مَحِلِّ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ لَا وُجُودِهِ مُطْلَقًا وَلَا فِي دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ شَرْحُ م ر أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَتَلْزَمُهُنَّ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِهِنَّ، وَتُسَنُّ لَهُنَّ الْجَمَاعَةُ كَمَا بَحَثَهُ زَكَرِيَّا وحج وَلَوْ حَضَرَ رَجُلٌ بَعْدَ صَلَاتِهِنَّ لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِعَادَةُ؛ وَلَوْ حَضَرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَقَبْلَ فَرَاغِهَا فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ أَوْ لَا؟ مَحِلُّ تَرَدُّدٍ وَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِاللُّزُومِ.
اهـ. شَوْبَرِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْنِ) فَإِنْ دُفِنَ قَبْلَهَا أَثِمَ الدَّافِنُونَ وَصُلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَلَا يُنْبَشُ؛ فَوُجُوبُ تَقْدِيمِهَا عَلَى الدَّفْنِ لَيْسَ لِأَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ عَلَى قَبْرِ غَيْرِ نَبِيٍّ إلَخْ) أَيْ عَلَى صَاحِبِهِ، أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْبِلَى وَالِانْدِرَاسِ، وَيَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَقْبَرَةِ الْمَنْبُوشَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ فِي الْمَنْبُوشَةِ مُشْكِلٌ لِلْعِلْمِ بِنَجَاسَةِ مَا تَحْتَ الْمَيِّتِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْمَنْبُوشَةِ ع ش عَلَى م ر وَذَكَرَ ق ل خِلَافَهُ حَيْثُ قَالَ: نَعَمْ لَا يَضُرُّ اتِّصَالُ نَجَاسَةٍ بِهِ فِي الْقَبْرِ لِأَنَّهُ كَانْفِجَارِهِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ نَبِيٍّ) أَمَّا عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ فَلَا تَصِحُّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ أَيْ بِصَلَاتِهِمْ إلَيْهَا وَدَلَالَةُ هَذَا عَلَى الْمُدَّعَى إنَّمَا هِيَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَانُوا يُصَلُّونَ الْمَكْتُوبَةَ لِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُدَّعَى هُنَا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَتُقَاسُ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ الَّتِي وَرَدَ اللَّعْنُ فِيهَا وَقَوْلُهُ " اتَّخَذُوا " يُشْعِرُ بِالتَّكَرُّرِ، وَالْمُدَّعَى هُنَا أَعَمُّ وَقَوْلُهُ " مَسَاجِدَ " أَيْ قِبَلًا يُصَلُّونَ إلَيْهَا؛ قَالَ السُّيُوطِيّ: هَذَا فِي، الْيَهُودِ وَاضِحٌ لِأَنَّ نَبِيَّهُمْ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَاتَ، وَفِي

غَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ وَالْغَائِبِ عَنْ الْبَلَدِ مِمَّنْ كَانَ أَهْلَ فَرْضِهَا وَقْتَ مَوْتِهِ، قَالُوا: لِأَنَّ غَيْرَهُ مُتَنَفِّلٌ وَهَذِهِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا.
وَنَازَعَ الْإِسْنَوِيُّ فِي اعْتِبَارِ وَقْتِ الْمَوْتِ قَالَ: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغُسْلِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ بَلْ لَوْ زَالَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ الصَّلَاةِ وَأَدْرَكَ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا فِيهِ فَكَذَلِكَ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَالتَّعْبِيرُ بِالْمَوْتِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ.
وَالْأَوْلَى بِإِمَامَةِ صَلَاةِ الْمَيِّتِ أَبٌ وَإِنْ أَوْصَى بِهَا لِغَيْرِهِ، فَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، فَابْنٌ فَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، فَبَاقِي الْعَصَبَةِ بِتَرْتِيبِ الْإِرْثِ، فَذُو رَحِمٍ.
وَيُقَدَّمُ حُرٌّ عَدْلٌ عَلَى عَبْدٍ أَقْرَبَ مِنْهُ وَلَوْ أَفْقَهَ وَأَسَنَّ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ فَلَا حَقَّ فِيهَا لِلزَّوْجِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ لَكِنَّ مَحِلَّهُ إذَا وُجِدَ مَعَ الزَّوْجِ غَيْرُ الْأَجَانِبِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ

[حاشية البجيرمي]

النَّصَارَى مُشْكِلٌ لِأَنَّ نَبِيَّهُمْ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ تُقْبَضْ رُوحُهُ؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ لَهُمْ أَنْبِيَاءً بِزَعْمِهِمْ كَالْحَوَارِيِّينَ وَمَرْيَمَ أَوْ الْمُرَادُ بِالْأَنْبِيَاءِ مَا يَشْمَلُ الصُّلَحَاءَ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْبَلَدِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ بِالْغَائِبِ مِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْحُضُورُ وَلَوْ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ ق ل وسم.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَالْمُصَلِّي مُسْتَقْبِلُهَا، لَكِنَّهَا لَا تُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ الْحَاضِرِينَ عِنْدَ الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِصَلَاةِ غَيْرِهِمْ مَرْحُومِيٌّ وَلَوْ صَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ أَوْ سَنَتِهِ وَظَهَرَ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ جَازَتْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُمْ، بَلْ يُسَنُّ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزَةٌ وَتَعْيِينُهُ غَيْرُ شَرْطٍ أَوْ يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ: اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، دُونَ أَنْ يَقُولَ " اللَّهُمَّ إنْ كَانُوا مُحْسِنِينَ إلَخْ " لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلُّهُمْ مُحْسِنِينَ وَلَا مُسِيئِينَ اهـ شَرْحُ م ر وع ش عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا: لِأَنَّ غَيْرَهُ إلَخْ) يُمْكِنُ أَنَّ وَجْهَ التَّبَرِّي أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ صِحَّتُهَا مِنْ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالنِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَسُقُوطُ الْفَرْضِ بِفِعْلِهِمْ، شَوْبَرِيُّ وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى " لَا يَتَنَفَّلُ بِهَا " أَيْ لَا يُؤْتَى بِهَا ابْتِدَاءً عَلَى صُورَةِ النَّفْلِيَّةِ، أَيْ مِنْ غَيْرِ جِنَازَةٍ بِأَنْ يُصَلِّيَهَا بِلَا سَبَبٍ، أَوْ الْمَعْنَى: لَا يَطْلُبُ تَكْرَارَهَا مِمَّنْ فَعَلَهَا أَوَّلًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " قَالُوا لِأَنَّ غَيْرَهُ إلَخْ " أَيْ لِأَنَّ غَيْرَ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِفَرْضِهَا وَقْتَ الْمَوْتِ، وَالْغَيْرُ هُوَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ؛ وَوَجْهُ التَّبَرِّي أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ لَا يَصِحُّ إلَّا لَوْ صَلَّاهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فِي حَالِ صِبَاهُ أَوْ جُنُونِهِ، وَالْمُدَّعَى أَنَّهُ مَتَى كَانَ وَقْتَ الْمَوْتِ صَبِيًّا مَثَلًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ سَوَاءً صَلَّى حَالَةَ الصِّبَا أَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَهُوَ بَعْدَ الْبُلُوغِ غَيْرُ مُتَنَفِّلٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُؤْثَرْ) أَيْ فِي الصِّحَّةِ، أَيْ لَا يَكُونُ هَذَا مُقْتَضِيًا لِلصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ لَوْ زَالَ) أَيْ الْمَانِعُ كَالصِّبَا وَالْجُنُونِ بَعْدَ الْغُسْلِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَكَذَلِكَ) أَيْ تَصِحُّ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا قَبْلَ الدَّفْنِ بِزَمَنٍ يُمْكِنُ فِعْلُهَا فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا طَاهِرًا مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ.
اهـ. ق ل فَخَرَجَتْ النِّسَاءُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا عِنْدَ فَقْدِ الذُّكُورِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ، فَالْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ " طَاهِرًا " لِأَنَّ النِّسَاءَ يَصْدُقُ عَلَيْهِنَّ أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا عِنْدَ فَقْدِ الذُّكُورِ وَلَوْ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى بِإِمَامَةٍ إلَخْ) هَذِهِ أَوْلَوِيَّةُ نَدْبٍ، فَلَوْ تَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُ مَنْ هِيَ حَقُّهُ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا صَحَّتْ الصَّلَاةُ وَلَا يَحْرُمُ، وَلَوْ أَنَابَ مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّقَدُّمِ غَيْرَهُ فَنَائِبُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبْعَدِ؛ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَوْصَى) أَيْ الْمَيِّتُ بِهَا لِغَيْرِهَا، أَيْ لِغَيْرِ الْأَبِ، فَلَا عِبْرَةَ بِوَصِيَّتِهِ؛ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَنْفِيذُهَا وَفَاءً لِغَرَضِ الْمَيِّتِ وَهَذِهِ الْغَايَةُ تَجْرِي فِي الْجَمِيعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فَبَاقِي الْعَصَبَةِ) أَيْ مِنْ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَذُو رَحِمٍ) وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَشْمَلُ الْأَخَ لِلْأُمِّ، فَيُقَدَّمُ مِنْهُمْ أَبُو الْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ ثُمَّ الْخَالُ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (حُرٌّ عَدْلٌ) أَيْ قَرِيبٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ أَقْرَبُ مِنْهُ قَوْلُهُ: (فَلَا حَقَّ فِيهَا) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ " وَالْأَوْلَى بِإِمَامَةِ صَلَاةِ الْمَيِّتِ إلَخْ " أَيْ فَعُلِمَ مِنْ اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا حَقَّ فِيهَا لِلزَّوْجِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِلزَّوْجِ) أَيْ غَيْرِ الْقَرِيبِ، أَمَّا هُوَ كَابْنِ الْعَمِّ فَلَهُ حَقٌّ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِلْمَرْأَةِ) أَيْ مُطْلَقًا مِنْ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَةِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي وَلَك أَنْ تَخُصَّ الْمَرْأَةَ بِالْأُنْثَى مِنْ الْأَقَارِبِ وَتُعَمِّمَ فِي الزَّوْجِ أَيْ الشَّامِلِ لِلْأُنْثَى وَتُعَمِّمَ فِي قَوْلِهِ " مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَجَانِبِ " أَيْ مِنْ الذُّكُورِ

ذَكَرٌ أَوْ خُنْثَى وَإِلَّا فَالزَّوْجُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَجَانِبِ، وَالْمَرْأَةُ تُصَلِّي وَتُقَدَّمُ بِتَرْتِيبِ الذِّكْرِ، وَيُقَدَّمُ الْعَبْدُ الْقَرِيبُ عَلَى الْحُرِّ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْعَبْدُ الْبَالِغُ عَلَى الْحُرِّ الصَّبِيِّ، وَشَرْطُ الْمُقَدَّمِ أَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا كَمَا فِي الْغُسْلِ، فَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي دَرَجَةٍ قُدِّمَ الْأَسَنُّ فِي الْإِسْلَامِ الْعَدْلُ عَلَى الْأَفْقَهِ مِنْهُ عَكْسُ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا الدُّعَاءُ، وَدُعَاءُ الْأَسَنِّ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَقِفَ غَيْرُ الْمَأْمُومِ مِنْ إمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ عِنْدَ رَأْسِ ذَكَرٍ وَعَجُزِ غَيْرِهِ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى لِلِاتِّبَاعِ، وَتَجُوزُ عَلَى جَنَائِزَ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ بِرِضَا أَوْلِيَائِهَا لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الدُّعَاءُ، وَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ الْأَسْبَقُ مِنْ الذُّكُورِ أَوْ الْإِنَاثِ أَوْ الْخَنَاثَى وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَفْضَلَ، فَلَوْ سَبَقَتْ أُنْثَى ثُمَّ حَضَرَ رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ أُخِّرَتْ عَنْهُ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى، وَلَوْ حَضَرَ خَنَاثَى مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ جُعِلُوا صَفًّا عَنْ يَمِينِهِ رَأْسُ كُلٍّ مِنْهُمْ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ لِئَلَّا تَتَقَدَّمَ أُنْثَى عَلَى ذَكَرٍ، وَلَوْ وُجِدَ جُزْءُ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ غَيْرِ شَهِيدٍ صُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ غُسْلِهِ وَسُتِرَ بِخِرْقَةٍ وَدُفِنَ كَالْمَيِّتِ الْحَاضِرِ، وَإِنْ كَانَ الْجُزْءُ ظُفْرًا أَوْ شَعْرًا لَكِنْ لَا يُصَلَّى عَلَى

