فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
[حاشية البجيرمي]
بَلْ فَيْءٌ) خُمْسُهُ لِأَهْلِ الْخُمْسِ وَبَقِيَّتُهُ لِمَنْ وَجَدَهُ كَمَا نَقَلَهُ م د عَنْ سم.
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْغَنِيمَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ خُمْسُهُ لِلْخَمْسَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: 7] الْآيَةَ، وَذِكْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيهَا لِلتَّبَرُّكِ.
وَالْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ لِلْمُرْتَزِقَةِ أَيْ الْمُرْصَدِينَ لِلْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي) سَيَأْتِي أَنَّهُ لُقَطَةٌ.
فَكَانَ الْأَخْصَرُ أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ " وَإِنْ شَكَّ ": وَكَذَا لَوْ شَكَّ.
قَوْلُهُ: (فَلُقَطَةٌ) أَيْ يُعَرِّفُهُ الْوَاجِدُ لَهُ سَنَةً ثُمَّ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ) كَانَ الْمُنَاسِبُ مِنْ أَيِّ الدَّفِينَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ التِّبْرَ لَا ضَرْبَ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَعْلَمْ سَالِبَةٌ تَصَدَّقَ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ.
قَوْلُهُ: (فِي مَوَاتٍ) وَفِي مَعْنَى الْمَوَاتِ الْقُبُورُ وَالْقِلَاعُ الْجَاهِلِيَّةُ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فَلُقَطَةٌ) أَيْ مَا لَمْ يَعْلَمْ مَالِكَهُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ) أَيْ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ م ر. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ شَخْصٍ أَيْ يَمْلِكُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ الذِّمِّيِّينَ، أَمَّا لَوْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ حَرْبِيٍّ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَهُ حُكْمُ الْفَيْءِ إلَّا إنْ دَخَلَ دَارَهُمْ بِأَمَانِهِمْ فَيُرَدُّ عَلَى مَالِكِهِ وُجُوبًا، وَإِنْ أُخِذَ قَهْرًا فَهُوَ غَنِيمَةٌ كَمَا نَقَلَهُ الَأُجْهُورِيُّ عَنْ الزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى شَخْصٍ، فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى نَحْوِ مَسْجِدٍ أَوْ جِهَةٍ عَامَّةٍ صُرِفَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْجَهِ اهـ حَجّ.
قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ لَهُ) أَوْ لِوَارِثِهِ أج.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ) بَلْ وَإِنْ نَفَاهُ ز ي وح ل وَاسْتَقَرَّ بِهِ ع ش خِلَافًا لِمَنْ خَالَفَ فِي النَّفْيِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَلَكَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ بِالْإِحْيَاءِ مَلَكَ مَا فِي الْأَرْضِ وَبِالْبَيْعِ لَمْ يَزَلْ مِلْكَهُ، فَإِنَّهُ مَدْفُونٌ مَنْقُولٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُحْيِي أَوْ مَنْ تَلْقَى الْمِلْكَ عَنْهُ مَيِّتًا فَوَرَثَتُهُ قَائِمُونَ مَقَامَهُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " وَبِالْبَيْعِ " أَيْ فَيَخْرُجُ خُمْسُهُ الَّذِي لَزِمَهُ يَوْمَ مَلَكَهُ وَزَكَاةُ بَاقِيه لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ، شَرْحُ حَجّ وم ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَنَازَعَ الرِّكَازَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الْمَالُ الْمَدْفُونُ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ دَفِينَ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى يَأْتِيَ فِيهِ التَّنَازُعُ، تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِ شَخْصٍ فَهُوَ لَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْبَائِعِ أَوْ الْمُؤَجِّرِ أَوْ الْمُعِيرِ، وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا النِّزَاعُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّكَازِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَدْفُونُ بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: أَنَا دَفَنْته، وَيَقُولَ الْآخَرُ: أَنَا دَفَنْته، أَوْ قَالَ الْبَائِعُ: مَلَكْته بِالْإِحْيَاءِ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (صُدِّقَ ذُو الْيَدِ) إنْ أَمْكَنَ صِدْقُهُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لِكَوْنِ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ دَفْنُهُ فِي مُدَّةِ يَدِهِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ] ِ وَهُوَ لَفْظٌ إسْلَامِيٌّ لَمْ يُعْرَفْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا الْفَصْلُ يَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ أَطْرَافٍ:
وَيُقَالُ لَهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ وَيُقَالُ أَيْضًا زَكَاةُ الْفِطْرَةِ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالتَّاءِ فِي آخِرِهَا كَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30] قَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ: زَكَاةُ الْفِطْرِ لِشَهْرِ رَمَضَانَ كَسَجْدَةِ السَّهْوِ لِلصَّلَاةِ تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ كَمَا يَجْبُرُ السُّجُودُ نُقْصَانَ الصَّلَاةِ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
وَقْتُ الْوُجُوبِ، وَوَقْتُ الْأَدَاءِ، وَصِفَةُ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَصِفَةُ الْمُؤَدِّي، وَقَدْرُ الْمُخْرَجِ، وَجِنْسُهُ.
قَوْلُهُ: (سُمِّيَتْ) أَيْ مَدْلُولُهَا الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُخْرَجُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ وُجُوبَهَا بِدُخُولِ الْفِطْرِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ الْفِطْرَ أَحَدُ جُزْأَيْ سَبَبِهَا الْمُرَكَّبِ مِنْ شَيْئَيْنِ: إدْرَاكُ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْوُجُوبَ لَمَّا كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِإِدْرَاكِ الْجُزْءِ الثَّانِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ إلَخْ) لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحَادُ الْمَأْخُوذِ وَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِاخْتِلَافِهِمَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْأُولَى بِمَعْنَى الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ، وَاَلَّتِي فِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِمَعْنَى الْخِلْقَةِ، فَلَمْ يَتَّحِدْ الْمَأْخُوذُ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ.
وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُمَا الِارْتِبَاطُ مِنْ جِهَةِ التَّطْهِيرِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يُطَهِّرُ الْخِلْقَةَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ) وَالْمَعْنَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْخِلْقَةِ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ، أَيْ تَطْهِيرًا لَهَا وَتَنْمِيَةً لِعَمَلِهَا، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فِطْرَةَ اللَّهِ) أَيْ أُلْزِمَ فِطْرَةَ اللَّهِ أَيْ خِلْقَتَهُ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أَيْ خَلَقَهُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ قَبُولُهُمْ الْحَقَّ وَتَمَكُّنُهُمْ مِنْ إدْرَاكِهِ، وَقِيلَ: الْفِطْرَةُ هِيَ الْإِسْلَامُ، وَقِيلَ: الْبُدَاءَةُ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ بِهَا مِنْ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَقِيلَ: الْفَقْرُ وَالْفَاقَةُ، وَقِيلَ: الْعَهْدُ الْمَأْخُوذُ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ وَقَرَّرَهُمْ بِأَنَّهُ الرَّبُّ وَأَنَّهُمْ الرَّبِيبُ وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ وَكَتَبَ ذَلِكَ فِي رِقٍّ وَقَالَ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: افْتَحْ فَاك، فَفَتَحَهُ، فَأَلْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ وَقَالَ لَهُ: اشْهَدْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ وَافَاك بِالْوَفَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلَ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَلَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ وَشَفَتَانِ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِينَ بِالْجُحُودِ، وَإِنَّهُ لِيَشْهَدَ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ أَوْ قَبَّلَهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ عَلَى الْغَزِّيِّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ وَكِيعٌ) شَيْخُ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -:
شَكَوْت إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ... فَأَرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي
وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ ... وَنُورُ اللَّهِ لَا يُهْدَى لِعَاصِي
قَوْلُهُ: (تَجْبُرُ نُقْصَانَ الصَّوْمِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَصُومُ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " تَجْبُرُ " إلَى الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا إلَخْ) وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى خِلَافِ ابْنِ اللَّبَّانِ الْقَائِلِ بِسُنِّيَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَغَيْرُ مَشْهُورٍ ز ي. وَالْمَشْهُورُ فَرْضُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ عَامَ الصَّوْمِ.
اهـ. سم، أَيْ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ فَوَّضَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَرْضَهَا أَيْ لِمَا فِي فَرْضِهَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا جَابِرَةٌ لِخَلَلِ الصَّوْمِ، وَسَبَبٌ لِقَبُولِهِ.
أَوْ الْمُرَادُ فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ الْمُرَادُ بَلَّغَ فَرْضَهَا إلَخْ.
فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الَّذِي فَرَضَ وَأَوْجَبَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ أَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ فِي ذَلِكَ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ بِالسُّنَّةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقِيلَ: وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: 14] الْآيَةَ.
وَإِنَّمَا حَكَاهُ بِقِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا.
وَأَيْضًا لَمْ يَقُلْ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى.
وَأَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ تَزَكَّى بَعِيدٌ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ الْكِتَابَ وَوُجُوبُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَا نَظَرَ لِمُخَالَفَةِ ابْنِ اللَّبَّانِ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ جَحَدَهَا إنْسَانٌ فَلَا يُكَفَّرُ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا لَكِنَّهَا مِمَّا يَخْفَى فَلَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهَا لِخَفَائِهَا.
رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (وَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ) بَلْ بِأَرْبَعَةٍ كَمَا سَتَعْرِفُهُ: الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ) فَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَهُوَ إجْمَاعٌ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ مُطَالَبًا بِإِخْرَاجِهَا وَلَكِنْ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِطْرَةُ الْمُرْتَدِّ وَمَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ فَمَوْقُوفَةٌ عَلَى عُودِهِ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَذَا الْعَبْدُ الْمُرْتَدُّ وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَمَنْ تَلْزَمُ الْكَافِرَ نَفَقَتُهُ مُرْتَدٌّ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ حَتَّى يَعُودَ إلَى الْإِسْلَامِ، وَتَلْزَمُ الْكَافِرَ الْأَصْلِيَّ فِطْرَةُ رَقِيقِهِ الْمُسْلِمِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (بِغُرُوبِ) كُلِّ (الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ) لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ فِي الْحَدِيثِ إلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ فِي الْخَبَرِ الْمَاضِي، وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا قَالَ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (صَاعًا) بَدَلٌ أَوْ حَالٌ وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ إلَخْ) بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ قَوْلِهِ " عَلَى النَّاسِ " ع ش.
وَقَالَ ح ل: " عَلَى " بِمَعْنَى " عَنْ " وَهُوَ بَيَانٌ لِلْمُخْرَجِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ " عَلَى النَّاسِ " بَيَانٌ لِلْمُخْرِجِ وَعُمُومُهُ لَيْسَ مُرَادًا، وَالْمَعْنَى: فُرِضَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُؤَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ إلَخْ.
وَمَا ذَكَرَهُ ع ش أَوْلَى لِأَنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَهَا عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ابْتِدَاءً.
قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ بَلْ بِأَرْبَعَةٍ) مِنْهَا ثَلَاثَةٌ فِي الْمُؤَدِّي وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِهَا الْأَرْبَعَةِ، وَالثَّانِي: النِّيَّةُ، وَالثَّالِثُ: الْمُؤَدَّى عَنْهُ، وَالرَّابِعُ: الْمَالُ الْمُؤَدَّى.
وَالْوَجْهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَقَوْلُهُ " فَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ " أَيْ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ إذَا كَانَ مُسْلِمًا.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ مُتَعَلِّقٌ بِزَمَنِ الْوُجُوبِ ق ل.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ) الْأَوْلَى وَلِأَنَّهَا عَطْفُ عِلَّةٍ عَلَى عِلَّةٍ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ ثَانٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَيْسَ مُطَالَبًا) أَيْ مِنَّا، وَإِلَّا فَهُوَ مُطَالَبٌ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ.
وَقَوْلُهُ " بِإِخْرَاجِهَا " أَيْ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُطَالَبٌ بِإِخْرَاجِهَا عَنْ رَقِيقِهِ وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهَا تَجِبُ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْمُؤَدِّي.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا فِطْرَةُ الْمُرْتَدِّ) أَيْ الَّتِي وَجَبَتْ فِي الرِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَمَوْقُوفَةٌ) لَكِنْ إذَا أَخْرَجَهَا هُوَ فِي حَالِ رِدَّتِهِ أَجْزَأَتْهُ إنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَتَكُونُ نِيَّتُهُ لِلتَّمْيِيزِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ) يُغْنِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: وَكَذَا الْعَبْدُ الْمُرْتَدُّ، فَلَوْ أَسْقَطَهُ أَوْ أَتَى بِفَاءِ التَّفْرِيعِ لَكَانَ أَوْلَى كَذَا قِيلَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُ لِشُمُولِهِ الْقَرِيبَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَلْزَمُ الْكَافِرَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ " وَقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ " الْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلُ وَإِنْ عَلَا وَالْفَرْعُ وَإِنْ سَفَلَ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَبِغُرُوبِ) أَيْ وَبِإِدْرَاكِ غُرُوبِ إلَخْ وَأَتَى بِالْبَاءِ لِتَوَهُّمِ ذِكْرِهَا فِيمَا قَبْلَهُ، أَيْ وَلَوْ كَانَ الْغُرُوبُ تَقْدِيرًا لِيَشْمَلَ أَيَّامَ الدَّجَّالِ، أَوْ الْبَاءُ فِي " بِغُرُوبِ " لِلتَّصْوِيرِ أَيْ مُصَوَّرٌ بِغُرُوبِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كُلِّ الشَّمْسِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وُلِدَ بَعْدَ غُرُوبِ جُزْءٍ مِنْهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ وَإِنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ شَوَّالٍ لِعَدَمِ إدْرَاكِهِ كُلَّ الْغُرُوبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ تَجِبُ فِي هَذَا لِإِدْرَاكِهِ الْجُزْأَيْنِ.
وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ سم عَلَى الْمَتْنِ: قَوْلُهُ " بِغُرُوبِ الشَّمْسِ " احْتِرَازًا عَمَّا يَحْدُثُ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ مِنْ وَلَدٍ وَنِكَاحٍ وَإِسْلَامٍ وَمِلْكِ رَقِيقٍ وَغِنًى، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُهَا لِعَدَمِ وُجُودِ ذَلِكَ وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ شَكَّ فِي الْحُدُوثِ أَقَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا وُجُوبَ لِلشَّكِّ.
اهـ. م د. وَقَدْ يُقَالُ: لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ سم " أَوْ مَعَهُ " مَعْنَاهُ أَنَّهُ حَدَثَ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْغُرُوبُ إلَّا بِمَغِيبِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الشَّمْسِ، فَالْمَعِيَّةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِمُقَارَنَةِ الْحُدُوثِ لِآخِرِ جُزْءٍ؛ وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ وَقْتِ الْغُرُوبِ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْقِنَّ قَبْلَهُ عَتَقَ وَلَزِمَهُ فِطْرَتُهُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي نَقْلَهَا عَنْهُ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا، وَلَوْ وَقَعَ بَيْعُ الْعَبْدِ مَعَ الْغُرُوبِ فَلَا زَكَاةَ عَنْهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ وَقَعَ الْجُزْءَانِ فِي زَمَنِ خِيَارِهِمَا فَعَلَى مَنْ تَمَّ لَهُ الْمِلْكُ أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَعَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ لَهُ الْمِلْكُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْخَبَرِ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ " فِي الْحَدِيثِ ".
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جُزْءٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ " بِغُرُوبِ الشَّمْسِ " فَيَكُونُ مُكَرَّرًا، وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ " وَلَا بُدَّ إلَخْ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِهِ قُصُورًا حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (فِيمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إلَخْ) وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا زَكَاةَ عَلَى السَّيِّدِ لِخُرُوجِ الْعَبْدِ عَنْ مِلْكِهِ قَبْلَ إدْرَاكِ الْجُزْءِ الثَّانِي وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّهُ
لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مَعَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةِ شَوَّالٍ أَوْ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مُهَايَأَةٌ فِي رَقِيقٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِلَيْلَةٍ وَيَوْمٍ أَوْ نَفَقَةُ قَرِيبٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَذَلِكَ فَهِيَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ حَصَلَ فِي نَوْبَتِهِمَا فَتَخْرُجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ وَيُسَنُّ أَنْ تُخْرَجَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ لِلِاتِّبَاعِ، وَهَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِنْ أُخِّرَتْ اُسْتُحِبَّ الْأَدَاءُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ بِلَا عُذْرٍ كَغَيْبَةِ مَالِهِ أَوْ الْمُسْتَحِقِّينَ.
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ الشُّرُوطِ (وُجُودُ الْفَضْلِ) أَيْ الْفَاضِلِ (عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ) مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ (عِيَالِهِ) مِنْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ
[حاشية البجيرمي]
لَمْ يُدْرِكْ الْجُزْأَيْنِ وَهُوَ حُرٌّ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَرْبَعُ صُوَرٍ، وَخَالَفَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَجَعَلَهَا عَلَى السَّيِّدِ فِي الْأُولَى وَلَا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الثَّانِيَةِ؛ نَعَمْ قَدَّمَ هُوَ فِي شَرْحِهِ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (بِلَيْلَةٍ وَيَوْمٍ) بِأَنْ كَانَ يَخْدُمُ أَحَدَهُمَا يَوْمًا وَالْآخَرَ لَيْلَةً، وَكَذَا الْقَرِيبُ كَأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ نَهَارًا وَالثَّانِي لَيْلًا.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ عَلَيْهِمَا) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ؛ أَمَّا فِي الْأُولَى فَلَا فِطْرَةَ عَلَى أَحَدٍ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَهِيَ عَلَى الْعَتِيقِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ يَقْتَضِي رُجُوعَهُ لِلصُّوَرِ الْأَرْبَعِ.
وَفِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ مَا لَا يَخْفَى.
وَقَوْلُهُ " عَلَى الْعَتِيقِ " لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَاصِلَةٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ كَالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْحُرِّيَّةُ مَعَ سَبَبَيْ الْوُجُوبِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ مُعْسِرٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَالْمُعْسِرُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْإِرْثِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ نَحْوِهِمَا بَعْدَ الْوُجُوبِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجَ.
وَقَالَ ع ش عَلَى م ر: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا لَوْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ مُقَارِنًا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ الْعِتْقُ وَمِلْكُ مَا يَصْرِفُهُ فِي الزَّكَاةِ مُتَقَارِنَيْنِ، فَيُقَدَّرُ سَبْقُ مِلْكِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ أَوْ سَبْقُهُمَا مَعًا عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ وَانْظُرْ مَا الْمَانِعُ مِنْ تَصْوِيرِ مَا ذُكِرَ بِالْمُكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بَعْدَ عِتْقِهِ وَفِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ مَا دَامَ فِي مِلْكِهِ، وَتَعْلِيقُ عِتْقِهِ بِمَا ذُكِرَ صَحِيحٌ، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ قَدْ حَصَلَ فِي نَوْبَتِهِمَا) الْمُرَادُ أَنَّ جُزْءًا مِنْ جُزْأَيْهِ وَقَعَ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا، وَالْجُزْءَ الثَّانِي وَقَعَ فِي نَوْبَةِ الْآخَرِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ لَا لِأَجْلِ الْمُهَايَأَةِ لِأَنَّهَا لَاغِيَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمِلْكِيَّةِ أَوْ الْقَرَابَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي نَوْبَتِهِمَا) الْأَوْلَى فِي نَوْبَتَيْهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ مَنْ وُلِدَ بَعْدَهُ) وَكَذَا مَنْ شَكَّ فِي أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْجَنِينِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَبَاقِيهِ بَعْدَهُ فَلَا وُجُوبَ؛ لِأَنَّهُ جَنِينٌ، مَا لَمْ يَتِمَّ انْفِصَالُهُ م ر وسم أج.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ تَخْرُجَ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّ لَهَا خَمْسَةَ أَوْقَاتٍ: وَقْتُ جَوَازٍ، وَوَقْتُ وُجُوبٍ، وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ، وَوَقْتُ حُرْمَةٍ.
فَوَقْتُ الْجَوَازِ أَوَّلَ الشَّهْرِ وَالْوُجُوبِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَالْفَضِيلَةِ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْكَرَاهَةِ تَأْخِيرُهَا عَنْ صَلَاتِهِ إلَّا لِعُذْرٍ مِنْ انْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ أُحْوِجَ وَالْحُرْمَةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ اهـ اط ف.
قَوْلُهُ: (كَغَيْبَةِ مَالِهِ) أَيْ فِي دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ ح ل وحج.
فَلَوْ أَخَّرَهَا بِلَا عُذْرٍ عَصَى وَصَارَتْ قَضَاءً فَيَقْضِيهَا وُجُوبًا فَوْرًا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ الْمُؤَخَّرَةَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ تَكُونُ أَدَاءً، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفِطْرَةَ مُؤَقَّتَةٌ بِزَمَنٍ مَحْدُودٍ كَالصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ الْمُسْتَحِقِّينَ " يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ فِي مَحِلٍّ يَحْرُمُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (وُجُودُ الْفَضْلِ إلَخْ) وَيُعْتَبَرُ الْفَضْلُ، عَمَّا ذُكِرَ وَقْتَ الْوُجُوبِ فَوُجُودُهُ بَعْدَهُ لَا يُوجِبُهَا اتِّفَاقًا، وَفَارَقَ الْكَفَّارَةَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ إذَا عَجَزَ عَنْهَا بِأَنَّ الْيَسَارَ هُنَا شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَثُمَّ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ؛ وَكَأَنَّ حِكْمَتَهُ أَنَّ هَذِهِ مُوَاسَاةٌ فَخُفِّفَ فِيهَا بِخِلَافِ تِلْكَ.
وَبِهِ يُفَرَّقُ أَيْضًا بَيْنَ مَا هُنَا وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِ أَدَائِهَا أَوْ أَدَاءِ مَا يُجْمَعُ مَعَهَا اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هُنَا قَاعِدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْحَقَّ الْمَالِيَّ إذَا وَجَبَ عَلَى شَخْصٍ فَإِنْ تَسَبَّبَ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ اسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ وُجُوبِهِ كَالْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِي وُجُوبِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ وُجُوبِهِ وَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَهُ كَالْفِطْرَةِ.
اهـ. م د.
وَلَيْسَ مِنْ الْفَاضِلِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْعِيدِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْعِيدِ مِنْ كَعْكٍ وَسَمَكٍ وَنَقْلٍ، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَنِهِ إذَا لَمْ يَزِدْ عَنْ الْحَاجَةِ؛ وَهَذَا إذَا هَيَّأَهُ وَأَعَدَّهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) أَيْ وَلَوْ بَهِيمَةً فَمَنْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ زَوْجِيَّةٍ) أَيْ إذَا كَانَتْ فِي طَاعَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِي طَاعَتِهِ فَإِنَّهَا عَلَيْهَا حِينَئِذٍ
بَعْضِيَّةٍ أَوْ مِلْكِيَّةٍ (فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ) أَيْ يَوْمِ الْعِيدِ (وَلَيْلَتِهِ) وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ لَائِقَيْنِ بِهِ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ.
بِجَامِعِ التَّطْهِيرِ وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الْخَادِمِ أَنْ يَحْتَاجَهُ لِخِدْمَتِهِ أَوْ خِدْمَةِ مُمَوِّنِهِ، أَمَّا حَاجَتُهُ لِعَمَلِهِ فِي أَرْضِهِ أَوْ مَاشِيَتِهِ فَلَا أَثَرَ لَهَا، وَخَرَجَ بِاللَّائِقِ بِهِ مَا لَوْ كَانَا نَفِيسَيْنِ يُمْكِنُ إبْدَالُهُمَا بِلَائِقٍ بِهِ وَيَخْرُجُ التَّفَاوُتُ لَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ، نَعَمْ لَوْ ثَبَتَتْ الْفِطْرَةُ فِي ذِمَّةِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِيهَا مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ الْتَحَقَتْ بِالدُّيُونِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ دَسْتِ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ وَبِمُمَوِّنِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ فِي الدُّيُونِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَلَوْ لِآدَمِيٍّ كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ الَّذِي تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ الْحُرِّيَّةُ، فَلَا فِطْرَةَ عَلَى رَقِيقٍ لَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً فَلِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ الْمَذْكُورُ فَلِضَعْفِ مِلْكِهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ مَالِهِ وَلَا نَفَقَةُ قَرِيبِهِ، وَلَا فِطْرَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ عَنْهُ لِاسْتِقْلَالِهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَإِنَّ فِطْرَتَهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ مِنْ الْفِطْرَةِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَبَاقِيهَا عَلَى مَالِكِ الْبَاقِي هَذَا حَيْثُ لَا مُهَايَأَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِكِ بَعْضِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً اخْتَصَّتْ الْفِطْرَةُ بِمَنْ وَقَعَتْ فِي نَوْبَتِهِ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الرَّقِيقُ الْمُشْتَرَكُ
(وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ) زَوْجَتِهِ وَبَعْضِهِ وَرَقِيقِهِ (الْمُسْلِمِينَ) . تَنْبِيهٌ: ضَابِطُ ذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ لَزِمَهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ بِمِلْكٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ وَوَجَدَ مَا يُؤَدِّي عَنْهُمْ، وَاسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ مَسَائِلَ مِنْهَا لَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ الرَّقِيقِ وَالْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ «مِنْ الْمُسْلِمِينَ» وَمِنْهَا لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا وَإِنْ
[حاشية البجيرمي]
وَهِيَ النَّاشِزَةُ، وَمِثْلُهَا صَغِيرَةٌ لَا تُطِيقُ الْوَطْءَ كَمَا قَالَهُ ق ل وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُمَا قَطْعًا اهـ. وَقَوْلُهُ " مِنْ زَوْجِيَّةٍ " أَيْ مِنْ ذِي زَوْجِيَّةٍ إلَخْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَتْ هِيَ الْعِيَالَ، وَإِنَّمَا الْعِيَالُ الزَّوْجَةُ أَوْ الْبَعْضُ إلَخْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَتَجِبُ فِطْرَةُ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ الْحَامِلِ كَمَا فِي ح ل لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْضِيَّةٍ) الْمُرَادُ بِهَا الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا) أَيْ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ، أَمَّا إذَا ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ صَارَتْ دَيْنًا فَيُبَاعُ فِيهَا كَذَلِكَ أَيْ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَخَادِمٍ) أَيْ ثَمَنُهُ إنْ كَانَ مَمْلُوكًا وَأُجْرَتُهُ إنْ كَانَ حُرًّا.
قَوْلُهُ: (يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا) أَيْ مُطْلَقًا لَا فِي خُصُوصِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَالْقُوتِ، بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِ فِيهِمَا وَتَقْيِيدِهِ فِي الْقُوتِ بِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ح ل.
قَوْلُهُ: (بِجَامِعِ التَّطْهِيرِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُطَهِّرُ مُخْرِجَهُ.
قَوْلُهُ: (نَفِيسَيْنِ) الْمُرَادُ أَنَّهُمَا غَيْرُ لَائِقَيْنِ بِهِ فَيَبِيعُهُمَا وَيُبَدِّلُهُمَا بِلَائِقٍ وَيَصْرِفُ الزَّائِدَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَلِفَهُمَا بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ لَا يُبَاعَانِ إذَا أَلِفَهُمَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَهَا بَدَلٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُبَاعُ فِيهَا مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ) أَيْ وَلَوْ لَائِقَيْنِ لَا مَلْبَسُهُ اللَّائِقُ ح ل.
قَوْلُهُ: (الْتَحَقَتْ بِالدُّيُونِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ الدُّيُونِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَيْنٌ لَا مُلْحَقَةٌ بِهِ.
ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْتِحَاقِهَا بِهَا كَوْنُهَا صَارَتْ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ الِاخْتِصَاصِ وَالِاشْتِرَاكِ.
قَوْلُهُ: (وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) مَنْ هُنَا خَاصَّةٌ بِمَنْ يَعْقِلُ.
قَوْلُهُ: (ضَابِطُ ذَلِكَ) أَيْ لُزُومِ فِطْرَةِ الْغَيْرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ " وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ إلَخْ " وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ خَلَلًا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعَبْدَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الضَّابِطِ حَتَّى يُسْتَثْنَى، وَكَذَا عَبْدُ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ كَمَا يَأْتِي؛ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ عَبْدَ الْمَسْجِدِ فِطْرَةُ نَفْسِهِ، نَعَمْ يُقَالُ يَلْزَمُ النَّاظِرَ فِطْرَةُ نَفْسِهِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ فِطْرَةُ هَذَا الْعَبْدِ مِنْ رِيعِ الْمَسْجِدِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَضَابِطُ ذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ شَخْصٍ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ، ثُمَّ يُسْتَثْنَى مَا ذُكِرَ لِيَنْدَفِعَ الْخَلَلُ فِي الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مَسَائِلَ) أَيْ عَشَرَةً.
قَوْلُهُ: (الْكُفَّارِ) لَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ
أَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا فِي كَسْبِهِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِفِطْرَةِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ؟ وَمِنْهَا لَا يَلْزَمُ الِابْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ وَمُسْتَوْلِدَتِهِ وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمَا عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَازِمَةٌ لِلْأَبِ مَعَ إعْسَارِهِ فَيَتَحَمَّلُهَا الْوَلَدُ بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ، وَمِنْهَا عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ تَجِبُ نَفَقَتُهُ دُونَ فِطْرَتِهِ، وَمِنْهَا الْفَقِيرُ الْعَاجِزُ عَنْ الْكَسْبِ يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتُهُ دُونَ فِطْرَتِهِ، وَمِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ لَوْ آجَرَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنَّ الْفِطْرَةَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَمِنْهَا عَبْدُ الْمَالِكِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ إذَا شَرَطَ عَمَلَهُ مَعَ الْعَامِلِ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ وَفِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ حَجَّ الْعَبْدُ بِالنَّفَقَةِ، وَمِنْهَا عَبْدُ الْمَسْجِدِ فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهُمَا، وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمَا سَوَاءٌ أَكَانَ عَبْدُ الْمَسْجِدِ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا الْمَوْقُوفُ عَلَى جِهَةٍ أَوْ مُعَيَّنٍ كَرَجُلٍ وَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ.
وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ وَقْتَ الْوُجُوبِ أَوْ كَانَ عَبْدًا لَزِمَ سَيِّدَ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فِطْرَتُهَا لَا الْحُرَّةِ فَلَا تَلْزَمُهَا وَلَا زَوْجَهَا لِانْتِفَاءِ يَسَارِهِ، وَالْفَرْقُ كَمَالُ تَسْلِيمِ الْحُرَّةِ نَفْسَهَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ لِاسْتِخْدَامِ السَّيِّدِ لَهَا.
[حاشية البجيرمي]
هَذِهِ لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي الضَّابِطِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ " إذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ " فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِسْلَامِ فِطْرَةُ الرَّقِيقِ إلَخْ، وَكَذَا.
قَوْلُهُ " وَمِنْهَا " لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ لَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَائِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ " مَنْ لَزِمَتْهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ " لِأَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ، فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ شَخْصٍ لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ ثُمَّ يَسْتَثْنِي مِنْهَا؛ وَهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ مِنْ مَنْطُوقِ الْقَاعِدَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِهَا الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَإِنَّ نَفَقَتَهُ لَا تَلْزَمُ السَّيِّدَ وَتَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، وَكَذَا الْأَمَةُ إذَا كَانَتْ مُسَلَّمَةً لِزَوْجِهَا فَلَا يَلْزَمُ سَيِّدَهَا نَفَقَتُهَا وَيَلْزَمُهُ فِطْرَتُهَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا مُعْسِرًا أَوْ عَبْدًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا) هَذَا التَّعْلِيلُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَهُ سَيِّدُهُ.
قَوْلُهُ: (تَجِبُ نَفَقَتُهُ) أَيْ عَلَى الْإِمَامِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الضَّابِطِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْفِطْرَةَ عَلَى سَيِّدِهِ) كَانَ الْأَوْلَى: فَلَا فِطْرَةَ عَلَى الْمُكْتَرِي.
قَوْلُهُ: (فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعَامِلِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا مَا لَوْ حَجَّ بِالنَّفَقَةِ) كَأَنْ أَجَّرَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِالنَّفَقَةِ قَبْلَ الْعَبْدِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمَا) وُجُوبُ نَفَقَةِ عَبْدِ الْمَسْجِدِ مِنْ رِيعِهِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ عَلَى أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى جِهَةٍ أَوْ مُعَيَّنٍ كَمَا يَأْتِي.
وَاسْتِثْنَاءُ عَبْدِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ نَاظِرَ الْمَسْجِدِ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ نَفْسِهِ وَلَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ رِيعِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ مُلْزَمٌ بِهَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مِلْكًا لَهُ) أَيْ لِلْمَسْجِدِ بِأَنْ وُهِبَ لَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يَمْلِكُهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ مِنْ النَّاظِرِ.
وَفَائِدَةُ كَوْنِهِ مِلْكًا لِلْمَسْجِدِ أَنَّهُ يُبَاعُ فِي مَصَالِحِهِ دُونَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جِهَةٍ) كَالْفُقَرَاءِ أَوْ مُعَيَّنٍ كَرَجُلٍ وَمَدْرَسَةٍ، وَعَدَّدَ الْمِثَالَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْمُعَيَّنِ بَيْنَ كَوْنِهِ عَاقِلًا أَوْ لَا، كَذَا بِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ.
وَقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ " كَرَجُلٍ وَمَدْرَسَةٍ " لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ) أَيْ وَلَوْ عَبْدًا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ " أَوْ كَانَ إلَخْ " مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ، وَقَوْلُهُ " لَا الْحُرَّةِ " أَيْ لَا يَلْزَمُ الْحُرَّةَ وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً فَلَا فِطْرَةَ لَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَلْزَمُهَا) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْحَوَالَةِ، وَأَمَّا لَوْ جَرَيْنَا عَلَى خِلَافِ الْأَصَحِّ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الضَّمَانِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ كَمَا يَرْجِعُ عَلَى الْأَصِيلِ إذَا أَعْسَرَ الضَّامِنُ، وَتَجِبُ فِطْرَةُ الزَّوْجَةِ الْمُطِيعَةِ وَخَادِمِهَا إنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهَا أَوْ لَهُمَا دُونَ الْمُؤَجَّرَةِ بِالدَّرَاهِمِ.
قَالَ شَيْخُنَا ع ش: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ فِي مِصْرِنَا وَقُرَاهَا مِنْ اسْتِئْجَارِ شَخْصٍ لِرَعْيِ دَوَابِّهِ أَوْ خِدْمَةِ زَرْعِهِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا فِطْرَةَ لَهُ لِكَوْنِهِ مُؤَجَّرًا إجَارَةً صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَخْدَمَهُ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ فَإِنَّهُ تَجِبُ فِطْرَتُهُ.
وَأَمَّا الَّتِي صُحْبَتُهَا بِالنَّفَقَةِ فَلَا تَجِبُ فِطْرَتُهَا عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَأْجَرَةِ، أَيْ إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهَا مُقَدَّرَةً.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا الْوُجُوبَ، أَيْ إذَا كَانَتْ نَفَقَتُهَا غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، وَبِهِ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْخَادِمَةُ مُتَزَوِّجَةً بِزَوْجٍ غَنِيٍّ فَالْقِيَاسُ الْوُجُوبُ عَلَى زَوْجِ الْخَادِمَةِ نَظَرًا لِلْأَصْلِ، فَإِنْ أَعْسَرَ وَجَبَتْ عَلَى زَوْجِ
وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ (صَاعًا مِنْ) غَالِبِ (قُوتِ بَلَدِهِ) إنْ كَانَ بَلَدِيًّا، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ النَّوَاحِي، وَالْمُعْتَبَرُ فِي غَالِبِ الْقُوتِ غَالِبُ قُوتِ السَّنَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لَا غَالِبُ قُوتِ وَقْتِ الْوُجُوبِ خُلَاصَةً
[حاشية البجيرمي]
الْمَخْدُومَةِ إذَا كَانَتْ مُسْتَأْجَرَةً بِنَفَقَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ، كَذَا بَحَثَ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا فَأَخْرَجَتْ عَنْ نَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا رُجُوعَ لَهَا لِأَنَّهَا مُتَبَرِّعَةٌ وَلِأَنَّهَا عَلَى الزَّوْجِ كَالْحَوَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْمُحِيلُ لَوْ أَدَّى بِغَيْرِ إذْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: خَادِمُ الزَّوْجَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ يَكُونُ فِي أَيِّ مَرْتَبَةٍ؟ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الزَّوْجَةِ وَقَبْلَ سَائِرِ مَنْ عَدَاهَا حَتَّى وَلَدُهُ الصَّغِيرُ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى سَائِرِ مَنْ عَدَاهَا وِفَاقًا فِي ذَلِكَ لَمْ ر. اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْإِخْرَاجُ عَنْ زَوْجَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ الْحَامِلِ مِنْ دُونِ الْحَائِلِ م ر عَلَى الْبَهْجَةِ.
وَقَوْلُهُ " وَالْبَائِنِ الْحَامِلِ دُونَ الْحَائِلِ " أَيْ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَاجِبَةٌ لَهَا دُونَهَا، إذْ وُجُودُ الْحَمْلِ اقْتَضَى وُجُوبَ النَّفَقَةِ فَيَقْتَضِي وُجُوبَ الْفِطْرَةِ أَيْضًا.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ النَّفَقَةَ لَهَا مَدْخَلٌ فِي نَحْوِ الْحَمْلِ وَزِيَادَتِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْفِطْرَةُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ عَلَى بُعْدٍ: لَوْ لَمْ يَجِبْ إخْرَاجُ فِطْرَةِ الْحَامِلِ عَلَى الْغَيْرِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهَا وَقَدْ تُخْرِجُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَ الْفِطْرَةِ وَلَا تَجِدُ مَا تَقْتَاتُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَحْصُلُ لَهَا وَهَنٌ فِي بَدَنِهَا فَيَتَعَدَّى لِحَمْلِهَا، فَأَوْجَبْنَا الْفِطْرَةَ عَلَى الْغَيْرِ خُلُوصًا مِنْ ذَلِكَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. فَرْعٌ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: فِطْرَةُ وَلَدِ الزِّنَا عَلَى أُمِّهِ إذْ لَا أَبَ لَهُ كَمَا تَلْزَمُهَا نَفَقَتُهُ، وَكَذَا مَنْ لَاعَنَتْ فِيهِ لِذَلِكَ؛ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ لَمْ تَرْجِعْ الْأُمُّ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّتْهُ مِنْ فِطْرَتِهِ كَمَا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَتْهُ مِنْ نَفَقَتِهِ.
وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ حَالَ إخْرَاجِ الْفِطْرَةِ وَالْإِنْفَاقِ كَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ ظَاهِرًا وَلَمْ يُثْبِتْ نَسَبَهُ إلَّا مِنْ حِينِ اسْتِلْحَاقِهِ، ثُمَّ رَأَيْته عَلَّلَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ؛ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِإِجْبَارِ حَاكِمٍ رَجَعَتْ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ،.
اهـ. عب وَشَرْحُهُ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ يَسَارِهِ) عِلَّةٌ لِلثَّانِي أَيْ قَوْلُهُ " وَلَا زَوْجَهَا "، وَأَمَّا هِيَ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ تَحَمَّلَهَا بَعْدَ أَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ أَيْ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ حَيْثُ وَجَبَتْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَوْ غَنِيَّةً.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِخْدَامِ إلَخْ) إنْ قُلْت فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي أَمَةٍ تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَتُهَا بِأَنْ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا السَّيِّدُ فَتَجِبُ حِينَئِذٍ فِطْرَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَعَلَى السَّيِّدِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّيِّدُ يَسْتَخْدِمُهَا فَالنَّفَقَةُ وَالْفِطْرَةُ وَاجِبَتَانِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِاسْتِخْدَامِ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ السَّيِّدُ يَسْتَخْدِمُهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَتُهَا إلَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا.
أُجِيبُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " لِاسْتِخْدَامِ السَّيِّدِ لَهَا " أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَلَا يَمْنَعَهُ مِنْهُ زَوْجُهَا أَيْ وَلَمْ يَسْتَخْدِمْهَا بِالْفِعْلِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: لِاسْتِخْدَامِ إلَخْ، أَيْ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا، وَإِلَّا فَوَضْعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ لِلزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى تَجِبَ نَفَقَتُهَا لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمَةَ إنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً لِلزَّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا، ثُمَّ إنْ كَانَ مُوسِرًا فَفِطْرَتُهَا عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً لَيْلًا فَقَطْ وَيَسْتَخْدِمُهَا السَّيِّدُ نَهَارًا فَلَيْسَ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ، تَأَمَّلْ م د.
قَوْلُهُ: (وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ) اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ لَيْلًا.
ثُمَّ.
قَوْلُهُ " صَاعًا مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ " إذْ زَكَاتُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِ الْغَيْرِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
فَإِنْ قُلْتَ: صَرِيحُ الْمَتْنِ أَنَّ هَذَا رَاجِعٌ لِزَكَاتِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَزَكَاتِهِ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
قُلْتُ: فِي كَلَامِ الْمَتْنِ تَوْزِيعٌ، وَلَمَّا كَانَ فِي كَلَامِهِ نَوْعُ إجْمَالٍ بَيَّنَ الشَّارِحُ الْمُرَادَ مِنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْبَلَدِيِّ وَهُوَ الْبَدْوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ غَالِبَ قُوتِ مَحِلِّهِ، وَانْظُرْ هَذَا عِلَّةٌ لِمَاذَا.
وَعِبَارَةُ م ر: وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ إلَخْ، مِنْ غَيْرِ جَعْلِهِ عِلَّةً، إذْ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلْغَالِبِ أَوْ الْقُوتِ إذْ لَا يُنْتَجُ الْمَطْلُوبُ
لِلْغَزَالِيِّ فِي وَسِيطِهِ.
وَيُجْزِئُ الْقُوتُ الْأَعْلَى عَنْ الْقُوتِ الْأَدْنَى لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا وَلَا عَكْسٌ لِنَقْصِهِ عَنْ الْحَقِّ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى بِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ وَالْأُرْزِ وَمِنْ الزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاقْتِيَاتِ وَالتَّمْرُ خَيْرٌ مِنْ الزَّبِيبِ فَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْهُ بِالْأَوْلَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ خَيْرًا مِنْ الْأُرْزِ وَأَنَّ الْأَرُزَّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ.
وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتٍ وَاجِبٍ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ وَقَرِيبِهِ أَوْ عَمَّنْ تَبَرَّعَ عَنْهُ بِإِذْنِهِ أَعْلَى مِنْهُ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا، وَلَا يُبَعِّضُ الصَّاعَ الْمُخْرَجَ عَنْ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ، كَمَا لَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنْ يَكْسُوَ خَمْسَةً وَيُطْعِمَ خَمْسَةً، أَمَّا لَوْ أَخْرَجَ الصَّاعَ عَنْ اثْنَيْنِ كَأَنْ مَلَكَ وَاحِدٌ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ أَوْ مُبَعَّضَيْنِ بِبَلَدَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقُوتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَبْعِيضُ الصَّاعِ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ نَوْعَيْنِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا كَانَا مِنْ الْغَالِبِ وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَاتٌ لَا غَالِبَ فِيهَا تَخَيَّرَ، وَالْأَفْضَلُ أَعْلَاهَا فِي الِاقْتِيَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيُجْزِئُ الْقُوتُ الْأَعْلَى إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا إخْرَاجُ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ مَثَلًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّ الزَّكَاةَ الْمَالِيَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ فَأُمِرَ أَنْ يُوَاسِيَ الْفُقَرَاءَ بِمَا وَاسَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَالْفِطْرَةُ زَكَاةُ الْبَدَنِ فَوَقَعَ النَّظَرُ فِيهَا لِمَا هُوَ غِذَاءُ الْبَدَنِ وَالْأَعْلَى يُحَصِّلُ هَذَا الْغَرَضَ وَزِيَادَةً ز ي مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ) أَيْ بِزِيَادَةِ نَفْعِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ كَثْرَتُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَثُرَ الِاقْتِيَاتُ بِنَحْوِ الشَّعِيرِ كَانَ أَعْلَى مِنْ الْبُرِّ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْأَعْلَى الْأَعْلَى قِيمَةً.
قَوْلُهُ: (فَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ) لِكَوْنِهِ أَنْفَعَ اقْتِيَاتًا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَرُزُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ فِي أَشْهَرِ اللُّغَاتِ السَّبْعِ.
الثَّانِيَةُ: كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْهَمْزَةَ فِيهَا مَضْمُومَةٌ أَيْضًا.
الثَّالِثَةُ: ضَمُّهُمَا، إلَّا أَنَّ الزَّايَ مُخَفَّفَةٌ.
الرَّابِعَةُ: ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونُ الرَّاءِ.
الْخَامِسَةُ: حَذْفُ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدُ الزَّايِ.
السَّادِسَةُ: رُنْزٌ بِنُونٍ بَيْنَ الرَّاءِ وَالزَّايِ.
السَّابِعَةُ: فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَضَمُّ الرَّاءِ مَعَ تَخْفِيفِ الزَّايِ عَلَى وَزْنِ عَضُدٍ ذَكَرَهُ م ر الْكَبِيرُ فِي حَوَاشِي الرَّوْضِ.
قَالَ الْبُوَيْطِيُّ تِلْمِيذُ الشَّافِعِيِّ: يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ أَكْلِ الْأَرُزِّ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نُورِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنَّ قَوْلَهُ «خُلِقَ مِنْ نُورِهِ» فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ حَدِيثَهُ لَمْ يَثْبُتْ.
وَالْعَدَسُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَاتِ رَدِيءُ الْغِذَاءِ عَسِرُ الْهَضْمِ لِأَنَّهُ بَارِدٌ يَابِسٌ، وَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي جَامِعِهِ الصَّغِيرِ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ: «وَعَلَيْكُمْ بِالْعَدَسِ فَإِنَّهُ قُدِّسَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا» رَدَّهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ بَلْ قَالَ بِوَضْعِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمْ يُقَدَّسْ وَلَا عَلَى لِسَانِ وَلِيٍّ لِلَّهِ فَرَاجِعْهُ.
قَالَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ:
أَخْبَارُ رُزٍّ ثُمَّ بَاذِنْجَانِ ... عَدَسٌ هَرِيسَةٌ ذَوُو بُطْلَانِ
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْبَرِّ: لَمَّا حَرَثَ آدَم وَهُوَ أَوَّلُ حَارِثٍ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا مَشَى الثَّوْرَانِ عَلَى الْأَرْضِ بَكَيَا عَلَى مَا فَاتَهُمَا مِنْ رَاحَةِ الْجَنَّةِ وَقَطَرَتْ دُمُوعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ فَنَبَتَ مِنْهَا الْحَشِيشُ الْأَخْضَرُ، وَبَالَا فَنَبَتَ مِنْ بَوْلِهِمَا الْحِمَّصُ، وَرَاثَا فَنَبَتَ مِنْ رَوْثِهِمَا الْعَدَسُ؛ ثُمَّ كَسَرَ جِبْرِيلُ تِلْكَ الْحُبُوبَ حَتَّى كَثُرَتْ ثُمَّ بَذَرَ وَنَبَتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَالشَّعِيرُ خَيْرٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزَّبِيبِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَعْلَى الْبُرُّ فَالشَّعِيرُ فَالْأَرُزُّ فَالتَّمْرُ فَالزَّبِيبُ، وَيَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي بَقِيَّةِ الْحُبُوبِ كَالذُّرَةِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ، قَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَتَرْتِيبُهَا فِي الْأَعْلَى كَتَرَتُّبِهَا الْوَاقِعِ فِي الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ، أَعْنِي:
بِاَللَّهِ سَلْ شَيْخَ ذِي رَمْزٍ حَكَى مَثَلًا ... عَنْ فَوْرِ تَرْكِ زَكَاةِ الْفِطْرِ لَوْ جَهِلَا
حُرُوفُ أَوَّلِهَا جَاءَتْ مَرْتَبَةً ... أَسْمَاءُ قُوتِ زَكَاةِ الْفِطْرِ إنْ عَقْلًا
قَوْلُهُ: (أَعْلَى مِنْهُ) مَفْعُولُ يُخْرِجُ الْمُقَدَّرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ نَوْعَيْنِ) هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ مِنْ جِنْسَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] .
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ الْقَمْحَ الْمَخْلُوطَ بِالشَّعِيرِ تَخَيَّرَ إنْ كَانَ الْخَلِيطَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَجَبَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا نِصْفًا مِنْ ذَا وَنِصْفًا مِنْ ذَا فَوَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا أَنَّهُ يُخْرِجُ النِّصْفَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَلَا يُجْزِئُ الْآخَرُ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَعَّضَ الصَّاعُ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَأَمَّا مَنْ يُزَكِّي عَنْ غَيْرِهِ فَالْعِبْرَةُ بِغَالِبِ قُوتِ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَلَوْ كَانَ الْمُؤَدِّي بِمَحَلٍّ آخَرَ اُعْتُبِرَ بِقُوتِ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْفِطْرَةَ تَجِبُ أَوَّلًا عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْمُؤَدِّي، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَحَلَّهُ كَعَبْدٍ آبِقٍ فَيَحْتَمِلُ كَمَا قَالَ جَمَاعَةٌ اسْتِثْنَاءَ هَذِهِ أَوْ يُخْرِجُ فِطْرَتَهُ مِنْ قُوتِ آخِرِ مَحَلٍّ عَهِدَ وُصُولَهُ إلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ فِيهِ، أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ لِأَنَّ لَهُ نَقْلَ الزَّكَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوتُ الْمَحَلِّ الَّذِي يُخْرِجُ مِنْهُ أَيْ الصَّاعَ بِالْوَزْنِ (خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَ) رِطْلٍ (بِالْعِرَاقِيِّ) أَيْ بِالْبَغْدَادِيِّ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي بَيَانِ رِطْلِ بَغْدَادَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا وَالْعِبْرَةُ بِالصَّاعِ النَّبَوِيِّ إنْ وُجِدَ أَوْ مِعْيَارِهِ، فَإِنْ فُقِدَ أَخْرَجَ قَدْرًا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ
[حاشية البجيرمي]
كَانُوا يَقْتَاتُونَ إلَخْ) عِبَارَةُ م ر: وَعُلِمَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ تَبْعِيضِ الصَّاعِ الْمُخْرَجِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَخَيَّرَ) أَيْ بَيْنَ إخْرَاجِ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، قَالَ ع ش: قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ نِصْفٍ مِنْ هَذَا وَنِصْفٍ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَعِّضَ الصَّاعَ مِنْ جِنْسَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَخْ) رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ع ش، وَقِيلَ: إنَّهُ رَاجِعٌ لِلثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: (الْوَاجِبَ عَلَيْهِ) أَيْ الْآنَ وَيَبْقَى الْآخَرُ فِي ذِمَّتِهِ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ نِصْفٌ مِنْ الْأَكْثَرِ فِي الثَّانِيَةِ وَمِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْزِئُ الْآخَرُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى فَيَجِبُ إبْدَالُهُ مِنْ جِنْسِ الَّذِي أَخْرَجَهُ.
قَوْلُهُ: (فَالْعِبْرَةُ بِغَالِبِ إلَخْ) أَيْ وَالْعِبْرَةُ أَيْضًا بِفُقَرَاءِ مَحِلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، فَمَنْ يُخْرِجُ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَدْفَعُ هَذَا الْمُخْرَجَ لِفُقَرَاءِ مَحَلِّ نَفْسِهِ بَلْ لِفُقَرَاءِ مَحَلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (تَجِبُ أَوَّلًا عَلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ.
وَلَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ صِحَّةِ تَوَجُّهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ، إذْ هُوَ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ هُنَا م ر؛ أَيْ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ، فَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ لَا يُخَاطَبُ أَيْ خِطَابَ اسْتِقْرَارٍ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ يُخَاطَبُ خِطَابَ إلْزَامٍ لِذِمَّتِهِ لَا خِطَابَ تَكْلِيفٍ، أَيْ فَهُوَ مُخَاطَبٌ هُنَا خِطَابَ شَغْلِ ذِمَّةٍ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُخْرِجْ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْمُؤَدِّي) أَيْ بِطَرِيقِ الضَّمَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ وَلَا يُطَالَبُ بِهَا الْمُتَحَمِّلُ عَنْهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذَا إنْ عَرَفَ مَحِلَّهُ.
قَوْلُهُ: (اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ) أَيْ مِنْ كَوْنِ الصَّاعِ مِنْ قُوتِ مَحِلِّ الْمُؤَدَّى عَنْهُ، أَيْ وَيُخْرِجُ مِنْ قُوتِ مَحَلِّ الْمُؤَدِّي الَّذِي هُوَ السَّيِّدُ وَيُصْرَفُ لِفُقَرَاءِ مَحِلِّهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ قُوتِ آخِرِ مَحَلٍّ إلَخْ) وَيَجِبُ إرْسَالُهُ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ ق ل. وَالْمُعْتَمَدُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَعْلَى الْأَقْوَاتِ أَوْ مِنْ آخِرِ مَحَلٍّ عَهِدَ وُصُولَهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ النَّقْلَ حِينَئِذٍ ز ي وح ل. وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ أَوْ عَلَى بَابِهَا، وَنَقَلَ شَيْخُنَا عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ رَبِّهِ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ.
وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فِيهَا قَوْلَيْنِ، الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: يَقُولُ إنَّ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ، وَعَلَى هَذَا يُخْرَجُ مِنْ قُوتِ السَّيِّدِ أَوْ مِنْ أَشْرَفِ الْأَقْوَاتِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَثْنَاةً، وَيُخْرَجُ مِنْ قُوتِ آخِرِ مَحَلٍّ عَهِدَ وُصُولَهُ إلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ " " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ رَاجِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ " أَوْ " فِي قَوْلِهِ " أَوْ يُخْرِجُ لِلْحَاكِمِ " عَلَى حَقِيقَتِهَا وَجَعَلَهُ قَوْلًا ثَالِثًا وَجَعَلَ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ ضَعِيفًا.
قَوْلُهُ: (خَمْسَةُ أَرْطَالٍ إلَخْ) لِأَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَكُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ) أَيْ الْغَالِبُ فِيهِ ذَلِكَ فَلَا
لَا يَنْقُصُ عَنْ الصَّاعِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قَالَ جَمَاعَةٌ: الصَّاعُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِهِمَا انْتَهَى
وَالصَّاعُ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ قَدَحَانِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ شَيْئًا يَسِيرًا لِاحْتِمَالِ اشْتِمَالِهِمَا عَلَى طِينٍ أَوْ تِبْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ عِمَادُ الدِّينِ السُّكَّرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ حِينَ يَخْطُبُ بِمِصْرَ خُطْبَةَ عِيدِ الْفِطْرِ وَالصَّاعُ قَدَحَانِ بِكَيْلِ بَلَدِكُمْ هَذِهِ سَالِمٌ مِنْ الطِّينِ وَالْعَيْبِ وَالْغَلْتِ وَلَا يُجْزِئُ فِي بَلَدِكُمْ هَذِهِ إلَّا الْقَمْحُ.
اهـ.
فَائِدَةٌ ذَكَرَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ مَعْنًى لَطِيفًا فِي إيجَابِ الصَّاعِ وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ تَمْتَنِعُ غَالِبًا مِنْ الْكَسْبِ فِي الْعِيدِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَهُ وَلَا يَجِدُ الْفَقِيرُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيهَا لِأَنَّهَا أَيَّامُ سُرُورٍ وَرَاحَةٍ عَقِبَ الصَّوْمِ وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ الصَّاعِ عِنْدَ جَعْلِهِ خُبْزًا ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ مِنْ الْخُبْزِ فَإِنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ كَمَا مَرَّ وَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ نَحْوُ الثُّلُثِ فَيَأْتِي مِنْهُ ذَلِكَ وَهُوَ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِكُلِّ يَوْمٍ رِطْلَانِ
تَتِمَّةٌ: جِنْسُ الصَّاعِ الْوَاجِبِ الْقُوتُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ لِأَنَّ النَّصَّ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْمُعَشَّرَاتِ كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَقِيسَ الْبَاقِي عَلَيْهِ بِجَامِعِ الِاقْتِيَاتِ، وَيُجْزِئُ الْأَقِطُ لِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ لَبَنٌ يَابِسٌ غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ وَفِي مَعْنَاهُ لَبَنٌ وَجُبْنٌ لَمْ يُنْزَعْ زُبْدُهُمَا، وَإِجْزَاءُ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِمَنْ هُوَ قُوتُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ
[حاشية البجيرمي]
يَرِدُ اللَّبَنُ وَنَحْوُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " وَالْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ " أَيْ إنْ تَأَتَّى كَيْلُهُ، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِالْوَزْنِ كَالْجُبْنِ وَالْأَقِطِ.
قَوْلُهُ: (اسْتِظْهَارًا) أَيْ اسْتِيفَاءً لِجَمِيعِ التَّقَادِيرِ لَا الِاحْتِيَاطِ كَمَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَزْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِالصَّاعِ النَّبَوِيِّ) أَيْ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِعْيَارُهُ) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى الصَّاعِ الْمَرْفُوعِ، وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ فُقِدَ " أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَخْرَجَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْفَاءِ، أَيْ فَتَكُونُ الْحَفْنَةُ مُدًّا لِأَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْحَفَنَاتُ جَمْعُ حَفْنَةٍ وَالْحَفْنَةُ مِلْءُ الْكَفَّيْنِ، يُقَالُ: حَفَنَ يَحْفِنُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ إذَا أَخَذَ مِلْءَ كَفَّيْهِ، وَالْحَفَنَاتُ عَلَى وَزْنِ سَجَدَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْغَلَتِ) لَيْسَ بِكَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ إذْ الَّذِي فِي كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الْغَلَتَ مَعْنَاهُ الْغَلَطُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا فِيهِ مِنْ نَحْوِ تُرَابٍ وَطِينٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ) الزِّيَادَةُ مَنْدُوبَةٌ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْقَمْحَ) أَيْ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فِي مِصْرَ.
قَوْلُهُ: (الشَّاشِيُّ) نِسْبَةً إلَى الشَّاشِ اسْمٌ لِمَدِينَةٍ مِنْ بِلَادِ الْعَجَمِ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ) أَيْ تَقْرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَيُضَافُ إلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ) عِبَارَةُ حَجّ: وَهُوَ يَحْمِلُ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ مِنْ الْمَاءِ فَيَجِيءُ مِنْهُ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ اهـ، وَقَالَ " نَحْوَ ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ " لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ ثَمَانِيَةٌ وَثُلُثٌ وَالثُّلُثُ تَحْتَ النَّارِ.
قَوْلُهُ: (نَحْوَ الثُّلُثِ) أَيْ قَدْرَ ثُلُثِ الثَّمَانِيَةِ أَرْطَالٍ وَهُوَ رِطْلَانِ وَثُلُثَانِ، تُضَمُّ لِمَا ذُكِرَ تَبْلُغُ ثَمَانِيَةً.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ ثُلُثَ الْخَمْسَةِ وَالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَا ذُكِرَ.
اهـ. شَيْخُنَا.
وَوُجِدَ أَيْضًا مِثْلُهُ بِخَطِّ أج.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ) قَالَ سم: هَذِهِ الْحِكْمَةُ لَا تَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مِنْ وُجُوبِ صَرْفِ الصَّاعِ لِلثَّمَانِيَةِ أَصْنَافٍ، فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِفَقِيرٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَتَأَتَّى مَا ذُكِرَ، وَلَا تَأْتِيَ أَيْضًا فِي صَاعِ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالْجُبْنِ وَاللَّبَنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ قَلَّدَ مَنْ يُجَوِّزُ دَفْعَهَا لِوَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِمَا كَانَ شَأْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّدْرِ الْأَوَّلِ مِنْ جَمْعِ الزَّكَوَاتِ وَتَفْرِقَتِهَا.
وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ وَإِنْ جَمَعَهَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ لِكُلِّ فَقِيرٍ صَاعًا، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِغَالِبِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْحَبُّ تَأَمَّلْ اهـ بِزِيَادَةٍ.
وَقَوْلُهُ " لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَخْ " قَدْ يُقَالُ: يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ زَكَوَاتٌ كَثِيرَةٌ مُرَاعَاةً لِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (جِنْسُ الصَّاعِ) وَجُمْلَتُهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِنْسًا يَجْمَعُهُ رَمْزُ: بِاَللَّهِ سَلْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الْأَقِطُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا مَعَ تَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ دَمِيرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " لَبَنٌ " أَيْ مَائِعٌ لِيُخَالِفَ الْأَقِطَ.
قَوْلُهُ: (وَإِجْزَاءُ)
أَمْ الْحَاضِرَةِ، أَمَّا مَنْزُوعُ الزُّبْدِ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُ، وَكَذَا لَا يُجْزِئُ الْكَشْكُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ مَعْرُوفٌ وَلَا الْمَخِيضُ وَلَا الْمَصْلُ وَلَا السَّمْنُ وَلَا اللَّحْمُ وَلَا مُمَلَّحٌ مِنْ الْأَقِطِ أَفْسَدَ كَثْرَةُ الْمِلْحِ جَوْهَرَهُ بِخِلَافِ الْمِلْحِ الْيَسِيرِ فَيُجْزِئُ، لَكِنْ لَا يُحْسَبُ الْمِلْحُ فَيُخْرِجُ قَدْرًا يَكُونُ مَحْضُ الْأَقِطِ مِنْهُ صَاعًا.
وَالْأَصْلُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ زَكَاةَ مُوَلِّيهِ الْغَنِيِّ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيلُ بِتَمْلِيكِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ مُوَلِّيهِ كَوَلَدٍ رَشِيدٍ وَأَجْنَبِيٍّ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَوْ اشْتَرَكَ مُوسِرَانِ أَوْ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ فِي رَقِيقٍ لَزِمَ كُلَّ مُوسِرٍ قَدْرُ حِصَّتِهِ لَا مِنْ وَاجِبِهِ كَمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ بَلْ مِنْ قُوتِ مَحَلِّ الرَّقِيقِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ وَصُرِّحَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا تَجِبُ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا الْمُؤَدِّي.
فَصْلٌ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَيْ الزَّكَوَاتِ عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِشْعَارِهَا بِصِدْقِ بَاذِلِهَا، وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي آخَرِ الزَّكَاةِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْأُمِّ وَهُوَ أَنْسَبُ مِنْ ذِكْرِ الْمِنْهَاجِ لَهَا تَبَعًا لِلْمُزَنِيِّ بَعْدَ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ.
(وَتُدْفَعُ الزَّكَاةُ) مِنْ أَيْ صِنْفٍ كَانَ مِنْ أَصْنَافِهَا الثَّمَانِيَةِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهَا (إلَى) جَمِيعِ (الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ) عِنْدَ وُجُودِهِمْ فِي مَحَلِّ الْمَالِ وَهُمْ (الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى
[حاشية البجيرمي]
مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ لِمَنْ هُوَ قُوتُهُ.
قَوْلُهُ: (الْمَصْلُ) هُوَ مَا سَالَ مِنْ اللَّبَنِ إذَا طُبِخَ ثُمَّ عُصِرَ وَيُقَالُ لَهُ مَصَالَةٌ أَيْضًا كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَيُسَمَّى عِنْدَ الْعَامَّةِ بِمِشِّ الْحَصِيرِ.
اهـ. ح ف. قَوْلُهُ: (جَوْهَرَهُ) أَيْ ذَاتَهُ وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمِلْحِ الْيَسِيرِ أَيْ بِخِلَافِ ذِي الْمِلْحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَيُجْزِئُ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (زَكَاةَ مُوَلِّيهِ) أَيْ وَهُوَ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ.
وَقُيِّدَ بِالْغِنَى لِأَجْلِ قَوْلِهِ " وَلَهُ " وَإِلَّا لَوْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِتَمْلِيكِهِ) أَيْ فَيَجْعَلُ الدَّفْعَ عَنْهُ بِمَنْزِلَةِ التَّمْلِيكِ.
قَوْلُهُ: (كَوَلَدٍ رَشِيدٍ) أَيْ إذَا لَمْ تَلْزَمْ نَفَقَتُهُ وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِطْرَتُهُ وَكَانَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ، وَكَذَا الْمَمْلُوكُ وَالزَّوْجَةُ.
قَوْلُهُ: (لَا مِنْ وَاجِبِهِ) أَيْ كُلِّ مُوسِرٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ) يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمِنْهَاجِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الرَّقِيقُ بِمَحَلٍّ لَيْسَ فِيهِ قُوتٌ مُجْزِئٌ وَكَانَتْ بَلَدُ السَّيِّدِ أَقْرَبَ الْبِلَادِ إلَيْهِ ز ي، أَوْ كَانَ قُوتُ بَلَدِ الرَّقِيقِ مِنْ جِنْسِ قُوتِ بَلَدِ السَّيِّدِ فَيَأْذَنُ لِرَقِيقِهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ.
[فَصْلٌ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ]
ِ جَمْعُ صَدَقَةٍ، تَشْمَلُ الْوَاجِبَةَ وَالْمَنْدُوبَةَ وَالْمُرَادُ الْوَاجِبَةُ.
وَلَوْ قَالَ فِي قَسْمِ الزَّكَوَاتِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَيْ الزَّكَوَاتِ) احْتَاجَ لَهُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ أَعَمُّ رَحْمَانِيٌّ قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَتْ) أَيْ الزَّكَوَاتُ بِذَلِكَ أَيْ الصَّدَقَاتِ قَوْلُهُ: (وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ أَيْ الْقَسْمِ؛ لَكِنَّهُ أَنَّثَ الضَّمِيرَ لِاكْتِسَابِ الْمُضَافِ التَّأْنِيثَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَنْسَبُ إلَخْ) لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الزَّكَاةِ وَذِكْرِهَا بَعْدَ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ لَهُ مُنَاسَبَةٌ، وَهِيَ أَنْ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ مَالٌ يَجْمَعُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَصْنَافِهَا الثَّمَانِيَةِ) وَكَذَا زَكَاةُ الْفِطْرِ قَوْلُهُ: (إلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ) أَيْ إنْ قَسَمَ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ فَإِنْ قَسَمَ الْمَالِكُ فَلَا عَامِلَ اهـ مَرْحُومِيٌّ.
وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ الثَّمَانِيَةَ فِي قَوْلِهِ:
صَرَفْت زَكَاةَ الْحُسْنِ لِمَ لَا بَدَأْت بِي ... فَإِنِّي أَنَا الْمُحْتَاجُ لَوْ كُنْت تَعْرِفُ
فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ وَغَازٍ وَعَامِلٌ ... وَرِقُّ سَبِيلٍ غَارِمٌ وَمُؤَلَّفُ
اهـ. شَوْبَرِيٌّ: قَوْلُهُ: (وَهُمْ) فِي تَقْدِيرِهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ قَوْلُهُ: (وَالْمَسَاكِينِ) جَمْعُ مِسْكِينٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَفِي لُغَةِ بَنِي أَسْدٍ
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] قَدْ عُلِمَ مِنْ الْحَصْرِ بِإِنَّمَا أَنَّهَا لَا تُصْرَفُ لِغَيْرِهِمْ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِيعَابِهِمْ، وَأَضَافَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الصَّدَقَاتِ إلَى الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى فَاللَّامُ الْمِلْكِ، وَإِلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ بِفِي الظَّرْفِيَّةِ لِلْإِشْعَارِ بِإِطْلَاقِ الْمِلْكِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى، وَتَقْيِيدُهُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى إذَا لَمْ يَحْصُلْ الصَّرْفُ فِي مَصَارِفِهَا اسْتَرْجَعَ بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى عَلَى مَا يَأْتِي.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ تَعْرِيفِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَأَنَا أَذْكُرُهُمْ عَلَى نَظْمِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَالْأَوَّلُ الْفَقِيرُ وَهُوَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ لَائِقٌ بِهِ يَقَعُ
[حاشية البجيرمي]
فَتْحُهَا.
وَهُوَ مِنْ السُّكُونِ، كَأَنَّ الْعَجْزَ أَسْكَنَهُ أَوْ لِسُكُونِهِ إلَى النَّاسِ قَوْلُهُ: (قَدْ عُلِمَ مِنْ الْحَصْرِ) أَيْ حَصْرِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ وَيُسَمَّى قَصْرًا، وَهُوَ مِنْ قَصْرِ الصِّفَةِ وَهِيَ الصَّدَقَاتُ عَلَى الْمَوْصُوفِ؛ فَالْمَعْنَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا تُصْرَفُ لِهَؤُلَاءِ لَا لِغَيْرِهِمْ وَلَا لِبَعْضِهِمْ فَقَطْ، بَلْ يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ.
وَالْمَعْنَى عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا تُصْرَفُ لِهَؤُلَاءِ لَا لِغَيْرِهِمْ، وَهَذَا يَصْدُقُ بِعَدَمِ اسْتِيعَابِهِمْ وَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِصِنْفٍ مِنْهُمْ وَلَا يَجِبُ التَّعْمِيمُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَكَثِيرُونَ: يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْنَافِ.
قَالَ ابْنُ عُجَيْلٍ الْيَمَنِيُّ: ثَلَاثَةُ مَسَائِلَ فِي الزَّكَاةِ يُفْتَى فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْمَذْهَبِ: نَقْلُ الزَّكَاةِ وَدَفْعُ زَكَاةِ وَاحِدٍ إلَى وَاحِدٍ وَدَفْعُهَا إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَأَضَافَ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ وَبَيْنَ الْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا بِلَفْظِ فِي مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِهَا فِي الْأُولَى كَمَا اكْتَفَى بِاللَّامِ فِي الْأُولَى مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ؟ قُلْت: لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ مِنْهُمْ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ وَالْغَارِمُونَ إنَّمَا يَأْخُذَانِ لِغَيْرِهِمَا وَالْأَخِيرَيْنِ يَأْخُذَانِ لِأَنْفُسِهِمَا اهـ أج.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْغَزِّيِّ: وَذَكَرَ فِي الْآيَةِ الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ فَاللَّامُ الْمِلْكِ لِإِطْلَاقِ مِلْكِهِمْ لِمَا يَأْخُذُونَهُ، وَفِي الْبَقِيَّةِ بِفِي الظَّرْفِيَّةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَسْتَرِدُّ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوهُ إنْ لَمْ يُصْرَفْ فِيمَا هُوَ لَهُ سَوَاءٌ بَقِيَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ، وَأَعَادَ فِي الظَّرْفِيَّةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] إشَارَةً إلَى مُخَالَفَتِهِمَا لِمَا قَبْلَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَوَّلَيْنِ أَخَذَا لِغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَأْخُذُهُ لِسَيِّدِهِ وَالْغَارِمَ لِلدَّائِنِ وَهُمَا أَيْ الْغَازِي وَابْنُ السَّبِيلِ أَخَذَا لِأَنْفُسِهِمَا اهـ. وَأَتَى بِالْوَاوِ دُونَ أَوْ لِإِفَادَةِ التَّشْرِيكِ بَيْنَهُمْ فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَصْنَافِ الْمَوْجُودِينَ بِهَا، قَالَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَآخَرُونَ.
وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَكَثِيرُونَ: يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْنَافِ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ قُسِمَتْ بَيْنَهُمْ فَكَذَا هُنَا، شَرْحُ عب.
وَإِنَّمَا بَدَأَ فِي الْآيَةِ بِالْفَقِيرِ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ.
قَوْلُهُ: (بِإِطْلَاقِ الْمِلْكِ) الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ قَوْلُهُ: (وَتَقْيِيدُهُ) أَيْ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ بَلْ يُشْتَرَطُ صَرْفُهُ فِيمَا أَخَذُوهُ لَهُ قَوْلُهُ: (بِخِلَافِهِ) أَيْ الْمِلْكِ، وَقَوْلُهُ " فِي الْأَرْبَعَةِ " أَيْ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ: (وَأَنَا أَذْكُرُهُمْ) الْمُنَاسِبُ الْإِفْرَادُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: وَأَنَا أَذْكُرُهُمْ أَيْ التَّعْرِيفَاتِ قَوْلُهُ: (مَنْ لَا مَالَ لَهُ) أَيْ عِنْدَهُ وَلَا كَسْبَ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَالٌ وَلَا كَسْبٌ أَصْلًا أَوْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ لَا يَلِيقُ، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ كَسْبٌ لَا يَلِيقُ؛ لَكِنْ لَا يَقَعَانِ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ فَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِثَلَاثِ صُوَرٍ قَوْلُهُ: (لَائِقٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِمَحَلِّ اسْمِ لَا قَبْلَ دُخُولِهَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ الْمُنَاسِبَ تَنْوِينُ اسْمِ لَا لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُضَافِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ وُصِفَ بَعْدَ دُخُولِهَا لَا قَبْلَهُ، وَخَرَجَ غَيْرُ اللَّائِقِ لِكَوْنِهِ حَرَامًا أَوْ يُزْرَى بِهِ.
وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ " وَلَا كَسْبٌ " أَيْ لَائِقٌ بِهِ حَلَالٌ يَقَعُ مَوْقِعًا أَيْ يَسُدُّ مَسَدًّا، فَخَرَجَ بِاللَّائِقِ غَيْرُهُ فَهُوَ كَالْعَدَمِ؛ وَأَفْهَمَ أَنَّ أَهْلَ الْبُيُوتِ الَّذِينَ لَا يَعْتَادُونَ الْكَسْبَ بِأَيْدِيهِمْ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَخَرَجَ بِالْحَلَالِ الْحَرَامُ فَلَا أَثَرَ لَهُ.
وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ وَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْهُ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَجْهُ إحْلَالِهِ اهـ. وَالْكَسُوبُ غَيْرُ فَقِيرٍ وَإِنْ لَمْ يَكْتَسِبْ إنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ وَلَاقَ بِهِ
جَمِيعُهُمَا أَوْ مَجْمُوعُهُمَا مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ مَطْعَمًا وَمَلْبَسًا وَمَسْكَنًا وَغَيْرَهَا مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَحَالِ مُمَوِّنِهِ كَمَنْ يَحْتَاجُ إلَى عَشَرَةٍ وَلَا يَمْلِكُ أَوْ لَا يَكْتَسِبُ إلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَا يَمْلِكُهُ نِصَابًا أَمْ أَقَلَّ أَمْ أَكْثَرَ
. وَالثَّانِي الْمِسْكِينُ وَهُوَ مَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ كَسْبٌ لَائِقٌ بِهِ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ كَمَنْ يَمْلِكُ أَوْ يَكْتَسِبُ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً وَلَا يَكْفِيهِ إلَّا عَشَرَةٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ الْعُمُرُ الْغَالِبُ وَيَمْنَعُ فَقْرَ الشَّخْصِ وَمَسْكَنَتَهُ كِفَايَتُهُ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ كَمُكْتَسِبٍ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ كِفَايَتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِنَوَافِلَ، وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ مِنْهَا لِاشْتِغَالِهِ بِعِلْمٍ
[حاشية البجيرمي]
حَلَّ لَهُ تَعَاطِيهِ.
اهـ. م ر. وَذُو الْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ قَدْرُهُ دَيْنًا وَلَوْ حَالًّا غَيْرُ فَقِيرٍ، فَلَا يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ حَتَّى يَصْرِفَ مَا مَعَهُ فِي الدَّيْنِ؛ وَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ فِي التَّعْرِيفِ: وَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ اهـ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدُ: " وَيَمْنَعُ فَقْرَ الشَّخْصِ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (يَقَعُ جَمِيعُهُمَا) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ مَجْمُوعُهُمَا " أَيْ جُمْلَتُهُمَا، فَالْمُرَادُ بِالْمَجْمُوعِ هُنَا الْأَمْرَانِ بِشَرْطِ اجْتِمَاعِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْجَمِيعِ كُلٌّ مِنْهُمَا بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ قَوْلُهُ: (مِنْ كِفَايَتِهِ) أَيْ لِبَقِيَّةِ عُمُرِهِ الْغَالِبِ وَهُوَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً مِنْ وِلَادَتِهِ.
اهـ. ق ل. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: نَعَمْ يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ صِغَارٌ وَمَمَالِيكُ وَحَيَوَانَاتٌ، فَهَلْ نَعْتَبِرُهُمْ بِالْعُمُرِ الْغَالِبِ إذْ الْأَصْلُ بَقَاؤُهُمْ وَبَقَاءُ نَفَقَتِهِمْ عَلَيْهِ أَوْ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُهُ بِالنَّظَرِ لِلْأَطْفَالِ بِبُلُوغِهِمْ وَإِلَى الْأَرِقَّاءِ بِمَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ الْغَالِبَةِ وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ؟ لِلنَّظَرِ فِي ذَلِكَ مَجَالٌ، وَكَلَامُهُمْ يُومِئُ إلَى الْأَوَّلِ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى مَدْرَكًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ حَجّ اهـ قَوْلُهُ: (وَغَيْرَهَا) أَيْ مِنْ أَثَاثِ الْبَيْتِ مَثَلًا كَحَصِيرٍ وَمِخَدَّةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْلِكُ) أَيْ إذَا كَانَ لَا يَكْتَسِبُ، وَقَوْلُهُ " أَوْ لَا يَكْتَسِبُ إلَخْ " أَيْ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَكْتَسِبُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً) زَادَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ غَيْرَ زَمِنٍ وَمُتَعَفِّفٍ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 19] أَيْ غَيْرِ السَّائِلِ قَوْلُهُ: (أَوْ أَرْبَعَةً) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَمْسَةً فَمَا فَوْقُ إلَى دُونِ الْعَشَرَةِ فَمِسْكِينٌ، مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ثَمَانِيَةً) أَيْ أَوْ سِتَّةً أَوْ خَمْسَةً، وَالْمُرَادُ النِّصْفُ فَمَا فَوْقَ أَيْ دُونَ مَا يَكْفِيهِ قَوْلُهُ: (لَا يَكْفِيهِ الْعُمُرُ الْغَالِبُ) أَيْ بَقِيَّتُهُ وَهُوَ اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً ق ل.
قَوْلُهُ: (كِفَايَتُهُ بِنَفَقَةٍ) أَيْ وَاجِبَةٍ، وَقَوْلُهُ " قَرِيبٌ " أَيْ أَصْلٌ أَوْ فَرْعٌ أَوْ زَوْجٌ وَلَوْ فِي عِدَّةِ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ وَبَائِنٍ وَهِيَ حَامِلٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَلَوْ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا بِنُشُوزٍ لَمْ تُعْطَ لِقُدْرَتِهَا عَلَى النَّفَقَةِ حَالًّا بِالطَّاعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ سَافَرَتْ بِلَا إذْنٍ وَمَنَعَهَا أُعْطِيت مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ حَيْثُ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْعَوْدِ حَالًّا لِعُذْرِهَا وَإِلَّا فَمِنْ سَهْمِ ابْنِ السَّبِيلِ إذَا عَزَمَتْ عَلَى الرُّجُوعِ لِانْتِهَاءِ الْمَعْصِيَةِ.
وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَ الْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ مَتْبُوعٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ " كِفَايَتُهُ " أَنَّ الْكَلَامَ فِي زَوْجٍ مُوسِرٍ، أَمَّا مُعْسِرٍ لَا يَكْفِي فَتَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهَا بِالْفَقْرِ؛ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفِهَا مَا وَجَبَ لَهَا عَلَى الْمُوسِرِ لِكَوْنِهَا أَكُولَةً تَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهَا بِالْفَقْرِ وَلَوْ مِنْهُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَأَنَّهُ لَوْ غَابَ زَوْجُهَا وَلَا مَالَ لَهُ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى التَّوَصُّلِ إلَيْهِ وَعَجَزَتْ عَنْ الِاقْتِرَاضِ أَخَذَتْ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَفَتَاوَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ الزَّوْجَ أَوْ الْمُنْفِقَ لَوْ أُعْسِرَ أَوْ غَابَ وَلَمْ يَتْرُكْ مُنْفِقًا وَلَا مَالًا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ أُعْطِيت الزَّوْجَةُ أَوْ الْقَرِيبُ بِالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَيُسَنُّ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا مِنْ زَكَاتِهَا وَلَوْ بِالْفَقْرِ وَإِنْ أَنْفَقَهَا عَلَيْهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا لِلْقَاضِي، شَرْحُ م ر مَعَ تَصَرُّفٍ، قَوْلُهُ: (أَوْ سَيِّدٍ) لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْمَنْهَجِ وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا حَقَّ فِي الزَّكَاةِ لِمَنْ بِهِ رِقٌّ غَيْرَ الْمُكَاتَبِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمُكَاتَبُ نَفَقَتُهُ فِي كَسْبِهِ لَا عَلَى السَّيِّدِ.
وَقَوْلُنَا " لَا حَقَّ فِي الزَّكَاةِ " أَيْ حَتَّى تَكُونَ كِفَايَتُهُ بِنَفَقَةِ سَيِّدِهِ مَانِعَةً مِنْ أَخْذِهَا قَوْلُهُ: (كَمُكْتَسِبٍ) تَنْظِيرٌ.
وَقَوْلُهُ " وَاشْتِغَالُهُ "
شَرْعِيٍّ يَتَأَتَّى مِنْهُ تَحْصِيلُهُ وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ أَيْضًا مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ وَثِيَابُهُ وَكُتُبٌ لَهُ يَحْتَاجُهَا، وَلَا مَالَ لَهُ غَائِبٌ بِمَرْحَلَتَيْنِ أَوْ مُؤَجَّلٌ فَيُعْطَى مَا يَكْفِيهِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى مَالِهِ أَوْ يَحِلَّ الْأَجَلُ لِأَنَّهُ الْآنَ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ.
.
وَالثَّالِثُ الْعَامِلُ عَلَى الزَّكَاةِ كَسَاعٍ يُجْبِيهَا وَكَاتِبٍ يَكْتُبُ مَا أَعْطَاهُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ وَقَاسِمٍ وَحَاشِرٍ يَجْمَعُهُمْ أَوْ
[حاشية البجيرمي]
مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " كِفَايَتُهُ " أَيْ وَيَمْنَعُ فَقْرَ الشَّخْصِ وَمَسْكَنَتَهُ اشْتِغَالُهُ إلَخْ قَوْلُهُ: (لَا اشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ) أَيْ فَلَا يَمْنَعُ فَقْرَهُ بَلْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ، قِيلَ: وَمِثْلُهَا وُجُوبُ نَفَقَتِهِ عَلَى وَالِدِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حِينَئِذٍ، قَالَ الشِّهَابُ م ر: وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّكَاةِ ظَاهِرٌ، كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ مَرْحُومِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " ظَاهِرٌ " لَعَلَّهُ مِمَّا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ فِي الزَّكَاةِ، لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ ز ي وُجُوبُ النَّفَقَةِ كَالزَّكَاةِ إذَا كَانَ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْعِلْمُ، وَنَصُّهَا: مِثْلُهُ أَيْ فِي وُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ كَسْبٌ يَلِيقُ بِهِ لَكِنَّهُ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِلْمِ وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ أج.
وَالْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الْفِقْهُ وَالتَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَآلَاتُهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) فِيهِ تَلْمِيحٌ إلَى أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِفُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَا يَمْنَعُ الْفَقْرَ وَالْمَسْكَنَةَ قَوْلُهُ: (مَسْكَنُهُ) وَإِنْ اعْتَادَ السُّكْنَى بِالْأُجْرَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَزَلَ فِي مَوْقُوفٍ يَسْتَحِقُّهُ عَلَى الْأَوْجَهِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ هَذَا كَالْمِلْكِ بِخِلَافِ ذَاكَ، ابْنُ حَجَرٍ.
وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ " مَسْكَنُهُ " أَيْ الَّذِي يَحْتَاجُهُ وَلَاقَ بِهِ، فَإِنْ اعْتَادَ الْمَسْكَنَ بِالْأُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَدْرَسَةِ وَمَعَهُ ثَمَنُ مَسْكَنٍ أَوْ لَهُ مَسْكَنٌ خَرَجَ عَنْ اسْمِ الْفَقْرِ بِمَا مَعَهُ كَمَا بَحَثَهُ السُّبْكِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يُبَعْ الْمَسْكَنُ هُنَا وَبِيعَ عَلَى الْمُفْلِسِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ فَسُومِحَ فِيهَا بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ، شَرْحُ عب قَوْلُهُ: (وَخَادِمُهُ) وَلَوْ لِمُرُوءَتِهِ بِأَنْ اخْتَلَّتْ مُرُوءَتُهُ بِخِدْمَةِ نَفْسِهِ أَوْ شَقَّتْ عَلَيْهِ مَشَقَّةً لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً.
اهـ. م ر قَوْلُهُ: (وَثِيَابُهُ) وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ؛ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ إفْتَاءِ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ حَلِيَّ الْمَرْأَةِ الْمُحْتَاجَةِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ عَادَةً لَا يَمْنَعُ فَقْرَهَا،.
اهـ. ز ي قَوْلُهُ: (وَكُتُبٌ) وَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهَا، فَإِنْ تَعَدَّدَتْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ بِيعَ مَا زَادَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا إلَّا نَحْوَ مُدَرِّسٍ وَاخْتَلَفَ حَجْمُهَا ق ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ تَكَرَّرَتْ عِنْدَهُ كُتُبٌ مِنْ فَنٍّ وَاحِدٍ بَقِيَتْ كُلُّهَا لِمُدَرِّسٍ وَالْمَبْسُوطُ لِغَيْرِهِ فَيَبِيعُ الْمُوجَزَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَا يَظْهَرُ أَوْ نُسِخَ مِنْ كِتَابٍ بَقِيَ لَهُ الْأَصَحُّ لَا الْأَحْسَنُ اهـ.
وَأَمَّا الْمُصْحَفُ فَيُبَاعُ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ تَسْهُلُ مُرَاجَعَةُ حَفَظَتِهِ، فَلَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَا حَافِظَ فِيهِ تُرِكَ لَهُ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ قَوْلُهُ: (وَلَا مَالَ لَهُ غَائِبٌ) أَيْ أَوْ حَاضِرٌ وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ اهـ خ ض تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِمَّا تُقَرِّرُ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى مَالِكِي السَّفِينَةِ مَسَاكِينَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ مَنْ يَمْلِكُ مَا مَرَّ، وَهُوَ غَالِبًا يَحْصُلُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ الْكِفَايَةِ؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَعَوَّذَ مِنْ الْفَقْرِ» فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَسَأَلَ الْمَسْكَنَةَ فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ؛ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَاذَ مِنْ الْمَسْكَنَةِ أَيْضًا.
ثُمَّ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ اللَّذَيْنِ مَرْجِعُ مَعْنَاهُمَا إلَى الْقِلَّةِ كَمَا اسْتَعَاذَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ دُونَ حَالِ الْفَقْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْغِنَى دُونَ حَالَةِ الْغِنَى؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ مَكْفِيًّا بِمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ وَالْمَسْكَنَةُ الَّتِي سَأَلَهَا إنْ صَحَّ حَدِيثُهَا مَعْنَاهَا التَّوَاضُعُ وَأَنْ لَا يُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ وَالْأَغْنِيَاءِ الْمُتَرَفِّهِينَ اهـ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
ثُمَّ نَقَلَ عَنْ خَلَائِقَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِمِثْلِ مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - حَيْثُ قَالَا: الْمِسْكِينُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 16] أَيْ لَاصِقًا أَنْفَهُ بِالتُّرَابِ؛ لَكِنْ لَا فَائِدَةَ لِلْخِلَافِ هُنَا لِأَنَّ عِنْدَهُمَا يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَى وَاحِدٍ بَلْ فِي نَحْوِ الْوَصِيَّةِ لِأَحْوَجَ مِنْهُمَا، شَرْحُ الْعُبَابِ.
يَعْنِي أَنَّ ثَمَرَةَ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِلْأَحْوَجِ مِنْ الْفَقِيرِ أَوْ الْمِسْكِينِ فَتُصْرَفُ الْوَصِيَّةُ لِلْأَوَّلِ عِنْدَنَا وَلِلثَّانِي عِنْدَهُمَا اهـ.
قَوْلُهُ: (الْعَامِلُ) وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا، وَشَرْطُهُ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَاتِ وَفِقْهُ زَكَاةٍ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ مَا يَأْخُذُ وَمَنْ يُؤْخَذُ، وَإِلَّا فَلَا
يَجْمَعُ ذَوِي السُّهْمَانِ لَا قَاضٍ وَوَالٍ فَلَا حَقَّ لَهُمَا فِي الزَّكَاةِ بَلْ رِزْقُهُمَا فِي خُمُسِ الْخُمُسِ الْمَرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ.
.
وَالرَّابِعُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ جَمْعُ مُؤَلَّفٍ مِنْ التَّأْلِيفِ وَهُوَ مَنْ أَسْلَمَ وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ فَيَتَأَلَّفُ لِيَقْوَى إيمَانُهُ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ وَنِيَّتُهُ فِي الْإِسْلَامِ قَوِيَّةٌ وَلَكِنْ لَهُ شَرَفٌ فِي قَوْمِهِ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إسْلَامُ غَيْرِهِ أَوْ كَافٍ لَنَا شَرَّ مَنْ يَلِيهِ مِنْ كُفَّارٍ أَوْ مَانِعِي زَكَاةٍ فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ الْأَخِيرَانِ إنَّمَا يُعْطَيَانِ إذَا كَانَ إعْطَاؤُهُمَا أَهْوَنَ عَلَيْنَا مِنْ جَيْشٍ يُبْعَثُ لِذَلِكَ، فَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ يُعْتَبَرُ فِي إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ احْتِيَاجُنَا إلَيْهِمْ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، أَمَّا هُمَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.
وَهَلْ تَكُونُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
.
وَالْخَامِسُ الرِّقَابُ وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ كِتَابَةً صَحِيحَةً لِغَيْرِ مُزَكٍّ فَيُعْطَوْنَ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَادَاتِهِمْ أَوْ قَبْلَ حُلُولِ النُّجُومِ مَا يُعِينُهُمْ عَلَى الْعِتْقِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَا يَفِي بِنُجُومِهِمْ، أَمَّا مُكَاتَبُ الْمُزَكِّي فَلَا يُعْطَى مِنْ زَكَاتِهِ شَيْئًا لِعَوْدِ الْفَائِدَةِ إلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ مِلْكَهُ.
.
وَالسَّادِسُ الْغَارِمُ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: مَنْ تَدَايَنَ لِنَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ طَاعَةً
[حاشية البجيرمي]
يُشْتَرَطُ الْفِقْهُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ وَلَا الذُّكُورَةُ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا وَلَا مَوْلَى لَهُمَا وَلَا مُرْتَزِقًا م د وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " وَلَا تَصِحُّ لِكَافِرٍ " نَعَمْ الْكَيَّالُ وَالْحَمَّالُ وَالْحَافِظُ وَنَحْوَهُمْ يَجُوزُ كَوْنُهُمْ كُفَّارًا مُسْتَأْجَرِينَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ لِأَنَّ ذَلِكَ أُجْرَةٌ لَا زَكَاةٌ اهـ، فَلَا مُنَافَاةَ.
قَوْلُهُ: (كَسَاعٍ) أَشَارَ بِالْكَافِ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ مِنْهُ الْحَاسِبُ قَوْلُهُ: (وَحَاشِرٍ) أَيْ جَامِعٍ قَوْلُهُ: (ذَوِي السُّهْمَانِ) جَمْعُ سَهْمٍ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَفِعْلًا اسْمًا وَفَعِيلًا وَفَعِلْ ... غَيْرَ مُعَلِّ الْعَيْنِ فُعْلَانَ شَمِلْ
قَوْلُهُ: (لَا قَاضٍ وَوَالٍ) لِأَنَّ عَمَلَهُمَا عَامٌّ
قَوْلُهُ: (جَمْعُ مُؤَلَّفٍ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ وَكُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ؛ إمَّا مُؤَلَّفَةُ الْكُفَّارِ وَهُمْ مَنْ يُرْجَى إسْلَامُهُمْ أَوْ يُخَافُ شَرُّهُمْ فَلَا يُعْطَوْنَ مِنْ زَكَاةٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَأَغْنَى عَنْ التَّأْلِيفِ قَوْلُهُ: (مِنْ التَّأْلِيفِ) وَهُوَ جَمْعُ الْقُلُوبِ قَوْلُهُ: (وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ) أَيْ فِي الْإِسْلَامِ نَفْسِهِ أَوْ فِي أَهْلِهِ.
وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ " لِيَقْوَى إيمَانُهُ " وَالْمُرَادُ بِالْإِسْلَامِ الْإِيمَانُ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، إذْ الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلَائِكَةِ فَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ فَيَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ قَوْلُهُ: (أَوْ كَافٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " لَهُ شَرَفٌ " أَيْ وَلَكِنْ كَافٍ إلَخْ، أَيْ وَلَكِنْ هُوَ كَافٍ إلَخْ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ) الْأَوْلَى بِالْوَاوِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ شَيْءٍ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (يُبْعَثُ لِذَلِكَ) أَيْ لِكِفَايَةِ شَرِّ مَنْ يَلِيهِ مِنْ كُفَّارٍ أَوْ مَانِعِي زَكَاةٍ قَوْلُهُ: (نَعَمْ) أَيْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِخِلَافِ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الذُّكُورَةُ اهـ مَرْحُومِيٌّ
قَوْلُهُ: (وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانُوا لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ.
وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَخْذُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْمُكَاتَبُ يُعْطِيهِ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَا يَأْخُذُهُ السَّادَةُ مِنْ الْمُكَاتَبِينَ وَاقِعٌ عَنْ جِهَةِ الدَّيْنِ لَا عَنْ جِهَةِ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهِ زَكَاةٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ الرِّقَابَ بِالْمُكَاتَبِينَ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَفِي تَخْلِيصِ الرِّقَابِ مِنْ الرِّقِّ.
قَوْلُهُ: (كِتَابَةً صَحِيحَةً) أَيْ فِي كُلِّهِ بِخِلَافِ مُكَاتَبِ الْبَعْضِ فَلَا يُعْطِي شَيْئًا كَأَنْ أَوْصَى بِكِتَابَةِ عَبْدٍ فَعَجَزَ عَنْهُ الثُّلُثُ.
اهـ. ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَبْلَ حُلُولِ النُّجُومِ) وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْحُلُولُ كَمَا اشْتَرَطَ فِي الْغَارِمِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْخَلَاصِ مِنْ الرِّقِّ أَهَمُّ وَالْغَارِمُ يُنْتَظَرُ لَهُ أَيْ يُمْهَلُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يُوسِرْ فَلَا حَبْسَ وَلَا مُلَازَمَةَ س ل قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مَا يَفِي) وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ كَسُوبًا كَالْغَارِمِ م د قَوْلُهُ: (مَعَ كَوْنِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ مِلْكَهُ، أَيْ فَلَا يَرُدُّ الْمَدِينُ إذَا أَعْطَاهُ الدَّائِنُ مِنْ الزَّكَاةِ لِيَدْفَعَهُ عَنْ الدَّيْنِ حَيْثُ يَصِحُّ؛ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ دَفْعُهُ فِي الدَّيْنِ مَعَ عَوْدِ الْفَائِدَةِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِلْكَهُ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (الْغَارِمُ) مِنْ الْغُرْمِ وَهُوَ اللُّزُومُ وَمِنْ ثَمَّ أُطْلِقَ عَلَى الدَّائِنِ أَيْضًا لِتَلَازُمِهِمَا مَرْحُومِيٌّ وَيُطْلَقُ عَلَى الدَّوَامِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] أَيْ دَوَامًا قَوْلُهُ: (وَهُوَ ثَلَاثَةٌ) أَيْ إجْمَالًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ.
وَالثَّانِي: مَنْ
كَانَ أَوْ لَا، وَإِنْ صَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ فِي غَيْرِ مُبَاحٍ كَخَمْرٍ وَتَابَ وَظَنَّ صِدْقَهُ، أَوْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ فَيُعْطَى مَعَ الْحَاجَةِ بِأَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ وَلَا يَقْدِرَ عَلَى وَفَائِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَدَايَنَ لِمَعْصِيَةٍ وَصَرَفَهُ فِيهَا وَلَمْ يَتُبْ، وَمَا لَوْ لَمْ يَحْتَجْ فَلَا يُعْطَى أَوْ تَدَايَنَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ أَيْ الْحَالِ بَيْنَ الْقَوْمِ كَأَنْ خَافَ فِتْنَةً بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ تَنَازَعَتَا فِي قَتِيلٍ لَمْ يَظْهَرْ قَاتِلُهُ فَتُحْمَلُ الدِّيَةُ تَسْكِينًا لِلْفِتْنَةِ فَيُعْطَى وَلَوْ غَنِيًّا تَرْغِيبًا فِي هَذِهِ الْمَكْرَمَةِ، أَوْ تَدَايَنَ لِضَمَانٍ فَيُعْطَى إنْ أَعْسَرَ مَعَ الْأَصِيلِ أَوْ أَعْسَرَ وَحْدَهُ، وَكَانَ مُتَبَرِّعًا بِالضَّمَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا ضَمِنَ بِالْإِذْنِ.
.
وَالسَّابِعُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ غَازٍ ذَكَرٌ مُتَطَوِّعٌ بِالْجِهَادِ فَيُعْطَى وَلَوْ غَنِيًّا إعَانَةً لَهُ عَلَى الْغَزْوِ.
وَالثَّامِنُ ابْنُ السَّبِيلِ وَهُوَ مُنْشِئُ سَفَرٍ مِنْ بَلَدِ الزَّكَاةِ أَوْ مُجْتَازٌ بِهِ فِي سَفَرِهِ إنْ احْتَاجَ وَلَا مَعْصِيَةَ بِسَفَرِهِ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ عَلِمَ الدَّافِعَ مِنْ إمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ وَعَدَمِهِ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنْ ادَّعَى ضَعْفَ إسْلَامٍ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، أَوْ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً فَكَذَلِكَ لَا إنْ ادَّعَى عِيَالًا أَوْ تَلَفَ مَالٍ عُرِفَ أَنَّهُ لَهُ فَيُكَلَّفُ بَيِّنَةً لِسُهُولَتِهَا كَعَامِلٍ وَمُكَاتَبٍ وَغَارِمٍ وَبَقِيَّةِ الْمُؤَلَّفَةِ، وَصُدِّقَ غَازٍ وَابْنُ السَّبِيلِ بِلَا يَمِينٍ، فَإِنْ تَخَلَّفَا عَمَّا أَخَذَا لِأَجْلِهِ اسْتَرَدَّ
[حاشية البجيرمي]
تَدَايَنَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
وَالثَّالِثُ: مَنْ تَدَايَنَ لِلضَّمَانِ قَوْلُهُ: (مَنْ تَدَايَنَ لِنَفْسِهِ) وَمِثْلُهُ مَا لَوْ اسْتَدَانَ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ أَوْ قُرَى ضَيْفٍ.
اهـ. س ل قَوْلُهُ: (وَإِنْ صَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ) أَيْ وَعُرِفَ قَصْدُ الْإِبَاحَةِ مَنْهَجٌ، لَكِنْ لَا نُصَدِّقُهُ فِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ وَلَهَا أَنْ تَعْتَمِدَ الْقَرَائِنَ.
اهـ. س ل قَوْلُهُ: (أَوْ فِي غَيْرِ مُبَاحٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " فِي مُبَاحٍ " قَوْلُهُ: (وَظَنَّ صِدْقَهُ) أَيْ فِي تَوْبَتِهِ وَإِنْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (أَوْ صَرَفَهُ فِي مُبَاحٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " وَتَابَ " قَوْلُهُ: (وَمَا لَوْ لَمْ يَحْتَجْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مَعَ الْحَاجَةِ قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَالِ) تَفْسِيرٌ لِذَاتِ، وَقَوْلُهُ " بَيْنَ الْقَوْمِ " تَفْسِيرٌ لِلْبَيْنِ أَيْ الْحَالِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْقَوْمِ قَوْلُهُ: (لَمْ يَظْهَرْ قَاتِلُهُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ) وَهِيَ الْإِصْلَاحُ إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ الْفَقْرُ لَقَلَّتْ الرَّغْبَةُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ قَوْلُهُ: (فَيُعْطَى) أَيْ إنْ حَلَّ الدَّيْنُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ س ل قَوْلُهُ: (إنْ أَعْسَرَ مَعَ الْأَصِيلِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا بِالضَّمَانِ قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُتَبَرِّعًا) بِأَنْ ضَمِنَ بِلَا إذْنٍ قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا ضَمِنَ بِالْإِذْنِ) أَيْ وَكَانَ الْأَصِيلُ مُوسِرًا، أَيْ فَلَا يُعْطَى لِأَنَّهُ يُطَالِبُ الْأَصِيلَ بِالْأَدَاءِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ أَيْ إذَا أَدَّى
قَوْلُهُ: (سَبِيلُ اللَّهِ) سَبِيلُ اللَّهِ وَضْعًا الطَّرِيقُ الْمُوصِلَةُ لَهُ تَعَالَى ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ لِأَنَّهُ سَبَبُ الشَّهَادَةِ الْمُوصِلَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ وُضِعَ عَلَى هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا لَا فِي مُقَابِلٍ فَكَانُوا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (ابْنُ السَّبِيلِ) أَيْ الشَّامِلُ لِبِنْتِ السَّبِيلِ قَوْلُهُ مُنْشِئُ سَفَرٍ مِنْ بَلَدِ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَطَنَهُ.
وَقَدِمَ اهْتِمَامًا بِهِ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ الْقَوِيِّ فِيهِ، إذْ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ مَجَازٌ لِدَلِيلٍ هُوَ عِنْدَنَا الْقِيَاسُ عَلَى الثَّانِي بِجَامِعِ احْتِيَاجِ كُلٍّ لِأُهْبَةِ السَّفَرِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ " مُنْشِئُ سَفَرٍ " وَلَوْ لِنُزْهَةٍ قَوْلُهُ: (مِنْ بَلَدِ الزَّكَاةِ) أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقَوْلُهُ " إنْ احْتَاجَ " قَيْدَانِ لِإِعْطَاءِ ابْنِ السَّبِيلِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ عَلِمَ) أَيْ أَوْ ظَنَّ ق ل قَوْلُهُ: (عَمِلَ بِعِلْمِهِ) فَيُصْرَفُ لِمَنْ عَلِمَ اسْتِحْقَاقَهُ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (بِلَا يَمِينٍ) أَيْ وَلَا بَيِّنَةٍ لِعُسْرِ إقَامَتِهَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (فَكَذَلِكَ) أَيْ يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ وَلَا بَيِّنَةٍ وَإِنْ اُتُّهِمَ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَهَلَّا جَمَعَ الثَّلَاثَةَ لِكَوْنِ حُكْمِهَا وَاحِدًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ إنَّمَا فَصَلَ الْأَخِيرَيْنِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ إلَّا إنْ ادَّعَى عِيَالًا إلَخْ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِهِمَا قَوْلُهُ: (عِيَالًا) جَمْعُ عَيِّلٍ بِالتَّشْدِيدِ كَجِيَادٍ جَمْعُ جَيِّدٍ ع ش وَهُمْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ شَرْعًا قَوْلُهُ: (كَعَامِلٍ) أَيْ فَإِنَّهُمْ يُكَلَّفُونَ بَيِّنَةً بِالْعَمَلِ وَالْكِتَابَةِ وَالْغُرْمِ وَالشَّرَفِ وَكِفَايَةِ الشَّرِّ لِسُهُولَةِ إقَامَتِهَا.
فَإِنْ قُلْت: إذَا قَسَمَ الْمَالِكُ فَلَا عَامِلَ أَوْ الْإِمَامُ فَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ فِي حَقِّ الْعَامِلِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى عَمَلِهِ عِنْدَ إمَامٍ بَعْدَ مَوْتِ إمَامٍ قَبْلَهُ، أَوْ يَقُولَ لِلْإِمَامِ أَنَا الَّذِي جَمَعْت الْأَمْوَالَ مَثَلًا وَيُقِيمُ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ تَأَمَّلْ م د.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَخَلَّفَا) أَيْ بِأَنْ تَمْضِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَمْ يَتَرَصَّدَا لِلْخُرُوجِ وَلَمْ يَنْتَظِرَا رُفْقَةً قَوْلُهُ: (هُنَا) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظِ " أَشْهَدُ " وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِشْهَادٍ وَدَعْوَى عِنْدَ حَاكِمٍ بِخِلَافِهِ هُنَا، فَيَكْفِي إخْبَارُ عَدْلَيْنِ أَوْ
مِنْهُمَا مَا أَخَذَاهُ وَالْبَيِّنَةُ هُنَا إخْبَارُ عَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَيُغْنِي عَنْ الْبَيِّنَةِ اسْتِفَاضَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَتَصْدِيقُ دَائِنٍ فِي الْغَارِمِ وَسَيِّدٍ لِلْمُكَاتَبِ.
.
وَيُعْطَى فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ كِفَايَةَ عُمُرٍ غَالِبٍ فَيَشْتَرِيَانِ بِمَا يُعْطَيَانِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلَّانِهِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْغَازِي هَذَا فِيمَنْ لَا يُحْسِنُ الْكَسْبَ بِحِرْفَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ، أَمَّا مَنْ يُحْسِنُ الْكَسْبَ بِحِرْفَةٍ فَيُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ آلَاتِهَا أَوْ بِتِجَارَةٍ فَيُعْطَى مَا يَشْتَرِي بِهِ مَا يُحْسِنُ التِّجَارَةَ فِيهِ مَا يَفِي رِبْحَهُ بِكِفَايَتِهِ غَالِبًا.
وَيُعْطَى مُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ لِغَيْرِ إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مَا عَجَزَا عَنْهُ مِنْ وَفَاءِ دَيْنِهِمَا.
وَيُعْطَى ابْنُ سَبِيلٍ مَا يُوَصِّلُهُ مَقْصِدَهُ أَوْ مَالَهُ إنْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ مَالٌ
وَيُعْطَى غَازٍ حَاجَتَهُ فِي غَزْوِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَإِقَامَةً لَهُ وَلِعِيَالِهِ وَيَمْلِكُهُ فَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ، وَيُهَيَّأُ لَهُ مَرْكُوبٌ إنْ لَمْ يُطِقْ الْمَشْيَ أَوْ طَالَ سَفَرُهُ، وَمَا يَحْمِلُ زَادَهُ وَمَتَاعَهُ إنْ لَمْ يَعْتَدْ مِثْلُهُ حَمْلَهُمَا كَابْنِ سَبِيلٍ
وَالْمُؤَلَّفَةُ يُعْطِيهَا الْإِمَامُ أَوْ الْمَالِكُ مَا يَرَاهُ.
.
وَالْعَامِلُ يُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِهِ
وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ كَفَقِيرٍ وَغَارِمٍ يَأْخُذُ بِإِحْدَاهُمَا.
[حاشية البجيرمي]
عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَإِنْ عَرَى عَنْ لَفْظِ شَهَادَةٍ، أَوْ اسْتِشْهَادٍ أَوْ دَعْوَى عِنْدَ حَاكِمٍ كَمَا فِي شَرْحِ م ر قَوْلُهُ (اسْتِفَاضَةٌ) أَيْ إشَاعَةٌ مِنْ قَوْمٍ يَبْعُدُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ
قَوْلُهُ: (وَيُعْطَى فَقِيرٌ) مَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ الصِّفَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالْإِعْطَاءِ، وَمَا هُنَا إلَى آخِرِ الْفَصْلِ فِي قَدْرِ الْمُعْطَى أَيْ قَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ وَاحِدٍ، فَقَوْلُهُ " وَيُعْطَى فَقِيرٌ وَمِسْكِينٌ " أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي، فَالْكَلَامُ هُنَا فِي إعْطَاءِ الْأَفْرَادِ، وَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَيَجِبُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ وَالتَّسْوِيَةُ فِي أَصْلِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ " وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ الْأَوَّلَ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّمَانِيَةِ الْمُسَاوِيَةِ لِكُلِّ قِسْمٍ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: وَيُعْطَى فَقِيرٌ أَيْ كُلُّ فَقِيرٍ مِنْ أَصْلِ الْقِسْمِ الَّذِي لَهُمْ مِنْ أَصْلِ الْقِسْمَةِ قَوْلُهُ: (كِفَايَةَ عُمُرٍ غَالِبٍ) أَيْ إنْ قَسَمَ الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: (فَيَشْتَرِيَانِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: فَيَشْتَرِيَانِ بِهِ أَيْ بِمَا أَعْطَيَاهُ عَقَارًا يَسْتَغِلَّانِهِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ الزَّكَاةِ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ " فَيَشْتَرِيَانِ إلَخْ " إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَيُعْطَى كِفَايَةَ الْعُمُرِ الْغَالِبِ " أَنَّهُ يُعْطَى نَقْدًا يَكْفِيهِ الْعُمُرَ الْغَالِبَ لِتَعَذُّرِهِ، بَلْ الْمُرَادُ مَا ذَكَرَ قَوْلُهُ: (عَقَارًا) إنْ قُلْت: إذَا كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرَ بَطَلَ اعْتِبَارُ الْعُمُرِ الْغَالِبِ إذْ الْعَقَارُ يَمْكُثُ أَكْثَرَ مِنْ الْعُمُرِ الْغَالِبِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَقَارَ مُخْتَلِفُ الْقِيمَةِ، فَالْمُرَادُ عَقَارٌ يَمْكُثُ بَقِيَّةَ الْعُمُرِ الْغَالِبِ حَجّ؛ أَيْ إنْ لَمْ يَسْتَوْفِهِ، فَإِنْ اسْتَوْفَاهُ أُعْطِيَ كِفَايَةَ سَنَةٍ بِسَنَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ) أَيْ لِلْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْغَازِي) أَيْ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مَا يَحْتَاجُهُ فِي الْغَزْوِ وَالْمَرْكُوبَ الَّذِي يَتَهَيَّأُ لَهُ وَمَا يَحْمِلُ زَادَهُ وَمَتَاعَهُ كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُهُ: (فَيُعْطَى مَا يَشْتَرِي) أَيْ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ " مَا يُحْسِنُ " مَفْعُولُ " يَشْتَرِي " وَقَوْلُهُ " مَا يَفِي " بَدَلٌ مِنْ " مَا " الْأُولَى.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: مِمَّا يُحْسِنُ، فَهُوَ بَيَانٌ لِ " مَا " مِنْ قَوْلِهِ: " مَا يَفِي رِبْحَهُ " وَتَكُونُ " مَا " مَفْعُولُ " يَشْتَرِي " عَلَى كَلَامِهِ
قَوْلُهُ: (وَغَارِمٌ لِغَيْرِ إصْلَاحِ) أَمَّا هُوَ فَيُعْطَى مَا اسْتَدَانَهُ جَمِيعًا إذَا لَمْ يَدْفَعْهُ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ: أَمَّا هُوَ أَيْ الْغَارِمُ لِإِصْلَاحٍ، أَيْ لِدَفْعِ تَخَاصُمٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ فِي قَتِيلٍ مَثَلًا وَلَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ نَحْوُ كَلْبٍ، فَيُعْطَى مَا لَمْ يُوفِ مِنْ مَالِهِ ق ل. فَالْقَتِيلُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ الْمَالُ الْمُتْلَفُ، وَإِنْ عُرِفَ الْقَاتِلُ فِي صُورَةِ الْقَتْلِ وَالْمُتْلِفُ فِي صُورَةِ الْإِتْلَافِ فَيُعْطَى إنْ حَلَّ الدَّيْنُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ م ر. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ يَسْتَدِينَ وَيَدْفَعَ مَا اسْتَدَانَهُ فِي تَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَلَمْ يُوفِ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَدِنْ بَلْ أَعْطَى مِنْ مَالِهِ أَوْ اسْتَدَانَ وَلَمْ يَدْفَعْ مَا اسْتَدَانَهُ فِي تَسْكِينِ الْفِتْنَةِ أَوْ اسْتَدَانَ وَدَفَعَ ثُمَّ وَفَّى مِنْ مَالِهِ فَلَا يُعْطَى.
قَوْلُهُ: (مَا يُوصِلُهُ مَقْصِدَهُ) وَأَمَّا مُؤْنَةُ إيَابِهِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ إنْ قَصَدَ الْإِيَابَ أُعْطِيهَا وَإِلَّا فَلَا وَلَا يُعْطَى مُؤْنَةَ إقَامَتِهِ الزَّائِدَةِ عَلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِ، أَيْ الَّتِي هِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ م د
قَوْلُهُ: (وَلِعِيَالِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " حَاجَتَهُ " وَقَوْلُهُ: " كَابْنِ سَبِيلٍ " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَيُهَيَّأُ لَهُ " قَوْلُهُ: (فَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ) نَعَمْ إنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ وَكَانَ لَهُ وَقْعٌ وَلَمْ يُقَتِّرْ اُسْتُرِدَّ، أَمَّا إذَا كَانَ يَسِيرًا فَلَا يُسْتَرَدُّ مُطْلَقًا أَوْ كَثِيرًا وَقَتَّرَ بِخِلَافِ ابْنِ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ يُسْتَرَدُّ مِنْهُ الْفَاضِلُ مُطْلَقًا، وَمِثْلُهُ الْمُكَاتَبُ إذَا عَتَقَ بِغَيْرِ مَا أَخَذَهُ، وَالْغَارِمُ إذَا بَرِئَ أَوْ
وَ) يَجِبُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ فِي الْقِسْمِ إنْ أَمْكَنَ بِأَنْ قَسَمَ الْإِمَامُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ وَوَجَدُوا لِظَاهِرِ الْآيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ قَسَمَ الْمَالِكُ إذْ لَا عَامِلَ، أَوْ الْإِمَامُ وَوَجَدَ بَعْضُهُمْ وَجَبَ الدَّفْعُ (إلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ) وَتَعْمِيمُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ وَعَلَى الْإِمَامِ تَعْمِيمُ آحَادِ كُلِّ صِنْفٍ وَكَذَا الْمَالِكُ إنْ انْحَصَرُوا بِالْبَلَدِ وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالُ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرُوا أَوْ انْحَصَرُوا (وَ) لَا وَفَّى بِهِمْ الْمَالُ (لَمْ يَجُزْ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) لِذِكْرِهِ فِي الْآيَةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ الَّذِي هُوَ لِلْجِنْسِ (إلَّا الْعَامِلَ) فَإِنَّهُ يَسْقُطُ إذَا قَسَمَ الْمَالِكُ، وَيَجُوزُ حَيْثُ كَانَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا إنْ حَصَلَتْ بِهِ الْكِفَايَةُ.
.
وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ غَيْرَ الْعَامِلِ وَلَوْ زَادَتْ حَاجَةُ بَعْضِهِمْ، وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ إلَّا أَنْ يَقْسِمَ الْإِمَامُ وَتَتَسَاوَى الْحَاجَاتُ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ وَلَا يُجْزِئُهُ نَقْلُ الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِ
[حاشية البجيرمي]
اسْتَغْنَى بِذَلِكَ أَيْ بِغَيْرِ مَا أَخَذَهُ م د
قَوْلُهُ: (مَا يَرَاهُ) كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّهُ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ؟ فَمُقْتَضَى التَّسْوِيَةِ أَنَّهُ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ مِثْلَ غَيْرِهِمْ لَا بِاجْتِهَادِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الشَّارِحِ هُنَا فِي أَفْرَادِ الْمُؤَلَّفَةِ أَيْ وَيُعْطِي كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُؤَلَّفَةِ مَا يَرَاهُ مِنْ سَهْمِهِمْ، وَالْحَالُ أَنَّ سَهْمَهُمْ كَسَهْمِ غَيْرِهِمْ فَلَا مُنَافَاةَ؛ فَقَوْلُهُ " وَالْمُؤَلَّفَةُ " أَيْ وَأَفْرَادُ الْمُؤَلَّفَةِ يُعْطِي الْإِمَامُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَا يَرَاهُ، فَكَلَامُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
وَقَوْلُهُ " وَالْعَامِلُ يُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِهِ " أَيْ يُعْطَى كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِلِ كَالْقَاسِمِ وَالْحَاشِرِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ مِنْ سَهْمِهِ، فَإِنْ زَادَ عَنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ رَدَّ الْبَاقِيَ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا كَمَّلَ مِنْ رَأْسِ مَالِ الزَّكَاةِ؛ كَذَا فِي الرَّوْضِ وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ
قَوْلُهُ: (صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ) أَيْ لِلزَّكَاةِ، فَخَرَجَ مَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ لِلْفَيْءِ أَيْ وَإِحْدَاهُمَا الْغَزْوُ كَغَازٍ وَهَاشِمِيٍّ فَيُعْطَى بِهِمَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (كَفَقِيرٍ وَغَارِمٍ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْوَاوِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْغَارِمَ غَيْرُ الْفَقِيرِ، مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ؛ نَعَمْ إنْ أَخَذَ بِالْغُرْمِ شَيْئًا أَخَذَهُ غَرِيمُهُ وَبَقِيَ فَقِيرًا أُخِذَ بِالْفَقْرِ، فَالْمُمْتَنِعُ كَمَا أَفَادَهُ الزَّرْكَشِيّ إنَّمَا هُوَ الْأَخْذُ بِهِمَا دُفْعَةً أَوْ مُرَتَّبًا وَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْمَأْخُوذِ أَوَّلًا كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ، أَمَّا مِنْ زَكَاتَيْنِ فَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ وَاحِدَةٍ بِصِفَةٍ وَمِنْ الْأُخْرَى بِصِفَةٍ أُخْرَى كَغَازٍ هَاشِمِيٍّ، أَيْ قِيَاسًا عَلَى غَازٍ هَاشِمِيٍّ يَأْخُذُ بِهِمَا مِنْ الْفَيْءِ كَمَا مَرَّ اهـ شَرْحُ م ر قَوْلُهُ: (يَأْخُذُ بِإِحْدَاهُمَا) أَيْ بِخِيرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ) حَتَّى فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ قَوْلُهُ: (وَجَبَ الدَّفْعُ) أَيْ إنْ كَثُرَتْ الْأَمْوَالُ وَإِلَّا قُدِّمَ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ.
وَهُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِحُ.
وَوَقَعَ فِي نُسَخٍ كِتَابَةُ الْوَاوِ مِنْ وَجَبَ بِقَلَمِ الْحُمْرَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ لِأَنَّ الْوَاوَ جُزْءٌ مِنْ وَجَبَ لَا عَاطِفَةٌ فَالصَّوَابُ كِتَابَتُهَا بِقَلَمِ السَّوَادِ وَكِتَابَةُ الْوَاوِ فِي " وَيَجِبُ تَعْمِيمُ إلَخْ " بِقَلَمِ الْحُمْرَةِ.
اهـ. شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (وَتَعْمِيمُ مَنْ وُجِدَ) هَذَا لَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُ الْمَتْنِ: وَإِلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ " لِأَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي التَّعْمِيمِ، وَقَوْلُهُ " مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ " أَيْ الْأَصْنَافِ قَوْلُهُ: (وَلَا وَفَّى إلَخْ) الْمَوْجُودُ فِي الْمَتْنِ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ؛ فَانْظُرْهُ مَعَ الشَّارِحِ لِأَنَّهُ حَمَلَ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى عَدَمِ وَفَاءِ الْمَالِ مَعَ أَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَالصَّوَابُ حَمْلُ كَلَامِ الْمَتْنِ عَلَى مَا إذَا وَفَّى بِهِمْ الْمَالَ.
وَقَوْلُهُ " لِذِكْرِهِ " أَيْ كُلِّ صِنْفٍ، وَقَوْلُهُ " وَهُوَ " أَيْ الْجَمْعُ الْمُرَادُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ) الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ سَهْمٍ لِصِنْفٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ سَهْمِ الْبَقِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ الْعَامِلِ) أَمَّا هُوَ فَيُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِهِ؛ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي قِسْمَةِ الْمَالِكِ، وَإِذَا قَسَمَ فَلَا عَامِلَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَا يُقَالُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَلَا عَدَمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ آحَادِ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ تَسَاوَتْ الْحَاجَاتُ قَوْلُهُ: (فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ إنْ وُجِدُوا، وَتَعْمِيمُ آحَادِ كُلِّ صِنْفٍ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ مُطْلَقًا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ آحَادِ كُلِّ صِنْفٍ إنْ اسْتَوَتْ الْحَاجَاتُ.
وَمِثْلُهُ الْمَالِكُ إنْ انْحَصَرُوا وَوَفَّى بِهِمْ الْمَالَ، لَكِنْ
وُجُوبِهَا مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، فَإِنْ عُدِمَتْ الْأَصْنَافُ فِي بَلَدِ وُجُوبِهَا أَوْ فَضَلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ وَجَبَ نَقْلُهَا أَوْ الْفَاضِلِ إلَى مِثْلِهِمْ بِأَقْرَبَ بَلَدٍ إلَيْهِ، وَإِنْ عُدِمَ بَعْضُهُمْ أَوْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ رُدَّ نَصِيبُ الْبَعْضِ أَوْ الْفَاضِلُ عَنْهُ عَلَى الْبَاقِينَ إنْ نَقَصَ نَصِيبُهُمْ عَنْ كِفَايَتِهِمْ، أَمَّا الْإِمَامُ فَلَهُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ نَقْلُ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا.
وَلَوْ امْتَنَعَ الْمُسْتَحِقُّونَ مِنْ أَخْذِهَا قُوتِلُوا.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ شَخْصٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ الْمَدْيُونُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ: ادْفَعْ لِي مِنْ زَكَاتِك حَتَّى أَقْضِيَك دَيْنَك فَفَعَلَ أَجْزَأَهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَلَا يَلْزَمُ الْمَدْيُونَ الدَّفْعُ إلَيْهِ عَنْ دَيْنِهِ، وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الدَّيْنِ: اقْضِ مَا عَلَيْك لِأَرُدَّهُ عَلَيْك مِنْ زَكَاتِي فَفَعَلَ صَحَّ الْقَضَاءُ وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ، فَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ وَشَرَطَ أَنْ يَقْضِيَهُ ذَلِكَ عَنْ دَيْنِهِ لَمْ يُجْزِهِ وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ بِهَا، وَلَوْ نَوَيَاهُ بِلَا شَرْطٍ جَازَ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ: جَعَلْتُهُ عَنْ زَكَاتِي لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ حَتَّى يَقْبِضَهُ ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ كَمَا لَوْ كَانَ وَدِيعَةً.
(وَخَمْسَةٌ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَيْهِمْ) الْأَوَّلُ (الْغَنِيُّ بِمَالٍ) حَاضِرٍ عِنْدَهُ (أَوْ كَسْبٍ) لَائِقٍ
[حاشية البجيرمي]
بِإِسْقَاطِ الْعَامِلِ كَمَا عُرِفَ
قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْزِئُهُ نَقْلُ إلَخْ) نَعَمْ لَوْ وَقَعَ تَشْقِيصٌ كَعِشْرِينَ شَاةً بِبَلَدٍ وَعِشْرِينَ بِآخَرَ فَلَهُ إخْرَاجُ شَاةٍ بِأَحَدِهِمَا مَعَ الْكَرَاهَةِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (مِنْ بَلَدِ وُجُوبِهَا) أَيْ وَقْتِ وُجُوبِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ فِيهَا ذَلِكَ الْوَقْتَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ؛ نَعَمْ لَوْ انْحَصَرَ مُسْتَحِقُّوهَا لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا لِمَنْ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِمْ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا، وَفِيهِ بَحْثٌ ق ل. وَفِي حَاشِيَةِ خ ض: خَرَجَ بِالْمَالِكِ الْآخِذُ فَيُجْزِئُ إعْطَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَحَلِّ الزَّكَاةِ حَيْثُ وَقَعَ الْإِعْطَاءُ فِي مَحَلِّ الزَّكَاةِ شَرْحُ م ر ز ي قَوْلُهُ: (إلَى بَلَدٍ آخَرَ) الْمُرَادُ إلَى مَحَلٍّ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَالْبَلَدُ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
فَإِذَا خَرَجَ مِصْرِيٌّ إلَى خَارِجِ بَابِ السُّوَرِ كَبَابِ النَّصْرِ لِحَاجَةٍ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَغَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ هُنَاكَ ثُمَّ دَخَلَ وَجَبَ إخْرَاجُ فِطْرَتِهِ لَفُقَرَاءِ خَارِجِ بَابِ النَّصْرِ.
اهـ. ح ل. وَكَتَبَ الْمَيْدَانِيُّ: أَيْ مَحَلَّ وُجُوبِهَا بَلَدًا أَوْ قَرْيَةً أَوْ بَادِيَةً بَحْرًا أَوْ بَرًّا، حَتَّى لَوْ حَالَ الْحَوْلُ وَالْمَالُ فِي الْبَحْرِ حَرُمَ نَقْلُهَا إلَى الْبَرِّ أَوْ حَالَ الْحَوْلُ وَالْقَفْلُ مَارُّونَ فَإِنَّهُ يَجِبُ دَفْعُهَا لِمَنْ فِيهِمْ.
وَقَوْلُهُ " فَإِنْ عُدِمَتْ الْأَصْنَافُ إلَخْ " مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ " مَعَ وُجُودِ الْمُسْتَحِقِّينَ " قَوْلُهُ: (أَوْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ) أَيْ أَوْ لَمْ يُعْدَمُ الْبَعْضُ لَكِنْ فَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ قَوْلُهُ: (رَدَّ نَصِيبَ الْبَعْضِ) أَيْ فِي الْأُولَى، وَقَوْلُهُ " أَوْ الْفَاضِلِ " أَيْ فِي الثَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ: (إنْ نَقَصَ نَصِيبُهُمْ عَنْ كِفَايَتِهِمْ) فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ نَقَلَ ذَلِكَ إلَى ذَلِكَ الصِّنْفِ بِأَقْرَبَ بَلَدٍ قَوْلُهُ: (قُوتِلُوا) لِأَنَّ أَخْذَهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَصِحُّ إبْرَاؤُهُمْ رَبَّ الْمَالِ مِنْهَا إنْ قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا يَبْرَأُ مِنْهَا م ر؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الدُّيُونِ وَالزَّكَاةُ أَعْيَانٌ
قَوْلُهُ: (فَرْعٌ) الْفَرْعُ اصْطِلَاحًا مَا انْدَرَجَ تَحْتَ أَصْلٍ كُلِّيٍّ وَأَمَّا لُغَةً فَمَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ مَرْحُومِيٌّ وَقَوْلُهُ مَا انْدَرَجَ إلَخْ كَقَامَ زَيْدٌ الْمُنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِنَا الْفَاعِلُ مَرْفُوعٌ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ الْكُلِّيُّ وَقَوْلُهُ (مَا بُنِيَ عَلَى غَيْرِهِ) كَفُرُوعِ الشَّجَرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّجَرَةِ وَكَانَ الْأَوْلَى فُرُوعٌ لِأَنَّهَا ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ لَوْ كَانَ شَخْصٌ إلَخْ وَالثَّانِي وَلَوْ قَالَ شَخْصٌ إلَخْ الثَّالِثُ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَخْ قَوْلُهُ (فَلَوْ دَفَعَ) أَيْ صَاحِبُ الدَّيْنِ إلَيْهِ أَيْ الْمَدِينِ شَيْئًا مِنْ الزَّكَاةِ وَشَرَطَ أَيْ صَاحِبُ الدَّيْنِ إلَخْ فَهَذَا رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ (لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ لَمْ يُجْزِهِ مَا دَفَعَهُ لِلْمَدِينِ عَنْ الزَّكَاةِ قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ) بِهَا أَيْ بِالزَّكَاةِ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ قَوْلُهُ (وَلَوْ نَوَيَاهُ) أَيْ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَقَوْلُهُ (بِهَا) أَيْ بِالزَّكَاةِ قَوْلُهُ فَقَالَ أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ كَانَ وَدِيعَةً أَيْ إذَا كَانَ الْمَالُ وَدِيعَةً عِنْدَ الْمُسْتَحِقِّ فَمَلَّكَهُ الْمَالِكُ إيَّاهُ زَكَاةً أَجْزَأَ أَيْ قَالَ الْمُودِعُ لِلْوَدِيعِ خُذْ الْمَالَ الَّذِي عِنْدَك وَدِيعَةً مِنْ زَكَاتِي فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالدَّيْنِ بِتَعَلُّقِ مِلْكِهِ بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ الدَّيْنِ م د
قَوْلُهُ: (وَخَمْسَةٌ لَا يَجُوزُ إلَخْ) وَمِثْلُهُمْ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ قَبْضِهِمْ، فَلَا يَصِحُّ إلَّا قَبْضُ الْوَلِيِّ عَنْهُمْ قَوْلُهُ: (الْغَنِيُّ بِمَالٍ إلَخْ) فَائِدَةٌ: الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ، خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ.
وَلَا يُنَافِيهِ دُخُولُ الْفُقَرَاءِ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ أَيْ بِمِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا أَيَّامَ فِيهَا لِجَوَازِ اخْتِصَاصِ الْمَفْضُولِ بِمِزْيَةٍ لَيْسَتْ فِي الْفَاضِلِ اهـ
بِهِ يَكْفِيهِ.
(وَ) الثَّانِي (الْعَبْدُ) غَيْرُ الْمُكَاتَبِ إذْ لَا حَقَّ فِيهَا لِمَنْ بِهِ رِقٌّ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ.
(وَ) الثَّالِثُ (بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ: «لَا أُحِلُّ لَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْ الصَّدَقَاتِ شَيْئًا إنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيكُمْ أَوْ يُغْنِيكُمْ» أَيْ بَلْ يُغْنِيكُمْ، وَلَا تَحِلُّ أَيْضًا لِمَوَالِيهِمْ لِخَبَرِ «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» . (وَ) الرَّابِعُ (مَنْ تَلْزَمُ الْمُزَكِّيَ نَفَقَتُهُ) بِزَوْجِيَّةٍ أَوْ بَعْضِيًّا (لَا يَدْفَعُهَا إلَيْهِمْ بِاسْمِ) أَيْ مِنْ سَهْمِ (الْفُقَرَاءِ وَ) لَا مِنْ سَهْمِ (الْمَسَاكِينِ) لِغِنَاهُمْ بِذَلِكَ وَلَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِمْ مِنْ سَهْمِ بَاقِي الْأَصْنَافِ إذَا كَانُوا بِتِلْكَ الصِّفَةِ إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ عَامِلَةً وَلَا غَازِيَةً كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْرَدَ الْمُصَنِّفُ الضَّمِيرَ فِي نَفَقَتِهِ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ، وَجَمَعَهُ فِي إلَيْهِمْ حَمْلًا عَلَى مَعْنَاهُ.
وَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ بِالْمُزَكِّي.
إذْ مَنْ يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُزَكِّي نَفَقَتُهُ كَذَلِكَ فَلَوْ حَذَفَهُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَشْمَلَ.
(وَ) الْخَامِسُ (لَا تَصِحُّ لِلْكَافِرِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» نَعَمْ، الْكَيَّالُ
[حاشية البجيرمي]
بِرْمَاوِيٌّ.
وَنِصْفُ الْيَوْمِ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47] قَوْلُهُ: (حَاضِرٍ عِنْدَهُ) أَيْ لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْعُمُرِ الْغَالِبِ لَخَصَّ كُلَّ يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ ق ل قَوْلُهُ: (إذْ لَا حَقَّ فِيهَا إلَخْ) فِيهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ كَالْمُصَادَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيفًا كَالْعَبَّاسِيَّةِ وَالْعَلَوِيَّةِ فَلَا يُعْطَوْنَ وَإِنْ مُنِعُوا حَقَّهُمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ح ل. وَالْمُرَادُ بِالْعَبَّاسِيَّةِ الْمَنْسُوبُونَ لِلْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالْعَلَوِيَّةِ الْمَنْسُوبُونَ لِعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ غَيْرِ فَاطِمَةَ كَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَوْلَادِهِ؛ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْأَشْرَافَ مَنْ نُسِبُوا لِلْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ فَيَكُونُ آلُ الْبَيْتِ أَعَمَّ مِنْ الْأَشْرَافِ.
وَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِنَا حُرْمَةُ الصَّدَقَتَيْنِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحُرْمَةُ صَدَقَةِ الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ عَلَى آلِهِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِآلِ مُحَمَّدٍ لَا فَرْضُهَا وَلَا نَفْلُهَا، وَلَا لِمَوَالِيهِمْ إذْ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَاخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ: هَلْ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تُشَارِكُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ؟ فَذَهَبَ الْحَسَنُ إلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ، وَذَهَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إلَى اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ دُونَهُمْ؛ ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي السِّيرَةِ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَكَالزَّكَاةِ كُلُّ وَاجِبٍ كَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِالنَّذْرِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ عَلَى أَوْجَهِ احْتِمَالَيْنِ، كَمَا يُؤْخَذُ تَرْجِيحُ ذَلِكَ مِنْ إفْتَاءِ الْوَالِدِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْأُضْحِيَّةُ الْوَاجِبَةُ وَالْجُزْءُ الْوَاجِبُ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ) أَيْ لِأَنَّ بَقَاءَهَا فِي الْأَمْوَالِ يُدَنِّسُهَا كَمَا يُدَنِّسُ الثَّوْبَ الْوَسَخُ.
وَالْأَوْسَاخُ جَمْعُ وَسَخٍ وَهُوَ لُغَةً مَا يَعْلُو الثَّوْبَ وَغَيْرَهُ مِنْ قِلَّةِ التَّعَهُّدِ قَوْلُهُ: (إنَّ لَكُمْ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيهِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَهُ بِتَمَامِهِ قَوْلُهُ: (لِمَوَالِيهِمْ) أَيْ لِعُتَقَائِهِمْ ق ل قَوْلُهُ: (لَا يَدْفَعُهَا إلَيْهِمْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَقْيِيدٌ لِمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْعَطْفِ مِنْ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِمَنْ تَلْزَمُ الْمُزَكِّيَ نَفَقَتُهُ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا لَا بِاسْمِ الْفُقَرَاءِ وَلَا غَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ " بِاسْمِ الْفُقَرَاءِ إلَخْ " أَمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الدَّفْعُ لَهُمْ؛ وَلَوْ قَالَ: بِوَصْفِ الْفُقَرَاءِ لَكَانَ أَنْسَبَ قَوْلُهُ: (وَلَا غَازِيَةً) أَيْ وَلَا مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ أَقْسَامِ الْمُؤَلَّفَةِ، مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ: (وَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْمُسْتَغْنِيَ بِالنَّفَقَةِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُزَكِّي هُوَ الْمُنْفِقَ عَلَيْهِ أَمْ لَا قَوْلُهُ: (نَعَمْ الْكَيَّالُ) أَيْ وَالْوَزَّانُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا مَيَّزُوا بَيْنَ أَنْصِبَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ مَيَّزُوا الزَّكَاةَ مِنْ الْمَالِ فَأُجْرَتُهُمْ عَلَى الْمَالِكِ لَا مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَإِنَّمَا جَازَ فِي الْحَمَّالِ وَالْكَيَّالِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ هَاشِمِيًّا أَوْ مُطَّلِبِيًّا لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةٌ لَا زَكَاةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ زَكَاةً حَقِيقَةً كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَمِثْلُهُ خ ض.
وَالْحَمَّالُ وَالْحَافِظُ وَنَحْوَهُمْ يَجُوزُ كَوْنُهُمْ كُفَّارًا مُسْتَأْجَرِينَ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ لِأَنَّ ذَلِكَ أُجْرَةٌ لَا زَكَاةٌ.
.
تَنْبِيهٌ: يَجِبُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ فَوْرًا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ بِحُضُورِ مَالٍ وَآخِذٍ لِلزَّكَاةِ مِنْ إمَامٍ أَوْ سَاعٍ أَوْ مُسْتَحِقٍّ، وَبِجَفَافِ تَمْرٍ وَتَنْقِيَةِ حَبٍّ وَخُلُوِّ مَالِكٍ مِنْ مُهِمٍّ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ كَصَلَاةٍ وَأَكْلٍ، وَبِقُدْرَةٍ عَلَى غَائِبٍ قَارٍّ أَوْ عَلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ، وَبِزَوَالِ حَجْرِ فَلَسٍ وَتَقْرِيرِ أُجْرَةٍ قُبِضَتْ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَقْرِيرُ صَدَاقٍ بِمَوْتٍ أَوْ وَطْءٍ.
وَفَارَقَ الْأُجْرَةَ بِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنَافِعِ فَبِفَوَاتِهَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِخِلَافِ الصَّدَاقِ، فَإِنْ أَخَّرَ أَدَاءَهَا وَتَلِفَ الْمَالُ ضَمِنَ وَلَهُ أَدَاؤُهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا إلَّا إنْ طَلَبَهَا إمَامٌ عَنْ مَالٍ ظَاهِرٍ فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا لَهُ، وَلَهُ دَفْعُهَا إلَى الْإِمَامِ بِلَا طَلَبٍ مِنْهُ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَفْرِيقِهَا بِنَفْسِهِ.
.
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ: " لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ إلَخْ " فِيهِ قُصُورٌ إذْ الِاسْتِئْجَارُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَأَوْلَى مِنْ كَلَامِهِ قَوْلُ ق ل. قَوْلُهُ " نَعَمْ إلَخْ " أَيْ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْهَا أُجْرَةُ عَمَلِهِمْ سَوَاءٌ وَقَعَتْ إجَارَةً أَوْ لَا فَسُومِحَ فِي كَوْنِهِ مِنْ الزَّكَاةِ
قَوْلُهُ: (أَدَاءُ الزَّكَاةِ) أَيْ زَكَاةِ الْمَالِ، فَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ وَتَقْرِيرِ الْأُجْرَةِ، أَمَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فَمُوَسَّعَةٌ بِلَيْلَةِ الْعِيدِ وَيَوْمِهِ قَوْلُهُ: (وَتَنْقِيَةِ حَبٍّ) أَيْ وَتِبْرٍ وَمَعْدِنٍ قَوْلُهُ: (كَصَلَاةٍ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ.
قَوْلُهُ: (وَبِقُدْرَةٍ عَلَى غَائِبٍ) بِأَنْ سَهَّلَ الْوُصُولَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ " قَارٍّ " احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْمَالِ السَّائِرِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَلَا تَجِبُ فِيهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَالِكِهِ لِأَنَّهُ غَائِبٌ فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ وَهُوَ لَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحِلَّ، وَهُوَ عَلَى مُوسِرٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ عَلَى اسْتِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ " بِأَنْ كَانَ عَلَى مَلِيءٍ حَاضِرٍ بَاذِلٍ أَوْ عَلَى جَاحِدٍ وَبِهِ حُجَّةٌ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ أَوْ تَمَكَّنَ مِنْ الظَّفَرِ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ غَيْرِ جِنْسِهِ شَرْحُ م ر قَوْلُهُ: (وَبِزَوَالِ حَجْرِ فَلْسٍ) أَيْ إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ مُتَعَلِّقَةً بِالذِّمَّةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْعَيْنِ فَيُخْرِجُهَا حَالًّا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى زَوَالِ الْحَجْرِ س ل. فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً سَائِمَةً وَمَضَى عَلَيْهَا حَوْلٌ فَالزَّكَاةُ حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَيْنِ فَيَجِبُ إخْرَاجُ الشَّاةِ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَزَلْ عَنْهُ الْحَجْرُ قَوْلُهُ: (وَتَقْرِيرِ أُجْرَةٍ) الْأَوْلَى وَتَقَرَّرَتْ أُجْرَةً بِالْعَطْفِ عَلَى تَمَكَّنَ، إذْ هَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى التَّمَكُّنِ لَا مِنْهُ.
وَمَعْنَى تَقْرِيرِهَا أَنَّهُ صَارَ آمِنًا مِنْ سُقُوطِهَا بِأَنْ مَضَتْ الْمَنْفَعَةُ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَتَقَرَّرَتْ أُجْرَةً، وَأَشَارَ فِي الشَّرْحِ إلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى تَمَكَّنَ؛ قَالَ فِي الشَّرْحِ فَلَوْ أَجَّرَهُ " دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَقَبَضَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ كُلَّ سَنَةٍ إلَّا إخْرَاجُ حِصَّةِ مَا تَقَرَّرَ مِنْهَا فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهَا ضَعِيفٌ لِتَعَرُّضِهِ لِلزَّوَالِ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ اهـ. فَيُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الْأُولَى زَكَاةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لِسَنَةٍ وَهِيَ نِصْفٌ وَثُمُنٌ، وَعِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ يُخْرِجُ زَكَاةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ لِسَنَةٍ وَهِيَ نِصْفُ دِينَارٍ وَثُمُنٌ كَمَا مَرَّ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لِسَنَتَيْنِ وَهِيَ نِصْفَانِ وَثُمُنَانِ؛ فَجُمْلَةُ مَا يُخْرِجُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ دِينَارٌ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ دِينَارٍ، وَعِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ زَكَاةَ خَمْسِينَ لِسَنَةٍ وَهِيَ نِصْفَانِ وَثُمُنَانِ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لِثَلَاثِ سِنِينَ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ وَثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ.
فَجُمْلَةُ مَا يُخْرِجُهُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ وَثُمُنٌ، وَعِنْدَ تَمَامِ الرَّابِعَةِ زَكَاةَ خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَنَةٍ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْصَافٍ وَثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ وَزَكَاةَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَرْبَعِ سِنِينَ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْصَافِ دِينَارٍ وَأَرْبَعَةُ أَثْمَانِهِ.
اهـ. شَرْحُ الْمُحَرَّرِ وَحَوَاشِيهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ الدَّنَانِيرِ الْمَذْكُورَةِ، فَمَجْمُوعُ الْمُخْرَجِ عَنْ الْمِائَةِ فِي السِّنِينَ الْأَرْبَعِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْمِائَةِ كُلَّ سَنَةٍ دِينَارَانِ وَنِصْفٌ لِأَنَّهَا رُبُعُ عُشْرِهَا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الصَّدَاقِ) فَإِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَقًّا فِي مُقَابَلَةِ الْمَنَافِعِ، بِدَلِيلِ تَقَرُّرِهِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
قَوْلُهُ: (وَضَمِنَ) أَيْ حَقَّ الْمُسْتَحِقِّينَ أَيْ بِأَنْ يَدْفَعَ مَا كَانَ يَدْفَعُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَالِ، وَهَذَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ أَمَّا قَبْلَهُ فَلَا ضَمَانَ؛ وَهَذَا فِي التَّلَفِ أَمَّا إتْلَافُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَيَضْمَنُ مُطْلَقًا تَمَكَّنَ أَمْ لَا، بِخِلَافِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مَالٍ ظَاهِرٍ) وَهُوَ مَاشِيَةٌ وَزَرْعٌ وَرِكَازٌ وَثَمَرٌ، وَالْبَاطِنُ نَقْدٌ وَمَعْدِنٌ وَعَرْضُ تِجَارَةٍ.
وَأَلْحَقَ بِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ لِأَنَّ مُوجِبَهَا الْيَسَارُ، وَهُوَ مِمَّا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا لَهُ) وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لِنَفَاذِ حُكْمِهِ وَعَدَمِ انْعِزَالِهِ بِالْجَوْرِ، وَيَبْرَأُ بِالدَّفْعِ لَهُ وَإِنْ قَالَ: أَنَا آخُذُهَا مِنْك وَأَصْرِفُهَا فِي الْفِسْقِ اهـ مِنْ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَفْضَلُ) أَيْ أَدَاؤُهَا لِلْإِمَامِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]
وَتَجِبُ نِيَّةٌ فِي الزَّكَاةِ كَهَذَا زَكَاتِي أَوْ فَرْضُ صَدَقَتِي أَوْ صَدَقَةُ مَالِي الْمَفْرُوضَةُ، وَلَا يَكْفِي فَرْضُ مَالِي لِأَنَّهُ يَكُونُ كَفَّارَةً وَنَذْرًا، وَلَا صَدَقَةُ مَالِي لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ نَافِلَةً، وَلَا يَجِبُ فِي النِّيَّةِ تَعْيِينُ مَالٍ فَإِنْ عَيَّنَهُ لَمْ يَقَعْ عَنْ غَيْرِهِ، وَتَلْزَمُ الْوَلِيَّ عَنْ مَحْجُورِهِ، وَتَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَ عَزْلِهَا عَنْ الْمَالِ وَبَعْدَهُ وَعِنْدَ دَفْعِهَا لِإِمَامٍ أَوْ وَكِيلٍ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَا عِنْدَ تَفْرِيقٍ أَيْضًا، وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي النِّيَّةِ وَلَا يَكْفِي نِيَّةُ إمَامٍ عَنْ الْمُزَكِّي بِلَا إذْنٍ مِنْهُ إلَّا عَنْ مُمْتَنِعٍ مِنْ أَدَائِهَا فَتَكْفِي وَتَلْزَمُهُ إقَامَةً لَهَا مَقَامَ نِيَّةِ الْمُزَكِّي، وَالزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ بِقَدْرِهَا.
فَلَوْ بَاعَ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الزَّكَاةُ أَوْ بَعْضَهُ قَبْلَ إخْرَاجِهَا بَطَلَ فِي قَدْرِهَا إلَّا إنْ بَاعَ مَالَ تِجَارَةٍ بِلَا مُحَابَاةٍ فَلَا يَبْطُلُ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الزَّكَاةِ الْقِيمَةُ وَهِيَ لَا تَفُوتُ بِالْبَيْعِ.
وَسُنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ
[حاشية البجيرمي]
مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ، وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْمَالِ فَإِنَّ إبْدَاءَ الْفَرْضِ لِغَيْرِهِ أَفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " صَدَقَةُ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلَانِيَتَهَا بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَصَدَقَةُ الْفَرْضِ عَلَانِيَتُهَا أَفْضَلُ مِنْ سِرِّهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ". وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: قَوْلُهُ: " وَهُوَ أَفْضَلُ " أَيْ إنْ كَانَ عَادِلًا فِيهَا اهـ. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلِ وَالْجَوْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّكَاةِ سَوَاءٌ أَجَارَ فِي غَيْرِهَا أَوْ لَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ زِيَادِيٌّ.
وَإِنَّمَا كَانَ دَفْعُهَا لِلْإِمَامِ أَفْضَلَ بِقَيْدِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمُسْتَحَقِّينَ، فَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِيهَا فَتَفْرِيقُ الْمَالِكِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَفْضَلُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ فِي النِّيَّةِ تَعْيِينُ مَالٍ) أَيْ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ، فَلَوْ مَلَكَ مِنْ الدَّرَاهِمِ نِصَابًا حَاضِرًا وَنِصَابًا غَائِبًا فَأَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا ثُمَّ بَانَ تَلَفُ الْغَائِبِ فَلَهُ جَعْلُ الْمُخْرَجِ عَنْ الْحَاضِرِ، فَلَوْ كَانَ نَوَى الْمُخْرَجَ عَنْ الْغَائِبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إلَى الْحَاضِرِ، فَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ بَانَ الْمَنْوِيُّ تَالِفًا فَعَنْ غَيْرِهِ فَبَانَ تَالِفًا وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَتَكْفِي النِّيَّةُ إلَخْ) فَلَوْ دَفَعَهَا بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَقَوْلُهُ " وَبَعْدَهُ " حَتَّى لَوْ اسْتَقَلَّ الْمُسْتَحِقُّ بِقَبْضِهَا اعْتَدَّ بِهِ أَوْ دَفَعَهَا مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلزَّكَاةِ كَصَبِيٍّ وَكَافِرٍ اعْتَدَّ بِهِ ز ي.
قَوْلُهُ: (تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ) وَإِنَّمَا جَازَ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ لِبِنَاءِ أَمْرِهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ وَالْإِرْفَاقِ؛ وَالْوَاجِبُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ كَشَاةٍ وَاجِبَةٍ فِي الْإِبِلِ مَلَكَ الْمُسْتَحِقُّونَ بِقَدْرِ قِيمَتِهَا مِنْ الْإِبِلِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ كَشَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَهَلْ الْوَاجِبُ شَاةٌ مُبْهَمَةٌ أَوْ جُزْءٌ مِنْ كُلِّ شَاةٍ؟ وَجْهَانِ، أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَ فِي قَدْرِهَا) وَإِنْ أَبْقَى فِي الثَّانِيَةِ قَدْرَهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْتَحِقِّينَ شَائِعٌ، فَأَيُّ قَدْرٍ بَاعَهُ كَانَ حَقَّهُ وَحَقَّهُمْ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (أَيْضًا بَطَلَ فِي قَدْرِهَا) أَيْ إنْ كَانَ مِنْ الْجِنْسِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ كَشَاةٍ فِي خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ لِلْجَهْلِ بِقِيمَةِ الشَّاةِ لَا فِي قَدْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
اهـ. عَنَانِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " فِي قَدْرِهَا " أَيْ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ كُلِّ شَاةٍ فِي مَسْأَلَةِ الشِّيَاهِ مَثَلًا، كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْوَاجِبَ شَائِعٌ لَا مُبْهَمٌ، وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ عَنْ الْقَمُولِيِّ.
اهـ. سم عَلَى حَجّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، قَالَ سم: أَيْ بِأَنْ يَرُدَّ شَاةً فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْبَعِينَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَرُدُّ قَدْرَهَا مُتَمَيِّزًا لَا شَائِعًا.
إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ بَعْدَ رَدِّ الْمُشْتَرِي قَدْرَهَا مُتَمَيِّزًا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِ مَا بَقِيَ بِيَدِهِ فَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي جُزْءٍ مِنْ كُلِّ شَاةٍ، ثُمَّ إذَا رَدَّ الْمُشْتَرِي وَاحِدًا مِنْهَا انْقَلَبَ الْبَيْعُ صَحِيحًا فِي جَمِيعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا عَدَا هَذِهِ الْوَاحِدَةَ.
وَقَدْ يُجَابُ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ شَرِكَةُ الْمُسْتَحِقِّ ضَعِيفَةً غَيْرَ حَقِيقِيَّةٍ ضَعُفَ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي كُلِّ جُزْءٍ وَجَازَ أَنْ يَرْتَفِعَ هَذَا الْحُكْمُ بِرَدِّ الْمُشْتَرِي وَاحِدَةً إلَى الْبَائِعِ، أَوْ بِأَنَّ غَايَةَ الْبُطْلَانِ بَقَاءُ مِلْكِ الْمُسْتَحِقِّ بِجُزْءٍ مِنْ كُلِّ شَاةٍ وَهُوَ يَنْقَطِعُ بِرَدِّ شَاةٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الِاسْتِبْدَالِ؛ لَكِنْ قِيَاسُ أَنَّ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ الْبَيْعُ جُزْءٌ مِنْ كُلِّ شَاةٍ مَثَلًا أَنَّ الَّذِي يَرُدُّهُ الْمُشْتَرِي جُزْءٌ مِنْ كُلِّ شَاةٍ.
قَوْلُهُ: (بِلَا مُحَابَاةٍ) أَيْ مُرَاعَاةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُسَامَحَةُ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ.
فَإِنْ بَاعَهُ بِمُحَابَاةٍ فَيَبْطُلُ فِيمَا قِيمَتُهُ قَدْرُ
يُعْلِمَ شَهْرًا لِأَخْذِ الزَّكَاةِ، وَسُنَّ أَنْ يَكُونَ الْمُحَرَّمَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنْ يَسِمَ نَعَمَ زَكَاةٍ وَفَيْءٍ لِلِاتِّبَاعِ فِي مَحَلٍّ صُلْبٍ ظَاهِرٍ لِلنَّاسِ لَا يَكْثُرُ شَعْرُهُ، وَحَرُمَ الْوَسْمُ فِي الْوَجْهِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ.
تَتِمَّةٌ: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلِذِي الْقُرْبَى لَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَحِلُّ لِكَافِرٍ وَدَفْعُهَا سِرًّا وَفِي رَمَضَانَ، وَلِنَحْوِ قَرِيبٍ كَزَوْجَةٍ وَصَدِيقٍ فَجَارٌ قَرِيبٌ فَأَقْرَبُ أَفْضَلُ، وَيَحْرُمُ بِمَا يَحْتَاجُهُ مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا لِمُمَوِّنِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ أَوْ لِدَيْنٍ لَا يَظُنُّ لَهُ وَفَاءً لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، وَتُسَنُّ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِنَفْسِهِ وَمُمَوِّنِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَفَصْلِ كِسْوَتِهِ وَوَفَاءِ دَيْنِهِ إنْ صَبَرَ عَلَى الْإِضَافَةِ وَإِلَّا كُرِهَ كَمَا فِي الْمُهَذَّبِ.
وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ وَأَمَامَ الْحَاجَاتِ وَعِنْدَ كُسُوفٍ وَمَرَضٍ وَسَفَرٍ وَحَجٍّ وَجِهَادٍ، وَفِي أَزْمِنَةٍ وَأَمْكِنَةٍ فَاضِلَةٍ كَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَخُصَّ بِصَدَقَتِهِ أَهْلَ الْخَيْرِ وَالْمُحْتَاجِينَ وَلَوْ كَانَ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] وَمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كُرِهَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ مِنْ جِهَةِ مَنْ دَفَعَهُ إلَيْهِ بِمُعَاوَضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَيَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَيَبْطُلُ بِهِ ثَوَابُهَا، وَيُسَنُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا يُحِبُّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] .
[حاشية البجيرمي]
الزَّكَاةِ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَيَصِحُّ فِي الْبَاقِي تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ، ابْنُ حَجَرٍ.
كَأَنْ بَاعَ مَا يُسَاوِي أَرْبَعِينَ مِثْقَالًا بِعِشْرِينَ مِثْقَالًا فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي رُبُعِ عُشْرِ الْمُحَابِي بِهِ، وَهُوَ مَا يُقَابِلُ نِصْفَ مِثْقَالٍ مِنْ الْعِشْرِينَ النَّاقِصَةِ مِنْ ثَمَنِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَسِمَ) مِنْ الْوَسْمِ بِالْمُهْمَلَةِ أَوْ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ الْكَيُّ بِالنَّارِ، وَهُوَ جَائِزٌ لِحَاجَةٍ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَكَذَا خِصَاءُ صِغَارِ الْمَأْكُولِ لِإِكْبَارِهِ وَلَا غَيْرِ الْمَأْكُولِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمَ زَكَاةٍ وَفَيْءٍ) خَرَجَ نَعَمُ غَيْرِهَا، فَوَسْمُهُ مُبَاحٌ لَا مَنْدُوبٌ وَلَا مَكْرُوهٌ؛ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ سم: مَحَلُّهُ إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ وَإِلَّا حَرُمَ.
قَوْلُهُ: (صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ) وَقَدْ يَعْرِضُ مَا يُحَرِّمُهَا كَأَنْ يَعْلَمَ مِنْ آخِذِهَا أَنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي مَعْصِيَةٍ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَرْضِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَرَادَ بِالتَّطَوُّعِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ " سُنَّةٌ " وَسَقَطَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالسُّنَّةِ عَنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
اهـ. م د. وَعِبَارَةُ س ل عَلَى الْمَنْهَجِ: وَدِرْهَمُ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ دِرْهَمِ الْقَرْضِ، لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَمَنْ أَقْرَضَ مُسْلِمًا دِرْهَمًا مَرَّتَيْنِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ صَدَقَةٍ مَرَّةً» وَلَا يُعَارِضُهُ مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: رَأَيْت مَكْتُوبًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ؛ فَقُلْت: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ قَدْ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ» لِأَنَّ الْخَبَرَ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، وَانْفَرَدَ بِالثَّانِي خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الشَّامِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْقَرْضُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الِابْتِدَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ صَوْنِ وَجْهِ مَنْ لَمْ يَعْتَدْ السُّؤَالَ، وَالصَّدَقَةُ مِنْ حَيْثُ الِانْتِهَاءُ لِمَا فِيهَا مِنْ عَدَمِ رَدِّ الْمُقَابِلِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
أَوْ يُقَالُ: إنَّ عَشَرَةَ الصَّدَقَةِ أَكْبَرُ مِنْ الثَّمَانِيَة عَشَرَ وَإِنْ كَانَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ أَكْثَرَ عَدَدًا كَمَا قَالُوهُ فِي الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ دَرَجَةً وَالسَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِنَحْوِ قَرِيبٍ) سَوَاءٌ أَلْزَمْت الدَّافِعَ نَفَقَتَهُ أَمْ لَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرُمُ بِمَا يَحْتَاجُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْإِضَاقَةِ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] قَوْلُهُ: (وَفَصْلَ كِسْوَتِهِ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَنْصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلَى الظَّرْفِ.
قَوْلُهُ: (وَوَفَاءِ دَيْنِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " لِنَفْسِهِ ". قَوْلُهُ: (وَإِلَّا كُرِهَ) أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ) وَهُوَ تَعْدَادُ النِّعَمِ عَلَى الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ، نَعَمْ إنْ كَانَ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ لَمْ يُطْلَبْ تَرْكُهُ كَأَنْ وَجَدَ مِنْ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ سَبًّا لِلْمُنْعِمِ فَذَكَرَهَا لَهُ لِيَكُفَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمَنُّ مِنْ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ مَحْمُودٌ ق ل.
كِتَابُ الصِّيَامِ هُوَ وَالصَّوْمُ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مَرْيَمَ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] أَيْ إمْسَاكًا وَسُكُوتًا عَنْ الْكَلَامِ وَشَرْعًا إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ مَعَ النِّيَّةِ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَةُ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] وَخَبَرُ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَفُرِضَ فِي شَعْبَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: صَائِمٌ وَنِيَّةٌ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ الصِّيَامِ]
ِ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَجِّ نَظَرًا لِكَثْرَةِ أَفْرَادِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْحَجِّ، فَيَكُونُ الصَّوْمُ أَفْضَلَ مِنْ الْحَجِّ؛ وَقِيلَ: الْحَجُّ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ وَيُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ.
وَأَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ بِالْيَاءِ وَالشَّارِحُ ذَكَرَهُ بِالْوَاوِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْفِعْلَ وَهُوَ " صَامَ " لَهُ مَصْدَرَانِ: بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ لُغَةً وَشَرْعًا، وَالْأَوَّلُ مَصْدَرٌ سَمَاعِيٌّ وَالثَّانِي قِيَاسِيٌّ؛ وَأَصْلُهُ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ.
وَأَمَّا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَمِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَسُكُوتًا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (إمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرِ) أَيْ إمْسَاكُ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ عَنْ الْمُفْطِرِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ بِالنِّيَّةِ سَالِمًا مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ جَمِيعَ النَّهَارِ وَمِنْ الْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ فِي بَعْضِهِ، م ر مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ مِنْ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ النِّيَّةِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ " عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ " وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْهَا م ر. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ مَا عَدَا النِّيَّةَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] وَالْمُرَادُ بِالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ جَمَعَهَا جَمْعَ قِلَّةٍ لِيُهَوِّنَهَا، وَقَوْلُهُ: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 183] إنْ كَانَ التَّشْبِيهُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ كَانَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ مَا مِنْ أُمَّةٍ إلَّا وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْهَا شَهْرُ رَمَضَانَ إلَّا أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الصَّوْمِ كَانَ أَيْ صَوْمُ رَمَضَانَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ " صُومُوا " لِدَلَالَةِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَنْصُوبًا بِالصِّيَامِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] لِوُقُوعِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا، وَالْمَصْدَرُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْمُولِهِ، وَلَيْسَ مَنْصُوبًا بِتَتَّقُونَ بَلْ مَفْعُولُ تَتَّقُونَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَتَّقُونَ الْمَعَاصِيَ.
قَوْلُهُ: (فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ) فَصَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ ثَمَانِيَةٌ نَوَاقِصُ وَوَاحِدٌ كَامِلٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالنَّاقِصُ كَالْكَامِلِ فِي الثَّوَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِأَيَّامِهِ، أَمَّا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ ثَوَابِ وَاجِبِهِ وَمَنْدُوبِهِ عِنْدَ سُحُورِهِ وَفُطُورِهِ فَهُوَ زِيَادَةٌ يَفُوقُ الْكَامِلُ بِهَا النَّاقِصَ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ) وَالْمُصَنِّفُ مَشَى فِيمَا سَيَأْتِي عَلَى أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ وَهِيَ الْفَرَائِضُ الْآتِيَةُ أج.
وَلَا يُنَافِي عَدُّ الْأَخِيرَيْنِ فِيمَا سَيَأْتِي مِنْ الْفُرُوضِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ يُقَالُ لَهُ فَرْضٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ (صَائِمٌ) عَدَّ الصَّائِمَ هُنَا رُكْنًا لِعَدَمِ
وَإِمْسَاكٌ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ.
.
وَيَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» وَوُجُوبُهُ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ فَهُوَ كَافِرٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ تَرَكَ صَوْمَهُ غَيْرَ جَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ كَأَنْ قَالَ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَيَّ وَلَكِنْ لَا أَصُومُ حُبِسَ وَمُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ نَهَارًا لِيَحْصُلَ لَهُ صُورَةُ الصَّوْمِ بِذَلِكَ.
وَتَثْبُتُ رُؤْيَتُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَهُ بِعَدْلِ شَهَادَةٍ «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: أَخْبَرْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية البجيرمي]
وُجُودِ صُورَةٍ لِلصَّوْمِ فِي الْخَارِجِ كَمَا فِي نَحْوِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ نَحْوِ الصَّلَاةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (رَمَضَانَ) وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إطْلَاقُ رَمَضَانَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ شَهْرٍ؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الشَّهْرُ بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّمَضِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ لِمَجِيئِهِ غَالِبًا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، أَوْ مِنْ الرَّمَضِ وَهُوَ الْإِحْرَاقُ لِرَمَضِ الذُّنُوبِ فِيهِ أَيْ إحْرَاقِهَا.
قَوْلُهُ: (بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ) بَلْ بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ، وَالثَّالِثُ: ثُبُوتُ رَمَضَانَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِعَدْلِ شَهَادَةٍ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَهُ كَمَا سَيَأْتِي، وَالرَّابِعُ: ظَنُّ دُخُولِهِ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، كَأَنْ كَانَ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا كَمَا سَيَأْتِي أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ) لَوْ قَالَ: بِكَمَالِ، لَكَانَ أَوْلَى؛ وَالْعَطْفُ بِ " أَوْ " بَعْدَ الثَّنِيَّةِ جَائِزٌ اسْتِعْمَالًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ) أَيْ فِي حَقِّ مَنْ رَآهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا.
قَوْلُهُ: (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ) فَلَا أَثَرَ لِرُؤْيَتِهِ نَهَارًا، فَلَوْ رُئِيَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ وَلَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ نُفْطِرْ وَلَا نُمْسِكْ إنْ رُئِيَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ، مَرْحُومِيٌّ: وَالْغَايَةُ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) دَلِيلٌ لِلْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ إلَخْ) أَيْ لِيَصُمْ كُلٌّ مِنْكُمْ وَيُفْطِرْ كُلٌّ مِنْكُمْ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْكُلِّيَّةِ أَيْ الْحُكْمِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْطِرُوا) بِهَمْزَةِ الْقَطْعِ.
قَوْلُهُ: (لِرُؤْيَتِهِ) فِيهِ اسْتِخْدَامٌ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي الْأَوَّلِ عَائِدٌ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، وَفِي الثَّانِي عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ، أَوْ الضَّمِيرُ الثَّانِي رَاجِعٌ لِلْمُقَيَّدِ وَهُوَ الْهِلَالُ بِدُونِ قَيْدِهِ وَهُوَ رَمَضَانُ.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ» أَيْ اسْتَتَرَ عَنْكُمْ بِالْغَمَامِ ق ل. وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، وَمِثْلُهُ إذَا غُمَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَيَكْمُلُ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ.
قَوْلُهُ: (مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ) أَيْ مِنْ أَدِلَّةِ الدِّينِ، وَقَوْلُهُ " بِالضَّرُورَةِ " أَيْ عِلْمًا صَارَ كَالضَّرُورِيِّ فِي عَدَمِ خَفَائِهِ عَلَى أَحَدٍ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ كَافِرٌ) أَيْ مُرْتَدٌّ.
قَوْلُهُ (صُورَةُ الصَّوْمِ) أَيْ إنْ لَمْ يَنْوِهِ فَإِنْ نَوَاهُ حَصَلَ لَهُ حَقِيقَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَثْبُتُ رُؤْيَتُهُ) أَيْ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمِهِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ وحج بِأَنْ يَقُولَ: حَكَمْت بِثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ أَوْ ثَبَتَ عِنْدِي هِلَالُ رَمَضَانَ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ الصَّوْمُ، حَجّ.
قَوْلُهُ: (فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَهُ) أَمَّا مَنْ رَآهُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا بِالنَّظَرِ لِنَفْسِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، وَكَتَبَ ق ل عَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ: وَتَثْبُتُ رُؤْيَتُهُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَرَهُ إلَخْ، أَيْ مِمَّنْ مَطْلَعُهُ مُوَافِقٌ لِمَطْلَعِ مَحَلِّ الرُّؤْيَةِ بِأَنْ يَكُونَ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَالْكَوَاكِبِ وَطُلُوعُهَا فِي الْبَلَدَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ غَرَبَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ طَلَعَ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ قَبْلَهُ فِي الْآخَرِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى مَنْ لَمْ يَرَ بِرُؤْيَةِ الْبَلَدِ الْآخَرِ، حَتَّى لَوْ سَافَرَ مِنْ أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فَوَجَدَهُمْ صَائِمِينَ أَوْ مُفْطِرِينَ لَزِمَهُ مُوَافَقَتُهُمْ سَوَاءٌ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ آخِرِهِ وَهَذَا أَمْرٌ مَرْجِعُهُ إلَى طُولِ الْبِلَادِ وَعَرْضِهَا سَوَاءٌ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ أَوْ بَعُدَتْ، وَلَا نَظَرَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَعَدَمِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَتْ الرُّؤْيَةُ لِلْبَلَدِ الشَّرْقِيِّ لَزِمَ رُؤْيَتُهُ فِي الْبَلَدِ الْغَرْبِيِّ دُونَ عَكْسِهِ كَمَا فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَمِصْرَ الْمَحْرُوسَةِ، فَيَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي مَكَّةَ رُؤْيَتُهُ فِي مِصْرَ لَا عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ مِنْ أَفْرَادِ الْغُرُوبِ، وَمَا ذُكِرَ عَنْ شَيْخِنَا م ر وَعَنْ السُّبْكِيّ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: " وَأَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ اخْتِلَافُ الْمَطَالِعِ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَنِصْفِهَا وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا " غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ بَاطِلٌ وَكَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا إنَّهَا تَحْدِيدٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِعَدْلِ شَهَادَةٍ) وَإِنْ كَانَ الرَّائِي حَدِيدَ الْبَصَرِ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر، وَإِنْ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ: إنَّ الْحِسَابَ الْقَطْعِيَّ قَدْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ، خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حِينَئِذٍ وَحْدَهُ.
وَإِذَا صُمْنَا بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَفْطَرْنَا وَإِنْ لَمْ نَرَ الْهِلَالَ بَعْدَهَا وَلَمْ يَكُنْ غَيْمٌ وَلَا يَرِدُ لُزُومُ الْإِفْطَارِ بِوَاحِدٍ لِثُبُوتِ ذَلِكَ ضِمْنًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ " وَلَا
أَنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَهِدَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرُؤْيَتِهِ فَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» . وَالْمَعْنَى فِي ثُبُوتِهِ بِالْوَاحِدِ الِاحْتِيَاطُ لِلصَّوْمِ وَهِيَ شَهَادَةُ حِسْبَةٍ.
قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ: وَيَجِبُ الصَّوْمُ أَيْضًا عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ مَوْثُوقٌ بِهِ بِالرُّؤْيَةِ إذَا اعْتَقَدَ صِدْقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ، وَمَحَلُّ ثُبُوتِ رَمَضَانَ بِعَدْلٍ فِي الصَّوْمِ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ، وَتَوَابِعُهُ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الْمُعَلَّقِينَ بِدُخُولِ رَمَضَانَ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، كَدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ وَوُقُوعِ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ مُعَلَّقَيْنِ بِهِ هَذَا كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ إنْ سَبَقَ التَّعْلِيقُ الشَّهَادَةَ.
فَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِدُخُولِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ: إنْ ثَبَتَ رَمَضَانُ فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ زَوْجَتِي طَالِقٌ وَقَعَا، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالشَّاهِدِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ ثَبَتَ لِاعْتِرَافِهِ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُضَافُ إلَى الرُّؤْيَةِ وَإِكْمَالِ الْعِدَّةِ ظَنُّ دُخُولِهِ بِالِاجْتِهَادِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ الْأَمَارَةَ الدَّالَّةَ كَرُؤْيَةِ الْقَنَادِيلِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَنَائِرِ فِي آخِرِ شَعْبَانَ فِي حُكْمِ الرُّؤْيَةِ، وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ وَلَا يَجُوزُ، وَلَكِنْ
[حاشية البجيرمي]
يَرِدُ " أَيْ لِأَنَّ شَوَّالَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِاثْنَيْنِ اهـ. وَهَذَا عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ هِلَالَ شَوَّالٍ يَثْبُتُ بِعَدْلٍ اسْتِقْلَالًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَهِيَ فِطْرُ يَوْمِ الْعِيدِ لِوُجُوبِهِ وَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَهْرٍ اشْتَمَلَ عَلَى عِبَادَةٍ يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ بِالنَّظَرِ لِلْعِبَادَةِ وَلَوْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِمْ فِي الصَّوْمِ أَوْ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَلَوْ قَبْلَ شُرُوعِهِمْ لَزِمَهُمْ الصَّوْمُ م ر وسم.
وَصَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ فِيهَا إلَى قَوْلِ الْمُزَكِّينَ.
وَخَرَجَ بِالْعَدْلِ الْفَاسِقِ، وَخَرَجَ بِإِضَافَتِهِ إلَى شَهَادَةِ عَدْلِ الرِّوَايَةِ كَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ، يَدُلُّ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: قَوْلُهُ: " وَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ إلَخْ " سَاقَهُ مَعَ الْأَوَّلِ لِيُبَيِّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِخْبَارِ الشَّهَادَةُ إذْ الْإِخْبَارُ لَا يَجِبُ بِهِ الصَّوْمُ عَلَى الْعُمُومِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ شَهَادَةُ حِسْبَةٍ) أَيْ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى سَبْقِ دَعْوَى.
قَوْلُهُ: (مَوْثُوقٌ بِهِ) أَيْ عِنْدَ الْمُخْبِرِ ح ل، وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ رَقِيقًا.
قَوْلُهُ: (إذَا اعْتَقَدَ صِدْقَهُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ فَالْمَدَارُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: كَوْنِ الْمُخْبِرِ مَوْثُوقًا بِهِ، أَوْ اعْتِقَادِ صِدْقِهِ؛ وَهَذَا أَمْرٌ خَامِسٌ لِوُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ زَائِدٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَيَجِبُ أَيْضًا بِرُؤْيَةِ الْقَنَادِيلِ الْمُعَلَّقَةِ عَلَى الْمَنَائِرِ فِي الْبِلَادِ الْمُعْتَمَدَةِ كَمَا يَأْتِي كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ) أَيْ الْهِلَالَ أَيْ رُؤْيَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ إلَخْ) خِلَافًا لِابْنِ أَبِي الدَّمِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ أَوْ أَنَّ الشَّهْرَ هَلَّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ " شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَهِيَ لَا تَصِحُّ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ فِي قَبُولِهَا احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَعِبَارَةُ ق ل: أَيْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ " أَشْهَدُ "، وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ اهـ. وَعِبَارَةُ م د: وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ " أَشْهَدُ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ اتِّفَاقًا " لِاحْتِمَالِ اعْتِمَادِ حِسَابِهِ، أَوْ يَكُونُ حَنَفِيًّا يَرَى إيجَابَ الصَّوْمِ لَيْلَةَ الْغَيْمِ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ اهـ م د فَطَرِيقُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدَّمِ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ رَأَى اللَّيْلَةَ الْهِلَالَ وَأَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَابِعُهُ) عَطْفٌ تَلْقِينِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ فِي الصَّوْمِ، وَضَابِطُهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِ " قَالَ " وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: (الْمُعَلَّقِينَ بِدُخُولِ رَمَضَانَ) أَيْ الْمُعَلَّقُ نَذْرُهُمَا، كَإِنْ دَخَلَ رَمَضَانُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ الِاعْتِكَافُ أَوْ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ.
قَوْلُهُ: (كَدَيْنٍ إلَخْ) وَذَلِكَ لِأَنَّ إخْبَارَ الْعَدْلِ يُفِيدُ الظَّنَّ وَنَحْوَ الْعِصْمَةِ مُحَقَّقٌ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ، وَقَوْلُهُ " هَذَا " أَيْ قَوْلُهُ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ " إنْ سَبَقَ التَّعْلِيقُ " أَيْ سَبَقَ التَّعْلِيقُ الشَّهَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّهُ) أَيْ مَحَلُّ قَوْلِنَا " لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ "، وَقَوْلُهُ " أَيْضًا " أَيْ كَمَا أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ سَبَقَ التَّعْلِيقُ الشَّهَادَةَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ " مُقَيَّدًا بِأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ) أَيْ اشْتِبَاهِ الشُّهُورِ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، كَأَنْ كَانَ مَحْبُوسًا وَظَنَّ دُخُولَهُ بِالِاجْتِهَادِ.
قَوْلُهُ: (الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَنَائِرِ) بِالْهَمْزَةِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْجَمْعَ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إلَى أُصُولِهَا، فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ: " مَنَاوِرَ " بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعُ " مَنْوَرَةٍ " بِسُكُونِ النُّونِ نُقِلَتْ حَرَكَةُ
لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِحِسَابِهِ كَالصَّلَاةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَقَالَ: إنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْكِفَايَةِ أَنَّهُ إذَا جَازَ أَجْزَأَهُ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَالْحَاسِبُ وَهُوَ مِنْ يَعْتَمِدُ مَنَازِلَ الْقَمَرِ بِتَقْدِيرِ سَيْرِهِ فِي مَعْنَى الْمُنَجِّمِ وَهُوَ مَنْ يَرَى أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ طُلُوعُ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ، وَلَا عِبْرَةَ أَيْضًا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: أَخْبَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ بِأَنَّ اللَّيْلَةَ أَوَّلُ رَمَضَانَ فَلَا يَصِحُّ الصَّوْمُ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ لِفَقْدِ ضَبْطِ الرَّائِي لَا لِلشَّكِّ فِي الرُّؤْيَةِ.
.
(وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصِّيَامِ) أَيْ صِيَامِ رَمَضَانَ (ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) بَلْ أَرْبَعَةٌ كَمَا سَتَعْرِفُهُ: الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ) وَلَوْ فِيمَا مَضَى، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ وُجُوبُ مُطَالَبَةٍ كَمَا مَرَّ فِي الصَّلَاةِ (وَ) الثَّانِي (الْبُلُوغُ) فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ كَالصَّلَاةِ، وَيُؤْمَرُ بِهِ لِسَبْعٍ إنْ أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهِ لِعَشْرٍ.
(وَ) الثَّالِثُ (الْعَقْلُ) فَلَا يَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ إلَّا إذَا أَثِمَ بِمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجِبُ وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ الَّذِي تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ إطَاقَةُ الصَّوْمِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُطِقْهُ حِسًّا أَوْ شَرْعًا لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نَحْوِهِ.
.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: إسْلَامٌ وَعَقْلٌ وَنَقَاءٌ عَنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَوَقْتٌ قَابِلٌ لَهُ
[حاشية البجيرمي]
الْوَاوِ لِلنُّونِ ثُمَّ قُلِّبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَتْ مَنَارَةً، وَلَوْ طُفِئَتْ بَعْدَ إيقَادِهَا لِنَحْوِ شَكٍّ فِي الرُّؤْيَةِ ثُمَّ أُعِيدَتْ لِثُبُوتِهَا وَجَبَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِطَفْئِهَا دُونَ غَيْرِهِ، ق ل مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ) بَلْ يَجِبُ كَمَا فِي م ر؛ لِأَنَّ مَا جَازَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ يَصْدُقُ بِالْوَاجِبِ، وَيَجِبُ أَيْضًا عَلَى مَنْ صَدَّقَهُ كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (كَالصَّلَاةِ) أَيْ فَإِنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ دُخُولَ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِذَلِكَ م د.
قَوْلُهُ: (وَالْحَاسِبُ) وَهُوَ الْمِيقَاتِيُّ.
قَوْلُهُ: (بِتَقْدِيرِ سَيْرِهِ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَتَقْدِيرِ سَيْرِهِ، أَيْ وَيَعْتَمِدُ تَقْدِيرَ سَيْرِهِ وَهِيَ أَنْسَبُ.
قَوْلُهُ: (لِفَقْدِ ضَبْطِ الرَّائِي) أَيْ إنْ تَحَقَّقَ الرُّؤْيَةَ، فَقَوْلُهُ " لَا لِلشَّكِّ فِي الرُّؤْيَةِ " لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ هُوَ مُضِرٌّ ق ل.
قَوْلُهُ (وَلَوْ فِيمَا مَضَى) فَيَشْمَلُ الْمُرْتَدَّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ بِمَعْنَى انْعِقَادِ سَبَبِهِ فِي حَقِّهِ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ إنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ ق ل.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ) فَلَوْ قَضَاهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ، أَمَّا هُوَ فَيُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ رِعَايَةً لِلْخِلَافِ الْقَوِيِّ عِنْدَنَا، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ م ر فِي الْفَتَاوَى أج.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ إعَانَةُ الْكَافِرِ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَنَا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِضِيَافَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، شَرْحُ م ر. قَالَ حَجّ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ لِأَنَّا نُقِرُّهُ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا نُعَامِلُهُ بِنَقِيضِ كُفْرِهِ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَى إقْرَارِهِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُ لَا مُعَاوَنَتُهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْجِزْيَةِ،.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا إذَا أَثِمَ بِمُزِيلٍ) بِأَنْ تَعَدَّى بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ) الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ انْعِقَادُ السَّبَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " وَيَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ ".
قَوْلُهُ: (لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " حِسًّا " وَقَوْلُهُ " لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ " الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ مُضِرٌّ، إذْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ق ل؛ لِأَنَّ الَّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَالَةَ الْمَرَضِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا تَمَكَّنَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حَيْضٍ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " شَرْعًا " وَقَوْلُهُ أَوْ نَحْوِهِ " أَيْ النِّفَاسِ.
قَوْلُهُ: (سَكَتَ الْمُصَنِّفُ إلَخْ) وَجَعَلَ هَذِهِ شُرُوطًا لِلصِّحَّةِ مَعَ أَنَّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا هِيَ شُرُوطُ الْوُجُوبِ، فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ بَيْنَهُمَا تَخَالُفًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ مَعْنَاهُ وَلَوْ حُكْمًا فَدَخَلَ الْمُرْتَدُّ، وَأَمَّا فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَالْمُرَادُ الْإِسْلَامُ بِالْفِعْلِ فَيَخْرُجُ الْمُرْتَدُّ.
وَزَادَتْ شُرُوطُ الصِّحَّةِ بِقَوْلِهِ: " وَوَقْتٌ قَابِلٌ " فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ وَلَيْسَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (وَعَقْلٌ) أَيْ تَمْيِيزٌ سَوَاءٌ الْبَالِغُ وَالرَّقِيقُ وَغَيْرُهُمَا ق ل.
قَوْلُهُ: وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ النَّائِمَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ صَوْمُهُ وَإِنْ اسْتَغْرَقَ النَّوْمُ الْوَقْتَ، بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ إذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ النَّهَارِ، أَيْ فَيَصِحُّ الصَّوْمُ.
وَأُجِيبُ عَنْ الْإِيرَادِ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّمْيِيزِ إنْ كَانَ لِنَوْمٍ صَحَّ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ لِإِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ فَيَصِحُّ إذَا
لِيَخْرُجَ الْعِيدَانِ وَالتَّشْرِيقُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَفَرَائِضُ الصَّوْمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (النِّيَّةُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَلَا تَكْفِي بِاللِّسَانِ قَطْعًا وَلَا يُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بِهَا قَطْعًا كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ تَسَحَّرَ لِيَتَقَوَّى عَلَى الصَّوْمِ لَمْ يَكُنْ نِيَّةً وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْعِدَّةِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَوْ تَسَحَّرَ لِيَصُومَ أَوْ شَرِبَ لِدَفْعِ الْعَطَشِ نَهَارًا أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ أَوْ الْجِمَاعِ خَوْفَ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَانَ ذَلِكَ نِيَّةً إنْ خَطَرَ بِبَالِهِ الصَّوْمُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لَهَا لِتَضَمُّنِ كُلٍّ مِنْهَا قَصْدَ الصَّوْمِ.
وَيُشْتَرَطُ لِفَرْضِ الصَّوْمِ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ كَقَضَاءٍ أَوْ نَذْرِ التَّبْيِيتُ وَهُوَ إيقَاعُ النِّيَّةِ لَيْلًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» وَلَا بُدَّ مِنْ التَّبْيِيتِ لِكُلِّ يَوْمٍ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لِتَخَلُّلِ الْيَوْمِ بِمَا يُنَاقِضُ الصَّوْمَ كَالصَّلَاةِ يَتَخَلَّلُهَا السَّلَامُ، وَالصَّبِيُّ فِي تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ صَوْمِهِ كَالْبَالِغِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ عَلَى أَصْلِنَا صَوْمُ نَفْلٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّبْيِيتُ إلَّا هَذَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّبْيِيتِ النِّصْفُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَا يَضُرُّ الْأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَهَا وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا إذَا نَامَ بَعْدَهَا
[حاشية البجيرمي]
أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ النَّهَارِ، وَإِنْ كَانَ لِجُنُونٍ لَمْ يَصِحَّ مُطْلَقًا.
اهـ. ز ي وَانْظُرْ هَلْ يَكْفِي الْإِفَاقَةُ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ مَعَ الْغُرُوبِ؟ وَرَاجَعَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَنَقَاءٌ عَنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) وَلَا يَضُرُّ نَوْمُ الْيَوْمِ كُلِّهِ وَلَا إغْمَاءُ بَعْضِهِ وَلَا سُكْرُ بَعْضِهِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الرِّدَّةَ وَالْجُنُونَ وَالْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ وَالْوِلَادَةَ مَتَى طَرَأَ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ وَلَوْ لَحْظَةً ضَرَّ فَيَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَأَنَّ النَّوْمَ لَا يَضُرُّ وَلَوْ اسْتَغْرَقَ الْيَوْمَ، وَأَنَّ الْإِغْمَاءَ وَالسُّكْرَ إنْ اسْتَغْرَقَا الْيَوْمَ مَنَعَا الصِّحَّةَ وَإِلَّا فَلَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَ قَضَى الصَّوْمَ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ تَعَدَّى بِإِغْمَائِهِ أَوْ لَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إلَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا بِإِغْمَائِهِ، وَمِثْلُهُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ السَّكْرَانُ.
اهـ. طُوخِيٌّ.
وَيَجِبُ الْقَضَاءُ أَيْضًا عَلَى الْمُتَعَدِّي بِالْجُنُونِ كَمَا قَالَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَنِفَاسٍ) وَوِلَادَةٍ وَلَوْ بِلَا بَلَلٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمِنْهَا أَيْضًا إلْقَاءُ الْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (النِّيَّةُ) أَيْ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَوْ قَارَنَهَا الْفَجْرُ لَمْ تَصِحُّ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ حَالَ النِّيَّةِ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَهَا هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ؟ فَتَصِحُّ وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْغُرُوبِ فِي نِيَّةِ الصَّوْمِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ كَانَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ لَا أَوْ شَكَّ نَهَارًا هَلْ نَوَى لَيْلًا أَوْ لَا، فَإِنْ تَذَكَّرَ فِيهِمَا وَلَوْ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ أَنَّهَا وَقَعَتْ لَيْلًا أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَالَ فِي الْإِيعَابِ: وَيُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ أَنْ يُحْضِرَ فِي ذِهْنِهِ صِفَاتِ الصَّوْمِ مَعَ ذَاتِهِ ثُمَّ الْقَصْدَ إلَى ذَلِكَ، فَلَوْ خَطَرَ بِبَالِهِ الْكَلِمَاتُ مَعَ جَهْلِ مَعْنَاهَا لَمْ يَصِحَّ، ق ل وَأَقَرَّهُ م ر.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَكُنْ نِيَّةً) أَيْ إنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ الصَّوْمُ بِصِفَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِلَّا كَانَتْ نِيَّةً كَمَا ذَكَرَهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (إنْ خَطَرَ بِبَالِهِ الصَّوْمُ) أَيْ ذَاتُهُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ جَمِيعَ النَّهَارِ، فَالْمُرَادُ بِذَاتِهِ حَقِيقَتُهُ.
وَقَوْلُهُ " بِالصِّفَاتِ " أَيْ كَكَوْنِهِ عَنْ رَمَضَانَ أَوْ عَنْ كَفَّارَةٍ.
قَوْلُهُ: (لِتَضَمُّنِ كُلٍّ مِنْهَا) أَيْ فَيَكْفِي الْقَصْدُ ضِمْنًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُخَالِفَ وَهُوَ الْأَذْرَعِيُّ لَا يَكْتَفِي بِالْقَصْدِ الضِّمْنِيِّ بَلْ لَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ الْقَصْدِ صَرِيحًا، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا صِيَامَ لَهُ) أَيْ صَحِيحٌ لَا كَامِلٌ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ أَقْرَبُ إلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ مِنْ نَفْيِ الْكَمَالِ وَقَوْلُهُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ النِّيَّةَ فِي النَّهَارِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُنَاقِضُ الصَّوْمَ) وَهُوَ اللَّيْلُ.
قَوْلُهُ: (كَالصَّلَاةِ) أَيْ جِنْسِهَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صَلَاتَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " يَتَخَلَّلُهُمَا " وَفِي نُسْخَةٍ: " كَالصَّلَاتَيْنِ " وَهِيَ وَاضِحَةٌ لِأَنَّ السَّلَامَ لَا يَكُونُ فَاصِلًا بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَى أَصْلِنَا) أَيْ قَاعِدَتِنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ لِلتَّبْيِيتِ إلَخْ) وَلَوْ نَوَى مَعَ الْغُرُوبِ أَوْ الْفَجْرِ لَمْ يَكْفِ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ التَّبْيِيتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ الْأَكْلُ وَالْجِمَاعُ إلَخْ) نَعَمْ تَضُرُّ الرِّدَّةُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَكَذَا يَضُرُّ رَفْضُ النِّيَّةِ لَيْلًا لَا نَهَارًا فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَالرَّفْضِ وَمِنْهُ أَيْ الرَّفْضِ مَا لَوْ نَوَى الِانْتِقَالَ مِنْ صَوْمٍ إلَى آخَرَ كَمَا لَوْ نَوَى صَوْمَ قَضَاءٍ عَنْ رَمَضَانَ ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ كَفَّارَةٍ مَثَلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ رَفْضًا لِلنِّيَّةِ الْأُولَى ق ل.
ثُمَّ تَنَبَّهَ لَيْلًا.
وَيَصِحُّ النَّفَلُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَيُشْتَرَطُ حُصُولُ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ بِأَنْ لَا يَسْبِقَهَا مُنَافٍ لِلصَّوْمِ كَكُفْرٍ وَجِمَاعٍ.
.
(وَ) الثَّانِي (تَعْيِينُ النِّيَّةِ) فِي الْفَرْضِ بِأَنْ يَنْوِيَ كُلَّ لَيْلَةٍ أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا عَنْ رَمَضَانَ أَوْ عَنْ نَذْرٍ أَوْ عَنْ كَفَّارَةٍ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُضَافَةٌ إلَى وَقْتٍ فَوَجَبَ التَّعْيِينُ فِي نِيَّتِهَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ فِي الصَّوْمِ الرَّاتِبِ كَعَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَأَيَّامِ الْبِيضِ وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ كَرَوَاتِبِ الصَّلَاةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ مُنْصَرِفٌ إلَيْهَا، بَلْ لَوْ نَوَى بِهَا غَيْرَهَا حَصَلَ أَيْضًا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُجُودُ صَوْمِهَا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ سُكُوتِ الْمُصَنِّفِ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلْفَرْضِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِينَ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمِنْهَاجِ الِاشْتِرَاطُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ أَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ مِنْ الْبَالِغِ لَا يَقَعُ إلَّا فَرْضًا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمُعَادَةَ نَفْلٌ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ بِأَنْ يُصَلِّيَهَا فِي مَكَان ثُمَّ يُدْرِكُ جَمَاعَةً فِي أُخْرَى يُصَلُّونَهَا فَيُصَلِّيهَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا تَقَعُ لَهُ نَافِلَةٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السُّنَّةِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ الْأَدَاءُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ فَكَانَ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إلَّا إذَا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (مُنَافٍ لِلصَّوْمِ) مِنْهُ مَا لَوْ تَوَضَّأَ وَبَالَغَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَسَبَقَ الْمَاءُ جَوْفَهُ، أَمَّا إذَا لَمْ يُبَالِغْ وَسَبَقَ الْمَاءُ فَلَا يَضُرُّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: مُنَافٍ لِلصَّوْمِ، أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا.
وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فِي الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَصِحُّ لَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَالثَّانِي يَصِحُّ وَلَوْ حَصَلَ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ اهـ.
قَوْلُهُ: (تَعْيِينُ النِّيَّةِ) أَيْ الْمَنْوِيِّ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ كَنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ نَوْعَهَا، كَكَوْنِهَا عَنْ ظِهَارٍ أَوْ يَمِينٍ مَثَلًا؛ وَكَذَا فِي النَّذْرِ ق ل عَلَى الْغَزِّيِّ.
وَعَدِّهِ تَعْيِينَ النِّيَّةِ مِنْ الْفُرُوضِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ لِلنِّيَّةِ لَا مِنْ فَرَائِضِ الصَّوْمِ.
وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ: وَيَجِبُ لِفَرْضِهِ تَبْيِيتُهَا وَتَعْيِينُهُ اهـ. وَكَذَا عَدُّ مَعْرِفَةِ طَرَفَيْ النَّهَارِ مِنْ الْفُرُوضِ مُسَامَحَةٌ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْفَرْضِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الصَّوْمِ بِدَلِيلِ عَدِّ الرُّكْنِ الَّذِي هُوَ النِّيَّةُ مِنْ الْفُرُوضِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي: وَالرَّابِعُ مِنْ الشُّرُوطِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مِنْ الْفُرُوضِ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا الْمُصَنِّفُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (غَدًا) لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّعْيِينِ وَإِنَّمَا جَاءَ مِنْ التَّبْيِيتِ.
قَوْلُهُ: (أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ) أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِالرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي إلَخْ) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ فِيهِ بَلْ يَجُوزُ الْإِطْلَاقُ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبُ) أَيْ عَنْ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ لَوْ نَوَى بِهَا غَيْرَهَا) وَلَوْ فَرْضًا، وَإِنْ نَفَاهَا حَصَلَ ثَوَابُهَا أَيْضًا؛ فَالتَّشْبِيهُ بِالتَّحِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ ق ل. الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ حُصُولِ الثَّوَابِ بَلْ يَسْقُطُ الطَّلَبُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (حَصَلَ) أَيْ صَوْمُهَا قَوْلُهُ: (وُجُودُ صَوْمِهَا) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وُجُودُ صَوْمٍ فِيهَا، وَهِيَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ إلَخْ) أَيْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّوْمِ وَاشْتِرَاطُهَا فِي الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الصَّلَاةِ) أَيْ فَاحْتِيجَ لِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِيهَا لِتَتَمَيَّزَ عَنْ الْمُعَادَةِ، وَهَذَا الْفَرْقُ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ وُجُوبِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمُعَادَةِ، أَمَّا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ وُجُوبِهَا فَلَا يَتَأَتَّى كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَأَتَّى أَيْضًا بِأَنَّ الْمُرَادَ الْفَرْضُ الْحَقِيقِيُّ وَفَرْضُ الْمُعَادَةِ صُورِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ) أَيْ التَّنَفُّلُ فِي الْجُمُعَةِ، أَيْ وَيُتَصَوَّرُ الْإِعَادَةُ فِي الْجُمُعَةِ.
وَنَبَّهَ عَلَيْهَا لِخَفَاءِ إعَادَتِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَمَّا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِيهَا فَيُتَصَوَّرُ بِكَذَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ) فَالْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْت صَوْمَ رَمَضَانَ أَوْ الصَّوْمَ مِنْ رَمَضَانَ، مَرْحُومِيٌّ.
وَلَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الصَّوْمَ غَدًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ ح ل. فَلَوْ عَيَّنَ السَّنَةَ وَأَخْطَأَ نَظَرَ إنْ لَاحَظَ صَوْمَ الْغَدِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ) وَهُوَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْقَضَاءِ إذْ غَيْرُ فَرْضِ السَّنَةِ لَا يَكُونُ إلَّا قَضَاءً، وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْقِيَاسِ لَا لِعَدَمِ الِاشْتِرَاطِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النِّيَّةِ مِنْ جَزْمٍ أَوْ ظَنٍّ كَمَا فِي م ر، قَرَّرَهُ
اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ لِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ فَاسِقٍ أَوْ مُرَاهِقٍ فَيَصِحُّ وَيَقَعُ عَنْهُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَلَوْ نَوَى صَوْمَ غَدٍ نَفْلًا إنْ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ وَإِلَّا فَمِنْ رَمَضَانَ وَلَا أَمَارَةَ فَبَانَ مِنْ شَعْبَانَ صَحَّ صَوْمُهُ نَفْلًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، وَإِنْ بَانَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ غَدٍ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ مِنْهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ.
.
(وَ) الثَّالِثُ (الْإِمْسَاكُ عَنْ) كُلِّ مُفْطِرٍ مِنْ (الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ) وَلَوْ بِغَيْرِ إنْزَالٍ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187] وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ (وَ) عَنْ (تَعَمُّدِ الْقَيْءِ) ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ لِمَا سَيَأْتِي
(وَ) الرَّابِعُ مِنْ الشُّرُوطِ (مَعْرِفَةُ طَرَفَيْ النَّهَارِ) يَقِينًا أَوْ ظَنًّا لِتَحَقُّقِ إمْسَاكِ جَمِيعِ النَّهَارِ.
تَنْبِيهٌ: انْفَرَدَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الرَّابِعِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ نَوَى بَعْدَ الْفَجْرِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، أَوْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَيْلٌ وَكَانَ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، وَكَذَا لَوْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا أَنَّ اللَّيْلَ دَخَلَ فَبَانَ خِلَافُهُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَفْطَرَ أَوْ تَسَحَّرَ بِلَا تَحَرٍّ وَلَمْ يَبِنْ الْحَالُ صَحَّ فِي تَسَحُّرِهِ لَا فِي إفْطَارِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ فِي الْأُولَى وَالنَّهَارِ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ بَانَ الصَّوَابُ فِيهِمَا صَحَّ صَوْمُهُمَا أَوْ الْغَلَطُ فِيهِمَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَمْ يَبْلَعْ شَيْئًا مِنْهُ بِأَنْ طَرَحَهُ أَوْ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ صَحَّ صَوْمُهُ، أَوْ كَانَ طُلُوعَ الْفَجْرِ مُجَامِعًا فَنَزَعَ حَالًا صَحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ أَنْزَلَ لِتَوَلُّدِهِ مِنْ مُبَاشَرَةٍ مُبَاحَةٍ.
.
[حاشية البجيرمي]
شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُرَاهِقٌ) قَالَ شَيْخُنَا: وَمِثْلُ ذَلِكَ الْكَافِرُ، بَلْ الْفَاسِقُ شَامِلٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَمَارَةَ) أَيْ مِنْ نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (صَحَّ صَوْمُهُ) أَيْ إنْ أُبِيحَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى صَوْمِهِ بِأَنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي وَهُوَ يَوْمُ شَكٍّ أَيْضًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ إلَخْ) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ إلَخْ، فَنِيَّةُ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْهُ تُجْزِئُ مُطْلَقًا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْهُ، وَنِيَّةُ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ فِيهَا تَفْصِيلٌ إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ، فَإِنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِهِ) أَيْ لِمَفْهُومِ ذَلِكَ ق ل. وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِلْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِمَا سَيَأْتِي) أَيْ أَنَّ الِاسْتِقَاءَةَ مُفْطِرَةٌ لَعَيْنِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالرَّابِعُ مِنْ الشُّرُوطِ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: " مِنْ الْفَرَائِضِ " وَكَأَنَّ الشَّارِحَ حَمَلَ الْفَرْضَ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَشَمِلَ الشَّرْطَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (مَعْرِفَةُ طَرَفَيْ النَّهَارِ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ عِنْدَ الْإِفْطَارِ وَالتَّسَحُّرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ إذَا نَوَى بَعْدَ الْفَجْرِ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَقَوْلُهُ " لَوْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا إلَخْ " يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ آخِرِ النَّهَارِ؛ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَبَانَ خِلَافُهُ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِقَوْلِ الشَّارِحِ مُعْتَقِدًا إذَا كَانَ مَعْنَاهُ أَيْ عَنْ اجْتِهَادٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ " فَبَانَ خِلَافُهُ " قَيْدًا، فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ صَحَّ صَوْمُهُ.
قَوْلُهُ: (وَحَاصِلُ ذَلِكَ) أَيْ حَاصِلُ قَوْلِهِمْ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى) أَيْ مَسْأَلَةِ التَّسَحُّرِ، وَالثَّانِيَةِ: مَسْأَلَةِ الْإِفْطَارِ.
قَوْلُهُ: (صَحَّ صَوْمُهُمَا) أَيْ الْمُفْطِرُ وَالْمُتَسَحِّرُ بِلَا تَحَرٍّ.
قَوْلُهُ: (صَحَّ صَوْمُهُ) أَيْ وَإِنْ سَبَقَ إلَى جَوْفِهِ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْأُولَى أَيْ مَسْأَلَةِ الطَّرْحِ، بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَيُفْطِرُ إذَا سَبَقَ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ كَمَا فِي الْمَرْحُومِيِّ، لِتَقْصِيرِهِ بِإِمْسَاكِهِ.
قَوْلُهُ: (طُلُوعَ الْفَجْرِ) مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، أَيْ كَانَ الشَّخْصُ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ أَيْ وَقْتَهُ مُجَامِعًا، فَنَزَعَ حَالًا بِأَنْ قَارَنَ نَزْعُهُ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَقَصَدَ
وَاَلَّذِي يَفْطُرُ بِهِ الصَّائِمُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (مَا وَصَلَ) مِنْ عَيْنٍ، وَإِنْ قَلَّتْ كَسِمْسِمَةٍ (عَمْدًا) مُخْتَارًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ (إلَى) مُطْلَقِ (الْجَوْفِ) مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ سَوَاءٌ كَانَ يُحِيلُ الْغِذَاءَ أَوْ الدَّوَاءَ أَمْ لَا كَبَاطِنِ الْحَلْقِ وَالْبَطْنِ وَالْأَمْعَاءِ.
(وَ) بَاطِنِ (الرَّأْسِ) لِأَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ كُلِّ مَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ فَلَا يَضُرُّ وُصُولُ دُهْنٍ أَوْ كُحْلٍ بِتَشَرُّبِ مَسَامِّ جَوْفِهِ، كَمَا لَا يَضُرُّ اغْتِسَالُهُ بِالْمَاءِ، وَإِنْ وَجَدَ أَثَرًا بِبَاطِنِهِ، وَلَا يَضُرُّ وُصُولُ رِيقِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ جَوْفَهُ أَوْ وُصُولُ ذُبَابٍ أَوْ
[حاشية البجيرمي]
بِالنَّزْعِ تَرْكَ الْجِمَاعِ لَا الِالْتِذَاذِ ق ل. فَلَوْ اسْتَمَرَّ مُجَامِعًا بَطَلَ صَوْمُهُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنْ عَلِمَ بِالْفَجْرِ حَالَ طُلُوعِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا،
شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ إلَخْ) هَذِهِ الْمُبْطِلَاتُ مَفَاهِيمُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ وَالنَّقَاءِ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالْقَيْءِ، وَقَدَّمَ مَفْهُومَ الْإِمْسَاكِ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ الْمُتُونِ أَخْذَ الْمُحْتَرَزَاتِ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ عَلَى الْمُبْتَدِي.
وَقَدْ نَظَّمَهَا م د فِي قَوْلِهِ:
عَشَرَةٌ مُفْطِرَاتُ الصَّوْمِ ... فَهَاكَهَا إغْمَاءُ كُلِّ الْيَوْمِ
إنْزَالُهُ مُبَاشِرًا وَالرِّدَّهْ ... وَالْوَطْءُ وَالْقَيْءُ إذَا تَعَمَّدَهْ
ثُمَّ الْجُنُونُ الْحَيْضُ مَعَ نِفَاسِ ... وُصُولُ عَيْنٍ بَطْنَهُ مَعَ رَاسِ
قَوْلُهُ: (مَا وَصَلَ) أَيْ وَصَلَ مِنْ الظَّاهِرِ بِأَنْ يَأْتِيَ مِنْ خَارِجٍ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا وَصَلَ مِنْ الْبَاطِنِ كَالرِّيقِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ عَيْنٍ) بَيَانٌ لِمَا فَخَرَجَ الرِّيحُ وَالطَّعْمُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " مِنْ عَيْنٍ " أَيْ مِنْ أَعْيَانِ الدُّنْيَا، فَإِذَا أَكَلَ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ فَلَا يُفْطِرُ، شَوْبَرِيٌّ وع ش. وَمِنْ الْعَيْنِ الدُّخَانُ الْمَشْهُورُ فَيُفْطِرُ بِهِ لِأَنَّهُ كَدُخَانِ الْفَتِيلَةِ، بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَلَّتْ) أَيْ أَوْ لَمْ تُؤْكَلْ كَحَصَاةٍ.
قَوْلُهُ: (إلَى مُطْلَقِ الْجَوْفِ) هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَوْ الرَّأْسُ، أَمَّا النُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ فَيُرَادُ بِالْجَوْفِ خُصُوصُ الْبَطْنِ لَا مُطْلَقُهُ وَإِلَّا لَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ أَوْ الرَّأْسُ، قَالَ خ ض: حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ أَفْطَرَ، وَكَذَا لَوْ فَعَلَ غَيْرُهُ بِهِ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ، فَلْيَسْتَحْفِظْ حَالَةَ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ رَأْسِ الْأُنْمُلَةِ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِنْهَا أَدْنَى شَيْءٍ أَفْطَرَ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
وَقَوْلُهُ: " حَتَّى لَوْ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي دُبُرِهِ أَفْطَرَ " هَذَا إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ خُرُوجُ نَحْوِ الْخَارِجِ إلَّا بِإِدْخَالِ أُصْبُعِهِ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُ وَلَا فِطْرَ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْمَدَابِغِيُّ، حَرَّرَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَنْفَذٍ) بِفَتْحِ الْفَاءِ كَالْمَخْرَجِ وَالْمَدْخَلِ، عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ كَانَ يُحِيلُ إلَخْ) تَعْمِيمٌ فِي الْجَوْفِ، وَقَوْلُهُ " يُحِيلُ الْغَدَاءَ " أَيْ يُغَيِّرُهُ.
قَوْلُهُ: (كَبَاطِنِ الْحَلْقِ) مِثَالٌ لِقَوْلِهِ " أَمْ لَا " وَمَا بَعْدَهُ مِثَالٌ لِقَوْلِهِ " يُحِيلُ " فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ، وَبَقِيَ مِثَالُ مَا يُحِيلُ الدَّوَاءَ فَقَطْ كَبَاطِنِ الرَّأْسِ أَوْ الْأُذُنِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَمْعَاءُ) وَهِيَ الْمَصَارِينُ جَمْعُ مِعًى بِوَزْنِ رِضًا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَضُرُّ إلَخْ) مُحْتَرَزُ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ انْفِتَاحًا ظَاهِرًا يُحَسُّ.
قَوْلُهُ: (وُصُولُ دُهْنٍ) وَمِنْهُ دُخَانٌ لَا عَيْنَ فِيهِ كَالْبَخُورِ، بِخِلَافِ مَا فِيهِ عَيْنٌ كَالدُّخَانِ الْمَشْهُورِ الْآنَ ق ل. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ وُصُولَ الدُّخَانِ الَّذِي فِيهِ رَائِحَةُ الْبَخُورِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى جَوْفِهِ لَا يَضُرُّ وَإِنْ تَعَمَّدَ فَتْحَ فِيهِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْنًا، أَيْ فِي الْعُرْفِ، وَأَمَّا الدُّخَانُ الْحَادِثُ الْآنَ الْمُسَمَّى بِالنَّتِنِ لَعَنَ اللَّهُ مِنْ أَحْدَثَهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ، فَقَدْ أَفْتَى شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ أَوَّلًا بِأَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ، فَلَمَّا رَأَى أَثَرَهُ بِالْبُوصَةِ الَّتِي يَشْرَبُ بِهَا رَجَعَ وَأَفْتَى بِأَنَّهُ يُفْطِرُ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (مَسَامِّ) جَمْعُ سَمٍّ بِتَثْلِيثِ السِّينِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمَسَامُّ الْجَسَدِ ثُقْبُهُ شَرْحُ م ر، أَيْ الَّتِي تَحْتَ الشَّعْرِ، وَمَسَامُّ أَصْلُهُ مَسَامِمُ كَمَحَاسِنَ جَمْعُ حَسَنٍ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.
قَوْلُهُ: (جَوْفَهُ) مَعْمُولٌ لِوُصُولِ.
قَوْلُهُ: (اغْتِسَالُهُ بِالْمَاءِ) وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُمِيلَ أُذُنَهُ وَيَضَعَ فِيهَا الْمَاءَ لِلْمَشَقَّةِ كَمَا قَالَهُ م ر، وَلَا يَضُرُّ بَلْعُ رِيقِهِ إثْرَ الْمَضْمَضَةِ وَإِنْ أَمْكَنَ مَجُّهُ لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ وُصُولُ رِيقِهِ) أَيْ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا صَرْفًا بِخِلَافِ وُصُولِهِ مُتَنَجِّسًا أَوْ مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهِ لِأَعْلَى لِسَانِهِ وَلَوْ عَلَى حُمْرَةِ الشَّفَتَيْنِ، فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَلَوْ أَخْرَجَ اللِّسَانَ وَعَلَيْهِ الرِّيقُ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَ مَا عَلَيْهِ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ كَيْفَمَا تَقَلَّبَ مَعْدُودٌ مِنْ الْفَمِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَعْدِنِهِ) وَهُوَ مَنْبَعُهُ تَحْتَ اللِّسَانِ، مَرْحُومِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنٍ تَحْتَهُ، وَذَلِكَ الْمَنْبَعُ عَيْنٌ نَبَّاعَةٌ تُطْرِي اللِّسَانَ
بَعُوضٍ أَوْ غُبَارِ طَرِيقٍ أَوْ غَرْبَلَةِ دَقِيقٍ جَوْفَهُ لِتَعَسُّرِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الْأُذُنِ مُفْطِرٌ.
وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ إلَى جَوْفِهِ نَظَرَ إنْ بَالَغَ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُفْطِرْ إنْ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِيهِ غَيْرُ مُفَرِّطٍ، وَلَوْ أَوْجَرَ كَأَنْ صُبَّ مَاءٌ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا لَمْ يُفْطِرْ، وَكَذَا إنْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ أَوْ شَرِبَ لِأَنَّ حُكْمَ اخْتِيَارِهِ سَاقِطٌ، وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يَفْطِرْ، وَإِنْ كَثُرَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» . وَالثَّانِي الْحُقْنَةُ وَهِيَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ إدْخَالُ دَوَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الدُّبُرِ فَتَعْبِيرُهُ بِأَنَّهَا (مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ) فِيهِ تَجَوُّزٌ، فَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الْإِحْلِيلِ وَإِدْخَالُ عُودٍ أَوْ نَحْوِهِ فِيهِ مُفْطِرٌ،.
[حاشية البجيرمي]
لِلتَّكَلُّمِ وَتَبُلَّ الشَّيْءَ النَّاشِفَ وَلَوْلَاهَا لَوَقَفَ اللِّسَانُ وَنَشِفَ.
قَوْلُهُ: (ذُبَابٍ) مُحْتَرَزُ قَيْدٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ عَيْنٌ يَسْهُلُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا وَلَا يَشُقُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غُبَارِ طَرِيقٍ) قَيَّدَهُ ابْنُ قَاسِمٍ بِالطَّاهِرِ وَاعْتَمَدَهُ، وَمِثْلُهُ ز ي، وَقَالَ سم عَلَى الْبَهْجَةِ: إنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ ضَرَّ فِي الْغُبَارِ النَّجِسِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا وَلَمْ يَتَعَمَّدْ فَلَا، لَكِنَّ فِي شَرْحِ م ر الْإِطْلَاقَ.
قَوْلُهُ: (لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ) أَيْ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا لِأَجْلِ دُخُولِ نَحْوِ الذُّبَابِ أَوْ الْغُبَارِ جَوْفَهُ لَمْ يُفْطِرْ وَإِنْ كَثُرَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَح ل، خِلَافًا لحج.
وَلَوْ دَخَلَتْ ذُبَابَةٌ جَوْفَهُ أَفْطَرَ بِإِخْرَاجِهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ كَالْقَيْءِ، وَجَازَ لَهُ إخْرَاجُهَا إنْ ضَرَّ بَقَاؤُهَا مَعَ الْقَضَاءِ، حَجّ وز ي.
قَوْلُهُ: (وَالتَّقْطِيرُ إلَخْ) هَذَا دَاخِلٌ فِيمَا وَصَلَ مِنْ عَيْنٍ إلَى الْجَوْفِ.
وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلْخِلَافِ فِيهِ، وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمِنْهَاجِ: وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الْأُذُنِ وَالْإِحْلِيلِ مُفْطِرٌ فِي الْأَصَحِّ، أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ الْفِطْرُ بِالتَّقْطِيرِ الْمَذْكُورِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْوُصُولِ وُصُولُ الشَّيْءِ لِمَا كَانَ مُحِيلًا أَوْ طَرِيقًا لِلْإِحَالَةِ كَمَا فِي التَّقْطِيرِ فِي بَاطِنِ الْأُذُنِ، فَإِنَّهُ طَرِيقٌ لِلْإِحَالَةِ لَا نَفْسُ الْإِحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ بَالَغَ) أَوْ كَانَ مِنْ رَابِعَةٍ يَقِينًا لِأَنَّهَا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، نَعَمْ إنْ بَالَغَ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةِ فَمِهِ فَلَا يَضُرُّ سَبْقُ الْمَاءِ حِينَئِذٍ، وَأَمَّا سَبْقُ مَاءِ غُسْلٍ مَطْلُوبٍ بِالِانْغِمَاسِ فَإِنْ اعْتَادَهُ أَيْ السَّبْقَ ضَرَّ وَإِلَّا فَلَا ق ل. وَعِبَارَةُ م ر: وَخَرَجَ بِمَا قَرَّرْنَاهُ سَبْقُ مَاءِ الْغُسْلِ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مِنْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ فَلَا يُفْطِرُ بِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَ أُذُنَيْهِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهِ فَسَبَقَ الْمَاءُ إلَى الْجَوْفِ مِنْهُمَا لَا يُفْطِرُ وَلَا نَظَرَ إلَى إمْكَانِ إمَالَةِ الرَّأْسِ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ لِعُسْرِهِ، وَيَنْبَغِي كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءُ مِنْهُ إلَى جَوْفِهِ أَوْ دِمَاغِهِ بِالِانْغِمَاسِ وَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِانْغِمَاسُ وَيُفْطِرُ قَطْعًا؛ نَعَمْ مَحَلُّهُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْغُسْلِ لَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِلَّا فَلَا يُفْطِرُ فِيمَا يَظْهَرُ، وَكَذَا لَا يُفْطِرُ بِسَبْقِهِ مِنْ غُسْلِ نَجَاسَةٍ بِفِيهِ وَإِنْ بَالَغَ فِيهَا، وَقِيلَ: يُفْطِرُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْجَوْفِ بِفِعْلِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُفْطِرْ إنْ عَجَزَ) وَكَذَا لَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ مِنْ مَاءٍ وَضَعَهُ فِي فَمِهِ لِنَحْوِ تَبَرُّدٍ أَوْ دَفْعِ عَطَشٍ فَسَبَقَهُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى جَوْفِهِ وَلَوْ لِنَحْوِ عُطَاسٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَبَقَهُ مَاءُ غَسْلِ تَبَرُّدِهِ ق ل وم د.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَوْجَرَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مُخْتَارًا وَقَوْلُهُ " كَأَنْ صُبَّ " الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ حُكْمَ اخْتِيَارِهِ) أَيْ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ سَاقِطٌ لِعَدَمِ وُجُودِ الِاخْتِيَارِ، فَالْإِضَافَةُ لَيْسَتْ بَيَانِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ عَمْدًا.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي وَالْحُقْنَةُ) مِنْ أَفْرَادِ الْأَوَّلِ، فَعَطْفُهَا عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ.
وَجَعَلَهَا الشَّارِحُ ثَانِيًا لِضَرُورَةِ الْعَدَدِ، وَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يُعَبِّرَ بِالِاحْتِقَانِ لِأَنَّ الْمُفْطِرَ هُوَ الْفِعْلُ وَوَضْعُ الْآلَةِ وَحْدَهَا مُفْطِرٌ وَإِنْ لَمْ يَنْزِلُ الدَّوَاءُ إلَى جَوْفِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوَهُ) كَالْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ تَجَوُّزٌ) لَمْ يَجْعَلْهُ خَطَأً لِإِمْكَانِ تَخْصِيصِ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ بِالدُّبُرِ لِأَنَّ الْحُقْنَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِيهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ إمْكَانُ ذَلِكَ عَقْلًا لَا وُقُوعًا.
وَعَبَّرَ فِي الْعُبَابِ بِقَوْلِهِ: وَكَحُقْنَةٍ بِقُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَعْتَرِضْهَا حَجّ بِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (فَالتَّقْطِيرُ) هَذَا دَاخِلٌ فِيمَا وَصَلَ مِنْ عَيْنٍ إلَى الْجَوْفِ، وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ لِلْخِلَافِ فِيهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ.
وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ " مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ " فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْحُقْنَةِ مَا يَشْمَلُ التَّقْطِيرَ.
قَوْلُهُ: (فِي بَاطِنِ الْإِحْلِيلِ إلَخْ) وَهُوَ مَخْرَجُ الْبَوْلِ
وَكَالْحُقْنَةِ دُخُولُ طَرَفِ أُصْبُعٍ فِي الدُّبُرِ حَالَةَ الِاسْتِنْجَاءِ فَيُفْطِرُ بِهِ إلَّا إنْ أَدْخَلَ الْمَبْسُورُ مَقْعَدَتَهُ بِأُصْبُعِهِ فَلَا يُفْطِرُ بِهِ كَمَا صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ (وَ) الثَّالِثُ (الْقَيْءُ عَمْدًا) ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى الْجَوْفِ كَأَنْ تَقَايَأَ مُنَكَّسًا لِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَيْ غَلَبَهُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَى فَلْيَقْضِ» وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَمْدًا مَا لَوْ كَانَ نَاسِيًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارًا لِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ مُكْرَهًا لَمْ يُفْطِرْ كَمَا لَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ، وَكَذَا لَوْ اقْتَلَعَ نُخَامَةً مِنْ الْبَاطِنِ وَرَمَاهَا سَوَاءٌ اقْتَلَعَهَا مِنْ دِمَاغِهِ أَوْ مِنْ بَاطِنِهِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ تَتَكَرَّرُ، فَلَوْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ مِنْ الْفَمِ وَهُوَ مَخْرَجُ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَذَا الْمُهْمَلَةُ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الزَّوَائِدِ فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا إنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى
[حاشية البجيرمي]
مِنْ الذَّكَرِ وَاللَّبَنِ مِنْ الثَّدْيِ م ر.
قَوْلُهُ: (دُخُولُ طَرْفِ أُصْبُعٍ) وَمِثْلُهُ غَائِطٌ خَرَجَ مِنْهُ وَلَمْ يَنْفَصِلْ ثُمَّ ضَمَّ دُبُرَهُ وَدَخَلَ شَيْءٌ مِنْهُ إلَى دَاخِلِ دُبُرِهِ حَيْثُ تَحَقَّقَ دُخُولُ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ بُرُوزِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَعِدَتِهِ مَعَ عَدَمِ حَاجَةٍ إلَى ضَمِّ دُبُرِهِ.
وَبِهِ يُفَارِقُ مَقْعَدَةَ الْمَبْسُورِ، أَفْتَى بِذَلِكَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ مَنْصُورُ الطَّبَلَاوِيُّ.
أج.
وَضَابِطُ الدُّخُولِ الْمُفْطِرِ أَنْ يُجَاوِزَ الدَّاخِلُ مَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ، بِخِلَافِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يُفْطِرُ إذَا أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ لِيَغْسِلَ الطَّيَّاتِ الَّتِي فِيهِ.
وَلَوْ ابْتَلَعَ طَرَفَ خَيْطٍ مَثَلًا بِاللَّيْلِ ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا فَإِنْ ابْتَلَعَ بَاقِيَهُ أَوْ نَزَعَهُ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّ ابْتِلَاعَهُ أَكْلٌ وَنَزْعَهُ اسْتِقَاءَةٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِاتِّصَالِ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ الْمُتَنَجِّسِ بِمَا فِي بَاطِنِهِ، فَطَرِيقُهُ فِي صِحَّةِ صَوْمِهِ وَصَلَاتِهِ أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ وَهُوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَافِلًا وَتَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِ النَّازِعِ لَهُ أَفْطَرَ لِأَنَّ النَّزْعَ مُوَافِقٌ لِغَرَضِ النَّفْسِ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ عِنْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الدَّفْعِ لَهُ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ طُعِنَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ.
فَإِنْ طَعَنَ نَفْسَهُ أَوْ طَعَنَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَفْطَرَ فِيهِمَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَقَدْ لَا يَطَّلِعُ عَارِفٌ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَلَا يُرِيدُ هُوَ الْخَلَاصَ لِنَفْسِهِ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَرْفَعَ أَمْرَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَيُجْبِرُهُ عَلَى نَزْعِهِ وَلَا يُفْطِرُ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَلَعَهُ أَوْ بَلَعَهُ مُرَاعَاةً لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهَا آكَدُ وَأَعْظَمُ بِدَلِيلِ قَتْلِ تَارِكِهَا دُونَ تَارِكِ الصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (بِأُصْبُعِهِ) وَلَوْ بِإِدْخَالِ أُصْبُعِهِ مَعَهَا إنْ اضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ ح ل. وَيَظْهَرُ الْعَفْوُ عَمَّنْ اُبْتُلِيَ بِدَمِ لِثَتِهِ قِيَاسًا عَلَى مَقْعَدَةِ الْمَبْسُورِ، حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ اسْتَقَى) بِالْقَصْرِ، أَيْ تَعَمَّدَ الْقَيْءَ م د. قَوْلُهُ: (أَوْ مُكْرَهًا) اُنْظُرْ هَلْ مِثْلُهُ إكْرَاهُ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ وَجَبَ الْقَيْءُ لِتَضَرُّرٍ قَامَ بِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا، ثُمَّ رَأَيْت فِي سم: لَوْ احْتَاجَ إلَى التَّقَيُّؤِ لِلتَّدَاوِي بِقَوْلِ طَبِيبٍ فَهَلْ يُفْطِرُ بِهِ أَوْ لَا أَوْ يَنْظُرُ بَيْنَ أَنْ يَجِبَ لِلتَّضَرُّرِ بِحَبْسِهِ فَلَا يُفْطِرُ أَوْ لَا فَيُفْطِرُ؟ قُلْت: يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الذُّبَابَةِ إذَا دَخَلَتْ قَهْرًا وَضَرَّ بَقَاؤُهَا حَيْثُ قَالُوا بِالْفِطْرِ إذَا أَخْرَجَهَا أَنَّهُ يُفْطِرُ اهـ أج وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ اقْتَلَعَ) مُسْتَثْنَى مِنْ الْقَيْءِ، وَقَوْلُهُ " نُخَامَةً " وَيُقَالُ " نُخَاعَةً ".
قَوْلُهُ: (فَلَوْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ مَا لَوْ طَلَعَتْ مِنْ بَطْنِهِ؛ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ مِنْ حَدِّ الظَّاهِرِ حَيْثُ حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ بَلْ يُعْفَى عَنْهُ م ر. وَعَلَيْهِ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لَوْ حَصَلَ ذَلِكَ فِيهَا أج.
قَوْلُهُ: (فِي حَدِّ الظَّاهِرِ) أَيْ حَدٍّ هُوَ الظَّاهِرُ فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، فَالْمُرَادُ بِالظَّاهِرِ مَا فَوْقَ مَخْرَجِ الْحَاءِ إلَى الشَّفَةِ كَمَا قَالَهُ ح ف، وَالْبَاطِنُ هُوَ مَخْرَجُ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ م د. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: الْأَوْلَى حَذْفُ حَدٍّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِّهِ طَرَفُهُ الَّذِي يَلِيهِ بَاطِنٌ وَلَيْسَ قَيْدًا، إذْ الْمَدَارُ عَلَى حُصُولِهَا فِي الظَّاهِرِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ وَسَطِهِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَتِهَا مَنْ يُرِيدُ تَحْدِيدَهُ عِبَارَةُ حَجّ.
تَنْبِيهٌ: ذِكْرُ حَدٍّ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِي عِبَارَتِهِ وَإِنْ أَتَى بِهِ شَيْخُنَا فِي مُخْتَصَرِهِ بَلْ هُوَ مُوهِمٌ إلَّا أَنْ تَجْعَلَ الْإِضَافَةَ بَيَانِيَّةً، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ يُرِيدُ تَحْدِيدَهُ؛ وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْحَدِّ أَهُوَ الْمُعْجَمَةُ وَعَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ أَوْ الْمُهْمَلَةُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا تَقَرَّرَ، فَيَدْخُلُ مَا قَبْلَهُ؛ وَمِنْهُ الْمُعْجَمَةُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْمُهْمَلَةُ عَلَى الرَّاجِحِ) فَمَا فَوْقَ مَخْرَجِ الْحَاءِ ظَاهِرٌ بِالنَّظَرِ لِلنُّخَامَةِ وَبَاطِنٌ بِالنَّظَرِ لِلرِّيقِ.
ذَلِكَ فَوَصَلَتْ الْجَوْفَ أَفْطَرَ لِتَقْصِيرِهِ، وَكَالْقَيْءِ التَّجَشُّؤُ فَإِنْ تَعَمَّدَهُ وَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ مَعِدَتِهِ إلَى حَدِّ الظَّاهِرِ أَفْطَرَ، وَإِنْ غَلَبَهُ فَلَا.
(وَ) الرَّابِعُ (الْوَطْءُ) بِإِدْخَالِ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا (عَمْدًا) مُخْتَارًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ (فِي الْفَرْجِ) وَلَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ أَنْزَلَ أَمْ لَا، فَلَا يُفْطِرُ بِالْوَطْءِ نَاسِيًا، وَإِنْ كَثُرَ، وَلَا بِالْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ إنْ قُلْنَا بِتَصَوُّرِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَلَا مَعَ جَهْلِ تَحْرِيمِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْأَكْلِ.
(وَ) الْخَامِسُ (الْإِنْزَالُ) وَلَوْ قَطْرَةً (عَنْ مُبَاشَرَةٍ) بِنَحْوِ لَمَسٍّ كَقُبْلَةٍ بِلَا حَائِلٍ لِأَنَّهُ يُفْطِرُ بِالْإِيلَاجِ بِغَيْرِ إنْزَالٍ فَبِالْإِنْزَالِ مَعَ نَوْعِ شَهْوَةٍ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِحَائِلٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ كَالِاحْتِلَامِ، وَحَرُمَ نَحْوُ لَمَسٍّ كَقُبْلَةٍ إنْ حَرَّكَتْ شَهْوَةً خَوْفَ الْإِنْزَالِ وَإِلَّا فَتَرْكُهُ أَوْلَى (وَ) السَّادِسُ (الْحَيْضُ)
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلْيَمُجَّهَا) فَلَوْ كَانَ فِي فَرْضِ صَلَاةٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَجِّهَا إلَّا بِظُهُورِ حَرْفَيْنِ أَيْ فَأَكْثَرَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، بَلْ تَتَعَيَّنُ مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَتِهَا كَالتَّنَحْنُحِ لِتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ أَمْكَنَ إلَخْ) فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: وُصُولِهَا إلَى الظَّاهِرِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى مَجِّهَا.
قَوْلُهُ: (التَّجَشُّؤُ) بِالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهِ كَالتَّبَرُّؤِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ بَاءً وَقَلْبِ ضَمَّةِ الشِّينِ كَسْرَةً كَالتِّبْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (بِإِدْخَالِ حَشَفَةٍ إلَخْ) احْتَرَزَ بِالْإِدْخَالِ عَمَّا لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ وَلَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَنْزَلَ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ كَالْإِنْزَالِ بِالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ أج عَنْ ز ي. وَمَعَ ذَلِكَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (فِي الْفَرْجِ) أَيْ الَّذِي يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا ق ل. وَتُفْطِرُ الْمَرْأَةُ بِإِدْخَالِهَا ذَكَرًا مُبَانًا وَعَكْسِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى صَاحِبِ الْفَرْجِ الْمُبَانِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى خِلَافًا لِمَا تَوَهَّمَهُ الْأَغْبِيَاءُ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَا بِالْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ) أَيْ الْوَطْءِ مَا لَمْ يَكُنْ زِنًا، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ فَيُفْطِرُ بِهِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا عَمِيرَةُ سم، وَأَقَرَّهُ أج؛ وَاعْتَمَدَ الْعَلَّامَةُ الْعَزِيزِيُّ الْإِطْلَاقَ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ عَدَمَ الْإِفْطَارِ لِشُبْهَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْوَطْءِ وَالْحُرْمَةِ مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِنْزَالُ إلَخْ) . حَاصِلُ الْإِنْزَالِ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِالِاسْتِمْنَاءِ، أَيْ بِطَلَبِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، سَوَاءٌ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ زَوْجَتِهِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا بِحَائِلٍ أَوْ لَا يُفْطِرُ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِنْزَالُ بِاللَّمْسِ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الِاسْتِمْنَاءِ، أَيْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَتَارَةً تَكُونُ مِمَّا تَشْتَهِيهِ الطَّبَائِعُ السَّلِيمَةُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ لَا تَشْتَهِيهِ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ كَالْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ وَالْعُضْوِ الْمُبَانِ فَلَا يُفْطِرُ بِالْإِنْزَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا، بِحَائِلٍ أَوْ لَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِنْزَالُ بِلَمْسِ مَا يُشْتَهَى طَبْعًا فَتَارَةً يَكُونُ مُحَرَّمًا وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ مُحَرَّمٍ، فَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا وَكَانَ بِشَهْوَةٍ وَبِدُونِ حَائِلٍ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا، وَأَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ كَزَوْجَتِهِ فَيُفْطِرُ الْإِنْزَالُ بِلَمْسِهِ مُطْلَقًا بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا بِشَرْطِ عَدَمِ الْحَائِلِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَائِلٍ فَلَا فِطْرَ بِهِ مُطْلَقًا بِشَهْوَةٍ أَوْ لَا؛ أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ لَمْسٍ) أَيْ لِمَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مُطْلَقًا وَلِمَا لَا يَنْقُضُ كَمُحَرَّمٍ إنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ.
كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَالْأَمْرَدُ كَالْمُحَرَّمِ.
قَوْلُهُ: (بِلَا حَائِلٍ) مُتَعَلِّقٌ بِلَمْسٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِحَائِلٍ) مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ إخْرَاجَ الْمَنِيِّ وَإِلَّا أَفْطَرَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْحَائِلِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَصَدَ اللَّذَّةَ فَقَطْ ع ش وح ف. وَقَوْلُهُ " بِحَائِلٍ " أَيْ وَلَوْ كَانَ رَقِيقًا جِدًّا.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ) مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ الْإِنْزَالُ بِهِمَا وَإِلَّا أَفْطَرَ كَمَا فِي م ر، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ وَتَهْيِئَتِهِ لِلْخُرُوجِ بِسَبَبِ اسْتِدَامَةِ النَّظَرِ فَاسْتَدَامَهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ قَطْعًا شَرْحُ م ر. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: نَعَمْ إنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْإِنْزَالَ بِهِمَا أَوْ كَرَّرَهُمَا حَتَّى أَنْزَلَ أَفْطَرَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (كَقُبْلَةٍ إنْ حَرَّكَتْ شَهْوَةً) هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا فَمِنْ خَصَائِصِهِ الْقُبْلَةُ فِي الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِ الشَّهْوَةِ، «فَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ عَائِشَةَ وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا» ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلَعْ رِيقَهُ الْمُخْتَلِطَ بِرِيقِهَا كَمَا فِي ح ل فِي السِّيرَةِ.
قَالَ فِي الْخَصَائِصِ: اُخْتُصَّ بِجَوَازِ الْقُبْلَةِ بِضَمِّ الْقَافِ فِي الصَّوْمِ الْمَفْرُوضِ مَعَ قُوَّةِ شَهْوَتِهِ.
رَوَى الْبَيْهَقِيُّ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصُّ لِسَانَهَا» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالْأَرْبَعَةِ عَنْهَا: «أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ، فَجَعَلُوا الْقُبْلَةَ سُنَّةً لِلصَّائِمِ وَقُرْبَةً مِنْ الْقُرَبِ اقْتِدَاءً بِهِ؛ وَكَرِهَهَا آخَرُونَ وَرَدُّوا عَلَى أُولَئِكَ بِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ إرْبَهُ فَلَيْسَ كَغَيْرِهِ؛ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي خَبَرِهِمَا عَنْهَا، وَلَفْظُهُ: «كَانَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمَلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا تَحْرُمُ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ وَتُبَاحُ لِغَيْرِهِ، وَكَيْفَمَا كَانَ لَا يُفْطِرُ إلَّا
لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَكَوْنُ الصَّوْمِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ، وَهَلْ وَجَبَ عَلَيْهَا ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
قَالَ فِي الْبَسِيطِ: وَلَيْسَ لِهَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ.
وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: يَظْهَرُ هَذَا وَشِبْهُهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالتَّعَالِيقِ بِأَنْ يَقُولَ: مَتَى وَجَبَ عَلَيْك صَوْمٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
(وَ) السَّابِعُ (النِّفَاسُ) لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ مُجْتَمِعٌ.
(وَ) الثَّامِنُ (الْجُنُونُ) لِمُنَافَاتِهِ الْعِبَادَةَ.
(وَ) التَّاسِعُ (الرِّدَّةُ) لِمُنَافَاتِهَا الْعِبَادَةَ.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ بَيَانِ الْعَاشِرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْوِلَادَةُ فَإِنَّهَا مُبْطِلَةٌ لِلصَّوْمِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي التَّحْقِيقِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ إلْحَاقِهَا بِالِاحْتِلَامِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ، وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ تَرَكَهُ لِهَذَا الْخِلَافِ أَوْ لِنِسْيَانٍ أَوْ سَهْوٍ.
.
(وَيُسْتَحَبُّ فِي الصَّوْمِ) وَلَوْ نَفْلًا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا (ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ زَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ إنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَرَأَى أَنَّ فِيهِ فَضِيلَةً وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ نَصِّ الْإِمَامِ.
وَيُسَنُّ كَوْنُهُ عَلَى رُطَبٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَعَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ لِخَبَرِ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ»
[حاشية البجيرمي]
بِالْإِنْزَالِ.
وَالْقُبْلَةُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: قُبْلَةُ مَوَدَّةٍ نَحْوُ قُبْلَةِ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ فِي الْخَدِّ، وَقُبْلَةُ رَحْمَةٍ وَهِيَ قُبْلَةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ عَلَى الرَّأْسِ، وَقُبْلَةُ شَفَقَةٍ كَقُبْلَةِ الْأُخْتِ لِلْأَخِ عَلَى الْجَبْهَةِ.
وَقُبْلَةُ تَحِيَّةٍ وَهِيَ قُبْلَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْيَدِ.
وَقُبْلَةُ شَهْوَةٍ كَقُبْلَةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ عَلَى الْفَمِ.
اهـ. مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ) وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَمْرٌ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَيْضَ يُضْعِفُ الْبَدَنَ وَالصَّوْمُ يُضْعِفُهُ وَاجْتِمَاعُ مُضْعِفَيْنِ مُضِرٌّ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَالشَّارِعُ نَاظِرٌ لِحِفْظِ الْأَبَدَانِ.
قَوْلُهُ: (وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي وَقَعَتْ لِلشَّارِحِ لَيْسَ فِيهَا لَفْظُ أَوْ الرَّأْسِ عَقِبَ الْجَوْفِ فِيمَا مَرَّ، وَإِلَّا فَلَا سُكُوتَ.
وَلَا حَاجَةَ لِنِسْبَةِ الْمُصَنِّفِ إلَى نِسْيَانٍ أَوْ سَهْوٍ وَلَا لِقَوْلِهِ " وَالظَّاهِرُ إلَخْ " ق ل.
قَوْلُهُ: (لِوُضُوحِ الْفَرْقِ) وَهُوَ أَنَّ الْوِلَادَةَ نَادِرَةٌ بَلْ فِيهَا نَوْعُ اخْتِيَارٍ مِنْ جِهَةِ سَبَبِهَا وَهُوَ الْوَطْءُ، وَلَا كَذَلِكَ الِاحْتِلَامُ فَإِنَّهُ لَا اخْتِيَارَ فِيهِ بَلْ فِيهِ شَائِبَةُ إكْرَاهٍ أج.
قَوْلُهُ: (أَشْيَاءُ) يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ نَائِبِ الْفَاعِلِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَالْفَاعِلِ عُمْدَةٌ لَا يُحْذَفُ إلَّا فِي مَوَاضِعَ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا، فَلَوْ أَبْقَى الْمَتْنَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: وَيُسْتَحَبُّ فِي الصَّوْمِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِلَّا فَهِيَ كَثِيرَةٌ لَكَانَ أَوْلَى؛ وَأَيْضًا جَعْلُ " ثَلَاثَةٌ " خَبَرًا لْمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ الْمُبْتَدَأِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ) خَرَجَ بِتَحَقُّقِ الْغُرُوبِ ظَنُّهُ بِاجْتِهَادِهِ فَلَا يُسَنُّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَظَنُّهُ بِلَا اجْتِهَادٍ وَشَكُّهُ فَيَحْرُمُ بِهِمَا.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: «لَا تَزَالُ» أَيْ تَسْتَمِرُّ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مُدَّةَ تَعْجِيلِهِمْ الْفِطْرَ إلَخْ، وَلِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» وَلِمَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا أَعْجَلَ النَّاسِ إفْطَارًا وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا، وَإِنَّمَا كَانَ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوهُ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَخَّرُوهُ لَكَانُوا مُخَالِفِينَ السُّنَّةَ، وَالْخَيْرُ لَيْسَ إلَّا فِي اتِّبَاعِهَا.
وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ) أَيْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ كَالشِّيعَةِ، فَإِنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الْفِطْرَ إلَى ظُهُورِ النَّجْمِ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ قَصَدَ ذَلِكَ) أَيْ التَّأْخِيرَ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى تَمْرٍ) مَا لَمْ يُعَارِضْهُ سَنُّ التَّعْجِيلِ بِأَنْ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ الْفِطْرِ عَلَى مَا ذَكَرَ التَّأْخِيرُ، وَإِلَّا رَاعَى التَّعْجِيلَ ح ف. وَقَوْلُ الْأَطِبَّاءِ: إنَّ التَّمْرَ يُضْعِفُ الْبَصَرَ مَحْمُولٌ عَلَى كَثِيرِهِ دُونَ قَلِيلِهِ فَإِنَّهُ يُقَوِّيهِ.
اهـ. شَرْحُ الْعُبَابِ لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ) وَيُقَدَّمُ مَاءُ زَمْزَمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَبَعْدَ الْمَاءِ شَيْءٌ حُلْوٌ كَزَبِيبٍ وَحُلْوٍ، وَيُقَدَّمُ اللَّبَنُ عَلَى الْعَسَلِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَيُقَدَّمُ الْعَسَلَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا الْجِمَاعَ أَفْطَرَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَا يُسَنُّ الْفِطْرُ عَلَيْهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا وَجَدَ غَيْرَهُ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (حَسَا حَسَوَاتٍ) أَيْ جَرَعَ جَرَعَاتٍ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: حَسَا أَيْ مَلَأَ
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَيُسَنُّ السُّحُورُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ.
«تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» وَلِخَبَرِ الْحَاكِمِ فِي صَحِيحِهِ «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِقَيْلُولَةِ النَّهَارِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» . .
(وَ) الثَّانِي (تَأْخِيرُ السُّحُورِ) مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ لِخَبَرِ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَةِ، فَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ كَأَنْ تَرَدَّدَ فِي بَقَاءِ اللَّيْلِ لَمْ يُسَنَّ التَّأْخِيرُ بَلْ الْأَفْضَلُ تَرْكُهُ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك»
تَنْبِيهٌ: لَوْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِسَنِّ السُّحُورِ كَمَا ذَكَرْته لَكَانَ أَوْلَى فَإِنَّ اسْتِحْبَابَهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ
[حاشية البجيرمي]
فَمَه مِنْ الْمَاءِ، وَحَسَوَاتٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا مَعَ فَتْحِ السِّينِ وَالْحُسْوَةُ مِلْءُ الْفَمِ بِالْمَاءِ.
قَالَ م ر: قَضِيَّتُهُ أَنَّ السُّنَّةَ تَثْلِيثُ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ مِنْ رُطَبٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا يَقْتَضِيهِ تَصْرِيحُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ بِتَمْرٍ، إذْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ.
وَتَعْبِيرُ جَمْعٍ بِتَمْرَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا أَصْلُ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ السُّحُورُ) السُّحُورُ بِضَمِّ السِّينِ الْفِعْلُ، أَمَّا بِفَتْحِهَا فَمَا يَتَسَحَّرُ بِهِ.
فَإِنْ قُلْت: حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّوْمِ خُلُوُّ الْجَوْفِ لِإِذْلَالِ النَّفْسِ وَكَفِّهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا وَالسُّحُورُ يُنَافِي ذَلِكَ؟ قُلْت: لَا يُنَافِيهِ بَلْ فِيهِ إقَامَةُ السُّنَّةِ بِنَحْوِ قَلِيلِ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ، وَالْمُنَافِي إنَّمَا هُوَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُتَرَفِّهُونَ مِنْ أَنْوَاعِ ذَلِكَ وَتَحْسِينُهُ وَالِامْتِلَاءُ مِنْهُ اهـ عَلْقَمِيٌّ.
وَفِي الْعُهُودِ لِلشَّعْرَانِيِّ: أُخِذَ عَلَيْنَا الْعُهُودُ أَنْ لَا نَشْبَعَ الشِّبَعَ الْكَامِلَ قَطُّ لَا سِيَّمَا فِي لَيَالِيِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ الْأَوْلَى النَّقْصُ فِيهَا عَنْ مِقْدَارِ مَا كُنَّا نَأْكُلُهُ فِي غَيْرِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ شَهْرُ الْجُوعِ، وَمَنْ شَبِعَ فِي عَشَائِهِ وَسُحُورِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ رَمَضَانَ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُفْطِرِ مِنْ حَيْثُ الْأَثَرُ الْمَشْرُوعُ لَهُ الصَّوْمُ وَهُوَ إضْعَافُ الشَّهْوَةِ الْمُضَيِّقَةِ لِمَجَارِي الشَّيْطَانِ فِي الْبَدَنِ، وَهَذَا الْأَمْرُ بَعِيدٌ عَلَى مَنْ شَبِعَ مِنْ اللَّحْمِ وَالْمَرَقِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مُرْضِعَةً أَوْ شَخْصًا يَتَعَاطَى فِي النَّهَارِ الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى،.
وَقَدْ قَالُوا: مَنْ أَحْكَمَ الْجُوعَ فِي رَمَضَانَ حُفِظَ مِنْ الشَّيْطَانِ إلَى رَمَضَانَ الْآتِي؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ جُنَّةٌ عَلَى بَدَنِ الصَّائِمِ مَا لَمْ يَخْرِقْهُ شَيْءٌ فَإِذَا خَرَقَهُ دَخَلَ الشَّيْطَانُ لَهُ مِنْ الْخَرْقِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَرَكَةً) أَيْ أَجْرًا وَثَوَابًا، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يُقْرَأَ السُّحُورُ بِالضَّمِّ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي الْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (وَبِقَيْلُولَةِ النَّهَارِ) الْقَيْلُولَةُ هِيَ الرَّاحَةُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَوْ بِلَا نَوْمٍ وَقِيلَ هِيَ النَّوْمُ بَعْدَهُ ق ل وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ وَفِي تَذْكِرَةِ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ النَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَيْلُولَةٌ وَهُوَ الْفَقْرُ وَعِنْدَ الضُّحَى فَيْلُولَةٌ وَهُوَ الْفُتُورُ وَحِينَ الزَّوَالِ قَيْلُولَةٌ وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي الْعَقْلِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ حَيْلُولَةٌ أَيْ يُحِيلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِ النَّهَارِ غَيْلُولَةٌ أَيْ يُورِثُ الْهَلَاكَ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ لِكَثْرِ مَفَاسِدِهِ الْأُخْرَوِيَّةِ، بَلْ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْغَفْلَةَ وَالشُّبُهَاتِ وَفَسَادَ الْمِزَاجِ الطَّبِيعِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ وَيُكْثِرُ الْبَلْغَمَ وَالسَّوْدَاءَ وَيُضْعِفُ الْمَعِدَةَ وَيُنْتِنَ الْفَمَ وَيُوَلِّدُ دُونَ الْقُرُحِ وَيُضْعِفُ الْبَصَرَ وَالْبَاهَ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ دَاعِيَةٌ لِلْجِمَاعِ، وَيُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُورِثُ الْأَمْرَاضَ الْمُزْمِنَةَ فِي الْوَلَدِ الْمُتَخَلَّقِ مِنْ تِلْكَ النُّطْفَةِ حَالَ تَكْوِينِهِ، وَيُضْعِفُ الْجَسَدَ.
هَذَا فِي النَّوْمِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ، وَأَمَّا فِيهِمَا فَأَعْظَمُ ضَرَرًا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاءُ مَفَاسِدِهِ فِي الْعَقْلِ وَالنَّفْسِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ يُورِثُ ضَعْفَ الْحَالِ بِحُكْمِ الْخَاصِّيَّةِ وَعَدَمِ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ؛ قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْهَمَزِيَّةِ: بِخِلَافِ الْإِغْفَاءِ وَهُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ إنَّمَا يَتَوَلَّدُ عَنْ نَوْمِ الْقَلْبِ وَغَفْلَتِهِ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الشِّبَعِ الْمُفْرِطِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ حَاشِيَةِ ابْنِ الْقِيمَةِ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ) أَيْ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ شَكَّ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ أَوْقَعَهُ ذَلِكَ فِي شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ مُقَابِلُ قَوْلِهِ " مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ ".
قَوْلُهُ: (لَمْ يُسَنَّ التَّأْخِيرُ) أَيْ حَيْثُ أَوْقَعَ التَّأْخِيرُ فِي شَكٍّ، وَقَوْلُهُ " تَرْكُهُ " أَيْ التَّأْخِيرِ.
قَوْلُهُ: «دَعْ مَا يَرِيبُك» أَيْ دَعْ مَا يُوقِعُك فِي شَكٍّ إلَى مَا لَا يُوقِعُك فِيهِ، أَيْ وَانْتَقِلْ وَاعْدِلْ إلَى مَا لَا يَرِيبُك، فَقَوْلُهُ " إلَى " مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وَ " يَرِيبُك " بِفَتْحِ الْيَاءِ فِيهِمَا وَمَاضِيهِ رَابَ.
قَوْلُهُ: (لَوْ صَرَّحَ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ الْحُكْمَ لَا عَلَى جِهَةِ الصَّرَاحَةِ.
وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَرَّحَ بِسَنِّ تَأْخِيرِ السُّحُورِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ سَنَّ السُّحُورِ لِتَوَقُّفِ تَحَقُّقِ التَّأْخِيرِ الْمَسْنُونِ عَلَى
يَحْصُلُ بِكَثِيرِ الْمَأْكُولِ وَقَلِيلِهِ، فَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةِ مَاءٍ» وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ.
.
(وَ) الثَّالِثُ (تَرْكُ الْهَجْرِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ: تَرْكُ الْهِجْرَانِ (مِنْ الْكَلَامِ) جَمِيعَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: هَذَا أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ.
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» أَمَّا الْهُجْرُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ الِاسْمُ مِنْ الْإِهْجَارِ وَهُوَ الْإِفْحَاشُ فِي النُّطْقِ فَلَيْسَ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ إذْ كَلَامُهُ فِيمَا هُوَ سُنَّةٌ، وَتَرْكُ فُحْشِ الْكَلَامِ مِنْ عَيْبَةٍ وَغَيْرِهَا وَاجِبٌ.
وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِالضَّمِّ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ كَمَا اُعْتُرِضَ عَلَى الْمِنْهَاجِ فِي قَوْلِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ: وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ بِأَنَّ صَوْنَ اللِّسَانِ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُسَنُّ لِلصَّائِمِ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ فَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِارْتِكَابِ ذَلِكَ بِخِلَافِ ارْتِكَابِ مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ كَالِاسْتِقَاءَةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَحَدِيثُ «خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ الْغَيْبَةُ وَالنَّمِيمَةُ» إلَى آخِرِهِ ضَعِيفٌ، وَإِنْ صَحَّ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَالْمُرَادُ بُطْلَانُ الثَّوَابِ لَا الصَّوْمِ، قَالَ: وَمِنْ هُنَا حَسُنَ عَدُّ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ آدَابِ الصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا مُطْلَقًا.
.
وَيُسَنُّ تَرْكُ شَهْوَةٍ لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ كَشَمِّ الرَّيَاحِينِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّرَفُّهِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ حِكْمَةَ الصَّوْمِ، وَتَرْكُ نَحْوِ حَجْمٍ كَفَصْدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُهُ، وَتَرْكُ ذَوْقِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ خَوْفَ وُصُولِهِ حَلْقَهُ، وَتَرْكُ عَلْكٍ
[حاشية البجيرمي]
وُجُودِهِ مُؤَخَّرًا.
اهـ. م د. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ سَنِّ التَّأْخِيرِ كَوْنُ السُّحُورِ نَفْسِهِ سُنَّةً بَلْ يَصْدُقُ بِالْإِبَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (بِكَثِيرِ الْمَأْكُولِ وَقَلِيلِهِ) أَيْ وَكَثِيرِ الْمَشْرُوبِ وَقَلِيلِهِ أَخْذًا مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِجُرْعَةِ مَاءٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْجُرْعَةُ مِنْ الْمَاءِ كَاللُّقْمَةِ مِنْ الطَّعَامِ وَهُوَ مَا يُجْرَعُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْجَمْعُ جُرَعٌ مِثْلَ غَرْفَةٍ وَغُرَفٍ.
قَوْلُهُ: (تَرْكُ الْهَجْرِ) أَيْ تَرْكُ هَجْرِ النَّاسِ مِنْ الْكَلَامِ بِأَنْ يُكَلِّمَهُمْ، وَالْهَجْرُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرُ هَجَرَ كَضَرْبِ وَمَعْنَاهُ تَرْكُ الْكَلَامِ.
وَقَدْ أَضَافَ لَهُ الْمُصَنِّفُ لَفْظَ " تَرْكُ "، وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَتَفْسِيرُ الْهَجْرِ بِالتَّرْكِ لَا يُنَافِي تَفْسِيرَهُ بِالْهِجْرَانِ الَّذِي هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْكَلَامِ تَرْكُهُ فَصَارَ مَعْنَاهُ التَّكَلُّمَ.
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى فَتْحِ الْهَاءِ، وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَيَكُونُ اسْمَ مَصْدَرٍ لِأَهْجَرَ بِمَعْنَى أَفَحَشَ، وَالْمَعْنَى: يُسَنُّ تَرْكُ الْكَلَامِ الْفَاحِشِ.
وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ " تَرْكُ الْهِجْرَانِ " لَوْ حَذَفَ الشَّارِحُ لَفْظَ " تَرْكُ " الدَّاخِلَةِ عَلَى الْهِجْرَانِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، وَالْمَعْنَى تَرْكُ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْكَلَامِ؛ وَيَحْصُلُ ذَلِكَ الْكَلَامُ وَالِامْتِنَاعُ تَفْسِيرٌ لِلْهِجْرَانِ؛ وَالْمَعْنَى عَلَى إثْبَاتِ التَّرْكِ تَرْكُ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْكَلَامِ بِأَنْ يَسْكُتَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ التَّكَلُّمُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الِاسْمُ) أَيْ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ الْإِهْجَارِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَهْجَرَ أَيْ أَفْحَشَ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ) لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُرَادُهُ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَبَّادِيُّ: بَلْ هُوَ أَقْعَدُ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي الْمِنْهَاجِ، وَالِاعْتِرَاضُ مَدْفُوعٌ بِمَا سَيَذْكُرُهُ.
اهـ. ق ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيُسَنُّ مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ تَرْكُ فُحْشٍ كَكَذِبٍ وَغِيبَةٍ، لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» اهـ، أَيْ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي تَرْكِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، أَيْ فِي صِيَامِهِ.
فَحَذَفَ الْجَارَّ مِنْ " أَنْ يَدَعَ " وَالتَّقْدِيرُ فِي أَنْ يَدَعَ، وَهُوَ كِنَايَةٌ أَوْ مَجَازٌ عَنْ عَدَمِ نَظَرِهِ تَعَالَى لَهُ نَظَرَ الْعِنَايَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْقَبُولِ وَالتَّفَضُّلِ بِالثَّوَابِ، أَوْ لَا يَطْلُبُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَدَعَ إلَخْ.
فَأَطْلَقَ الْحَاجَةَ وَأَرَادَ الطَّلَبَ مَجَازًا، عِلَاقَتُهُ اللُّزُومُ.
قَوْلُهُ: (وَبَعْضُهُمْ) هُوَ ابْنُ قَاسِمٍ الْغَزِّيُّ، فَإِنَّهُ شَرَحَ الْمَتْنَ وَالْمِنْهَاجَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَاعْتَرَضَ) أَيْ هَذَا الْبَعْضُ، وَهُوَ الْغَزِّيُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ، كَمَا اعْتَرَضَ أَيْ هَذَا الْبَعْضُ الْمَذْكُورُ، فَإِنَّهُ شَرَحَ الْكِتَابَيْنِ أَيْ الْمِنْهَاجَ وَأَبَا شُجَاعٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ صَوْنَ اللِّسَانِ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ) أَيْ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ، وَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَيْنِ: وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ صَوْنِ اللِّسَانِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْدُوبًا مِنْ حَيْثُ الصَّوْمُ.
قَوْلُهُ: (يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ) أَيْ حَقِيقَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ وَكَذَا مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) بَقِيَّتُهُ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: " وَالْكَذِبُ وَالنَّظَرُ إلَى الْمُحَرَّمَاتِ وَالْأَيْمَانُ الْفَاجِرَةُ " وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إبْدَالُ الثَّانِي بِقَوْلِ الزُّورِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ هُنَا) أَيْ مِنْ أَجْلِ بُطْلَانِ ثَوَابِ الصَّوْمِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
قَوْلُهُ:
بِفَتْحِ الْعَيْنِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّيقَ، فَإِنْ بَلَعَهُ أَفْطَرَ فِي وَجْهٍ، وَإِنْ أَلْقَاهُ عَطَّشَهُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ لَيْلًا لِيَكُونَ عَلَى طُهْرٍ مِنْ أَوَّلِ الصَّوْمِ، وَأَنْ يَقُولَ عَقِبَ فِطْرِهِ «اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت» لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَأَنْ يُكْثِرَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ وَمُدَارَسَتَهُ بِأَنْ يَقْرَأَ عَلَى غَيْرِهِ وَيَقْرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فِي رَمَضَانَ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَلْقَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ» . وَأَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ وَلِرَجَاءِ أَنْ يُصَادِفَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إذْ هِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ عِنْدَنَا.
(وَيَحْرُمُ صِيَامُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ) أَيْ مَعَ بُطْلَانِ صِيَامِهَا وَهِيَ (الْعِيدَانِ) الْفِطْرُ وَالْأَضْحَى بِالْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ إلَى نَهْيِ الشَّارِعِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ (وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ) الثَّلَاثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَلَوْ لِمُتَمَتِّعٍ لِلنَّهْيِ عَنْ صِيَامِهَا كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» . .
(وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ:
[حاشية البجيرمي]
عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْفُحْشِ.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) أَيْ الْمَضْغُ، وَبِكَسْرِهَا الْمَعْلُوكُ.
قَوْلُهُ: (فِي وَجْهٍ) أَيْ ضَعِيفٍ، وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَنْفَصِلْ شَيْءٌ مِنْ الْمَعْلُوكِ وَإِلَّا أَفْطَرَ قَطْعًا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ لَيْلًا) قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - يَقُولُ: مَنْ بَاتَ سَكْرَانَ أَوْ جُنُبًا بَاتَ لِلشَّيْطَانِ عَرُوسًا.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ لَك صُمْت) وَيُسَنُّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ: " وَبِك آمَنْت وَبِك وَعَلَيْك تَوَكَّلْت ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، يَا وَاسِعَ الْفَضْلِ اغْفِرْ لِي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي فَصُمْت وَرَزَقَنِي فَأَفْطَرَتْ " اهـ وَالظَّمَأُ مَهْمُوزُ الْآخِرِ مَقْصُورٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَطَشُ، وَلَمْ يَقُلْ وَذَهَبَ الْجُوعُ؛ لِأَنَّ أَرْضَ الْحِجَازِ حَارَّةٌ فَكَانُوا يَصْبِرُونَ عَلَى قِلَّةِ الطَّعَامِ لَا الْعَطَشِ وَيَقُولُ هَذَا إنْ أَفْطَرَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ دَخَلَ وَقْتُ إذْهَابِ الظَّمَأِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمُدَارَسَتَهُ) عَطْفٌ خَاصٌّ وَحَقِيقَةُ الْمُدَارَسَةِ أَنْ يَقْرَأَ الثَّانِي مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَيْ مَا قَرَأَهُ أَوَّلًا، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ الْآنَ فَهِيَ إدَارَةٌ لَا مُدَارَسَةٌ.
قَوْلُهُ: (يَنْسَلِخَ) أَيْ يَفْرُغَ.
قَوْلُهُ: (فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ إلَخْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى يُلْقِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِضَمِّ الْيَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّرْكُ وَلَيْسَ مُرَادًا، قَالَ مد: كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ يُعْطَوْا فَضِيلَةَ حِفْظِ الْقُرْآنِ حَتَّى جِبْرِيلُ النَّازِلُ بِهِ فَكَيْفَ كَانَ يُدَارِسُهُ؟ وَأُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَقْرَأُ أَوَّلًا فَيُعِيدُ جِبْرِيلُ مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالثَّانِي: أَنَّ جِبْرِيلُ كَانَ يَنْظُرُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ حِينَ يَقْرَأُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ هُوَ الْمُثْبَتُ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ.
قَالَ الشَّاطِبِيُّ:
وَكُلُّ عَامٍ عَلَى جِبْرِيلُ يَعْرِضُهُ ... وَقِيلَ آخِرُ عَامٍ مَرَّتَيْنِ قَرَأَ
وَحِكْمَةُ الْعَرْضِ لِأَجْلِ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ.
وَقَوْلُهُ " آخِرُ عَامٍ " أَيْ مِنْ عُمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَمَعْنَى كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يُعْطَوْا فَضِيلَةَ حِفْظِ الْقُرْآنِ، أَيْ عَلَى الدَّوَامِ بِحَيْثُ يَسْتَقِلُّونَ بِقِرَاءَةِ الْمَحْفُوظِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ؛ أَوْ لَا حِفْظَ لَهُمْ أَصْلًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْجَوَابِ الثَّانِي.
وَأَمَّا غَيْرُ جِبْرِيلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ فَكَانُوا يَحْفَظُونَ الْفَاتِحَةَ لِأَنَّهَا كَنُسْخَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
وَقَوْلُهُ " فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ " قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: عَرَضْت الْكِتَابَ عَرْضًا قَرَأْتُهُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ.
قَوْلُهُ: (الثَّلَاثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ) أَيْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهَا اثْنَانِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ) قَيَّدَ بِهِ لِدَفْعِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا ثَلَاثَةٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِمُتَمَتِّعٍ) غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ إنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ الْعَاجِزِ عَنْ الدَّمِ وَصَوْمُهَا عَنْ الثَّلَاثَةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْحَجِّ؛ وَالْمُتَمَتِّعُ هُوَ الَّذِي أَتَى بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ) إنْ قُلْت: مَا فَائِدَةُ تَنْصِيصِهِمْ عَلَى كَرَاهَةِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ أَوْ حُرْمَتِهِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ وَهُوَ مُحَرَّمٌ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ يَوْمِ الشَّكِّ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ لَوْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا؛
وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ تَحْرِيمُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ وَالْمَجْمُوعِ لِقَوْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ " مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ". تَنْبِيهٌ: يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فَيُوَافِقُ الْمُرَجَّحَ فِي الْمَذْهَبِ.
(إلَّا أَنْ يُوَافِقَ) صَوْمُهُ (عَادَةً لَهُ) فِي تَطَوُّعِهِ كَأَنْ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ أَوْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا أَوْ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ فَوَافَقَ صَوْمُهُ يَوْمَ الشَّكِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ كَنَظِيرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِخَبَرِ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» وَقِيسَ بِالْوِرْدِ الْبَاقِي بِجَامِعِ السَّبَبِ، فَلَوْ صَامَهُ بِلَا سَبَبٍ لَمْ يَصِحَّ كَيَوْمِ الْعِيدِ بِجَامِعِ التَّحْرِيمِ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ يَصِلَهُ بِمَا قَبْلَهُ) مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ ابْتِدَاءِ صَوْمِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ تَطَوُّعًا وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالْأَصَحُّ فِي الْمَجْمُوعِ تَحْرِيمُهُ بِلَا سَبَبٍ إنْ لَمْ يَصِلْهُ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ صَامَهُ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ لِخَبَرِ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَكْفِي وَصْلُ يَوْمِ الشَّكِّ إلَّا بِمَا قَبْلَ النِّصْفِ الثَّانِي، وَلَوْ وَصَلَ النِّصْفَ الثَّانِيَ بِمَا قَبْلَهُ ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ حَرُمَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَادَةٌ قَبْلَ النِّصْفِ الثَّانِي فَلَهُ صَوْمُ أَيَّامِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اُسْتُحِبَّ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ إذَا أَطْبَقَ الْغَيْمُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ حَيْثُ قَالَ بِوُجُوبِ صَوْمِهِ حِينَئِذٍ؟ أُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُرَاعِي الْخِلَافَ إذَا خَالَفَ سُنَّةً صَرِيحَةً وَهِيَ هُنَا خَبَرُ «إذَا غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وَيَوْمُ الشَّكِّ هُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ أَوْ شَهِدَ بِهَا عَدَدٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ كَصِبْيَانٍ أَوْ نِسَاءٍ أَوْ عَبِيدٍ أَوْ فَسَقَةٍ وَظَنَّ صِدْقَهُمْ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ
[حاشية البجيرمي]
وَبَيَانُ أَنَّ صَوْمَهُ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ لِشَيْئَيْنِ: كَوْنِهِ يَوْمَ الشَّكِّ وَكَوْنِهِ بَعْدَ النِّصْفِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ فِيهِ أَعْظَمَ مِنْهُ فِيمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ) وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَصْلُهُ عَنْ الْحَرَامِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ حَرَامٌ لَقَالَ: وَيَوْمَ الشَّكِّ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) عَبَّرَ بِهِ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مَتَى أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ.
قَوْلُهُ: (يَسْرُدَ) فِي الْمُخْتَارِ سَرَدَ الصَّوْمَ أَدَامَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَذْرٍ) أَيْ مُتَقَدِّمٍ لَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَهُ فِيهِ إذْ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَالنِّصْفِ الثَّانِي وَحْدَهُ لَا يَصِحُّ أج.
فَصُورَةُ النَّذْرِ أَنْ يَنْذُرَ صَوْمَ الِاثْنَيْنِ مَثَلًا فَيُوَافِقُ يَوْمَ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (كَنَظِيرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى نَظِيرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، أَيْ الْمَقْضِيَّةِ وَالْمَنْذُورَةِ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ تَحَرَّى فِيهِ صَوْمَ قَضَاءٍ لَمْ يَنْعَقِدْ ق ل. وَيُعْلَمُ هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ أج: لَمْ يَقْصِدْ إيقَاعَهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ، وَالْأَصْلُ: لَا تَتَقَدَّمُوا.
" وَرَجُلٌ " بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ.
قَوْلُهُ: (بِالْوِرْدِ) أَيْ الْعَادَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِالْوَارِدِ، أَيْ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (الْبَاقِي) كَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلْقِيَاسِ بَعْدُ وَقَوْلُهُ " كَنَظِيرِهِ إلَخْ " لِأَنَّهُ قِيَاسٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ قِيَاسُ الصَّوْمِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَهُنَا قِيَاسُ صَوْمٍ عَلَى صَوْمٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، إذْ قَوْلُهُ " أَوْ يَصِلَهُ بِمَا قَبْلَهُ " أَيْ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْقَبْلُ جَائِزًا صَوْمُهُ كَصَوْمِ يَوْمٍ مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَلَوْ آخِرَهُ كَالْخَامِسِ عَشَرَ وَاسْتَمَرَّ إلَى أَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا فِطْرٍ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ صَامَهُ عَنْ قَضَاءٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: " يَصِلَهُ " وَالْأَوْلَى أَوْ يَصِمَهُ كَمَا فِي حَجّ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِمَا قَبْلَهُ إلَخْ) لَوْ حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَهِدَ) مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ وَلَمْ يَشْهَدْ بِهَا أَحَدٌ أَوْ شَهِدَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فَسَقَةٍ) أَوْ كُفَّارٍ نَعَمْ مَنْ اعْتَقَدَ صِدْقَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذَكَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَصَحَّ مِنْهُ وَوَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْهُ، وَمَنْ ظَنَّ صِدْقَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذَكَرَ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ وَلَمْ يَظُنَّ الصِّدْقَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَالْأَحْكَامُ ثَلَاثَةٌ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَظَنَّ صِدْقَهُمْ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَيْدًا فِي يَوْمِ الشَّكِّ، وَإِنَّمَا هُوَ قَيْدٌ فِي صِحَّةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ وَجَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إذَا ظَنَّ صِدْقَهُمْ يَصِحُّ صَوْمُهُ وَلَيْسَ يَوْمُ شَكٍّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ
مِنْهُ.
نَعَمْ مَنْ اعْتَقَدَ صِدْقَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ رَآهُ مِمَّنْ ذَكَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَغَوِيِّ فِي طَائِفَةٍ أَوَّلَ الْبَابِ، وَتَقَدَّمَ فِي أَثْنَائِهِ صِحَّةُ نِيَّةِ الْمُعْتَقِدِ لِذَلِكَ وَوُقُوعُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ إذَا تَبَيَّنَ كَوْنَهُ مِنْهُ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَا ذَكَرَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ الَّذِي يَحْرُمُ صَوْمُهُ هُوَ عَلَى مَنْ لَمْ يَظُنَّ الصِّدْقَ هَذَا مَوْضِعٌ، وَأَمَّا مَنْ ظَنَّهُ أَوْ اعْتَقَدَهُ صَحَّتْ النِّيَّةُ مِنْهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَهَذَانِ مَوْضِعَانِ، فَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ مُتَنَاقِضٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ، وَفِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ، وَفِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ مَمْنُوعٌ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَدَّثْ أَحَدٌ بِالرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ شَكٍّ بَلْ هُوَ مِنْ شَعْبَانَ، وَإِنْ أَطْبَقَ الْغَيْمُ لِخَبَرِ «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ.» .
فَرْعٌ: الْفِطْرُ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ وَاجِبٌ إذْ الْوِصَالُ فِي الصَّوْمِ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا حَرَامٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ
[حاشية البجيرمي]
كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ صَارَ يَوْمَ شَكٍّ فَلَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ تَارَةً يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ فَيَحْرُمُ صَوْمُهُ، وَتَارَةً يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَيَجِبُ صَوْمُهُ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ الصِّدْقَ أَوْ يَجُوزُ لِمَنْ ظَنَّ الصِّدْقَ.
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ ذَكَرَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِعَدَدٍ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ.
قَوْلُهُ: (فِي طَائِفَةٍ) أَيْ مَعَ طَائِفَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (الْمُعْتَقِدِ) الْمُرَادُ بِهِ الظَّانُّ لِئَلَّا يَتَّحِدَ مَعَ الْأَوَّلِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: صِحَّةُ نِيَّةِ الظَّانِّ وَوُقُوعُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ إذَا تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ الْوُجُوبُ وَالْجَوَازُ وَالِامْتِنَاعُ.
قَوْلُهُ: (صَحَّتْ النِّيَّةُ) أَيْ مَعَ جَوَازِ الصَّوْمِ؛ وَهَذَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، فَكَلَامُهُ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ.
قَوْلُهُ: (وَوَجَبَ) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الظَّنِّ فَيَجُوزُ وَلَا يَجِبُ؛ وَإِذَا انْتَفَى الِاعْتِقَادُ وَالظَّنُّ امْتَنَعَ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " وَهَذَانِ مَوْضِعَانِ " أَيْ الظَّنُّ وَالِاعْتِقَادُ.
قَوْلُهُ: (فِي مَوْضِعٍ يَجِبُ) أَيْ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (بَلْ هُوَ مِنْ شَعْبَانَ) أَيْ فَيَحْرُمُ صَوْمُهُ لِكَوْنِهِ بَعْدَ النِّصْفِ لَا لِكَوْنِهِ يَوْمَ شَكٍّ، وَأَمَّا يَوْمُ الشَّكِّ فَيَحْرُمُ لِسَبَبَيْنِ.
قَوْلُهُ (الْفِطْرُ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ) أَيْ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ إلَخْ، وَإِلَّا فَفِي اللَّيْلِ يَحْكُمُ عَلَى الشَّخْصِ بِأَنَّهُ مُفْطِرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَاطَ مُفْطِرًا؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ فَيَصْدُقُ عَلَى الشَّخْصِ فِيهِ أَنَّهُ مُفْطِرٌ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ شَيْئًا مِنْ الْمُفْطِرَاتِ حَقِيقَةً.
وَشَمِلَ تَعَاطِي الْمُفْطِرِ مَا كَانَ عَلَى جَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ، أَيْ إذَا تَعَاطَى مُفْطِرًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا كَفَى فَيَخْرُجُ مِنْ الْحُرْمَةِ.
قَالَ فِي الْخَصَائِصِ: وَاخْتَصَّ بِجَوَازِ الْوِصَالِ لَهُ فِي الصَّوْمِ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، قِيلَ: فَإِنَّك تُوَاصِلُ.
قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي إنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي فَاكْلَفُوا» بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ الْزَمُوا " مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ". وَأَنْ يَجْتَنِبُوا تَتَابُعَ الصَّوْمِ بِغَيْرِ فِطْرٍ لَيْلًا، فَإِنَّهُ حَرَامٌ يُوجِبُ الْفِسْقَ وَالْمَلَلَ وَالْعَجْزَ عَنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ وَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهَا، فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي أَيْ عَلَى صِفَتِي وَمَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي، فَإِنِّي أَبِيتُ أَيْ أَنَا عِنْدَ رَبِّي دَائِمًا أَبَدًا؛ فَهِيَ عِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٍ، يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي حَقِيقَةً بِأَنْ يُطْعَمَ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَهُوَ لَا يُفْطِرُ، أَوْ مَجَازًا عَمَّا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمَعَارِفِ وَيُفِيضُهُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ.
وَغِذَاءُ الْقُلُوبِ وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ أَعْظَمُ أَثَرًا مِنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ وَالْأَشْبَاحِ.
فَلِلْأَنْبِيَاءِ جِهَةُ تَجَرُّدٍ وَجِهَةُ تَعَلُّقٍ، فَبِالنَّظَرِ لِلْأَوَّلِ الَّذِي يُفَاضُ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ الْمَبْدَإِ الْأَوَّلِ مَصُونُونَ عَمَّا يَلْحَقُ غَيْرَهُمْ مِنْ الْبَشَرِ مِنْ ضَعْفٍ وَعَطَشٍ وَجُوعٍ وَفُتُورٍ، وَبِالنَّظَرِ لِلثَّانِي بِهِ يُفِيضُونَ وَيَلْحَقُهُمْ ذَلِكَ ظَاهِرًا لِمُوَافَقَةِ الْجِنْسِ لِتُؤْخَذَ عَنْهُمْ آدَابُ الشَّرِيعَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُمْ الْأَخْذُ عَنْهُمْ، فَظَوَاهِرُهُمْ بَشَرِيَّةٌ تَلْحَقُهُمْ الْآفَاتُ وَبَوَاطِنُهُمْ رَبَّانِيَّةٌ تَتَلَذَّذُ بِلَذَّةِ الْمُنَاجَاةِ، فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَ هُنَا وَبَيْنَ رَبْطِهِ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ أَحْوَالَهُمْ الظَّاهِرَةَ يُسَاوُونَ فِيهَا الْجِنْسَ وَأَحْوَالَهُمْ الْبَاطِنَةَ يُفَارِقُونَهُمْ فِيهَا، فَظَوَاهِرُهُمْ لِلْخَلْقِ كَمِرْآةٍ يُبْصِرُونَ فِيهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَبَوَاطِنُهُمْ فِي حُجُبِ