فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَاطْمَأَنَّ يَقِينًا قَبْلَ ارْتِفَاعِ إمَامِهِ عَنْ أَقَلِّهِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ.
وَيُكَبِّرُ مَسْبُوقٌ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعٍ لِتَحَرُّمٍ ثُمَّ لِرُكُوعٍ، فَلَوْ كَبَّرَ وَاحِدَةً فَإِنْ نَوَى بِهَا التَّحَرُّمَ فَقَطْ وَأَتَمَّهَا قَبْلَ هُوِيِّهِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا لَمْ تَنْعَقِدْ، وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ وَافَقَهُ فِيهِ، وَفِي ذِكْرِ مَا أَدْرَكَهُ فِيهِ مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَسْبِيحٍ وَتَشَهُّدٍ وَدُعَاءٍ، وَفِي ذِكْرِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ مِنْ تَكْبِيرٍ لَا فِي ذِكْرِ انْتِقَالِهِ إلَيْهِ،
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمُنَاسِبُ الْوَاوُ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (فِي رُكُوعٍ مَحْسُوبٍ) خَرَجَ بِهِ رُكُوعُ الْمُحْدِثِ وَرُكُوعٌ زَائِدٌ، وَمِثْلُهُ الرُّكُوعُ الثَّانِي مِنْ الْكُسُوفِ لِمَنْ يُصَلِّي الْكُسُوفَ وَرَاءَهُ وَإِنْ كَانَ مَحْسُوبًا أَيْ لِلْإِمَامِ، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (وَاطْمَأَنَّ يَقِينًا) وَكَانَ إحْرَامُهُ فِي الْقِيَامِ يَقِينًا وَقَصَدَ بِهِ التَّحَرُّمَ فَقَطْ، وَلَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ انْتِظَارُهُ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالشُّرُوطِ ق ل. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَقِينًا أَيْ بِرُؤْيَةِ الْإِمَامِ فِي الْبَصِيرِ، أَوْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى ظَهْرِهِ فِي الْأَعْمَى، أَوْ سَمَاعِهِ بِتَسْبِيحِ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ.
وَلَا يَكْفِي فِيهَا الظَّنُّ وَلَا سَمَاعُ صَوْتِ الْمُبَلِّغِ وَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ تَحَمَّلَ فِيهِ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ شَيْئًا مِنْ الْفَاتِحَةِ.
وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَاطْمَأَنَّ يَقِينًا فِي الْمَسْبُوقِ، أَمَّا الْمُوَافِقُ الَّذِي قَرَأَ الْفَاتِحَةَ كُلَّهَا فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِمُجَرَّدِ الرُّكُوعِ وَإِنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي رُكُوعٍ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) أَيْ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامِهَا وَقِرَاءَتِهَا، وَالْمُرَادُ بِإِدْرَاكِهَا أَنْ يَلْتَقِيَ هُوَ وَإِمَامُهُ فِي حَدِّ أَقَلِّ الرُّكُوعِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْهُوِيِّ وَإِمَامُهُ فِي الِارْتِفَاعِ وَقَدْ بَلَغَ فِي رُكُوعِهِ حَدَّ الْأَقَلِّ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْإِمَامُ عَنْهُ كَانَ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَلْتَقِيَا فِيهِ فَلَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إدْرَاكِهَا بِذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُتِمَّ الْإِمَامُ الرَّكْعَةَ وَيُتِمَّهَا مَعَهُ أَوْ لَا كَأَنْ أَحْدَثَ فِي اعْتِدَالِهِ أَوْ فِي رُكُوعِهِ بَعْدَ مَا اطْمَأَنَّ مَعَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَسَوَاءٌ قَصَّرَ بِتَأْخِيرِ تَحَرُّمِهِ إلَى رُكُوعِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَمْ لَا لِخَبَرِ «مَنْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَأَمْكَنَهُ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ رُكُوعِهَا مَعَ مَنْ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ لَزِمَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ. ز ي وم ر.
قَالَ ع ش: وَقَوْلُهُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ أَيْ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامِهَا وَقِرَاءَتِهَا أَيْ وَلَا ثَوَابَ لَهُ فِيهَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَغَايَةُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ تَحَمَّلَ عَنْهُ لِعُذْرٍ.
وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ أَيْ وَثَوَابَهَا اهـ. قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ مَسْبُوقٌ إلَخْ) أَيْ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ وُجُوبًا فِي الْقِيَامِ أَوْ بَدَلَهُ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْضُهُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا قَطْعًا وَلَا نَفْلًا عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ اهـ. أج.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَوْ جَاهِلًا وَهُوَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَقَعُ كَثِيرًا لِلْعَوَامِّ.
وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ تَقَعُ نَفْلًا لِلْجَاهِلِ ح ل قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى بِهَا التَّحَرُّمَ) أَيْ يَقِينًا قَوْلُهُ: (قَبْلَ هُوِيِّهِ) أَيْ بِأَنْ أَتَمَّهَا وَهُوَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَقَلِّ الرُّكُوعِ قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ نَوَاهُمَا بِهَا أَوْ الرُّكُوعَ فَقَطْ أَوْ أَحَدَهُمَا مُبْهَمًا، أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا شَرْحُ الْمَنْهَجِ، أَوْ شَكَّ هَلْ نَوَى بِهَا التَّحَرُّمَ أَوْ لَا، أَوْ أَتَمَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَهُوَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْقِيَامِ فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عَلِمْت الْحُكْمَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِثْلُهُ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي مُرِيدُ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِي حَقِّهِ قَرِينَتَا الِافْتِتَاحِ وَالْهُوِيِّ لِاخْتِلَافِهِمَا، إذْ قَرِينَةُ الِافْتِتَاحِ تَصْرِفُهَا إلَيْهِ، وَقَرِينَةُ الْهُوِيِّ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ أَوْ الرُّكُوعِ تَصْرِفُهَا إلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَصْدٍ صَارِفٍ عَنْهُمَا وَهُوَ نِيَّةُ التَّحَرُّمِ فَقَطْ لِتَعَارُضِهِمَا وَاسْتِشْكَالِ الْإِسْنَوِيِّ لَهُ بِأَنَّ قَصْدَ الرُّكْنِ لَا يُشْتَرَطُ مَرْدُودٌ إذْ مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ الصَّارِفِ وَهُنَا صَارِفٌ، وَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا إذَا كَبَّرَ وَاحِدَةً كَمَا ذُكِرَ.
وَأَمَّا لَوْ كَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَأَطْلَقَ فِي الْأُولَى فَهَلْ يَضُرُّ أَوْ لَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: بِالضَّرَرِ لَكِنَّ الَّذِي أَفْتَى بِهِ الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ عَدَمُ الضَّرَرِ.
وَنَصُّهُ: سُئِلَ شَيْخُنَا م ر عَمَّا لَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَأَطْلَقَ ثُمَّ كَبَّرَ أُخْرَى بِقَصْدِ الِانْتِقَالِ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ فَأَجَابَ: تَصِحُّ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ اهـ مَا أَفْتَى بِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فَمَا بَعْدَهُ) الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى اعْتِدَالِهِ وَجَوَابُ لَوْ قَوْلُهُ وَافَقَهُ، وَقَوْلُهُ فِيهِ أَيْ فِيمَا أَدْرَكَهُ فِيهِ الصَّادِقُ بِالِاعْتِدَالِ وَمَا بَعْدَهُ وَكَذَا بَقِيَّةُ الضَّمَائِرِ قَوْلُهُ: (مِنْ تَحْمِيدٍ) أَيْ فِي الِاعْتِدَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَلَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (وَتَشَهُّدٍ وَدُعَاءٍ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ تَشَهُّدِهِ خَرَجَ، مَا إذَا كَانَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ بِأَنْ كَانَ تَشَهُّدًا أَوَّلَ فَلَا يَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَلَا يُكْمِلُ التَّشَهُّدَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِإِخْرَاجِهِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ عَمَّا طُلِبَ فِيهِ
وَإِذَا سَلَّمَ إمَامُهُ كَبَّرَ لِقِيَامِهِ أَوْ بَدَلَهُ نَدْبًا إنْ كَانَ مَحَلَّ جُلُوسِهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَالْجَمَاعَةُ فِي الْجُمُعَةِ ثُمَّ صُبْحِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ صُبْحِ غَيْرِهَا ثُمَّ الْعِشَاءِ ثُمَّ الْعَصْرِ أَفْضَلُ، وَأَمَّا جَمَاعَةُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ فَهُمَا سَوَاءٌ.
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مِنْ حَيْثُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ الْمُخْتَصُّ الْمُسَافِرُ بِجَوَازِهِمَا تَخْفِيفًا عَلَيْهِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ غَالِبًا مَعَ كَيْفِيَّةِ
[حاشية البجيرمي]
وَلَيْسَ هُوَ حِينَئِذٍ لِمُجَرَّدِ الْمُتَابَعَةِ قَوْلُهُ: (وَدُعَاءٍ) أَيْ حَتَّى عَقِبَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ح ل قَوْلُهُ: (فِي ذِكْرِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ مِنْ تَكْبِيرٍ) فَإِذَا أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِانْتِقَالِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَابِعْهُ فِيهِ وَلَا هُوَ مَحْسُوبٌ لَهُ بِخِلَافِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ لِلْجُلُوسِ مَثَلًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي ذِكْرِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِيهِ كَأَنْ أَحْرَمَ وَالْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَقَامَ عَقِبَ إحْرَامِ الْمَأْمُومِ فَيُطْلَبُ مِنْ الْمَأْمُومِ أَنْ يُكَبِّرَ أَيْضًا مُتَابَعَةً لَهُ.
قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ وَصَرَّحُوا بِهِ أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِي كَيْفِيَّةِ الْجُلُوسِ بَلْ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُتَوَرِّكًا، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ قِيَامِ الْإِمَامِ مِنْ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَوَّلًا لِلْمَأْمُومِ اهـ. وَفِي ع ش عَلَى م ر مَا نَصُّهُ: وَيَظْهَرُ الْآنَّ أَنَّهُ يَأْتِي بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ قِيَامِهِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُتَابَعَةً لَهُ، وَنَقَلَ مِثْلَهُ فِي الدَّرْسِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ إمَامُهُ اهـ.
فَرْعٌ: لَوْ جَلَسَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا جَازَ لَهُ التَّطْوِيلُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلَّ جُلُوسِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَإِنْ طَوَّلَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (لَا فِي ذِكْرِ انْتِقَالِهِ) كَأَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَهُوَ سَاجِدٌ، أَوْ فِي تَشَهُّدِهِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ سَاكِتًا وَذَلِكَ لِعَدَمِ مُتَابَعَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِمَحْسُوبٍ لَهُ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ مَحْسُوبٌ لَهُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا سَلَّمَ إمَامُهُ إلَخْ) أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ قَبْلَ سَلَامِ إمَامِهِ، فَإِنْ تَعَمَّدَهُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ مُفَارَقَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ يَعْتَدَّ بِجَمِيعِ مَا أَتَى بِهِ فَيَجْلِسُ وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَقُومُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَمَتَى عَلِمَ وَلَمْ يَجْلِسْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالْجُلُوسِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَيُفَارِقُ مَنْ قَامَ عَنْ إمَامِهِ عَامِدًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ حَيْثُ اعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ كَمَا مَرَّ فِي بَابِهِ اهـ شَرْحُ م ر وأ ج قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مَحَلِّ جُلُوسِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا كَأَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي ثَانِيَةِ أَوْ رَابِعَةِ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ ثَالِثَةِ ثُلَاثِيَّةٍ فَلَا يُكَبِّرُ عِنْدَ قِيَامِهِ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ تَكْبِيرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مُوَافَقَةُ إمَامِهِ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَقُومَ الْمَسْبُوقُ إلَّا بَعْدَ تَسْلِيمَتَيْ إمَامِهِ وَيَجُوزُ بَعْدَ الْأُولَى، فَإِنْ مَكَثَ فِي مَحَلِّ جُلُوسِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا جَازَ، وَإِنْ طَالَ أَوْ فِي غَيْرِهِ عَامِدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَمَحَلُّهُ إذَا زَادَ عَلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَيُلْحَقُ بِهَا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَمَّا قَدْرُهَا فَمُغْتَفَرٌ فَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ اهـ أج.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى زَادَ عَلَى قَدْرِ الطُّمَأْنِينَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا شَيْخُنَا.
وَيُكْرَهُ أَنْ تُقَامَ جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ بِغَيْرِ إذْنِ إمَامِهِ الرَّاتِبِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا أَوْ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ أَوْ لَهُ رَاتِبٌ وَأَذِنَ فِي إقَامَتِهَا أَوْ لَمْ يَأْذَنْ وَضَاقَ الْمَسْجِدُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْوَقْتِ شَرْحُ الرَّوْضِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ]
ِ قَوْلُهُ: الْمُسَافِرُ أَيْ الْمُتَلَبِّسُ بِالسَّفَرِ وَهُوَ قَطْعُ مَسَافَةٍ مَخْصُوصَةٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ أَيْ يَكْشِفُهَا وَيُظْهِرُهَا.
وَشُرِعَ الْقَصْرُ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرَ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ قَالَهُ الدُّولَابِيُّ، وَقِيلَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَوَّلُ الْجَمْعِ فِي سَفَرِ غَزْوَةِ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ الْقَصْرُ) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَرْكَانُ وَالشُّرُوطُ لِاشْتِرَاكِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي ذَلِكَ، وَالْقَصْرُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مِنْ
الصَّلَاةِ بِنَحْوِ الْمَطَرِ وَالْأَصْلُ فِي الْقَصْرِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: 101] الْآيَةَ.
قَالَ «يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ قُلْتُ لِعُمَرَ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101] وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالْأَصْلُ فِي الْجَمْعِ أَخْبَارٌ تَأْتِي.
وَلَمَّا كَانَ الْقَصْرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْأُمُورِ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِهِ كَغَيْرِهِ فَقَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ) لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (قَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ) الْمَكْتُوبَةِ دُونَ الثُّنَائِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ (بِخَمْسِ شَرَائِطَ) وَتَرَكَ شُرُوطًا أُخَرَ سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا: الْأَوَّلُ (أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِبًا
[حاشية البجيرمي]
حَيْثُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ مَوْجُودَانِ لِأَنَّ حَيْثُ لَا تُضَافُ إلَّا لِجُمْلَةٍ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
وَأَلْزَمُوا إضَافَةً إلَى الْجُمَلِ حَيْثُ
. . . وَقُدِّمَ الْقَصْرُ عَلَى الْجَمْعِ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَمْنَعُ الْجَمْعَ إلَّا لِلنُّسُكِ اهـ أط ف.
قَوْلُهُ: (مَعَ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ) فَفِي كَلَامِهِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَلَيْسَ مَعِيبًا، وَإِنَّمَا الْمَعِيبُ أَنْ يُتَرْجِمَ لِشَيْءٍ وَيَنْقُصَ عَنْهُ ق ل. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُتَرْجِمْ وَالشَّارِحُ تَرْجَمَ بِهِمَا فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ زِيَادَةٌ عَنْ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ) أَيْ سَافَرْتُمْ قَوْلُهُ: (يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ) أَيْ التَّمِيمِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُخَفَّفَةٍ وَهِيَ أُمُّهُ، أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَتَبُوكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ يَسْكُنُ مَكَّةَ، وَكَانَ جَوَادًا مَعْرُوفًا بِالْكَرَمِ اهـ أج قَوْلُهُ: (عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ إلَخْ) مُحَصَّلُ جَوَابِ سَيِّدِنَا عُمَرَ أَنَّهُ تَعَجَّبَ، وَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّبْهَةُ فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيَّ فَأَجَابَهُ بِمَا ذُكِرَ قَوْلُهُ: (فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ إلَخْ) السَّائِلُ هُوَ عُمَرُ لَا يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ اهـ أج قَوْلُهُ: (صَدَقَةٌ) أَيْ جَوَازُ الْقَصْرِ فِي الْأَمْنِ صَدَقَةٌ إلَخْ.
فَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْخَوْفِ فِي الْآيَةِ لَا مَفْهُومَ لَهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ «إنَّ خِيَارَ أُمَّتِي مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ إذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا وَإِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا» اهـ.
قَوْلُهُ: (أَهَمُّ هَذِهِ الْأُمُورِ) جَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْجَمْعَ نَوْعَانِ جَمْعُ سَفَرٍ وَجَمْعُ مَطَرٍ.
وَالثَّالِثُ الْقَصْرُ فَسَقَطَ اعْتِرَاضٌ ق ل. بِقَوْلِهِ لَوْ قَالَ الْأَمْرَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى اهـ وَإِنَّمَا كَانَ أَهَمَّ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْجَمْعُ لِلسَّفَرِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْجَمْعُ لِلنُّسُكِ فَقَطْ قَوْلُهُ: (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْمَتْنِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ مَعَهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ دَاخِلٌ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ سَافَرَ لِمُجَرَّدِ التَّنَقُّلِ فِي الْبِلَادِ، قَوْلُهُ: (الْمَكْتُوبَةِ) أَيْ أَصَالَةً وَإِنْ وَقَعَتْ نَفْلًا كَصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَالْمُعَادَةِ لَكِنْ لَا تُقْصَرُ إلَّا إذَا قُصِرَ أَصْلُهَا ح ل قَوْلُهُ: (دُونَ الثُّنَائِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ) إنَّمَا لَمْ يَقُلْ دُونَ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ لِأَجْلِ مُنَاسَبَةِ الْمَتْنِ، وَعَبَّرَ م ر وَابْنُ حَجَرَ بِقَوْلِهِمَا لَا صُبْحٍ وَمَغْرِبٍ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّنْ عَبَّرَ بِالثُّنَائِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ التَّطْوِيلِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ إلَى بَيَانِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْمَقْصُودِ ابْتِدَاءً أَوْلَى، وَالْأُولَى فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا عَبَّرَ بِالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ دُونَ الثُّنَائِيَّةِ وَالثُّلَاثِيَّةِ خَوْفًا مِنْ دُخُولِ الْجُمُعَةِ، وَلِأَجْلِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: تُقْصَرُ الصُّبْحُ إلَى رَكْعَةٍ وَالْمَغْرِبُ كَذَلِكَ قَالَ فِي التُّحْفَةِ.
نَعَمْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا جَوَازُ قَصْرِ الصُّبْحِ فِي الْخَوْفِ إلَى رَكْعَةٍ وَفِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «إنَّ الصَّلَاةَ فُرِضَتْ فِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» وَحَمَلُوهُ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ وَيَنْفَرِدُ بِأُخْرَى، وَعَمَّمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ الْقَصْرَ إلَى رَكْعَةٍ فِي الْخَوْفِ فِي الصُّبْحِ وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ اهـ أج.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ الصُّبْحُ وَالْمَغْرِبُ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا خَبَرُ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَةً فِي الْخَوْفِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مَعَ الْإِمَامِ وَيَنْفَرِدُ بِأُخْرَى، إذْ الصُّبْحُ لَوْ قُصِرَتْ لَمْ
كَسَفَرِ حَجٍّ أَوْ مَنْدُوبًا كَزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ مُبَاحًا كَسَفَرِ تِجَارَةٍ، أَوْ مَكْرُوهًا كَسَفَرِ مُنْفَرِدٍ.
أَمَّا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَلَوْ فِي أَثْنَائِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ فَلَا يَقْصُرُ لِأَنَّ السَّفَرَ سَبَبٌ لِلرُّخْصَةِ فَلَا تُنَاطُ بِالْمَعْصِيَةِ كَبَقِيَّةِ رُخَصِ السَّفَرِ نَعَمْ لَهُ بَلْ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُوبِ إعَادَةِ مَا صَلَّاهُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، فَإِنْ تَابَ فَأَوَّلُ سَفَرِهِ مَحَلُّ تَوْبَتِهِ، فَإِنْ كَانَ طَوِيلًا أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ لِلرُّخْصَةِ طُولُهُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ فِيهِ تَرَخَّصَ وَإِلَّا فَلَا وَأُلْحِقَ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ أَوْ دَابَّتَهُ بِالرَّكْضِ بِلَا
[حاشية البجيرمي]
تَكُنْ شَفْعًا وَخَرَجَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا، وَالْمَغْرِبُ لَا يُمْكِنُ قَصْرُهَا إلَى رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا وِتْرًا، وَلَا إلَى رَكْعَةٍ لِخُرُوجِهَا بِذَلِكَ عَنْ بَاقِي الصَّلَوَاتِ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَسَفَرِ تِجَارَةٍ) فِي غَيْرِ أَكْفَانِ الْمَوْتَى وَإِلَّا كُرِهَ قَوْلُهُ: (كَسَفَرِ مُنْفَرِدٍ) لَا سِيَّمَا بِاللَّيْلِ هَذَا مَا لَمْ يَأْنَسْ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَبَعْضِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ سَفَرُ اثْنَيْنِ فَقَطْ لَكِنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهِمَا أَخَفُّ، وَإِذَا بَعُدَ عَنْ الرُّفْقَةِ إلَى حَدٍّ لَا يَلْحَقُهُ غَوْثُهُمْ فَقَالَ حَجّ: هُوَ كَالْوَحْدَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَالَ م ر وَسم: لَا يَكُونُ كَالْوَحْدَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْعَاصِي بِسَفَرِهِ) وَلَوْ صُورَةً كَأَنْ هَرَبَ الصَّبِيُّ مِنْ وَلِيِّهِ فَلَا يَقْصُرُ، وَلَوْ خَرَجَ لِجِهَةٍ مُعِينَةٍ تَبَعًا لِشَخْصٍ لَا يَعْلَمُ سَبَبَ سَفَرِهِ أَوْ لِتَنْفِيذِ كِتَابٍ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهِ فَالْمُتَّجَهُ إلْحَاقُهُ بِالْمُبَاحِ، فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَعْلَمَ كَوْنَ السَّفَرِ مَعْصِيَةً.
اهـ. م د. وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَلَوْ هَرَبَ الصَّبِيُّ مِنْ وَلِيِّهِ فَهَلْ يَتَرَخَّصُ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ فَسَفَرُهُ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ مِنْ جِنْسِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ الْمُسَافِرُ لِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ: الْأَوْجَهُ الثَّانِي لِأَنَّ هَذَا السَّفَرَ فِي نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ أَوْ لَا مُعْتَمَدٌ قَوْلُهُ: (وَلَوْ فِي أَثْنَائِهِ) وَهَذَا يُقَالُ عَاصٍ بِالسَّفَرِ فِي السَّفَرِ بِأَنْ أَنْشَأَهُ مُبَاحًا ثُمَّ قَلَبَهُ مَعْصِيَةً كَأَنْ جَعَلَهُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَمَّا الْعَاصِي فِيهِ كَأَنْ زَنَى فِيهِ أَوْ شَرِبَ فِيهِ خَمْرًا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ مُطْلَقًا قَوْلُهُ: (فَلَا تُنَاطُ) أَيْ لَا تُعَلَّقُ.
تَنْبِيهٌ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي إنَّ فِعْلِ الرُّخْصَةِ مَتَى تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ نُظِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ بِالسَّفَرِ وَالْمَعْصِيَةِ فِيهِ فَالْعَبْدُ الْآبِقُ وَالنَّاشِزَةُ وَالْمُسَافِرُ لِلْمَكْسِ، وَنَحْوُهُ عَاصٍ بِالسَّفَرِ فَالسَّفَرُ نَفْسُهُ مَعْصِيَةٌ وَالرُّخْصَةُ مَنُوطَةٌ بِهِ أَيْ مُعَلَّقَةٌ وَمُرَتَّبَةٌ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، فَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّرَخُّصُ وَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا مُبَاحًا فَشَرِبَ الْخَمْرَ فِي سَفَرِهِ فَهُوَ عَاصٍ فِيهِ، أَيْ مُرْتَكِبٌ الْمَعْصِيَةَ فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ، فَنَفْسُ السَّفَرِ لَيْسَ مَعْصِيَةً وَلَا آثِمًا بِهِ فَتُبَاحُ فِيهِ الرُّخَصُ لِأَنَّهَا مَنُوطَةٌ بِالسَّفَرِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ مُبَاحٌ وَلِهَذَا جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ مَنُوطَةٌ بِاللُّبْسِ وَهُوَ لِلْمُحْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وَفِي الْمَغْصُوبِ لَيْسَ مَعْصِيَةً لِذَاتِهِ أَيْ لِكَوْنِهِ لُبْسًا بَلْ لِلِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكَ اللُّبْسَ لَمْ تَزُلْ الْمَعْصِيَةُ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ اهـ مِنْ الْأَشْبَاهِ لِلسُّيُوطِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسَافِرَ الْعَاصِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ عَاصٍ بِالسَّفَرِ كَأَنْ سَافَرَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَعَاصٍ فِي السَّفَرِ كَمَنْ زَنَى وَهُوَ قَاصِدٌ الْحَجَّ مَثَلًا، وَعَاصٍ بِالسَّفَرِ فِي السَّفَرِ كَأَنْ أَنْشَأَهُ طَاعَةً ثُمَّ قَلَبَهُ مَعْصِيَةً فَالثَّانِي لَهُ الْقَصْرُ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ لَا يَقْصُرَانِ قَبْلَ التَّوْبَةِ فَإِنْ تَابَا قَصَرَ الثَّالِثُ مُطْلَقًا، وَالْأَوَّلُ إنْ بَقِيَ مِنْ سَفَرِهِ مَرْحَلَتَانِ تَنْزِيلًا لِمَحَلِّ تَوْبَتِهِ مَنْزِلَةَ ابْتِدَاءِ سَفَرِهِ، وَلَوْ شَرَّكَ بَيْنَ مَعْصِيَةٍ وَغَيْرِهَا كَأَنْ سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ فَلَا يَقْصُرُ تَغْلِيبًا لِلْمَانِعِ وَهُوَ الْمَعْصِيَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَهُ بَلْ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ فِي الْفَقْدِ الْحِسِّيِّ بِخِلَافِهِ فِي الشَّرْعِيِّ كَمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
اهـ. ع ش. وَقَوْلُهُ (التَّيَمُّمُ) أَيْ لِفَقْدِ الْمَاءِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَابَ فَأَوَّلُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ مَا إذَا أَنْشَأَهُ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ فِي أَثْنَائِهِ مَعَ أَنَّهُ يَتَرَخَّصُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ وَإِنْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ نَظَرًا لِابْتِدَاءِ سَفَرِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَنْشَأَهُ مَعْصِيَةً ثُمَّ جَعَلَهُ مُبَاحًا أَيْ بِأَنْ تَابَ اهـ ز ي. أَيْ فَكَلَامُ الشَّارِحِ مُسَلَّمٌ بِالنِّسْبَةِ لِهَذِهِ دُونَ مَا قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا قَالَ ظَاهِرُهُ إلَخْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَإِنْ تَابَ رَاجِعًا لِمَا قَبْلَ الْغَايَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَأَوَّلُ سَفَرِهِ مَحَلُّ تَوْبَتِهِ) نَعَمْ مَنْ سَافِر يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَصَى، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتَرَخَّصْ مِنْ حِينِ تَوْبَتِهِ بَلْ حَتَّى تَفُوتَ الْجُمُعَةُ وَمِنْ وَقْتِ فَوَاتِهَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ كَمَا نَقَلَهُ م ر عَنْ الْمَجْمُوعِ قَوْلُهُ: (كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ إلَخْ) وَإِنَّمَا يُجْعَلُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ مِنْ
غَرَضٍ شَرْعِيٍّ ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (أَنْ تَكُونَ مَسَافَتُهُ) أَيْ السَّفَرِ الْمُبَاحِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً ذَهَابًا وَهِيَ مَرْحَلَتَانِ، وَهُمَا سَيْرُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ وَهِيَ (سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا) وَلَوْ قَطَعَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ فِي لَحْظَةٍ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةٍ بُرُدٍ، وَمِثْلُهُ إنَّمَا يُفْعَلُ بِتَوْقِيفٍ.
وَخَرَجَ ب ذَهَابًا الْإِيَابُ مَعَهُ فَلَا يُحْسَبُ حَتَّى لَوْ قَصَدَ مَكَانًا عَلَى مَرْحَلَةٍ بِنِيَّةِ أَنْ لَا يُقِيمَ فِيهِ، بَلْ يَرْجِعُ فَلَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ نَالَهُ مَشَقَّةُ مَرْحَلَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَفَرًا طَوِيلًا، وَالْغَالِبُ فِي الرُّخَصِ الِاتِّبَاعُ وَالْمَسَافَةُ تَحْدِيدٌ لَا تَقْرِيبٌ لِثُبُوتِ التَّقْدِيرِ بِالْأَمْيَالِ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ
[حاشية البجيرمي]
رُخَصِ السَّفَرِ حَيْثُ كَانَ سَبَبَ الِاضْطِرَارِ السَّفَرُ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: (وَأُلْحِقَ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا حَاجَةَ إلَى الْإِلْحَاقِ لِأَنَّهُ مِنْهُ ق ل. وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلِهِ وَأُلْحِقَ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ هَذَا سَفَرُ مَعْصِيَةٍ فَمَا وَجْهُ الْإِلْحَاقِ؟ سم.
أَقُولُ: وَجْهُ الْإِلْحَاقِ أَنَّ الْغَرَضَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى السَّفَرِ لَيْسَ مَعْصِيَةً وَلَكِنَّهُ صَيَّرَهُ مَعْصِيَةً مِنْ حَيْثُ إتْعَابِ الدَّابَّةِ فِي السَّيْرِ بِلَا غَرَضٍ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْمَعْصِيَةِ فِي السَّفَرِ لِأَنَّ السَّيْرَ نَفْسَهُ مُحَرَّمٌ الْآنَ فَالْتَحَقَ بِالسَّفَرِ الَّذِي سَبَبُهُ مَعْصِيَةٌ قَوْلُهُ: (أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ أَوْ دَابَّتَهُ) أَوْ يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ حَمْلَهُ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ يَضْرِبَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ أَوْ عَلَى الْعَادَةِ وَكَانَتْ تَعْبَانَةً أَوْ يَنْخُسَهَا مُطْلَقًا.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (سَيْرُ يَوْمَيْنِ) أَوْ لَيْلَتَيْنِ مُعْتَدِلَتَيْنِ، أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلَا.
وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِدَالِ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ دَرَجَةً اهـ. وَهَذَا تَحْدِيدٌ لِلْمَسَافَةِ بِالزَّمَانِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ لِتَحْدِيدِهَا بِالْمَسَافَةِ بِقَوْلِهِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا قَوْلُهُ: (مُعْتَدِلَتَيْنِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مِنْ النُّزُولِ لِاسْتِرَاحَةٍ وَأَكْلٍ وَصَلَاةٍ، فَيُعْتَبَرُ زَمَنُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ.
وَالْأَثْقَالُ الْحَيَوَانَاتُ الْمُثْقَلَةُ بِالْأَحْمَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، وَالْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الْمُرَادَ بِسَيْرِ الْإِبِلِ.
اهـ. ح ل قَوْلُهُ: (سِتَّةَ عَشَرَ) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ نَصْبِ خَبَرُ يَكُونَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحُ قَدَّرَ لَهُ مُبْتَدَأً وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَتْنَ وَالشَّارِحَ امْتَزَجَا وَصَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَطَعَ هَذِهِ الْمَسَافَةَ) غَايَةٌ.
فَإِنْ قُلْتَ: إذَا قَطَعَ الْمَسَافَةَ فِي لَحْظَةٍ صَارَ مُقِيمًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ تَرَخُّصُهُ فِيهَا؟ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ وُصُولِ الْمَقْصِدِ انْتِهَاءُ الرُّخْصَةِ لِكَوْنِهِ نَوَى فِيهِ إقَامَةً لَا تَقْطَعُ السَّفَرَ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّحْظَةِ الْقِطْعَةُ مِنْ الزَّمَانِ الَّتِي تَسَعُ التَّرَخُّصَ قَوْلُهُ: (فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ إلَخْ) ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ رَوَاهُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا م ر عَلَى الرَّوْضِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: (فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ) وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ.
اهـ. ق ل وَالْبَرِيدُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الرَّسُولُ وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ الْحُمَّى بَرِيدُ الْمَوْتِ أَيْ رَسُولُهُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَسَافَةِ الَّتِي يَقْطَعُهَا وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا وَالْجَمْعُ بُرُدٌ بِضَمَّتَيْنِ وَيُقَالُ لِلدَّابَّةِ الَّتِي يَرْكَبُهَا أَيْضًا الْبَرِيدُ فَهُوَ مُسْتَعَارٌ مِنْ الْمُسْتَعَارِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْمَذْكُورِ مِنْ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (بِتَوْقِيفٍ) أَيْ سَمَاعٍ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ رُؤْيَةِ فِعْلِهِ لَا مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ لِأَنَّهُ لَا دَخْلَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ، فَصَحَّ كَوْنُهُ دَلِيلًا كَمَا قَالَهُ ق ل. وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَمِثْلُهُ إنَّمَا يُفْعَلُ بِتَوْقِيفِ جَوَابٍ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ إنَّ هَذَا فِعْلُ صَحَابِيٍّ وَفِعْلُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
فَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مِثْلَهُ إنَّمَا يَفْعَلُ بِتَوْقِيفٍ بَلَغَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحِينَئِذٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (مَعَهُ) لَوْ أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ فَلَا يُحْسَبُ لَكَانَ أَظْهَرَ لِأَنَّهُ مَعْمُولٌ لَهُ قَوْلُهُ: (وَالْغَالِبُ فِي الرُّخَصِ إلَخْ) أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْغَالِبُ إلَى مَا هُوَ الرَّاجِحُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الرُّخَصَ لَا يَدْخُلُهَا الْقِيَاسُ قَالَهُ ع ش. وَفِي س ل: وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْحَجَرِ الْوَارِدِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ قِيسَ عَلَيْهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ جَامِدٍ إلَخْ قَوْلُهُ: (تَحْدِيدٌ) وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ.
لَا يُقَالُ هَذَا رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ.
لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أَقَامَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ الظَّنَّ مُقَامَ الْيَقِينِ تَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ وَعِبَارَةُ سم.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَيَقُّنُ التَّحْدِيدِ بَلْ يَكْفِي الظَّنُّ بِالِاجْتِهَادِ قَالَ أج: وَفَارَقَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْقُلَّتَيْنِ
الْقَصْرَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُحْتَاطُ فِيهِ بِتَحَقُّقِ تَقْدِيرِ الْمَسَافَةِ، وَالْمِيلُ أَرْبَعَةُ آلَافِ خُطْوَةٍ، وَالْخُطْوَةُ ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ، وَالْقَدَمَانِ ذِرَاعٌ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَرِضَاتٍ، وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ مُعْتَدِلَاتٍ مُعْتَرِضَاتٍ، وَالشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبِرْذَوْنِ وَخَرَجَ بِالْهَاشِمِيَّةِ الْمَنْسُوبَةِ لِبَنِي هَاشِمٍ، الْأُمَوِيَّةُ الْمَنْسُوبَةُ لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَالْمَسَافَةُ بِهَا أَرْبَعُونَ إذْ كُلُّ خَمْسَةٍ مِنْهَا قَدْرُ سِتَّةٍ هَاشِمِيَّةٍ.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ) الْمَقْصُورَةِ فِي أَحَدِ أَوْقَاتِهَا الْأَصْلِيِّ أَوْ الْعُذْرِيِّ أَوْ الضَّرُورِيِّ فَلَا تُقْصَرُ فَائِتَةُ الْحَضَرِ فِي السَّفَرِ لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ تَامَّةً، وَكَذَا لَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ فَائِتَةٌ مَشْكُوكٌ فِي أَنَّهَا فَائِتَةُ سَفَرٍ أَوْ
[حاشية البجيرمي]
حَيْثُ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمَا عَلَى التَّقْرِيبِ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بَيَانُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِيهِمَا عَنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ مَا هُنَا اهـ قَوْلُهُ: (خُطْوَةٌ) بِالضَّمِّ وَالْمُرَادُ بِالْخُطْوَةِ خُطْوَةُ الْبَعِيرِ، وَبِالْقَدَمِ قَدَمُ الْآدَمِيِّ قَوْلُهُ: (الْخُطْوَةُ ثَلَاثَةُ أَقْدَامٍ) وَالْقَدَمُ نِصْفُ ذِرَاعٍ، فَالْخُطْوَةُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ، وَالذِّرَاعُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أُصْبُعًا مُعْتَرِضَاتٍ فَهُوَ أَيْ الْمِيلُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَدَمٍ قَوْلُهُ: (وَالْقَدَمَانِ ذِرَاعٌ) فَهُوَ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَالْمُرَادُ ذِرَاعُ الْآدَمِيِّ وَهُوَ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْقِيَاسِ بِنَحْوِ ثُمُنِهِ ق ل. قَالَ عَبْدُ الْبَرِّ: وَقَدْ حَرَّرَ بَعْضُهُمْ هَذَا الذِّرَاعَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ بِمِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ فَوَجَدَهُ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثُّمُنِ، فَعَلَى هَذَا فَالْمَسَافَةُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ خَمْسَةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ قَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: (سِتُّ شَعِيرَاتٍ) أَيْ تُوضَعُ بَطْنُ هَذِهِ لِظَهْرِ تِلْكَ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (مُعْتَرِضَاتٍ) أَيْ فِي عَرْضِ الْأُصْبُعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلُ أُصْبُعًا مُعْتَرِضَاتٍ، فَجُمْلَةُ الْمَسَافَةِ بِالْأَقْدَامِ خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتَّةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَبِالْأَذْرُعِ مِائَتَا أَلْفٍ وَثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ أَلْفًا، وَبِالْأَصَابِعِ سِتَّةُ آلَافِ أَلْفٍ وَتِسْعُمِائَةِ أَلْفٍ وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَبِالشَّعِيرَاتِ أَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَبِالشَّعَرَاتِ أَلْفُ أَلْفٍ وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا.
اهـ. شَرْحِ الرَّوْضِ قَوْلُهُ: (الْبِرْذَوْنُ) أَيْ الْبَغْلُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْبِرْذَوْنُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَإِعْجَامِ الذَّالِ الْفَرَسُ الَّذِي أَبَوَاهُ أَعْجَمِيَّانِ وَالْأُنْثَى بِرْذَوْنَةٌ وَالْجَمْعُ بَرَاذِينُ وَذَكَرَ صَاحِبُ مَنْطِقِ الطَّيْرِ أَنَّ الْبِرْذَوْنَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي قُوتَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ اهـ مِنْ مُخْتَصَرِ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلسُّيُوطِيِّ قَوْلُهُ: (لِبَنِي هَاشِمٍ) أَيْ بَنِي الْعَبَّاسِ لِتَقْدِيرِهِمْ لَهَا وَقْتَ خِلَافَتِهِمْ وَلَيْسَتْ مَنْسُوبَةً إلَى تَقْدِيرِ هَاشِمٍ جَدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ: (الْأُمَوِيَّةُ) هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا شَوْبَرِيٌّ وَفِي ع ش عَلَى م ر مَا نَصُّهُ قَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْأَنْسَابِ الْأُمَوِيُّ بِالْفَتْحِ نِسْبَةً إلَى أَمَةَ بْنِ بَجَالَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَالْأُمَوِيُّ بِالضَّمِّ نِسْبَةً إلَى بَنِي أُمَيَّةَ قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ بَعْدَ ذِكْرِ الْفَتْحِ وَالضَّمِّ وَالْفَتْحُ قَلِيلٌ اهـ وَمُرَادُهُ أَنَّ الْمَنْسُوبِينَ إلَى أَمَةَ قَلِيلٌ وَالْكَثِيرُ هُمْ الْمَنْسُوبُونَ إلَى بَنِي أُمَيَّةَ لَا أَنَّ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ لُغَتَيْنِ مُطْلَقًا فَمَا هُنَا بِالضَّمِّ لَا غَيْرُ اهـ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ: (إذْ كُلُّ خَمْسَةٍ مِنْهَا إلَخْ) بِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْهَاشِمِيَّةِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ أَمْيَالَهَا بِالْهَاشِمِيَّةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَبِالْأُمَوِيَّةِ أَرْبَعُونَ فَيَصِحُّ التَّقْدِيرُ بِالْأُمَوِيَّةِ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا احْتَرَزَ عَنْهَا لَأَجْلِ قَوْلِهِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ إذْ بَعْدَ هَذَا الْعَدَدِ يَجِبُ التَّقْيِيدُ بِالْهَاشِمِيَّةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيَا لِلصَّلَاةِ) دَخَلَ فِيهِ مَا لَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً فَإِنَّهُ يَقْصُرُهَا سَوَاءٌ شَرَعَ فِيهَا فِي الْوَقْتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِكَوْنِهَا مُؤَدَّاةً، أَمْ صَلَّاهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا فَائِتَةُ سَفَرٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ م ر. وَصَرَّحَ بِهِ ز ي وَالْبِرْمَاوِيُّ حَيْثُ قَالَ: مُؤَدَّاةٌ يَقِينًا وَلَوْ أَدَاءً مَجَازِيًّا بِأَنْ شَرَعَ فِيهَا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ وَأَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَوْلُ ز ي: يَكْفِي إدْرَاكُ مَا يَسَعُ رَكْعَةً مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي السَّفَرِ، مُرَادُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَصْرُهَا لِكَوْنِهَا فَائِتَةَ سَفَرٍ خِلَافًا لِلْعَلَّامَةِ الْخَطِيبِ مِنْ مَنْعِ قَصْرِهَا لِأَنَّهَا عِنْدَهُ فَائِتَةُ حَضَرٍ قَوْلُهُ: (أَوْ الضَّرُورِيُّ) فِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ
حَضَرٍ احْتِيَاطًا وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَتُقْضَى فَائِتَةُ سَفَرِ قَصْرٍ فِي سَفَرِ قَصْرٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ سَفَرِ الْفَائِتَةِ دُونَ الْحَضَرِ نَظَرًا إلَى وُجُودِ السَّبَبِ
(وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ (أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ) تَكْبِيرَةِ (الْإِحْرَامِ) كَأَصْلِ النِّيَّةِ وَمِثْلُ نِيَّةِ الْقَصْرِ مَا لَوْ نَوَى الظُّهْرَ مَثَلًا رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَنْوِ تَرَخُّصًا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَمَا لَوْ قَالَ: أُؤَدِّي صَلَاةَ السَّفَرِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، فَلَوْ لَمْ يَنْوِ مَا ذُكِرَ بِأَنْ نَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ أَطْلَقَ أَتَمَّ لِأَنَّهُ الْمَنْوِيُّ فِي الْأُولَى وَالْأَصْلُ فِي الثَّانِيَةِ، وَيُشْتَرَطُ التَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِي نِيَّةِ الْقَصْرِ فِي دَوَامِ الصَّلَاةِ كَنِيَّةِ الْإِتْمَامِ، فَلَوْ نَوَاهُ بَعْدَ نِيَّةِ الْقَصْرِ أَتَمَّ تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ التَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِدَامَةُ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ أَتَمَّ، أَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا أَتَمَّ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ أَنَّهُ نَوَاهُ لِأَنَّهُ أَدَّى جُزْءًا مِنْ صَلَاتِهِ حَالَ التَّرَدُّدِ عَلَى التَّمَامِ، وَلَوْ قَامَ إمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَوْ سَاهٍ أَتَمَّ وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ سَاهٍ، وَلَوْ قَامَ الْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلَا مُوجِبٍ لِلْإِتْمَامِ كَنِيَّتِهِ أَوْ نِيَّةِ إقَامَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَوْ سَهْوًا ثُمَّ تَذَكَّرَ عَادَ وُجُوبًا وَسَجَدَ لَهُ نَدْبًا وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ عِنْدَ تَذَكُّرِهِ أَنْ يُتِمَّ عَادَ لِلْقُعُودِ وُجُوبًا ثُمَّ قَامَ نَاوِيًا الْإِتْمَامَ
(وَ) الشَّرْطُ الْخَامِسُ (أَنْ لَا يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ) أَوْ بِمَنْ (جَهِلَ سَفَرَهُ) فَإِنْ اقْتَدَى بِهِ وَلَوْ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ كَأَنْ أَدْرَكَهُ فِي
[حاشية البجيرمي]
مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ مَعَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ أَدَاءً إذَا وَقَعَتْ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ وَقْتَ الضَّرُورَةِ يَصْدُقُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ اهـ. وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ أَوْ الضَّرُورِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ بِاعْتِبَارِ الْمُسَافِرِ فَهُوَ مِنْ فَائِتَةِ السَّفَرِ قَوْلُهُ: (فَائِتَةُ سَفَرِ قَصْرٍ) أَيْ مَقْصُورَةً، وَمِنْهَا مَا لَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ شَيْخِنَا م ر اهـ ق ل. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَأَصْلِ النِّيَّةِ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَقْتَرِنَ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرَةِ كَنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ ح ل. فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ قَصْدِ الْفِعْلِ وَالتَّعْيِينِ وَنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ وَلَا بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الْأَثْنَاءِ.
اهـ. م د. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَكْفِي اقْتِرَانُ نِيَّةِ الْقَصْرِ بِجُزْءٍ مِنْ التَّكْبِيرِ قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ التَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِي نِيَّةِ الْقَصْرِ) هَذَا مِنْ الشُّرُوطِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْمَتْنِ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا مَعَهَا فِيمَا يَأْتِي.
اهـ. ق ل قَوْلُهُ: (فَلَوْ نَوَاهُ) أَيْ الْإِتْمَامَ، وَهَذَا شُرُوعٌ فِي فُرُوعٍ أَرْبَعَةٍ عَلَى مَفْهُومِ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: (لَا يُشْتَرَطُ اسْتِدَامَةُ نِيَّةِ الْقَصْرِ) أَيْ ذِكْرًا أَيْ اسْتِحْضَارًا وَأَمَّا حُكْمًا بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يُنَافِيهَا فَيُشْتَرَطُ كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَامَ إمَامُهُ) أَيْ شَرَعَ فِي الْقِيَامِ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ يَحْصُلُ التَّرَدُّدُ فِي حَالِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنْ يَنْتَصِبَ أَوْ يَصِيرَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ.
اهـ. ح ل. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَامَ الْقَاصِرُ) أَيْ شَرَعَ فِي الْقِيَامِ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ أَوْ يَصِيرُ إلَيْهِمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لِأَنَّهُ شُرُوعٌ فِي مُبْطِلٍ ح ل.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ نَاوِيًا الْإِتْمَامَ) فَلَا يَكْفِي نِيَّةُ الْإِتْمَامِ قَبْلَ قُعُودِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ بِهَا الْإِتْمَامُ ق ل. أَيْ لِأَنَّ مَا وَقَعَ فِيهِ لَاغٍ لَاغٍ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمُقِيمٍ) وَلَوْ فِي صُبْحٍ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَلَوْ قَالَ: بِمُتِمٍّ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى، وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ خَلْفَ مُتِمٍّ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ وَلَغَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ هَذَا إنْ كَانَ إمَامُهُ مُسَافِرًا وَإِلَّا فَلَا تَنْعَقِدُ قَوْلُهُ: (أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ) أَيْ وَلَوْ بَانَ مُسَافِرًا قَاصِرًا فَإِنْ عَلِمَهُ مُتِمًّا وَنَوَى خَلْفَهُ الْقَصْرَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَفْتَى بِذَلِكَ الشِّهَابُ م ر. لَكِنْ فِي شَرْحِ وَلَدِهِ مَا يُخَالِفُهُ وَعِبَارَتُهُ: وَتَنْعَقِدُ صَلَاةُ الْقَاصِرِ خَلْفَ مُتِمٍّ، وَتَلْغُو نِيَّةُ الْقَصْرِ بِخِلَافِ الْمُقِيمِ لَوْ نَوَى الْقَصْرَ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَصْرِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ اهـ. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَتَى عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، فَلَوْ اقْتَدَى بِهِ وَنَوَى الْقَصْرَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ وَلَغَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ الْمَأْمُومُ عَالِمًا بِأَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ أَوْ مُسَافِرٌ مُتِمٌّ وَنَوَى الْقَصْرَ خَلْفَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُومُ مُسَافِرًا أَوْ مُقِيمًا لِتَلَاعُبِهِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَا مُسَافِرَيْنِ وَالْإِمَامُ مُتِمٌّ وَقَدْ جَهِلَ الْمُقْتَدِي حَالَ الْإِمَامِ فَنَوَى الْقَصْرَ
آخِرِ صَلَاتِهِ أَوْ أَحْدَثَ هُوَ عَقِبَ اقْتِدَائِهِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِخَبَرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " سُئِلَ مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إذَا انْفَرَدَ وَأَرْبَعًا إذَا ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ؟ فَقَالَ: تِلْكَ السُّنَّةُ وَلَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ إنْ صَلَّاهَا أَوَّلًا مَقْصُورَةً وَصَلَّاهَا ثَانِيًا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّيهَا مَقْصُورَةً، أَوْ صَلَّاهَا إمَامًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَلَوْ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا فَقَطْ أَوْ مُقِيمًا ثُمَّ مُحْدِثًا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، أَمَّا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا ثُمَّ مُقِيمًا أَوْ بَانَا مَعًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إذْ لَا قُدْوَةَ فِي الْحَقِيقَةِ وَفِي الظَّاهِرِ ظَنَّهُ مُسَافِرًا، وَلَوْ اسْتَخْلَفَ قَاصِرٌ لِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ مُتِمًّا أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ بِهِ كَالْإِمَامِ إنْ عَادَ وَاقْتَدَى بِهِ،
[حاشية البجيرمي]
صَحَّتْ قُدْوَتُهُ وَلَغَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ.
وَأَتَمَّ لِعَدَمِ تَلَاعُبِهِ مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْقَصْرِ، فَتَأَمَّلْ أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (بِهِ) أَيْ بِأَحَدِهِمَا أَيْ الْمُقِيمِ أَوْ مَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ قَوْلُهُ: (أَوْ أَحْدَثَ) أَيْ الْإِمَامُ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: أَوْ بَانَ حَدَثُ إمَامِهِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْإِمَامِ إبْرَازُهُ خِلَافًا لِلْمَدَابِغِيِّ حَيْثُ رَجَّعَ الضَّمِيرَ لِلْمَأْمُومِ قَوْلُهُ: (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: هَذَا قَوْلُ صَحَابِيٍّ.
وَقَوْلُهُ وَفِعْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا.
وَيُجَابُ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ أَيْ الْمَنْسُوبِ إلَى النَّبِيِّ كَأَنَّ النَّبِيَّ قَالَهُ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ السُّنَّةُ كَذَا أَوْ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ وَكَذَا قَوْلُهُ أُمِرْنَا أَوْ نُهِينَا قَوْلُهُ: (تِلْكَ السُّنَّةُ) هُوَ جَوَابٌ بِالْحُكْمِ وَهُوَ لَا يَكْفِي عَنْ الْحِكْمَةِ، فَكَانَ حَقُّ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْإِتْمَامَ بِرَبْطِهَا بِالْمُتِمِّ م د. وَقَوْلُهُ: تِلْكَ السُّنَّةُ أَيْ الطَّرِيقَةُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدُ قَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ) هَذَا لَا يَنْفِي أَنَّهُ مَنْقُولٌ وَأَنَّ غَيْرَهُ قَالَهُ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا نَفَى رُؤْيَتَهُ فَقَدْ وَافَقَ بَحْثُهُ الْمَنْقُولَ.
وَفِي الَأُجْهُورِيُّ مَا نَصُّهُ عِبَارَةُ م ر قَدْ تَقْتَضِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي كَلَامِهِمْ وَأَنَّ فِيهَا خِلَافًا، وَعِبَارَتُهُ وَالْأَوْجَهُ جَوَازُ قَصْرِ مُعَادَةٍ صَلَّاهَا أَوْ مَقْصُورَةٍ وَفِعْلِهَا ثَانِيًا إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا بِقَاصِرٍ اهـ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهَا فِي كَلَامِهِمْ ثُبُوتُ رُؤْيَةِ الْمُؤَلِّفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِهَا، وَإِنَّمَا حَكَمَ عَلَى نَفْسِهِ بِعَدَمِ رُؤْيَتِهَا وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ: بَحْثُ الْمُؤَلِّفِ وَافَقَ الْمَنْقُولَ اهـ قَوْلُهُ: (ثُمَّ مُحْدِثًا) فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَنَوَى الْمُفَارَقَةَ وَأَتَمَّهَا مُنْفَرِدًا فَذَاكَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ عِنْدَ عِلْمِهِ بِحَدَثِ الْإِمَامِ وَدَامَ عَلَى الْمُتَابَعَةِ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَيُعِيدُهَا تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ تَبَيَّنَ الْحَدَثَ بَعْدَ مَا صَلَّاهَا وَفَرَغَ مِنْهَا تَامَّةً فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا تَامَّةً عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَيْ وَكَأَنْ دَخَلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ مُتَطَهِّرًا ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الْحَدَثُ، أَمَّا لَوْ دَخَلَ فِيهَا مُحْدِثًا وَأَتَمَّهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لِلْإِمَامِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا تَفْصِيلُ الْمَأْمُومِ فَبِحَالِهِ قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ) لِتَبَيُّنِ مُوجِبِ الْإِتْمَامِ قَبْلَ الْحَدَثِ فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَانَا مَعًا) بِأَنْ قَالَ لَهُ: شَخْصٌ إمَامُكَ مُحْدِثٌ وَقَالَ لَهُ آخَرُ: إمَامُكَ مُقِيمٌ وَالْقَوْلَانِ مُتَقَارِنَانِ أَيْ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الظَّاهِرِ ظَنَّهُ مُسَافِرًا) بِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: أَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا أَتَمَّ لِعَدَمِ ظَنِّهِ مُسَافِرًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُهُ) كَأَنْ رَعَفَ بِتَثْلِيثِ الْعَيْنِ وَهُوَ دَمٌ يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْفِ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ لِأَنَّهُ مِنْ دَمِ الْمَنَافِذِ وَهِيَ مُخْتَلِطَةٌ بِأَجْنَبِيٍّ فَلَا يُعْفَى عَنْهَا مُطْلَقًا عَلَى مُعْتَمَدِ م ر. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُعْفَى عَنْ الْقَلِيلِ لِأَنَّ مَا اخْتَلَطَ بِهِ ضَرُورِيٌّ قَوْلُهُ: (مُتِمًّا) أَيْ مِنْ الْمُقْتَدِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَخَرَجَ مَا إذَا اسْتَخْلَفَ قَاصِرًا قَوْلُهُ: (أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ بِهِ) وَإِنْ لَمْ يَنْوُوا الِاقْتِدَاءَ بِهِ لِأَنَّهُمْ مُقْتَدُونَ بِهِ حُكْمًا بِدَلِيلِ لُحُوقِهِمْ سَهْوُهُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَقَوْلُ الْمَتْنِ: أَنْ لَا يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَمَحَلُّ عَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ إذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ مِنْ الْمُقْتَدِينَ وَكَانَ مُوَافِقًا لِنَظْمِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَاسْتُخْلِفَ عَنْ قُرْبٍ بِأَنْ لَمْ يَمْضِ قَدْرُ رُكْنٍ.
اهـ. ح ف. وَق ل وَعِبَارَةُ م ر مُتِمًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِهِ أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ الْمُسَافِرُونَ وَلَوْ لَمْ يَنْوُوا الِاقْتِدَاءَ بِهِ لِصَيْرُورَتِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِخْلَافِ، وَمِنْ ثَمَّ لَحِقَهُمْ سَهْوُهُ وَتَحَمَّلَ سَهْوَهُمْ.
نَعَمْ لَوْ نَوَوْا فِرَاقَهُ عِنْدَ إحْسَاسِهِمْ بِأَوَّلِ رُعَافِهِ أَوْ حَدَثِهِ قَبْلَ تَمَامِ اسْتِخْلَافِهِ قَصَرُوا كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ هُوَ وَلَا الْمَأْمُومُونَ أَوْ اسْتَخْلَفَ قَاصِرًا اهـ. بِالْحَرْفِ فَالتَّقْيِيدُ لَيْسَ صَحِيحًا.
وَقَالَ ق ل: أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ إنْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى نِيَّةِ اقْتِدَائِهِ كَأَنْ كَانَ مِنْ الْمُقْتَدِينَ بِهِ وَمُوَافِقًا لِنَظْمِ صَلَاتِهِ وَاسْتَخْلَفَهُ فَوْرًا فِيهِمَا، وَإِلَّا فَإِنْ نَوَوْا الِاقْتِدَاءَ بِهِ أَتَمُّوا وَإِلَّا فَلَا اهـ.
قَوْلُهُ: (كَالْإِمَامِ إنْ عَادَ وَاقْتَدَى بِهِ) أَيْ حَيْثُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِاقْتِدَائِهِ بِمُتِمٍّ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَوْ اسْتَخْلَفَ بَعْضُ
وَلَوْ لَزِمَ الْإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ إمَامِهِ أَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا أَتَمَّ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا وَمَا ذُكِرَ لَا يَدْفَعُهُ، وَلَوْ بَانَ لِلْإِمَامِ حَدَثُ نَفْسِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ، وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ ثُمَّ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَوْ فَقَدَ الطَّهُورَيْنِ فَشَرَعَ فِيهَا بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الطَّهَارَةِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ قَصَرَ لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةِ صَلَاةٍ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَلَعَلَّ مَا قَالُوهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ شَرْعِيَّةٍ بَلْ تُشْبِهُهَا وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَنْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ ثُمَّ أَعَادَهَا.
وَلَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ وَشَكَّ فِي نِيَّةِ الْقَصْرِ فَجَزَمَ هُوَ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ إنْ بَانَ الْإِمَامُ قَاصِرًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ الْقَصْرُ، فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ مُتِمٌّ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِالنِّيَّةِ بَلْ قَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْتُ وَإِلَّا بِأَنْ أَتَمَّ أَتْمَمْتُ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ إنْ قَصَرَ إمَامُهُ لِأَنَّهُ نَوَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالْمُقْتَضَى، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَأْمُومِ مَا نَوَاهُ الْإِمَامُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا.
هَذَا آخِرُ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا الزَّائِدُ عَلَيْهَا فَأُمُورٌ: الْأَوَّلُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ،
[حاشية البجيرمي]
الْقَوْمِ مُتِمًّا وَبَعْضُهُمْ قَاصِرًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ اهـ أج قَوْلُهُ: (فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ بَعْدَ أَنْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ.
وَفِي نُسْخَةٍ فَفَسَدَتْ بِالْفَاءِ وَهِيَ أَظْهَرُ لِأَنَّهَا نَصٌّ فِي الْبَعْدِيَّةِ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: فَفَسَدَتْ مَا لَوْ بَانَ عَدَمُ انْعِقَادِهَا فَلَهُ قَصْرُهَا.
وَالضَّابِطُ كَمَا أَفَادَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا عَرَضَ فَسَادُهُ بَعْدَ مُوجِبِ الْإِتْمَامِ يَجِبُ إتْمَامُهُ وَمَا لَا فَلَا شَرْحُ م ر اهـ أج قَوْلُهُ: (أَوْ بَانَ إمَامُهُ مُحْدِثًا) أَيْ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ نَحْوِ كَوْنِهِ ذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَانَ لِلْإِمَامِ حَدَثُ نَفْسِهِ) أَيْ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا الْإِتْمَامَ، وَقَوْلُهُ لِلْإِمَامِ وَمِثْلُهُ الْمُنْفَرِدُ قَوْلُهُ: (لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ) أَيْ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ لَا تُغْنِيهِ صَلَاتُهُ بِوَجْهٍ فَهِيَ فِي حَقِّهِ كَالْعَدَمِ بِخِلَافِ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُحْدِثِ أَيْ مَعَ الْجَهْلِ بِحَالِهِ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيُغْنِي عَنْ الْإِعَادَةِ قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ) بِأَنْ أَطْلَقَ.
وَقَوْلُهُ: لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّ إطْلَاقَهَا يَصْرِفُهَا لِلْإِتْمَامِ، فَإِذَا فَسَدَتْ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ تَامَّةً.
قَالَ م ر فِي الشَّرْحِ: وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا عَرَضَ فَسَادُهُ بَعْدَ مُوجِبِ الْإِتْمَامِ يَجِبُ إتْمَامُهُ وَمَا لَا فَلَا قَوْلُهُ: (قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ قَصَرَ) اعْتَمَدَهُ م ر وَكَذَا اعْتَمَدَ الْقَصْرَ فِي قَوْلِهِ الْآتِي وَكَذَا يُقَالُ إلَخْ قَوْلُهُ: (وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ) أَيْ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ شَرْعِيَّةٌ يُبْطِلُهَا مَا يُبْطِلُ غَيْرَهَا ق ل. أَيْ وَيَلْزَمُهُ عَدَمُ قَصْرِهَا لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا أَوَّلًا تَامَّةً بِفِعْلِهَا، فَثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَذَلِكَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ) أَيْ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ مِنْ أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا صَلَاةً شَرْعِيَّةً أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَقَوْلُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ أَيْ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ فَقَدْ قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةً شَرْعِيَّةً لَمْ يَسْقُطْ بِهَا طَلَبُ فِعْلِهَا، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ بِهَا حُرْمَةُ الْوَقْتِ فَقَطْ فَكَأَنَّهَا كَالْعَدَمِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَنْ صَلَّى بِتَيَمُّمٍ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ ثُمَّ أَعَادَهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (فِي نِيَّةِ الْقَصْرِ) أَيْ فِي نِيَّةِ الْإِمَامِ الْقَصْرَ قَوْلُهُ (لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَأْمُومِ حَالُ الْإِمَامِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَأْمُومِ مَا نَوَاهُ الْإِمَامُ إلَخْ فَهُوَ رَاجِعٌ لِصُورَتَيْ الْجَزْمِ وَالتَّعْلِيقِ.
اهـ. م د قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِالنِّيَّةِ) صَوَابُهُ فَإِنْ عَلَّقَ الْقَصْرَ فِي نِيَّتِهِ ق ل قَوْلُهُ: (جَازَ لَهُ الْقَصْرُ) وَلَا يَضُرُّ التَّعْلِيقُ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّقٌ بِصَلَاةِ إمَامِهِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِأَنَّ مَحَلَّ اخْتِلَالِ النِّيَّةِ بِالتَّعْلِيقِ مَا لَمْ يَكُنْ تَصْرِيحًا بِمُقْتَضَى الْحَالِ وَإِلَّا فَلَا يَضُرُّ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ تَصْرِيحٌ بِالْمُقْتَضَى) بِالْفَتْحِ أَيْ مُقْتَضَى الْحَالِ وَهُوَ قَصْرُهُ إنْ قَصَرَ وَإِتْمَامُهُ إنْ أَتَمَّ قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِلْمَأْمُومِ مَا نَوَاهُ الْإِمَامُ) كَأَنْ جُنَّ الْإِمَامُ عَقِبَ سَلَامِهِ أَوْ مَاتَ أَوْ لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ احْتِيَاطًا) إذْ الْقَصْرُ رُخْصَةٌ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ، فَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ كُنْتُ نَوَيْتُ الْإِتْمَامَ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ أَوْ نَوَيْتُ الْقَصْرَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ اهـ. وَلَوْ لَزِمَ الْإِتْمَامُ الْإِمَامَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْمَأْمُومِ نَفْسَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِمَامٍ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأُمُورٌ) أَيْ أَرْبَعَةٌ قَوْلُهُ: (الْأَوَّلُ يُشْتَرَطُ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ قَوْلُهُ: (مُسَافِرًا) أَيْ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالسَّفَرِ وَلَوْ مُقِيمًا إقَامَةً لَا تَقْطَعُ السَّفَرَ كَأَنْ أَقَامَ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَوْ كَانَ يَنْتَظِرُ حَاجَتَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا غَيْرَ يَوْمَيْ
فَلَوْ انْتَهَى سَفَرُهُ فِيهَا كَأَنْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ أَوْ شَكَّ فِي انْتِهَائِهِ أَتَمَّ لِزَوَالِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ فِي الْأُولَى وَلِلشَّكِّ فِيهِ فِي الثَّانِيَةِ.
وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مَعْلُومٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوَّلَ سَفَرِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ طَوِيلٌ فَيَقْصُرَ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ لِانْتِفَاءِ عِلْمِهِ بِطُولِهِ أَوَّلَهُ، وَلَا طَالِبَ غَرِيمٍ أَوْ آبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ.
نَعَمْ إنْ قَصَدَ سَفَرَ مَرْحَلَتَيْنِ أَوَّلًا كَأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَطْلُوبَهُ قَبْلَهُمَا جَازَ لَهُ الْقَصْرُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، وَكَذَا لَوْ قَصَدَ الْهَائِمُ سَفَرَ مَرْحَلَتَيْنِ كَمَا شَمِلَتْهُ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ، وَلَوْ عَلِمَ الْأَسِيرُ أَنَّ سَفَرَهُ طَوِيلٌ وَنَوَى الْهَرَبَ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ لَمْ يَقْصُرْ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ وَيَقْصُرُ بَعْدَهُمَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ يَأْتِي فِي الزَّوْجَةِ وَالْعَبْدِ إذَا نَوَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهَا مَتَى تَخَلَّصَتْ مِنْ زَوْجِهَا رَجَعَتْ، وَالْعَبْدُ أَنَّهُ مَتَى عَتَقَ رَجَعَ فَلَا يَتَرَخَّصَانِ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ طَوِيلٌ يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَقَصِيرٌ لَا يَبْلُغُهَا فَسَلَكَ الطَّوِيلَ لِغَرَضٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَسُهُولَةِ طَرِيقٍ، أَوْ أَمْنٍ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ الْمُبَاحُ، وَإِنْ سَلَكَهُ لِمُجَرَّدِ الْقَصْرِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فَلَا يَقْصُرُ لِأَنَّهُ طَوَّلَ
[حاشية البجيرمي]
الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ لِأَنَّ حُكْمَ السَّفَرِ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ.
قَالَ ق ل: وَهَذَا الشَّرْطُ مِنْ أَفْرَادِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ.
وَيُشْتَرَطُ التَّحَرُّزُ إلَخْ قَوْلُهُ: (لِزَوَالِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ) وَهُوَ السَّفَرُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ قَوْلُهُ: (قَصْدُ مَوْضِعٍ) مُرَادُهُ قَصْدُ طُولِ السَّفَرِ اهـ ق ل قَوْلُهُ: (مَعْلُومٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَسَافَةِ قَوْلُهُ: (مُعَيَّنٍ) كَأَنْ قَصَدَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَوْ دِمَشْقَ، وَغَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَأَنْ قَصَدَ الشَّامَ إذْ الشَّامُ عَامٌّ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ وَنَحْوُهُ خَاصٌّ.
وَقِيلَ الْمَعْلُومُ الْمُعَيَّنُ كَالشَّامِ وَالْمَعْلُومُ الْغَيْرُ الْمُعَيَّنِ كَأَنْ قَصَدَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ مَحَلًّا بِعَيْنِهِ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ إذْ الشَّامُ مُعَيَّنٌ مِنْ غَيْرِهِ كَالْيَمَنِ اهـ أج قَوْلُهُ: (أَوَّلَ سَفَرِهِ) مَعْمُولٌ لَقَصَدَ وَالْمَعْلُومُ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ قَوْلُهُ: (لِيَعْلَمَ أَنَّهُ طَوِيلٌ) عِبَارَتُهُ تَشْمَلُ مَا لَوْ قَصَدَ كَافِرٌ مَرْحَلَتَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهِمَا فَإِنَّهُ يَقْصُرُ فِيمَا بَقِيَ لِقَصْدِهِ أَوَّلًا مَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الْقَصْرُ لَوْ كَانَ مُتَأَهِّلًا لَهُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فَيَقْصُرَ أَوَّلًا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَيَكُونُ ظَرْفًا لِيَقْصُرَ، وَأَمَّا قِرَاءَتُهُ بِسُكُونِهَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُحَشِّيِّ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ أَيْ أَوْ لَا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ) أَيْ لِأَنَّ سَفَرَهُ مَعْصِيَةٌ إذْ إتْعَابُ النَّفْسِ بِالسَّفَرِ لِغَيْرِ غَرَضٍ حَرَامٌ اهـ. وَسَوَاءٌ سَلَكَ طَرِيقًا مَسْلُوكًا أَمْ لَا فَإِنْ رَكِبَ طَرِيقًا غَيْرَ مَسْلُوكٍ سُمِّيَ رَاكِبَ التَّعَاسِيفِ فَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي أَنَّهَا لَا يَقْصِدَانِ مَحَلًّا مُعَيَّنًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ سَلَكَ طَرِيقًا مَسْلُوكًا سُمِّيَ هَائِمًا فَقَطْ، أَوْ طَرِيقًا غَيْرَ مَسْلُوكٍ سُمِّيَ هَائِمًا وَرَاكِبَ التَّعَاسِيفِ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ يَجْتَمِعَانِ فِي مَادَّةٍ وَيَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا فِي أُخْرَى، وَالتَّعَاسِيفُ جَمْعُ تَعَسُّفٍ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعَسَّفَ مَالَهُ أَوْ مِنْ عَسَّفَهُ تَعَسُّفًا أَتْعَبَهُ اهـ أج قَوْلُهُ: (وَلَا طَالِبَ غَرِيمٍ) أَيْ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَرْحَلَتَيْنِ، فَإِنْ جَاوَزَهُمَا قَصَرَ فِيمَا بَعْدَهُمَا وَهَذَا غَيْرُ الِاسْتِدْرَاكِ الْآتِي قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ قَصَدَ الْهَائِمُ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي كَوْنِ هَذَا هَائِمًا نَظَرٌ.
اهـ. ق ل قَوْلُهُ: (نَوَى الْهَرَبَ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ لَمْ يَقْصُرْ) أَيْ لِمُعَارَضَةِ نِيَّةِ الْهَرَبِ لِعِلْمِهِ بِطُولِهِ قَوْلُهُ: (مَتَى تَخَلَّصَتْ إلَخْ) أَيْ أَوْ تَمَكَّنَتْ مِنْ النُّشُوزِ نَشَزَتْ، وَالْعَبْدُ مَتَى تَمَكَّنَ مِنْ الْهَرَبِ هَرَبَ لَمْ يَقْصُرُوا قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ لِمُنَافَاةِ نِيَّتِهِمَا لِعِلْمِهِمَا بِطُولِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى عَلِمَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الْأَسِيرُ طُولَ الْمَسَافَةِ فَلَهُمْ الْقَصْرُ مَا لَمْ يَنْوُوا الْهَرَبَ وَنَحْوَهُ، فَإِنْ نَوَوْهُ فَلَا قَصْرَ إلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الْمَسَافَةِ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَلَا قَصْرَ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ نَوَوْا الْهَرَبَ وَنَحْوَهُ أَمْ لَا مَا لَمْ يَبْلُغُوا مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَلَوْ نَوَوْا سَيْرَ مَرْحَلَتَيْنِ قَصَرَ الْجُنْدِيُّ إنْ لَمْ يُثْبَتْ قَوْلُهُ: (لِغَرَضٍ دِينِيٍّ) أَيْ وَلَوْ مَعَ نِيَّةِ الْقَصْرِ فَلَا يَضُرُّ التَّشْرِيكُ، وَمَثَّلَ الْمَرْحُومِيُّ لِلْغَرَضِ الدِّينِيِّ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ زِيَارَةِ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ قَوْلُهُ: (أَوْ دُنْيَوِيٍّ) وَمِنْهُ قَصْدُ النُّزْهَةِ وَلَا يَقْصُرُ مَنْ قَصَرَ ابْتِدَاءَ السَّفَرِ لَهَا، وَهَذِهِ خَارِجَةٌ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ.
اهـ. ق ل قَوْلُهُ: (كَسُهُولَةِ طَرِيقٍ) أَيْ أَوْ رُخْصِ سِعْرِ بِضَاعَةٍ أَوْ زِيَادَةٍ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَمْنٍ) أَوْ فِرَارٍ مِنْ الْمَكَّاسِينَ قَوْلُهُ: (جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ إلَخْ) وَمِنْهُ مَا لَوْ سَلَكَ لِغَرَضِ التِّجَارَةِ أَوْ التَّنَزُّهِ قَالَ م ر: لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ انْضَمَّ لَهُ مَا ذُكِرَ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْغَرَضُ التَّنَزُّهَ كَأَنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ فَلَا يَقْصُرْ اهـ.
الطَّرِيقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ وَلَوْ تَبِعَ الْعَبْدُ أَوْ الزَّوْجَةُ أَوْ الْجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمْرِهِ فِي السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقْصِدَهُ فَلَا قَصْرَ لَهُمْ وَهَذَا قَبْلَ بُلُوغِهِمْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، فَإِنْ قَطَعُوهَا قَصَرُوا كَمَا مَرَّ فِي الْأَسِيرِ، فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَحْدَهُمْ دُونَ مَتْبُوعِهِمْ قَصَرَ الْجُنْدِيُّ غَيْرُ الْمُثْبَتِ فِي الدِّيوَانِ دُونَهُمَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ الْأَمِيرِ قَهْرُهُ بِخِلَافِهِمَا فَنِيَّتُهُمَا كَالْعَدَمِ، أَمَّا الْمُثْبَتُ فِي الدِّيوَانِ فَهُوَ مِثْلُهُمَا لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ تَحْتَ يَدِ الْأَمِيرِ وَمِثْلُهُ الْجَيْشُ.
وَالثَّالِثُ: يُشْتَرَط لِلْقَصْرِ مُجَاوَزَةُ سُوَرٍ مُخْتَصٍّ بِمَا سَافَرَ مِنْهُ كَبَلَدٍ وَقَرْيَةٍ وَإِنْ كَانَ دَاخِلَهُ أَمَاكِنُ خَرِبَةٌ وَمَزَارِعُ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا هُوَ دَاخِلَهُ مَعْدُودٌ مِمَّا سَافَرَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُوَرٌ مُخْتَصٌّ بِهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ سُوَرٌ مُطْلَقًا أَوْ فِي صَوْبِ سَفَرِهِ أَوْ كَانَ لَهُ سُوَرٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ كَقُرًى مُتَفَاصِلَةٍ جَمَعَهَا سُوَرٌ فَأَوَّلُهُ مُجَاوَزَةُ عُمْرَانٍ وَإِنْ تَخَلَّلَهُ خَرَابٌ لَا مُجَاوَزَةُ خَرَابٍ بِطَرْفِهِ هُجِرَ بِالتَّحْوِيطِ عَلَى الْعَامِرِ أَوْ زُرِعَ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي، أَوْ انْدَرَسَ بِأَنْ ذَهَبَتْ أُصُولُ حِيطَانِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلُّ إقَامَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ
[حاشية البجيرمي]
شَرْحُ م ر خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّنَزُّهِ وَرُؤْيَةِ الْبِلَادِ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْغَرَضُ التَّنَزُّهَ جَازَ عَلَى الْأَوْجَهِ.
قَالَ لِأَنَّهُ غَرَضٌ مَقْصُودٌ إذْ هُوَ إزَالَةُ الْكُدُورَةِ النَّفْسِيَّةِ بِرُؤْيَةِ مُسْتَحْسَنٍ يَغْسِلُهَا عَنْهَا، بِخِلَافِ مُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الْبِلَادِ ابْتِدَاءً أَوْ عِنْدَ الْعُدُولِ لِأَنَّهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ وَلُزُومُ التَّنَزُّهِ لَهُ لَا نَظَرَ إلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ اهـ أج قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ طَوَّلَ الطَّرِيقِ إلَخْ) قَالَ م ر: وَكَذَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْمُتَعَمِّدِ بِخِلَافِ الْغَالِطِ وَالْجَاهِلِ بِالْأَقْرَبِ مِنْهُمَا فَإِنَّ الْأَوْجَهَ قَصْرُهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا غَرَضٌ فِي سُلُوكِهِ، أَمَّا لَوْ كَانَا طَوِيلَيْنِ فَيَقْصُرُ مُطْلَقًا وَإِنْ سَلَكَ أَطْوَلَهُمَا لِغَرَضِ الْقَصْرِ، وَمَا اُعْتُرِضَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا سَلَكَ الْأَطْوَلَ لِغَرَضِ الْقَصْرِ فَقَطْ كَانَ إتْعَابًا لِلنَّفْسِ وَهُوَ حَرَامٌ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْحُرْمَةَ هُنَا بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْقَصْرِ لِبَقَاءِ أَصْلِ السَّفَرِ عَلَى إبَاحَتِهِ اهـ أج قَوْلُهُ: (أَوْ الْجُنْدِيُّ) أَيْ الْمُقَاتِلُ وَقَوْلُهُ (أَمْرِهِ) أَيْ الْأَحَدُ قَوْلُهُ: (قَصَرُوا كَمَا مَرَّ) وَلَهُمْ قَصْرُ مَا فَاتَهُمْ فِيهَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا فَائِتَةُ سَفَرٍ م ر وز ي وَالْأَوْجَهُ أَنَّ رُؤْيَةَ قَصْرِ الْمَتْبُوعِ الْعَالِمِ بِشُرُوطِ الْقَصْرِ بِمُجَرَّدِ مُفَارَقَتِهِ لِمَحَلِّهِ كَعِلْمِ مَقْصِدِهِ شَرْحُ حَجّ قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُثْبَتُ فِي الدِّيوَانِ فَهُوَ مِثْلُهُمَا) وَمِثْلُ الْمُثْبَتِ مَنْ يَخْتَلُّ بِهِ النِّظَامُ وَلَوْ غَيْرَ مُثْبَتٍ ق ل قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْجُنْدِيِّ الْمُثْبَتِ الْجَيْشُ لِاخْتِلَالِ النِّظَامِ بِرُجُوعِهِ.
وَعِبَارَةُ أج: وَمِثْلُهُ الْجَيْشُ أَيْ لِأَنَّهُ تَحْتَ أَمْرِ الْأَمِيرِ وَطَاعَتِهِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْجَيْشَ إذَا بَعَثَهُ الْإِمَامُ وَأَمَّرَ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ شَرْعًا، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ طَاعَةُ سَيِّدِهِ وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا نَوَى جَمِيعُ الْجَيْشِ فَنِيَّتُهُمْ لِلرُّجُوعِ كَالْعَدَمِ لِأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ التَّخَلُّفُ عَنْ الْأَمِيرِ بِخِلَافِ الْجُنْدِيِّ الْوَاحِدِ مِنْ الْجَيْشِ لِأَنَّ مُفَارَقَتَهُ الْجَيْشَ مُمْكِنَةٌ فَاعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (مُجَاوَزَةُ سُورٍ) وَإِنْ كَانَ ظَهْرُهُ مُلْصَقًا بِهِ ز ي وَالْخَنْدَقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَاءٌ فِيمَا لَا سُورَ لَهُ كَالسُّورِ وَلَا أَثَرَ لِلْخَنْدَقِ مَعَ وُجُودِ السُّورِ.
اهـ. ع ش. وَالْمُرَادُ مُجَاوَزَةُ السُّورِ وَإِنْ تَعَدَّدَ وَإِنْ كَانَ مُنْهَدِمًا حَيْثُ بَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ وَلَمْ يُهْجَرْ بِأَنْ جُعِلَ سُورٌ دَاخِلُهُ كَمَا ذَكَرَهُ ح ل. وَالسُّورُ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ كَمَا قَالَهُ ق ل وَفِي أج هُوَ بِالْوَاوِ وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ السُّؤْرُ بِالْهَمْزِ الْبَقِيَّةُ وَبِعَدَمِهَا الْمُحِيطُ بِالْبَلَدِ اهـ قَوْلُهُ: (بِمَا سَافَرَ مِنْهُ) أَيْ جَانِبِ بَلَدِهِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أَوْ فِي صَوْبِ سَفَرِهِ شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (كَبَلَدٍ وَقَرْيَةٍ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَلَدِ وَالْقَرْيَةِ أَنَّ الْأُولَى الْأَبْنِيَةُ الْكَثِيرَةُ الْمُجْتَمِعَةُ، وَالْقَرْيَةُ الْأَبْنِيَةُ الْقَلِيلَةُ الْمُجْتَمِعَةُ اهـ خ ض وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرُوهُ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ أَنَّ الْمِصْرَ مَا كَانَ فِيهَا حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ وَشُرَطِيٌّ وَسُوقٌ، وَالْبَلَدُ مَا خَلَتْ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، وَالْقَرْيَةُ مَا خَلَتْ عَنْ الْجَمِيعِ قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) فِي صَوْبِ سَفَرِهِ أَوْ لَا قَوْلُهُ: (فِي صَوْبِ سَفَرِهِ) لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ مَا يُخْرِجُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ بِمَا سَافَرَ مِنْهُ مُخْرِجًا لَهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي صَوْبِ مَقْصِدِهِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُورٌ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ، وَإِنْ صَدَقَ أَنَّ لِلْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ سُورًا فِي الْجُمْلَةِ ع ش. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي كَلَامِهِ سَابِقًا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُورٌ فِي صَوْبِ مَقْصِدِهِ مُخْتَصٌّ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سُورٌ أَصْلًا أَوْ كَانَ لَهُ سُورٌ فِي غَيْرِ صَوْبِ مَقْصِدِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ سُورٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ قَوْلُهُ: (هُجِرَ بِالتَّحْوِيطِ) خَرَجَ مَا لَوْ هُجِرَ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ التَّرَدُّدِ إلَيْهِ شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي) أَيْ قَوْلُهُ وَمَزَارِعُ قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ خَرَابٌ لَيْسَ كَذَلِكَ أَيْ لَمْ يُهْجَرْ بِالتَّحْوِيطِ عَلَى الْعَامِرِ وَلَمْ
يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَا مُجَاوَزَةُ بَسَاتِينَ وَمَزَارِعَ كَمَا فَهِمْت بِالْأَوْلَى وَإِنْ اتَّصَلَتَا بِمَا سَافَرَ مِنْهُ أَوْ كَانَتَا مَحُوطَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا لَا يُتَّخَذَانِ لِلْإِقَامَةِ، وَلَوْ كَانَ بِالْبَسَاتِينِ قُصُورٌ أَوْ دُورٌ تُسْكَنُ فِي بَعْضِ فُصُولِ السَّنَةِ لَمْ يُشْتَرَطْ مُجَاوَزَتُهَا عَلَى الظَّاهِرِ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْبَلَدِ، وَالْقَرْيَتَانِ الْمُتَّصِلَتَانِ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُمَا وَأَوَّلُهُ لِسَاكِنِ خِيَامٍ كَالْأَعْرَابِ مُجَاوَزَةُ حِلَّةٍ فَقَطْ، وَمَعَ مُجَاوَزَةِ عَرْضِ وَادٍ إنْ سَافَرَ فِي عَرْضِهِ، وَمَعَ مُجَاوَزَةِ عَرْضِ مَهْبِطٍ إنْ كَانَ فِي رَبْوَةٍ، وَمَعَ مُجَاوَزَةِ مِصْعَدٍ إنْ كَانَ فِي وَهْدَةٍ هَذَا إنْ اعْتَدَلَتْ الثَّلَاثَةُ، فَإِنْ أَفْرَطَتْ سَعَتُهَا اكْتَفَى
[حاشية البجيرمي]
يُزْرَعْ وَلَمْ يَنْدَرِسْ قَوْلُهُ: (كَمَا فَهِمْت) أَيْ الْمَزَارِعُ بِالْأَوْلَى لِأَنَّ الْبَسَاتِينَ حَوْلَهَا بِنَاءٌ بِخِلَافِ الْمَزَارِعِ، فَإِذَا لَمْ تُشْتَرَطْ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ فَبِالْأَوْلَى لَا تُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْمَزَارِعِ هَذَا مُرَادُ الشَّارِحِ، وَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لَوْ تَرَكَ ذِكْرَ الْمَزَارِعِ مَعَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِهَا فَهِيَ مَفْهُومَةٌ بِالتَّصْرِيحِ لَا مِنْ الْبَسَاتِينِ، وَمَا ذَكَرَهُ سَرَى لَهُ مِنْ مَتْنِ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْمَزَارِعَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ بِالْبَسَاتِينِ) أَيْ الْمُتَّصِلَةِ بِمَا سَافَرَ مِنْهُ قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ فُصُولِ السَّنَةِ) وَكَذَا فِي كُلِّ السَّنَةِ كَمَا قَالَهُ ح ل. وَعِبَارَةُ ع ش: فَلَوْ كَانَتْ تُسْكَنُ فِي كُلِّ السَّنَةِ وَاتَّصَلَتْ بِالْبَلَدِ فَهُمَا كَالْقَرْيَتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُمَا اهـ بِحُرُوفِهِ قَوْلُهُ: (لَمْ تُشْتَرَطْ مُجَاوَزَتُهَا) أَيْ وَإِنْ كَانَتْ فِي هَذَا الْوَقْتِ مَسْكُونَةً ع ش قَوْلُهُ: (وَالْقَرْيَتَانِ الْمُتَّصِلَتَانِ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا سُورٌ وَإِلَّا اُعْتُبِرَ ق ل. وَقَوْلُهُ: الْمُتَّصِلَتَانِ أَيْ عُرْفًا وَإِنْ اخْتَلَفَ اسْمُهُمَا وَإِلَّا اكْتَفَى بِمُجَاوَزَةِ قَرْيَةِ الْمُسَافِرِ.
وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ: يَكْفِي فِي الِانْفِصَالِ ذِرَاعٌ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْعُرْفُ أج.
قَالَ سم: وَالْحَاصِلُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْقَرْيَتَيْنِ أَنَّهُمَا إنْ اتَّصَلَ بُنْيَانُهُمَا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا سُورٌ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُورٌ اُشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ فَقَطْ، وَإِنْ اتَّصَلَ الْبُنْيَانُ اهـ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَقْصُرُ بِمُجَاوَزَةِ بَابِ زُوَيْلَةَ ع ش عَلَى م ر. وَمِثْلُهُ مُجَاوَزَةُ بَابِ الْفُتُوحِ لِأَنَّهُمَا طَرَفَا الْقَاهِرَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف قَوْلُهُ: (لِسَاكِنِ خِيَامٍ) الْخِيَامُ جَمْعُ خَيْمٍ كَكَلْبٍ وَكِلَابٍ وَخَيْمٌ جَمْعُ خَيْمَةٍ كَتَمْرٍ وَتَمْرَةٍ فَخِيَامٌ جَمْعُ الْجَمْعِ وَالْخَيْمَةُ بَيْتٌ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَعْوَادٍ تُنْصَبُ وَتُسْقَفُ بِشَيْءٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ أَمَّا الْمُتَّخَذُ مِنْ ثِيَابٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يُقَالُ لَهُ خَيْمَةٌ بَلْ خِبَاءٌ اهـ أج وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَيْهِ خَيْمَةٌ مَجَازًا وَهَذَا بِحَسَبِ الْأَصْلِ أَمَّا فِي الْعُرْفِ فَصَارَتْ الْخَيْمَةُ اسْمًا لِمَا هُوَ مِنْ الثِّيَابِ وَنَحْوِهَا اهـ قَوْلُهُ: (مُجَاوَزَةُ حِلَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَهِيَ بُيُوتٌ مُجْتَمِعَةٌ أَوْ مُتَفَرِّقَةٌ بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ أَهْلُهَا لِلسَّمَرِ أَيْ التَّحَدُّثِ لَيْلًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيَسْتَعِيرُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَيَدْخُلُ فِي مُجَاوَزَتِهَا عُرْفًا مُجَاوَزَةُ مَرَافِقِهَا كَمَطْرَحِ الرَّمَادِ وَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ وَالنَّادِي وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ لِأَنَّهَا مَعْدُودَةٌ مِنْ مَوَاضِعِ إقَامَتِهِمْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَيُعْتَبَرُ فِي الْقَرْيَةِ أَيْضًا مُجَاوَزَةُ مَرَافِقِهَا كَمَطْرَحِ الرَّمَادِ وَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَوَافَقَ عَلَيْهِ م ر. اهـ. سم، وَضَعَّفَهُ ح ف وَاعْتَمَدَ أَنَّ الْقَرْيَةَ يَكْتَفِي فِيهَا بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: السُّورُ أَوْ الْخَنْدَقُ إنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ أَوْ الْعُمْرَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ وَلَا خَنْدَقٌ اهـ. قَالَ عَمِيرَةُ: بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اشْتِرَاطَ مُجَاوَزَةِ الْمَقَابِرِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْقَرْيَةِ الَّتِي لَا سُورَ لَهَا سم.
وَبَقِيَ مَا لَوْ هَجَرُوا الْمَقْبَرَةَ الْمَذْكُورَةَ وَاِتَّخَذُوا غَيْرَهَا لِلدَّفْنِ هَلْ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِنِسْبَتِهَا لَهُمْ وَاحْتِرَامِهَا.
نَعَمْ لَوْ انْدَرَسَتْ وَانْقَطَعَتْ نِسْبَتُهَا لَهُمْ فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: (فَقَطْ) إنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ فَقَطْ عَدَمَ مُجَاوَزَةِ حِلَّةٍ أُخْرَى لِأَنَّهَا كَالْقُرَى فِيمَا تَقَدَّمَ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ عَدَمَ مُجَاوَزَةِ مَطْرَحِ الرَّمَادِ وَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ وَمُرْتَكَضِ الْخَيْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ضَعِيفٌ.
اهـ. ق ل. وَيُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكْفِي مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مِنْ الْعَرْضِ وَنَحْوِهِ وَيُصَوَّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا اتَّسَعَتْ الْمَذْكُورَاتُ جِدًّا فَصَحَّ قَوْلُهُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَمَعَ مُجَاوَزَةِ عَرْضِ وَادٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَقَطْ، أَيْ مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ إمَّا فَقَطْ إنْ كَانَتْ الْحِلَّةُ بِمُسْتَوٍ وَلَمْ تَكُنْ فِي وَادٍ وَلَا مَهْبِطٍ وَمِصْعَدٍ مُعْتَدِلَةً، وَأَمَّا مَعَ مُجَاوَزَةِ عَرْضِ وَادٍ إلَخْ أَيْ إنْ كَانَتْ فِي وَادٍ اهـ. وَالْوَادِي الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَنَحْوِهِمَا ح ف قَوْلُهُ: (مَهْبِطٍ) كَمَسْجِدٍ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ أَيْ مَحَلُّ هُبُوطٍ قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ) أَيْ الْمُسَافِرُ
بِمُجَاوَزَةِ الْحِلَّةِ عُرْفًا وَيَنْتَهِي سَفَرُهُ بِبُلُوغِ مَبْدَإِ سَفَرٍ مِنْ سُوَرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ وَطَنِهِ أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ إلَيْهِ أَوَّلًا وَقَدْ نَوَى قَبْلَ بُلُوغِهِ وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ إقَامَةً بِهِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لَهَا إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ، وَبِإِقَامَتِهِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ إرْبَهُ لَا يَنْقَضِي فِيهَا وَإِنْ تَوَقَّعَهُ كُلَّ وَقْتٍ قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا صِحَاحًا وَلَوْ غَيْرَ مُحَارِبٍ، وَيَنْتَهِي أَيْضًا سَفَرُهُ بِنِيَّةِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (فِي رَبْوَةٍ) أَيْ عُلْوَةٍ قَوْلُهُ: (فِي وَهْدَةٍ) أَيْ وَطِيَّةٍ قَوْلُهُ: (اكْتَفَى بِمُجَاوَزَةِ الْحِلَّةِ عُرْفًا) أَيْ مَعَ مُجَاوَزَةِ مَرَافِقِهَا، وَيُعْتَبَرُ فِي سَيْرِ السَّفِينَةِ فِي الْبَحْرِ الْمُتَّصِلِ سَاحِلُهُ كَأَهْلِ جُدَّةَ وَالسُّوَيْسِ وَالطُّورِ وَبُولَاقَ وَدِمْيَاطَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة جَرْيُ السَّفِينَةِ أَوْ الزَّوْرَقِ إلَيْهَا آخِرًا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَعَ مَا نُقِلَ عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّ سَيْرَ الْبَحْرِ يُخَالِفُ سَيْرَ الْبَرِّ وَكَأَنَّهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَعُدُّ الْمُسَافِرَ فِيهِ مُسَافِرًا إلَّا بَعْدَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ أَوْ الزَّوْرَقِ أَيْ آخَرَ مَرَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا وَإِنْ لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهَا لِأَنَّ مَنْ بِهَا صَارَ فِي قُوَّةِ الْمُسَافِرِ بِخِلَافِهِ فِي الْبَرِّ فَإِنَّهُ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ الْعُمْرَانِ، وَإِنْ الْتَصَقَ ظَهْرُهُ بِهِ يُعَدُّ مُسَافِرًا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَمَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ تَجْرِ السَّفِينَةُ مُحَاذِيَةً لِلْبَلَدِ، فَإِنْ سَافَرَ مِنْ بُولَاقَ إلَى جِهَةِ الصَّعِيدِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْعُمْرَانِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: وَمَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ لَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَيْنَ بَلْدَةٍ لَهَا سُورٌ وَغَيْرِهَا خِلَافُ مَا حَاوَلَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ قَوْلُهُ: (وَيَنْتَهِي سَفَرُهُ إلَخْ) لَمَّا بَيَّنَ الْمَحَلَّ الَّذِي يَصِيرُ مُسَافِرًا إذَا وَصَلَ إلَيْهِ شَرَعَ يُبَيِّنُ الْمَحَلَّ الَّذِي إذَا وَصَلَ إلَيْهِ يَنْقَطِعُ سَفَرُهُ.
وَحَاصِلُ مَا يُقَالُ إنَّهُ إذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ إلَى وَطَنِهِ انْتَهَى مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ أَوْ لَا، كَانَ لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ وَنَوَى قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ إقَامَةً مُطْلَقًا أَوْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ وَكَانَ وَقْتَ النِّيَّةِ مَاكِثًا مُسْتَقِلًّا انْتَهَى سَفَرُهُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِ السُّورِ أَيْضًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ أَصْلًا أَوْ نَوَى إقَامَةَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَلَا يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِوُصُولِ السُّورِ وَإِنَّمَا يَنْتَهِي بِإِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ غَيْرِ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ.
وَصُورَتُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَاجَةٌ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ لَهُ حَاجَةٌ وَلَمْ يَتَوَقَّعْهَا بَلْ جَزَمَ بِأَنَّهَا لَا تُقْضَى فِي الْأَرْبَعَةِ انْتَهَى سَفَرُهُ بِمُجَرَّدِ الْمُكْثِ وَالِاسْتِقْرَارِ، سَوَاءٌ نَوَى الْإِقَامَةَ بَعْدَ الْوُصُولِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (بِبُلُوغِ مَبْدَإِ سَفَرٍ) أَيْ لِوُصُولِهِ إلَى مَا شُرِطَتْ مُجَاوَزَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إقَامَةً ق ل. وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ ابْتِدَاءُ السَّفَرِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِقَامَةُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ قَطْعُهَا إلَّا بِتَحَقُّقِ السَّفَرِ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْخُرُوجِ وَالسَّفَرُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَانْقَطَعَ بِمُجَرَّدِ الْوُصُولِ لِلْوَطَنِ وَإِنْ كَانَ مَارًّا بِهِ فِي سَفَرِهِ.
اهـ. ز ي أج.
قَوْلُهُ: (مِنْ وَطَنِهِ) وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ لِأَنَّ الْوَطَنَ لَهُ قُوَّةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ قَوْلُهُ: (رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ إلَيْهِ) كَأَنْ يَخْرُجَ الشَّامِيُّ مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِصْرَ.
وَقَوْلُهُ (أَوَّلًا) : كَأَنْ يَخْرُجَ الشَّامِيُّ مَثَلًا مِنْ مِصْرَ قَاصِدًا مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ سُورَ مَكَّةَ بِالنِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّ وُصُولَهُ سُورَ مَكَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَلَغَ مَبْدَأَ سَفَرٍ أَيْ لِغَيْرِ هَذَا الْمُسَافِرِ، وَلِذَا أَتَى بِهِ الشَّارِحُ نَكِرَةً وَبَعْضُهُمْ تَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مَبْدَأُ سَفَرِهِ فَارْتَبَكَ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف قَوْلُهُ: (وَقَدْ نَوَى) حَالٌ فَلَا يَكْفِي فِي انْقِطَاعِ سَفَرِهِ مُجَرَّدُ وُصُولِهِ إلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِقَامَةَ أَوْ نَوَاهَا بَعْدَ بُلُوغِهِ فَلَا يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِذَلِكَ أَيْ بِبُلُوغِ الْمَوْضِعِ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَنْتَهِي بِإِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فِي الْأُولَى وَبِالنِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِشَرْطِ الْمُكْثِ وَالِاسْتِقْلَالِ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِ م ر قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُسْتَقِلٌّ) خَرَجَ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ كَقِنٍّ وَزَوْجَةٍ فَلَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ الْمُخَالِفَةِ لِنِيَّةِ مَتْبُوعِهِ م ر. قَالَ سم: لَكِنْ لَا يَبْعُدُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ مَاكِثًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ وَصَمَّمَ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ أَثَّرَتْ نِيَّتُهُ اهـ أج قَوْلُهُ: (وَإِمَّا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ صِحَاحٍ) أَيْ غَيْرُ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ إذْ فِي الْأَوَّلِ الْحَطُّ وَفِي الثَّانِي الرَّحِيلُ، وَهُمَا مِنْ مُهِمَّاتِ السَّفَرِ الْمُقْتَضِي لِلرُّخْصَةِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَبِإِقَامَتِهِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ إرْبَهُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ وَبِفَتْحِهِمَا أَيْ حَاجَتَهُ لَا يَنْقَضِي فِيهَا أَيْ الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَوَقَّعَهُ كُلَّ وَقْتٍ) مِنْ ذَلِكَ انْتِظَارُ الرِّيحِ لِرَاكِبِ السَّفِينَةِ وَخُرُوجِ الرُّفْقَةِ إلَيْهِ وَإِلَّا سَافَرَ وَحْدَهُ، فَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يُسَافِرَ إلَّا مَعَ الرُّفْقَةِ لَمْ يَتَرَخَّصْ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالسَّفَرِ ز ي وَح ل قَوْلُهُ: (قَصَرَ) أَيْ تَرَخَّصَ إذْ لَهُ سَائِرُ رُخَصِ السَّفَرِ اهـ أج وَح ل. فَلَوْ قَالَ: تَرَخَّصَ ثَمَانِيَة عَشَرَ لَكَانَ أَعَمَّ لَكِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَصْرِ لِكَوْنِ الْكَلَامِ فِيهِ قَوْلُهُ: (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا صِحَاحًا)
رُجُوعِهِ مَاكِثًا وَلَوْ مِنْ طَوِيلٍ لَا إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِحَاجَةٍ بِأَنْ نَوَى رُجُوعَهُ إلَى وَطَنِهِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ لَا لِحَاجَةٍ فَلَا يَقْصُرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ سَافَرَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ، فَإِنْ كَانَ طَوِيلًا قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ وَلَوْ مِنْ قَصِيرٍ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِحَاجَةٍ لَمْ يَنْتَهِ سَفَرُهُ بِذَلِكَ، وَكَنِيَّةِ الرُّجُوعِ التَّرَدُّدُ فِيهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالرَّابِعُ: يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِجَوَازِ الْقَصْرِ، فَلَوْ قَصَرَ
[حاشية البجيرمي]
أَيْ لَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ لِخَبَرٍ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَهَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ لِحَرْبِ هَوَازِنَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَالْحَدِيثُ وَإِنْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ إلَّا أَنَّهُ اعْتَضَدَ بِشَوَاهِدَ جَبَرَتْهُ، وَصَحَّتْ رِوَايَةُ عِشْرِينَ عَلَى عَدِّهِ يَوْمَيْ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ، وَتِسْعَةَ عَشَرَ عَلَى عَدِّ أَحَدِهِمَا اهـ أج قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَيْرَ مُحَارِبٍ) أَيْ مُجَاهِدٍ، وَغَرَضُهُ بِهَذِهِ الْغَايَةِ الرَّدُّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ يَخُصُّ التَّرَخُّصَ بِالْمُقَاتِلِ.
وَبَقِيَ قَوْلَانِ ضَعِيفَانِ أَيْضًا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا لَعَلَّهُ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِمَا الْأَوَّلُ قِيلَ يَتَرَخَّصُ أَبَدًا.
وَالثَّانِي يَتَرَخَّصُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَقِيلَ: يَقْصُرُ أَرْبَعَةً فَقَطْ لِأَنَّ الْقَصْرَ يَمْتَنِعُ بِنِيَّةِ إقَامَةِ الْأَرْبَعَةِ فَبِفِعْلِهَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ النِّيَّةِ.
وَفِي قَوْلٍ: يَقْصُرُ أَبَدًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ دَامَتْ الْحَاجَةُ لَدَامَ الْقَصْرُ، وَقِيلَ الْخِلَافُ فِيمَا فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ لَا التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ كَالْمُتَفَقِّهِ فَلَا يَقْصُرَانِ فِيمَا فَوْقَهَا لِأَنَّ الْوَارِدَ إنَّمَا كَانَ فِي الْقِتَالِ وَالْمُقَاتِلُ أَحْوَجُ لِلتَّرَخُّصِ، وَأَجَابَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُرَخِّصَ إنَّمَا هُوَ وَصْفُ السَّفَرِ وَالْمُقَاتِلُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْتَهِي أَيْضًا إلَخْ) أَيْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ التَّرَخُّصُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي نَوَى فِيهِ، وَفِي عَوْدِهِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
وَلَوْ قَالَ: وَيَنْقَطِعُ سَفَرُهُ لَكَانَ أَنْسَبَ ق ل قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ مَاكِثًا) أَيْ لَا سَائِرًا لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ مَعَ السَّيْرِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فَنِيَّةُ الرُّجُوعِ مَعَهُ كَذَلِكَ.
اهـ. رَمْلِيٌّ مَرْحُومِيٌّ.
فَلَا يَقْصُرُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَوَى فِيهِ الرُّجُوعَ وَهُوَ مَاكِثٌ فَإِنْ سَارَ إلَى جِهَةِ مَقْصِدِهِ أَوْ رَاجِعًا إلَى وَطَنِهِ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ فَيَقْصُرُ فِي الرُّجُوعِ إنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطَنِهِ مَرْحَلَتَانِ فَأَكْثَرُ قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ طَوِيلٍ) أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَحَلِّ الْمَرْجُوعِ مِنْهُ إلَى الْمَحَلِّ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ ح ل قَوْلُهُ: (لَا إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِحَاجَةٍ) هَذَا النَّفْيُ صَادِقٌ بِثَلَاثِ صُوَرٍ؛ بِأَنْ نَوَى الرُّجُوعَ إلَى وَطَنِهِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا، أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَنْتَهِي السَّفَرُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْقَصْرُ وَلَا الْجَمْعُ.
مَا دَامَ مُقِيمًا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي نَوَى الرُّجُوعَ فِيهِ، وَوَجْهُ أَخْذِ هَذِهِ الصُّوَرِ مِنْ تِلْكَ الْعِبَارَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ نَفْيٌ " وَلَا " السَّابِقَةُ عَلَيْهِ لِلنَّفْيِ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَإِذَا أَدْخَلْنَا لَا عَلَى غَيْرِ وَطَنِهِ صَارَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ، أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَمْ لَا، وَإِذَا سَلَّطْنَا لَا عَلَى لِحَاجَةٍ وَأَبْقَيْنَا غَيْرَ وَطَنَهُ عَلَى حَالِهِ كَانَ الْمَعْنَى رَجَعَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَهَذِهِ صُورَةٌ تُضَمُّ لِلِاثْنَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ، وَأَمَّا مَفْهُومُ هَذَا النَّفْيِ فَصُورَةٌ وَهِيَ مَا إذَا رَجَعَ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِحَاجَةٍ فَلَا يَنْتَهِي سَفَرُهُ فَقَوْلُهُ: لَا إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ وَيَنْتَهِي سَفَرُهُ بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ لِوَطَنِهِ مُطْلَقًا، أَيْ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا، وَبِنِيَّةِ رُجُوعِهِ لِغَيْرِ وَطَنِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ شَامِلٌ لِثَلَاثِ صُوَرٍ قَالَهُ سم قَوْلُهُ: (بِأَنْ نَوَى رُجُوعَهُ إلَخْ) لِحَاجَةٍ أَوْ لَا، كَأَنْ سَافَرَ مِنْ مِصْرَ إلَى دِمْيَاطَ لَكِنْ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى دِمْيَاطَ بِرُبْعِ يَوْمٍ مَثَلًا مَكَثَ بِبَلْدَةٍ وَنَوَى الرُّجُوعَ إلَى مِصْرَ، وَبَيْنَ الْبَلْدَةِ وَمِصْرَ سَفَرٌ طَوِيلٌ وَهَذَا مِثَالٌ لِقَوْلِهِ: وَلَوْ مِنْ طَوِيلٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (فَلَا يَقْصُرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ) أَيْ الْمَاكِثُ فِيهِ الَّذِي نَوَى فِيهِ الرُّجُوعَ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: امْتَنَعَ قَصْرُهُ مَا دَامَ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِلِ كَمَا جَزَمُوا بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَافَرَ) أَيْ لِمَقْصِدِهِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ لِمَا خَرَجَ مِنْهُ شَرْحِ م ر قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ قَصِيرٍ) كَمَا لَوْ نَوَى الْمِصْرِيُّ أَنْ يُسَافِرَ إلَى دِمْيَاطَ، فَلَمَّا وَصَلَ إلَى قَلْيُوبَ نَوَى الرُّجُوعَ إلَى بَلَدٍ فِي الصَّعِيدِ لِحَاجَةٍ فَلَا يَنْتَهِي سَفَرُهُ بِالرُّجُوعِ وَلَا بِنِيَّتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (لَمْ يَنْتَهِ سَفَرُهُ بِذَلِكَ) أَيْ بِالنِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَهُ الْقَصْرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَبَعْدَ رُجُوعِهِ ح ل قَوْلُهُ: (التَّرَدُّدُ فِيهِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِيهِ لِوَطَنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ انْتَهَى سَفَرُهُ، وَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي الرُّجُوعِ إلَى غَيْرِ وَطَنِهِ لِحَاجَةٍ لَمْ يَنْتَهِ سَفَرُهُ بِذَلِكَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَالَ م ر: وَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي زَمَنِنَا مِنْ دُخُولِ بَعْضِ الْحُجَّاجِ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِنَحْوِ يَوْمٍ مَعَ عَزْمِهِمْ عَلَى الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ مِنًى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ، هَلْ يَنْقَطِعُ سَفَرُهُمْ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِمْ
جَاهِلًا بِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا تَنْبِيهٌ: الصَّوْمُ لِمُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَالْقَصْرُ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ إنْ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِ قَصْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهَا فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَمَّا لَوْ اُخْتُلِفَ فِيهِ كَمَلَّاحٍ يُسَافِرُ فِي الْبَحْرِ وَمَعَهُ عِيَالُهُ فِي سَفِينَتِهِ وَمَنْ يُدِيمُ السَّفَرَ مُطْلَقًا فَالْإِتْمَامُ لَهُ أَفْضَلُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ.
وَلَمَّا فَرَغَ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَحْكَامِ الْقَصْرِ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ) سَفَرَ قَصْرٍ (أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ) صَلَاتَيْ (الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ) تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا (وَ) أَنْ يَجْمَعَ (بَيْنَ) صَلَاتَيْ (الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
[حاشية البجيرمي]
مَكَّةَ نَظَرًا لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِهَا وَلَوْ فِي الْأَثْنَاءِ أَوْ يَسْتَمِرُّ سَفَرُهُمْ إلَى رُجُوعِهِمْ إلَيْهَا مِنْ مِنًى لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَقْصُودِهِمْ، فَلَا تَأْثِيرَ لِنِيَّتِهِمْ الْإِقَامَةَ الْقَصِيرَةَ قَبْلَهَا وَلَا الطَّوِيلَةَ إلَّا عِنْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ مِنًى وَدُخُولِهِمْ مَكَّةَ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ.
وَالثَّانِي أَقْرَبُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّابِعُ يُشْتَرَطُ) الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ يُشْتَرَطُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَضُرَّهُ) فَإِنْ ضَرَّهُ أَيْ بِنَحْوِ أَلَمٍ يَشُقُّ احْتِمَالُهُ عَادَةً فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ، أَمَّا إذَا خَشِيَ مِنْهُ تَلَفَ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ فَيَجِبُ الْفِطْرُ، فَإِنْ صَامَ عَصَى وَأَجْزَأَهُ.
اهـ. ز ي قَوْلُهُ: (وَالْقَصْرُ لَهُ أَفْضَلُ) مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يُفَوِّتْ الْجَمَاعَةَ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّاهَا تَامَّةً صَلَّاهَا جَمَاعَةً فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَحَلَّ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ مَا لَمْ يُعَارِضْ سُنَّةً صَحِيحَةً كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ قَوْلِهِ وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ عَلَى قَوْلِهِ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقَصْرِ وَالصَّوْمُ دَخِيلٌ فِيهِ قَوْلُهُ: (إنْ بَلَغَ) أَيْ إنْ كَانَ يَبْلُغُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ قَطْعُهَا قَوْلُهُ: (فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ) بَلْ يُكْرَهُ الْقَصْرُ كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ إلَّا فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَالْقَصْرُ أَفْضَلُ اهـ أج قَوْلُهُ: (خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُوجِبُ الْقَصْرَ إنْ بَلَغَهَا وَالْإِتْمَامَ إنْ لَمْ يَبْلُغْهَا.
اهـ. شَرْحِ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (وَمَعَهُ عِيَالُهُ) لَيْسَ قَيْدًا قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ مَعَهُ عِيَالُهُ أَوْ لَا وَهُوَ فِي السَّفِينَةِ.
وَقَوْلُهُ: فَالْإِتْمَامُ أَفْضَلُ أَيْ فِي الْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ الْإِتْمَامُ فِيهَا أَفْضَلَ، وَذَلِكَ إنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ هَكَذَا قَالَهُ ح ل. وَقَدْ يُقَالُ: مُقْتَضَى مُرَاعَاةِ خِلَافِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الْإِطْلَاقُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ عِبَارَةِ ز ي وَغَيْرِهِ قَوْلُهُ: (كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ) فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ لَهُ الْقَصْرُ وَقُدِّمَ عَلَى خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ لِاعْتِضَادِهِ بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْإِتْمَامُ.
اهـ. ز ي.
[أَحْكَامِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ]
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَالْأَفْضَلُ تَرْكُ الْجَمْعِ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ التَّعْبِيرُ بِيَجُوزُ، لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ يَجُوزُ كَذَا يُفْهَمُ مِنْهُ عُرْفًا أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى، وَقَدْ يَجِبُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ وَإِنَّمَا كَانَ تَرْكُ الْجَمْعِ أَفْضَلَ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ لِلسَّفَرِ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَلِأَنَّ فِيهِ إخْلَاءَ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ عَنْ صَلَاتِهِ وَقَدْ يَجِبُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فِيمَا إذَا أَخَّرَ الظُّهْرَ لِيَجْمَعَهَا مَعَ الْعَصْرِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ وَضَاقَ وَقْتُ الْعَصْرِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهِمَا تَامَّتَيْنِ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا مَا يَسَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَيَجِبُ قَصْرُهُمَا وَجَمْعُهُمَا ز ي قَوْلُهُ: (سَفَرَ قَصْرٍ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ طَوِيلًا إلَخْ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ أَمَّا عِنْدَنَا فَلَا جَمْعَ فِي قَصِيرٍ وَجَمْعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَدِيمًا فِي سَفَرِهِ الطَّوِيلِ إذْ لَمْ يُقِمْ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَالْجَمْعُ لِلسَّفَرِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ لِلنُّسُكِ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَجْمَعَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتَا تَامَّتَيْنِ أَمْ مَقْصُورَتَيْنِ أَمْ إحْدَاهُمَا تَامَّةً وَالْأُخْرَى مَقْصُورَةً.
قَالَ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: وَاخْتَصَّ هُوَ وَأُمَّتُهُ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ وَبِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا لِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ إذَا عَجَّلَ السَّيْرَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . وَرَوَيَا عَنْ «مُعَاذٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ تَبُوكَ وَكَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» . وَرَوَيَا أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ» .
فِي وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ) تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا.
وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ، وَالْأَفْضَلُ لِسَائِرِ وَقْتِ أُولَى تَأْخِيرٌ وَلِغَيْرِهِ تَقْدِيمٌ
[حاشية البجيرمي]
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ وَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ذَهَبَ إلَى مَنْعِ الْجَمْعِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، وَتَمَسَّكَ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ حَنَشٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ» وَعَلَيْهِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ، وَرَدَّهُ الشَّافِعِيَّةُ بِضَعْفِ هَذَا الْخَبَرِ لِأَنَّ حَنَشًا الْمَذْكُورَ وَاهٍ جِدًّا كَذَّبَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَبِفَرْضِ ثُبُوتِهِ فَالْمُرَادُ بِالْعُذْرِ السَّفَرُ وَالْمَطَرُ كَذَا مَثَّلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ لِلْعُذْرِ، وَعَلَيْهِ فَلَا خُصُوصِيَّةَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ أَيْضًا وَأَنَّهُ بِالْعِشَاءَيْنِ اهـ.
قَوْلُهُ: (صَلَاتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إلَخْ) وَلَا جَمْعَ عَلَى الْأَوْجَهِ مَنْ تَرَدَّدَ فِي الْخَادِمِ فِيمَا لَوْ نَذَرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقْتَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعًا وَقْتَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِمَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بِأَنْ يُصَلِّيَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، فَالنَّذْرُ إنَّمَا يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الشَّرْعِ فِي الْعَزَائِمِ دُونَ الرُّخَصِ وَإِلَّا لَجَازَ الْقَصْرُ فِيهِ اهـ إيعَابٌ اهـ أج قَوْلُهُ: (تَقْدِيمًا) أَيْ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِمَا بِتَمَامِهِمَا فِي الْوَقْتِ، فَلَا يَكْفِي إدْرَاكُ رَكْعَةٍ مِنْ الثَّانِيَةِ فِيهِ شَيْخُنَا ح ف. لَكِنْ نَقَلَ سم عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ يَكْفِي إدْرَاكُ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ وَعِبَارَتُهُ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ إنْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الْمَغْرِبِ مَا يَسَعُ الْمَغْرِبَ وَدُونَ رَكْعَةٍ مِنْ الْعِشَاءِ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَمْتَدُّ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ عِنْدَ الْعُذْرِ.
وَوَافَقَ م ر عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي جَوَازُ الْجَمْعِ، قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَيُؤَيِّدُ الْجَوَازَ مَا يَأْتِي مِنْ الِاكْتِفَاءِ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ بِوُقُوعِ تَحَرُّمِ الثَّانِيَةِ فِي السَّفَرِ وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَهُ، فَلَمَّا اكْتَفَى بِعَقْدِ الثَّانِيَةِ فِي السَّفَرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِذَلِكَ فِي الْوَقْتِ قَوْلُهُ: (وَتَأْخِيرًا) أَيْ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَمِلَ الْمُتَحَيِّرَةَ وَفَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوَهُمَا مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَمْعِ التَّقْدِيمِ ظَنُّ صِحَّةِ الْأُولَى وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ بِخِلَافِ التَّأْخِيرِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بِحَالٍ، وَإِنْ أَمْكَنَ وُقُوعُ الْأُولَى مَعَ التَّأْخِيرِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَقَعَ فِي الظُّهْرِ لَوْ فَعَلَتْهَا فِي وَقْتِهَا.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ) أَيْ كَأَنْ دَخَلَ الْمُسَافِرُ قَرْيَةً بِطَرِيقِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ الظُّهْرُ، لَكِنْ لَوْ صَلَّى الْجُمُعَةَ مَعَهُمْ فَيَجُوزُ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَجْمَعَ الْعَصْرَ مَعَهَا تَقْدِيمًا اط ف. وَقَوْلُهُ: فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَيْ وَيَمْتَنِعُ جَمْعُهَا تَأْخِيرًا لِأَنَّهَا لَا يَتَأَتَّى تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَعِبَارَةُ ع ش: وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ، أَيْ إذَا لَمْ نَشُكَّ فِي صِحَّتِهَا، أَمَّا إذَا شَكَكْنَا فِي صِحَّتِهَا فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَهُوَ ظَنُّ صِحَّةِ الْأُولَى اهـ قَوْلُهُ: (وَالْأَفْضَلُ لِسَائِرِ وَقْتٍ أُولَى) هَذَا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَا الْأَفْضَلُ مِنْهُمَا؟ فَقَالَ: وَالْأَفْضَلُ لِسَائِرِ وَقْتٍ أُولَى إلَخْ.
أَيْ سَوَاءٌ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الثَّانِيَةِ أَوْ نَازِلًا.
وَقَوْلُهُ: (وَلِغَيْرِهِ تَقْدِيمٌ) وَهُوَ مَنْ كَانَ نَازِلًا وَقْتَ الْأُولَى سَوَاءٌ كَانَ نَازِلًا وَقْتَ الثَّانِيَةِ أَوْ سَائِرًا، فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ فِي صُورَتَيْنِ أَيْضًا وَهُوَ ضَعِيفٌ فِيمَا إذَا كَانَ نَازِلًا فِيهِمَا، بَلْ أَفْضَلُ فِيهَا التَّأْخِيرُ فَتُضَمُّ إلَى الِاثْنَيْنِ فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ فِي صُورَةٍ وَالتَّأْخِيرُ فِي ثَلَاثَةٍ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَفْضَلُ أَيْ لِمَنْ أَرَادَ الْجَمْعَ، فَلَا يُقَالُ تَرْكُ الْجَمْعِ أَفْضَلُ فَهَذَا تَفْصِيلٌ فِي مَرَاتِبِ الْمَفْضُولِ كَأَنْ يُقَالَ: زَيْدٌ أَفْضَلُ الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَمَتَى صَحِبَ أَحَدَ الْجَمْعَيْنِ كَمَالٌ خَلَا عَنْهُ الْآخَرُ كَانَ الْمُقْتَرِنُ بِهِ أَفْضَلَ كَمَا فِي ز ي كَأَنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْجَمْعَيْنِ يُصَلِّي بِالْوُضُوءِ وَالْآخَرِ بِالتَّيَمُّمِ، أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا يَجِدُ سَاتِرَ الْعَوْرَةِ وَفِي الْآخَرِ يُصَلِّي مَكْشُوفَهَا، أَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا مَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً وَفِي الْآخَرِ يُصَلِّي فُرَادَى قَوْلُهُ: (وَلِغَيْرِهِ) بِأَنْ كَانَ نَازِلًا وَقْتَ الْأُولَى سَائِرًا وَقْتَ الثَّانِيَةِ، أَوْ نَازِلًا فِيهِمَا أَوْ سَائِرًا فِيهِمَا هَكَذَا يَقْتَضِيه كَلَامُهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ أَفْضَلَ تَقْدِيمًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ النَّازِلَ فِيهِمَا جَمْعُهُ تَأْخِيرًا أَفْضَلُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ سَائِرًا فِيهِمَا لِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى فِي حَالَةِ الْعُذْرِ وَغَيْرِهِ، وَوَقْتُ الْأُولَى لَا يَكُونُ وَقْتًا لِلثَّانِيَةِ إلَّا فِي حَالَةِ الْعُذْرِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ.
وَلَوْ قَالَ: وَالْأَفْضَلُ لِنَازِلٍ فِي وَقْتِ أُولَى سَائِرٍ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ تَقْدِيمٌ وَلِغَيْرِهِ أَيْ مِنْ سَائِرٍ وَقْتَ الْأُولَى أَوْ فِيهِمَا أَوْ نَازِلٍ فِيهِمَا تَأْخِيرٌ لَوَافَقَ الْمُعْتَمَدَ.
لِلِاتِّبَاعِ.
وَشُرِطَ لِلتَّقْدِيمِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: التَّرْتِيبُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْأُولَى لِأَنَّ الْوَقْتَ لَهَا، وَالثَّانِيَةُ تَبَعٌ لَهَا وَالثَّانِي: نِيَّةُ الْجَمْعِ لِيَتَمَيَّزَ التَّقْدِيمُ الْمَشْرُوعُ عَنْ التَّقْدِيمِ سَهْوًا أَوْ عَبَثًا فِي أُولَى وَلَوْ مَعَ تَحَلُّلِهِ مِنْهَا.
وَالثَّالِثُ: وَلَاءٌ بِأَنْ لَا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ عُرْفًا وَلَوْ ذَكَرَ بَعْدَهُمَا تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ الْأُولَى أَعَادَهُمَا وَلَهُ جَمْعُهُمَا تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا لِوُجُودِ الْمُرَخِّصِ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ بَيْنَ سَلَامِهَا وَالذِّكْرِ تَدَارَكَ وَصَحَّتَا، فَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ وَلَا جَمْعَ لِطُولِ الْفَصْلِ، وَلَوْ جَهِلَ بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّ التَّرْكَ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ الثَّانِيَةِ أَعَادَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ الْأُولَى بِغَيْرِ جَمْعِ تَقْدِيمٍ.
وَالرَّابِعُ: دَوَامُ سَفَرِهِ إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ، فَلَوْ أَقَامَ قَبْلَهُ فَلَا جَمْعَ لِزَوَالِ السَّبَبِ.
وَشُرِطَ لِلتَّأْخِيرِ أَمْرَانِ فَقَطْ: أَحَدُهُمَا نِيَّةُ جَمْعٍ فِي وَقْتِ أُولَى مَا بَقِيَ قَدْرٌ يَسَعُهَا تَمْيِيزًا لَهُ عَنْ التَّأْخِيرِ تَعَدِّيًا، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ النِّيَّةَ إلَى وَقْتٍ لَا يَسَعُ الْأُولَى عَصَى.
وَإِنْ وَقَعَتْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ) وَيُزَادُ خَامِسٌ وَهُوَ بَقَاءُ وَقْتِ الْأُولَى يَقِينًا، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ بَطَلَ الْجَمْعُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ شَوْبَرِيٌّ وَس ل. وَتَقَدَّمَ عَنْ الرُّويَانِيِّ مَا يُخَالِفُهُ، وَيُزَادُ سَادِسٌ وَهُوَ ظَنُّ صِحَّةِ الْأُولَى لِتَخْرُجَ الْمُتَحَيِّرَةُ، فَإِنَّ الْأُولَى لَهَا لَيْسَتْ مَظْنُونَةَ الصِّحَّةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا فِي الْحَيْضِ ع ش. وَبِهَذَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمُتَحَيِّرَةِ وَهُوَ أَنَّ ظَنَّ صِحَّةِ الْأُولَى شَرْطٌ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ لَا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ اهـ اط ف قَوْلُهُ: (فِي أُولَى)
فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ تَكُونَ نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي أَوَّلِ الثَّانِيَةِ لِكَوْنِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَعْلِيلُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: لِيَتَمَيَّزَ التَّقْدِيمُ الْمَشْرُوعُ إلَخْ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ إنَّمَا هُوَ لِلثَّانِيَةِ.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْجَمْعَ ضَمُّ الثَّانِيَةِ لِلْأُولَى وَلَا يُحْسَبُ الضَّمُّ الْمَذْكُورُ إلَّا بِنِيَّةِ الْجَمْعِ فِي الْأُولَى لِتَصِيرَ الصَّلَاتَانِ كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ تَدَبَّرْ.
فَلَوْ نَوَى الْجَمْعَ فِيهَا ثُمَّ رَفَضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ وَنَوَى وَهُوَ فِيهَا فَإِنَّهُ يَكْفِي لِوُجُودِ مَحَلِّ النِّيَّةِ، وَهُوَ الْأَوْلَى كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَع ش عَلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ نَوَى الْجَمْعَ فِي الْأُولَى ثُمَّ رَفَضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ عَنْ قُرْبٍ وَنَوَاهُ فَقَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: يَجُوزُ وَلَهُ الْجَمْعُ وَخَالَفَهُ مُحَشِّيَاهُ، وَاعْتَرَضَا عَلَيْهِ وَاسْتَوْجَهَا مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِفَوَاتِ مَحَلِّ النِّيَّةِ.
وَعِبَارَةُ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَوْ نَوَى تَرْكَهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ أَرَادَهُ وَلَوْ فَوْرًا لَمْ يَجُزْ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ لِأَنَّ وَقْتَ النِّيَّةِ انْقَضَى فَلَمْ يُفِدْ الْعَوْدُ إلَيْهَا شَيْئًا وَإِلَّا لَزِمَ إجْزَاؤُهَا بَعْدَ تَحَلُّلِ الْأُولَى اهـ قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَعَ تَحَلُّلِهِ مِنْهَا) وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا ذُكِرَ اهـ بَابِلِيٌّ قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ) وَلَوْ بِعُذْرٍ وَلَوْ احْتِمَالًا لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ لَا يُصَارُ إلَيْهَا إلَّا بِيَقِينٍ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَمِنْ الْفَصْلِ الطَّوِيلِ قَدْرُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ كَمَا اقْتَضَى إطْلَاقُهُمْ اهـ. فَيُفْهَمُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي الرَّاتِبَةَ بَيْنَهُمَا بَلْ يُؤَخِّرُهَا.
نَعَمْ إنْ أَسْرَعَ بِهَا إسْرَاعًا مُفْرِطًا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْ م ر. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي الشَّرْحِ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ كَمَا قَالَهُ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ذَكَرَ بَعْدَهُمَا) تَفْرِيعٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِالْفَاءِ.
وَخَرَجَ بِبَعْدِهِمَا مَا لَوْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ تَرْكَ رُكْنٍ مِنْ الْأُولَى فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَهُوَ كَمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ وَإِلَّا بَنَى عَلَى الْأُولَى وَبَطَلَ إحْرَامُهُ بِالثَّانِيَةِ، وَبَعْدَ الْبِنَاءِ يَأْتِي بِالثَّانِيَةِ أَوْ مِنْ الثَّانِيَةِ تَدَارَكَ وَبَنَى، وَلِأَجْلِ هَذَا التَّفْصِيلِ قَيَّدَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُمَا كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (أَعَادَهُمَا) أَمَّا الْأُولَى فَلِتَرْكِ الرُّكْنِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِفَسَادِهَا بِعَدَمِ شَرْطِهَا لَكِنْ تَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ مِنْ نَوْعِهَا وَإِلَّا وَقَعَتْ عَنْهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر اهـ أج قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ جَمْعِ تَقْدِيمٍ) وَإِنَّمَا امْتَنَعَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ الثَّانِيَةِ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ بِهَا، وَبِالْأُولَى الْمُعَادَةُ بَعْدَهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهُ إذَا أَعَادَهُمَا يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ مَثَلًا ثُمَّ الْعَصْرِ، وَالْحَالُ أَنَّنَا فَرَضْنَا أَنَّ الظُّهْرَ الَّتِي صَلَّاهَا أَوَّلًا صَحِيحَةٌ فَقَدْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الظُّهْرِ الصَّحِيحَةِ وَالْعَصْرِ الَّتِي صَلَّاهَا ثَانِيًا بِالْعَصْرِ الْفَاسِدَةِ وَالظُّهْرِ الْمُعَادَةِ.
اهـ. ح ل مُلَخَّصًا.
وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ بِغَيْرِ جَمْعِ تَقْدِيمٍ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ وَصَلَاةِ كُلٍّ فِي وَقْتِهَا قَوْلُهُ: (إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ) وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عِنْدَ عَقْدِ الْأُولَى، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي بَلْدَةٍ ثُمَّ سَافَرَ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ أَيْ وَإِنْ أَقَامَ فِي أَثْنَائِهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ جَمِيعِ الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، فَلَوْ دَخَلَ وَقْتُهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ
أَدَاءً، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْجَمْعَ أَوْ نَوَاهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُهَا عَصَى وَكَانَتْ قَضَاءً.
وَثَانِيهِمَا دَوَامُ سَفَرِهِ إلَى تَمَامِهِمَا، فَلَوْ أَقَامَ قَبْلَهُ صَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلثَّانِيَةِ فِي الْأَدَاءِ لِلْعُذْرِ وَقَدْ زَالَ قَبْلَ تَمَامِهَا وَفِي الْمَجْمُوعِ إذَا أَقَامَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأُولَى أَدَاءً بِلَا خِلَافٍ وَمَا بَحَثَهُ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِهِمْ قَالَ السُّبْكِيُّ وَتَبِعَهُ الْإِسْنَوِيُّ: وَتَعْلِيلُهُمْ مُنْطَبِقٌ عَلَى تَقْدِيمِ الْأُولَى، فَلَوْ عَكَسَ وَأَقَامَ فِي أَثْنَاءِ الظُّهْرِ فَقَدْ وُجِدَ الْعُذْرُ فِي جَمِيعِ الْمَتْبُوعَةِ وَأَوَّلِ التَّابِعَةِ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَنَّهَا أَدَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْ كَمَا أَفْهَمَهُ تَعْلِيلُهُمْ، وَأَجْرَى الطَّاوُسِيُّ الْكَلَامَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَقَالَ: وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ بِدَوَامِ السَّفَرِ إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ بَلْ شَرَطَ دَوَامَهُ إلَى إتْمَامِهَا لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لَيْسَ وَقْتَ الْعَصْرِ إلَّا فِي السَّفَرِ وَقَدْ وُجِدَ عِنْدَ عَقْدِ الثَّانِيَةِ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ، وَأَمَّا وَقْتُ الْعَصْرِ فَيَجُوزُ فِيهِ الظُّهْرُ بِعُذْرِ السَّفَرِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَنْصَرِفُ فِيهِ الظُّهْرُ إلَى السَّفَرِ إلَّا إذَا وُجِدَ السَّفَرُ فِيهِمَا وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَيْهِ
[حاشية البجيرمي]
بِهَا بَطَلَ الْجَمْعُ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا.
قَوْلُهُ: (مَا بَقِيَ قَدْرٌ يَسَعُهَا) أَيْ جَمِيعَهَا تَامَّةً أَوْ مَقْصُورَةً إنْ أَرَادَ قَصْرَهَا قَوْلُهُ: (وَظَاهِرٌ إلَخْ) اقْتَضَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ النِّيَّةَ إلَى وَقْتٍ يَسَعُ رَكْعَةً مِنْ الْأُولَى أَوْ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ أَنَّهُ يَعْصِي بِتَأْخِيرِ النِّيَّةِ إلَى ذَلِكَ الْحَدِّ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَكُونُ أَدَاءً إذَا فَعَلَهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ اعْتِبَارًا بِوَقْتِ النِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ: أَوْ نَوَاهُ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا يَسَعُهَا صَادِقٌ بِالصُّورَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَقَدْ حَكَمَ الشَّارِحُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ قَضَاءٌ فِيهَا فَتُخَالِفُ الْعِبَارَةَ الْأُولَى فِي صُورَةِ مَا إذَا كَانَ وَقْتُ النِّيَّةِ يَسَعُ رَكْعَةً، فَإِنَّ الْعِبَارَةَ الْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّهَا أَدَاءٌ وَالثَّانِيَةَ تَقْتَضِي أَنَّهَا قَضَاءٌ، وَأَمَّا الْإِثْمُ فَهُوَ بِاتِّفَاقٍ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ الْعِبَارَةِ الْأُولَى وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الثَّانِيَةِ.
وَأُجِيبَ بِحَمْلِ الْأُولَى عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُ رَكْعَةً وَالثَّانِيَةُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ يَسَعُ دُونَهَا كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَقَعَتْ أَدَاءً) أَيْ وَإِنْ أَخَّرَهَا إلَى وَقْتٍ لَوْ فَعَلَهَا فِيهِ وَقَعَتْ أَدَاءً بِأَنْ أَخَّرَهَا إلَى أَنْ بَقِيَ مَا يَسَعُ رَكْعَةً فَلَا جَمْعَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، بَلْ تَصِيرُ الْأُولَى قَضَاءً إنْ فَعَلَهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ وَمَا قَبْلَهَا خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهَا حَيْثُ صَرَّحَ أَوَّلًا بِالْأَدَاءِ وَثَانِيًا بِالْقَضَاءِ قَوْلُهُ: (صَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً) أَيْ فَائِتَةَ حَضَرٍ فَلَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ شَوْبَرِيٌّ وَلَا إثْمَ فِيهِ، وَهَذَا صَادِقٌ بِالصُّورَتَيْنِ أَيْ سَوَاءٌ قَدَّمَ الظُّهْرَ عَلَى الْعَصْرِ أَوْ الْعَصْرَ عَلَى الظُّهْرِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيلُ ظَاهِرًا فِي صُورَةِ مَا إذَا قَدَّمَ الظُّهْرَ عَلَى الْعَصْرِ دُونَ الْعَكْسِ قَوْلُهُ: (وَفِي الْمَجْمُوعِ إلَخْ) غَرَضُهُ بِهِ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يُظْهِرُ فِيهَا التَّعْلِيلَ، وَهِيَ مَا إذَا قَدَّمَ الظُّهْرَ عَلَى الْعَصْرِ وَأَقَامَ فِي أَثْنَاءِ الْعَصْرِ، فَيَقُولُ صَاحِبُ الْمَجْمُوعِ: هِيَ أَيْ الظُّهْرُ أَدَاءٌ اكْتِفَاءً بِوُجُودِ الْعُذْرِ فِي بَعْضِ الْعَصْرِ.
وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا قَوْلُهُ: (وَمَا بَحَثَهُ) أَيْ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي إلَخْ قَوْلُهُ: (مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِهِمْ) أَيْ حَيْثُ اشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ الْجَمْعِ بَقَاءَ الْعُذْرِ إلَى تَمَامِ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ أَقَامَ قَبْلَهُ بَطَلَ الْجَمْعُ فَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً لِوُقُوعِهَا خَارِجَ وَقْتِهَا قَوْلُهُ: (قَالَ السُّبْكِيُّ إلَخْ) غَرَضُهُ بِهِ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ مَا إذَا قَدَّمَ الْعَصْرَ قَوْلُهُ: (وَتَعْلِيلُهُمْ) أَيْ بِأَنَّ الْأُولَى تَابِعَةٌ لِلثَّانِيَةِ فِي الْأَدَاءِ لِلْعُذْرِ إلَخْ قَوْلُهُ: (عَلَى تَقْدِيمِ الْأُولَى) أَيْ الظُّهْرِ مَثَلًا قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَكَسَ) كَأَنْ قَدَّمَ الْعَصْرَ قَوْلُهُ: (فَقَدْ وُجِدَ الْعُذْرُ) أَيْ السَّفَرُ.
وَقَوْلُهُ (فِي جَمِيعِ الْمَتْبُوعَةِ) أَيْ الْعَصْرِ وَقَوْلُهُ (وَأَوَّلُ التَّابِعَةِ) أَيْ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيَاسُ مَا مَرَّ) أَيْ قَوْلُهُ وَدَوَامُ سَفَرِهِ إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (كَمَا أَفْهَمَهُ تَعْلِيلُهُمْ) أَيْ بَعْضُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَدْ زَالَ وَهُنَا لَمْ يَزُلْ قَوْلُهُ: (وَأَجْرَى الطَّاوُسِيُّ) مُعْتَمَدَ قَوْلِهِ: (عَلَى إطْلَاقِهِ) أَيْ مِنْ اشْتِرَاطِ دَوَامِ السَّفَرِ إلَى تَمَامِهَا فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ وَإِنْ قَدَّمَ الْمَتْبُوعَةَ وَمِنْ الِاكْتِفَاءِ فِي وَقْتِ عَقْدِ الثَّانِيَةِ إذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا م د قَوْلُهُ: (فَقَالَ وَإِنَّمَا اكْتَفَى إلَخْ) غَرَضُهُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ قَوْلُهُ: (إلَّا فِي السَّفَرِ) فِيهِ أَنَّهُ يَكُونُ وَقْتًا لَهَا أَيْضًا فِي الْحَضَرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ، وَيُمْكِنُ أَنَّ الْحَصْرَ إضَافِيٌّ أَيْ لَا فِي الْحَضَرِ بِلَا عُذْرٍ قَوْلُهُ: (وَإِلَّا جَازَ) بِأَنْ انْتَهَى السَّفَرُ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَنْصَرِفَ إلَى غَيْرِهِ) وَهُوَ الْحَضَرُ فَتَكُونَ الْأُولَى قَضَاءً.
لِوُقُوعِ بَعْضِهَا فِيهِ وَأَنْ يَنْصَرِفَ إلَى غَيْرِهِ لِوُقُوعِ بَعْضِهَا فِي غَيْرِهِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ اهـ وَكَلَامُ الطَّاوُسِيِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ فَقَالَ: (وَيَجُوزُ لِلْحَاضِرِ) أَيْ الْمُقِيمِ (فِي الْمَطَرِ) وَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا بِحَيْثُ يَبُلُّ الثَّوْبَ وَنَحْوِهِ كَثَلْجٍ وَبَرَدٍ ذَائِبَيْنِ (أَنْ يَجْمَعَ) مَا يَجْمَعُ بِالسَّفَرِ وَلَوْ جُمُعَةً مَعَ الْعَصْرِ خِلَافًا لِلرُّويَانِيِّ فِي مَنْعِهِ ذَلِكَ تَقْدِيمًا (فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» زَادَ مُسْلِمٌ «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» قَالَ الشَّافِعِيُّ كَمَالِكٍ: أَرَى ذَلِكَ فِي الْمَطَرِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَطَرِ لَيْسَتْ إلَى الْجَامِعِ فَقَدْ يَنْقَطِعُ فَيُؤَدِّي إلَى إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِخِلَافِ السَّفَرِ، وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ أَنْ يُوجَدَ نَحْوُ الْمَطَرِ عِنْدَ تَحَرُّمِهِ بِهِمَا لِيُقَارِنَ الْجَمْعَ وَعِنْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ الْأُولَى لِيَتَّصِلَ بِأَوَّلِ الثَّانِيَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اعْتِبَارُ امْتِدَادِهِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا يَضُرُّ انْقِطَاعُهُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَهُمَا.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً بِمُصَلًّى
[حاشية البجيرمي]
[الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ]
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْمَطَرِ قَوْلُهُ: (كَثَلْجِ وَبَرَدٍ ذَائِبَيْنِ) وَشَفَّانٍ شَرْحِ الْمَنْهَجِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْكَافِ أَنَّهُ بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ مِنْ نَحْوِ الْمَطَرِ يُجَوِّزُ الْجَمْعَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَلَمْ يُعَبِّرْ بِالْكَافِ فِي الرَّوْضِ بَلْ ظَاهِرُ تَعْبِيرِهِ أَنَّ نَحْوَ الْمَطَرِ مَحْصُورٌ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَعِبَارَتُهُ وَالشَّفَّانُ كَالْمَطَرِ وَكَذَا ثَلْجٌ وَبَرَدٌ ذَائِبَانِ انْتَهَتْ.
وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةً، وَالشَّفَّانُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَهُوَ اسْمٌ لِرِيحٍ بَارِدٍ يَصْحَبُهُ مَطَرٌ قَلِيلٌ وَلَا بُدَّ أَنْ يَبُلَّ كُلَّ الثَّوْبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: (ذَائِبَيْنِ) بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذُوبَا وَإِنْ حَصَلَ بِهِمَا مَشَقَّةٌ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ لَمْ يَرِدْ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قِطَعًا كِبَارًا يُخْشَى مِنْهُ التَّعَثُّرُ جَازَ الْجَمْعُ كَمَا فِي الشَّامِلِ وَغَيْرِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْبَرَدُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخَائِرِ.
اهـ. شَرْحِ م ر قَوْلُهُ: (وَلَوْ جُمُعَةً مَعَ الْعَصْرِ) لَوْ عَكَسَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا كَمَا قَالَهُ ق ل لِأَنَّ الْعَصْرَ تَابِعٌ لَا مَتْبُوعٌ، وَالْغَالِبُ دُخُولُ مَعَ عَلَى الْمَتْبُوعِ، الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ لَكَانَ أَوْلَى بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ قَوْلُهُ: (تَقْدِيمًا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ الْفَرْضُ قَوْلُهُ: (جَمِيعًا) أَيْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَلَوْ قَالَ جَمْعًا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ جَمِيعًا يَصْدُقُ بِتَرَاخِي إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (وَلَا سَفَرٍ) وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ، وَلَا مَطَرٍ وَهُوَ مُنَافٍ لِمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: أَرَى ذَلِكَ فِي الْمَطَرِ.
قَالَ م ر: وَأُجِيبَ بِأَنَّ رِوَايَةَ وَلَا مَطَرٍ شَاذَّةٌ أَوْ مَعْنَاهُ وَلَا مَطَرٍ كَثِيرٍ أَوْ مُسْتَدَامٍ، فَلَعَلَّهُ انْقَطَعَ فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: (لَيْسَتْ إلَى الْجَامِعِ) أَيْ لَيْسَتْ مُفَوَّضَةً إلَى الَّذِي يُرِيدُ الْجَمْعَ أَيْ لَيْسَتْ بِاخْتِيَارِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهَا قَوْلُهُ: (مِنْهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ لِيَتَّصِلَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً إلَخْ) اشْتَمَلَ كَلَامُهُ سَابِقًا وَلَاحِقًا عَلَى خَمْسَةِ شُرُوطٍ أَنْ يُوجَدَ الْعُذْرُ عِنْدَ التَّحَرُّمِ بِهِمَا وَعِنْدَ تَحَلُّلِهِ مِنْ الْأُولَى وَبَيْنَهُمَا، وَأَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً وَبِمُصَلًّى بَعِيدٍ عُرْفًا، وَأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ، وَهَذِهِ شُرُوطٌ زَائِدَةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالْوَلَاءِ وَنِيَّةِ الْجَمْعِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ هُنَا أَيْضًا كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى ذَلِكَ.
فَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ ثَمَانِيَةٌ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: وَبَيْنَهُمَا جَعَلَ هَذَا مَعَ مَا قَبْلَهُ شَرْطًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا شَرْطَانِ.
وَلَوْ تَبَاطَأَ الْمَأْمُومُونَ عَنْ الْإِمَامِ اُعْتُبِرَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ وَصَلَاتِهِ إحْرَامُهُمْ فِي زَمَنٍ يَسَعُ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاتُهُمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَبَاطَأَ الْمَأْمُومُونَ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِهِمْ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ الرُّكُوعِ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ وَلَا صَلَاتُهُ كَمَا قَالَهُ م ر فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، وَيُسْتَشْكَلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فِي الْجُمُعَةِ شَرْطٌ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِي الْمَجْمُوعَةِ بِالْمَطَرِ شَرْطٌ فِي جُزْءٍ مِنْهَا فَقَطْ، وَإِذَا تَبَاطَأَ الْمَأْمُومُونَ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْمُعَادَةِ زَمَنًا بِحَيْثُ يُعَدُّ فِيهِ مُنْفَرِدًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَا صَلَاتُهُمْ، وَالْفَرْضُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُعِيدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَنَى بِالْجَمَاعَةِ فِيهَا حَيْثُ شَرَطَهَا فِيهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا شَوْبَرِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ تَقْرِيرِ ح ف. لَكِنْ نَقَلَ عَنْ ع ش عَلَى م ر عَنْ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْمَجْمُوعَةِ بِالْمَطَرِ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ إحْرَامُهُمْ فِي زَمَنٍ يَسَعُ الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رُكُوعِهِ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ هُنَا بَقَاؤُهُمْ مَعَهُ إلَى الرُّكُوعِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: أَيُّ دَاعٍ لِاعْتِبَارِ إدْرَاكِ زَمَنٍ يَسَعُ الْفَاتِحَةَ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْقُدْوَةِ إلَى الرُّكُوعِ وَالِاكْتِفَاءِ بِجُزْءٍ فِي الْجَمَاعَةِ.
اهـ. ع ش قَوْلُهُ: (أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً) أَيْ يُصَلِّيَ الصَّلَاةَ
بَعِيدٍ عَنْ بَابِ دَارِهِ عُرْفًا بِحَيْثُ يَتَأَذَّى بِذَلِكَ فِي طَرِيقِهِ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا أَوْ جَمَاعَةً أَوْ يَمْشِي إلَى الْمُصَلَّى فِي كِنٍّ، أَوْ كَانَ الْمُصَلَّى قَرِيبًا فَلَا يَجْمَعُ لِانْتِفَاءِ التَّأَذِّي وَبِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا لِانْتِفَاءِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، وَأَمَّا جَمْعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَطَرِ مَعَ أَنَّ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ كَانَتْ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ فَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ بُيُوتَهُنَّ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً وَأَكْثَرُهَا كَانَ بَعِيدًا، فَلَعَلَّهُ حِينَ جَمَعَ لَمْ يَكُنْ بِالْقَرِيبِ وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بِالْمَأْمُومِينَ وَإِنْ لَمْ يَتَأَذَّ بِالْمَطَرِ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَلِمَنْ اتَّفَقَ لَهُ وُجُودُ الْمَطَرِ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ أَنْ يَجْمَعَ وَإِلَّا لَاحْتَاجَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ أَوْ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ فِي رُجُوعِهِ إلَى بَيْتِهِ ثُمَّ عَوْدِهِ، أَوْ فِي إقَامَتِهِ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِيه.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا جَمْعَ بِغَيْرِ السَّفَرِ وَنَحْوُ الْمَطَرِ كَمَرَضٍ وَرِيحٍ وَظُلْمَةٍ وَخَوْفٍ وَوَحْلٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلِخَبَرِ الْمَوَاقِيتِ فَلَا يُخَالَفُ إلَّا بِصَرِيحٍ وَحَكَى فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا جَوَازَهُ بِالْمَذْكُورَاتِ قَالَ: وَهُوَ قَوِيٌّ جِدًّا فِي الْمَرَضِ وَالْوَحْلِ وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنْ فَرَضَهُ فِي الْمَرَضِ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَقَدْ ظَفِرْتُ بِنَقْلِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ اهـ وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وَعَلَى ذَلِكَ يُسَنُّ أَنْ يُرَاعِيَ الْأَرْفَقَ بِنَفْسِهِ، فَمَنْ يُحَمُّ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ يُقَدِّمُهَا بِشَرَائِطِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ
[حاشية البجيرمي]
الثَّانِيَةَ جَمَاعَةً وَإِنْ صَلَّى الْأُولَى فُرَادَى لِأَنَّهَا فِي وَقْتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَيَكْفِي وُجُودُ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ وَإِنْ انْفَرَدُوا قَبْلَ تَمَامِ رَكْعَتِهَا الْأُولَى، بَلْ تَكْفِي الْجَمَاعَةُ وَإِنْ كُرِهَتْ لَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَضْلُهَا لِأَنَّهُ يَكْفِي وُجُودُ صُورَتِهَا فِي دَفْعِ الْإِثْمِ وَالْمُقَاتَلَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامِ الْجَمَاعَةَ أَوْ الْإِمَامَةَ وَإِلَّا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ وَلَا صَلَاتُهُمْ إنْ عَلِمُوا ذَلِكَ سم وح ل وأ ج.
قَوْلُهُ: (بِمُصَلًّى) أَيْ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ أج.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ إلَخْ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِمُصَلًّى قَوْلُهُ: (وَبِخِلَافِ مِنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا) أَيْ وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ الْجَمَاعَةِ) أَيْ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ فَيَمْتَنِعُ الْجَمْعُ فِي الِانْفِرَادِ قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ) أَيْ بَعْضُهَا أَخْذًا مِنْ الْجَوَابِ قَوْلُهُ: (بِأَنَّ لِلْإِمَامِ إلَخْ) قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ إمَامًا رَاتِبًا أَوْ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إمَامَتِهِ تَعْطِيلُ الْجَمَاعَةِ اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ رَدُّ مَا بَحَثَهُ ق ل مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ بِالْمَطَرِ لِمُجَاوِرِي الْأَزْهَرِ تَبَعًا لِمَنْ يَجُوزُ لَهُمْ الْجَمْعُ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ الْفَرْقِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لِلْإِمَامِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعْطِيلُ الْمَسْجِدِ عَنْ الْإِمَامَةِ وَهُوَ لَا يَجْرِي فِي الْمُجَاوِرِينَ قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُجَاوِرِينَ يُؤَخِّرُونَهَا إلَى وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ وَإِنْ أَدَّى تَأْخِيرُهُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ فُرَادَى بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ غَيْرُ مَنْ صَلَّى، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ إنْ أَدَّى تَأْخِيرُهُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ فُرَادَى أَيْ فَيَجْمَعُونَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ تَحْصِيلًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (كَمَرَضٍ) مِثَالٌ لِلْغَيْرِ قَوْلُهُ: (وَلِخَبَرِ الْمَوَاقِيتِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ» يَعْنِي أَنَّهُ صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَلَمْ يُخْلِ وَقْتًا عَنْ صَلَاتِهِ، وَلَكِنْ وَرَدَ نَصٌّ عَنْ الشَّارِعِ بِإِخْلَاءِ بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَنْ الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ خَاصٍّ وَهُوَ السَّفَرُ وَالْمَطَرُ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَعَمِلْنَا بِذَلِكَ النَّصِّ وَأَبْقَيْنَا خَبَرَ الْمَوَاقِيتِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي غَيْرِ السَّبَبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَهُمَا مُسْتَثْنَيَانِ مِنْهُ قَوْلُهُ: (فَلَا يُخَالَفُ) أَيْ خَبَرُ الْمَوَاقِيتِ إلَّا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ: (فِي الْمَرَضِ وَالْوَحْلِ) أَيْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» شَرْحُ الرَّوْضِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: (وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي) أَيْ فَقَالَ: فَرْعُ الْمُخْتَارِ جَوَازُ الْجَمْعِ بِالْمَرَضِ اهـ مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] فِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الدَّلَالَةِ قَوْلُهُ: (وَعَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بِالْمَرَضِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَمَنْ يُحَمُّ إلَخْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (بِشَرَائِطِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ) وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَيُجْعَلُ الْمَرَضُ هُنَا كَالسَّفَرِ هُنَاكَ أج.
فَيَكُونُ الشَّرْطُ الرَّابِعُ دَوَامَ
أَوْ فِي وَقْتِ الْأُولَى يُؤَخِّرُهَا بِالْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إنَّمَا لَمْ يُلْحَقْ الْوَحْلُ بِالْمَطَرِ كَمَا فِي عُذْرِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِأَنَّ تَارِكَهُمَا يَأْتِي بِبَدَلِهِمَا وَالْجَامِعُ يَتْرُكُ الْوَقْتَ بِلَا بَدَلٍ، وَلِأَنَّ الْعُذْرَ فِيهِمَا لَيْسَ مَخْصُوصًا بَلْ كُلُّ مَا يُلْحَقُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، وَالْوَحْلُ مِنْهُ وَعُذْرُ الْجَمْعِ مَضْبُوطٌ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَلَمْ تَجِئْ بِالْوَحْلِ.
تَتِمَّةٌ: قَدْ جَمَعَ فِي الرَّوْضَةِ مَا يَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ وَمَا لَا يَخْتَصُّ فَقَالَ: الرُّخَصُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالطَّوِيلِ أَرْبَعٌ: الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْجَمْعُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَاَلَّذِي يَجُوزُ فِي الْقَصِيرِ أَيْضًا أَرْبَعٌ تَرْكُ الْجُمُعَةِ وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بِالسَّفَرِ وَالتَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالتَّيَمُّمُ وَإِسْقَاطُ الْفَرْضِ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالسَّفَرِ أَيْضًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ صُوَرٌ مِنْهَا مَا لَوْ سَافَرَ الْمُودَعُ وَلَمْ يَجِدْ الْمَالِكَ وَلَا وَكِيلَهُ وَلَا الْحَاكِمَ وَلَا الْأَمِينَ فَلَهُ أَخْذُهَا مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ اسْتَصْحَبَ مَعَهُ ضِرَّةَ زَوْجَتِهِ بِقُرْعَةٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَوَقَعَ فِي الْمُهِمَّاتِ تَصْحِيحُ عَكْسِهِ وَهُوَ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ سَهْوٌ.
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَجَمْعُهَا جُمُعَاتٌ وَجُمَعٌ سَمَّيْت بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا وَقِيلَ لِمَا جُمِعَ فِي يَوْمِهَا مِنْ الْخَيْرِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُ آدَمَ وَقِيلَ لِاجْتِمَاعِهِ فِيهِ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ وَكَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ
[حاشية البجيرمي]
الْمَرَضِ إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ دَوَامَ الْمَرَضِ إلَى تَمَامِهِمَا قَوْلُهُ: (بِالْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ) وَهُمَا نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى وَالْبَاقِي يَسَعُهَا، وَدَوَامُ الْعُذْرِ إلَى تَمَامِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ تَارِكَهُمَا) أَيْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ: (بِبَدَلِهِمَا) وَهُوَ الظُّهْرُ فِي الْأُولَى وَالِانْفِرَادُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ بَدَلُ وَصْفِ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ: (وَالْجَامِعُ) أَيْ مُرِيدُ الْجَمْعِ
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) بِكَسْرِ التَّاءَيْنِ اسْمٌ لِبَقِيَّةِ الشَّيْءِ وَقَدْ تَمَّ يَتِمُّ تَمَامًا إذَا كَمُلَ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ لَكِنْ عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ أَنَّهَا بِفَتْحِ التَّاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يَجُوزُ فِي الْقَصِيرِ) لَمْ يَقُلْ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِالْقَصِيرِ كَمَا قَالَ فِي الطَّوِيلِ لِأَنَّ هَذِهِ غَيْرُ خَاصَّةٍ بِالْقَصِيرِ قَوْلُهُ: (وَالتَّيَمُّمُ وَإِسْقَاطُ الْفَرْضِ) الِاثْنَانِ وَاحِدٌ وَإِلَّا كَانَتْ خَمْسَةً قَوْلُهُ: (وَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْأَرْبَعَةِ الْجَائِزُ فِي الْقَصِيرِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ سَافَرَ الْمُودَعُ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَخَذَهَا مَعَهُ) وَلَا يَضْمَنُهَا بِذَلِكَ لَوْ تَلِفَتْ م د قَوْلُهُ: (وَلَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ) رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَكْسُهُ) أَيْ خِلَافُهُ وَهُوَ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّوِيلِ.
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
ِ. أَيْ فِي بَيَانِ أُمُورٍ لِلُزُومِهَا وَأُمُورٍ لِانْعِقَادِهَا وَآدَابٍ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا قَوْلُهُ: (بِضَمِّ الْمِيمِ) وَهِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ وَالْفَتْحُ لُغَةُ تَمِيمٍ وَالسُّكُونُ لُغَةُ عَقِيلٍ وَهَذِهِ اللُّغَاتُ مَحَلُّهَا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْيَوْمَ أَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهَا الْأُسْبُوعُ فَبِالسُّكُونِ لَا غَيْرُ كَمَا إذَا قُلْتَ صُمْتُ جُمُعَةً أَيْ أُسْبُوعًا وَعَلَيْهِ فَالسُّكُونُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَقَوْلُهُ وَجَمْعُهَا جُمُعَاتٌ أَيْ بِضَمِّ الْمِيمِ إنْ كَانَ الْمُفْرَدُ بِضَمِّهَا أَوْ بِالْفَتْحِ إنْ كَانَ بِفَتْحِهَا أَوْ بِالْكَسْرِ إنْ كَانَ بِكَسْرِهَا وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُفْرَدُ سَاكِنَ الْمِيمِ جَازَ
فِي مِيمِ الْجَمْعِ السُّكُونُ وَالضَّمُّ وَالْفَتْحُ وَقَوْلُهُ وَجُمَعٌ هَذَا جَمْعٌ لِلسَّاكِنِ فَقَطْ وَفِي ع ش عَلَى م ر وَأَمَّا الْجُمُعَةُ بِسُكُونِ الْمِيمِ فَاسْمٌ لِأَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَأَوَّلُهَا السَّبْتُ عَلَى الصَّحِيحِ.
اهـ. مِصْبَاحٌ قَوْلُهُ وَقِيلَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ عِلَّةٌ لِتَسْمِيَةِ الْيَوْمِ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا لِتَسْمِيَةِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا تَأَمَّلْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ لِمَا جُمِعَ فِي يَوْمِهَا إلَخْ فَعَلَيْهِ سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ بِاسْمِ الْيَوْمِ بِجَامِعِ الِاجْتِمَاعِ فِي كُلٍّ فَهُوَ مِنْ إطْلَاقِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُ آدَم وَالْقَوْلُ بَعْدَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْيَوْمِ هُوَ مُطْلَقُ الِاجْتِمَاعِ فَظَهَرَ كَلَامُ الشَّارِحِ وَتَبَيَّنَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ تَأَمَّلْ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خَلْقُ آدَمَ أَيْ تَصْوِيرُهُ وَكَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَيْثُ خُلِقَ مِنْ طِينٍ فَلَبِسَتْهُ الرُّوحُ مِنْ أَعْلَى وَصَارَتْ تَنْزِلُ شَيْئًا فَشَيْئًا
يَوْمَ الْعُرُوبَةِ أَيْ الْبَيِّنِ الْمُعَظَّمِ.
وَهِيَ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ، وَيَوْمُهَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ وَخَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ، يُعْتِقُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ سِتَّمِائَةِ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنْ النَّارِ، مَنْ مَاتَ فِيهِ كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَجْرَ شَهِيدٍ وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَهِيَ بِشُرُوطِهَا الْآتِيَةِ فَرْضُ عَيْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: 9] أَيْ امْضُوا ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَوَاحُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» .
وَفُرِضَتْ الْجُمُعَةُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ، وَلَمْ يُصَلِّهَا حِينَئِذٍ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ عَدَدَهَا، أَوْ لِأَنَّ مِنْ شِعَارِهَا الْإِظْهَارَ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ مُسْتَخْفِيًا.
وَالْجُمُعَةُ لَيْسَتْ ظُهْرًا مَقْصُورًا وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا وَقْتَهُ وَتَتَدَارَكُ بِهِ بَلْ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهَا، «وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ
[حاشية البجيرمي]
إلَى أَسْفَلَ وَلِهَذَا كَانَ يَنْظُرُ إلَى بَعْضِ بَدَنِهِ وَهُوَ طِينٌ وَلَمَّا وَصَلَتْ إلَى أَنْفِهِ عَطَسَ فَانْفَتَحَتْ مَجَارِي رَأْسِهِ وَعُرُوقُهَا فَلَمَّا وَصَلَتْ إلَى فَمِهِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ يَا آدَم قَوْلُهُ مَعَ حَوَّاءَ أَيْ بِالْمَدِّ مَرْحُومِيٌّ
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ الْأَيَّامِ) أَيْ أَيَّامُ الْأُسْبُوعِ، فَيَخْرُجُ يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَفْضَلَ أَيَّامِ السَّنَةِ عَرَفَةُ، وَأَفْضَلَ لَيَالِي السَّنَةِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَأَفْضَلَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ حَتَّى إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الْأَضْحَى.
وَفَضَّلَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُطْلَقًا حَتَّى عَلَى عَرَفَةَ كَمَا قَالَهُ أج قَالَ ز ي وَفِي خَبَرِ الْبَيْهَقِيّ «إنَّ يَوْمَهَا سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى» وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ: يَوْمُهَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ بَعْدَ عَرَفَةَ، وَلَيْلَتُهَا أَفْضَلُ اللَّيَالِي بَعْدَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَرَجَّحَ الْحَافِظُ حَجّ تَفْضِيلَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ.
وَالْمُرَادُ بِهِمَا اللَّيْلَتَانِ الْمُعَيَّنَتَانِ لَا نَظَائِرُهُمَا مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَلَيْلَةُ الْمَوْلِدِ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ بِالنِّسْبَةِ لَنَا، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ إذْ وَقَعَ لَهُ فِيهَا رُؤْيَةُ الْبَارِي تَعَالَى بِعَيْنِ رَأْسِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِوِقَايَةِ مَنْ مَاتَ فِيهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ تَخْفِيفُ سُؤَالِهِ إذْ عِنْدَنَا أَنَّ سُؤَالَ الْقَبْرِ عَامٌّ إلَّا مَا اسْتَثْنَى، وَفِتْنَةُ الْقَبْرِ هِيَ نَفْسُ السُّؤَالِ اهـ.
قَوْلُهُ: (يُعْتِقُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ إلَخْ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْتَقَ، وَلَا يَصِحُّ الْفَتْحُ لِأَنَّهُ مِنْ عَتَقَ وَهُوَ قَاصِرٌ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: (سِتَّمِائَةِ أَلْفِ عَتِيقٍ مِنْ النَّارِ) كَذَا عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَهِيَ مُتَعَيِّنَةٌ لِأَنَّهَا الرِّوَايَةُ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارِحِ بِإِسْقَاطِ لَفْظِ أَلْفٍ فَلَعَلَّهَا سَقَطَتْ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ أج.
قَوْلُهُ: (فِتْنَةَ الْقَبْرِ) أَيْ سُؤَالَ الْمَلَكَيْنِ بِأَنْ لَا يُسْأَلَ أَوْ يُسْأَلَ سُؤَالًا خَفِيفًا، أَوْ الْمُرَادُ بِهَا تَلَجْلُجُهُ فِي جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ، أَوْ الْمُرَادُ بِهَا مَجِيءُ الشَّيْطَانِ فِي زَوَايَا الْقَبْرِ وَإِشَارَتُهُ عِنْدَ السُّؤَالِ أَنَّهُ الرَّبُّ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ [الجمعة: 9] وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّكْرِ فِيهَا الصَّلَاةُ مَجَازًا مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ السَّعْيِ إلَيْهَا وُجُوبُهَا اهـ بَابِلِيٌّ.
وَأَتَى بِالْحَدِيثِ بَعْدَهَا لِأَنَّ الذِّكْرَ لَيْسَ نَصًّا فِي الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ: إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَيْ أُذِّنَ لَهَا، أَيْ الْأَذَانُ الثَّانِي الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ كَمَا فِي الْكَشَّافِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - شِهَابٌ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) مِنْ بِمَعْنَى فِي.
قَوْلُهُ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9] وَهُوَ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ الْخُطْبَةُ، فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَإِذَا وَجَبَ السَّعْيُ وَجَبَ مَا يُسْعَى إلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نَهَى عَنْ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَاحٌ وَلَا يُنْهَى عَنْ فِعْلٍ مُبَاحٍ إلَّا لِفِعْلٍ وَاجِبٍ شَرْحُ م ر. وَصَلَاتُهَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِمَكَّةَ) وَلَعَلَّ وَقْتَ فَرْضِيَّتَهَا كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَرَاجِعْهُ م د. وَعُورِضَ هَذَا بِقَوْلِ الْحَافِظِ حَجّ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ اهـ أج.
وَأَوَّلُ مَنْ أَقَامَهَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْخَضَمَاتُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقُ بَعْدَهُمَا عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ لِبَنِي بَيَاضَةَ بَطْنٌ مِنْ الْأَنْصَارِ.
وَكَانُوا أَرْبَعِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ لَهُ وَلِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ حِينَ بَعَثَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى الْمَدِينَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فُرِضَتْ بِمَكَّةَ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِأَنَّ مِنْ شِعَارِهَا) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هَذَا لَا يُسْقِطُ الْجُمُعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُمُعَةُ لَيْسَتْ ظُهْرًا مَقْصُورًا) أَشَارَ بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أج.
قَوْلُهُ: (وَتُتَدَارَكُ بِهِ)
قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَتَخْتَصُّ بِشُرُوطٍ لِلُزُومِهَا وَشُرُوطٍ لِصِحَّتِهَا وَآدَابٍ وَسَتَأْتِي كُلُّهَا.
وَقَدْ بَدَأَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَشَرَائِطُ وُجُوبِ) صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ: الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ) وَهُوَ شَرْطٌ لِغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ (وَ) الثَّانِي (الْبُلُوغُ وَ) الثَّالِثُ (الْعَقْلُ) فَلَا جُمُعَةَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَالتَّكْلِيفُ أَيْضًا شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَالْمَجْنُونِ بِخِلَافِ السَّكْرَانِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا ظُهْرًا كَغَيْرِهَا.
(وَ) الرَّابِعُ (الْحُرِّيَّةُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ لِنَقْصِهِ وَلِاشْتِغَالِهِ بِحُقُوقِ السَّيِّدِ عَنْ التَّهَيُّؤِ لَهَا، وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمُكَاتَبَ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
(وَ) الْخَامِسُ (الذُّكُورَةُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى لِنَقْصِهِمَا (وَ) السَّادِسُ (الصِّحَّةُ) فَلَا تَجِبُ عَلَى مَرِيضٍ وَلَا عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِمَّا يُتَصَوَّرُ هُنَا.
[حاشية البجيرمي]
أَيْ بِالظُّهْرِ، أَيْ إذَا فَاتَتْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهَا) أَيْ إذَا فَعَلَهُ مَعَ إمْكَانِ فِعْلِهَا لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ خَابَ) أَيْ خَسِرَ.
وَقَوْلُهُ: مَنْ افْتَرَى أَيْ كَذَبَ.
[شَرَائِطُ وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
قَوْلُهُ: (بِتَقْدِيمِ السِّينِ إلَخْ) قَيَّدَ بِذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُقْرَأَ تِسْعَةً بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ إذْ الرَّسْمُ وَاحِدٌ.
وَمِنْ النِّكَاتِ اللَّطِيفَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] وَالسَّبْعَةُ وَالثَّلَاثَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَشَرَةً إذْ لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لِتَوَهُّمِ التِّسْعَةِ لِاتِّحَادِ الرَّسْمِ، فَدُفِعَ هَذَا التَّوَهُّمُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ إذْ الْقُرْآنُ فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ وَالْبَيَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: 3] وَقَالَ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: 3] أَيْ بَيِّنًا ظَاهِرًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَبِقَوْلِهِ الْآتِي وَالتَّكْلِيفُ أَيْضًا شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ إلَى أَنَّ الْأَوْلَى إسْقَاطُ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِالْجُمُعَةِ، وَلِذَا قَالَ فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ: إنَّمَا تَجِبُ أَيْ الْجُمُعَةُ عَلَى حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِمَحَلِّ جُمُعَةٍ، وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ بِلَا عُذْرٍ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَهُوَ شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ غَرَضُهُ بِهِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى ذِكْرِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَالتَّكْلِيفُ شَرْطٌ إلَخْ غَرَضُهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى ذِكْرِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالْجُمُعَةِ، وَاقْتِصَارُهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ بَلْ مِثْلُهُمَا السَّكْرَانُ، فَالثَّلَاثَةُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ إنْ تُعَدُّوا وَجَبَ الْقَضَاءُ وَإِلَّا فَلَا قَوْلُهُ: (عَلَى صَبِيٍّ) لَكِنْ تَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَتُجْزِئُهُ عَنْ ظُهْرِهِ كَمَا يَأْتِي ق ل قَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ) أَيْ مَا لَمْ يَتَعَدَّ بِجُنُونِهِ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا ظُهْرًا.
اهـ. م د قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ السَّكْرَانِ) أَيْ الْمُتَعَدِّي إذْ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَمِثْلُهُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونُ فَيَلْزَمُ كُلًّا مِنْهُمَا قَضَاؤُهَا ظُهْرًا عِنْدَ التَّعَدِّي قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا ظُهْرًا) أَيْ كَمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ غَيْرِهَا، فَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى انْعِقَادِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: الْقَضَاءُ فَرْعُ الْوُجُوبِ وَهُنَا لَا وُجُوبَ.
قُلْتُ: هُوَ فَرْعُهُ غَالِبًا اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (الْحُرِّيَّةُ) أَيْ الْكَامِلَةُ بِدَلِيلِ الْمُحْتَرَزِ.
وَقَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ فِيهِ رِقٌّ أَيْ وَإِنْ قَلَّ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَوَقَعَتْ الْجُمُعَةُ فِي نَوْبَتِهِ أَوْ لَا اهـ أج.
لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِمَالِكِ الْقِنِّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي حُضُورِهَا م ر قَوْلُهُ: (وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمُكَاتَبَ) إنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ دُونَ الْقِنِّ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ اهـ أج قَوْلُهُ: (وَخُنْثَى) نَعَمْ إنْ اتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ قَبْلَ فِعْلِهَا وَلَوْ بَعْدَ فِعْلِهِ الظُّهْرَ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا إنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ الظُّهْرِ، وَلَا يَكْفِيه ظُهْرُهُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ فَعَلَهُ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِنَقْصِهِمَا) لَكِنْ تُجْزِئُهُمَا عَنْ ظُهْرِهِمَا إنْ فَعَلُوهَا كَمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (الصِّحَّةُ) لَوْ قَالَ عَدَمُ الْعُذْرِ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى مَعْذُورٍ) وَلَيْسَ
وَمِنْ الْأَعْذَارِ الِاشْتِغَالُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَإِسْهَالٌ لَا يَضْبِطُ الشَّخْصُ نَفْسَهُ مَعَهُ وَيَخْشَى مِنْهُ تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْحَبْسَ عُذْرٌ إذْ لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا فِيهِ فَيَكُونُ هُنَا كَذَلِكَ وَأَفْتَى الْبَغَوِيّ بِأَنَّهُ يَجِبُ إطْلَاقُهُ لِفِعْلِهَا وَالْغَزَالِيُّ بِأَنَّ الْقَاضِيَ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي مَنْعِهِ مُنِعَ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا أَوْلَى وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْحَبْسِ أَرْبَعُونَ فَصَاعِدًا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَالْقِيَاسُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُمْ.
وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِإِقَامَتِهَا فَهَلْ
[حاشية البجيرمي]
مِنْ الْأَعْذَارِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُشْتَغِلِينَ بِالسَّبَبِ مِنْ خُرُوجِهِمْ لِلْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى عَدَمِ خُرُوجِهِمْ ضَرَرٌ كَفَسَادِ مَتَاعِهِمْ، فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي قُرَى مِصْرِنَا كَثِيرًا.
اهـ. ع ش. وَلَيْسَ فَوَاتُ الدَّرْسِ عُذْرًا لِإِسْقَاطِهَا وَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ فَرْضَ عَيْنٍ وَلَا مُجَرَّدَ الْوَحْشَةِ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ، وَهَلْ مِثْلُ ذَلِكَ سَفَرُ الْمَرَاكِبِ يَوْمَهَا الْمَشْهُورِ بِالْمَعَاشِ لِلتَّدَارُكِ بِيَوْمِ الِاثْنَيْنِ بَعْدَهُ أَوْ يُفَرَّقُ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يُتَصَوَّرُ هُنَا) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ شِدَّةِ الرِّيحِ فَإِنَّهَا عُذْرٌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ لَا فِي صَلَاةِ النَّهَارِ، فَإِذَا وُجِدَتْ نَهَارًا لَا تَكُونُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: أَلْحَقُوا مَا بَعْدَ الْفَجْرِ بِاللَّيْلِ لِوُجُودِ الظُّلْمَةِ فِيهِ، فَتَكُونُ شِدَّةُ الرِّيحِ عُذْرًا فِي حَقِّ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ وَتَوَقَّفَ حُضُورُهُ الْجُمُعَةَ عَلَى السَّعْيِ مِنْ الْفَجْرِ وَهُوَ تَصْوِيرٌ حَسَنٌ ع ش عَلَى م ر مُلَخَّصًا.
وَانْظُرْ وَجْهَ حُسْنِهِ مَعَ اشْتِرَاطِ بُلُوغِ صَوْتِ الْمُنَادِي لِمُعْتَدِلِ السَّمْعِ وَصَوْتُ الْمُنَادِي لَا يَصِلُ إلَى مَحَلٍّ يَجِبُ فِيهِ السَّعْيُ مِنْ الْفَجْرِ اط ف. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ اشْتِرَاطِ بُلُوغِ صَوْتِ الْمُنَادِي فِي غَيْرِ الْمُقِيمِ بِمَحَلِّهَا، أَمَّا الْمُقِيمُ بِمَحَلِّهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ سَمَاعُ صَوْتِ الْمُنَادِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ مُقِيمٌ بِمَحَلِّ جُمُعَةٍ أَوْ بِمُسْتَوٍ بَلَغَهُ فِيهِ مُعْتَدِلَ سَمْعٍ صَوْتٌ عَالٍ عَادَةً إلَخْ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي الْأَوَّلِ وَقَيَّدَ فِيمَا بَعْدَهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ سم فَيَكُونُ كَلَامُ ع ش فِي التَّصْوِيرِ مَفْرُوضًا فِي الْمُقِيمِ بِمَحَلِّ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا كَانَتْ دَارُهُ بَعِيدَةً بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَّا إنْ سَارَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ، فَإِذَا وُجِدَتْ شِدَّةُ رِيحٍ حِينَئِذٍ كَانَتْ عُذْرًا فِي حَقِّهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْأَعْذَارِ الِاشْتِغَالُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ) صَرِيحُهُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ فَرَاجِعْهُ ق ل. مَعَ أَنَّهُ مِنْهَا بِالْأَوْلَى لِكَوْنِهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْجُمُعَةُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَمِنْ الْأَعْذَارِ اشْتِغَالُ صَاحِبِ الزَّرْعِ بِحَصَادِهِ أَوْ حَرْثِهِ وَكَانَ لَوْ تَرَكَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَتَلَفَ الزَّرْعُ وَلَمْ يَحْصُلْ الْإِنْبَاتُ.
وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا لَوْ احْتَاجَ إلَى كَشْفِ عَوْرَتِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا كَذَلِكَ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِدُونِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَعَلَى مَنْ حَضَرَ غَضُّ بَصَرِهِ.
اهـ. م ر خ ض. وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا قَالَ أج نَقْلًا عَنْ التُّحْفَةِ.
وَمِنْ الْعُذْرِ هُنَا عَلَى الْأَقْرَبِ حَلِفُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَهَا لِخَشْيَةِ مَحْذُورٍ عَلَيْهِ لَوْ خَرَجَ إلَيْهَا لِأَنَّ فِي تَحْنِيثِهِ مَشَقَّةً عَلَيْهِ بِإِلْحَاقِهِ الضَّرَرَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِحَلِفِهِ إذْ هُوَ مَعْذُورٌ فِي ظَنِّهِ الْبَاعِثِ لَهُ عَلَى الْحَلِفِ بِشَهَادَةِ قَرِينَةٍ بِهِ، فَإِبْرَارُهُ كَأَنِيسِ مَرِيضٍ بَلْ أَوْلَى اهـ. وَمِنْهُ أَيْضًا مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَ زَيْدٍ فَوُلِّيَ زَيْدٌ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، وَقِيلَ فِي هَذِهِ: يُصَلِّي خَلْفَهُ وَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ شَرْعًا كَمَنْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّ زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَإِذَا هِيَ حَائِضٌ، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَنْزِعُ ثَوْبَهُ فَأَجْنَبَ وَاحْتَاجَ إلَى نَزْعِهِ لِتَعَذُّرِ غُسْلِهِ فِيهِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا فِيهِ نَظَرٌ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْجُمُعَةِ إذَا كَانَ الْحَالِفُ زَائِدًا عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَإِلَّا فَيُصَلِّي خَلْفَهُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ اهـ. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَهَلْ الْأَعْذَارُ مُسْقِطَاتٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ مُوجِبَاتٌ لِلتَّرْكِ خِلَافٌ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَمُولِيُّ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ.
اهـ. إيعَابٌ.
أَيْ بِمَعْنَى أَنَّ الْأَعْذَارَ مُسْقِطَةٌ لِلْوُجُوبِ أَيْ مَانِعَةٌ مِنْ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ الْمَعْذُورِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْجَمَاعَةِ) أَيْ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَوْلَهُ: (إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَصِّرًا فِيهِ) أَيْ الْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ مُعْسِرًا وَعَجَزَ عَنْ بَيِّنَةِ إعْسَارِهِ اهـ قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ هُنَا) أَيْ فِي الْجُمُعَةِ كَذَلِكَ أَيْ عُذْرًا قَوْلُهُ: (فَالْقِيَاسُ أَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُمْ) اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لحج قَالَ الْمَرْحُومِيُّ: قَوْلُهُ تَلْزَمُهُمْ أَيْ لِأَنَّ إقَامَتَهَا فِي الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَالتَّعَدُّدُ أَيْ تَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ يَجُوزُ عِنْدَ عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ فَعِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِإِقَامَتِهَا) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَى عِبَارَتِهِ مِنْ الْإِيهَامِ إذْ تَقْتَضِي أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ
لِوَاحِدٍ مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي لَا يَعْسُرُ فِيهَا الِاجْتِمَاعُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ لَهُمْ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ.
وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إنْ وَجَدَا مَرْكَبًا مِلْكًا أَوْ إجَارَةً أَوْ إعَارَةً وَلَوْ آدَمِيًّا كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ عَلَيْهِمَا كَمَشَقَّةِ الْمَشْيِ فِي الْوَحْلِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، وَلَا يَجِبُ قَبُولُ الْمَوْهُوبِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ، وَالشَّيْخُ مَنْ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ، فَإِنَّ النَّاسَ صِغَارٌ وَأَطْفَالٌ وَصِبْيَانٌ وَذَرَارِيُّ إلَى الْبُلُوغِ، وَشُبَّانٌ وَفِتْيَانٌ إلَى الثَّلَاثِينَ، وَكُهُولٌ إلَى الْأَرْبَعِينَ وَبَعْدَ الْأَرْبَعِينَ الرَّجُلُ شَيْخٌ وَالْمَرْأَةُ شَيْخَةٌ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12] ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: 60] ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا﴾ [آل عمران: 46] ﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: 78] وَالْهَرَمُ أَقْصَى الْكِبَرِ، وَالزَّمَانَةُ الِابْتِلَاءُ وَالْعَاهَةُ، وَتَلْزَمُ الْأَعْمَى إنْ وَجَدَ قَائِدًا وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ يَجِدُهَا أَوْ مُتَبَرِّعًا أَوْ مِلْكًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْحُضُورُ وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْمَشْيَ بِالْعَصَا خِلَافًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلضَّرَرِ نَعَمْ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الْجَامِعِ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ يَنْبَغِي وُجُوبُ الْحُضُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عَدَمُ الضَّرَرِ وَهَذَا لَا يَتَضَرَّرُ.
وَمَنْ صَحَّ ظُهْرُهُ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ جُمُعَةٌ صَحَّتْ جُمُعَتُهُ لِأَنَّهَا إذَا صَحَّتْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ فَمِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ أَوْلَى وَتُغْنِي عَنْ ظُهْرِهِ وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ الْمُصَلَّى قَبْلَ إحْرَامِهِ بِهَا إلَّا نَحْوَ مَرِيضٍ كَأَعْمَى لَا يَجِدُ قَائِدًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ قَبْلَ إحْرَامِهِ إنْ دَخَلَ وَقْتُهَا، وَلَمْ يَزِدْ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ فِعْلَهَا أَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتْ وَكَانَ ثَمَّ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ كَمَنْ بِهِ إسْهَالٌ
[حاشية البجيرمي]
يَصْلُحُ أَصْلًا وَلِذَا عَبَّرَ م ر بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ أَصْلًا اهـ أج قَوْلُهُ: (الَّتِي لَا يَعْسُرُ) وَكَذَا إنْ عَسُرَ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَنَّ لَهُ ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيَظْهَرُ الْوُجُوبُ وَفِي شَرْحِ م ر الْجَوَازُ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَالزَّمِنَ) هُوَ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ أَضْعَفَتْ حَرَكَتَهُ وَإِنْ كَانَ شَابًّا فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّيْخِ لَا عَلَى الْهَرَمِ قَوْلُهُ: (وَلَوْ آدَمِيًّا) أَيْ إنْ لَمْ يُزْرِ بِهِ قَوْلَهُ: (وَاسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ) أَيْ مَجْمُوعَ ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِي الدَّلِيلِ شَابٌّ وَلَا فِي الْمَدْلُولِ كَهْلٌ فَتَأَمَّلْ ق ل. وَفِيهِ أَنَّ الْكَهْلَ مَوْجُودٌ فِي الْمَدْلُولِ.
وَاعْتَرَضَ قَوْلُهُ: وَاسْتَنْبَطَ بِأَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ يَحْتَاجُ لِتَأَمُّلٍ كَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالزَّمَانَةُ) هِيَ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ وَقَدْ يُقَالُ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْهَرَمِ وَالزَّمِنِ فَاحْتَاجَ لِتَعْرِيفِ الْهَرَمِ وَالزَّمَانَةِ لِاشْتِقَاقِهِمَا مِنْهُمَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (يَجِدُهَا) أَيْ زَائِدَةً عَلَى مَا فِي الْفِطْرَةِ ق ل قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ) فَإِنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحُضُورَ إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْمَشْيَ بِالْعَصَا وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْجَامِعُ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِدْرَاكِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ جُمُعَةٌ) كَالصَّبِيِّ وَالرَّقِيقِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ قَوْلُهُ: (أَوْلَى) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ صِحَّتَهَا مِمَّنْ يَصِحُّ ظُهْرُهُ تَبَعٌ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَحِينَئِذٍ لَيْسَتْ الصِّحَّةُ مِنْهُ أَوْلَى شَوْبَرِيٌّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهَا مِنْ الْأَصْلِ صِحَّتُهَا مِنْ التَّابِعِ بِالْأَوْلَى.
وَبَعْضُهُمْ وَجَّهَ الْأَوْلَوِيَّةَ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا إذَا صَحَّتْ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُمْ صَحَّتْ مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ بِالْأَوْلَى، أَوْ يُقَالُ: لِأَنَّهَا إذَا صَحَّتْ مِنْ الْكَامِلِ الْأَصْلِيِّ صَحَّتْ مِنْ النَّاقِصِ التَّابِعِ بِالْأَوْلَى مَعَ أَنَّهَا فِي الصُّورَةِ أَنْقُصُ مِنْ الظُّهْرِ وَإِنْ كَانَتْ أَكْمَلَ فِي الْوَاقِعِ س ل. وَقَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِجْزَاءِ الْكِفَايَةُ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ أَيْ لِأَنَّهَا إذَا أَجْزَأَتْ الْكَامِلِينَ مَعَ قَصْرِهَا وَإِنْ كَانَتْ أَكْمَلَ فِي الْمَعْنَى فَتُجْزِئُ النَّاقِصِينَ بِالْأَوْلَى.
وَعَبَّرَ الرَّافِعِيُّ بِالْإِجْزَاءِ بَدَلَ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ إحْرَامِهِ) أَمَّا بَعْدَ إحْرَامِهِ فَيَمْتَنِعُ لِحُرْمَةِ قَطْعِ الْفَرْضِ.
لَكِنْ قَالَ م ر: مَا لَمْ يُطَوِّلْ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ كَأَنْ قَرَأَ الْجُمُعَةَ وَالْمُنَافِقِينَ، فَإِنْ طَوَّلَ كَذَلِكَ جَازَ الِانْصِرَافُ وَلَوْ بَعْدَ الْإِحْرَامِ اهـ أج.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَحْوَ الْمَرِيضِ لَهُ الِانْصِرَافُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَهُوَ الزَّوَالُ مُطْلَقًا وَيَمْتَنِعُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَشَقَّةٌ تُحْتَمَلُ، وَأَمَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ
ظَنَّ انْقِطَاعَهُ فَأَحَسَّ بِهِ وَلَوْ بَعْدَ تَحَرُّمِهِ وَعَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إنْ مَكَثَ سَبَقَهُ، فَالْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ لَهُ الِانْصِرَافَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَنَّ الْمَانِعَ فِي نَحْوِ الْمَرِيضِ مِنْ وُجُوبِهَا مَشَقَّةُ الْحُضُورِ وَقَدْ حَضَرَ مُتَحَمِّلًا لَهَا، وَالْمَانِعُ فِي غَيْرِهِ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تَزُولُ بِالْحُضُورِ.
(وَ) السَّابِعُ (الِاسْتِيطَانُ) وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْإِقَامَةِ، فَلَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرًا مُبَاحًا وَلَوْ قَصِيرًا لِاشْتِغَالِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا «لَا جُمُعَةَ عَلَى مُسَافِرٍ» لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَالصَّحِيحُ وَقْفُهُ
[حاشية البجيرمي]
وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ فَإِنْ زَادَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ فِعْلَهَا وَلَمْ تُقَمْ جَازَ لَهُ الِانْصِرَافُ، وَإِنْ لَمْ يَزِدْ ضَرَرُهُ أَوْ أُقِيمَتْ فَلَا قَوْلُهُ: (أَوْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ) أَيْ أَوْ زَادَ ضَرَرُهُ لَكِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى) وَهُوَ نَحْوُ الْمَرِيضِ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ الضَّمِيرُ فِي يَنْصَرِفُ الرَّاجِعُ لِمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، أَيْ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِلْأَوَّلِ الِانْصِرَافُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ وَهُوَ أَنْ لَا يَزِيدَ ضَرَرُهُ وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِلثَّانِي.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ عُذْرَ نَحْوِ الْمَرِيضِ يَزُولُ بِالْحُضُورِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَالرَّقِيقِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنَّ عُذْرَهُمَا مُسْتَمِرٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِالْإِقَامَةِ) لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِيطَانِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِلِانْعِقَادِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ بَلْ الْكَلَامُ فِي الْوُجُوبِ وَالْمَشْرُوطُ لِلْوُجُوبِ الْإِقَامَةُ وَلَوْ بِدُونِ اسْتِيطَانٍ كَمُجَاوِرِي الْأَزْهَرِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُسَافِرٍ) أَيْ وَإِنْ نَقَصَ الْعَدَدُ بِسَبَبِ سَفَرِهِ وَتَعَطَّلَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى غَيْرِهِ بِوَاسِطَةِ سَفَرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحَصِّلَ الْجُمُعَةَ لِغَيْرِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَعْذُورِ السَّابِقِ وِفَاقًا ل م ر وَخِلَافًا لِأَحَدِ كَلَامَيْنِ لِأَبِيهِ، قَالَ: وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا لَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَلِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» خِلَافًا لِصَاحِبِ التَّعْجِيزِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا مَرَّ آنِفًا مِنْ حُرْمَةِ تَعْطِيلِ بَلَدِهِمْ عَنْهَا لَكِنَّ الْفَرْقَ وَاضِحٌ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مُعَطَّلُونَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مُبَاحًا) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسَافِرَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَعْصِي بِتَرْكِهَا فِي بَلَدِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ وَجَدَهَا تُقَامُ فِي طَرِيقِهِ وَجَبَتْ وَإِلَّا فَلَا م د وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ: قَوْلُهُ مُبَاحًا قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ فَتَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لِأَنَّ سُقُوطَهَا رُخْصَةٌ، وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي خِلَافًا لِمَا فِي الْمُحَشِّي.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَصِيرًا) نَعَمْ إنْ خَرَجَ إلَى قَرْيَةٍ يَبْلُغُ أَهْلَهَا نِدَاءُ قَرْيَتِهِ لَزِمَتْهُ لِأَنَّ هَذِهِ مَسَافَةٌ يَجِبُ قَطْعُهَا لِلْجُمُعَةِ فَلَا تُعَدُّ سَفَرًا مُسْقِطًا لَهَا سم.
وَعِبَارَةُ ح ل قَوْلُهُ وَلَوْ قَصِيرًا فِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ السَّفَرَ لِمَحَلٍّ لَا يَسْمَعُ فِيهِ نِدَاءَ الْجُمُعَةِ يُسَمَّى سَفَرًا شَرْعًا.
وَقَدْ قَالُوا فِي النَّفْلِ فِي السَّفَرِ فِي صَوْبِ مَقْصِدِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُسَافِرَ لِمَحَلٍّ يُسَمَّى الذَّهَابُ إلَيْهِ سَفَرًا شَرْعًا بِأَنْ لَا يَسْمَعَ فِيهِ نِدَاءَ الْجُمُعَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الْمَحَلَّ الْمُعْتَبَرَ مُجَاوَزَتُهُ يُقَالُ لَهُ مُسَافِرٌ شَرْعًا، ثُمَّ إنْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَا يَسْمَعُ فِيهِ نِدَاءَ الْجُمُعَةِ جَازَ لَهُ التَّنَفُّلُ صَوْبَ مَقْصِدِهِ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ وَإِنْ سَمِعَ فِيهِ نِدَاءً لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ لِمَحَلِّ الْجُمُعَةِ اهـ قَوْلُهُ: (لِاشْتِغَالِهِ إلَخْ) مِنْهُ يُؤْخَذُ عَدَمُ الْوُجُوبِ عَلَى نَحْوِ الْحَصَّادِينَ إذَا خَرَجُوا قَبْلَ الْفَجْرِ إلَى مَكَان لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ النِّدَاءَ أَيْ نِدَاءَ بَلْدَتِهِمْ، إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ الْبُلُوغُ مِنْ غَيْرِ بَلْدَتِهِمْ أَيْضًا لَكَانَ مَنْ خَرَجَ أَيْ قَبْلَ الْفَجْرِ إلَى قَرْيَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَرْحَلَةٌ وَبِقُرْبِهَا بَلْدَةٌ يَسْمَعُ نِدَاءَهَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ.
اهـ. ح ل. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: وَمِنْ هَذَا مَا يَقَعُ فِي بِلَادِ الرِّيفِ مِنْ أَنَّ الْفَلَّاحِينَ يَخْرُجُونَ لِلْحَصَادِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ مِنْ بَلَدِهِمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ النِّدَاءَ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ لِأَنَّهُمْ إمَّا فِي حُكْمِ الْمُقِيمِينَ أَوْ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ مُسَافِرٌ لَهُ أَيْ لِلْمُسْتَوِي مِنْ مَحَلِّهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَقَامُوا بِغِيطَانِهِمْ أَوْ رَجَعُوا إلَى بِلَادِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَيْضًا قَوْلَهُ: أَوْ مُسَافِرٌ لَهُ أَيْ لِلْمُسْتَوِي دَخَلَ فِي ذَلِكَ الضِّيَافَةُ، وَمَنْ يُسَافِرُ لِلسَّوَاقِي أَوْ لِلْحِرَاثَةِ مِنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا سَافَرَ إلَى ذَلِكَ الْمُسْتَوِي إنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ مَحَلِّهَا وَلَوْ مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الذَّهَابُ وَإِلَّا فَلَا.
وَالْحَالُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الْمَحَلِّ قَبْلَ الْفَجْرِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا قَالَهُ ح ل. وَكَلَامُ ح ل هُوَ الْمُعْتَمَدُ شَيْخُنَا وَوَافَقَهُ الْعَنَانِيُّ لِأَنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ مُسَافِرُونَ وَالْمُسَافِرُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِ اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا، وَهِيَ أَنَّ الشَّخْصَ يُسَافِرُ يَوْمَ الْخَمِيسِ إلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ بَلَدِهِ لَكِنْ لَا يَسْمَعُ فِيهَا النِّدَاءَ مِنْ بَلَدِهِ، وَيُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ وَهُوَ غَيْرُ عَازِمٍ عَلَى الْإِقَامَةِ بَلْ يَرْجُو مِنْهَا قَضَاءَ حَاجَتِهِ، فَحِينَئِذٍ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ مَعَ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ مُسَافِرٌ اهـ.
عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ الْمُسْتَوْطِنِينَ، أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ مِنْ مُؤَذِّنٍ يُؤَذِّنُ كَعَادَتِهِ فِي عُلُوِّ الصَّوْتِ، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةٌ وَالرِّيَاحُ رَاكِدَةٌ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ مَعَ اسْتِوَاءِ الْأَرْضِ لَزِمَتْهُمْ، وَالْمُعْتَبَرُ سَمَاعُ مَنْ أَصْغَى وَلَمْ يَكُنْ أَصَمَّ وَلَا جَاوَزَ سَمْعُهُ حَدَّ الْعَادَةِ وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الْأَرْضِ لَا عَلَى عَالٍ لِأَنَّهُ لَا ضَبْطَ لِحَدِّهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبَلَدُ فِي أَرْضٍ بَيْنَ أَشْجَارٍ كَطَبَرِسْتَانَ، وَتَابَعَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فَإِنَّهَا بَيْنَ أَشْجَارٍ تَمْنَعُ بُلُوغَ الصَّوْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْعُلُوُّ عَلَى مَا يُسَاوِي الْأَشْجَارَ وَقَدْ يُقَالُ: الْمُعْتَبَرُ السَّمَاعُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ، وَفِي ذَلِكَ مَانِعٌ فَلَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَائِهِ، وَلَوْ سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنْ بَلَدَيْنِ فَحُضُورُ الْأَكْثَرِ جَمَاعَةً أَوْلَى، فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمُرَاعَاةُ الْأَقْرَبِ أَوْلَى كَنَظِيرِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ الصَّوْتُ الْمَذْكُورُ لَمْ تَلْزَمْهُمْ الْجُمُعَةُ.
وَلَوْ ارْتَفَعَتْ قَرْيَةٌ فَسَمِعَتْ وَلَوْ سَاوَتْ لَمْ تَسْمَعْ أَوْ انْخَفَضَتْ فَلَمْ تَسْمَعْ وَلَوْ سَاوَتْ لَسَمِعَتْ لَزِمَتْ الثَّانِيَةُ دُونَ الْأُولَى اعْتِبَارًا بِتَقْدِيرِ الِاسْتِوَاءِ.
وَلَوْ وُجِدَتْ قَرْيَةٌ فِيهَا أَرْبَعُونَ كَامِلُونَ فَدَخَلُوا بَلَدًا وَصَلُّوا فِيهَا سَقَطَتْ عَنْهُمْ سَوَاءٌ سَمِعُوا النِّدَاءَ أَمْ لَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِتَعْطِيلِهِمْ الْجُمُعَةَ فِي قَرْيَتِهِمْ،
وَلَوْ وَافَقَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَضَرَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ الَّذِينَ يَبْلُغُهُمْ النِّدَاءُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَلَوْ رَجَعُوا إلَى أَهْلَيْهِمْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي لَزِمَتْهُمْ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (وَهُوَ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ جَمْعٌ، وَقَوْلُهُ (مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوْ بَلَغَهُمْ وَالْمُرَادُ بِالطَّرَفِ آخِرُ مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لِمَنْ سَافَرَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَوْطِنِينَ) هُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَلَغَهُمْ) أَيْ أَوْ نَقَصُوا لَكِنْ بَلَغَهُمْ إلَخْ وَالْعِبْرَةُ فِي الصَّوْتِ وَالسَّمْعِ بِالِاعْتِدَالِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْبَلَدَيْنِ بِطَرَفَيْهِمَا الْمُتَقَابِلَيْنِ وَاسْتِوَاءِ الْمَكَانِ وَعَدَمِ الْحَائِلِ وَكُلُّ ذَلِكَ بِالْفَرْضِ لَا بِالْفِعْلِ فَلَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَطَوَّلَهُ.
اهـ. ق ل قَوْلُهُ: (عَالٍ) أَيْ مُعْتَدِلٍ قَوْلُهُ: (لَزِمَتْهُمْ) أَيْ الْجُمُعَةُ فِي بَلَدِهِمْ فِي الْأُولَى، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَرْكُهَا فِيهَا وَإِنْ صَلَّوْا فِي غَيْرِهَا وَفِي الْبَلَدِ الَّذِي سَمِعُوا مِنْهُ فِي الثَّانِيَةِ ق ل قَوْلُهُ: (وَلَا جَاوَزَ سَمْعُهُ إلَخْ) أَيْ فَلَا عِبْرَةَ بِسَمَاعِهِ.
قَالَ ع ش: وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَوُجُوبِ الصَّوْمِ بِرُؤْيَةِ حَدِيدِ الْبَصَرِ الْهِلَالَ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى وُجُودِ الْهِلَالِ وَقَدْ وُجِدَ، وَلَا كَذَلِكَ هُنَا إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ السَّمَاعِ بَلْ السَّمَاعَ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ بِسَمْعٍ مُعْتَدِلٍ فَلَا يُعْتَبَرُ غَيْرُهُ اهـ اج قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ، عَلَى الْأَرْضِ) وَيُعْتَبَرُ فِي الْبُلُوغِ الْعُرْفُ بِحَيْثُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا سَمِعَهُ نِدَاءُ جُمُعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَبْنِ لَهُ كَلِمَاتُ الْأَذَانِ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ شَرْحِ م ر. قَالَ ع ش: حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَذِّنٌ وَفُرِضَ أَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ لَسَمِعَهُ وَجَبَ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ إذْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يُصَيِّرُ الْبَلَدَيْنِ كَبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَطَبَرِسْتَانَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَاءٌ فَوْقِيَّةٌ وَبَعْدَهَا أَلِفٌ وَنُونٌ اسْمُ بَلَدٍ بِبِلَادِ الْعَجَمِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَفِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ بِفَتْحِ الرَّاءِ قَالَ ع ش وَالْكَثِيرُ الْكَسْرُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَلْزَمْهُمْ الْجُمُعَةُ) بَلْ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ فِي بَلَدِهِمْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ارْتَفَعَتْ قَرْيَةٌ) أَيْ عَلَى جَبَلٍ مَثَلًا فَالْمُعْتَبَرُ زَوَالُ الْجَبَلِ مِنْ تَحْتِهَا وَنُزُولِهَا عَلَى الْمُسْتَوِي فِي مُحَاذَاةِ مَحَلِّهَا، وَزَوَالُ الِانْخِفَاضِ بِصُعُودِهَا عَلَى الْمُسْتَوِي مُحَاذِيَةً لِمَحَلِّهَا كَمَا اعْتَمَدَهُ م ر فِي شَرْحِهِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ سَاوَتْ لَمْ تَسْمَعْ) اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى الْمُسَاوَاةِ، فَقِيلَ إنَّهُ بَعْدَ زَوَالِ الِارْتِفَاعِ وَتُجْعَلُ هِيَ مَكَانَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ م ر. وَقَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: مَعْنَاهُ أَنْ تُبْسَطَ مَسَافَةُ الِارْتِفَاعِ مُمْتَدَّةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ بَلَدِ النِّدَاءِ، وَتُجْعَلَ هِيَ عَلَى طَرَفِ الْمَبْسُوطِ أَيْ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وُجِدَتْ قَرْيَةٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ قَرِيبًا، أَعْنِي قَوْلَهُ: وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ إلَخْ فَهِيَ مُكَرَّرَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ سَوَاءٌ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَا قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ صَرَّحَ بِالْجَوَازِ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَافَقَ إلَخْ) صُورَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتُ إلَخْ ع ش، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ لَوْ وَافَقَ إلَخْ قَوْلُهُ: (فَحَضَرَ إلَخْ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الذَّهَابِ إلَيْهِ وَعَدَمِهِ، فَمَتَى
فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ نَعَمْ لَوْ دَخَلَ وَقْتُهَا قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ تَرْكُهَا.
وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّ وُجُوبَهَا تَعَلَّقَ بِهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ فِي مَقْصِدِهِ أَوْ طَرِيقِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، أَوْ يَتَضَرَّرُ بِتَخَلُّفِهِ لَهَا عَنْ الرُّفْقَةِ فَلَا يَحْرُمُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، أَمَّا مُجَرَّدُ انْقِطَاعِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ بِلَا ضَرَرٍ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ لِأَنَّ الظُّهْرَ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ،
[حاشية البجيرمي]
تَوَجَّهُوا إلَيْهِ وَلَمْ يُدْرِكُوهُ سَقَطَ عَنْهُمْ الْعَوْدُ لِلْجُمُعَةِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ، وَأَمَّا لَوْ حَضَرُوا لِبَيْعِ أَسْبَابِهِمْ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ الْحُضُورُ سَوَاءٌ رَجَعُوا إلَى مَحَلِّهِمْ أَمْ لَا ع ش.
قَوْلُهُ: (فَلَهُمْ الرُّجُوعُ) أَيْ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَرَكُوا الْمَجِيءَ لِلْعِيدِ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ لِلْجُمُعَةِ عَلَى الْأَوْجَهِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ) أَيْ لِلْمَشَقَّةِ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ) كَأَنْ دَخَلَ عَقِبَ سَلَامِهِمْ مِنْ الْعِيدِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَم ر. وَكَذَا بَعْدَهُ حَيْثُ لَمْ يَصِلُوا إلَى مَحَلٍّ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ إلَخْ) بِأَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، كَمُقِيمٍ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ اهـ خ ض. وَلَوْ طَرَأَ مُسْقِطٌ كَجُنُونٍ أَوْ مَوْتٍ بَعْدَ سَفَرِهِ سَقَطَ إثْمُ تَضْيِيعِهِ الْجُمُعَةَ لَا إثْمُ قَصْدِ تَعْطِيلِهَا عَلَى مَا حَقَّقَهُ سم.
قَالَ أج: فَتَلَخَّصَ أَنَّ إثْمَ الْإِقْدَامِ بَاقٍ م د. وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَوْ عَصَى بِالسَّفَرِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ جُنَّ سَقَطَ الْإِثْمُ عَنْهُ كَمَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِجِمَاعٍ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْ صَوْمَ يَوْمٍ، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ أَيْضًا مَا لَمْ يَجِبْ السَّفَرُ فَوْرًا، فَإِنْ وَجَبَ كَذَلِكَ كَإِنْقَاذِ نَاحِيَةٍ وَطِئَهَا الْكُفَّارُ أَوْ أُسَرَاءَ اخْتَطَفُوهُمْ وَظَنَّ أَوْ جَوَّزَ إدْرَاكَهُمْ وَحَجّ تَضَيَّقَ وَقْتُهُ وَخَافَ فَوْتَهُ فَيَجِبُ السَّفَرُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. فَالْحُرْمَةُ مُقَيَّدَةٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ لَا تُمْكِنَهُ فِي طَرِيقِهِ، وَلَمْ يَتَضَرَّرْ بِتَخَلُّفِهِ، وَلَمْ يَجِبْ السَّفَرُ فَوْرًا.
قَوْلُهُ: (السَّفَرُ إلَخْ) فَإِذَا سَافَرَ فَهُوَ عَاصٍ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ رُخَصُ السَّفَرِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا أَوْ إلَى الْيَأْسِ مِنْ إدْرَاكِهَا، وَخَرَجَ بِالسَّفَرِ النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا يَحْرُمُ وَإِنْ عَلِمَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ بِهِ كَمَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا م ر. لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النَّوْمِ الْفَوَاتُ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ، وَيُكْرَهُ السَّفَرُ لَيْلَتَهَا بِأَنْ يُجَاوِزَ السُّورَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ جِدًّا أَنَّ «مَنْ سَافَرَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ دَعَا عَلَيْهِ مَلَكَاهُ أَيْ قَالَا: لَا نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ سَفَرِهِ، وَلَا أَعَانَهُ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ» .
وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي سَفَرِ اللَّيْلِ الَّذِي لَا إثْمَ فِيهِ فَيَكُونُ فِي سَفَرِ النَّهَارِ الَّذِي فِيهِ الْإِثْمُ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف قَوْلُهُ: (بَعْدَ الزَّوَالِ) قَدَّمَ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ بِخِلَافِ السَّفَرِ بَعْدَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ اهـ شَيْخُنَا.
وَسَيَأْتِي قَوْلُ الشَّارِحِ: وَقَبْلَ الزَّوَالِ وَأَوَّلُهُ الْفَجْرُ كَبَعْدِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ جَوَازُ السَّفَرِ، وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَعْطِيلُ جُمُعَةِ بَلَدِهِ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَبِهِ صَرَّحَ ز ي وم ر وسم.
وَاسْتَوْجَهَ ق ل الْحُرْمَةَ وَنَصُّهُ ظَاهِرُهُ جَوَازُ السَّفَرِ لَهُ وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَعْطِيلُ جُمُعَةِ بَلَدِهِ كَأَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ.
وَالْوَجْهُ فِي هَذِهِ حُرْمَةُ السَّفَرِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الرُّفْقَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّ الَّذِي فِي شَرْحِ شَيْخِنَا م ر وَالْعَلَّامَةِ سم الْجَوَازُ قَوْلُهُ: (لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ إدْرَاكُهَا، فَلَوْ تَبَيَّنَ خِلَافُ ظَنِّهِ بَعْدَ السَّفَرِ فَلَا إثْمَ وَالسَّفَرُ غَيْرُ مَعْصِيَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
نَعَمْ إنْ أَمْكَنَ عَوْدُهُ وَإِدْرَاكُهَا فَيُتَّجَهُ وُجُوبُهُ اهـ شَرْحُ م ر وسم عَلَى التُّحْفَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَتَضَرَّرُ بِتَخَلُّفِهِ) أَيْ وَكَانَتْ رُفْقَتُهُ خَرَجُوا قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ هُوَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ، أَوْ كَانَتْ رُفْقَتُهُ لَا تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ كَالصِّبْيَانِ مَثَلًا قَوْلُهُ: (فَلَا يَحْرُمُ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ.
قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ ضَرَرًا وَلَا أَمْكَنَهُ إدْرَاكُهَا فِيمَا ذُكِرَ وَسَافَرَ عَصَى بِسَفَرِهِ لِتَفْوِيتِهَا بِهِ بِلَا ضَرَرٍ، وَلَمْ يَتَرَخَّصْ مَا لَمْ تَفُتْ الْجُمُعَةُ وَيُحْسَبُ ابْتِدَاءُ سَفَرِهِ مِنْ فَوَاتِهَا لِأَنَّهَا سَبَبُ الْمَعْصِيَةِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مُجَرَّدُ انْقِطَاعِهِ) أَيْ مُجَرَّدُ وَحْشَتِهِ بِانْقِطَاعِهِ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ خَرَجَ بِالضَّرَرِ مُجَرَّدُ الْوَحْشَةِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَيْ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَوْ تَخَلَّفَ عَنْ الرُّفْقَةِ لِأَجْلِ حُضُورِ الْجُمُعَةِ اسْتَوْحَشَ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ نَظِيرِهِ) أَيْ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ حَصَلَ الْمَاءُ لِلطَّهَارَةِ ذَهَبَتْ الرُّفْقَةُ وَاسْتَوْحَشَ فَإِنَّ لَهُ الْعُدُولَ لِلتَّيَمُّمِ، أَيْ فَإِنَّهُ عُذْرٌ فِيهِ قَالَ ع ش: وَلَيْسَ مِنْ التَّضَرُّرِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقْصِدُ السَّفَرَ فِي
وَبِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْوَسَائِلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقَاصِدِ وَقَبْلَ الزَّوَالِ وَأَوَّلُهُ الْفَجْرُ كَبَعْدِهِ فِي الْحُرْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا حَرُمَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْيَوْمِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ السَّعْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ وَسُنَّ لِغَيْرِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَلَوْ بِمَحَلِّهَا جَمَاعَةٌ فِي ظَاهِرِهِ وَإِخْفَاؤُهَا إنْ خَفِيَ عُذْرُهُ لِئَلَّا يُتَّهَمَ بِالرَّغْبَةِ عَنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَسُنَّ لِمَنْ رَجَا زَوَالَ عُذْرِهِ قَبْلَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ كَعَبْدٍ يَرْجُو الْعِتْقَ تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إلَى فَوَاتِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا مَنْ لَا يَرْجُو زَوَالَ عُذْرِهِ كَامْرَأَةٍ فَتَعْجِيلُ الظُّهْرِ أَفْضَلُ لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ شُرُوطُ الصِّحَّةِ فَقَالَ: (وَشَرَائِطُ) صِحَّةِ (فِعْلِهَا) مَعَ شُرُوطِ غَيْرِهَا (ثَلَاثَةٌ) بَلْ ثَمَانِيَةٌ كَمَا سَتَرَاهَا؛ الْأَوَّلُ: (أَنْ تَكُونَ الْبَلَدُ) أَيْ أَنْ تُقَامَ فِي خُطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ مِنْ الْبَلَدِ سَوَاءٌ الرِّحَابُ الْمُسْقَفَةُ
[حاشية البجيرمي]
وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِأَمْرٍ لَا يَفُوتُ بِفَوَاتِ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَاَلَّذِينَ يُرِيدُونَ زِيَارَةَ سَيِّدِي أَحْمَدَ الْبَدْوِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ فَيُرِيدُونَ السَّفَرَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي رَكْبٍ وَالسَّفَرُ فِيهِ يُفَوِّتُ جُمُعَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَكِنْ يُوجَدُ غَيْرُهُ فِي بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ فِيمَا يَلِيهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ مَعَهُ التَّمَكُّنُ مِنْ السَّفَرِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الظُّهْرَ يَتَكَرَّرُ) أَيْ فَخُفِّفَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَبْلَ الزَّوَالِ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ كَبَعْدِهِ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَبْلَ وَبَعْدَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ تَلْزَمُ النَّصْبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ تُجَرُّ بِمِنْ، وَهُنَا جُرَّتْ بِالْكَافِ وَجُعِلَتْ مُبْتَدَأً وَالْمُبْتَدَأُ لَازِمٌ لِلرَّفْعِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ مُبْتَدَأً حَقِيقَةً بَلْ صِفَةَ الْمُبْتَدَأِ وَالتَّقْدِيرُ، وَالسَّفَرُ قَبْلَ الزَّوَالِ إلَخْ وَقَوْلُهُ كَبَعْدِهِ التَّقْدِيرُ كَالسَّفَرِ بَعْدَهُ، فَلَمْ يُدْخِلْ الْكَافَ عَلَى بَعْدَ وَلَعَلَّ فِيهِ خِلَافًا حَتَّى فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ مَعَ كَوْنِ الْحُكْمِ وَاحِدًا وَإِلَّا فَكَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ: وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَبِفَجْرٍ حَرُمَ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ سَفَرٌ تَفُوتُ بِهِ لَا إنْ خَشِيَ ضَرَرًا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلِذَلِكَ) أَيْ لِكَوْنِهَا مُضَافَةً لِلْيَوْمِ، وَالْمُرَادُ بِإِضَافَتِهَا إلَيْهِ نِسْبَتُهَا إلَيْهِ فَالْإِضَافَةُ لُغَوِيَّةٌ وَإِلَّا فَالْيَوْمُ مُضَافٌ إلَيْهَا نَحْوُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَوْلُهُ: (يَجِبُ السَّعْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ) وَقَدْ صَحَّ «مَنْ سَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَعَا عَلَيْهِ مَلَكَاهُ فَيَقُولَانِ: لَا نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ سَفَرِهِ، وَلَا أَعَانَهُ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ» قَالَهُ م ر الْكَبِيرُ وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (عَلَى بَعِيدِ الدَّارِ) أَيْ مِنْ حِينِ الْفَجْرِ كَذَا قَالُوهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْجُمُعَةَ إلَّا بِهِ حَجّ ز ي وَشَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (إنْ خَفِيَ عُذْرُهُ) وَالْعُذْرُ الْخَفِيُّ كَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْغَرِيمِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَفَقْدِ الْمَرْكُوبِ اللَّائِقِ وَالْوَحْلِ وَالْمَطَرِ.
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ لِمَنْ رَجَا زَوَالَ عُذْرِهِ) أَيْ رَجَا قَرِيبًا ع ش قَوْلُهُ: (إلَى فَوَاتِ الْجُمُعَةِ) لِأَنَّهُ قَدْ يَزُولُ عُذْرُهُ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ فَرْضِ أَهْلِ الْكَمَالِ أج.
وَيَحْصُلُ الْفَوَاتُ بِرَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ق ل. فَإِنْ قُلْتَ: يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَا سَيَأْتِي فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْيَأْسُ إلَّا بِالسَّلَامِ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ.
قُلْتُ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْجُمُعَةَ ثَمَّ لَازِمَةٌ فَلَا تَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالسَّلَامِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ تَرْكَ شَيْءٍ يُوجِبُ الْقِيَامَ لِلرُّكُوعِ فَيُدْرِكُ الْجُمُعَةَ حِينَئِذٍ وَلَا كَذَلِكَ مَا هُنَا إذْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ أج.
[شُرُوطُ صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
قَوْلُهُ: (أَنْ تَكُونَ الْبَلَدُ فَقَالَ) أَيْ أَنْ تُوجَدَ الْأَبْنِيَةُ الْمُجْتَمِعَةُ.
وَقَوْلُهُ مِصْرًا كَانَتْ أَوْ قَرْيَةً بَيَانٌ لِلْبَلَدِ بِمَعْنَى الْأَبْنِيَةِ وَهَذَا مَا سَلَكَهُ الشِّهَابُ الْعَبَّادِيُّ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا سَلَكَهُ الشَّارِحُ، إذْ مَا سَلَكَهُ سم يَنْدَفِعُ بِهِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمَتْنُ مِنْ الْإِيهَامِ إذْ الْبَلَدُ لَا يَكُونُ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً إلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، أَعْنِي تَأْوِيلَهَا بِالْأَبْنِيَةِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ يُطْلَقُ الْبَلَدُ وَالْبَلْدَةُ عَلَى كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ عَامِرًا كَانَ أَوْ خَلَاءً اهـ. وَعَلَى هَذَا لَا يَحْتَاجُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ إلَى تَأْوِيلٍ وَمَا ذَكَرَهُ سم مِنْ تَأْوِيلِهِ الْبَلَدَ بِالْأَبْنِيَةِ.
وَقَوْلُ شَيْخِنَا.
الْبَلَدُ لَا تَكُونُ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً إلَّا بِالتَّأْوِيلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ قَوْلُهُ: (فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ أَرْضٌ خُطَّ عَلَيْهَا أَعْلَامٌ لِلْبِنَاءِ فِيهَا وَالتَّعْبِيرُ بِالْخِطَّةِ لِلْجِنْسِ فَيَشْمَلُ الْوَاحِدَ إذَا كَثُرَ فِيهَا عَدَدٌ مُعْتَبَرٌ شَرْحُ م ر وَقَالَ ق ل لَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ خِطَّةٍ لَكَانَ أَوْلَى إذْ الْخِطَّةُ عَلَامَاتُ الْأَبْنِيَةِ قَبْلَ وُجُودِهَا وَلَيْسَتْ كَافِيَةً وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ الْخِطَّةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْبِنَاءِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ إضَافَةَ خِطَّةٍ لِلْأَبْنِيَةِ بَيَانِيَّةٌ شَيْخُنَا وَشَمِلَتْ الْأَبْنِيَةُ مَا لَوْ كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُجَمِّعِينَ) بِكَسْرِ الْمِيمِ
وَالسَّاحَاتُ وَالْمَسَاجِدُ، وَلَوْ انْهَدَمَتْ الْأَبْنِيَةُ وَأَقَامُوا عَلَى عِمَارَتِهَا لَمْ يَضُرَّ انْهِدَامُهَا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي مَظَالَّ لِأَنَّهَا وَطَنُهُمْ.
لَا تَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ بِنَاءٍ إلَّا فِي هَذِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَزَلُوا مَكَانًا وَأَقَامُوا فِيهِ لِيَعْمُرُوهُ قَرْيَةً لَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ قَبْلَ الْبِنَاءِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ فِي الْحَالَيْنِ.
وَكَذَا لَوْ صَلَّتْ طَائِفَةٌ خَارِجَ الْأَبْنِيَةِ خَلْفَ جُمُعَةٍ مُنْعَقِدَةٍ لَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ لِعَدَمِ وُقُوعِهَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُجْتَمِعَةِ فِيهِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَتَجُوزُ فِي الْفَضَاءِ الْمَعْدُودِ مِنْ خُطَّةِ الْبَلَدِ (مِصْرًا كَانَتْ أَوْ قَرْيَةً) بِحَيْثُ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَمَا فِي السَّكَنِ الْخَارِجِ عَنْهَا الْمَعْدُودِ مِنْهَا بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَعْدُودِ مِنْهَا، فَمَنْ أَطْلَقَ الْمَنْعَ فِي السَّكَنِ الْخَارِجِ عَنْهَا أَرَادَ هَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْقُرَى يُؤَخِّرُونَ الْمَسْجِدَ عَنْ جِدَارِ الْقَرْيَةِ قَلِيلًا صِيَانَةً لَهُ عَنْ نَجَاسَةِ الْبَهَائِمِ، وَعَدَمُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ فِيهِ بَعِيدٌ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ بَنَى أَهْلُ الْبَلَدِ مَسْجِدَهُمْ خَارِجَهَا لَمْ يَجُزْ لَهُمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ لِانْفِصَالِهِ عَنْ الْبِنَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى انْفِصَالٍ لَا يُعَدُّ بِهِ مِنْ الْقَرْيَةِ اهـ.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الْبَزْرِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَيْ الْبَلَدُ كَبِيرًا أَوْ خَرِبَ مَا حَوَالَيْ الْمَسْجِدِ لَمْ يَزُلْ حُكْمُ
[حاشية البجيرمي]
الْمُشَدَّدَةِ أَيْ الْمُصَلِّينَ الْجُمُعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَامُوا) أَيْ أَهْلُهَا أَوْ ذُرِّيَّتُهُمْ عَلَى قَصْدِ عِمَارَتِهَا أَوْ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى قَصْدِ الرَّحِيلِ حَتَّى يَرْحَلُوا عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ ق ل. وَقَوْلُهُ: أَوْ ذُرِّيَّتُهُمْ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْأَهْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا وَقْتَ مَوْتِ آبَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عِمَارَتِهَا) أَيْ لِأَجْلِ عِمَارَتِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْرَعُوا فِيهَا، فَالشَّرْطُ أَنْ يَقْصِدُوا الْعِمَارَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْلَقُوا أَوْ قَصَدُوا عَدَمَ الْعِمَارَةِ فَتَكُونُ عَلَى فِي عِبَارَتِهِمْ بِمَعْنَى اللَّامِ، أَوْ أَنَّهُ ضَمَّنَ أَقَامُوا مَعْنَى عَزَمُوا فَعَدَّاهُ بِعَلَى وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ فِي الصُّورَةِ الْإِطْلَاقُ.
قَوْلُهُ (لِيَعْمُرُوهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الْمِيمِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 18] قَوْلُهُ: (اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُودُ الْأَبْنِيَةِ فِي الْأُولَى وَعَدَمُهَا فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (خَارِجَ الْأَبْنِيَةِ) أَيْ أَوْ خَارِجَ السُّورِ، فَالْمُرَادُ أَنَّ مَا يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ لِلْمُسَافِرِ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ فِيهِ وَلَوْ تَبَعًا لِأَهْلِهِ، وَكَذَا لَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ فِيهِ وَلَا سَمَاعُهَا مِمَّنْ هُوَ فِيهِ ق ل. قَالَ الشَّيْخُ م ر: وَلَوْ أُقِيمَتْ الْجُمُعَةُ فِي مَحَلٍّ تَصِحُّ فِيهِ فَامْتَدَّتْ الصُّفُوفُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَوَرَاءً مَعَ الِاتِّصَالِ الْمُعْتَبَرِ حَتَّى خَرَجَتْ إلَى خَارِجِ الْقَرْيَةِ مَثَلًا صَحَّتْ جُمُعَةُ الْخَارِجِينَ إنْ كَانُوا بِمَكَانٍ لَا يَقْصُرُ فِيهِ مَنْ سَافَرَ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَرَاكِبِ الرَّاسِيَةِ بِسَاحِلِ بُولَاقَ تَبَعًا لِمَنْ فِي الْمَدْرَسَةِ السِّنَانِيَّةِ النَّاشِئَةِ بِالسَّاحِلِ لِأَنَّ الْمَرَاكِبَ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَيْرِهَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْقَصْرِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ إلَخْ) لَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى قَوْلِ شَيْخِنَا م ر بِصِحَّتِهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِمَنْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْقَصْرُ نَحْوِ مَنْ فِي الْمَرَاكِبِ فِي سَاحِلِ بُولَاقَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، فَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِكَوْنِ الْمَحَلِّ مَحَلَّ قَصْرٍ وَإِنْ امْتَنَعَ فِيهِ الْقَصْرُ لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ فَتَأَمَّلْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ فِي الْفَضَاءِ الْمَعْدُودِ) بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا أَيْ بَيْنَ خِطَّةِ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (مِصْرًا كَانَتْ أَوْ قَرْيَةً) جَعَلَهُ مُرْتَبِطًا بِلَفْظِ بَلَدِ النِّدَاءِ الَّتِي فِي الشَّارِحِ، فَلَوْ قَدَّمَهُ بِجَنْبِ الْمَتْنِ كَانَ أَحْسَنَ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا، وَالْمِصْرُ مَا فِيهِ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ وَحَاكِمٌ شُرَطِيٌّ وَأَسْوَاقٌ لِلْمُعَامَلَةِ وَالْبَلَدُ مَا فِيهِ بَعْضُ ذَلِكَ وَالْقَرْيَةُ مَا خَلَتْ عَنْ الْجَمِيعِ.
وَخَصَّ أَبُو حَنِيفَةَ الصِّحَّةَ بِالْمِصْرِ اهـ ق ل وَقَوْلُهُ أَوْ قَرْيَةً.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَسْكُنْ الْكُفُورَ فَإِنَّ سَاكِنَ الْكُفُورِ كَسَاكِنِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ.
وَالْمُرَادُ بِالْكُفُورِ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ عَنْ الْمُدُنِ الَّتِي هِيَ مَجْمَعُ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ كَمَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ) أَيْ بِمَكَانٍ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ قَوْلُهُ: (فِي السَّكَنِ) كَزَرِيبَةٍ خَارِجَةٍ عَنْهَا أَيْ غَيْرِ مُتَّصِلَةٍ بِأَبْنِيَتِهَا لَكِنَّهَا دَاخِلَةُ السُّورِ.
قَوْلُهُ: (الْبَزْرِيِّ) قَالَ فِي التُّحْفَةِ: وَغَرَضُ ابْنِ الْبَزْرِيِّ أَنَّهُ يَكْفِي اتِّصَالُ الْمَسْجِدِ إمَّا بِالْفِعْلِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْبَارِزِيُّ مَرْحُومِيٌّ.
قَالَ
الْوُصْلَةِ عَنْهُ وَيَجُوزُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْسَخٌ اهـ وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ بِحَيْثُ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ.
وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ مَوْضِعًا مِنْ الصَّحْرَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ النِّدَاءُ مِنْ مَحَلِّ الْجُمُعَةِ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ عَلَى هَيْئَةِ الْمُسْتَوْفِزِينَ وَلَيْسَ لَهُمْ أَبْنِيَةُ الْمُسْتَوْطِنِينَ، وَلِأَنَّ قَبَائِلَ الْعَرَبِ كَانُوا مُقِيمِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَمَا كَانُوا يُصَلُّونَهَا وَمَا أَمَرَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا.
(وَ) الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ (أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا وَلَوْ مَرْضَى وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ (مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ) وَهُمْ
[حاشية البجيرمي]
فِي التُّحْفَةِ: هُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ نِسْبَةً لِبِزْرِ الْكَتَّانِ اهـ. وَاَلَّذِي فِي طَبَقَاتِ الْإِسْنَوِيِّ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ رَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ زَايٍ مُعْجَمَةٍ نِسْبَةً إلَى بَرْزَةَ قَرْيَةٍ بِدِمَشْقَ.
وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَحْمُودُ بْنُ أَحْمَدَ الدِّمَشْقِيُّ وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِالْخُشَنِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا نُونٌ وَكَانَ يَحْفَظُ مُخْتَصَرَ الْمُزَنِيِّ اهـ. وَعَلَيْهِ فَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ غَيْرُ هَذَا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَخَرِبَ) بَابُهُ عَلِمَ.
قَوْلُهُ: (فَرْسَخٌ) عِبَارَةُ حَجّ فَرَاسِخُ.
قَوْلُهُ: (وَالضَّابِطُ) أَيْ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ الْبَلَدِ قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَكُونَ) أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا ق ل اعْتَمَدَهُ م ر وَابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ مُجَاوَزَتِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ خِيَامُهُمْ فِي خِلَالِ الْأَبْنِيَةِ وَهُمْ مُسْتَوْطِنُونَ فَتَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ فِي خِلَالِ الْأَبْنِيَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ فِي أَبْنِيَةٍ اهـ حَجّ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ بِقَرْيَةٍ مَسْجِدٌ ثُمَّ خَرِبَ مَا حَوْلَهُ فَصَارَ مُنْفَرِدًا وَلَمْ يُهْجَرْ بَلْ اسْتَمَرَّ النَّاسُ يَتَرَدَّدُونَ إلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ فِيهِ وَلَوْ بَعُدَ الْعُمْرَانُ عَنْهُ، إذْ بَقَاؤُهُ عَامِرًا بِالتَّرَدُّدِ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ يَصِيرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِرِ مِنْ الْخَرَابِ كَخَرَابٍ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْعُمْرَانِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ الْبَلَدِ أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ اهـ أج وَابْنُ شَرَفٍ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمْ عَلَى هَيْئَةِ الْمُسْتَوْفِزِينَ) أَيْ الْمُسَافِرِينَ أَيْ شَأْنُهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامُوا بِهَا أَبَدًا قَوْلُهُ: (مُقِيمِينَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ) أَيْ فِي مَحَلٍّ لَا يَسْمَعُونَ نِدَاءَهَا مِنْهُ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ رَجُلًا) وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَلَّاهَا فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى.
وَحِكْمَةُ هَذَا الْعَدَدِ أَنَّهُ مِقْدَارُ زَمَنِ بَعْثِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَنَّهُ مِقْدَارُ زَمَنِ مِيقَاتِ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّهُ كَمَا قِيلَ مِقْدَارُ عَدَدٍ لَمْ يَجْتَمِعْ مِثْلُهُ إلَّا وَفِيهِمْ وَلِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَشَرْطُهُمْ صِحَّةُ إمَامَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْبَاقِينَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْجِنِّ حَيْثُ عُلِمَتْ ذُكُورَتُهُمْ وَلَوْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ سُورَةِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَرْبَعُونَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ اتَّفَقَتْ أُمِّيَّتُهُمْ بِأَنْ اتَّفَقُوا فِي الْحَرْفِ الْمَعْجُوزِ عَنْهُ وَلَيْسُوا مُقَصِّرِينَ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ ق ل وَعِبَارَةُ ز ي: وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعِينَ فِيهِمْ أُمِّيٌّ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّمِ لَمْ تَصِحَّ جُمُعَتُهُمْ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ فَيَنْقُصُونَ، فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ إنْ كَانَ الْإِمَامُ قَارِئًا اهـ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ إمَامَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْبَاقِينَ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ.
وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَوْلًا:
أَحَدُهَا: تَصِحُّ مِنْ الْوَاحِدِ؛ رَوَاهُ ابْنُ حَزْمٍ.
وَتَأَمَّلْ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ لِابْنِ حَجَرٍ وَعِبَارَتُهُ: وَفِيهِ أَيْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ» أَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَهُوَ إجْمَاعٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ.
الثَّانِي: اثْنَانِ كَالْجَمَاعَةِ وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ.
الثَّالِثُ: اثْنَانِ مَعَ الْإِمَامِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَاللَّيْثِ.
الذُّكُورُ الْأَحْرَارُ الْمُكَلَّفُونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ بِمَحَلِّهَا لَا يَظْعَنُونَ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إلَّا لِحَاجَةٍ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجَمِّعْ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ مَعَ عَزْمِهِ عَلَى الْإِقَامَةِ أَيَّامًا لِعَدَمِ التَّوَطُّنِ، وَكَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فِيهَا يَوْمَ جُمُعَةٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَصَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ
[حاشية البجيرمي]
الرَّابِعُ: ثَلَاثَةٌ مَعَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانٍ الثَّوْرِيِّ.
الْخَامِسُ: سَبْعَةٌ عِنْدَ عِكْرِمَةَ.
السَّادِسُ: تِسْعَةٌ عِنْدَ رَبِيعَةَ.
السَّابِعُ: اثْنَا عَشَرَ عِنْدَ رَبِيعَةَ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ وَمَالِكٍ.
الثَّامِنُ: مِثْلُهُ غَيْرُ الْإِمَامِ عِنْدَ إِسْحَاقَ.
التَّاسِعُ: عِشْرُونَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
الْعَاشِرُ: ثَلَاثُونَ كَذَلِكَ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَرْبَعُونَ بِالْإِمَامِ عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَرْبَعُونَ غَيْرُ الْإِمَامِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطَائِفَةٌ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: خَمْسُونَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَحُكِيَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: ثَمَانُونَ حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: جَمْعٌ كَثِيرٌ بِغَيْرِ حَصْرٍ.
وَلَعَلَّ هَذَا الْأَخِيرَ أَرْجَحُهَا مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي اهـ مَوَاهِبُ شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ خ ض وَتَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ مِنْ الْجِنِّ بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ أَوْ مِنْهُمْ وَمِنْ الْإِنْسِ، قَالَهُ الْقَمُولِيُّ؛ أَيْ إنْ عَلِمَ وُجُودَ الشُّرُوطِ فِيهِمْ وَقَيَّدَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ بِمَا إذَا تَصَوَّرُوا بِصُورَةِ بَنِي آدَمَ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا نُقِلَ مِنْ كُفْرِ مُدَّعِي رُؤْيَتِهِمْ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ ادَّعَى رُؤْيَتَهُمْ عَلَى مَا خُلِقُوا عَلَيْهِ، وَكَلَامُنَا فِيمَنْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى صُورَةِ بَنِي آدَمَ فَشَرْطُ كُلٍّ أَنْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ وَأَنْ تَكُونَ مُغْنِيَةً عَنْ الْقَضَاءِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ إمَامًا لِلْقَوْمِ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَيْ الِاكْتِفَاءِ بِأَرْبَعِينَ فِي غَيْرِ صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ أَمَّا فِيهَا فَيُشْتَرَطُ زِيَادَتُهُمْ عَلَى الْأَرْبَعِينَ لِيُحْرِمَ الْإِمَامُ بِأَرْبَعِينَ وَيَقِفَ الزَّائِدُ فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ أَرْبَعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِينَ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُمْ أَيْ الزَّائِدُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ حَالَ التَّحَرُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ) سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْخَطِيبُ أَوْ لَا.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْخَطِيبِ صِحَّةُ إمَامَتِهِ لَهُمْ أَيْضًا فَلَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ مِنْ أُمِّيٍّ أَوْ أَرَتَّ أَوْ نَحْوِهِ ق ل قَوْلُهُ: (وَهُمْ الذُّكُورُ) أَتَى بِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ وَإِلَّا فَهُوَ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ رَجُلًا.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَوْطِنُونَ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ لِلْمُتَوَطِّنِ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنَانِ فَالْعِبْرَةُ بِمَا كَثُرَتْ فِيهِ إقَامَتُهُ، فَإِنْ اسْتَوَتْ إقَامَتُهُ فِيهِمَا فَالْعِبْرَةُ بِمَا فِيهِ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْكُلِّ فَالْعِبْرَةُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ حَالَةَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ حَجّ أج.
وَفِي ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَوْ تَوَطَّنَ بِبَلَدَيْنِ اُعْتُبِرَ مَا فِيهِ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَمَا إقَامَتُهُ فِيهِ أَكْثَرُ فَإِنْ اسْتَوَتْ انْعَقَدَتْ بِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلُهُ: (لَا يَظْعَنُونَ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلِاسْتِيطَانِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُجَمِّعْ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ إلَخْ) اُعْتُرِضَ هَذَا فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مُنْذُ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمْ يُقِمْ إقَامَةً تَقْطَعُ السَّفَرَ فَهُوَ مُسَافِرٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ.
اهـ. ابْنُ شَرَفٍ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَرْبَعُونَ بِبَلَدٍ سِنِينَ وَكَانُوا عَازِمِينَ عَلَى الرَّحِيلِ وَلَيْسَ بِهَا غَيْرُهُمْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ غَيْرُ مُتَوَطِّنِينَ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَهُ عَمِيرَةُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ يَكْفِي فِي الدَّلِيلِ أَنَّ غَالِبَ أَحْوَالِهَا التَّعَبُّدُ وَلَمْ تَثْبُتْ إقَامَتُهَا بِغَيْرِ مُسْتَوْطِنِينَ رَحْمَانِيٌّ قَوْلُهُ: (لَمْ يُجَمِّعْ) هُوَ بِالْمِيمِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ لَمْ يُصَلِّ الْجُمُعَةَ قَوْلُهُ: (مَعَ عَزْمِهِ عَلَى الْإِقَامَةِ) أَيْ بِمَكَّةَ بَعْدَ عَرَفَةَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى سَفَرِهِ؛ فَلِذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا وَالْجَمْعُ لِلسَّفَرِ وَقِيلَ كَانَ مُقِيمًا وَالْجَمْعُ لِلنُّسُكِ كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةُ.
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ
وَالْعَصْرَ تَقْدِيمًا كَمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ، وَلَوْ نَقَصُوا فِيهَا بَطَلَتْ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي دَوَامِهَا كَالْوَقْتِ وَقَدْ فَاتَ فَيُتِمُّهَا الْبَاقُونَ ظُهْرًا أَوْ فِي خُطْبَةٍ لَمْ يُحْسَبْ رُكْنٌ مِنْهَا فُعِلَ حَالَ نَقْصِهِمْ لِعَدَمِ سَمَاعِهِمْ لَهُ، فَإِنْ عَادُوا قَرِيبًا عُرْفًا جَازَ بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا، فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا لِانْتِفَاءِ الْمُوَالَاةِ الَّتِي فَعَلَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهَا كَنَقْصِهِمْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ فَإِنَّهُمْ إنْ عَادُوا قَرِيبًا جَازَ الْبِنَاءُ وَإِلَّا وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِذَلِكَ.
وَلَوْ أَحْرَمَ أَرْبَعُونَ قَبْلَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ تَمَّتْ لَهُمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنْ أَحْرَمُوا عَقِبَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ قَالَ فِي الْوَسِيطِ: تَسْتَمِرُّ الْجُمُعَةُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ.
وَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ خَلْفَ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ مُمَيِّزٍ وَمُسَافِرٍ وَمَنْ بَانَ مُحْدِثًا وَلَوْ حَدَثًا أَكْبَرَ كَغَيْرِهَا إنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِمْ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِهِمْ.
[حاشية البجيرمي]
الْمُصَنِّفِ لِتَعْلِيلِهِ بِعَدَمِ التَّوَطُّنِ، إذْ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُقِيمٍ لَعَلَّلَ بِعَدَمِ الْإِقَامَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ عَدَمُ التَّوَطُّنِ لَا يُنَافِي عَدَمَ الْإِقَامَةِ فَهِيَ الْمُرَادَةُ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ.
وَيَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْحُجَّاجِ دُخُولُهُ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِنَحْوِ يَوْمٍ نَاوِينَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ مِنًى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ سَفَرُهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ فَلَمْ تُؤَثِّرْ نِيَّتُهُمْ لِتِلْكَ الْإِقَامَةِ قَبْلَهُ رَحْمَانِيٌّ اهـ قَوْلُهُ: (أَيَّامًا) أَيْ غَيْرَ قَاطِعَةٍ لِلسَّفَرِ أَيْ دُونَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ التَّوَطُّنِ) الْأَوْلَى لِعَدَمِ الْإِقَامَةِ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ كَانَ مُقِيمًا غَيْرَ مُتَوَطِّنٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
فَعَدَمُ إقَامَتِهِ الْجُمُعَةَ بِعَرَفَةَ لِلسَّفَرِ وَلِعَدَمِ الْأَبْنِيَةِ فِيهَا لَا لِعَدَمِ التَّوَطُّنِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ هَذَا التَّعْلِيلُ وَهُوَ قَوْلُهُ لِعَدَمِ التَّوَطُّنِ مُشْكِلٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا قَوْلُهُ: (تَقْدِيمًا) أَيْ لِلسَّفَرِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَقَصُوا فِيهَا بَطَلَتْ) هُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ نَقَصُوا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْهَا وَشَامِلٌ لِمَا لَوْ نَقَصُوا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَشَامِلٌ لِمَا إذَا عَادُوا فَوْرًا وَشَامِلٌ لِمَا إذَا عَادُوا بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا، وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُمْ إذَا عَادُوا فَوْرًا وَكَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْفَاتِحَةِ فَحِينَئِذٍ يُبْنَى عَلَى مَا مَضَى، وَأَمَّا إذَا نَقَصُوا بَعْدَ رُكُوعِ الْأُولَى أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ تُمْكِنْهُمْ الْفَاتِحَةُ وَإِنْ عَادُوا فَوْرًا فِيهِمَا فَيَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ ز ي.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ) أَيْ الْجُمُعَةُ فَقَطْ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْنَافُ جُمُعَةٍ أُخْرَى فَيَجِبُ الظُّهْرُ بِنَاءً عَلَى مَا صَلَّوْهُ مِنْهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَيُتِمُّهَا إلَخْ.
وَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ مِنْ أَصْلِهَا إنْ أَمْكَنَ اسْتِئْنَافُ جُمُعَةٍ أُخْرَى كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (جَازَ بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى) أَيْ مَعَ إعَادَةِ مَا فَعَلَ حَالَ نَقْصِهِمْ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ) ضَبَطَهُ حَجّ بِمَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ بِأَقَلِّ مُجْزِئٍ.
قَوْلُهُ: (إنْ عَادُوا قَرِيبًا) أَيْ قَبْلَ إحْرَامِ الْإِمَامِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: جَازَ الْبِنَاءُ أَيْ مِنْ الْإِمَامِ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ (لِذَلِكَ) أَيْ لِانْتِفَاءِ الْمُوَالَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَحْرَمَ أَرْبَعُونَ) أَيْ وَلَوْ مُتَرَتِّبِينَ كَأَنْ كَانُوا كُلَّمَا أَحْرَمَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ بَطَلَتْ صَلَاةُ مِثْلِهِ مِنْ الْأَوَّلِينَ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا سَمِعُوا الْخُطْبَةَ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْرَءُوا الْفَاتِحَةَ حَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْهَا بِأَنْ رَكَعَ الْإِمَامُ عَقِبَ إحْرَامِهِمْ؛ لَكِنْ مَحَلُّ هَذَا إنْ قَرَأَهَا الْأَوَّلُونَ قَبْلَ انْفِضَاضِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَلَوْ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ رُكُوعِهَا أَوْ فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ الرَّفْعِ مِنْ رُكُوعِهَا اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَحْرَمُوا عَقِبَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ إلَخْ) فَإِحْرَامُهُمْ عَقِبَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ صَيَّرَهُمْ كَأَنَّهُمْ أَحْرَمُوا مَعَهُ وَلَمْ يَحْصُلْ انْفِضَاضٌ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إحْرَامُهُمْ عَقِبَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ فِي الْأُولَى وَأَدْرَكُوا الْفَاتِحَةَ وَالرُّكُوعَ مَعَ الْإِمَامِ صَحَّ كَالْمُتَبَاطِئِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ بَطَلَتْ لِخُلُوِّ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَنْ الْعَدَدِ فِي جُزْءٍ مِنْهَا ح ل وَقَوْلُ ح ل: وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الَأُجْهُورِيُّ وَالْعَنَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (سَمِعُوا الْخُطْبَةَ) وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَنْ يُدْرِكُوا الْفَاتِحَةَ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ.
وَعِبَارَةُ الَأُجْهُورِيُّ: وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ الْفَاتِحَةِ قَبْلَ رُكُوعِهِ.
وَالْمُرَادُ أَنْ يُدْرِكُوا الْفَاتِحَةَ وَالرُّكُوعَ قَبْلَ قِيَامِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ أَدْرَكُوا الْفَاتِحَةَ وَالرَّكْعَةَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ بَانَ مُحْدِثًا) مِثْلُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَنْ بَانَ ذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ، وَانْظُرْ هَلْ الْخُطْبَةُ كَذَلِكَ حَتَّى إذَا بَانَ أَنَّ الْخَطِيبَ كَانَ مُحْدِثًا أَوْ ذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ تَصِحُّ الْخُطْبَةُ
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ (الْوَقْتُ) وَهُوَ وَقْتُ الظُّهْرِ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَيُشْتَرَطُ الْإِحْرَامُ بِهَا وَهُوَ (بَاقٍ) بِحَيْثُ يَسَعُهَا جَمِيعَهَا.
(فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ) أَوْ ضَاقَ عَنْهَا وَعَنْ خُطْبَتَيْهَا أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ (أَوْ عُدِمَتْ الشُّرُوطُ) أَيْ شُرُوطُ صِحَّتِهَا أَوْ بَعْضُهَا كَأَنْ فُقِدَ الْعَدَدُ أَوْ الِاسْتِيطَانُ (صُلِّيَتْ) حِينَئِذٍ (ظُهْرًا) كَمَا لَوْ فَاتَ شَرْطُ الْقَصْرِ يَرْجِعُ إلَى الْإِتْمَامِ فَعُلِمَ أَنَّهَا إذَا فَاتَتْ لَا تُقْضَى جُمُعَةً بَلْ ظُهْرًا، أَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِيهَا وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً إلْحَاقًا لِلدَّوَامِ بِالِابْتِدَاءِ فَيُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ مِنْ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، وَأَمَّا الْمَسْبُوقُ الْمُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ سَلَامِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ ظُهْرٌ بِنَاءً وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةُ الْجُمُعَةِ صَحِيحَةً، وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ الْأُولَى وَتِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ فِي الْوَقْتِ وَسَلَّمَهَا الْبَاقُونَ خَارِجَهُ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ، أَمَّا الْمُسَلِّمُونَ خَارِجَهُ أَوْ فِيهِ لَوْ نَقَصُوا عَنْ أَرْبَعِينَ كَأَنْ سَلَّمَ الْإِمَامُ فِيهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَعَهُ أَوْ بَعْضُهُمْ خَارِجَهُ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ تَبَيَّنَ حَدَثُ الْمَأْمُومِينَ دُونَ الْإِمَامِ صَحَّتْ جُمُعَتُهُ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْبَيَانِ مَعَ عَدَمِ انْعِقَادِ
[حاشية البجيرمي]
وَالْجُمُعَةُ لَا يَبْعُدُ أَنَّهَا كَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا لَوْ خَطَبَ الْخَطِيبُ قَاعِدًا وَبَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ لَا يَضُرُّ م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ) أَيْ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا وَلَوْ بِخَبَرِ عَدْلٍ بِخُرُوجِهِ عَلَى الْأَوْجَهِ عَمَلًا بِخَبَرِ الْعَدْلِ كَمَا فِي غَالِبِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ وَأَلْحَقَ بِهِ الْفَاسِقَ إذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ الشَّكِّ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ احْتِيَاطًا لِانْعِقَادِهَا وَيَضُرُّ فِي الِابْتِدَاءِ فَيَمْنَعُ الِانْعِقَادَ كَمَا قَالَهُ الرَّحْمَانِيُّ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ شَرَفٍ: فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَيْ يَقِينًا لَا ظَنًّا حَتَّى لَوْ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ لَا يَسَعُهَا لَمْ تَنْقَلِبْ ظُهْرًا إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ ذَا الطَّعَامَ غَدًا فَأَتْلَفَهُ قَبْلَ الْغَدِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ، وَلَوْ نَوَى الْجُمُعَةَ إنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا وَإِلَّا فَالظُّهْرُ صَحَّتْ إنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْحَالِ قِيَاسًا عَلَى نَظِيرِهِ فِي الصَّوْمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ شَرَفٍ وَمِثْلُهُ فِي م ر. وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَرَاجِعْهُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ شَكُّوا فِي خُرُوجِهِ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ، فَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ الْأُولَى وَتِسْعَةً وَثَلَاثُونَ فِي الْوَقْتِ وَسَلَّمَهَا الْبَاقُونَ خَارِجَهُ صَحَّتْ جُمُعَةُ الْإِمَامِ وَمَنْ مَعَهُ فَقَطْ دُونَ الْمُسَلِّمِينَ خَارِجَهُ فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ، وَكَذَا جُمُعَةُ الْمُسَلِّمِينَ فِيهِ لَوْ نَقَصُوا عَنْ الْأَرْبَعِينَ.
وَإِنَّمَا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ لِلْإِمَامِ وَحْدَهُ فِيمَا لَوْ كَانُوا مُحْدِثِينَ دُونَهُ لِأَنَّ سَلَامَهُ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ فَثَبَتَتْ فِيهِ صُورَةُ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ قَبْلَ السَّلَامِ؛ وَلِأَنَّ الْمُحْدِثَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيمَا إذَا فَقَدْ الطَّهُورَيْنِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ خَارِجَ الْوَقْتِ؛ وَلِأَنَّهُ هُنَا مُقَصِّرٌ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ بَعْضِهَا عَنْ الْوَقْتِ بِخِلَافِهِ فِي ذَلِكَ اهـ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ) أَيْ الْخُرُوجِ أَوْ الضِّيقِ أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، فَلَا يُنَافِي مَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ أَيْ وَهُمْ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (صُلِّيَتْ ظُهْرًا) قَالَ سم: لَا يَخْفَى مَا فِي إعَادَةِ الضَّمِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ التَّجَوُّزِ، إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْجُمُعَةِ تُصَلَّى ظُهْرًا؛ لَكِنَّهُ أَعَادَهُ إلَيْهَا نَظَرًا لِأَنَّهَا الْوَاجِبَةُ أَوَّلًا.
وَيُمْكِنُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي صُلِّيَتْ عَائِدٌ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْمَقَامِ لَا لِلْجُمُعَةِ، وَلَوْ قَالَ صُلِّيَ الظُّهْرُ بِحَذْفِ التَّاءِ لَسَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ فِي إعَادَةِ الضَّمِيرِ مُؤَنَّثًا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ بَانَ الْإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا صَحَّتْ إنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ، وَمِثْلُهُ تَرْكُ بَعْضِهِمْ الْقِرَاءَةَ أَوْ الْبَسْمَلَةَ كَمَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ الْمَالِكِيَّةِ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ عَمِيرَةُ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ فِي خُرُوجِهِ) أَيْ وَهُمْ فِيهَا كَمَا هُوَ الْفَرْضُ أَمَّا لَوْ شَكُّوا فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ بِالظُّهْرِ، فَلَوْ أَحْرَمُوا عِنْدَ الشَّكِّ بِالظُّهْرِ فَبَانَتْ سَعَةَ الْوَقْتِ تَعَيَّنَ عَدَمُ انْعِقَادِ الظُّهْرِ سم عَلَى حَجّ.
قَالَ ع ش: وَتَنْعَقِدُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
قُلْتُ: مَحَلُّهُ إنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ مِنْ نَوْعِهَا وَإِلَّا وَقَعَتْ عَنْهَا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَتِسْعَةٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِمَامِ وَقَوْلُهُ (فِي الْوَقْتِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سَلَّمَ قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ جُمُعَتُهُمْ) أَيْ الْجَمِيعِ حَتَّى الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ) وَارِدٌ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ جُمُعَةِ الْإِمَامِ.
صَلَاتِهِمْ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُحْدِثَ تَصِحُّ جُمُعَتُهُ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا بِخِلَافِهَا خَارِجَ الْوَقْتِ.
وَالرَّابِعُ مِنْ الشُّرُوطِ وُجُودُ الْعَدَدِ كَامِلًا مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ الْأُولَى إلَى انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ لَتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ الِانْفِضَاضِ الْمُتَقَدِّمَةُ.
وَالْخَامِسُ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَسْبِقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي مَحَلِّهَا وَلَوْ عَظُمَ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدِينَ لَمْ يُقِيمُوا سِوَى جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَفْضَى إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الِاجْتِمَاعِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ فِعْلُهَا فِي مَسْجِدَيْنِ لَجَازَ فِي مَسَاجِدِ الْعَشَائِرِ، وَلَا يَجُوزُ إجْمَاعًا إلَّا إذَا كَبُرَ الْمَحَلُّ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَان بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ الْجُمُعَةِ مَوْضِعٌ يَسَعُهُمْ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَا غَيْرَ مَسْجِدٍ فَيَجُوزُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالرَّابِعُ مِنْ الشُّرُوطِ) كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرُ الشُّرُوطِ الزَّائِدَةِ بَعْدَ فَرَاغِ كَلَامِ الْمَتْنِ أَوْ كَانَ يَذْكُرُ هَذَا الرَّابِعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَأَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ إلَخْ، بِأَنْ يَزِيدَ وَيَقُولَ مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (لِتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ الِانْفِضَاضِ) أَيْ فَإِنَّ فِيهَا تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ أَرْبَعُونَ قَبْلَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ تَمَّتْ لَهُمْ الْجُمُعَةُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنْ أَحْرَمُوا عَقِبَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ تَمَّتْ لَهُمْ الْجُمُعَةُ أَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ يَسْمَعُوا الْخُطْبَةَ وَأَنْ يَكُونَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَنْ يُدْرِكُوا الْفَاتِحَةَ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ رَفْعِهِ عَنْ أَقِلِّ الرُّكُوعِ وَإِلَّا فَلَا.
وَخُرُوجُ مَسْأَلَةِ الِانْفِضَاضِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا أَحْرَمُوا قَبْلَ انْفِضَاضِ الْأَوَّلِينَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا الْخُطْبَةَ حِينَئِذٍ، وَإِنْ انْفَضُّوا فِي الْخُطْبَةِ وَحَضَرَ آخَرُونَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْأَرْكَانِ حَالَ الْغَيْبَةِ لَمْ يَكْفِ، إذْ شَرْطُ الصِّحَّةِ سَمَاعُ الْأَرْكَانِ.
فَإِنْ عَادَ الْمُنْفَضُّونَ عَنْ قُرْبٍ وَلَمْ يَفُتْهُمْ رُكْنٌ جَازَ بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِتَرْكِ الْمُوَالَاةِ اهـ أج.
فَخُرُوجُهَا بِالنِّسْبَةِ لِطُولِ الْفَصْلِ تَأَمَّلْ وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِمَسْأَلَةِ الِانْفِضَاضِ نَقْصُهُمْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَظُمَ إلَخْ) وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ إذَا عَظُمَ الْبَلَدُ وَعَسُرَ الِاجْتِمَاعُ تَعَدُّدُ الْجُمُعَةُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ هَذَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ وُجُوبِ تَعَدُّدِ مَحَالِّهَا لِأَجْلِ ظُهُورِ الشِّعَارِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: اعْتَنَوْا بِالْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً فَلَمْ يَنْظُرُوا لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ ح ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ إظْهَارِ شِعَارِ الِاجْتِمَاعِ) إضَافَتُهُ لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي مَسَاجِدِ الْعَشَائِرِ) وَهِيَ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا أَهْلُ الْحَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَقِيلَ مَسَاجِدُ الْعَشَائِرِ هِيَ مَسَاجِدُ الْقَبَائِلِ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مَسْجِدٌ وَقَالَ م د قِيلَ مَسَاجِدُ الْعَشَائِرِ مَسَاجِدُ فِي الْمَدِينَةِ خَارِجَهَا كَانُوا يَتْرُكُونَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَأْتُونَ مَسْجِدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ إجْمَاعًا) هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي فَكَأَنَّهُ قَالَ مَحَلُّ الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ مَا إذَا لَمْ يَعْسُرْ الِاجْتِمَاعُ وَإِلَّا جَازَ.
قَوْلُهُ: (كَبُرَ الْمَحَلُّ) بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ كَمَا هُنَا وَبِضَمِّهَا فِي الْمَعَانِي نَحْوِ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الصف: 3] هَكَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَوَاشِي وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ كَسْرَ الْبَاءِ وَاجِبٌ فِي السِّنِّ وَيَجِبُ ضَمُّهَا فِي الْجِسْمِ كَمَا هُنَا وَالْمَعْنَى وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ
كَبِرْت بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي السِّنِّ وَاجِبٌ ... مُضَارِعُهُ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ يَا صَاحِ
وَفِي الْجِسْمِ وَالْمَعْنَى كَبُرْت بِضَمِّهَا ... مُضَارِعُهُ بِالضَّمِّ جَاءَ بِإِيضَاحِ
ع ش
التَّعَدُّدُ لِلْحَاجَةِ بِحَسَبِهَا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَخَلَ بَغْدَادَ وَأَهْلُهَا يُقِيمُونَ بِهَا جُمُعَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثًا فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ عَلَى عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَا يَحْتَمِلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ غَيْرَهُ وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَبِهِ أَفْتَى الْمُزَنِيّ بِمِصْرَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُسْرِ بِمَنْ يُصَلِّي لَا بِمَنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ لَمْ يَحْضُرْ وَلَا بِجَمِيعِ أَهْلِ الْبَلَدِ كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُ النَّصِّ مَنْعُ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمُتَابِعِيهِ فَالِاحْتِيَاطُ لِمَنْ صَلَّى جُمُعَةً بِبَلَدٍ تَعَدَّدَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ سَبْقَ جُمُعَتِهِ أَنْ يُعِيدَهَا ظُهْرًا، فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ فِي مَحَلٍّ لَا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (عَلَى عُسْرِ الِاجْتِمَاعِ) . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُنْكِرُ عَلَى مُجْتَهِدٍ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِمَنْ يُصَلِّي) أَيْ بِالْفِعْلِ لَا بِمِنْ تَلْزَمُهُ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَهَلْ الْمُرَادُ اجْتِمَاعُ مَنْ تَلْزَمُهُ أَوْ مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا أَوْ مَنْ يَفْعَلُهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ غَالِبًا؛ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّ أَقْرَبَهَا الْأَخِيرُ اهـ. فَكَلَامُ الشَّارِحِ ضَعِيفٌ نَعَمْ إنْ حَمَلْنَا قَوْلَ الشَّارِحِ هُنَا عَلَى مَنْ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَيْ غَالِبًا، لَا بِالْفِعْلِ وَافَقَ مَا اعْتَمَدَهُ م ر اهـ أج.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: إلَّا إنْ عَسُرَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ، أَيْ الْحَاضِرِينَ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر، أَوْ مَنْ يَغْلِبُ حُضُورُهُ عِنْدَ شَيْخِنَا ز ي، أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ عِنْدَ الْخَطِيبِ، أَوْ مَنْ تَصِحُّ مِنْهُ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ؛ وَوَافَقَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَرِقَّاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ.
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ التَّعَدُّدُ فِي مِصْرٍ كُلِّهِ لِحَاجَةٍ، فَلَا تَجِبُ الظُّهْرُ حِينَئِذٍ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ.
اهـ. شَيْخِنَا.
وَالْمُرَادُ بِمَنْ يَعْسُرُ اجْتِمَاعُهُمْ مَنْ يَفْعَلُهَا غَالِبًا حَتَّى لَوْ كَانَ الْغَالِبُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ اعْتَبَرْنَا كُلَّ زَمَنٍ بِحَسْبِهِ اهـ.
وَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ غَالِبَ مَا يَقَعُ مِنْ التَّعَدُّدِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ إذْ كُلُّ بَلَدٍ لَا تَخْلُو غَالِبًا عَنْ مَحَلٍّ يَسَعُ النَّاسَ وَلَوْ نَحْوَ خَرَابَةٍ وَحَرِيمِ الْبَلَدِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ نَحْوَ مَا يَقَعُ مِنْ التَّعَدُّدِ فِي نَحْوِ طَنْدَتَا فِي زَمَنِ الْمَوْلِدِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كُلِّهِ فَلَا تَجِبُ الظُّهْرُ هُنَاكَ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ مَنْ يَغْلِبُ فِعْلُهُ لَمْ يُقَيِّدْ بِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
ثُمَّ عَسُرَ الِاجْتِمَاعُ إمَّا لِكَثْرَتِهِمْ، قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: أَوْ لِقِتَالٍ بَيْنَهُمْ أَوْ بُعْدِ أَطْرَافِ الْبَلَدِ؛ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مَنْ بِطَرَفِهَا لَا يَبْلُغُهُمْ الصَّوْتُ بِشُرُوطِهِ الْآتِيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْعُبَابِ وَشَرْحِهِ.
وَعِبَارَةُ أج: وَمِنْ الْحَاجَةِ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَلَدِ قِتَالٌ فَكُلُّ فِئَةٍ بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ يَلْزَمُهَا الْجُمُعَةُ وَلَوْ بَعُدَتْ أَطْرَافُ الْبَلَدِ وَكَانَ الْبَعِيدُ بِمَحَلٍّ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ نِدَاءَهَا وَكَانَ إذَا خَرَجَ عَقِبَ الْفَجْرِ لَا يُدْرِكُهَا، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ اجْتَمَعَ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلِّ الْبَعِيدِ أَرْبَعُونَ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وَإِلَّا فَالظُّهْرَ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ الْأَذَانِ لِمَنْ فِي الْبَلَدِ بَلْ يُشْتَرَطُ سَمَاعُ مَنْ بِخَارِجِهَا.
قَوْلُهُ: (فَالِاحْتِيَاطُ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَمَحَلُّ كَوْنِ ذَلِكَ احْتِيَاطًا وَمَنْدُوبًا إذَا أُرِيدَ رِعَايَةُ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ بِمَنْعِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُرَاعَ فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَةِ الظُّهْرِ وَلَا تَنْعَقِدُ إذَا كَانَ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ، وَكَذَا إذَا زَادَتْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَصَلَّى مَعَ مَنْ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا بِأَنْ أَحْرَمُوا قَبْلَ غَيْرِهِمْ فَلَا تَصِحُّ الظُّهْرُ أَيْضًا لَا فُرَادَى وَلَا جَمَاعَةً بِخِلَافِ مَنْ زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الظُّهْرُ وَلَوْ فُرَادَى، فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْأَلَةِ صُورَةٌ لِصَلَاتِهَا ظُهْرًا احْتِيَاطًا.
اهـ. ق ل. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ فِعْلَ الظُّهْرِ احْتِيَاطًا إنَّمَا هُوَ لِرِعَايَةِ الْقَوْلِ بِمَنْعِ التَّعَدُّدِ مُطْلَقًا، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ تُطْلَبُ مُرَاعَاتُهُ فَيُنْدَبُ فِعْلُ الظُّهْرِ وَلَوْ فُرَادَى مُرَاعَاةً لِهَذَا الْقَوْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ م ر ع ش.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُعِيدَهَا) أَيْ مُرَاعَاةً لِهَذَا الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ فِي مَحَلٍّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ خَمْسَةَ أَحْوَالٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ تُعْلَمَ السَّابِقَةُ وَلَمْ تُنْسَ، أَوْ يُعْلَمَ وُقُوعُهُمَا مَعًا، أَوْ يُشَكَّ فِي الْمَعِيَّةِ وَالسَّبْقِ، أَوْ تُعْلَمَ عَيْنُ السَّابِقَةِ ثُمَّ تُنْسَى، أَوْ يُعْلَمَ سَبْقُ وَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا.
فَفِي الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا عُلِمَتْ السَّابِقَةُ وَلَمْ تُنْسَ يَجِبُ الظُّهْرُ عَلَى الْمَسْبُوقَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ، وَهَلْ يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ إعَادَةُ الظُّهْرِ لِأَنَّ احْتِمَالَ السَّبْقِ فِي إحْدَاهُمَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الظُّهْرِ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ يُنْدَبُ فَقَطْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا؟ قَالَ الْإِمَامُ بِالْأَوَّلِ وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي.
وَأَمَّا فِي الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَهُمَا أَنْ تُعْلَمَ السَّابِقَةُ ثُمَّ تُنْسَى أَوْ يُعْلَمَ سَبْقُ وَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ لِوُجُودِ جُمُعَةٍ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، فَلَا
يَجُوزُ التَّعَدُّدُ فِيهِ فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ لِاجْتِمَاعِ الشَّرَائِطِ فِيهَا وَاللَّاحِقَةُ بَاطِلَةٌ، وَالْمُعْتَبَرُ سَبْقُ التَّحَرُّمِ بِتَمَامِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ الرَّاءُ، وَإِنْ سَبَقَهُ الْآخَرُ بِالْهَمْزَةِ فَلَوْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ شَكَّ فِي الْمَعِيَّةِ فَلَمْ يَدْرِ أَوَقَعَتَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا اُسْتُؤْنِفَتْ الْجُمُعَةُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِتَوَافُقِهِمَا فِي الْمَعِيَّةِ فَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي صُورَةِ الشَّكِّ عَدَمُ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ قَالَ الْإِمَامُ: وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُمْ إذَا أَعَادُوا الْجُمُعَةَ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ مُشْكِلٌ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ إحْدَاهُمَا فَلَا تَصِحُّ الْأُخْرَى، فَالْيَقِينُ أَنْ يُقِيمُوا جُمُعَةً ثُمَّ ظُهْرًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَا قَالَهُ مُسْتَحَبٌّ وَإِلَّا فَالْجُمُعَةُ كَافِيَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا قَالُوهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُقُوعِ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ فِي حَقِّ كُلِّ طَائِفَةٍ وَإِنْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ كَأَنْ سَمِعَ مَرِيضَانِ تَكْبِيرَتَيْنِ مُتَلَاحِقَتَيْنِ وَجَهِلَا الْمُتَقَدِّمَ فَأُخْبِرَا بِذَلِكَ أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ بَعْدَهُ صَلَّوْا ظُهْرًا لِأَنَّا تَيَقَّنَّا وُقُوعَ جُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ
[حاشية البجيرمي]
تَتَأَتَّى إقَامَةُ جُمُعَةٍ بَعْدَهَا مَعَ عَدَمِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِمْ بِفِعْلِهَا لِكَوْنِهَا سُبِقَتْ بِالْمُبْهَمَةِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (سَبْقُ التَّحَرُّمِ) أَيْ مِنْ الْإِمَامِ بِتَمَامِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ الرَّاءُ مِنْ الْإِمَامِ دُونَ تَكْبِيرِ مَنْ خَلْفَهُ؛ فَإِذَا أَحْرَمَ إمَامٌ أَوَّلًا بِهَا ثُمَّ آخَرُ بَعْدَهُ أَيْضًا وَاقْتَدَى بِالثَّانِي تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ ثُمَّ بِالْأَوَّلِ مِثْلُهُ، فَالْجُمُعَةُ لِلْأَوَّلِ إذْ بِإِحْرَامِهِ تَعَيَّنَتْ جُمُعَتُهُ لِلسَّبْقِ وَامْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ افْتِتَاحُ جُمُعَةٍ أُخْرَى اهـ أج.
قَوْلُهُ: (اُسْتُؤْنِفَتْ الْجُمُعَةُ) بِأَنْ يَجْتَمِعَ الْفَرِيقَانِ وَيُصَلُّوا الْجُمُعَةَ، أَيْ إنْ أَمْكَنَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عَوْدُهُمْ وَاجْتِمَاعُهُمْ وَجَبَ الظُّهْرُ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَوْ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، لَكِنَّ اسْتِئْنَافَ الْجُمُعَةِ قَدْ أَيِسَ مِنْهُ فِي مِصْرِنَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ فَقَطْ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى.
اهـ. ق ل. وَفِي الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَإِذَا عَسُرَ الِاجْتِمَاعُ جَازَ التَّعَدُّدُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا بَطَلَتْ لِلْكُلِّ إنْ وَقَعُوا مَعًا أَوْ شَكَّ فِي الْمَعِيَّةِ وَالسَّبْقِ وَصَحَّتْ لِلسَّابِقِ إنْ عَلِمَ إلَى تَمَامِ الْحَاجَةِ.
وَيَلْزَمُ فِي الْأُولَتَيْنِ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ لِلْكُلِّ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا، وَفِي الثَّالِثَةِ يَلْزَمُ الْمَسْبُوقِينَ الظُّهْرُ اتِّفَاقًا، فَمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الْمَسَاجِدِ الْآنَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَنَّهَا مُعَادَةٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ شَاكًّا فِي جُمُعَتِهِ فَالظُّهْرُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ عَيْنًا وَلَوْ فُرَادَى، أَوْ غَيْرَ شَاكٍّ فَلَا تَصِحُّ الظُّهْرُ مِنْهُ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُعَادُ ظُهْرًا ق ل. قُلْتُ: إذَا تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ لِحَاجَةٍ صَحَّتْ لِلْجَمِيعِ عَلَى الْأَصَحِّ وَتُسَنُّ الظُّهْرُ مُرَاعَاةً لِمُقَابِلِهِ أَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فِي جَمِيعِهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا وَوَقَعَ إحْرَامُ الْأَئِمَّةِ مَعًا أَوْ شَكًّا فِي السَّبْقِ وَالْمَعِيَّةِ بَطَلَتْ عَلَى الْجَمِيعِ، ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ اسْتِئْنَافُ جُمُعَةٍ بِخُطْبَتَيْهَا وَجَبَ أَيْ وَسُنَّ مَعَهَا الظُّهْرُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمَعِيَّةِ فَلَا تُسَنُّ صَلَاةُ الظُّهْرِ بَلْ لَا تَصِحُّ، أَوْ مُرَتَّبًا وَعُلِمَ السَّبْقُ صَحَّتْ لِلسَّابِقَاتِ إلَى انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ وَبَطَلَتْ فِيمَا زَادَ ثُمَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مِنْ السَّابِقَاتِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الظُّهْرُ بَلْ تُسَنُّ لَهُ فَقَطْ أَوْ مِنْ الزَّائِدَاتِ أَوْ شَكَّ وَجَبَتْ الظُّهْرُ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ إمَّا وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ مَمْنُوعَةٌ؛ فَالْوَاجِبَةُ فِي مِثْلِ مِصْرٍ، وَالْمُسْتَحَبَّةُ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَتْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَالْمُمْتَنِعَةُ فِيمَا إذَا أُقِيمَتْ جُمُعَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْبَلَدِ فَيَمْتَنِعُ فِعْلُ الظُّهْرِ حِينَئِذٍ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْإِمَامُ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِمَسْأَلَةِ الشَّكِّ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَحَكَمَ الْأَئِمَّةُ بِأَنَّهُمْ) أَيْ الشَّاكِّينَ إلَخْ وَأَشَارَ لِذَلِكَ فِي الْبَهْجَةِ بِقَوْلِهِ:
قُلْتُ إذَا لَمْ يُدْرَ بِالسَّبْقِ وَلَا ... بِالِاقْتِرَانِ فَالْإِمَامُ اسْتَشْكَلَا
بَرَاءَةً بِجُمُعَةٍ إذَا احْتُمِلْ ... سَبْقٌ فَلَا تَصِحُّ أُخْرَى فَلْيَقُلْ
فِي هَذِهِ إنَّ السَّبِيلَ الْمُبْرِي ... إعَادَةُ الْجُمُعَةِ ثُمَّ الظُّهْرِ
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) مُرَكَّبٌ مِنْ إنْ الشَّرْطِيَّةِ وَلَا النَّافِيَةِ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ وَإِنْ لَا يَكُنْ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ مُسْتَحَبًّا فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (" فَالْجُمُعَةُ " كَافِيَةٌ) وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ لَامِ التَّعْلِيلِ، وَالْمَعْنَى: لِأَنَّ الْجُمُعَةَ كَافِيَةٌ.
قَوْلُهُ: (مَرِيضَانِ) أَوْ مُسَافِرَانِ أَوْ صَحِيحَانِ مُقِيمَانِ وَأَدْرَكَا الْإِمَامَ فِي رَكْعَةٍ وَإِلَّا فَهُمَا فَاسِقَانِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَكَتَبَ أج عَلَى قَوْلِهِ " مَرِيضَانِ " أَيْ أَوْ مُسَافِرَانِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؛ وَإِخْبَارُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ كَافٍ فِي ذَلِكَ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الشَّيْخُ
جُمُعَةٍ بَعْدَهَا، وَالطَّائِفَةُ الَّتِي صَحَّتْ بِهَا الْجُمُعَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْفَرْضِ فِي حَقِّ كُلِّ طَائِفَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِمَا الظُّهْرُ فَائِدَةٌ: الْجَمْعُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا مَعَ الزَّائِدِ عَلَيْهِ كَالْجُمُعَتَيْنِ الْمُحْتَاجِ إلَى إحْدَاهُمَا فَفِي ذَلِكَ التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهِمَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبُرْهَانُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَفَرَائِضُهَا ثَلَاثَةٌ) وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَنْ عَبَّرَ بِالشُّرُوطِ كَالْجُمْهُورِ فَإِنَّ الشُّرُوطَ ثَمَانِيَةٌ كَمَا مَرَّ إذْ الْفَرْضُ وَالشَّرْطُ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا بُدَّ مِنْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ (خُطْبَتَانِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا» وَكَوْنُهُمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا مَنْ شَذَّ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَلَمْ يُصَلِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بَعْدَهُمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ ثَبَتَتْ صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ خُطْبَتَيْنِ.
وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا: حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى لِلِاتِّبَاعِ وَثَانِيهَا: الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ افْتَقَرَتْ إلَى
[حاشية البجيرمي]
اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُمْكِنُ إقَامَةُ جُمُعَةٍ بَعْدَهَا) لِأَنَّ صِحَّةَ الْأُولَى مَانِعَةٌ مِنْ صِحَّةِ غَيْرِهَا بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُحْتَاجِ.
قَوْلُهُ: (فَفِي ذَلِكَ التَّفْصِيلُ) وَهُوَ أَنَّهُمَا إنْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ شَكَّ اُسْتُؤْنِفَتْ جُمُعَةً أَوْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ صُلِّيَتْ ظُهْرًا أج.
[فَرَائِضُ الْجُمُعَةَ]
قَوْلُهُ: (وَفَرَائِضُهَا إلَخْ) تَعْبِيرُهُ هُنَا بِالْفُرُوضِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ بِالشُّرُوطِ تَفَنُّنٌ وَإِلَّا فَكُلُّهَا شُرُوطٌ.
قَوْلُهُ: (إذْ الْفَرْضُ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ لَا يُخَالِفُ، قَالَ ق ل: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا فِي التَّعْبِيرِ بِالْفَرْضِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي التَّعْبِيرِ بِالشَّرْطِ عَنْ الرُّكْنِ، فَلَوْ قَالَ التَّعْبِيرُ بِالْفَرْضِ يُوهِمُ أَنَّهَا أَرْكَانٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَكَانَ صَوَابًا وَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ قَدْ لَكَانَ أَوْلَى.
وَيُجَابُ بِأَنَّهَا لِلتَّحْقِيقِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَشَرَائِطُ صِحَّةِ فِعْلِهَا ثَلَاثَةٌ بَلْ ثَمَانِيَةٌ كَمَا سَتَرَاهُ.
وَتَعْبِيرُهُ هُنَا بِالْفَرَائِضِ وَتَغْيِيرُ الْأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَعْطِفْهَا عَلَى الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ يُوهِمُ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ شُرُوطًا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ خُطْبَتَانِ) الْأَوْلَى تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَذَلِكَ لِإِيهَامِ صَنِيعِهِ أَنَّ ذَاتَ الْخُطْبَتَيْنِ شَرْطٌ لِلْجُمُعَةِ وَأَنَّ تَقَدُّمَهُمَا شَرْطٌ لَهُمَا؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ أَيْ لِأَنَّهُمَا شَرْطٌ وَالشَّرْطُ يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَلَيْسَا بَدَلًا عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ قَوْلُهُ: (وَكَوْنُهُمَا قَبْلَ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا مَنْ شَذَّ) وَهَذَا بَعْدَ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: إنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَغَيْرِهَا مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، فَيَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَاتَّفَقَ لَهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً أَنَّهُ صَلَّى ثُمَّ أَخَذَ يَخْطُبُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ تِجَارَةٌ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَرَكُوهُ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: 11] الْآيَةَ فَقُدِّمَتْ الْخُطْبَةُ مِنْ حِينَئِذٍ اهـ أج.
وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَامْرَأَةٌ» . وَيَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى الْجُمُعَةَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كَمَالِكٍ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَقَامَ لَهُمْ الْجُمُعَةَ حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً لِاشْتِرَاطِ هَذَا الْعَدَدِ اهـ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَلَمْ يُصَلِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا بَعْدَهُمَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ: " لَمْ يُصَلِّ إلَّا بَعْدَهُمَا " أَيْ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ اهـ. وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ: وَكَانَتَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقُدِّمَتَا.
وَسَبَبُهُ: «أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَصَابَهُمْ جُوعٌ فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيُّ بِتِجَارَةٍ مِنْ الشَّامِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ فَانْصَرَفُوا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا ثَمَانِيَةُ أَنْفُسٍ أَوْ اثْنَا عَشَرَ أَوْ أَرْبَعُونَ فَقَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ خَرَجُوا جَمِيعًا لَأَضْرَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْوَادِيَ نَارًا» وَكَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الْعِيرَ بِالطَّبْلِ وَالتَّصْفِيقِ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ بِاللَّهْوِ فِي الْآيَةِ.
وَخَصَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ بِالتِّجَارَةِ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ) جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ نَظْمًا فَقَالَ:
ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَافْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالصَّلَاةِ، وَلَفْظُ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ مُتَعَيَّنٌ لِلِاتِّبَاعِ، فَلَا يُجْزِئُ الشُّكْرُ وَالثَّنَاءُ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ يُجْزِئُ أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ أَوْ لِلَّهِ الْحَمْدُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْجَلَالَةِ فَلَا يُجْزِئُ الْحَمْدُ لِلرَّحْمَنِ أَوْ نَحْوُهُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ بَلْ يُجْزِئُ نُصَلِّي أَوْ أُصَلِّي أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ مُحَمَّدٍ بَلْ يَكْفِي أَحْمَدُ أَوْ النَّبِيُّ أَوْ الْمَاحِي أَوْ الْحَاشِرُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يَكْفِي رَحِمَ اللَّهُ مُحَمَّدًا أَوْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَثَالِثُهَا: الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْوَصِيَّةِ بِالتَّقْوَى لِأَنَّ الْغَرَضَ الْوَعْظُ وَالْحَثُّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكْفِي أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَاقِبُوهُ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ وَرَابِعُهَا: قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إحْدَاهُمَا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْخُطْبَةِ دُونَ تَعْيِينٍ.
[حاشية البجيرمي]
وَخُطْبَةٌ أَرْكَانُهَا قَدْ تُعْلَمُ ... خَمْسَةٌ تُعَدُّ يَا أَخِي وَتُفْهَمُ
حَمْدُ الْإِلَهِ وَالصَّلَاةُ الثَّانِي ... عَلَى نَبِيٍّ جَاءَ بِالْقُرْآنِ
وَصِيَّةٌ ثُمَّ الدُّعَاء لِلْمُؤْمِنِينْ ... وَآيَةٌ مِنْ الْكِتَابِ الْمُسْتَبِينْ
قَوْلُهُ: (افْتَقَرَتْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ ذِكْرِهِ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَفْظُ الْحَمْدِ) أَيْ مَادَّتُهُ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَمْدِ أَيْ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ) كَالْبَشِيرِ أَوْ النَّذِيرِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعَيُّنِ لَفْظِ الْجَلَالَةِ فِي الْحَمْدِ لِلَّهِ بِأَنَّ لَهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لِأَنَّهَا قُطْبُهَا لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِهَا سَائِرُ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
اهـ. سم.
وَعِبَارَةُ أج: فَإِنْ قُلْتَ لِمَ تَعَيَّنَ لَفْظُ الْجَلَالَةِ فِي الْحَمْدِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الصَّلَاةِ.
قُلْتُ: قَالَ سم.
إنَّ لِلَفْظِ الْجَلَالَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ مَزِيَّةً تَامَّةً، فَإِنَّ لَهُ الِاخْتِصَاصَ التَّامَّ بِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ سِوَاهُ وَيُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ سَائِرُ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ لَفْظُ مُحَمَّدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. أَيْ أَنَّ لَفْظَ مُحَمَّدٍ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ سَائِرُ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَلِهَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَفْظُهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يَكْفِي الْإِتْيَانُ بِالضَّمِيرِ وَإِنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى) وَهِيَ امْتِثَالُ أَوَامِرِ اللَّهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْغَرَضَ الْوَعْظُ) قَدْ يُقَالُ وَالْغَرَضُ مِنْ الْحَمْدِ الثَّنَاءُ وَمِنْ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِغَيْرِ لَفْظِهِمَا فَمَا الْفَرْقُ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحَمْدَ وَالصَّلَاةَ تُعُبِّدَ بِلَفْظِهِمَا فَتَعَيَّنَتَا وَلَا كَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَثُّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ) أَيْ أَوْ الزَّجْرُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَيَكْفِي أَحَدُ هَذَيْنِ لِاسْتِلْزَامِ كُلٍّ الْآخَرَ.
وَقَوْلُ م ر: بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْحَثِّ عَلَى الطَّاعَةِ أَيْ مُطَابَقَةً أَوْ اسْتِلْزَامًا اهـ أج.
مُلَخَّصًا.
وَلَا يَكْفِي اقْتِصَارُهُ فِيهَا عَلَى التَّحْذِيرِ مِنْ غُرُورِ الدُّنْيَا وَزَخْرَفَتِهَا، فَقَدْ يَتَوَاصَى بِهِ مُنْكِرُو الْمَعَادِ أَيْ يَكُونُ وَصِيَّةً لَهُ بِتَرْكِ غُرُورِ الدُّنْيَا وَزَخْرَفَتِهَا اهـ شَرْحُ م ر. «وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوَاظِبُ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالتَّقْوَى فِي خُطْبَتِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ؛ وَفِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، وَيَقُولُ بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» كَمَا فِي شَرْحِ الدَّمِيرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَرَاقِبُوهُ) أَيْ أَوْ رَاقِبُوهُ؛ فَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " فَيَكْفِي أَحَدُهُمَا.
قَوْلُهُ: (قِرَاءَةُ آيَةٍ) أَيْ مُفْهِمَةٍ وَعْدًا أَوْ وَعِيدًا أَوْ وَعْظًا أَوْ غَيْرِهَا، وَمِثْلُهَا بَعْضُ آيَةٍ طَوِيلَةٍ.
وَخَالَفَهُ فِي التُّحْفَةِ فَقَالَ: لَا يُكْتَفَى بِبَعْضِ آيَةٍ وَإِنْ طَالَ اهـ. فَخَرَجَ نَحْوُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] إلَخْ لِعَدَمِ الْإِفْهَامِ.
وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِآيَةٍ نُسِخَ حُكْمُهَا وَبَقِيَتْ تِلَاوَتُهَا وَعَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِآيَةٍ نُسِخَتْ تِلَاوَتُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا، فَالْأُولَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: 240] وَالثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى.
" الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ " أَيْ الْمُحْصَنُ وَالْمُحْصَنَةُ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يَقْرَأَ بَيْنَ قِرَاءَتَيْهِمَا قَالَ: وَكَذَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ ذَلِكَ عَنْ النَّصِّ صَرِيحًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُسَنُّ جَعْلُهَا فِي الْأُولَى، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ نَزَلَ وَسَجَدَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كُلْفَةٌ، فَإِنْ خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ طُولَ فَصْلٍ سَجَدَ مَكَانَهُ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَخَامِسُهَا: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِأُخْرَوِيٍّ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَلِيقُ بِالْخَوَاتِيمِ وَلَوْ خَصَّ بِهِ الْحَاضِرِينَ كَقَوْلِهِ: رَحِمَكُمْ اللَّهُ كَفَى،
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يَقْرَأَ بَيْنَ قِرَاءَتَيْهِمَا) هَذَا لَيْسَ زَائِدًا عَلَى قِرَاءَتِهِ آيَةً فِي إحْدَاهُمَا فَهُوَ تَأْيِيدٌ لَهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَتَى بِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدُ، وَحِينَئِذٍ سَقَطَ اسْتِشْكَالُ الْمَرْحُومِيِّ حَيْثُ قَالَ مَا نَصُّهُ: كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُبَيِّنَ مَا فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ عُسْرِ الْفَهْمِ حَيْثُ ذَكَرَهُ أَوْ يُسْقِطَهُ كَمَا أَسْقَطَهُ غَيْرُهُ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: لَا يَخْفَى أَنَّ فِي فَهْمِ هَذَا الْكَلَامِ عُسْرًا؛ لِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِالْآيَةِ قَبْلَ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ فَقَدْ أَتَى بِهَا فِي الْأُولَى أَوْ بَعْدَ الْفَصْلِ فَقَدْ أَتَى بِهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا السُّنِّيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فَهِيَ حَالَةُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ يَفْصِلُ بِالْجُلُوسِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ فَلَا تُجْزِئُ الْقِرَاءَةُ حَالَةَ الْجُلُوسِ لِأَنَّ شَرْطَهَا الْقِيَامُ لِكَوْنِهَا مِنْ الْأَرْكَانِ وَإِنْ كَانَ يَفْصِلُ بِالسُّكُوتِ لِكَوْنِهِ يَخْطُبُ مِنْ جُلُوسٍ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ فَلَا تُتَصَوَّرُ الْقِرَاءَةُ حَالَةَ السُّكُوتِ اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ أج: قُلْتُ: كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ، إذْ هُوَ مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ، إذْ قَوْلُهُ " أَنْ يَقْرَأَ بَيْنَ قِرَاءَتَيْهِمَا " أَيْ بَيْنَ قِرَاءَةِ أَحَدِهِمَا، أَيْ يُجْزِئُ قِرَاءَةُ الْآيَةِ بَيْنَ أَرْكَانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " وَكَذَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ إلَخْ " وَذَلِكَ التَّأْوِيلُ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] أَيْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْبَحْرُ الْمِلْحُ؛ فَالْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ تَعَيُّنِ مَحَلِّهَا وَأَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْأَرْكَانِ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَتَأَمَّلْهُ يَظْهَرْ لَك حُسْنُ كَلَامِ الْإِمَامِ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَرُدَّ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي فَهْمِهِ عُسْرٌ وَقَوْلُهُ بَيْنَ قِرَاءَةِ إحْدَاهُمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ إضَافَةُ بَيْنَ لِمُفْرَدٍ مَعَ أَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا لِمُتَعَدِّدٍ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْضًا، وَالتَّقْدِيرُ: بَيْنَ قِرَاءَةِ أَجْزَاءِ أَحَدِهِمَا، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْخُطْبَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى) أَيْ بَعْدَ فَرَاغِهَا ح ل؛ أَيْ لِتَكُونَ فِي مُقَابَلَةِ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةٌ فِي كُلِّ خُطْبَةِ جُمُعَةٍ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْحَاضِرِينَ كَمَا لَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِي قِرَاءَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَتْ السُّنَّةُ التَّخْفِيفَ، وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْخُطْبَةِ آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى الْأَرْكَانِ كُلِّهَا أَيْ مَا عَدَا الصَّلَاةِ هُنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إذْ لَيْسَ لَنَا آيَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْ لَفْظِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُطْبَةً اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ) وَلَا يَجُوزُ السُّجُودُ لِلْحَاضِرَيْنِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ سَجَدَ هُوَ أَمْ لَا ق ل؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا فَرَغَ قَبْلَهُمْ مِنْ السُّجُودِ فَيَكُونُونَ مُعْرِضِينَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ (بِأُخْرَوِيٍّ) فَلَا يَكْفِي الدُّنْيَوِيُّ وَلَوْ لَمْ يَحْفَظْ الْأُخْرَوِيَّ.
اهـ. م د. لَكِنْ قَالَ الْإِطْفِيحِيُّ: إنَّ الدُّنْيَوِيَّ يَكْفِي حَيْثُ لَمْ يَحْفَظْ الْأُخْرَوِيَّ قِيَاسًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَجْزِ عَنْ الْفَاتِحَةِ، بَلْ مَا هُنَا أَوْلَى.
وَجَزَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْغَزَالِيُّ بِتَحْرِيمِ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِمَغْفِرَةِ جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ وَعَدَمِ دُخُولِهِمْ النَّارَ، لِأَنَّا نَقْطَعُ بِخَبَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ فِي قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٍ عَنْ نُوحٍ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28] الْآيَةَ فَإِنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ نَكِرَاتٌ وَيَجُوزُ قَصْدُ مَعْهُودٍ خَاصٍّ وَهُوَ أَهْلُ زَمَانِهِ مَثَلًا اهـ شَرْحُ م ر أج.
وَأَيْضًا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) الْمُرَادُ الْمَفْعُولَةُ ثَانِيًا وَلَوْ عَلَى عَكْسِ التَّرْتِيبِ الْمَعْهُودِ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَصَّ بِهِ الْحَاضِرِينَ) عِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: فَلَوْ خَصَّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْحَاضِرِينَ كَفَى أَوْ دُونَهُمْ أَوْ غَيْرَهُمْ لَمْ يَكْفِ، فَذَكَرَ الْمُؤْمِنَاتِ فِي كَلَامِهِ لِلْكَمَالِ وَالتَّعْمِيمِ، وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُنَّ دَخَلْنَ تَغْلِيبًا اهـ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