[حاشية البجيرمي]

فِي الذَّكَرِ وَالْإِنَاثِ فِي الْأُنْثَى، وَكِلَا الْمَسْلَكَيْنِ صَحِيحٌ.
اهـ. شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْأَةُ تُصَلِّي) أَيْ إمَامًا أَيْ الشَّامِلَةُ لِلْمُحْرِمِ تُصَلِّي بِتَرْتِيبِ الذَّكَرِ، فَيُقَدَّمُ الْأُصُولُ ثُمَّ الْفُرُوعُ ثُمَّ الْحَوَاشِي عَلَى مَا مَرَّ ثُمَّ الزَّوْجَةُ؛ يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ " بِتَرْتِيبِ الذَّكَرِ " هَكَذَا أَفْهَمُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا يُخَالِفُهُ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ) أَيْ فِي الْإِمَامَةِ وَقَوْلُهُ " بِتَرْتِيبِ الذَّكَرِ " أَيْ فَتُقَدَّمُ الْأُمُّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا ثُمَّ الْبِنْتُ ثُمَّ الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ ز ي. قَوْلُهُ: (وَيُقَدَّمُ الْعَبْدُ الْقَرِيبُ) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَا بَالِغَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ ح ل. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا) وَلَا فَاسِقًا وَلَا مُبْتَدِعًا وَلَا عَدُوًّا قَوْلُهُ: (فَلَوْ اسْتَوَى اثْنَانِ) كَابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ؛ وَالتَّقَدُّمُ فِي الْأَجَانِبِ بِمَا يُقَدَّمُ بِهِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السِّنِّ قُدِّمَ الْأَفْقَهُ فَالْأَقْرَأُ فَالْأَوْرَعُ بِالتَّرْتِيبِ السَّابِقِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (الْعَدْلُ) أَمَّا غَيْرُ الْعَدْلِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْإِمَامَةِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْغَرَضَ هُنَا الدُّعَاءُ) لَا يُقَالُ الْأَقْرَبِيَّةُ حَاصِلَةٌ مَعَ كَوْنِ الْأَسَنِّ مَأْمُومًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ رُبَّمَا يُعَجِّلُهُ عَمَّا يَفْرُغُ وُسْعُهُ فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ لِقَرِيبِهِ بِمَجَامِعِ الْخَيْرِ وَمُهِمَّاتِهِ.
اهـ. حَجّ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ رَأْسِ ذَكَرٍ إلَخْ) عِبَارَةُ ع ش: وَتُوضَعُ رَأْسُ الذَّكَرِ لِجِهَةِ يَسَارِ الْإِمَامِ وَيَكُونُ غَالِبُهُ لِجِهَةِ يَمِينِهِ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ الْآنَ، أَمَّا الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى فَيَقِفُ الْإِمَامُ عِنْدَ عَجِيزَتِهِمَا وَيَكُونُ رَأْسَهُمَا لِجِهَةِ يَمِينِهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ الْآنَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَعَجُزِ غَيْرِهِ) وَلَوْ فِي الْقَبْرِ، شَوْبَرِيُّ وَحِكْمَةُ الْمُخَالَفَةِ الْمُبَالَغَةُ فِي سَتْرِ غَيْرِ الذَّكَرِ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِرِضَا أَوْلِيَائِهَا) فَإِنْ لَمْ تَرْضَ الْأَوْلِيَاءُ هَلْ يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ؟ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ وَيَجُوزُ عَلَى جَنَائِزِ الْحُرْمَةِ إلَخْ حَرِّرْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا الدُّعَاءُ) أَيْ وَالْجَمْعُ فِيهِ مُمْكِنٌ وَالْأَوْلَى إفْرَادُ كُلٍّ بِصَلَاةٍ إنْ أَمْكَنَ، وَعَلَى الْجَمْعِ إنْ حَضَرَتْ دَفْعَةٌ أَقْرَعَ بَيْنَ الْأَوْلِيَاءِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ أَيْ لِيَؤُمَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْقَوْمِ.
قَوْلُهُ: (الْأَسْبَقُ) فَإِنْ حَضَرُوا مَعًا وَتَمَحَّضُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا أَوْ خَنَاثَى قُدِّمَ إلَيْهِ أَفْضَلُهُمْ بِالْوَرَعِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُرْغَبُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، لَا بِالْحُرِّيَّةِ لِانْقِطَاعِ الرِّقِّ بِالْمَوْتِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ أَفْضَلَ) وَلَوْ نَبِيًّا ح ف. قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى) فَيُؤَخَّرُ الْخُنْثَى لِلرَّجُلِ وَالصَّبِيِّ، وَتُؤَخَّرُ الْمَرْأَةُ لِلْخُنْثَى، وَلَا يُؤَخَّرُ الصَّبِيُّ لِلرَّجُلِ ق ل. قَوْلُهُ: (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (رَأْسُ كُلٍّ) وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى الْإِمَامِ عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْأَبْعَدُ عَنْ الْإِمَامِ، لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْخُنْثَى تُجْعَلُ رَأْسُهُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَيَقِفُ الْإِمَامُ عِنْدَ عَجِيزَةِ الْخُنْثَى الَّتِي تَلِيهِ وَرَأْسُهَا عَنْ يَمِينِهِ؛ فَاَلَّذِي يُوضَعُ بَعْدَهُ يَكُونُ رِجْلُهُ عِنْدَ رَأْسِ الْمَوْضُوعِ قَبْلَهُ لِيَكُونَ رَأْسُ كُلٍّ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وُجِدَ جُزْءُ مَيِّتٍ) أَيْ تَحَقَّقَ انْفِصَالُهُ مِنْهُ حَالَ مَوْتِهِ أَوْ فِي حَيَاتِهِ وَمَاتَ عَقِبَهُ فَخَرَجَ الْمُنْفَصِلُ مِنْ حَيٍّ وَلَمْ يَمُتْ عَقِبَهُ إذَا وُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ مُوَارَاتُهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ.
اهـ. م د وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِصَلَاتِهِمْ عَلَى يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ وَقَدْ أَلْقَاهَا طَائِرٌ بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَعَرَفُوهَا بِخَاتَمِهِ مَعَ أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي مَوْتِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ عَرَفُوا مَوْتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَاسْتُفِيضَ اهـ شَرْحُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَسُتِرَ بِخِرْقَةٍ) هَلْ يَجِبُ ثَلَاثُ خِرَقٍ سَابِغَةٍ إذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ كَمَا فِي الْجُمْلَةِ أَمْ لَا؟ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْجُمْلَةِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، حَرِّرْهُ.
اهـ. سم عَلَى حَجّ قُلْت: الثَّانِي

الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا قَالَهُ فِي الْعِدَّةِ وَإِنْ خَالَفَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَإِنَّمَا يُصَلَّى عَلَى الْجُزْءِ بِقَصْدِ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ

(وَ) الرَّابِعُ (دَفْنُهُ) فِي قَبْرٍ، وَأَقَلُّهُ حُفْرَةٌ تَمْنَعُ بَعْدَ رَدْمِهَا ظُهُورَ رَائِحَةٍ مِنْهُ فَتُؤْذِي الْحَيَّ، وَتَمْنَعُ نَبْشَ سَبُعٍ لَهَا فَيَأْكُلُ الْمَيِّتَ فَتُنْتَهَكُ حُرْمَتُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِمَا إنْ كَانَا مُتَلَازِمَيْنِ بَيَانُ فَائِدَةِ الدَّفْنِ وَإِلَّا فَبَيَانُ وُجُوبِ رِعَايَتِهِمَا فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا.
اهـ. وَالظَّاهِرُ الثَّانِي.
وَخَرَجَ بِالْحُفْرَةِ مَا لَوْ وُضِعَ الْمَيِّتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجُعِلَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَعَذَّرْ الْحَفْرُ وَسَيَأْتِي أَكْمَلُهُ فِي كَلَامِهِ.

(وَاثْنَانِ لَا يُغْسَلَانِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمَا) لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمَا.
الْأَوَّلُ (الشَّهِيدُ) وَلَوْ أُنْثَى وَرَقِيقًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ إذَا

[حاشية البجيرمي]

هُوَ الظَّاهِرُ لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى الْخِرْقَةِ، وَمِثْلُ الْغُسْلِ التَّيَمُّمُ إنْ كَانَ تَيَمُّمٌ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَإِلَّا فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحِلَّ تَيَمُّمٍ وَتَعَذَّرَ غُسْلُهُ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ح ل. قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ أَيْ وَلَا تُغَسَّلُ وَتُدْفَنُ وُجُوبًا وَيُنْدَبُ سَتْرُهَا بِخِرْقَةٍ، قَالَ م د: بِخِلَافِ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِقَصْدِ الْجُمْلَةِ) فَيَقُولُ نَوَيْت أُصَلِّي عَلَى جُمْلَةِ مَا انْفَصَلَ مِنْهُ هَذَا الْجُزْءُ ح ل قَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: أَيْ وُجُوبًا إنْ كَانَتْ بَقِيَّتُهُ غُسِّلَتْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَنَدْبًا إنْ كَانَتْ صُلِّيَ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ تُغَسَّلْ الْبَقِيَّةُ وَجَبَ الصَّلَاةُ عَلَى الْعُضْوِ بِنِيَّتِهِ فَقَطْ، فَإِنْ نَوَى الْجُمْلَةَ لَمْ تَصِحَّ، فَإِنْ شَكَّ فِي غُسْلِ الْبَقِيَّةِ لَمْ تَجُزْ نِيَّتُهُ إلَّا إذَا عَلَّقَ اهـ حَجّ وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا م د وَقَوْلُهُ: " إلَّا إذَا عَلَّقَ " بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت أُصَلِّي عَلَى جُمْلَةِ مَا انْفَصَلَ مِنْهُ هَذَا الْجُزْءُ إنْ كَانَتْ غُسِّلَتْ وَإِلَّا فَعَلَى هَذَا الْجُزْءِ فَقَطْ؛ وَهَذَا تَعْلِيقٌ بِمُقْتَضَى الْحَالِ فَلَا يَضُرُّ وَمَحِلُّ قَوْلِهِمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ يُنَافِي النِّيَّةَ فِيمَا إذَا كَانَ تَعْلِيقًا بِغَيْرِ مُقْتَضَى الْحَالِ، وَعِبَارَةُ م ر:.
قَوْلُهُ " بِقَصْدِ الْجُمْلَةِ " مَحِلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَى الْجُزْءِ الْغَائِبِ، أَمَّا لَوْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِقَصْدِ الْجُزْءِ الْحَاضِرِ فَقَطْ، وَمَحِلُّهُ أَيْضًا إذَا كَانَ قَدْ غُسِّلَ بَاقِيهِ وَإِلَّا قَصَدَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجُزْءِ الْحَاضِرِ فَقَطْ

قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ حُفْرَةٌ إلَخْ) وَالضَّابِطُ لِلدَّفْنِ الشَّرْعِيِّ مَا يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ سَوَاءٌ كَانَ فَسْقِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ الدَّفْنَ فِي الْفَسْقِيَّةِ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (ظُهُورَ رَائِحَةٍ) وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي مَحِلٍّ لَا يَدْخُلُهُ مَنْ يَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ بَلْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَائِحَةٌ أَصْلًا كَأَنْ جَفَّ وَعَبَّرَ بِظُهُورٍ لِوُجُودِ الرَّائِحَةِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا؛ وَالْمَقْصُودُ إنَّمَا هُوَ مَنْعُ ظُهُورِهَا أَيْ عَمَّنْ عِنْدَ الْقَبْرِ بِحَيْثُ لَا يَتَأَذَّى بِهَا تَأَذِّيًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَتُؤْذِيَ الْحَيَّ) بِالنَّصْبِ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ مَعْطُوفٌ عَلَى ظُهُورِ، وَكَذَا قَوْلُهُ " فَيَأْكُلُ الْمَيِّتَ وَتُنْتَهَكُ إلَخْ " عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي.
قَوْلُهُ: (نَبْشَ سَبُعٍ) وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي مَحِلٍّ لَا يَصِلُهُ السِّبَاعُ أَصْلًا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (الثَّانِي) أَيْ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَلَازِمَيْنِ، كَالْفَسَاقِيِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ مَعَ مَنْعِهَا السَّبُعَ فَلَا يُكْتَفَى بِهَا شَرْحُ م ر

قَوْلُهُ: (وَاثْنَانِ لَا يُغَسَّلَانِ) أَيْ لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ لِتَحْرِيمِهِ، فَلَا يُقَالُ إنَّ فِيهِ تَعْلِيلَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ غُسْلُهُمَا إلَخْ كَانَ فِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَيَلْزَمُ فِي الْمَيِّتِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ " إلَّا الشَّهِيدَ وَالسَّقْطَ إلَخْ " وَلَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجِبُ فِيهِ اثْنَانِ وَيَحْرُمُ فِيهِ اثْنَانِ مَعَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الشَّهِيدِ، وَأَمَّا السَّقْطُ فَلَيْسَ لَنَا فَلَا يَجِبُ فِيهِ أَمْرَانِ وَيَحْرُمُ فِيهِ أَمْرَانِ بَلْ أَحْوَالُهُ ثَلَاثَةٌ سَتَأْتِي إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ بِالنَّظَرِ لِلْمَجْمُوعِ وَالْمَجْمُوعُ يَصْدُقُ بِالْبَعْضِ وَهُوَ الشَّهِيدُ.
قَوْلُهُ: (لِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمَا) هُوَ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّهِيدِ دُونَ السَّقْطِ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ غُسْلُهُ فَمُرَادُهُ الْمَجْمُوعُ أَوْ بِالنَّظَرِ لِلصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (الشَّهِيدُ) أَيْ الْمَقْتُولُ فَنُجَرِّدُهُ عَنْ بَعْضِ مَعْنَاهُ ع ش وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّهِيدِ مَنْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ ضَائِعًا فَبِالتَّجْرِيدِ تَصِيرُ لَهُ فَائِدَةٌ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ فِي مَعْرَكَةِ

مَاتَ (فِي مَعْرَكَةِ الْمُشْرِكِينَ) لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ» وَأَمَّا خَبَرُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ» فَالْمُرَادُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ دَعَا لَهُمْ كَدُعَائِهِ لِلْمَيِّتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ وَسُمِّيَ شَهِيدًا لِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَنْ لَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ حَرْبِ الْمُشْرِكِينَ بِسَبَبِهَا، كَأَنْ قَتَلَهُ كَافِرٌ أَوْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً، أَوْ عَادَ إلَيْهِ سِلَاحُهُ أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّتُهُ أَوْ سَقَطَ عَنْهَا، أَوْ تَرَدَّى حَالَ قِتَالِهِ فِي بِئْرٍ، أَوْ انْكَشَفَ عَنْهُ الْحَرْبُ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ قَتْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَثَرُ دَمٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْحَرْبِ بِخِلَافِ مَنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِجِرَاحَةٍ فِيهِ، وَإِنْ قُطِعَ بِمَوْتِهِ مِنْهَا أَوْ قَبْلَ انْقِضَائِهَا لَا بِسَبَبِ حَرْبِ الْمُشْرِكِينَ كَأَنْ مَاتَ بِمَرَضٍ أَوْ فُجْأَةً أَوْ فِي قِتَالِ بُغَاةٍ فَلَيْسَ بِشَهِيدٍ وَيُعْتَبَرُ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَوْنُهُ مُبَاحًا وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ أَمَّا الشَّهِيدُ الْعَارِي عَمَّا ذُكِرَ كَالْغَرِيقِ وَالْمَبْطُونِ

[حاشية البجيرمي]

الْكُفَّارِ لِإِخْرَاجِ شَهِيدِ الْآخِرَةِ كَالْمَبْطُونِ وَالْغَرِيقِ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّجْرِيدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا فَإِنْ قُلْتَ: الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ أَفْضَلُ مِنْ الشُّهَدَاءِ مَعَ أَنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَالْحِكْمَةُ الثَّانِيَةُ مَوْجُودَةٌ فِيهِمْ وَهِيَ التَّعْظِيمُ؟ قُلْت: يُجَابُ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ فَضِيلَةٌ تُنَالُ بِالِاكْتِسَابِ فَرَغَّبَ الشَّارِعُ فِيهَا، وَلَا كَذَلِكَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُنَالَانِ بِالِاكْتِسَابِ كَمَا قَالَهُ اللَّقَانِيِّ: وَلَمْ تَكُنْ نُبُوَّةً مُكْتَسِبَةً.
قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَ شَهِيدًا لِشَهَادَةِ اللَّهِ إلَخْ) فَشَهِيدٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَشْهُودٍ لَهُ وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَهُ فَيَقْبِضُونَ رُوحَهُ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ شَهِيدٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْضًا وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُبْعَثُ وَجُرْحُهُ يَتَفَجَّرُ يَشْهَدُ لَهُ وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَشْهَدُ الْجَنَّةَ حَالَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلشَّهِيدِ عَشْرُ كَرَامَاتٍ: الْأُولَى يُغْفَرُ لَهُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ، الثَّانِيَةُ يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ حَالَ مَوْتِهِ، الثَّالِثَةُ يَخْلُفُهُ اللَّهُ فِي أَرْضِهِ، الرَّابِعَةُ يُحَلَّى بِتَحْلِيَةِ الْإِيمَانِ، الْخَامِسَةُ يُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، السَّادِسَةُ يَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، السَّابِعَةُ يُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، الثَّامِنَةُ يُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ التَّاسِعَةُ يُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَهْلِهِ، الْعَاشِرَةُ يَحْيَا حَيَاةً طَيِّبَةً» قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] . اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ الَأُجْهُورِيُّ وَقَوْلُهُ: " يُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ حُورِيَّةً " لَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهِ، فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ بِكْرٍ وَثَمَانِيَةِ آلَافِ أَيِّمٍ أَيْ ثَيِّبٍ وَمِائَةِ حَوْرَاءَ، فَيَجْتَمِعْنَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَيَقُلْنَ بِأَصْوَاتٍ حِسَانٍ لَمْ تَسْمَعْ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِنَّ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ أَيْ نَهْلَكُ وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ طُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ» اهـ ذَكَرَهُ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ لِلسُّيُوطِيِّ.
قَوْلُهُ (وَهُوَ مَنْ لَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ) صَادِقٌ بِمَنْ مَاتَ؛ لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ فَتَصْدُقُ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ أَصْلًا أَوْ فِيهِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ انْقِضَاءِ إلَخْ) هُوَ ظَرْفٌ لِلنَّفْيِ، أَيْ انْتَفَى ذَلِكَ قَبْلَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِسَبَبِهَا) أَيْ الْحَرْبِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْيِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً) وَكَذَا عَمْدًا إنْ اسْتَعَانَ بِهِ الْكُفَّارُ عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ رَمَحَتْهُ) أَيْ رَفَسَتْهُ قَوْلُهُ: (أَوْ فُجْأَةً) بِالنَّصْبِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (أَوْ فِي قِتَالِ بُغَاةٍ) مَا لَمْ يَكُنْ الْقَاتِلُ لَهُ كَافِرًا اسْتَعَانَ بِهِ الْبُغَاةُ عَلَيْنَا، وَإِلَّا فَشَهِيدٌ دُونَ مَقْتُولِ الْبُغَاةِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (كَوْنُهُ مُبَاحًا) أَيْ مَأْذُونًا فِيهِ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَخَرَجَ بِهِ قِتَالُ الذِّمِّيِّينَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ نَاقِضٌ لِلْعَهْدِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الشَّهِيدُ الْعَارِي إلَخْ) وَهَذَا يُقَالُ لَهُ شَهِيدُ الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ شَهِيدَ الْآخِرَةِ أَنَّ لَهُ رُتْبَةً فِيهَا زَائِدَةً عَلَى غَيْرِهِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَبْلُغُ رُتْبَةَ شَهِيدِ

وَالْمَطْعُونِ وَالْمَيِّتِ عِشْقًا وَالْمَيِّتَةِ مُطْلَقًا وَالْمَقْتُولِ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ الْمَذْكُورِ ظُلْمًا فَيُغْسَلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيَجِبُ غَسْلُ نَجَسٍ أَصَابَهُ غَيْرُ دَمِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى زَوَالِ دَمِهَا، وَيُسَنُّ تَكْفِينُهُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا إذَا اُعْتِيدَ لُبْسُهَا غَالِبًا، أَمَّا ثِيَابُ الْحَرْبِ كَدِرْعٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُعْتَادُ لُبْسُهُ غَالِبًا كَخُفٍّ وَفَرْوَةٍ فَيُنْدَبُ نَزْعُهَا كَسَائِرِ الْمَوْتَى، فَإِنْ لَمْ تَكْفِ ثِيَابُهُ وَجَبَ تَتْمِيمُهَا بِمَا يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ كَمَا مَرَّ (و) الثَّانِي (السِّقْطُ) بِتَثْلِيثِ السِّينِ (الَّذِي لَمْ يَسْتَهِلَّ صَارِخًا) أَيْ بِأَنْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ خَلْقُهُ، فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ غُسْلُهُ، وَيُسَنُّ سَتْرُهُ بِخِرْقَةِ وَدَفْنُهُ دُونَ غَيْرِهِمَا، أَمَّا إذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصِيَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ ظَهَرَتْ أَمَارَتُهَا كَاخْتِلَاجٍ أَوْ تَحَرُّكٍ فَكَكَبِيرٍ فَيُغْسَلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ بَعْدَهَا فِي الْأُولَى وَظُهُورِ أَمَارَتِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَظَهَرَ خَلْقُهُ وَجَبَ تَجْهِيزُهُ بِلَا صَلَاةٍ

[حاشية البجيرمي]

الْمَعْرَكَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّهَدَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَشَهِيدُ الدُّنْيَا فَقَطْ، وَهُوَ مَنْ قَاتَلَ لَا لِذَلِكَ بَلْ لِلْغَنِيمَةِ وَنَحْوِهَا وَشَهِيدُ الْآخِرَةِ فَقَطْ، وَهُوَ كَثِيرٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَالْغَرِيقِ إلَخْ اهـ. قَوْلُهُ: (كَالْغَرِيقِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا بِرُكُوبِ الْبَحْرِ كَأَنْ رَكِبَ سَفِينَةً لَا يَسِيرُ مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الْبَحْرِ لِصِغَرِهَا أَوْ ثِقَلِهَا، وَالْعِصْيَانُ بِالتَّعَدِّي بِالرُّكُوبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنَافِي حُصُولَ الشَّهَادَةِ وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ: " كَالْغَرِيقِ " مَا لَمْ يُسَيِّرْ السَّفِينَةَ فِي وَقْتِ الْغَرَقِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنْ شَهَادَتِهِ رُكُوبُهَا لِشُرْبِ الْخَمْرِ إنْ لَمْ يَمُتْ بِشَرْقٍ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَيِّتِ عِشْقًا) وَلَوْ الْأَمْرَدَ إنْ عَفَّ وَكَتَمَ وَلَوْ عَنْ نَظَرٍ مُحَرَّمٍ وَعِبَارَةُ أج: وَالْمَيِّتُ عِشْقًا أَيْ بِشَرْطِ الْعِفَّةِ وَالْكِتْمَانِ وَإِمْكَانِ إبَاحَةِ الْمَعْشُوقِ شَرْعًا وَتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ، وَخَرَجَ عِشْقُ الْأَمْرَدِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إبَاحَتُهُ فَعِشْقُهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَنَالُ بِهِ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ؛ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى عِشْقٍ اخْتِيَارِيٍّ فَلَوْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا مَعَ الْعِفَّةِ وَالْكِتْمَانِ فَالْوَجْهُ حُصُولُ الشَّهَادَةِ ق ل قَالَ ع ش عَلَى م ر: مَعْنَى الْعِفَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي نَفْسِهِ إذَا اخْتَلَى بِهِ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا فَاحِشَةٌ، وَالْكِتْمَانُ أَنْ لَا يَذْكُرَ مَا بِهِ لِأَحَدٍ وَلَوْ لِمَحْبُوبِهِ، لَطِيفَةٌ: حُكِيَ أَنَّ شَخْصًا نَزَلَ هُوَ وَمَحْبُوبُهُ يَسْبَحَانِ فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ مَحْبُوبُهُ، فَأَشَارَ إلَى الْبَحْرِ وَأَنْشَدَ وَقَالَ: يَا مَاءُ مَالَكَ قَدْ أَتَيْتَ بِضِدِّ مَا ... قَدْ قِيلَ فِيك مُخَبِّرًا بِعَجِيبِ اللَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ فِيك حَيَاتَنَا ... فَلِأَيِّ شَيْءٍ مَاتَ فِيكَ حَبِيبِي فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَطَلَعَ لَهُ مِنْ الْبَحْرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَيْتَةِ مُطْلَقًا) وَلَوْ مِنْ زِنًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ ز ي. قَوْلُهُ: (غَسْلُ نَجِسٍ) غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ غَسْلُ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ إنْ أَدَّى إلَى إزَالَةِ دَمِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ م د. قَوْلُهُ: (الَّتِي مَاتَ فِيهَا) وَلَوْ حَرِيرًا لَبِسَهُ لِأَجَلِ الْحَرْبِ، دُونَ مَا لَبِسَهُ لِقُمَّلٍ أَوْ جَرَبٍ.
قَوْلُهُ: (وَفَرْوَةٍ) أَيْ وَجُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ) بَلْ يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ إذَا كُفِّنَ مِنْ مَالِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (صَارِخًا) حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعَامِلِهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلسَّقْطِ وَهُوَ النَّازِلُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ نَظَّمَهَا شَيْخُنَا ح ف فَقَالَ: وَالسَّقْطُ كَالْكَبِيرِ فِي الْوَفَاةِ ... إنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ أَوْ خَفِيَتْ وَخَلْقُهُ قَدْ ظَهَرَا ... فَامْنَعْ صَلَاةً وَسِوَاهَا اعْتَبِرَا أَوْ اخْتَفَى أَيْضًا فَفِيهِ لَمْ يَجِبْ ... شَيْءٌ وَسَتْرٌ ثُمَّ دَفْنٌ قَدْ نُدِبْ قَوْلُهُ: (كَاخْتِلَاجِ) هُوَ التَّحَرُّكُ لِعُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ، فَعَطْفُ التَّحَرُّكِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ وَفِي الْمِصْبَاحِ: اخْتَلَجَ الْعُضْوُ اضْطَرَبَ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ الِاخْتِلَاجِ وَالتَّحَرُّكِ تَأْكِيدٌ.
قَوْلُهُ: (وَظَهَرَ خَلْقُهُ) وَلَوْ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ

عَلَيْهِ، وَفَارَقَتْ الصَّلَاةُ غَيْرَهَا بِأَنَّهُ أَوْسَعُ بَابًا مِنْهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُغْسَلُ وَيُكَفَّنُ وَيُدْفَنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَالسِّقْطُ مُشْتَقٌّ مِنْ السُّقُوطِ وَهُوَ النَّازِلُ قَبْلَ تَمَامِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ بَلَغَهَا فَكَالْكَبِيرِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَالِاسْتِهْلَالُ الصِّيَاحُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ كَمَا قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَقَوْلُهُ صَارِخًا تَأْكِيدٌ (وَيُغْسَلُ الْمَيِّتُ وِتْرًا) نَدْبًا كَمَا مَرَّ (وَيَكُونُ فِي أَوَّلِ غُسْلِهِ سِدْرٌ) أَوْ خِطْمِيٌّ (وَفِي آخِرِهِ) الَّذِي يَكُونُ وِتْرًا (شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ) تَقْوِيَةً لِلْجَسَدِ وَمَنْعًا لِلْهَوَامِّ وَالنَّتْنِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ إلَّا أَنَّهُ فِي الْأَخِيرَةِ آكَدُ.
وَمَحِلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا الْمُحْرِمُ فَلَا يَقْرَبُ طِيبًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَصِفَةُ أَكْمَلِ الْغُسْلِ قَدْ تَقَدَّمَتْ.
(وَيُكَفَّنُ) الْمَيِّتُ الذَّكَرُ (فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) لِخَبَرِ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ فَيُزَادُ قَمِيصٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (بِلَا صَلَاةٍ عَلَيْهِ) أَيْ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُ) أَيْ الْغَيْرَ أَوْسَعُ اهـ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَلَغَهَا فَكَالْكَبِيرِ) وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ خَلْقُهُ كَمَا اعْتَمَدَهُ م ر، وَعِبَارَتُهُ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْوَلَدَ النَّازِلَ بَعْدَ تَمَامِ أَشْهُرِهِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ يَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الْكَبِيرِ مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَإِنْ نَزَلَ مَيِّتًا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ سَبْقُ حَيَاةٍ إذْ هُوَ خَارِجٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِمْ يَجِبُ دَفْنُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ اسْتَثْنُوا مِنْهُ مَا اسْتَثْنُوا وَالِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ: (وَيُغَسَّلُ الْمَيِّتُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي تَفْصِيلِ قَوْلِهِ: " وَيَلْزَمُ فِي الْمَيِّتِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ غُسْلُهُ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (وِتْرًا) صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ غُسْلًا وِتْرًا كَمَا قَرَّرَهُ سم.
قَوْلُهُ: (سِدْرٌ) أَيْ وَرَقُ سِدْرٍ وَهُوَ شَجَرُ النَّبْقِ، فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ وَاحِدُهُ سِدْرَةٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: 14] فَالسِّدْرُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِشَجَرِ النَّبْقِ وَفِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِوَرِقِهِ وَاخْتِيرَ وَرَقُ السِّدْرِ لِاخْتِصَاصِهِ أَيْ السِّدْرِ بِمَجْمُوعِ أَوْصَافٍ ثَلَاثَةٍ ظِلٌّ مَدِيدٌ وَطَعْمٌ لَذِيذٌ وَرَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ خِطْمِيٌّ) بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ.
اهـ. م د وَهُوَ وَرَقٌ يُشْبِهُ وَرَقَ الْخُبَّيْزَا.
قَوْلُهُ: (شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ) التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلتَّقْلِيلِ، أَيْ شَيْءٌ قَلِيلٌ مِنْ كَافُورٍ بِحَيْثُ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ وَإِلَّا ضُرٌّ؛ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ غَيْرَ صُلْبٍ فَإِنْ كَانَ صُلْبًا فَلَا يَضُرُّ أَصْلًا لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْهَوَامِّ) جَمْعُ هَامَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْهَوَامُّ دَوَابُّ الْأَرْضِ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَالْأَصْلُ أَنَّهَا الدَّوَابُّ ذَوَاتُ السَّمُومِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ كُلِّ هَامَّةٍ وَسَامَّةٍ» م د. قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ غَسْلَةٍ) أَيْ مِنْ غَسَلَاتِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَخِيرَةِ آكَدَ) وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَقْرَبُ طِيبًا) لِبَقَاءِ أَثَرِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَيْ فِيمَا إذَا مَاتَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَهُوَ كَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُحَدَّةِ فَلَا يَحْرُمُ فِيهَا شَيْءٌ كَالتَّطَيُّبِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِحْدَادَ لِلتَّفَجُّعِ عَلَى الزَّوْجِ وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ فَلِأَنَّ أَثَرَ الْإِحْرَامِ فِيهِ بَاقٍ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ: «إنَّ الْمُحْرِمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَيَعْصِي مَنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا إبْقَاءُ أَثَرِ الْإِحْرَامِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا جَازَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي تَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مَا عَدَا النِّسَاءِ فَنَحْنُ كَذَلِكَ إذْ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " لَا يَقْرَبُ طِيبًا " أَيْ يَحْرُمُ تَطْيِيبُهُ وَطَرْحُ الْكَافُورِ فِي مَاءِ غُسْلِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ فِعْلُهُ فِي كَفَنِهِ، فَيَحْرُمُ أَنْ يَقْرَبَ طِيبًا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بَدَنُهُ وَمَاءُ غُسْلِهِ وَكَفَنُهُ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (الْبَسُوا) بِوَزْنِ اعْلَمُوا مِنْ بَابِ عَلِمَ يَعْلَمُ فَهُوَ بِكَسْرِ عَيْنِ الْمَاضِي وَفَتْحِ عَيْنِ الْمُضَارِعِ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا وَعَكْسُهُ مَعْنَاهُ الِاخْتِلَاطُ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِعَيْنِ مُضَارِعٍ فِي لُبْسِ ثَوْبٍ ... أَتَى فَتْحٌ وَفِي الْمَاضِي بِكَسْرِ وَفِي خَلْطِ الْأُمُورِ أَتَى بِعَكْسٍ ... لَعَيْنِهِمَا فَخُذْهُ بِغَيْرِ عُسْرِ قَوْلُهُ: (الْبَيَاضَ) أَيْ ذَا الْبَيَاضِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ) أَيْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، فَلَا يُنَافِي

وَعِمَامَةٌ تَحْتَ اللَّفَائِفِ، وَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى خَمْسَةٌ إزَارٌ فَقَمِيصٌ فَخِمَارٌ وَهُوَ مَا يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ فَلِفَافَتَانِ.
وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ سَبْعَةٌ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَهَا: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ النِّيَّةُ كَنِيَّةِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَا يَجِبُ فِي الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ تَعْيِينُهُ بِاسْمِهِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَا مَعْرِفَتُهُ، بَلْ يَكْفِي تَمْيِيزُهُ نَوْعَ تَمْيِيزٍ كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ

[حاشية البجيرمي]

مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الثَّلَاثَةِ مِنْ التَّرِكَةِ حَيْثُ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مِنْهَا، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا الْغُرَمَاءُ ح ل. قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ) لَكِنَّهُمَا خِلَافُ الْأَوْلَى، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ بِرِضَا الْوَرَثَةِ الْمُطْلَقِينَ التَّصَرُّفُ وَإِلَّا حُرِّمَتْ الزِّيَادَةُ؛ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأُنْثَى.
قَوْلُهُ: (وَعِمَامَةٌ) إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا، فَلَوْ أَخَّرَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ " إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا " إلَى هُنَا كَانَ أَوْلَى.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (خَمْسَةُ) أَيْ مُبَالَغَةً فِي سَتْرِهَا وَحِكْمَةُ كَوْنِ الذَّكَرِ يُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةٍ وَالْمَرْأَةِ فِي خَمْسَةٍ أَنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ لَمَّا خَالَفَا وَأَكَلَا مِنْ الشَّجَرَةِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِخْرَاجِهِمَا مِنْ الْجَنَّةِ، فَسَقَطَتْ التِّيجَانُ مِنْ رُءُوسِهِمَا وَالْحُلَلُ عَنْ أَجْسَادِهِمَا، فَمَرَّا عَلَى أَشْجَارِ الْجَنَّةِ يُرِيدَانِ شَجَرَةً يَسْتَتِرَانِ مِنْهَا فَلَمْ يُعْطَيَا شَيْئًا، فَمَرَّا عَلَى شَجَرَةِ التِّينِ فَأَعْطَتْهُمَا ثَمَانِيَةَ أَوْرَاقٍ ثَلَاثَةٌ لِآدَمَ وَخَمْسَةٌ لِحَوَّاءَ؛ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ لِلرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَكْفَانٍ وَلِلْمَرْأَةِ خَمْسَةٌ إذَا مَاتَا وَلَمَّا أَعْطَتْهُمَا شَجَرَةُ التِّينِ تِلْكَ الْأَوْرَاقِ قَالَ لَهَا الرَّبُّ جَلَّ وَعَلَا: أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ كُلُّ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ لَمْ يُعْطُوا لَهُمَا شَيْئًا مِنْ أَوْرَاقِهَا وَأَنْتَ أَعْطَيْتِهِمَا تِلْكَ الْأَوْرَاقَ، فَقَالَتْ: إلَهِي وَسَيِّدِي أَنْتَ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْكَرِيمَ أَنَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ أَحْبَبْتَهُ، فَقَالَ لَهَا: أَبْشِرِي فَإِنِّي جَعَلْتُك أَفْضَلَ شَجَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ وَخَصَصْتُك بِثَلَاثٍ: حَرَّمْتُك عَلَى النَّارِ وَجَعَلْتُكِ قُوتًا لَبَنِي آدَمَ وَجَعَلْتُ أَكْفَانَ بَنِي آدَمَ عَدَدَ الْأَوْرَاقِ الَّتِي أَعْطَيْتهَا لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَسُتْرَتِي بِهَا عَوْرَاتِهِمَا، ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَفِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ لِلسُّيُوطِيِّ: قِيلَ لَمَّا نَزَلَ آدَم مِنْ الْجَنَّةِ نَزَلَ مَعَهُ أَرْبَعُ وَرَقَاتٍ مِنْ وَرَقِ التِّينِ كَانَ قَدْ سَتَرَ بِهَا عَوْرَتَهُ، فَلَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ جَاءَهُ كُلُّ حَيَوَانٍ فِي الْأَرْضِ يُهَنِّئُهُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ وَيَتَبَرَّكُونَ بِهِ، فَسَبَقَ إلَيْهِ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ الْغَزَالُ وَبَقَرُ الْبَحْرِ وَالنَّحْلُ وَالدُّودُ، فَأَطْعَمَ وَرَقَةً لِلْغَزَالِ فَصَارَ مِنْهُ الْمِسْكُ وَأَطْعَمَ وَرَقَةً لِبَقَرِ الْبَحْرِ فَصَارَ مِنْهُ الْعَنْبَرُ وَأَطْعَمَ وَرَقَةً لِلنَّحْلِ فَصَارَ مِنْهُ الْعَسَلُ وَأَطْعَمَ وَرَقَةً لِلَّدُودِ فَصَارَ مِنْهُ الْحَرِيرُ؛ فَسُبْحَان الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ اهـ. قَوْلُهُ: (إزَارٌ) هُوَ وَالْمِئْزَرُ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْوَاجِبُ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَيُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ وَقَوْلُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ، أَيْ مِنْ أَنَّهُ ثَوْبٌ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ أَوْ جَمِيعَ الْبَدَنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَثْوَابٍ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ

قَوْلُهُ: (كَنِيَّةِ غَيْرِهَا) أَيْ فِي وَقْتِهَا، وَيَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ مُطْلَقِ الْفَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ كِفَايَةً كَمَا يَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ فِي إحْدَى الْخَمْسِ وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهَا بِالْعَيْنِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ تَعَيُّنُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَلَوْ فِي صَلَاةِ امْرَأَةٍ مَعَ رِجَالٍ وَلَوْ فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ م ر، وَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ فَلْيُحَرَّرْ، م د عَلَى التَّحْرِيرِ، وَعِبَارَتُهُ هُنَا: وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ حَتَّى فِي الصَّبِيِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ بِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ هُنَا إسْقَاطًا عَنْ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْجُمْلَةِ وَالْمَرْأَةُ كَالصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: (الْحَاضِرِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْغَائِبِ مِنْ تَعْيِينِهِ بِاسْمِهِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَكْفِي فِيهِ أَيْضًا الصَّلَاةُ عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْإِمَامُ اهـ ح ل وَعِبَارَةُ ز ي: وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْغَائِبِ مِنْ تَعْيِينِهِ إلَّا إذَا قَالَ: أُصَلِّي عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ آخَرَ النَّهَارِ: أُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ بِأَقْطَارِ الْأَرْضِ وَغُسِّلَ فَإِنَّهَا تَصِحُّ نَظَرًا لِلْعُمُومِ؛ وَقَوْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ كَاسْمِ جِنْسِهِ نَحْوُ رَجُلٍ اهـ. قَوْلُهُ: (نَوْعَ تَمْيِيزٍ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى هَذَا الْبَيْتِ) وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي صُنْدُوقٍ مَثَلًا صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ تَرَدُّدٍ لِبَعْضِ الْيَمَانِيِّينَ اهـ ز ي فَرْعٌ: قَالَ م ر: إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِي سِحْلِيَّةٍ مُسَمَّرَةٍ عَلَيْهِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي مَحِلٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ بَابٌ مُسَمَّرٌ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً وَلَوْ بَعْضَ أَلْوَاحِهَا الَّذِي يَسَعُ خُرُوجَ الْمَيِّتِ مِنْهُ صَحَّتْ الصَّلَاةُ اهـ فَأَوْرَدْتُ عَلَيْهِ

أَوْ عَلَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ، فَإِنْ عَيَّنَهُ كَزَيْدٍ أَوْ رَجُلٍ وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهِ وَأَخْطَأَ فِي تَعْيِينِهِ فَبَانَ عُمَرًا أَوْ امْرَأَةً لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، فَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ صَحَّتْ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ، فَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَى الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ عَدَدَهُمْ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَلَوْ صَلَّى عَلَى بَعْضِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْبَاقِي لَمْ تَصِحَّ، وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ بِالصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ حَضَرَتْ أُخْرَى وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ تُرِكَتْ حَتَّى يَفْرُغَ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا أَوَّلًا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَوْ صَلَّى عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ صَحَّتْ عَلَى الْمَيِّتِ إنْ جَهِلَ الْحَالَ وَإِلَّا فَلَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ وَالرُّكْنُ الثَّانِي قِيَامُ قَادِرٍ عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ.

(وَ) الرُّكْنُ الثَّالِثُ (يُكَبِّرُ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَادَ ذِكْرًا وَإِذَا زَادَ إمَامُهُ عَلَيْهَا لَمْ يُسَنَّ لَهُ مُتَابَعَتُهُ فِي الزَّائِدِ لِعَدَمِ سَنِّهِ لِلْإِمَامِ بَلْ يُفَارِقُهُ وَيُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ وَهُوَ أَفْضَلُ.

[حاشية البجيرمي]

أَنَّهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً كَانَتْ كَالْبَابِ الْمَرْدُودِ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَيَجِبُ أَنْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ ذَلِكَ كَمَا لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ مَعَ ذَلِكَ إذَا كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، بَلْ قَضِيَّةُ ذَلِكَ امْتِنَاعُ الصَّلَاةِ عَلَى امْرَأَةٍ عَلَى تَابُوتِهَا قُبَّةٌ فَتُكَلَّفُ فِي الْجَوَابِ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ الظُّهُورَ وَمِنْ شَأْنِ الْمَيِّتِ السَّتْرَ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ جِدًّا سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَقَوْلُ سم " مَا لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً " شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ بِهَا شِدَادٌ وَلَمْ تُحَلَّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ تَكُنْ السِّحْلِيَّةُ عَلَى نَجَاسَةٍ أَوْ يَكُنْ أَسْفَلُهَا نَجِسًا، وَإِلَّا وَجَبَ الْحَلُّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ فِي بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَارِجَ الْبَيْتِ الضَّرَرُ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمَا ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهِ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ التَّعْيِينُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْإِشَارَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَيَّنَاتِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُعْتَبَرُ التَّعَرُّضُ لَهُ جُمْلَةً.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِ) وَلَوْ إشَارَةً قَلْبِيَّةً ح ف. قَوْلُهُ: (ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْبَاقِي لَمْ تَصِحَّ) فَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُشِرْ؛ وَإِنَّمَا لَمْ تَصِحَّ لِوُجُودِ الْإِبْهَامِ الْمُطْلَقِ فِي كُلٍّ مِنْ الْبَعْضَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَفْرُغَ) أَيْ الْإِمَامُ ثُمَّ يُصَلِّي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ) أَوْ الِائْتِمَامُ أَوْ الْجَمَاعَةُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (قِيَامُ قَادِرٌ عَلَيْهِ) وَلَوْ صَبِيًّا وَامْرَأَةً مَعَ رِجَالٍ وَإِنْ وَقَعَتْ لَهُمَا نَفْلًا، رِعَايَةً لِصُورَةِ الْفَرْضِ؛ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ قَعَدَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ اضْطَجَعَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِاضْطِجَاعِ اسْتَلْقَى، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ كَمَا مَرَّ فِي غَيْرِهَا وَعِبَارَةُ م ر: شَمَلَ ذَلِكَ الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ إذَا صَلَّيَا مَعَ الرِّجَالِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ خِلَافًا لِلنَّاشِرِيِّ اهـ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْقَطْعُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ الصَّبِيُّ وَالْعَاجِزُ عَنْهُ كَالْجَالِسِ وَالْمُضْطَجِعِ وَالْمُسْتَلْقِي تَصِحُّ مِنْهُ وَيَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْقَادِرِ فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يُشَرَّعْ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فِي صَلَاةِ الْمَيِّتِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ الْمَيِّتَ اعْتَرَضَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ اللَّهِ وَلَوْ أُمِرَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَتَوَهَّمَ الْجَاهِلُ أَنَّهُ لِلْمَيِّتِ.
اهـ. ابْنُ الْعِمَادِ

قَوْلُهُ: (فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا) سَوَاءٌ كَانَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَبْطُلْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا وَلَمْ يَعْتَقِدْ الْبُطْلَانَ وَلَا نَوَى بِهِ الرُّكْنِيَّةَ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ اعْتِقَادُ الرُّكْنِيَّةِ قِيَاسًا عَلَى تَكْرِيرِ الْفَاتِحَةِ بِقَصْدِ الرُّكْنِيَّةِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ سُلْطَانُ وَلَوْ وَالَى رَفْعَ يَدَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ فَالْوَجْهُ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعِيدِ سم شَوْبَرِيُّ وَعِبَارَةُ أج: لَمْ تَبْطُلْ، أَيْ مَا لَمْ يَعْتَقِدْ الْبُطْلَانَ بِالزِّيَادَةِ وَإِلَّا بَطَلَتْ اهـ. قَوْلُهُ: (لَمْ تُسَنَّ لَهُ مُتَابَعَتُهُ) بَلْ يُكْرَهُ، فَلَوْ تَابَعَهُ فِي الزَّائِدِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ م ر وَذَكَرَهُ خ ض وَغَيْرُهُ فَلْيُحْفَظْ وَلَا تَغْفُلْ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَا يَدْخُلُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ.
اهـ. م د وَعِبَارَةُ أج: لَمْ تُسَنَّ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تُسَنُّ وَالْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: الْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَفْضَلُ) سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا.
اهـ. ق ل.

وَالرُّكْنُ الرَّابِعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلِعُمُومِ خَبَرِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَقَوْلُهُ (يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى) هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ، وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي تِبْيَانِهِ وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ كَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ مِنْ زِيَادَتِهِ أَنَّهَا تُجْزِئُ فِي غَيْرِ الْأُولَى مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي الثَّالِثَةِ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، وَيَجُوزُ إخْلَاءُ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مِنْ الْقِرَاءَةِ اهـ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَالرُّكْنُ الرَّابِعُ) صَنِيعُهُ هُنَا فِي حَلِّ الْمَتْنِ غَيْرُ حَسَنٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَتْنَ يُفِيدُ شَيْئَيْنِ: رُكْنِيَّةَ الْفَاتِحَةِ وَكَوْنَ مَحِلِّهَا بَعْدَ الْأُولَى، وَالشَّارِحُ جَعَلَهُ مُفِيدًا لِلثَّانِيَّ فَقَطْ حَيْثُ قَالَ: وَالرَّابِعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَجَعَلَ كَلَامَ الْمَتْنِ مُفِيدًا لِكَوْنِهَا بَعْدَ الْأُولَى فَقَطْ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: وَالرُّكْنُ الرَّابِعُ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْأُولَى إلَخْ، وَسَيَأْتِي لَهُ هَذَا الصَّنِيعُ فِي الدُّعَاءِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا تُجْزِئُ فِي غَيْرِ الْأُولَى) مُعْتَمَدٌ.
وَقَوْلُهُ فِي غَيْرِ الْأُولَى وَلَوْ غَيْرَ الرَّابِعَةِ كَأَنْ زَادَ خَامِسَةً وَقَرَأَهَا فِيهَا سم وَشَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الثَّانِيَةِ) أَيْ مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلُهُ: وَالثَّالِثَةُ، أَيْ مَعَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ كَمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (وَالرَّابِعَةُ) أَيْ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ، فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهَا وَتَأْخِيرُهَا إلَى غَيْرِهَا م ر شَوْبَرِيُّ فَرْعٌ: أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَرَّ عَمْدًا تَارِكًا لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ حَتَّى كَبَّرَ الْإِمَامُ أُخْرَى وَهِيَ الثَّانِيَةُ، فَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا بَعْدَ الْأُولَى لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا الْأَصْلِيُّ فَتَعَيَّنَتْ فِيهِ بِإِدْرَاكِ قَدْرِهَا مَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْهَا، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ إمَّا الْمُفَارَقَةُ وَإِمَّا قِرَاءَتُهَا مَا لَمْ يَخَفْ شُرُوعَ الْإِمَامِ فِي الثَّالِثَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الثَّالِثَةِ مَشَى عَلَى نَظْمِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ خَافَ أَنْ يَشْرَعَ الْإِمَامُ فِيهَا قَبْلَ إتْمَامِهَا فَارَقَهُ وُجُوبًا وَأَتَمَّهَا؛ نَعَمْ إنْ قَصَدَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى تَأْخِيرَ الْفَاتِحَةِ إلَى مَا بَعْدَ الْأُولَى فَالْوَجْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَعَيُّنِهَا بَعْدَ الْأُولَى سم.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْمَجْمُوعِ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ تَتَعَيَّنْ الْفَاتِحَةُ فِي مَحَلِّهَا الَّذِي هُوَ الْأُولَى مَعَ أَنَّ غَيْرَهَا مُتَعَيِّنٌ فِي مَحَلِّهِ بَلْ رُبَّمَا يُقَالُ تَعْيِينُهَا فِي الْأُولَى إمَّا أَوْلَوِيٌّ أَوْ مُسَاوٍ لِتَعَيُّنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّانِيَةِ وَالدُّعَاءِ فِي الثَّالِثَةِ، فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْتُ: يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الشَّفَاعَةُ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسِيلَةٌ لِقَبُولِهَا، فَتَعَيَّنَ مَحَلُّهُمَا الْوَارِدَانِ فِيهِ عَنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إشْعَارًا بِذَلِكَ؛ بِخِلَافِ الْفَاتِحَةِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهَا مَحَلٌّ إشْعَارًا بِأَنَّهَا دَخِيلَةٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُسَنَّ فِيهَا السُّورَةُ.
اهـ. حَجّ وَشَوْبَرِيٌّ مُلَخِّصًا وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ " بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى "، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تُجْزِئُ بَعْدَ غَيْرِهَا أَيْضًا، وَلَهُ عَلَى هَذَا جَمْعُهَا مَعَ رُكْنٍ آخَرَ وَتَأْخِيرُهَا عَنْ الرَّابِعَةِ؛ نَعَمْ تَتَعَيَّنُ عَقِبَ الْأُولَى لِلْمَسْبُوقِ وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ " بِعَقِبِ " بَدَلَ " بَعْدَ " فِي الْكُلِّ لَكَانَ أَوْلَى.
اهـ. ق ل وَ.
قَوْلُهُ " نَعَمْ تَتَعَيَّنُ عَقِبَ الْأُولَى لِلْمَسْبُوقِ " ضَعِيفٌ، فَفِي حَاشِيَةِ سم عَلَى حَجّ عِنْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِهَا مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ " وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ " أَيْ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا لِتَكْبِيرَةٍ أُخْرَى، وَقَوْلُهُ " وَإِنْ كَانَ إمَامُهُ فِي غَيْرِهَا " أَيْ بِأَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ مَثَلًا اهـ بِحُرُوفِهِ وَفِي فَتَاوَى م ر مَا نَصُّهُ: سُئِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَنْ تَبَاطَأَ بِإِحْرَامِهِ عَنْ إحْرَامِ إمَامِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَلَمَّا أَنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ التَّحَرُّمِ كَبَّرَ إمَامُهُ الثَّانِيَةَ، هَلْ يُكَبِّرُ مَعَهُ وُجُوبًا وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْفَاتِحَةُ رَأْسًا أَوْ يَأْتِي بِهَا فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ الْفَاتِحَةُ مُتَعَيِّنَةً فِيهَا؟ وَإِذَا تَرَكَهَا فِي الْأُولَى عَمْدًا وَأَتَى بِهَا فِي الثَّانِيَةِ فَهَلْ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهَا عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا؟ فَأَجَابَ: يُكَبِّرُ مَعَهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ وَيَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِمَا بَعْدَ الْأُولَى لِسُقُوطِ مَحِلِّهَا الْأَصْلِيِّ، وَمَتَى أَخَّرَهَا لِمَا بَعْدَ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ فَتَقْدِيمُ الْفَاتِحَةِ عَلَى

وَلَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَاتِحَةِ وَبَيْنَ الرُّكْنِ الَّذِي قُرِئَتْ الْفَاتِحَةُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَهَا فِي رُكْنٍ وَبَعْضَهَا فِي رُكْنٍ آخَرَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ لَمْ تَثْبُتْ، وَكَالْفَاتِحَةِ فِيمَا ذُكِرَ عِنْدَ الْعَجْزِ بَدَلَهَا

(وَ) الرُّكْنُ الْخَامِسُ (يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الثَّانِيَةِ) لِلِاتِّبَاعِ، وَأَقَلُّهَا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ كَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ عَقِبَهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

(وَ) الرُّكْنُ السَّادِسُ (يَدْعُو لِلْمَيِّتِ) بِخُصُوصِهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الصَّلَاةِ وَمَا قَبْلَهُ مُقَدِّمَةٌ لَهُ فَلَا يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْوَاجِبُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَاللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَاَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَأَمَّا الْأَكْمَلُ فَسَيَأْتِي، وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ الْأَشْبَهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَجِبُ الدُّعَاءُ لَهُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ.
قَالَ الْغَزِّيُّ: بَاطِلٌ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الثَّالِثَةِ) فَلَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَيْسَ لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ إلَّا مُجَرَّدُ الِاتِّبَاعُ اهـ وَيَكْفِي ذَلِكَ.
وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَاتِهَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ بَعْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ تَحْتَ صَدْرِهِ كَغَيْرِهَا مِنْ

[حاشية البجيرمي]

الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَظَاهِرُهُ سُقُوطُ الْفَاتِحَةِ عَنْ الْمَسْبُوقِ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ عَقِبَ تَكْبِيرِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَهَا بَعْدَ الْأُولَى نَظَرًا لِمَحِلِّهَا الْفَاضِلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا عَلَّلَ بِهِ؛ وَتَلَخَّصَ أَنَّ الْفَاتِحَةَ تُجْزِئُ بَعْدَ غَيْرِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَلَوْ بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ فِي غَيْرِ الْمَسْبُوقِ وَفِي الْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مَا يَسَعُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمَا ذَكَرَهُ ق ل مِنْ الِاسْتِدْرَاكِ ضَعِيفٌ فَلْيُتَأَمَّلْ ثُمَّ قَوْلُ ق ل " وَلَوْ عَبَّرَ بِعَقِبِ إلَخْ " لَا يَظْهَرُ لَهُ فَائِدَةٌ مَعَ مَا فِي جَوَابِ م ر مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ حَيْثُ أَخَّرَ الْفَاتِحَةَ وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمَأْمُومُ عَنْ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ بِتَكْبِيرَةٍ حَتَّى شَرَعَ إمَامُهُ فِي أُخْرَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إذْ الِاقْتِدَاءُ هُنَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي التَّكْبِيرَاتِ وَهُوَ تَخَلُّفٌ فَاحِشٌ يُشْبِهُ التَّخَلُّفَ بِرَكْعَةٍ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَنِسْيَانٍ فَلَا تَبْطُلُ وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وخ ط وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ قَالُوا: تَبْطُلُ بِتَكْبِيرَتَيْنِ اهـ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّقَدُّمَ كَالتَّخَلُّفِ، بَلْ أَوْلَى خِلَافًا لِلْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ كَمَا فِي خ ط عَلَى الْغَايَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ بَعْضَهَا فِي رُكْنٍ وَبَعْضَهَا فِي رُكْنٍ آخَرَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ لَمْ تَثْبُتْ فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ مُوَافِقٍ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهَا وَتَأْخِيرُهَا إلَى مَا بَعْدَ غَيْرِهَا؟ أَجَابَ ابْنُ م ر بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ بِالشُّرُوعِ، فَقَوْلُهُمْ الْفَاتِحَةُ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْأُولَى أَيْ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ إلَخْ) كَمَا إذَا قَرَأَ الْفَاتِحَةَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ؛ وَكَذَا إذَا قَرَأَهَا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ

قَوْلُهُ: (يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ) وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُكْرَهُ فِيهَا إفْرَادُ الصَّلَاةِ عَنْ السَّلَامِ لِعَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اتِّبَاعًا لِلْوَارِدِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ كَرَاهَةِ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخِرِ السَّلَامُ عَلَيْهِ وَقْتَ زِيَارَتِهِ فَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُهُ عَنْ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهَا إلَخْ) وَأَكْمَلُهَا مَا فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ) فَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إلَخْ

قَوْلُهُ: (بِخُصُوصِهِ) أَوْ فِي عُمُومِ غَيْرِهِ بِقَصْدِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِأُخْرَوِيٍّ كَاَللَّهُمِ اغْفِرْ لَهُ أَوْ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ أَوْ اللَّهُمَّ اُلْطُفْ بِهِ أَوْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ أَوْ رَحِمَهُ أَوْ لَطَفَ بِهِ، فَلَا يَكْفِي الدُّعَاءُ بِدُنْيَوِيٍّ إلَّا أَنْ يَئُولَ إلَى نَفْعٍ أُخْرَوِيٍّ كَاَللَّهُمِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ.
قَوْلُهُ: (وَاَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ) وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، إذْ الْمَغْفِرَةُ لَا تَسْتَلْزِمُ الذَّنْبَ رَحْمَانِيُّ؛ فَيَكْفِي فِي الصَّغِيرِ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِالْأَقَلِّ كَاَللَّهُمِ اغْفِرْ لَهُ وَبِالْأَكْمَلِ الْآتِي فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ إلَخْ) الَّذِي اعْتَمَدَهُ ع ش اسْتِثْنَاءُ الطِّفْلِ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمَيِّتُ يُدْعَى لَهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُ الْأَذْرَعِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَلَا عِبْرَةَ بِكَلَامِ الْغَزِّيِّ، وَرُبَّمَا يُرَشَّحُ لَهُ تَبْرِئَةُ الشَّارِحِ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ: قَالَ الْغَزِّيُّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بَاطِلٌ) إنْ حَمَلَ عَلَى إخْلَاءِ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ أَوْ لِوَالِدَيْهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الدُّعَاءُ لِلصَّغِيرِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى لَهُ أَوْ لِوَالِدَيْهِ فَلَيْسَ بِبَاطِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي ذَلِكَ) أَيْ يَكْفِي الِاتِّبَاعُ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ،

الصَّلَوَاتِ، وَتَعَوُّذٌ لِلْقِرَاءَةِ وَإِسْرَارٌ بِهِ، وَبِقِرَاءَةٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَتَرْكُ افْتِتَاحٍ وَسُورَةٍ لِطُولِهِمَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ.
وَلَوْ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ أَوْ غَائِبٍ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ.
وَأَمَّا أَكْمَلُ الدُّعَاءِ (فَيَقُولُ) بَعْدَ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ، (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (هَذَا) الْمَيِّتُ (عَبْدُك وَابْنُ عَبْدَيْك) بِالتَّثْنِيَةِ تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ (خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَهُوَ نَسِيمُ الرِّيحِ (وَسَعَتِهَا) بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ الِاتِّسَاعِ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَجْرُورِ الْمُضَافِ (وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ فِيهَا)

[حاشية البجيرمي]

فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلَّةٍ وَلَا حِكْمَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَبِقِرَاءَةٍ) زَادَ فِي الْمَنْهَجِ: وَبِدُعَاءٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَلَا يَجْهَرُ إلَّا بِالتَّكْبِيرَاتِ وَالسَّلَامِ أَيْ الْإِمَامُ وَالْمُبَلِّغُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لَا غَيْرُهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ م ر، فَغَيْرُهُمَا يُسِرُّ حَتَّى بِالتَّكْبِيرَاتِ وَالسَّلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَسُورَةٍ) يَنْبَغِي أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ إمَامِهِ تُسَنُّ لَهُ السُّورَةُ لِأَنَّهَا أَوْلَى مِنْ وُقُوفِهِ سَاكِتًا، قَالَهُ فِي الْإِيعَابِ؛ قَالَ الشَّيْخُ: أَيْ وَمِنْ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، إذْ الْأُولَى لَيْسَتْ مَحَلَّ طَلَبِ الدُّعَاءِ لَهُ، تَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ) أَيْ نَدْبًا حَيْثُ لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْكَانِ؛ تُحْفَةُ شَوْبَرِيٍّ وَسَيَأْتِي قَوْلُهُ: (بَعْدَ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ إلَخْ) فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَيِّتٍ وَاَلَّذِي فِي الْمَتْنِ خَاصٌّ بِالْبَالِغِ، وَاَلَّذِي يَأْتِي فِي الشَّرْحِ خَاصٌّ بِالصَّبِيِّ؛ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَأْتِي كَفَى فِي الصَّغِيرِ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا) فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ بَيْنَ مَفْهُومِيهِمَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنْ الْغَفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ وَالْعَفْوُ الْمَحْوُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ السَّتْرِ الْمَحْوُ وَعَكْسُهُ كَأَنْ يُحَاسِبَهُ بِذَنْبٍ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ ثُمَّ يَعْفُوَ عَنْهُ أَوْ يَسْتُرُهُ وَيُجَازِيهِ عَلَيْهِ؛ أَمَّا بِالنَّظَرِ لِكَرَمِ اللَّهِ فَهُوَ إذَا سَتَرَ عَفَا فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ؛ وَلِذَا يُقَالُ فِي مَقَامِ الْمُلَاطَفَةِ فِي الْأَكْثَرِ: عَفَا اللَّهُ عَنْهُ؛ ذَكَرَهُ الشَّبْرَخِيتِيُّ عَلَى الْعَشْمَاوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَصَغِيرِنَا) أَيْ إذَا بَلَغَ وَاقْتَرَفَ الذَّنْبَ، أَوْ الْمُرَادُ الصَّغِيرُ فِي الصِّفَاتِ شَوْبَرِيٌّ، أَوْ الْمُرَادُ الصَّغِيرُ حَقِيقَةً؛ وَالدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ ذَنْبٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِزِيَادَةِ دَرَجَاتِ الْقُرْبِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ اسْتِغْفَارُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ، ابْنُ حَجَرٍ فِي الدُّرِّ الْمَنْضُودِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ.
قَوْلُهُ: (فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ) لَا يَخْفَى مُنَاسَبَةُ الْإِسْلَامِ لِلْحَيَاةِ وَالْإِيمَانُ لِلْوَفَاةِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ كِنَايَةٌ عَنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ، وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ؛ وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِهِ عِنْدَ الْوَفَاةِ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) مَقُولُ الْقَوْلِ، وَهَذَا اسْتِعْطَافٌ وَتَقَدُّمَةٌ لِلدُّعَاءِ وَأَوَّلُهُ.
قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا إلَخْ، وَقَوْلُهُ: فَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُك إلَخْ، قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا إلَخْ، لَمْ يَكْفِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِخُصُوصِهِ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ؛ قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (عَبْدُك) مَرْفُوعٌ أَوْ مَنْصُوبٌ ب " ارْحَمْ ". قَوْلُهُ: (وَابْنُ عَبْدَيْك) يَعْنِي أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ م ر: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ بِأَنْ كَانَ وَلَدَ زِنًا فَالْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: وَابْنُ أَمَتِك.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الرَّاءِ) وَكَذَا قَوْلُهُ بِفَتْحِ السِّينِ مَثَلُهُ فِي شَرْحِ م ر وَلَعَلَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْأَفْصَحَ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ فِي الرُّوحِ الضَّمُّ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: 89] وَفِي السِّعَةِ الْكَسْرُ وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الدَّنَوْشَرِيُّ فَقَالَ: وَسَعَةٌ بِالْفَتْحِ فِي الْأَوْزَانِ ... وَالْكَسْرُ مَحْكِيٌّ عَنْ الصَّاغَانِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (نَسِيمُ الرِّيحِ) يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الْأَخَصِّ لِلْأَعَمِّ، إذْ النَّسِيمُ نَوْعٌ مِنْ الرِّيحِ.
قَوْلُهُ: (وَمَحْبُوبِهِ) أَيْ وَخَرَجَ مِنْ

أَيْ مَا يُحِبُّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ (إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لَاقِيهِ) مِنْ هَوْلِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: لَكِنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ مَا يَلْقَاهُ فِي الْقَبْرِ وَفِيمَا بَعْدَهُ (كَأَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ) سَيِّدَنَا (مُحَمَّدًا) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عَبْدُك وَرَسُولُك) إلَى جَمِيعِ خَلْقِك (وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ) أَيْ مِنَّا (اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِك) أَيْ ضَيْفُك وَأَنْتَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ وَضَيْفُ الْكِرَامِ لَا يُضَامُ (وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) وَيَذْكُرُ اللَّفْظَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَكَثِيرًا مَا يُغْلَطُ فِي ذَلِكَ (وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك) الْوَاسِعَةِ (وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ وَقَدْ جِئْنَاك) أَيْ قَصَدْنَاك (رَاغِبِينَ إلَيْكَ شُفَعَاءَ لَهُ) عِنْدَك (اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا) لِنَفْسِهِ (فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ) أَيْ إحْسَانِك إلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا) عَلَيْهَا (فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) بِكَرَمِك (وَلَقِّهِ) أَيْ أَنِلْهُ (بِرَحْمَتِك رِضَاك) عَنْهُ (وَقِهْ) بِفَضْلِك (فِتْنَةَ) السُّؤَالِ فِي (الْقَبْرِ) بِإِعَانَتِهِ عَلَى التَّثْبِيتِ فِي جَوَابِهِ (وَ) قِهْ (عَذَابَهُ) الْمَعْلُومُ صِحَّتُهُمَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (وَافْسَحْ لَهُ) بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ وَسِّعْ لَهُ (فِي قَبْرِهِ) مَدَّ الْبَصَرِ كَمَا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ (وَجَافِ الْأَرْضَ) أَيْ ارْفَعْهَا (عَنْ جَنْبَيْهِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ

[حاشية البجيرمي]

عِنْدِ مَحْبُوبِهِ، أَيْ الْمَيِّتُ وَمَحْبُوبُهُ كُلُّ مَا كَانَ يُحِبُّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ حَيَوَانَاتٍ أَوْ غَيْرِهَا مِثْلُ الْمَالِ وَالْكُتُبِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَحِبَّائِهِ) أَيْ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَلَا يَكُونُونَ إلَّا عُقَلَاءَ.
قَوْلُهُ: (إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ) مُتَعَلِّقٌ ب " خَرَجَ ". قَوْلُهُ: (لَكِنَّ اللَّفْظَ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ: " وَمَا هُوَ لَاقِيهِ " أَيْ مِنْ جَزَاءِ عَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
قَوْلُهُ: (كَانَ يَشْهَدُ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهُ، أَيْ دَعَوْنَاك لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَشْهَدُ إلَخْ، شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ) احْتَاجَ إلَيْهِ لِيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَةِ الْجَزْمِ قَبْلَهُ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ قَوْلُهُ: (نَزَلَ بِك) أَيْ عِنْدَك قَوْلُهُ: (وَيَذْكُرُ اللَّفْظَ) أَيْ الْهَاءَ مِنْ " بِهِ " قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ) فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ " وَأَنْتَ يَا اللَّهُ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِاَللَّهِ " وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَعْنَى عَائِدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ شَامِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَثِيرًا مَا يَغْلَطُ) " مَا " زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنَى الْكَثْرَةِ، " وَكَثِيرًا " مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فَيُذَكَّرُ مَعَ الْمُذَكِّرِ وَيُؤَنَّثُ مَعَ الْمُؤَنَّثِ، فَإِنْ تَعَمَّدَهُ وَعَرَفَ مَعْنَاهُ كَفَرَ، قَالَهُ ز ي؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ وَأَنْتِ خَيْرُ امْرَأَةٍ مَنْزُولٌ بِهَا فَيَقْتَضِي أَنَّهُ امْرَأَةٌ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ بَعْضُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَاعْتَرَضَ رُجُوعَ الضَّمِيرِ لِلَّهِ: بَلْ هُوَ عَائِدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ، وَالتَّقْدِيرُ: خَيْرُ كَرِيمٍ مَنْزُولٍ بِهِ، أَيْ تَنْزِلُ بِذَلِكَ الْكَرِيمِ الضِّيفَانُ، فَإِنْ قَدَّرْتَ ذَلِكَ الْمَحْذُوفَ جَمْعًا كَانَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ جَمْعٍ بِأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: خَيْرُ كُرَمَاءِ مَنْزُولٌ بِهِمْ، أَيْ بِتِلْكَ الْكُرَمَاءِ، فَالْمَدَارُ عَلَى الْمُقَدَّرِ؛ وَلَا يُنْظَرُ لِلْمَيِّتِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَقَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ وَالْحَوَاشِي مِنْ رُجُوعِهِ لِلَّهِ لَا يَظْهَرُ أَصْلًا، وَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الْمَوْصُوفِ مُؤَنَّثًا بِأَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وَأَنْتَ خَيْرُ ذَاتٍ تَنْزِلُ بِهَا الضِّيفَانُ.
قَوْلُهُ: (وَأَصْبَحَ فَقِيرًا) أَيْ صَارَ شَدِيدَ الْفَقْرِ إلَى رَحْمَتِك، وَإِلَّا فَهُوَ فَقِيرٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَيْضًا؛ أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ جِئْنَاك) هَلْ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْإِمَامِ كَالْقُنُوتِ وَأَنَّ غَيْرَهُ يَقُولُ جِئْتُك شَافِعًا أَوْ هُوَ عَامٌّ فِي الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ فَيَقُولُ الْمُنْفَرِدُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي اتِّبَاعًا لِلْوَارِدِ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يُشَارِكُهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ وَقَدْ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ حَصَرَ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، يَعْنِي مِنْ الْإِنْسِ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ سِتُّونَ أَلْفًا، لِأَنَّ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مَلَكَيْنِ اهـ بِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ مُحْسِنًا) وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ مُسِيئًا هَذَا يَقُولُهُ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَأْتِي فِيهِمْ بِمَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: (اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا) أَيْ مُطِيعًا فِي الدُّنْيَا؛ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَلَوْ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (لِنَفْسِهِ) شَمَلَ إحْسَانَهُ لَهَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَثَلًا وَقَوْلُهُ " فَزِدْ " أَيْ ضَاعِفْ لَهُ فِي جَزَاءِ إحْسَانِهِ أَيْ طَاعَتِهِ، وَعَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ أَيْ إحْسَانُكَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا قَرَّرْنَاهُ بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ عَمَلَهُ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ لِحَدِيثِ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» . قَوْلُهُ: (وَلَقِّهِ) يَجُوزُ كَسْرُ الْهَاءِ مَعَ الْإِشْبَاعِ وَدُونَهُ وَسُكُونُهَا، وَكَذَا فِي ق هـ م ر شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَجَافِ الْأَرْضَ) عِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ مُرْتَفِعًا عَنْ الْأَرْضِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَخْفِيفِ ضَمَّةِ الْقَبْرِ وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَلْقَاهُ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْوَالِ الْقَبْرِ، فَهِيَ قَبْلُ

النُّونِ بَعْدَهَا تَثْنِيَةُ جَنْبٍ كَمَا هُوَ عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْأُمِّ الصَّحِيحَةِ عَنْ جُثَّتِهِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُشَدَّدَةِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهِيَ أَحْسَنُ لِدُخُولِ الْجَنْبَيْنِ وَالْبَطْنِ وَالظَّهْرِ اهـ. (وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك) الشَّامِلِ لِمَا فِي الْقَبْرِ وَلِمَا فِي الْقِيَامَةِ، وَأُعِيدَ بِإِطْلَاقِهِ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِمَا تَقَدَّمَ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ (حَتَّى تَبْعَثَهُ) مِنْ قَبْرِهِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ (آمِنًا) مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ مُسَاقًا فِي زُمْرَةِ الْمُتَّقِينَ (إلَى جَنَّتِك بِرَحْمَتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) جَمَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْأَخْبَارِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَصْحَابُ وَوُجِدَ فِي نُسْخَةٍ مِنْ الرَّوْضَةِ وَمَحْبُوبِهَا وَكَذَا هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْمَشْهُورُ فِي قَوْلِهِ وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ الْجَرُّ وَيَجُوزُ رَفْعُهُ بِجَعْلِ الْوَاوِ لِلْحَالِ وَهَذَا فِي الْبَالِغِ الذَّكَرِ، فَإِنْ كَانَ أُنْثَى عَبَّرَ بِالْأَمَةِ وَأَنَّثَ مَا يَعُودُ إلَيْهَا، وَإِنْ ذَكَرَ بِقَصْدِ الشَّخْصِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِنْ كَانَ خُنْثَى.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَالْمُتَّجِهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَبٌ بِأَنْ كَانَ وَلَدَ زِنًا فَالْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ وَابْنُ أَمَتِك اهـ. وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْمَيِّتَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِالضَّمَائِرِ مُذَكَّرَةً عَلَى إرَادَةِ الْمَيِّتِ أَوْ الشَّخْصِ، وَمُؤَنَّثَةً عَلَى إرَادَةِ لَفْظِ الْجَنَانَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى جَمْعٍ مَعًا يَأْتِي فِيهِ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَيَقُولُ فِيهِ مَعَ الْأَوَّلِ فَقَطْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ أَيْ سَابِقًا مُهَيِّئًا لِمَصَالِحِهِمَا فِي الْآخِرَةِ،

[حاشية البجيرمي]

السُّؤَالِ وَقَدْ صَرَّحَتْ الرِّوَايَاتُ وَالْآثَارُ بِأَنَّ ضَمَّةَ الْقَبْرِ عَامَّةٌ لِلصَّالِحِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ: قَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ بِضَمَّةِ الْقَبْرِ وَأَنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْهَا صَالِحٌ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ «أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ سَيِّدِ الْأَوْسِ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ اسْتِبْشَارًا لِقُدُومِ رُوحِهِ وَإِعْلَامًا بِعَظِيمِ مَرْتَبَتِهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَنْجُ مِنْهَا، وَأَنَّهُ شَيَّعَ جِنَازَتَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ يَنْجُو مِنْهَا لَنَجَا مِنْهَا هَذَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ» ؛ لَكِنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا، قِيلَ: ضَمَّةُ الْقَبْرِ الْتِقَاءُ جَانِبَيْهِ عَلَى جَسَدِ الْمَيِّتِ، قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْقَبْرِ ضَمَّةً وَلَا سُؤَالًا لِعِصْمَتِهِمْ، قِيلَ: هِيَ لِلْمُطِيعِ حُنُوٌّ وَلِغَيْرِهِ ضَمَّةُ سُخْطٍ وَيَرُدُّهُ مَا وَرَدَ فِي «سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ ضُغِطَ فِي قَبْرِهِ ضَغْطَةً شَدِيدَةً بِحَيْثُ اخْتَلَفَتْ أَضْلَاعُهُ فِيهَا، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ يُقَصِّرُ فِي بَعْضِ الطَّهُورِ مِنْ الْبَوْلِ» وَأَنَّ الضَّمَّةَ الْمَذْكُورَةَ تَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى الْأَطْفَالِ، لَكِنْ ذُكِرَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ سَلِمَتْ مِنْ هَذِهِ الضَّمَّةِ وَأَنَّ مَنْ قَرَأَ " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ كَذَلِكَ، أَيْ يَسْلَمُ مِنْهَا، وَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ.
وَحِكْمَتُهَا أَنَّ الْأَرْضَ أُمُّهُمْ وَمِنْهَا خُلِقُوا فَغَابُوا عَنْهَا الْغِيبَةَ الطَّوِيلَةَ، فَلَمَّا رُدُّوا إلَيْهَا ضَمَّتْهُمْ ضَمَّةَ الْوَالِدَةِ الَّتِي غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهَا فَمِنْ كَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ ضَمَّتْهُ بِرِفْقٍ وَرَأْفَةٍ وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا ضَمَّتْهُ بِعُنْفٍ سُخْطًا مِنْهَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الشَّامِلِ إلَخْ) فَيَكُونُ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (وَأُعِيدَ بِإِطْلَاقِهِ) جَوَابٌ عَنْ التَّكْرَارِ، وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ وَهُمَا قَوْلُهُ بِإِطْلَاقِهِ وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ؛ لِأَنَّ عُمُومَهُ يَدْفَعُ التَّكْرَارَ أَيْضًا، فَقَوْلُهُ " بِإِطْلَاقِهِ " أَيْ بِعُمُومِهِ، وَقَوْلُهُ " اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ " فَكُلُّ جَوَابٍ مُسْتَقِلٍّ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي أُعِيدَ رَاجِعٌ لِلْعَذَابِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ عَذَابِك، وَقَوْلُهُ " بِمَا تَقَدَّمَ " أَيْ بِإِضَافَتِهِ لِلْقَبْرِ فِي قَوْلِهِ " وَعَذَابِهِ " وَقَوْلُهُ " إذْ هُوَ " أَيْ الْعَذَابُ، أَيْ الْأَمْنُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ) أَيْ الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الدُّعَاءِ قَوْلُهُ: (تَبْعَثُهُ) أَيْ تُحْيِيهِ مِنْ قَبْرِهِ.
قَوْلُهُ: (مُسَاقًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَى جَنَّتِك مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مُسَاقًا.
قَوْلُهُ: (جَمَعَ ذَلِكَ إلَخْ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ هَكَذَا سم.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَمَحْبُوبِهَا) أَيْ الدُّنْيَا، أَيْ الْمَحْبُوبُ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (الْجَرُّ) وَقَوْلُهُ " فِيهَا " حَالَ قَوْلِهِ: (وَيَجُوزُ رَفْعُهُ) أَيْ عَلَى الِابْتِدَاءِ خَبَرُهُ " فِيهَا ". قَوْلُهُ: (بِقَصْدِ الشَّخْصِ) هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُلَاحِظُ ذَلِكَ أَوْ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ يُحْمَلُ عَلَى الْإِرَادَةِ؟ . اهـ. شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (التَّعْبِيرُ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ) كَالْمَخْلُوقِ.
قَوْلُهُ: (فَالْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ إلَخْ) وَكَذَلِكَ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَحْمَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ) أَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ " وَأَنَّهُ إلَخْ " فَإِنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَدْخُولِ الْقِيَاسِ، أَيْ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ سَابِقًا) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " فَرْطًا " وَقَوْلُهُ " لِمَصَالِحِهِمَا " أَيْ مِنْ الشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَسَلَفًا)

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل