حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 331-370
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ

صفحات 331-370
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

تَسْتَحِقُّ بِالْأُمُومَةِ، وَالْأُمُّ أَقْرَبُ مِنْهَا كَمَا مَرَّ (وَ) يَسْقُطُ (الْأَجْدَادُ) الْمُدْلُونَ إلَى الْمَيِّتِ بِمَحْضِ الذُّكُورِ (بِالْأَبِ) وَبِكُلِّ جَدٍّ هُوَ إلَى الْمَيِّتِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ بِالْإِجْمَاعِ (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأُمِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (مَعَ) وُجُودِ (أَرْبَعَةٍ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا (الْوَلَدُ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَوَلَدُ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَالْأَبُ وَالْجَدُّ) بِالْإِجْمَاعِ وَلِآيَتَيْ الْكَلَالَةِ الْمُفَسَّرَةِ بِمَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ.
وَأَمَّا الْأُمُّ فَلَا تَحْجُبُهُمْ وَإِنْ أَدْلَوْا بِهَا لِأَنَّ شَرْطَ حَجْبِ الْمُدْلِي بِالْمُدْلَى بِهِ أَمَّا اتِّحَادُ جِهَتِهِمَا كَالْجَدِّ مَعَ الْأَبِ وَالْجَدَّةِ مَعَ الْأُمِّ، أَوْ اسْتِحْقَاقِ الْمُدْلَى بِهِ كُلَّ التَّرِكَةِ لَوْ انْفَرَدَ كَالْأَخِ مَعَ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ وَلَدِهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَأْخُذُ بِالْأُمُومَةِ وَهُوَ بِالْأُخُوَّةِ، وَلَا تَسْتَحِقُّ جَمِيعَ التَّرِكَةِ إذَا انْفَرَدَتْ (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ وَالْأُمِّ) أَيْ الْأَخُ الشَّقِيقُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ (مَعَ ثَلَاثَةٍ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا (الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ (وَالْأَبُ) بِالْإِجْمَاعِ فِي الثَّلَاثَةِ (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ) أَيْ الْأَخُ لِلْأَبِ فَقَطْ مَعَ أَرْبَعَةٍ (بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَبِالْأَخِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ) لِقُوَّتِهِ بِزِيَادَةِ الْقُرْبِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُحْجَبُ أَيْضًا بِبِنْتِ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ أُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَهُ فِيمَنْ يَحْجُبُ بِمُفْرَدِهِ وَكُلٌّ مِنْ الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ لَا تَحْجُبُ الْأَخَ بِمُفْرَدِهَا بَلْ مَعَ غَيْرِهَا؛ وَاَلَّذِي يَحْجُبُ ابْنَ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ سِتَّةٌ: أَبٌ لِأَنَّهُ يَحْجُبُ أَبَاهُ فَهُوَ أَوْلَى، وَجَدٌّ لِأَنَّهُ فِي دَرَجَةِ أَبِيهِ، وَابْنٌ وَابْنُهُ لِأَنَّهُمَا يَحْجُبَانِ أَبَاهُ فَهُوَ أَوْلَى، وَالْأَخُ لِأَبَوَيْنِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَبَاهُ فَهُوَ يُدْلِي بِهِ وَإِنْ كَانَ عَمَّهُ فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، وَالْأَخُ لِأَبٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُ.
وَابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ يَحْجُبُهُ سَبْعَةٌ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ لِمَا سَبَقَ، وَابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ لِقُوَّتِهِ.
وَالْعَمُّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ ثَمَانِيَةٌ.
هَؤُلَاءِ السَّبْعَةِ لِمَا سَبَقَ، وَابْنُ الْأَخِ لِأَبٍ لِقُرْبِ دَرَجَتِهِ.
وَالْعَمُّ لِأَبٍ يَحْجُبُهُ تِسْعَةٌ هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةِ لِمَا مَرَّ، وَعَمٌّ لِأَبَوَيْنِ لِقُوَّتِهِ، وَابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ عَشَرَةٌ، هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ لِمَا مَرَّ وَعَمٌّ لِأَبٍ لِأَنَّهُ فِي دَرَجَةِ أَبِيهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ.
وَابْنُ عَمٍّ لِأَبٍ يَحْجُبُهُ أَحَدَ عَشَرَ هَؤُلَاءِ الْعَشَرَةُ لِمَا سَلَف وَابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ لِقُوَّتِهِ.
وَالْمُعْتِقُ يَحْجُبُهُ عَصَبَةُ النَّسَبِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ النَّسَبَ أَقْوَى مِنْ الْوَلَاءِ إذْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَلَاءِ كَالْمَحْرَمِيَّةِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَسُقُوطِ الْقِصَاصِ وَعَدَمِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذَلِكَ اخْتِصَارًا.

(وَأَرْبَعَةٌ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ) مَنْصُوبٌ بِالْكَسْرَةِ لِكَوْنِهِ جَمْعَ مُؤَنَّثٍ سَالِمٍ الْأَوَّلُ (الِابْنُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

[حاشية البجيرمي]

وَتَرْتِيبُ الْجِهَاتِ الْبُنُوَّةُ ثُمَّ الْأُبُوَّةُ ثُمَّ الْجُدُودَةُ وَالْأُخُوَّةُ ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ ثُمَّ الْعُمُومَةُ ثُمَّ بَنُونَ الْعُمُومَةِ ثُمَّ الْوَلَاءُ ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ، فَالتَّقْدِيمُ بِقُرْبِ الْجِهَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ ثُمَّ إذَا اتَّحَدَتْ قُدِّمَ بِالْقُرْبِ فِي الدَّرَجَةِ ثُمَّ إذَا اتَّحَدَتْ قُدِّمَ بِالْقُوَّةِ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْجَدَّةَ) الْمُنَاسِبُ الْعَطْفُ لِيَكُونَ مِنْ عَطْفِ عِلَّةٍ عَلَى أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأُمِّ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ يَسْقُطُ بِالْفَرْعِ الْوَارِثِ وَالْأَصْلُ الذَّكَرُ.
قَوْلُهُ: (وَلِآيَتَيْ الْكَلَالَةِ) وَالْأُولَى هِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [النساء: 12] إلَخْ وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: 176] إلَخْ؛ لَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مُدَّعَانَا وَهُوَ سُقُوطُ وَلَدِ الْأُمِّ بِالْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ الْآيَةَ الْأُولَى بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى مَا هُنَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلِآيَةِ الْكَلَالَةِ أَيْ وَلِمَفْهُومِ آيَةِ الْكَلَالَةِ أَيْ الْأُولَى لِأَنَّ وَلَدَ الْأُمِّ مَذْكُورٌ فِيهَا بِقَوْلِهِ ﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: 12] أَيْ مِنْ أُمٍّ وَمَفْهُومُ الْآيَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا خَلَّفَ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا سَقَطَ وَلَدُ الْأُمِّ اهـ. قَوْلُهُ: (أَمَّا اتِّحَادُ جِهَتِهِمَا) أَيْ فِي الْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (كَالْأَخِ مَعَ الْأَبِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: كَالْأَبِ مَعَ الْأَخِ.
قَوْلُهُ: (لِقُوَّتِهِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ حَيْثُ اتَّفَقَتْ الدَّرَجَةُ يُعَبَّرُ بِالْقُوَّةِ وَإِذَا اخْتَلَفَتْ يُعَبَّرُ بِالْقُرْبِ.
قَوْلُهُ: (بِزِيَادَةِ الْقُرْبِ) صَوَابُهُ بِزِيَادَةِ الْقَرَابَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا يَحْجُبَانِ أَبَاهُ) أَيْ ابْنَ الْأَخِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ التَّعَالِيلِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمَحْرَمِيَّةِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي كُلِّ قُرْبٍ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَسُقُوطُ الْقِصَاصِ) أَيْ فَإِنَّ الْأَصْلَ إذَا قُتِلَ فَرْعُهُ لَا يُقْتَلُ فِيهِ؛ وَأَمَّا الْمُعْتِقُ إذَا قُتِلَ عَتِيقُهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ فِيهِ، وَأَيْضًا الْأَصْلُ يُنْفِقُ عَلَى فَرْعِهِ بِخِلَافِ الْمُعْتِقِ فَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ عَتِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَمِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ) بِخِلَافِ الْمُعْتِقِ فَتَصِحُّ شَهَادَتُهُ لِعَتِيقِهِ وَشَهَادَةُ عَتِيقِهِ لَهُ.

قَوْلُهُ: (مَنْصُوبٌ بِالْكِسْرَةِ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ تَحْرِيفِهِ

فَنَصَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أَوْلَادِ الصُّلْبِ.
(وَ) الثَّانِي (ابْنُ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ لِأَنَّهُ لَمَّا قَامَ مَقَامَ أَبِيهِ فِي الْإِرْثِ قَامَ مَقَامَهُ فِي التَّعْصِيبِ.
(وَ) الثَّالِثُ (الْأَخُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَ) الرَّابِعُ: (الْأَخُ مِنْ الْأَبِ) فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 176]

(وَأَرْبَعَةٌ) لَا يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ بَلْ (يَرِثُونَ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ) فَلَا يَرِثْنَ (وَهُمْ الْأَعْمَامُ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (وَبَنُو الْأَعْمَامِ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ (وَبَنُو الْإِخْوَةِ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ لِأَنَّ الْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْأَعْمَامِ وَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُمْ أَوَّلَ الْكِتَابِ، (وَعَصَبَاتُ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ) الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ لِانْجِرَارِ الْوَلَاءِ إلَيْهِمْ كَمَا مَرَّ بَيْنَهُمْ، فَيَرِثُونَ عَتِيقَ مُوَرِّثِهِمْ بِالْوَلَاءِ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ لِأَنَّ الْإِنَاثَ إذَا لَمْ يَرِثْنَ فِي النَّسَبِ الْبَعِيدِ فَلَأَنْ لَا يَرِثْنَ فِي الْوَلَاءِ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ مِنْ النَّسَبِ الْبَعِيدِ أَوْلَى.
وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَّثَ بِنْتَ حَمْزَةَ مِنْ عَتِيقِ أَبِيهَا» قَالَ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ النَّسَائِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَتِيقَهَا وَكَذَا حَكَى تَصْوِيبَ ذَلِكَ عَنْ النَّسَائِيّ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي أَدِلَّةِ التَّنْبِيهِ.
تَتِمَّةٌ: الِابْنُ الْمُنْفَرِدُ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ وَكَذَا الِابْنَانِ وَالْبَنُونَ إجْمَاعًا، وَلَوْ اجْتَمَعَ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَالتَّرِكَةُ لَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَأَوْلَادُ الِابْنِ وَإِنْ نَزَلَ إذَا انْفَرَدُوا كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ فِيمَا ذُكِرَ، فَلَوْ اجْتَمَعَ أَوْلَادُ الصُّلْبِ وَأَوْلَادُ الِابْنِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ حَجَبَ أَوْلَادَ الِابْنِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ لِلصُّلْبِ بِنْتٌ فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِأَوْلَادِ الِابْنِ الذُّكُورِ أَوْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وَإِنْ كَانَ لِلصُّلْبِ بِنْتَانِ فَصَاعِدًا أَخَذَتَا أَوْ أَخَذْنَ الثُّلُثَيْنِ، وَالْبَاقِي لِأَوْلَادِ الِابْنِ الذُّكُورِ أَوْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَا شَيْءَ لِلْإِنَاثِ الْخُلَّصِ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ مَعَ بِنْتَيْ الصُّلْبِ بِالْإِجْمَاعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ فَيُعَصِّبَهُنَّ فِي الْبَاقِي، وَأَوْلَادُ ابْنِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الِابْنِ كَأَوْلَادِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ

[حاشية البجيرمي]

وَقِرَاءَتُهُ بِالنُّونِ جَمْعُ أَخٍ بِأَنْ يُقْرَأَ إخْوَانُهُمْ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْإِنَاثَ مَقْصُورَاتٌ عَلَى تَعْصِيبِهِنَّ بِإِخْوَتِهِنَّ لَا أَنَّ الْإِخْوَةَ مَقْصُورُونَ عَلَى تَعْصِيبِ أَخَوَاتِهِنَّ؛ لِأَنَّ ابْنَ الِابْنِ يُعَصِّبُ غَيْرَ أُخْتِهِ كَعَمَّتِهِ وَعَمَّةِ أَبِيهِ وَعَمَّةِ جَدِّهِ وَبِنْتِ عَمِّهِ كَمَا يَأْتِي سم.
وَالْقَصْرُ مُسْتَفَادٌ مِنْ خَارِجٍ لَا مِنْ الْعِبَارَةِ.
قَوْلُهُ: (جَمْعَ مُؤَنَّثٍ) بِإِضَافَةِ مُؤَنَّثٍ إلَى جَمْعٍ وَجَرِّ سَالِمٍ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ اهـ ق ل. وَالصَّوَابُ أَنَّ سَالِمًا بِالنَّصْبِ صِفَةٌ لِجَمْعٍ لِأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِالسَّلَامَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ جَرٌّ لِلْمُجَاوَرَةِ.

قَوْلُهُ: (وَأَرْبَعَةٌ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَإِنَّهُمَا أَيْضًا يَرِثَانِ دُونَ أُخْتَيْهِمَا لِفَهْمِهِمَا مِنْ الْأَعْمَامِ، بِجَامِعِ أَنَّ الْأُخْتَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَمَّةٌ.
فَإِنْ قُلْت: فَلِمَ آثَرَ عَدَمَ إضَافَةِ إرْثِهِمَا لِلْأَعْمَامِ عَلَى إضَافَتِهِ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ؟ قُلْت: لِأَنَّ إرْثَ الْأَعْمَامِ بِالتَّعْصِيبِ فَقَطْ، بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ فَإِنَّ لَهُمَا حَالَتَيْنِ فَكَانَ إضَافَةُ عَدَمِ تَعْصِيبِهِمَا لِلْأَعْمَامِ أَوْلَى تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَبَنُو الْأَعْمَامِ) هُوَ مِنْ الْإِظْهَارِ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ لِغَيْرِ حِكْمَةٍ، وَقَدْ يُقَالُ: قَصْدُهُ الْإِيضَاحُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ.
قَوْلُهُ: (لِانْجِرَارِ الْوَلَاءِ) أَيْ وَلَوْ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ مِنْ عَدَمِ ثُبُوتِهِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُعْتِقِ.
قَوْلُهُ: (فَلِأَنَّ) اللَّامَ لَامُ الِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَإٍ، وَقَوْلُهُ " أَوْلَى " خَبَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَلِعَدَمِ إرْثِهِنَّ فِي الْوَلَاءِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (مُضْطَرِبٌ) أَيْ حَصَلَ اخْتِلَافٌ فِي سَنَدِهِ، أَيْ رِجَالِهِ، بِأَنْ رَوَاهُ وَاحِدٌ عَلَى وَجْهٍ ثُمَّ رَوَاهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ بِزِيَادَةٍ فِي السَّنَدِ أَوْ نَقْصٍ مِنْهُ، أَوْ حَصَلَ اخْتِلَافٌ فِي مَتْنِهِ بِأَنْ وَقَعَ تَغْيِيرٌ لِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ؛ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَلِذَا قِيلَ: وَذُو اخْتِلَافِ سَنَدٍ أَوْ مَتْنِ ... مُضْطَرِبٍ عِنْدَ أُهَيْلِ الْفَنِّ قَوْلُهُ: (وَلَا شَيْءَ لِلْإِنَاثِ الْخُلَّصِ) فَإِذَا وُجِدَ ابْنُ عَمٍّ مَثَلًا أَوْ مُعْتِقٌ أَوْ عَصَبَتُهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْبَاقِي فَيُقَدَّمُ عَلَى بَنَاتِ الِابْنِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُنَّ قَرِيبٌ مُبَارَكٌ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ أَنْزَلَ مِنْهُنَّ.
قَوْلُهُ: (أَسْفَلَ مِنْهُنَّ) أَيْ أَوْ مَعَهُنَّ، كَذَا قِيلَ.
وَهَذِهِ

الصُّلْبِ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ، وَكَذَا سَائِرُ الْمَنَازِلِ وَإِنَّمَا يُعَصِّبُ الذَّكَرُ النَّازِلُ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ كَأُخْتِهِ وَبِنْتِ عَمِّهِ، وَيُعَصِّبُ مَنْ فَوْقَهُ كَبِنْتِ عَمِّ أَبِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثَيْنِ كَبِنْتَيْ صُلْبٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَابْنِ ابْنِ ابْنٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهَا شَيْءٌ مِنْ الثُّلُثَيْنِ لِأَنَّ لَهَا فَرْضًا اسْتَغْنَتْ بِهِ عَنْ تَعْصِيبِهِ، وَبَابُ الْفَرَائِضِ وَاسِعٌ وَقَدْ أُفْرِدَ بِالتَّأْلِيفِ.
وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الْمُخْتَصَرِ.

فَصْلٌ: فِي الْوَصِيَّةِ الشَّامِلَةِ لِلْإِيصَاءِ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْإِيصَالُ مِنْ وَصَى الشَّيْءَ بِكَذَا وَصَلَهُ بِهِ لِأَنَّ الْمُوصِيَ وَصَلَ خَيْرَ دُنْيَاهُ بِخَيْرِ عُقْبَاهُ وَشَرْعًا لَا بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ تَبَرُّعٌ بِحَقٍّ مُضَافٌ وَلَوْ تَقْدِيرًا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِتَدْبِيرٍ وَلَا تَعْلِيقِ عِتْقٍ وَإِنْ الْتَحَقَا بِهَا حُكْمًا كَالتَّبَرُّعِ

[حاشية البجيرمي]

الزِّيَادَةُ لَا تَصِحُّ لِأَنَّ الَّذِي مَعَهُنَّ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَهُ أَوْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُعَصِّبُ) أَيْ فِي صُورَةِ مَا إذَا أَخَذَ بِنْتَا الصُّلْبِ الثُّلُثَيْنِ.

[فَصْلٌ فِي الْوَصِيَّةِ]

ِ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْفَرَائِضِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ وَالرَّدَّ وَالْقَبُولَ وَثُلُثَ الْمَالِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْآتِي م ر. وَذَكَرَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي التَّحْرِيرِ عَقِبَ الْحَوَالَةِ، وَمُنَاسَبَتُهَا لِلْحَوَالَةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ تُحَوَّلُ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ وَالْوَصِيَّةَ تُحَوِّلُ الْمُوصَى بِهِ إلَى الْمُوصَى لَهُ، وَالشَّخْصُ لَهُ حَالَتَانِ حَالَةُ حَيَاةٍ وَحَالَةُ مَوْتٍ، فَالْحَوَالَةُ انْتِقَالٌ فِي الْحَيَاةِ وَالْوَصِيَّةُ انْتِقَالٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مُطْلَقُ الِانْتِقَالِ اهـ. فَائِدَةٌ: قَالَ الدَّمِيرِيُّ: رَأَيْت بِخَطِّ ابْنِ الصَّلَاحِ أَبِي عَمْرٍو أَنَّ مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ لَا يَتَكَلَّمُ فِي مُدَّةِ الْبَرْزَخِ وَأَنَّ الْأَمْوَاتَ يَتَزَاوَرُونَ فِي قُبُورِهِمْ سِوَاهُ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا بَالُ هَذَا فَيُقَالُ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ اهـ وَيُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَاجِبَةٍ بِأَنْ نَذَرَهَا أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ: قَوْلُهُ: (الشَّامِلَةِ لِلْإِيصَاءِ) أَيْ عَلَى الْأَوْلَادِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ: عَلَى الْعَيْنِ وَعَلَى مُقَابِلِ الْإِيصَاءِ، وَتُعْرَفُ بِمَا فِي الشَّرْحِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْإِيصَاءَ وَتُعْرَفُ بِإِثْبَاتِ حَقٍّ بَعْدَ الْمَوْتِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ تَبَرُّعٌ أَوْ لَا وَتُطْلَقُ عَلَى الْإِيصَاءِ وَتُعْرَفُ بِأَنَّهَا إثْبَاتُ تَصَرُّفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ قَوْلُهُ: (مِنْ وَصَى) كَوَعَى يَعِي فَهُوَ بِالتَّخْفِيفِ وَمَنْ قَرَأَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَقَدْ صَحَّفَهُ.
اهـ. عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُوصِيَ) كَانَ الْأَنْسَبُ تَأْخِيرَهُ عَنْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَوْجِيهٌ لِتَسْمِيَتِهِ وَصِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَصَلَ خَيْرَ دُنْيَاهُ) أَيْ الْخَيْرَ الْوَاقِعَ مِنْهُ فِي دُنْيَاهُ كَتَبَرُّعَاتِهِ الْمُنَجَّزَةِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَطَاعَاتِهِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُ، وَقَوْلُهُ: " بِخَيْرِ عُقْبَاهُ " أَيْ بِالْخَيْرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ فِي عُقْبَاهُ أَيْ فِي آخِرَتِهِ أَيْ وَصَلَ الْقُرُبَاتِ الْمُنَجَّزَةَ الْوَاقِعَةَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا بِالْقُرَبِ الْمُعَلَّقَةِ بِمَوْتِهِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهُ، وَالْأَنْسَبُ أَنْ يُقَالَ: وَصَلَ خَيْرَ عُقْبَاهُ بِخَيْرِ دُنْيَاهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ إيصَالُ الْمُتَأَخِّرِ بِالْمُتَقَدِّمِ ح ل مُلَخَّصًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعِبَارَةَ مَقْلُوبَةٌ قَالَ بَعْضُهُمْ الْقَلْبُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ؛ لِأَنَّ الْإِيصَالَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ فَوَصْلُ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ كَوَصْلِ الْأَوَّلِ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَوْصُولٌ بِالْآخَرِ وَبَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ وَاقِعًا مِنْ الْمُوصِي فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ وَصَلَهُ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ وَصَلَ مَا قَبْلَهُ بِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى وَصْلَ خَيْرِ دُنْيَاهُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ مِنْ الْمُوصِي هُوَ اللَّفْظُ وَالصِّيغَةُ وَهُوَ خَيْرٌ اتَّصَلَ بِمَا فَعَلَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْمُوصِي تَسَبَّبَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِلَفْظِهِ الْمَذْكُورِ نُسِبَ إلَيْهِ مَا ذُكِرَ.
وَالْأَفْضَلُ تَقْدِيمُ الْقَرِيبِ غَيْرِ الْوَارِثِ وَتَقْدِيمُ الْمَحْرَمِ مِنْهُمْ ثُمَّ ذَوِي رَضَاعٍ ثُمَّ ذَوِي وَلَاءٍ ثُمَّ جِوَارٍ، وَأَهْلُ الْخَيْرِ الْمُحْتَاجُونَ مِمَّنْ ذُكِرَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (لَا بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ، فَلَا تَشْتَمِلُ عَلَى تَبَرُّعٍ كَالْإِيصَاءِ عَلَى أَطْفَالِهِ أَوْ الْإِيصَاءِ بِدَفْعِ أَعْيَانٍ لِمُلَّاكِهَا أَوْ بِقَضَاءِ الدُّيُونِ إذْ لَا تَبَرُّعَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَتَعْرِيفُهَا بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ إثْبَاتُ تَصَرُّفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (مُضَافٌ) بِالرَّفْعِ نَعْتُ تَبَرُّعٍ وَبِالْجَرِّ نَعْتُ حَقٍّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ

الْمُنَجَّزِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوْ الْمُلْحَقِ بِهِ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُوصِي ثُمَّ يَمُوتُ فَتُقْسَمُ تَرِكَتُهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْمَوَارِيثِ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ: «الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ الْوَصِيَّةَ.
مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ مَاتَ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ وَتُقًى وَشَهَادَةٍ وَمَاتَ مَغْفُورًا لَهُ» وَكَانَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَاجِبَةً بِكُلِّ الْمَالِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهَا بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَبَقِيَ اسْتِحْبَابُهَا فِي الثُّلُثِ فَأَقَلَّ لِغَيْرِ الْوَارِثِ وَإِنْ قَلَّ الْمَالُ وَكَثُرَ الْعِيَالُ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: صِيغَةٌ وَمُوصٍ وَمُوصًى لَهُ وَمُوصًى بِهِ وَأَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ مِنْ ذَلِكَ الصِّيغَةَ وَذَكَرَ الْبَقِيَّةَ.
وَبَدَأَ بِالْمُوصَى بِهِ بِقَوْلِهِ: (وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِ) الشَّيْءِ (الْمَعْلُومِ) وَإِنْ قَلَّ كَحَبَّتَيْ الْحِنْطَةِ وَبِنُجُومِ الْكِتَابَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِرَّةً، وَبِالْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ، وَبِعَبْدِ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إنْ مَلَكْته.
وَبِنَجَاسَةٍ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا

[حاشية البجيرمي]

الْأَوَّلَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُضَافَ هُوَ إعْطَاءُ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ التَّبَرُّعُ فَهُوَ نَعْتٌ حَقِيقِيٌّ بِخِلَافِ مَا إذَا جُعِلَ نَعْتَ حَقٍّ يَكُونُ نَعْتًا سَبَبِيًّا اهـ م د. وَالتَّقْدِيرُ مُضَافٌ إعْطَاؤُهُ، وَالْأَوْلَى جَرُّهُ صِفَةً لِحَقٍّ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِي الْحَالِ وَالْحَقُّ إنَّمَا يُعْطَى لِلْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَهُوَ الْمُضَافُ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَا التَّبَرُّعُ، فَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَابِغِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَوْلَى قِرَاءَةُ مُضَافٍ بِالرَّفْعِ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَقْدِيرًا) كَأَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْت بِكَذَا فَكَأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ مَوْتِي؛ مَرْحُومِيٌّ.
وَالتَّحْقِيقُ كَأَعْطُوهُ كَذَا بَعْدَ مَوْتِي.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ بِتَدْبِيرٍ وَلَا تَعْلِيقِ عِتْقٍ) بِصِفَةٍ أَيْ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَى الْقَبُولِ وَلَا يَقْبَلَانِ الرُّجُوعَ بِالْقَوْلِ وَإِنْ قَبِلَا الرُّجُوعَ بِالْفِعْلِ كَبَيْعٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ كَانَا مِنْ قَبِيلِ الْوَصِيَّةِ لَصَحَّ الرُّجُوعُ عَنْهُمَا بِالْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (حُكْمًا) وَهُوَ الْحُسْبَانُ مِنْ الثُّلُثِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمُلْحَقِ بِهِ) كَالتَّقْدِيمِ لِلْقَتْلِ وَاضْطِرَابِ الرِّيحِ فِي حَقِّ رَاكِبِ السَّفِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْأَنْسَبُ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: كُلٌّ مِنْهُمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَوْتِ فَلِمَ قَدَّمَ الْفَرَائِضَ؟ قُلْت: لِعَدَمِ تَخَلُّفِهَا أَصْلًا بِخِلَافِ الْوَصَايَا فَقَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ.
اهـ. م د. وَعِبَارَةُ ع ش: قَدْ يُقَالُ مُجَرَّدُ تَأْخِيرِهَا عَنْ الْمَوْتِ لَا يَسْتَدْعِي تَأْخِيرَهَا عَنْ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَصِيَّةِ وَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ إنَّمَا هِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَ الْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ أَنْ يَقُولَ أَخَّرَهَا عَنْ الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ ثَابِتَةٌ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا تَصَرُّفَ لِلْمَيِّتِ فِيهَا وَهَذِهِ عَارِضَةٌ فَقَدْ تُوجَدُ وَقَدْ لَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ إلَخْ) تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ فِي الْآيَةِ عَلَى الدَّيْنِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا وَلِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ لَا تَسْمَحُ بِهَا وَإِلَّا فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا شَرْعًا، وَأَيْضًا قُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إخْرَاجِهَا لِكَوْنِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
قَوْلُهُ: «الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ» إلَخْ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ بِخُصُوصِهَا وَإِلَّا فَيُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ الطَّاعَاتِ.
قَوْلُهُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ» كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَقَوْلُهُ وَسُنَّةٍ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَيْ طَرِيقِ الْخَيْرِ وَقَوْلُهُ " وَشَهَادَةٍ " أَيْ تَصْدِيقٍ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ حَيْثُ عَمِلَ بِمَا فِيهِمَا، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ أَوْ مَاتَ مُعْتَرِفًا بِمَا تَضَمَّنَتْهُ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْإِقْرَارِ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِنَبِيِّهِ بِالرِّسَالَةِ.
قَوْلُهُ: (وَبَقِيَ اسْتِحْبَابُهَا فِي الثُّلُثِ) وَتَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ فَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ فِي الْحَيَاةِ أَفْضَلَ مِنْهَا، وَقَدْ تُبَاحُ كَالْوَصِيَّةِ لِلْأَغْنِيَاءِ وَلِلْكَافِرِ وَالْوَصِيَّةِ بِمَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَعَلَى هَذَا النَّوْعِ أَعْنِي الْمُبَاحَ حُمِلَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ عَقْدَ قُرْبَةٍ أَيْ دَائِمًا بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ، وَقَدْ تَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِهِ مَرَضٌ فِيمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا ضَيَاعُ حَقٍّ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ، وَقَدْ تَحْرُمُ لِمَنْ عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ لَهُ شَيْءٌ فِي تَرِكَتِهِ أَفْسَدَهَا، وَقَدْ تُكْرَهُ إذَا زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ كَانَتْ لِلْوَارِثِ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ " ضَيَاعُ حَقٍّ إلَخْ " هَذَا إيصَاءٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ فَالْأَوْلَى تَصْوِيرُ الْوُجُوبِ بِمَا إذَا نَذَرَهَا اهـ. قَوْلُهُ: (مُوصًى لَهُ) قَضِيَّةُ جَعْلِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي صَحَّ وَيُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْمُكَاتَبِ) أَيْ إنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ، ثُمَّ رَأَيْت م ر فِي شَرْحِهِ قَالَ: وَكَذَا

كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَوْ قَابِلٍ التَّعْلِيمَ، وَبِنَحْوِ زِبْلٍ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ كَسَمَادٍ وَجِلْدِ مَيْتَةٍ قَابِلٍ لِلدِّبَاغِ، وَزَيْتٍ نَجِسٍ وَمَيْتَةٍ لِطُعْمِ الْجَوَارِحِ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ لِثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ مِنْ كِلَابِهِ أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ أَحَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَغَتْ وَصِيَّتُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ وَأَوْصَى بِهَا كُلِّهَا أَوْ بِبَعْضِهَا نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ وَإِنْ كَثُرَتْ الْكِلَابُ وَقَلَّ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ خَيْرٌ مِنْ الْكِلَابِ

(وَ) تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالشَّيْءِ (الْمَجْهُولِ) عَيْنِهِ كَأَوْصَيْتُ لِزَيْدٍ بِمَالِي الْغَائِبِ أَوْ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي، أَوْ قَدْرُهُ كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ نَوْعُهُ كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِصَاعِ حِنْطَةٍ، أَوْ جِنْسُهُ كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِثَوْبٍ، أَوْ صِفَتُهُ كَالْحَمْلِ الْمَوْجُودِ وَكَانَ يَنْفَصِلُ حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَهَا؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ، وَبِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَالطَّيْرِ الطَّائِرِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَخْلُفُ

[حاشية البجيرمي]

تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِهِ أَيْ بِالْمُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً إنْ كَانَتْ مُنَجَّزَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَهَا بِعَدَمِ عِتْقِهِ بِأَنْ قَالَ أَوْصَيْت بِهِ إنْ لَمْ يُعْتَقْ بِأَنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ حُمِلَتْ الْكِتَابَةُ عَلَى الْفَاسِدَةِ كَانَتْ الْغَايَةُ صَحِيحَةً وَإِنْ حُمِلَتْ عَلَى الصَّحِيحَةِ كَانَتْ الْغَايَةُ ضَعِيفَةً.
قَوْلُهُ: (كَسَمَادٍ) أَيْ سِرْجِينٍ وَرَمَادٍ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ السَّمَادُ بِوَزْنِ كَلَامٍ مَا يَصْلُحُ بِهِ الزَّرْعُ مِنْ تُرَابٍ وَسِرْجِينٍ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالسِّبَاخِ.
قَوْلُهُ: (قَابِلٍ لِلدِّبَاغِ) خَرَجَ بِهِ مَا لَا يَقْبَلُ الدِّبَاغَ، أَيْ مَا لَا يَطْهُرُ بِهِ وَهُوَ جِلْدُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ اهـ. قَوْلُهُ: (لِطُعْمِ الْجَوَارِحِ) بِضَمِّ الطَّاءِ كَالْكِلَابِ وَالطُّيُورِ.
قَوْلُهُ: (وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ) أَيْ لَا غَيْرِهَا، وَهِيَ مَا عُصِرَتْ لَا بِقَصْدِ الْخَمْرِيَّةِ أَيْ مِنْ الْمُسْلِمِ، أَمَّا خَمْرَةُ الْكَافِرِ فَمُحْتَرَمَةٌ مُطْلَقًا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (أُعْطِيَ الْمُوصَى لَهُ أَحَدَهَا) أَيْ بِتَعْيِينِ الْوَارِثِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ وَقْتَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (لَغَتْ وَصِيَّتُهُ) أَيْ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ يَتَعَذَّرُ شِرَاؤُهُ وَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ اتِّهَابُهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكَلْبَ يَتَعَذَّرُ شِرَاؤُهُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ بَذْلُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَةِ النُّزُولِ عَنْ الِاخْتِصَاصِ، فَهَلَّا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ إذَا قَالَ مِنْ مَالِي لِإِمْكَانِ تَحْصِيلِهِ بِالْمَالِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
قَالَهُ سم.
وَقَوْلُهُ " اتِّهَابُهُ " أَيْ قَبُولُهُ، وَإِلَّا فَالْهِبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا فِيمَا يُمْلَكُ فَالْهِبَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْقَبُولِ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (نَفَذَتْ وَصِيَّتُهُ) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " لَهُ مَالٌ " مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بَلْ لَهُ كِلَابٌ فَقَطْ وَأَوْصَى بِهَا، أَوْ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ وَأَوْصَى بِهَا، وَبِثُلُثِ الْمَالِ الْمُتَمَوَّلِ فَإِنَّهُ يُدْفَعُ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُهَا عَدَدًا لَا قِيمَةً إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ مُلَخَّصًا.
فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ سِتَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَجْرِي فِي النَّجِسِ الَّذِي يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ اهـ م ر. وَقَوْلُهُ " وَأَوْصَى بِهَا " أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ قَوْلُهُ فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ سِتَّةٌ.
وَقَوْلُهُ " فَإِنَّهُ يُدْفَعُ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُهَا عَدَدًا " هَذَا إذَا كَانَتْ مُفْرَدَةً عَنْ اخْتِصَاصٍ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْأَجْنَاسِ فَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بِفَرْضِ الْقِيمَةِ عِنْدَ مَنْ يَرَى لَهَا قِيمَةً كَأَنْ خَلَفَ كَلْبًا نَافِعًا وَخَمْرَةً وَزِبْلًا وَقَدْ أَوْصَى بِهَا فَيَأْخُذُ ثُلُثَهَا بِفَرْضِ الْقِيمَةِ كَمَا ذُكِرَ اهـ.

قَوْلُهُ (أَوْ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي) وَيُعَيِّنُهُ الْوَارِثُ سم.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى بِهِ كَوْنُهُ مَقْصُودًا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: الرُّكْنُ الثُّلُثُ الْمُوصَى بِهِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِدَمٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُقْصَدُ وَلَا بِمِزْمَارٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ كَالْمُعْدَمَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (أَوْ قَدْرُهُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى عَيْنِهِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْفَصِلُ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، لَكِنْ كَيْفَ هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمُوصَى بِهِ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلتَّصْوِيرِ لِفَقْدِ الصِّفَةِ فَقَطْ دُونَ الْمَوْصُوفِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَجْهُولُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَكَانَ يَنْفَصِلُ مِثَالٌ لِلْمَوْجُودِ الَّذِي صِفَتُهُ مَجْهُولَةٌ وَهِيَ الذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ وَإِلَّا فَالْوَصِيَّةُ تَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ وَبِالْمَعْدُومِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: إنْ انْفَصَلَ إلَخْ، قَالَ عِ ش: أَيْ وَلَمْ يَحْصُلْ هُنَاكَ تَفْرِيقٌ مُحَرَّمٌ بِأَنْ عَاشَ الْمُوصِي إلَى تَمْيِيزِ الْمُوصَى بِهِ، أَمَّا لَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.
اهـ طب.
وَمَالَ إلَيْهِ سم نَقْلًا عَنْ م ر خِلَافًا لِلزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَهَا) بِأَنْ تَلِدَهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْوَصِيَّةِ أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْهَا وَلِأَرْبَعِ سِنِينَ فَأَقَلَّ وَلَمْ تَكُنْ فِرَاشًا، فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ أَوْ كَانَتْ فِرَاشًا لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ وَهَذَا فِي حَمْلِ الْآدَمِيِّ، أَمَّا حَمْلُ الْبَهِيمَةِ فَيُرْجَعُ فِيهِ لِأَهْلِ

الْمَيِّتَ فِي ثُلُثِهِ كَمَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِي ثُلُثَيْهِ (وَ) تَجُوزُ بِالشَّيْءِ (الْمَوْجُودِ) كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِهَذِهِ الْمِائَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا صَحَّتْ بِالْمَعْدُومِ فَبِالْمَوْجُودِ أَوْلَى (وَ) تَجُوزُ بِالشَّيْءِ (الْمَعْدُومِ) كَأَنْ يُوصِيَ بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اُحْتُمِلَ فِيهَا وُجُوهٌ مِنْ الْغَرَرِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَتَوْسِعَةً، وَلِأَنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْإِجَارَةِ فَكَذَا بِالْوَصِيَّةِ، وَتَجُوزُ بِالْمُبْهَمِ كَأَحَدِ عَبْدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْإِبْهَامُ وَيُعَيَّنُ الْوَارِثُ، وَتَجُوزُ بِالْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ وَحْدَهَا مُؤَقَّتَةً وَمُؤَبَّدَةً وَمُطْلَقَةً، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مُقَابَلَةٌ بِالْأَعْوَاضِ كَالْأَعْيَانِ، وَتَجُوزُ بِالْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ وَبِالْعَيْنِ لِوَاحِدٍ وَبِالْمَنْفَعَةِ لِآخَرَ.
وَإِنَّمَا صَحَّتْ فِي الْعَيْنِ وَحْدَهَا لِشَخْصٍ مَعَ عَدَمِ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا لِإِمْكَانِ صَيْرُورَةِ الْمَنْفَعَةِ لَهُ بِإِجَارَةٍ أَوْ إبَاحَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

[حاشية البجيرمي]

الْخِبْرَةِ بِالْبَهَائِمِ.
وَقَوْلُهُ: حَيًّا أَوْ مَيِّتًا مَضْمُونًا كَجَنِينِ الْأَمَةِ، بِخِلَافِ حَمْلِ الدَّابَّةِ إذَا انْفَصَلَ مَيِّتًا فَتَبْطُلُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَضْمُونًا أَوْ لَا، وَالْأَرْشُ لِلْوَارِثِ حِينَئِذٍ لَا لِلْمُوصَى لَهُ.
وَمَحَلُّ الِاحْتِيَاجِ لِهَذَا كُلِّهِ إذَا قَالَهُ أَوْصَيْت بِهَذَا الْحَمْلِ الْمَوْجُودِ أَمَّا لَوْ أَوْصَى بِالْحَمْلِ وَلَمْ يَقُلْ الْمَوْجُودِ فَيَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ إلَّا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالشَّيْءِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
يُرَدُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ احْتِمَالُ الْجَهَالَةِ أَيْ اغْتِفَارُهَا، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَلَّلَ بِمَا عُلِّلَ بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى عَبْدَهُ التَّصَرُّفَ فِي ثُلُثِ مَالِهِ وَقَدْ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ) أَيْ فَالْإِبْهَامُ أَوْلَى وَإِنَّمَا لَمْ تَصِحَّ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي الْمُوصَى بِهِ لِكَوْنِهِ تَابِعًا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْمُوصَى لَهُ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّتْ بِحَمْلٍ سَيَحْدُثُ لَا لِحَمْلٍ سَيَحْدُثُ.
اهـ. شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَبِمَا لَا يُقْدَرُ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمَجْهُولٍ.
وَقَوْلُهُ " كَالطَّيْرِ " أَيْ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ كَانَ مِلْكَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَبِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
وَقَوْلُهُ " فِي ثُلُثِهِ " الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُوصَى لَهُ، أَيْ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ فِي مِلْكِ ثُلُثِهِ أَيْ الثُّلُثِ الصَّائِرِ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ كَمَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِي مِلْكِ ثُلُثَيْهِ الصَّائِرَيْنِ لَهُ بِالْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَخْلُفُهُ الْوَارِثُ فِي ثُلُثَيْهِ) أَيْ وَالْوَارِثُ لَا يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِهِ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ فِي ثُلُثَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُورِثُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِمَا لَهُ، فَكَذَلِكَ الْمُوصَى لَهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ الثُّلُثِ لِلْمُوصَى لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ بِالشَّيْءِ الْمَعْدُومِ) تَفْسِيرُ الْمَعْدُومِ بِالشَّيْءِ فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ عِنْدَنَا هُوَ الْمَوْجُودُ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْعَقَائِدِ وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ مَا هُوَ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ) لَكِنْ إنْ أَوْصَى بِهَذَا الْعَامِ أَوْ كُلِّ عَامٍ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَقَالَ: أَوْصَيْتُ بِمَا يَحْدُثُ فَهَلْ يَعُمُّ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ يَخْتَصُّ بِالسَّنَةِ الْأُولَى؟ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الظَّاهِرُ الْعُمُومُ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ؟ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
خَطِيبٌ وم ر ع ش. قَوْلُهُ: (سَيَحْدُثُ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ.
قَوْلُهُ: (بِعَقْدِ السَّلَمِ) أَيْ فَلَوْ أَسْلَمَ فِي رُطَبٍ أَوْ بُرٍّ مِنْ تَمْرِ أَوْ زَرْعِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ لِتَأْتِيَ بِهِ زَمَنَ الْجُذَاذِ أَوْ الْحَصَادِ وَكَانَ عَقْدُ السَّلَمِ قَبْلَ أَنْ يَنْعَقِدَ الطَّلْعُ وَيَبْرُزَ الْبُرُّ كَانَ السَّلَمُ فِي شَيْءٍ مَعْدُومٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسَاقَاةِ) أَيْ فَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى بُسْتَانٍ لِيَكُونَ مَا يُحْدِثُهُ اللَّهُ مِنْ الثَّمَرَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَقَدْ تَمَلَّكَ بِالْعَقْدِ مَا هُوَ مَفْقُودٌ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِجَارَةِ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا مَفْقُودَةٌ عِنْدَ الْعَقْدِ إذْ لَا تُسْتَوْفَى حَالًّا.
قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ بِالْمُبْهَمِ) لَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَجْهُولِ، إذْ الْإِبْهَامُ لَا يُنَافِي الْعِلْمَ فَسَقَطَ قَوْلُ ق ل: هَذَا مِنْ أَفْرَادِ مَجْهُولِ الْعَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ بِالْمَنَافِعِ إلَخْ) هَذَا مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْدُومِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ جَعْلُهُ الْإِجَارَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَفْرَادِ تِلْكَ الْمَعْدُومِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهَا لَا تُسْتَوْفَى حَالًا فَهِيَ مَعْدُومَةٌ عِنْدَ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (مُؤَقَّتَةً وَمُؤَبَّدَةً وَمُطْلَقَةً) ثُمَّ إنَّهُ فِي التَّأْبِيدِ أَوْ الْإِطْلَاقِ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْعَيْنِ بِمَنْفَعَتِهَا مَعًا مِنْ الثُّلُثِ وَأَمَّا إنْ أُقِّتَتْ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ اُعْتُبِرَتْ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ فَقَطْ مِنْ الثُّلُثِ مَثَلًا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَيْنِ بِمَنْفَعَتِهَا مِائَةً وَبِدُونِ الْمَنْفَعَةِ ثَمَانِينَ اُعْتُبِرَتْ الْمِائَةُ فِي الْأَوَّلِ، أَيْ إذَا أَوْصَى بِهَا مَعَ مَنْفَعَتِهَا وَالْعِشْرِينَ فِي الثَّانِي مِنْ الثُّلُثِ، وَأَمَّا إذَا قُيِّدَ بِمُدَّةِ حَيَاتِهِ أَوْ حَيَاةِ زَيْدٍ فَإِنَّهُ إبَاحَةٌ لَا تَمْلِيكٌ فَلَا تُورَثُ عَنْهُ، وَكَذَا يَكُونُ إبَاحَةً إذَا قُيِّدَ بِمَجْهُولَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ أَنْ يَسْكُنَهَا فَإِنَّهُ إبَاحَةٌ لَا تُورَثُ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِهِ بِسُكْنَاهَا فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ فَتُورَثُ عَنْ الْمُوصَى لَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) أَيْ الْمَنَافِعَ.
قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ بِالْعَيْنِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ) وَتَصِحُّ بِمَرْهُونٍ جَعْلًا وَشَرْعًا، ثُمَّ إنْ بِيعَ فِي الدَّيْنِ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا وَيَصِحُّ قَبُولُ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ فَكِّ

تَنْبِيهٌ يُشْتَرَطُ فِي الْمُوصَى بِهِ كَوْنُهُ مَقْصُودًا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، فَلَا تَصِحُّ بِمَا لَا يُقْصَدُ كَالدَّمِ وَكَوْنِهِ يَقْبَلُ النَّقْلَ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ فَمَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ انْتَقِلَا بِالْإِرْثِ لَا يَتَمَكَّنُ مُسْتَحِقُّهُمَا مِنْ نَقْلِهِمَا.
نَعَمْ لَوْ أَوْصَى بِهِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ صَحَّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ (وَهِيَ) أَيْ الْوَصِيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ (مِنْ الثُّلُثِ) سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ وَقْتَ اللُّزُومِ حَالَ الْمَوْتِ.
تَنْبِيهٌ يُعْتَبَرُ الْمَالُ الْمُوصَى بِثُلُثِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ وَلَا عَبْدَ لَهُ ثُمَّ مَلَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ عَبْدًا تَعَلَّقَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ، لَوْ زَادَ مَالُهُ تَعَلَّقَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الثُّلُثَ الَّذِي تَنْفُذُ فِيهِ الْوَصِيَّةُ هُوَ الثُّلُثُ الْفَاضِلُ بَعْدَ الدَّيْنِ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لَمْ تَنْفُذْ الْوَصِيَّةُ فِي شَيْءٍ لَكِنَّهَا تَنْعَقِدُ حَتَّى نُنَفِّذَهَا لَوْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ أَوْ قَضَى عَنْهُ الدَّيْنَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَيُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ تَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ لِخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ.
وَلَوْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ أَيْضًا إذْ لَا أَثَرَ لِتَقَدُّمِ الْهِبَةِ.
وَخَرَجَ بِتَبَرُّعٍ مَا لَوْ اسْتَوْلَدَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ تَبَرُّعًا بَلْ إتْلَافٌ وَاسْتِمْتَاعٌ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَبِمَرَضِهِ تَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي صِحَّتِهِ فَيُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْعِتْقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ أَنَّهُ تَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي الْمَرَضِ.
فَائِدَةٌ قِيمَةُ مَا يَفُوتُ عَلَى الْوَرَثَةِ يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ التَّفْوِيتِ فِي الْمُنَجَّزِ وَبِوَقْتِ الْمَوْتِ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَفِيمَا يَبْقَى

[حاشية البجيرمي]

الرَّهْنِ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
اهـ. حَجّ.

قَوْلُهُ: (صَحَّ) وَيَكُونُ إبْرَاءً وَإِسْقَاطًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ وَلَا يُقْبَلُ الرُّجُوعُ لَا وَصِيَّةَ حَقِيقَةً حَتَّى يَحْتَاجَ لِلْقَبُولِ مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الثُّلُثِ) الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا مُعْتَبَرَةً مِنْ الثُّلُثِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِالثُّلُثِ فَأَقَلَّ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ مَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (أَوْصَى بِهِ) أَيْ الثُّلُثِ، وَالْأَوْلَى حَذْفُهُ؛ لِأَنَّ الثُّلُثَ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ) أَيْ مَا أَوْصَى بِهِ فِي الصِّحَّةِ وَمَا أَوْصَى بِهِ فِي حَالِ الْمَرَضِ.
قَوْلُهُ: (حَالَ الْمَوْتِ) بَدَلٌ مِنْ وَقْتِ اللُّزُومِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ خُرُوجِ الْأَمْوَالِ حَقِيقَةً عَنْ مِلْكِ الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْمَوْتِ) أَيْ وَقْتَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ) يُتَأَمَّلُ فِي تَفْرِيعِ هَذِهِ إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ تَفْرِيعُهَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَالِ يَوْمَ الْمَوْتِ، نَعَمْ يَظْهَرُ تَفْرِيعُ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (تَعَلَّقَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ) أَيْ بِثُلُثِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ وَبِكُلِّهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَعْدِلُهُ مَرَّتَيْنِ كَأَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُسَاوِي سِتِّينَ دِينَارًا وَمَلَكَ عَبْدًا قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُ هَذَا الْعَبْدِ لِلْوَصِيَّةِ بَلْ لِلْوَارِثِ الْعُدُولُ عَنْهُ وَشِرَاءُ عَبْدٍ غَيْرَهُ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ صِفَةِ الْعَبْدِ الَّذِي مَلَكَهُ الْمُوصَى قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَوْصَى بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ وَكَانَ لَهُ شِيَاهٌ.
اهـ. شَيْخُنَا عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (هُوَ الثُّلُثُ الْفَاضِلُ) صَوَابُهُ: " ثُلُثُ الْفَاضِلِ " بِالْإِضَافَةِ وَإِسْقَاطُ " أَلْ " وَلَعَلَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ: الثُّلُثُ لِلْفَاضِلِ، فَاللَّامُ الْجَرِّ، فَحَرَّفَهَا النُّسَّاخُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى نُنَفِّذَهَا) الظَّاهِرُ أَنَّ حَتَّى ابْتِدَائِيَّةٌ أَيْ فَنُنَفِّذَهَا وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً أَيْ لِأَجْلِ أَنْ نُنَفِّذَهَا إلَخْ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لَوْ أُبْرِئَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ لِلْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَبَيْنَ الْمَدِينِ، لَكِنَّ كَوْنَهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَنْسَبُ لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ) دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ مِنْ الثُّلُثِ.
قَوْلُهُ: «تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ» ) أَيْ مَنَّ وَتَفَضَّلَ أَيْ جَوَّزَ لَكُمْ التَّصَرُّفَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ «عِنْدَ وَفَاتِكُمْ» أَيْ عِنْدَ قُرْبِ وَفَاتِكُمْ.
وَقَوْلُهُ «فِي أَعْمَالِكُمْ» أَيْ فِي ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ الْعِتْقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّنْجِيزُ خِلَافَهُ، وَلَا فَرْقَ فِي الِاسْتِيلَادِ بَيْنَ وُقُوعِهِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ.
قَوْلُهُ: (قِيمَةُ مَا يَفُوتُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ التَّبَرُّعَ إنْ كَانَ مُنَجَّزًا فَيُعْتَبَرُ مَا يَفُوتُ وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُتَبَرِّعُ لَهُ بِوَقْتِ الْإِعْطَاءِ لَا بِوَقْتِ الْمَوْتِ، وَمَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ الْمَوْتِ فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَا يَفُوتُ مُضَافًا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ

لِلْوَرَثَةِ يُعْتَبَرُ بِأَقَلِّ قِيَمِهِ مِنْ يَوْمِ الْمَوْتِ إلَى يَوْمِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَوْمَ الْمَوْتِ أَقَلَّ فَالزِّيَادَةُ حَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ أَوْ يَوْمَ الْقَبْضِ أَقَلَّ فَمَا نَقَصَ قَبْلَهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِ فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَكَيْفِيَّةُ اعْتِبَارِهَا مِنْ الثُّلُثِ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي وَصِيَّةٍ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً وَلَمْ يُوفِ الثُّلُثُ بِهَا فَإِنْ تَمَحَّضَ الْعِتْقُ كَأَنْ قَالَ: إذَا مِتّ فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ أَوْ غَانِمٌ وَسَالِمٌ وَبَكْرٌ أَحْرَارٌ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ قُرِعَ عَتَقَ مِنْهُ مَا يَفِي بِالثُّلُثِ وَلَا يُعْتَقُ مِنْ كُلٍّ بَعْضُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِتْقِ تَخْلِيصُ الشَّخْصِ مِنْ الرِّقِّ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ تَرْتِيبُهَا مَعَ إضَافَتِهَا لِلْمَوْتِ لِاشْتِرَاكِهَا فِي وَقْتِ نَفَاذِهَا وَهُوَ وَقْتُ الْمَوْتِ.
نَعَمْ إنْ اعْتَبَرَ الْمُوصِي وُقُوعَهَا مُرَتَّبَةً كَأَنْ قَالَ: أَعْتِقُوا سَالِمًا بَعْدَ مَوْتِي ثُمَّ غَانِمًا ثُمَّ بَكْرًا قُدِّمَ مَا قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ اعْتَبَرَ وُقُوعَهَا مُرَتَّبَةً مِنْ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا مَرَّ، أَوْ تَمَحَّضَ تَبَرُّعَاتٌ غَيْرَ الْعِتْقِ قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ

[حاشية البجيرمي]

بِوَقْتِ الْمَوْتِ فَقَطْ، وَمَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ يُعْتَبَرُ بِأَقَلِّ قِيمَةٍ مِنْ الْمَوْتِ إلَى الْقَبْضِ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَفِيمَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ رَاجِعٌ لِلثَّانِي وَهُوَ الْمُضَافُ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَا لَهُ مَعَ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ رُجُوعَهُ لَهُمَا وَيَكُونُ سَكَتَ عَنْ قِيمَةِ مَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ فِي الْمُنَجَّزِ.
وَعِبَارَةُ م د: قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: فَسَيَأْتِي فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِمَعْرِفَةِ الثُّلُثِ فِيمَنْ أَعْتَقَهُ مُنَجَّزًا فِي الْمَرَضِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِعْتَاقِ وَفِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِيمَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ الْمَوْتِ إلَى الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَفِيمَا يَبْقَى إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ فِي زَائِدَةٌ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلصُّورَتَيْنِ، أَيْ فِيمَا إذَا نَجَّزَ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقٍ.
قَوْلُهُ: (الْقَبْضِ) أَيْ قَبْضِ الْوَارِثِ بِأَنْ يَكُونَ لَيْسَ عِنْدَهُ حَالَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ مَا يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ قِيمَتِهِ.
قَوْلُهُ: (حَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ) أَيْ فَلَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَيْفِيَّةُ اعْتِبَارِهَا إلَخْ) أَيْ التَّبَرُّعَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَصِيَّةً أَمْ لَا بِدَلِيلِ كَلَامِهِ الْآتِي، يَعْنِي لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِالتَّوْزِيعِ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَا بِتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بَلْ فِيهَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَمَحَّضَ عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ يَكُونَ الْبَعْضُ عِتْقًا وَالْبَعْضُ الْآخَرُ غَيْرَهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ.
وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا مُرَتَّبَةً أَوَّلًا أَوْ الْبَعْضُ مُرَتَّبٌ وَالْبَعْضُ غَيْرُ مُرَتَّبٍ، فَهَذِهِ تِسْعَةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ.
وَعَلَى كُلٍّ إمَّا تَكُونُ مُعَلَّقَةً أَوْ مُنَجَّزَةً أَوْ الْبَعْضُ مُعَلَّقٌ وَالْبَعْضُ مُنَجَّزٌ، فَالْجُمْلَةُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَسَعَهَا الثُّلُثُ أَوَّلًا فَتَصِيرُ الصُّوَرُ أَرْبَعًا وَخَمْسِينَ صُورَةً.
وَحُكْمُهَا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَعْضُ مُعَلَّقًا وَالْبَعْضُ مُنَجَّزًا قُدِّمَ الْمُنَجَّزُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ وَسَوَاءٌ كَانَ عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ لِإِفَادَتِهِ الْمِلْكَ حَالًّا، وَإِنْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ إلَى تَمَامِ الثُّلُثِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ الْمُنَجَّزَةُ وَغَيْرُهَا عِتْقًا أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَفْعَةً فَالْمُتَمَحِّضَةُ عِتْقًا سَوَاءٌ الْمُعَلَّقَةُ وَالْمُنَجَّزَةُ يُقْرَعُ فِيهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ عِتْقٍ أَوْ عِتْقًا وَغَيْرَهُ وُزِّعَ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ؛ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فِي وَصِيَّةٍ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ، أَوْ يَقُولُ بَدَلُهُ: فِي مَالٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ مُسْتَدْرَكٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْوَصِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً) صَوَابُهُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ، بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ ق ل. وَالْوَاوُ فِي كَلَامِهِ لِلْحَالِ.
وَأَقُولُ: لَا تَصْوِيبَ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ التَّرْتِيبُ فِي اللَّفْظِ لَا التَّرْتِيبُ النَّحْوِيُّ الَّذِي يَكُونُ بِمُرَتِّبٍ كَالْفَاءِ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ سَالِمٌ إلَخْ، وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ أَيْضًا: وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ تَرْتِيبُهَا، وَالْقَلْيُوبِيُّ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ التَّرْتِيبُ النَّحْوِيُّ فَاعْتَرَضَ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَمَحَّضَ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: فَإِنْ تَمَحَّضَتْ عِتْقًا انْتَهَتْ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ قَالَ إذَا مِتّ إلَخْ) الْمِثَالُ الْأَوَّلُ لِغَيْرِ الْمُرَتَّبَةِ وَالثَّانِي لِلْمُرَتَّبَةِ أَيْ فِي اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ قُرِعَ) أَيْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.
وَقَوْلُهُ " عَتَقَ مِنْهُ " أَيْ مِنْ الْمَذْكُورِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ تَرْتِيبُهَا) أَيْ اللَّفْظِيُّ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ اُعْتُبِرَ) اسْتِدْرَاكٌ صُورِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ " أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ". قَوْلُهُ: (أَوْ تَمَحَّضَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " فَإِنْ تَمَحَّضَ عِتْقًا " وَقَوْلُهُ تَبَرُّعَاتٍ كَأَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمِائَةٍ وَلِعَمْرٍو بِخَمْسِينَ وَلِبَكْرٍ بِخَمْسِينَ وَلَمْ يُرَتِّبْ قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْمِقْدَارِ، فَفِي هَذَا الْمِثَالِ إذَا كَانَ ثُلُثُ الْمَالِ مِائَةً يُعْطَى زَيْدٌ خَمْسِينَ وَكُلٌّ مِنْ عَمْرٍو وَبَكْرٍ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَمِثَالُ التَّقْسِيطِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَأَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِعَيْنٍ قِيمَتُهَا مِائَةٌ وَلِكُلٍّ مِنْ عَمْرٍو وَبَكْرٍ بِعَيْنٍ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ وَلَمْ يُرَتِّبْ وَكَانَ ثُلُثُ مَالِهِ مِائَةً فَيُعْطَى كُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ نِصْفَ الْعَيْنِ الَّتِي أَوْصَى لَهُ بِهَا.

بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ أَوْ الْمِقْدَارِ كَمَا تُقَسَّطُ التَّرِكَةُ بَيْنَ أَرْبَابِ الدُّيُونِ، أَوْ اجْتَمَعَ عِتْقٌ وَغَيْرُهُ كَأَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَلِزَيْدٍ بِمِائَةٍ قُسِّطَ الثُّلُثُ عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ لِلْعَتِيقِ لِاتِّحَادِ وَقْتِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَالثُّلُثُ مِائَةً عَتَقَ نِصْفُهُ وَلِزَيْدٍ خَمْسُونَ.
نَعَمْ لَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ وَأَوْصَى لَهُ بِمِائَةٍ وَثُلُثُ مَالِهِ مِائَةٌ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ وَلَا شَيْءَ لِلْوَصِيَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ اجْتَمَعَ تَبَرُّعَاتٌ مُنَجَّزَةٌ قُدِّمَ الْأَوَّلُ مِنْهَا بِالْأَوَّلِ حَتَّى يَتِمَّ الثُّلُثُ سَوَاءً أَكَانَ فِيهَا عِتْقٌ أَمْ لَا، وَيَتَوَقَّفُ مَا بَقِيَ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ التَّبَرُّعَاتُ دَفْعَةً إمَّا مِنْهُ أَوْ بِوَكَالَةٍ وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ فِيهَا كَعِتْقِ عَبِيدٍ أَوْ إبْرَاءِ جَمْعٍ كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُكُمْ أَوْ أَبْرَأْتُكُمْ أُقْرِعَ فِي الْعِتْقِ خَاصَّةً حَذَرًا مِنْ التَّشْقِيصِ وَقُسِّطَ بِالْقِيمَةِ فِي غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ.
وَإِنْ كَانَتْ التَّبَرُّعَاتُ مُنَجَّزَةً وَمُعَلَّقَةً بِالْمَوْتِ قُدِّمَ الْمُنَجَّزُ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ حَالًّا وَلَازِمًا لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهِ.

فُرُوعٌ لَوْ قَالَ إنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا فَسَالِمٌ حُرٌّ فَأَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ تَعَيَّنَ لِلْعِتْقِ إنْ خَرَجَ وَحْدَهُ مِنْ الثُّلُثِ وَلَا إقْرَاعَ، وَلَوْ أَوْصَى بِحَاضِرٍ هُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِيهِ غَائِبٌ لَمْ يَتَسَلَّطْ مُوصًى لَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ حَالًّا وَلَوْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ وَلَهُ عَيْنٌ وَدَيْنٌ دُفِعَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْعَيْنِ وَكُلَّمَا نَضَّ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ دُفِعَ لَهُ ثُلُثُهُ.

وَيُنْدَبُ لِلْمُوصِي أَنْ لَا يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْقِصَ مِنْهُ شَيْئًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (فَإِنْ زَادَ) عَلَى الثُّلُثِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ) أَيْ فِي الْمُتَقَوِّمَاتِ كَأَنْ أَوْصَى بِعَيْنٍ وَقَوْلُهُ " أَوْ الْمِقْدَارِ " أَيْ فِي الْمِثْلِيَّاتِ كَأَنْ أَوْصَى بِمِائَةِ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اجْتَمَعَ عِتْقٌ وَغَيْرُهُ) أَيْ وَلَمْ يُرَتِّبْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُعْتَقُ كُلُّهُ) لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اجْتَمَعَ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (مُنَجَّزَةٌ) أَيْ وَكَانَتْ مُرَتَّبَةً، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: قُدِّمَ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ الْآتِي: فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ التَّبَرُّعَاتُ دُفْعَةً؛ وَقَوْلُهُ " دُفْعَةً " بِضَمِّ الدَّالِ اهـ حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ اخْتَلَفَ، كَأَنْ تَصَرَّفَ وَاحِدٌ مِنْ وُكَلَائِهِ وَوُقِفَ آخَرُ وَأُعْتِقَ آخَرُ دُفْعَةً فَإِنَّهُ يُقَسِّطُ الثُّلُثَ أَيْضًا عَلَى الْجَمِيعِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ مِائَةً وَكَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ مِائَةً نَفَذَ مِنْ كُلِّ ثُلُثِهِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَإِذَا اجْتَمَعَ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ وَعَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا فَإِنْ تَمَحَّضَتْ عِتْقًا أُقْرِعَ وَإِلَّا قُسِّطَ الثُّلُثُ كَمُنَجَّزَةٍ، فَإِنْ تَرَتَّبَتْ قُدِّمَ أَوَّلٌ فَأَوَّلٌ إلَى الثُّلُثِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ التَّشْقِيصِ) أَيْ التَّبْعِيضِ.

قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا إقْرَاعَ) أَيْ بَيْنَ غَانِمٍ وَسَالِمٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَخْرُجَ الْقُرْعَةُ بِالْحُرِّيَّةِ لِسَالِمٍ فَيَلْزَمَ إرْقَاقُ غَانِمٍ فَيَفُوتَ شَرْطُ عِتْقِ سَالِمٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ بِقِسْطِهِ أَوْ خَرَجَ مَعَ سَالِمٍ أَوْ بَعْضِهِ مِنْهُ عِتْقًا فِي الْأَوَّلِ وَغَانِمٍ وَبَعْضِ سَالِمٍ فِي الثَّانِي شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَوْصَى بِحَاضِرٍ هُوَ ثُلُثُ مَالِهِ) كَأَنْ قَالَ أَوْصَيْتُ بِهَذَا الْمَالِ الْحَاضِرِ لِزَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَتَسَلَّطْ مُوصًى لَهُ) ؛ لِأَنَّ تَسَلُّطَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَسَلُّطِ الْوَارِثِ عَلَى مِثْلَيْ مَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ وَالْوَارِثُ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ثُلُثَيْ الْحَاضِرِ لِاحْتِمَالِ سَلَامَةِ الْغَائِبِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَدْ يُنَاقَشُ فِي مَنْعِ الْمُوصَى لَهُ مِنْ التَّسَلُّطِ عَلَى ثُلُثِ الْحَاضِرِ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ تَلِفَ الْغَائِبُ أَوْ سَلِمَ؛ لَكِنْ لَمَّا تَوَقَّفَ تَسَلُّطُهُ عَلَى تَسَلُّطِ الْوَارِثِ عَلَى مِثْلَيْ مَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِ وَكَانَ الْوَارِثُ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ثُلُثَيْهِ لِاحْتِمَالِ سَلَامَةِ الْغَائِبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسَلُّطُ عَلَى ثُلُثِهِ اهـ م د. قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ) بِأَنْ قَالَ: أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي.

قَوْلُهُ: (الثُّلُثُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ، يُوصِي بِهِ أَوْ مَفْعُولٌ، أَيْ الْزَمْ الثُّلُثَ.
قَوْلُهُ: (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَهُوَ مَحَلُّ الدَّلِيلِ؛ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حِينَ مَرِضَ بِمَكَّةَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ يَعُودُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: فَالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: لَا فَقَالَ: الثُّلُثُ؟ قَالَ النَّبِيُّ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» وَقَوْلُهُ " فَالشَّطْرُ " بِالْجَرِّ عَلَى تَقْدِيرِ: فَبِالشَّطْرِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ: فَالشَّطْرُ أَتَصَدَّقُ بِهِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، وَمِثْلُهُ " فَالثُّلُثُ ". وَقَوْلُهُ " الثُّلُثُ " بِالنَّصْبِ مَنْصُوبٌ بِالْإِغْرَاءِ أَيْ: الْزَمْ الثُّلُثَ، وَيَصِحُّ رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: يَكْفِيك، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: الثُّلُثُ كَافِيك.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا ابْنَةٌ وَكَانَ اسْمُهَا عَائِشَةُ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَلَّك تُخَلَّفُ» أَيْ تَبْقَى " بَعْدَ هَذَا الزَّمَانِ " فَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوَ خَمْسِينَ سَنَةً اهـ؛ وَبَقِيَّتُهُ: «فَإِنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً

مَكْرُوهَةٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ (وُقِفَ) الزَّائِدُ (عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ) فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِالزَّائِدِ إنْ رَدَّهُ وَارِثٌ خَاصٌّ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ خَاصٌّ بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا مُجِيزَ أَوْ كَانَ، وَهُوَ غَيْرُ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ فَالظَّاهِرُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إنْ تُوُقِّعَتْ أَهْلِيَّتُهُ وُقِفَ الْأَمْرُ إلَيْهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيُّ مِنْ الْبُطْلَانِ وَإِنْ أَجَازَهُ فَإِجَازَتُهُ تَنْفِيذٌ لِلْوَصِيَّةِ بِالزَّائِدِ

(وَلَا تَجُوزُ

[حاشية البجيرمي]

يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» أَيْ فَمَنَعَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ لِأَجْلِ حَقِّ الْوَرَثَةِ فَتَوَقَّفَ عَلَى إجَازَتِهِمْ وَكَانَ حَقُّ الشَّارِحِ ذِكْرَ هَذِهِ الْبَقِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الدَّلِيلِ لِمَا ادَّعَاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَقَوْلُهُ " وَرَثَتَك " إنَّمَا عَبَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّ سَعْدًا سَيَعِيشُ وَتَأْتِيهِ أَوْلَادٌ غَيْرُ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ، فَكَانَ كَذَلِكَ فَبَلَغُوا عَشَرَةَ أَوْلَادٍ وَذُكِرَ لَهُ مِنْ الْبَنَاتِ ثِنْتَا عَشْرَةَ بِنْتًا، فَعَاشَ بَعْدَ الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، فَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُهُ " عَالَةً أَيْ فُقَرَاءَ وَهُوَ جَمْعُ عَائِلٍ وَهُوَ الْفَقِيرُ وَالْفِعْلُ مِنْهُ عَالَ يُعِيلُ إذَا افْتَقَرَ وَأَصْلُ عَالَةٍ عَيْلَةٌ تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلْفًا قَالَ فِي الْأَلْفِيَّةِ وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَّلَهُ وَقَوْلُهُ: " يَتَكَفَّفُونَ أَيْ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِأَكُفِّهِمْ يُقَالُ تَكَفَّفَ النَّاسَ وَاسْتَكَفَّ النَّاسَ إذَا بَسَطَ كَفَّهُ لِلسُّؤَالِ أَوْ سَأَلَ مَا يَكُفُّ عَنْهُ الْجُوعَ أَوْ سَأَلَ كَفًّا مِنْ طَعَامٍ.
وَقَوْلُهُ " أَنْ تَذَرَ " بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَ " أَنْ " وَالْفِعْلُ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُبْتَدَأٌ وَخَيْرٌ خَبَرُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيْ تَرْكُك وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ إلَخْ، وَالْمَصْدَرُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ تَذَرَ لَا مَصْدَرَ لَهُ.
فَائِدَةٌ أَوَّلُ مَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فِي الْإِسْلَامِ الْبَرَاءُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ مَمْدُودًا مُخَفَّفًا ابْنُ مَعْرُورٍ بِمُهْمَلَاتٍ كَمَقْصُودٍ وَزْنًا وَمَعْنًى؛ وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ أَسْلَمِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْصَى بِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ قَدْ مَاتَ فِي صَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ بِشَهْرٍ فَقَبِلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ) مَرْجُوحٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ حِرْمَانَ الْوَرَثَةِ ق ل. وَتَبِعَ فِي قَوْلِهِ " أَوْ مَحْمُولٌ " الْأَذْرَعِيُّ، وَاعْتَمَدَ م ر فِي شَرْحِهِ خِلَافَهُ.
وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ الْحُرْمَةَ مَعَ التَّوَقُّفِ عَلَى الْإِجَازَةِ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ الْمَالِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِالزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ بِنِصْفِ مَالِي مَثَلًا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ حَيْثُ إتْيَانِهِ بِمَا لَمْ يَرْضَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِيهِ نَظَرٌ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَعِبَارَةُ سُلْطَانٍ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ وَإِنْ قَصَدَ حِرْمَانَ الْوَرَثَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا حِرْمَانَ أَصْلًا.
أَمَّا الثُّلُثُ فَإِنَّ الشَّارِعَ وَسَّعَ لَهُ فِي ثُلُثِهِ لِيَسْتَدْرِكَ بِهِ مَا فَرَّطَ مِنْهُ فَلَمْ يُغَيِّرْ قَصْدَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الزَّائِدُ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يَنْفُذُ إنْ أَجَازُوهُ وَمَعَ إجَازَتِهِمْ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ حِرْمَانٌ فَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ فِي قَصْدِهِ.
قَوْلُهُ: (إنْ تُوُقِّعَتْ أَهْلِيَّتُهُ) بِأَنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا تُوُقِّعَتْ إفَاقَتُهُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، خَرَجَ بِهِ مَا لَمْ تُتَوَقَّعْ كَجُنُونٍ مُسْتَحْكَمٍ أَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ بِأَنْ شَهِدَ بِذَلِكَ خَبِيرَانِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُوصِي وَقَعَ صَحِيحًا بِحَسْبِ الظَّاهِرِ فَلَا يَبْطُلُ إلَّا بِمَانِعٍ قَوِيٍّ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَتَى بَرِئَ وَأَجَازَ بِأَنَّ نُفُوذَهَا.
قَوْلُهُ: (تَنْفِيذٌ) أَيْ لِتَصَرُّفِ الْمُوصِي، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الزِّيَادَةَ عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ مِنْ الْوَارِثِ وَأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالزِّيَادَةِ لَغْوٌ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ أَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ عَلَى الْأَوَّلِ لِلَفْظِ هِبَةٍ مِنْ الْوَارِثِ وَلَا لِتَجْدِيدِ قَبُولٍ وَقَيْضٍ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُجِيزِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَنْفِيذٍ مِنْ الْمُفْلِسِ بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الزَّوَائِدُ الْحَاصِلَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهَا لِلْمُوصَى لَهُ لَا لِلْوَارِثِ وَلَهُ عَلَى الثَّانِي لَا الْمُوصَى لَهُ، وَعَلَيْهِمَا لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ مَا يُجِيزُهُ مِنْ التَّرِكَةِ إنْ كَانَتْ بِمُشَاعٍ لَا مُعَيَّنٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْوَارِثُ قَدْرَ الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ وَقَدْرَ التَّرِكَةِ، فَلَوْ جَهِلَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَصِحَّ كَالْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ وَلَوْ أَجَازَ الْوَارِثُ ثُمَّ قَالَ: كُنْت أَعْتَقِدُ قِلَّةَ التَّرِكَةِ فَبَانَتْ أَكْثَرَ مِمَّا ظَنَنْت؛ قَالَ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ: يَحْلِفُ وَتُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ فِي الَّذِي كَانَ يَتَحَقَّقُهُ.
وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا ثُمَّ قَالَ ظَنَنْت أَنَّ التَّرِكَةَ كَثِيرَةٌ وَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهَا فَبَانَ خِلَافُهُ أَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ لَمْ أَعْلَمْهُ أَوْ بَانَ تَلَفُ بَعْضِهَا وَقُلْنَا الْإِجَازَةُ تَنْفِيذٌ فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا وَرَجَّحَهُ الرُّويَانِيُّ: الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ هُنَا بِمَعْلُومٍ مُشَاهَدٍ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِنِصْفٍ شَائِعٍ، وَالثَّانِي وَجَزَمَ بِهِ الْمُتَوَلِّي: يَحْلِفُ وَلَا تَلْزَمُ إلَّا فِي الثُّلُثِ كَمَا فِي الْمُشَاعِ اهـ. إسْعَادٌ زي

الْوَصِيَّةُ) أَيْ تُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (لِوَارِثٍ) خَاصٍّ غَيْرِ حَائِزٍ بِزَائِدٍ عَلَى حِصَّتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ (إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ) الْمُطْلَقِينَ التَّصَرُّفَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ.
قَالَ الذَّهَبِيُّ صَالِحٌ وَقِيَاسًا عَلَى الْوَصِيَّةِ لِأَجْنَبِيٍّ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ، وَخَرَجَ بِالْخَاصِّ الْوَارِثُ لِلْعَامِّ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ انْتَقَلَ إرْثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَيْهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجَازَةِ الْإِمَامِ، وَبِغَيْرِ حَائِزٍ مَا لَوْ أَوْصَى لِحَائِزٍ بِمَالِهِ كُلِّهِ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَبِزَائِدٍ عَلَى حِصَّتِهِ مَا لَوْ أَوْصَى لِوَارِثٍ بِقَدْرِ إرْثِهِ فَإِنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا يَأْتِي

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ أَيْ تُكْرَهُ إلَخْ) فَالْمَنْفِيُّ الْجَوَازُ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ أَيْ وَلَا تَنْفُذُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا إلَخْ، فَيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا مِنْ عَدَمِ النُّفُوذِ الْمُقَدَّرِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ق ل: صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ أَيْ لَا تَنْفُذُ بَدَلُ قَوْلِهِ أَيْ تُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ عَدَمِ النُّفُوذِ لَا مِنْ الْكَرَاهَةِ اهـ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَزُولُ بِالْإِجَازَةِ.
قَوْلُهُ: (لِوَارِثٍ) أَيْ وَقْتَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ حَائِزٍ) أَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْحَائِزِ فَلَاغِيَةٌ، إذْ لَا مَعْنَى لَهَا فَذَكَرَ قُيُودًا أَرْبَعَةً.
قَوْلُهُ: (بِزَائِدٍ عَلَى حِصَّتِهِ) أَمَّا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ إلَخْ.
وَحَاصِلُ التَّفْصِيلِ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ شَائِعًا فَهِيَ لَغْوٌ وَإِنْ كَانَتْ لِبَعْضِهِمْ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ صَحَّتْ كَمَا يَأْتِي تَوْضِيحُهُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَصْحَابُ السُّنَنِ) وَهُمْ أَرْبَعَةٌ: أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ.
وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: أَعْنِي أَبَا دَاوُد ثُمَّ التِّرْمِذِيَّ ... وَالنَّسَئِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ فَاحْتَذِي قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا) أَيْ فَتَنْفُذَ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " وَلَا تَجُوزُ " أَيْ تُكْرَهُ، وَلَوْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ.
وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ " إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا إلَخْ " هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ لَا تَزُولُ بِالْإِجَازَةِ، فَلَوْ فُسِّرَ عَدَمُ الْجَوَازِ بِعَدَمِ النُّفُوذِ كَانَ أَحْسَنَ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ ق ل، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ مُتَّصِلًا اهـ. وَكَتَبَ الْمَرْحُومِيُّ عَلَى قَوْلِهِ " إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا إلَخْ ": أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِدُونِ الثُّلُثِ، قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: فَإِنْ أَجَازُوا فَلَا رُجُوعَ لَهُمْ وَلَوْ قَبْلَ الْقَبْضِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ إجَازَتَهُمْ تَنْفِيذٌ لِلْوَصِيَّةِ لَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنْهُمْ وَوَلَاءٌ مَنْ أَجَازُوا عِتْقَهُ الْحَاصِلَ بِالْإِعْتَاقِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ ثَابِتٌ لِلْمَيِّتِ يَسْتَحِقُّهُ ذُكُورُ الْعَصَبَةِ اهـ. وَكَتَبَ أَيْضًا: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِهِ: وَلَا أَثَرَ لِلْإِجَازَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَا مَعَ جَهْلِ قَدْرِ الْمَالِ كَالْإِبْرَاءِ عَنْ مَجْهُولٍ، نَعَمْ إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِعَبْدٍ لَهُ مَثَلًا مُعَيَّنٍ صَحَّتْ إجَازَتُهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْلُومٌ وَالْجَهَالَةُ فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ ادَّعَى الْمُجِيزُ الْجَهْلَ بِقَدْرِ التَّرِكَةِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِأَنْ قَالَ كُنْتُ أَعْتَقِدُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ فِي دَعْوَى الْجَهْلِ وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِيمَا ظَنَّهُ بِأَنْ أَوْصَى لِوَارِثٍ بِثُلُثِ مَالِهِ فَأَجَازَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ ظَانًّا قِلَّةَ الْمَالِ؛ هَذَا إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِعِلْمِهِ بِقَدْرِ الْمَالِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَإِلَّا فَلَا يُصَدَّقُ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْجَمِيعِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَبْضٌ عِنْدَ الْإِجَازَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَنْفِيذٌ.
قَوْلُهُ: (الْمُطْلَقِينَ التَّصَرُّفَ) أَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِمْ فَيُوقَفُ الْأَمْرُ إلَى كَمَالِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُجِيزَ وَلَا أَنْ يَرُدَّ.
قَوْلُهُ: (بِإِسْنَادٍ صَالِحٍ) أَيْ لَيْسَ بِضَعِيفٍ وَلَمْ يَرْتَقِ إلَى دَرَجَةِ الصَّحِيحِ، بِرْمَاوِيٌّ اهـ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْتَقَلَ إرْثُهُ) أَيْ الْمُوصِي.
قَوْلُهُ: (يُصْرَفُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْإِنْسَانِ الْمُوصَى لَهُ مَعَ كَوْنِهِ وَارِثًا عَامًّا؛ لِأَنَّ الْإِرْثَ حِينَئِذٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَتَسْمِيَةُ هَذَا الشَّخْصِ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا عَامًّا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْوَارِثِ الْعَامِّ وَهُوَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَرِثُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً بَلْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجَازَةِ الْإِمَامِ) أَيْ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْوَارِثِ الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (بِمَالِهِ كُلِّهِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ مَا إذَا أَوْصَى بِبَعْضِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ بِلَا وَصِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ حَائِزٌ لِجَمِيعِ التَّرِكَةِ.
قَوْلُهُ: (لِوَارِثٍ) أَيْ لِكُلِّ وَارِثٍ إذْ هِيَ الَّتِي فِيهَا التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُشَاعِ وَالْمُعَيَّنِ وَقَوْلُهُ " بَيْنَ الْمُشَاعِ " أَيْ فَلَا تَصِحُّ وَقَوْلُهُ وَالْمُعَيَّنُ أَيْ فَتَصِحُّ.

بَيْنَ الْمُشَاعِ وَالْمُعَيَّنِ، وَبِالْمُطْلَقِينَ التَّصَرُّفَ مَا لَوْ كَانَ فِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ الْإِجَازَةُ وَلَا مِنْ وَلِيِّهِ.
تَنْبِيهٌ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَإِبْرَاؤُهُ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ هِبَتُهُ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْوَقْفِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا لَوْ وَقَفَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِمْ كَمَنْ لَهُ ابْنٌ وَبِنْتٌ وَلَهُ دَارٌ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ، فَوَقَفَ ثُلُثَيْهَا عَلَى الِابْنِ وَثُلُثَهَا عَلَى الْبِنْتِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجَازَةٍ فِي الْأَصَحِّ.
فَائِدَةٌ مِنْ الْحِيَلِ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ أَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ إنْ تَبَرَّعَ لِوَلَدِي بِخَمْسِمِائَةٍ مَثَلًا فَإِذَا قَبِلَ لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ وَإِجَازَتِهِمْ لِلْوَصِيَّةِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي إذْ لَا اسْتِحْقَاقَ لَهُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَالْعِبْرَةُ فِي كَوْنِ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا بِوَقْتِ الْمَوْتِ، فَلَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ فَحَدَثَ لَهُ ابْنٌ قَبْلَ مَوْتِهِ صَحَّتْ، أَوْ أَوْصَى لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ فَمَاتَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ، وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ شَائِعًا مِنْ نِصْفٍ أَوْ غَيْرِهِ لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ.
وَخَرَجَ بِكُلِّ وَارِثٍ مَا لَوْ أَوْصَى لِبَعْضِهِمْ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، كَأَنْ أَوْصَى لِأَحَدِ بَنِيهِ الثَّلَاثَةِ بِثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ فَإِنْ أُجِيزَ أَخَذَهُ وَقَسَمَ الْبَاقِيَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.
وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ كَأَنْ أَوْصَى لِأَحَدِ ابْنَيْهِ بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَلِلْآخَرِ بِدَارٍ قِيمَتُهَا أَلْفٌ وَهُمَا مَا يَمْلِكُهُ صَحِيحَةٌ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِبَيْعِ عَيْنٍ مِنْ مَالِهِ لِزَيْدٍ وَلَكِنْ يُفْتَقَرُ إلَى الْإِجَازَةِ فِي الْأَصَحِّ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِالْأَعْيَانِ وَمَنَافِعِهَا.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُوصِي بِقَوْلِهِ: (وَتَجُوزُ) أَيْ تَصِحُّ (الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ) بَالِغٍ (عَاقِلٍ) حُرٍّ مُخْتَارٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ، وَلَوْ كَافِرًا حَرْبِيًّا أَوْ غَيْرَهُ، أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ لِصِحَّةِ عِبَارَتِهِمْ وَاحْتِيَاجِهِمْ لِلثَّوَابِ، فَلَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجَازَةٍ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَهَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى إجَازَتِهِمْ فَكَذَا عَلَيْهِمْ؛ وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي ثُلُثِ مَالِهِ نَافِذٌ، فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ قَطْعِ حَقِّ الْوَارِثِ عَنْ الثُّلُثِ بِالْكُلِّيَّةِ فَتَمَكُّنُهُ مِنْ وَقْفِهِ عَلَيْهِ أَوْلَى كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَضُرَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى الْإِجَازَةِ وَفَارَقَ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا قَبِلَ لَزِمَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ فَإِذَا قَبِلَ وَأَدَّى الِابْنُ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ أَخَذَ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يُشَارِكْ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الِابْنَ فِيمَا حَصَلَ لَهُ.
وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ يَتَمَيَّزُ بِهِ حَتَّى يَحْتَاجَ لِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ وَعَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ وَصِيَّتَهُ لِزَيْدٍ عَلَى مَا ذُكِرَ جُعِلَ كَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ دَفْعُهَا إلَيْهِ) وَلَا حَاجَةَ إلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَمْ يَتَلَقَّ عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا تَلَقَّى عَنْ الْأَجْنَبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ ابْنٌ فَمَاتَ) أَيْ الِابْنُ.
قَوْلُهُ: (صَحَّتْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهَا قَبْلَ حُدُوثِ الِابْنِ بَاطِلَةٌ مَعَ أَنَّهَا لِوَارِثٍ فَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا لَكِنَّهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى إجَازَةِ الْوَارِثِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الْأَخَ إذَا كَانَ حَائِزًا بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَائِزٍ صَحَّتْ وَتَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ) أَيْ فَلَا تَنْفُذُ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَصِيَّةُ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ " لَغْوٌ " خَبَرٌ؛ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لَا مُخَالِفٌ لَهُ بِخِلَافِ تَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِقَدْرِ حِصَّتِهِ) أَيْ شَائِعًا وَقَوْلُهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ لَيْسَ قَيْدًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْمَتْنِ، بَلْ لَوْ أَوْصَى بِزَائِدٍ وَأَجَازَ الْوَارِثُ صَحَّ وَيُشَارِكُ فِي الْبَاقِي شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ الْبَعْضِ الْمُوصَى لَهُ وَبَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ " صَحِيحَةٌ " خَبَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يُفْتَقَرُ إلَخْ) هَذَا رَاجِعٌ لِلْمَقِيسِ، وَهُوَ مَا لَوْ أَوْصَى لِأَحَدِ ابْنَيْهِ بِعَبْدٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ) أَيْ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْأَعْيَانِ.
يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُتَقَوِّمِ بِخِلَافِ الْمِثْلِيِّ فَإِنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِي أَعْيَانِهِ، قَالَ الْبُرُلُّسِيُّ: وَمِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُ مَالِ الْغَيْرِ بِمِثْلِهِ

قَوْلُهُ: (مِنْ كُلِّ مَالِكٍ) وَلَوْ مَآلًا وَلَوْ مُبَعَّضًا.
وَقَوْلُهُ " حُرٍّ " لَعَلَّ الشَّارِحَ زَادَهُ مَعَ قَوْلِ الْمَتْنِ مَالِكٍ لِإِخْرَاجِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مِلْكًا ضَعِيفًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَافِرًا) وَإِنْ أُسِرَ وَرَقَّ

تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَرَقِيقٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا، وَمُكْرَهٍ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَلِعَدَمِ مِلْكِ الرَّقِيقِ أَوْ ضَعْفِهِ وَالسَّكْرَانُ كَالْمُكَلَّفِ.
تَنْبِيهٌ دَخَلَ فِي الْكَافِرِ الْمُرْتَدُّ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ.
نَعَمْ إنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ كَافِرًا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْأَصَحِّ.

وَالْمُوصَى لَهُ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
وَقَدْ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (لِكُلِّ مُتَمَلِّكٍ) أَيْ بِأَنْ يَتَصَوَّرَ لَهُ الْمَلَكُ عِنْدَ مَوْتِ

[حاشية البجيرمي]

بَعْدَهَا.
وَالتَّنْظِيرُ فِيهِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا أَيْ الْوَصِيَّةِ زِيَادَةُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ أَيْ الْكَافِرُ، لَا عَمَلَ لَهُ بَعْدَهُ يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِيهَا بِطَرِيقِ الذَّاتِ كَوْنُهَا عَقْدًا مَالِيًّا لَا خُصُوصَ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ صَحَّتْ صَدَقَتُهُ وَعِتْقُهُ كَمَا فِي زي وح ل وم ر، قَالَ ع ش عَلَيْهِ: عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ يُجَازَى عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُوصَى لَهُ إلَّا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ اهـ؛ وَعِبَارَةُ س ل: أَيْ وَإِنْ اُسْتُرِقَّ بَعْدَهَا وَمَالُهُ عِنْدَنَا بِأَمَانٍ وَمَاتَ حُرًّا، أَيْ فَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا تَبَيَّنَ أَنَّ مَالَهُ كُلَّهُ فَيْءٌ اهـ. وَقَوْلُهُ " وَمَالُهُ " أَيْ وَالْحَالُ، وَقَوْلُهُ " عِنْدَنَا بِأَمَانٍ " مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عِنْدَنَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَمْ تَصِحَّ وَإِنْ صَارَ مَالُهُ عِنْدَنَا وَقْتَ الْمَوْتِ أَوْ أَسْلَمَ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا احْتَرَزُوا بِهِ عَمَّا لَوْ كَانَ مَالُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَبَقِيَ فِيهَا كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر. وَفَارَقَ عَدَمَ انْعِقَادِ نَذْرِهِ بِأَنَّهُ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ بِخِلَافِهَا اهـ. قَوْلُهُ: (لِصِحَّةِ عِبَارَتِهِمْ) بِدَلِيلِ صِحَّةِ إقْرَارِهِمْ بِالطَّلَاقِ وَالْعُقُوبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاحْتِيَاجِهِمْ لِلثَّوَابِ) وَهُوَ فِي الْمُسْلِمِ ظَاهِرٌ وَفِي الْكَافِرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ عَذَابٌ غَيْرُ الْكُفْرِ.
اهـ. عِ ش. قَوْلُهُ: (وَمُغْمًى عَلَيْهِ) اسْتَثْنَى الزَّرْكَشِيّ مَا لَوْ كَانَ سَبَبُهُ سُكْرًا عَصَى بِهِ وَكَلَامُهُ مُنْتَظِمٌ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُكَاتَبًا) أَيْ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهَا صَحَّتْ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ عَتَقَ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَالْأَدَاءِ تَعَلَّقَ الْمُوصَى لَهُ بِمَا كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ كَمَا فِي سَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَمِرَّ كِتَابَتُهُ بِأَنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ وَمَاتَ رَقِيقًا بَطَلَتْ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّيِّدِ فِي إذْنِهِ قَدْرًا بَلْ يَكْفِي إطْلَاقُهُ وَيُحْمَلُ عَلَى الثُّلُثِ.
وَهَلْ تَشْمَلُ وَصِيَّتُهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ الْعِتْقَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ رِقَّهُ يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْمُبَعَّضِ؟ الظَّاهِرُ الشُّمُولُ؛ لَكِنْ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ السَّيِّدِ فِيهِ بِخُصُوصِهِ أَوْ يَكْفِي الْعُمُومُ؟ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ: (وَلِعَدَمِ مِلْكِ الرَّقِيقِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَضَعَّفَهُ فِيهِ.
اهـ. ع ش. وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ وَلَوْ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ إنْ فُرِضَ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ كَمَا ذَكَرَهُ زي وح ل. قَوْلُهُ: (وَالسَّكْرَانُ) أَيْ الْمُتَعَدِّي؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِصِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ عَقْدًا وَحَلًّا.
قَوْلُهُ: (أَوْ قُتِلَ) أَيْ الْمُرْتَدُّ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُوصَى لَهُ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ غَيْرَ جِهَةٍ اُشْتُرِطَ لَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعٌ: أَنْ يُتَصَوَّرَ لَهُ الْمِلْكُ فَلَا تَصِحُّ لِدَابَّةٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُبْهَمًا فَلَا تَصِحُّ لِأَحَدِ هَذَيْنِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعْصِيَةً فَلَا تَصِحُّ بِمُسْلِمٍ لِكَافِرٍ وَلَا بِمُصْحَفٍ لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْوَصِيَّةِ فَلَا تَصِحُّ لِمَنْ سَيُوجَدُ؛ وَإِنْ كَانَ جِهَةً اُشْتُرِطَ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْصِيَةً فَلَا تَصِحُّ لِعِمَارَةِ كَنِيسَةٍ وَلَا لِلْقُطَّاعِ وَلَا لِلْمُحَارَبِينَ وَلَا لِلْمُرْتَدِّينَ.
قَوْلُهُ: (إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا إلَخْ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ صِحَّتَهَا مَعَ عَدَمِ ذِكْرِ جِهَةٍ وَلَا شَخْصٍ كَأَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي وَيُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ بِثُلُثٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا أُولَئِكَ فَكَانَ إطْلَاقُهَا بِمَنْزِلَةِ ذِكْرِهِمْ فَفِيهِ ذِكْرُ جِهَةٍ ضِمْنًا وَبِهَذَا فَارَقَ الْوَقْفَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَصْرِفِ.
اهـ. م ر وزي.
قَوْلُهُ: (لِكُلِّ مُتَمَلِّكٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، أَيْ مَنْ يَمْلِكُ حَالَ الْوَصِيَّةِ وَلَوْ مِنْ الْجِنِّ وَمِنْ الْوَصِيَّةِ لِلتَّمَلُّكِ الْوَصِيَّةُ لِرَقِيقٍ؛ لِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ السَّيِّدُ وَيَقْبَلُهَا الرَّقِيقُ وَإِنْ نَهَاهُ السَّيِّدُ دُونَ السَّيِّدِ، وَإِنْ مَاتَ الرَّقِيقُ قَبْلَ قَبُولِهِ فَلَا يَصِحُّ قَبُولُ السَّيِّدِ، فَإِنْ كَانَ الرَّقِيقُ قَاصِرًا أَوْ مَجْنُونًا فَهَلْ يَنْتَظِرُ كَمَالَهُ أَوْ يَقْبَلُ السَّيِّدُ كَوَلِيِّ الْحُرِّ؟ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الظَّاهِرُ الثَّانِي.
وَلَوْ أَجْبَرَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ عَلَى الْقَبُولِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَلَوْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَالْوَصِيَّةُ لَهُ أَوْ عَتَقَ بَعْضُهُ فَلَهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا عَتَقَ وَالْبَاقِي لِمَالِكِهِ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَوْ قَبْلَ الْقَبُولِ فَهِيَ لِلسَّيِّدِ، وَلَوْ قَارَنَ الْعِتْقُ الْمَوْتَ

الْمُوصِي وَلَوْ بِمُعَاقَدَةِ وَلِيِّهِ، فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِدَابَّةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ.
وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِمَيِّتٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ إنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِمَاءٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ وَهُنَاكَ مَيِّتٌ قُدِّمَ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ أَوْ الْمُحْدِثِ الْحَيِّ عَلَى الْأَصَحِّ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ وَصِيَّةٌ لِمَيِّتٍ بَلْ لِوَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَوَلَّى أَمْرَهُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ وَأَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فَلَا تَصِحُّ لِكَافِرٍ بِمُسْلِمٍ لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً، وَلَا لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ لِلْجَهْلِ بِهِ.
نَعَمْ إنْ قَالَ أَعْطُوا هَذَا لِأَحَدِ هَذَيْنِ صَحَّ كَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ بِعْهُ لِأَحَدِ هَذَيْنِ، وَلَا لِحَمْلٍ سَيَحْدُثُ.
تَنْبِيهٌ يُؤْخَذُ مِنْ اعْتِبَارِ تَصَوُّرِ الْمِلْكِ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمُوصَى بِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي فَتَمْتَنِعُ الْوَصِيَّةُ بِمَالِ الْغَيْرِ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قِيَاسُ الْبَابِ الصِّحَّةُ، أَيْ يَصِيرُ مُوصًى بِهِ إذَا مَلَّكَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَلَوْ فَسَّرَ الْوَصِيَّةَ لِلدَّابَّةِ بِالصَّرْفِ فِي عَلَفِهَا صَحَّ؛ لِأَنَّ عَلَفَهَا عَلَى مَالِكِهَا فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْوَصِيَّةِ، فَيُشْتَرَطُ قَبُولُهُ وَيَتَعَيَّنُ الصَّرْفُ

[حاشية البجيرمي]

فَفِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ كَالْعِتْقِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِدَابَّةٍ) سَيَأْتِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يُفَسِّرْ الْوَصِيَّةَ لَهَا بِعَلَفِهَا، فَإِنْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ صَحَّتْ فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَهُ هُنَا بِجَنْبِهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَإِنْ أَوْصَى لِدَابَّةٍ وَقَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ فَبَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ لِلتَّمْلِيكِ وَهِيَ لَا تُمْلَكُ.
وَفَارَقَتْ الْعَبْدَ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ بِأَنَّهُ يُخَاطَبُ وَيَتَأَتَّى قَبُولُهُ، وَقَدْ يُعْتَقُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي بِخِلَافِهَا.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى الْخَيْلِ الْمُسَبَّلَةِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ لَهَا بَلْ أَوْلَى أَيْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَضِيَّةُ هَذَا) أَيْ قَوْلِهِ " بِأَنْ يَتَصَوَّرَ لَهُ الْمِلْكُ " وَقَوْلُهُ " لَا تَصِحُّ لِمَيِّتٍ " أَيْ كَالْوَقْفِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: (عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ) فَلَا تَصِحُّ لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَلَا لِأَهْلِ الرِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا) فِيهِ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ عَيْنُ الْمَشْرُوطِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا، وَمَنْ عَبَّرَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ جِهَةٍ سَلِمَ مِنْ هَذَا، فَلَعَلَّ هَذَا التَّعْبِيرَ سَرَى إلَيْهِ مِنْهُ تَأَمَّلْ.
وَالصَّوَابُ إبْدَالُ الْمُعَيَّنِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُبْهَمًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلُ مُعَيَّنٍ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُبْهَمًا أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ.
وَعِبَارَةُ م د. قَوْلُهُ: " مُعَيَّنًا " الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْجِهَةَ فَشَمِلَ الْمُتَعَدِّدَ كَأَوْلَادِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ لِكَافِرٍ بِمُسْلِمٍ) نَعَمْ إنْ أَسْلَمَ عِنْدَ الْمَوْتِ صَحَّتْ لَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا لِأَحَدِ هَذَيْنِ) إذْ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُ الْمُبْهَمِ وَأَمَّا أَعْطُوا هَذَا لِأَحَدِ هَذَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيضٌ لِلْمُخَاطَبِ لِيُعْطِيَ أَيَّهمَا شَاءَ فَيَخْتَارَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وَعِبَارَةُ سم: لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمُبْهَمِ لَا يَصِحُّ، بِخِلَافِ أُعْطُوا؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ غَيْرِهِ لَا مِنْهُ فَلَا يَضُرُّ الْإِبْهَامُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ قَالَ أَعْطُوا إلَخْ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَوَصْلُهَا غَلَطٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ لَفْظِ الْعَطِيَّةِ وَغَيْرِهِ أَنَّ لَفْظَ الْعَطِيَّةِ تَفْوِيضٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ لَا يُعْطِي إلَّا مُعَيَّنًا وَلِهَذَا صَحَّ بِهِ لِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اهـ س ل. قَوْلُهُ: (صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ الْأَمْرَ هُنَا لِلْوَارِثِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، وَأَيْضًا فَالْأَوْلَى تُمْلَكُ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالثَّانِيَةُ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِإِعْطَاءِ الْوَارِثِ اهـ شَرْحُ الْبَهْجَةِ، أَيْ فَيُعْطِيهِ الْوَارِثُ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِحَمْلٍ سَيَحْدُثُ) أَيْ إنْ جُعِلَ تَابِعًا لِمَوْجُودٍ بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَمْلِيكٌ فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِ مَوْجُودٍ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ الْقُرْبَةُ وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ كَالْوَقْفِ.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: نَعَمْ إنْ جُعِلَ الْمَعْدُومُ تَبَعًا لِلْمَوْجُودِ كَأَنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِ زَيْدٍ الْمَوْجُودِينَ وَمَنْ سَيَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ صَحَّتْ لَهُمْ تَبَعًا قِيَاسًا عَلَى الْوَقْفِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْفَرْقُ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْوَصِيَّةِ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا مُعَيَّنٌ مَوْجُودٌ بِخِلَافِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ لِلدَّوَامِ الْمُقْتَضِي لِشُمُولِهِ لِلْمَعْدُومِ ابْتِدَاءً مَرْجُوحٌ اهـ. قَوْلُهُ: (يُؤْخَذُ إلَخْ) هَذَا الْأَخْذُ مَمْنُوعٌ إذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ اعْتِبَارِ تَصَوُّرِ الْمِلْكِ فِي الْمُوصَى لَهُ وَكَوْنِ الْمُوصَى بِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُوصِي وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَزْمُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمُوصَى بِهِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا.
وَكَانَ الْأَوْلَى أَخْذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَأَعَادَهَا الشَّارِحُ لِأَجْلِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (قِيَاسُ الْبَابِ الصِّحَّةُ) مُعْتَمَدٌ، أَيْ؛ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَعْدُومِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَسَّرَ الْوَصِيَّةَ لِلدَّابَّةِ) هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِدَابَّةٍ) فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَقِبَهُ؛ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ لَهُ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّفْسِيرِ رَجَعَ إلَى وَارِثِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَادَ الْعَلَفَ صَحَّتْ وَإِلَّا حَلَفَ وَبَطَلَتْ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا أَرَادَ بَطَلَتْ فَتَصِحُّ فِي

إلَى جِهَةِ الدَّابَّةِ رِعَايَةً لِغَرَضِ الْمُوصِي، وَلَا يُسَلَّمُ عَلَفُهَا لِلْمَالِكِ بَلْ يَصْرِفُهُ الْوَصِيُّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَاضِي وَلَوْ بِنَائِبِهِ وَتَصِحُّ لِكَافِرٍ وَلَوْ حَرْبِيًّا وَمُرْتَدًّا وَقَاتَلَ بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمَا وَالْهِبَةِ لَهُمَا.
وَصُورَتُهَا فِي الْقَاتِلِ أَنْ يُوصِيَ لِرَجُلٍ فَيَقْتُلَهُ، وَلِحَمْلٍ إنْ انْفَصَلَ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْهَا لِلْعَمَلِ بِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهَا، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْهُ وَلِأَرْبَعِ

[حاشية البجيرمي]

صُورَةٍ وَتَبْطُلُ فِي صُورَتَيْنِ، وَلَوْ تَنَازَعَ الْوَارِثُ وَمَالِكُ الدَّابَّةِ فَقَالَ الْمَالِكُ أَرَادَ تَمْلِيكِي وَالْوَارِثُ تَمْلِيكَهَا صُدِّقَ الْوَارِثُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ، وَمِثْلُ الدَّابَّةِ الدَّارُ، فَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لِهَذِهِ الدَّارِ بِكَذَا وَفَسَّرَ بِعِمَارَتِهَا صَحَّ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي عَلَفِهَا) بِسُكُونِ اللَّامِ مَصْدَرٌ، وَبِفَتْحِهَا وَهُوَ الْمَأْكُولُ.
قَوْلُهُ: (صَحَّ) فَمَحْمَلُ عَدَمِ الصِّحَّةِ مَا إذَا قَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَلَفَهَا عَلَى مَالِكِهَا) هَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَالِكٌ، فَالْوَصِيَّةُ لِعَلَفِ الطُّيُورِ الْغَيْرِ الْمَمْلُوكَةِ بَاطِلَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَالْوَقْفِ عَمِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَعَيَّنُ الصَّرْفُ إلَخْ) أَيْ مَا لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ مَالِكَهَا.
وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا تَجَمُّلًا أَوْ مُبَاسَطَةً، وَإِلَّا مَلَكَهَا مِلْكًا مُطْلَقًا، كَمَا لَوْ دَفَعَ دِرْهَمًا لِآخَرَ وَقَالَ لَهُ اشْتَرِ بِهِ عِمَامَةً مَثَلًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ الَّتِي تَعَيَّنَ الصَّرْفُ إلَيْهَا أَيْ فَيَمْلِكُ الْوَصِيَّةَ مَالِكُهَا مِلْكًا مُطْلَقًا كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَلَوْ انْتَقَلَتْ الدَّابَّةُ الْمَذْكُورَةُ لِمُشْتَرٍ انْتَقَلَتْ الْوَصِيَّةُ مَعَهَا فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَإِنْ بِيعَتْ بَعْدَهُ فَالْوَصِيَّةُ لِلْبَائِعِ، فَإِذَا قَبِلَهَا صَرَفَهَا لِلدَّابَّةِ وَإِنْ صَارَتْ مِلْكَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُسَلَّمُ عَلَفُهَا لِلْمَالِكِ) أَيْ لَا يُجْبَرُ الْوَارِثُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَصْرِفُهُ الْوَصِيُّ) أَيْ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِنَائِبِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ النَّائِبُ مَالِكَ الدَّابَّةِ.
وَلَوْ تَوَقَّفَ الصَّرْفُ عَلَى مُؤْنَةٍ كَأَنْ عَجَزَ الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاكِمُ عَنْ حَمْلِ الْعَلَفِ أَوْ تَقْدِيمِهِ إلَيْهَا أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ وَلَمْ يَتَبَرَّعْ بِهَا أَحَدٌ فَهَلْ تَتَعَلَّقُ تِلْكَ الْمُؤْنَةُ بِالْمُوصَى بِهِ فَتُصْرَفُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَصِيَّةِ أَوْ تَتَعَلَّقُ بِمَالِك الدَّابَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ هُوَ الْأَوَّلُ وَلَوْ أَوْصَى بِعَلَفٍ لِدَابَّةٍ لَا تَأْكُلُهُ عَادَةً، فَهَلْ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ أَوْ يُصْرَفُ لِمَالِكِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالثَّانِي غَيْرُ بَعِيدٍ.
وَلَوْ كَانَ الْعَلَفُ الْمُوصَى بِهِ مِمَّا تَأْكُلُهُ عَادَةً لَكِنْ عُرِضَ لَهَا امْتِنَاعُهَا مِنْ أَكْلِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنْ أَيِسَ مِنْ أَكْلِهَا إيَّاهُ عَادَةً صَارَ الْمُوصَى بِهِ لِلْمَالِكِ كَمَا لَوْ مَاتَتْ وَإِلَّا حُفِظَ إلَى أَنْ يَتَأَتَّى أَكْلُهَا.
اهـ. سم عَلَى حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ لِكَافِرٍ) تَعْمِيمٌ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ " لِكُلِّ مُتَمَلِّكٍ ". قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَرْبِيًّا) أَيْ وَإِنْ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ لِفُلَانٍ الْحَرْبِيِّ.
وَقَوْلُهُ " وَمُرْتَدًّا " أَيْ لَمْ يَمُتْ عَلَى رِدَّتِهِ؛ مَرْحُومِيٌّ.
وَخَالَفَ الْوَقْفَ بِأَنَّهُ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ فَاعْتُبِرَ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الدَّوَامُ وَالْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ لَا دَوَامَ لَهُمَا.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ.
وَمِثْلُهُ ح ل. وَاعْتَمَدَ ع ش أَنَّهُ إذَا صَرَّحَ بِذَلِكَ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِمُشْتَقٍّ يُؤْذِنُ بِعِلْيَةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ لِأَجْلِ حِرَابَتِهِ أَوْ رِدَّتِهِ فَتَفْسُدُ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْكُفْرَ حَامِلًا عَلَى الْوَصِيَّةِ.
وَصُورَتُهُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَقُولَ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ وَلَمْ يَزِدْ وَكَانَ فِي الْوَاقِعِ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ ذَاتَهمَا لَا وَصْفَهُمَا.
قَوْلُهُ: (فَيَقْتُلُهُ) فَهُوَ قَاتِلٌ بِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَخَبَرُ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ وَصِيَّةٌ» ضَعِيفٌ سَاقِطٌ، وَلَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِمَنْ يَقْتُلُهُ اهـ. أَمَّا لَوْ أَوْصَى لِمَنْ يَرْتَدُّ أَوْ يُحَارِبُ أَوْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَقْتُلُ غَيْرَهُ عُدْوَانًا فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ " عُدْوَانًا " مَفْهُومُهُ صِحَّةُ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ يَقْتُلُ خَطَأً سم.
وَقَضِيَّتُهُ صِحَّةُ وَصِيَّةِ الْحَرْبِيِّ لِمَنْ يَقْتُلُهُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَاسَ بِالْحَرْبِيِّ كُلُّ مَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَلَا نَظَرَ لِتَعْزِيرِ قَاتِلِ نَحْوِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ بِخِلَافِ قَاتِلِ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَعْنًى خَارِجٍ وَهُوَ الِافْتِيَاتُ عَلَى الْإِمَامِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَلِحَمْلٍ) وَيُقْبَلُ لَهُ وَلِيُّهُ وَلَوْ وَصِيًّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ حَيًّا، فَلَوْ قَبِلَ قَبْلَهُ لَمْ يَكْفِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَقِيلَ: يَكْفِي، كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ إلَخْ؛ وَصَحَّحَهُ الْخُوَارِزْمِيُّ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (حَيَا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً) فَإِنْ انْفَصَلَ مَيِّتًا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي بَطَلَتْ وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لَمْ تَبْطُلْ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ لِلْحَمْلِ أَخَذَهَا وَرَثَةُ الْحَمْلِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْبَلْ قَبْلَ الْآنَ وَأَخَذَ الْوَصِيَّةَ لِوَرَثَةِ الْحَمْلِ.
فَرْعٌ أَوْصَى بِحَمْلٍ لِحَمْلٍ، فَإِنْ وُلِدَا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ لَمْ تَصِحَّ، وَكَذَا إنْ وُلِدَ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالْآخَرُ لِأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ.
اهـ. س ل.

سِنِينَ فَأَقَلَّ مِنْهَا وَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، فَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ أَوْ انْفَصَلَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهِ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا فِي الْأُولَى وَلِعَدَمِ وُجُودِهِ عِنْدَهَا فِي الثَّانِيَةِ.
وَتَصِحُّ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ وَمَصَالِحِهِ وَمُطْلَقًا وَتُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِمَا عَمَلًا بِالْعُرْفِ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت تَمْلِيكَهُ فَقِيلَ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ.
وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ صِحَّتَهَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ، أَيْ وَكَانَتْ فِرَاشًا.
قَالَ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ السِّتَّةَ مُلْحَقَةٌ بِمَا فَوْقَهَا لِاشْتِرَاطِ عَدَمِ الْفِرَاشِ مَعَهَا وَأَنَّ الْأَرْبَعَ سِنِينَ مُلْحَقَةٌ بِمَا دُونَهَا، وَهُوَ الرَّاجِحُ.
قَوْلُهُ: (لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا) لَا يُقَالُ الْعِلْمُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَصِلُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَا يَكُونُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَمْكُثَ فِي الْبَطْنِ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْعَادَةِ فَلَا يَمْنَعُ غَلَبَةَ الظَّنِّ الْمُرَادَةِ هُنَا بِالْعِلْمِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الدُّونِ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَمَا فَوْقُ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ) أَيْ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُهُ عِنْدَهَا لِنُدْرَةِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَفِي تَقْدِيرِ الزِّنَا إسَاءَةُ ظَنٍّ، نَعَمْ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا قَطُّ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ اهـ. وَقَوْلُهُ: " لِأَنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُهُ عِنْدَهَا "؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ عَقِبَ الْعُلُوقِ فِيمَا إذَا انْفَصَلَ لِأَرْبَعِ سِنِينَ فَأَقَلَّ فَالْأَرْبَعَةُ مُلْحَقَةٌ بِمَا دُونَهَا كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ أَيْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِنُدْرَةِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ، فَلَا يُرَدُّ إذَا وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَمْ تَكُنْ فِرَاشًا فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَوْ الزِّنَا.
وَعِبَارَةُ سم.
قَوْلُهُ: " لِنُدْرَةِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ " أَيْ وَلَمْ يُلْتَفَتْ لِذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَتْ فِرَاشًا لِوُجُودِ مَا يُحَالُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْفِرَاشُ اهـ. وَقَوْلُهُ: " نَعَمْ لَوْ لَمْ تَكُنْ " أَيْ وَوَضَعَتْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، فَلَوْ وَضَعَتْهُ لِدُونِهَا فَإِنَّهَا تَصِحُّ إذْ غَايَتُهُ أَنَّهُ مِنْ زِنًا أَوْ شُبْهَةٍ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَمَا أَفَادَهُ ع ش. وَقَوْلُهُ: " لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ " لِانْتِفَاءِ الظُّهُورِ حِينَئِذٍ وَانْحِصَارِ الطَّرِيقِ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَوْ الزِّنَا اهـ. قَوْلُهُ: (لِزَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ) أَيْ أَمْكَنَ كَوْنُ الْحَمْلِ مِنْهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَمْسُوحًا وَلَا غَائِبًا فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ) أَيْ الْأَحَدِ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ انْفَصَلَ " أَيْ أَوْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا لَكِنْ انْفَصَلَ إلَخْ.
وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: الْمُرَادُ بِالْفِرَاشِ وُجُودُ وَطْءٍ يُمْكِنُ كَوْنُ الْحَمْلِ مِنْهُ بَعْدَ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ، بَلْ الْوَطْءُ لَيْسَ قَيْدًا إذْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يُحَالُ وُجُودُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ) أَيْ إنْشَاءً أَوْ تَرْمِيمًا كَمَا فِي م ر، فَمَا فِي ق ل مِنْ قَوْلِهِ مَسْجِدٍ مَوْجُودٌ لَيْسَ قَيْدًا شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَتَصِحُّ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ.
وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ بِأَنْ قَالَ أَوْصَيْتُ بِهِ لِلْمَسْجِدِ وَإِنْ أَرَادَ تَمْلِيكَهُ لِمَا مَرَّ فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ حُرٌّ يَمْلِكُ أَيْ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ، وَتُحْمَلُ عَلَى عِمَارَتِهِ وَمَصَالِحِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَيَصْرِفُهُ النَّاظِرُ لِلْأَهَمِّ وَالْأَصْلَحِ بِاجْتِهَادِهِ اهـ؛ أَيْ فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ الصَّرْفُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَدْفَعُهُ لِلنَّاظِرِ أَوْ لِمَنْ أَقَامَهُ النَّاظِرُ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ الْآنَ مِنْ النَّذْرِ لِإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ ذَوِي الْأَضْرِحَةِ الْمَشْهُورَةِ فَيَجِبُ عَلَى النَّاظِرِ صَرْفُهُ لِمُتَوَلِّي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَرَاهُ فِيهِ.
وَمِنْهُ أَنْ يَصْنَعَ بِذَلِكَ طَعَامًا أَوْ خُبْزًا لِمَنْ يَكُونُ بِالْمَحَلِّ الْمَنْذُورِ عَلَيْهِ لِخَدَمَتِهِ الَّذِينَ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ لِقِيَامِهِمْ بِمَصَالِحِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِدَرَاهِمَ لِكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ الضَّرِيحِ النَّبَوِيِّ وَكَانَا غَيْرَ مُحْتَاجَيْنِ لِذَلِكَ حَالًا وَفِيمَا شُرِطَ مِنْ وَقْفِهِ لِكُسْوَتِهِمَا مَا يَفِي بِذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ وَيَدَّخِرَ مَا أَوْصَى بِهِ أَوْ تُجَدَّدَ لَهُ كُسْوَةٌ أُخْرَى لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّعْظِيمِ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (وَمَصَالِحِهِ) عَطْفٌ عَامٌّ أَيْ وَلَوْ غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُطْلَقًا) بِأَنْ يَقُولَ أَوْصَيْتُ بِهِ لِلْمَسْجِدِ، وَمِثْلُهُ الْوَصِيَّةُ لِلْكَعْبَةِ وَالضَّرِيحِ النَّبَوِيِّ فَيُصْرَفُ لِمَصَالِحِهِمَا الْخَاصَّةِ بِهِمَا كَتَرْمِيمِ مَا وَهَى أَيْ سَقَطَ مِنْ الْكَعْبَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْحَرَمِ وَالْأَوْجَهُ صِحَّتُهَا كَالْوَقْفِ عَلَى ضَرِيحِ الشَّيْخِ الْفُلَانِيِّ، وَيُصْرَفُ فِيمَا يُصْلِحُ قَبْرَهُ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهِ الْجَائِزِ وَمَنْ يَخْدُمُهُ أَوْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا صِحَّتُهَا بِبِنَاءِ قُبَّةٍ عَلَى قَبْرِ وَلِيٍّ أَوْ عَالِمٍ فِي غَيْرِ مُسَبَّلَةٍ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْقَنَاطِرُ وَالْجُسُورُ وَالْآبَارُ الْمُسَبَّلَةُ.
اهـ. ع ش. أَمَّا إذَا قَالَ أَوْصَيْتُ بِهِ لِلشَّيْخِ الْفُلَانِيِّ وَلَمْ يَنْوِ ضَرِيحَهُ أَوْ نَحْوَهُ فَبَاطِلَةٌ، وَإِذَا أَوْصَى لِمَسْجِدٍ فَيُشْتَرَطُ قَبُولُ نَاظِرِهِ، قَالَ ع ش: بَقِيَ مَا لَوْ قَالَ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ كَذَا هَلْ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا يُعَمَّرُ بِهِ مَا يُسَمَّى عِمَارَةً عُرْفًا، وَهَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إنْشَاءِ صِيغَةِ وَقْفٍ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي، حَيْثُ كَانَتْ الْعِمَارَةُ تَرْمِيمًا أَوْصَى بِهِ، أَمَّا لَوْ أَوْصَى بِإِنْشَاءِ مَسْجِدٍ فَاشْتَرَى قِطْعَةَ

بِأَنَّ لِلْمَسْجِدِ مِلْكًا وَعَلَيْهِ وَقْفًا قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْأَفْقَهُ الْأَرْجَحُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِقَوْلِهِ: (وَ) تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقُرُبَاتِ، وَتُصْرَفُ إلَى الْغُزَاةِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ لِثُبُوتِ هَذَا الِاسْمِ لَهُمْ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ أَنْ لَا تَكُونَ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ كَنِيسَةٍ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَقِرَاءَتِهِمَا، وَكِتَابَةِ كُتُبِ الْفَلْسَفَةِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَصِيَّةُ لِدَهْنِ سِرَاجِ الْكَنِيسَةِ تَعْظِيمًا لَهَا.
أَمَّا إذَا قَصَدَ انْتِفَاعَ الْمُقِيمِينَ وَالْمُجَاوِرِينَ بِضَوْئِهَا فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأَذْرَعِيُّ، وَسَوَاءٌ أَوْصَى بِمَا ذُكِرَ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ، وَإِذَا انْتَفَتْ الْمَعْصِيَةُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قُرْبَةً كَالْفُقَرَاءِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ أَوْ مُبَاحَةً لَا يَظْهَرُ فِيهَا قُرْبَةٌ كَالْوَصِيَّةِ لِلْأَغْنِيَاءِ وَفَكِّ أَسَارَى الْكُفَّارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْوَصِيَّةِ تَدَارُكُ مَا فَاتَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ مِنْ الْإِحْسَانِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً.

تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الصِّيغَةِ وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ، وَشُرِطَ فِيهَا لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْوَصِيَّةِ وَفِي مَعْنَاهُ

[حاشية البجيرمي]

أَرْضٍ وَبَنَاهَا مَسْجِدًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَقْفِ لَهَا وَلِمَا فِيهَا مِنْ الْأَبْنِيَةِ مِنْ الْقَاضِي أَوْ نَائِبِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَسْجِدُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ حَالًّا فَيَنْبَغِي حِفْظُ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ حَيْثُ تُوُقِّعَ زَمَانٌ يُمْكِنُ فِيهِ التَّصَرُّفُ، فَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ كَأَنْ كَانَ مُحْكَمَ الْبِنَاءِ بِحَيْثُ لَا يُتَوَقَّعُ لَهُ زَمَانٌ يُصْرَفُ فِيهِ مَا أَوْصَى بِهِ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ وَصَرْفُ مَا عُيِّنَ لَهَا لِلْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ صِحَّتَهَا) وَإِنْ قَصَدَ تَمْلِيكَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعُلِمَ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِأَنَّ لِلْمَسْجِدِ مِلْكًا إلَخْ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّابَّةِ وَخَرَجَ بِنَحْوِ الْمَسْجِدِ الْوَصِيَّةُ لِدَارٍ لِعِمَارَتِهَا فَبَاطِلَةٌ ق ل. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ لِلْمَسْجِدِ مِلْكًا) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بِأَنَّ الصِّيغَةَ الَّتِي فِيهَا لِلْمَسْجِدِ بِأَنْ قَالَ جَعَلْته لِلْمَسْجِدِ تَكُونُ مِلْكًا لَهُ، وَالصِّيغَةُ الَّتِي فِيهَا عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ جَعَلْته عَلَيْهِ تَكُونُ وَقْفًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مِلْكًا خَبَرَ يَكُونُ الْمَحْذُوفَةِ أَيْ بِأَنَّ لِلْمَسْجِدِ أَيْ هَذَا اللَّفْظُ يَكُونُ مِلْكًا وَمِثْلُهُ وَقْفًا شَيْخُنَا، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ الْبَابِلِيِّ؛ فَالتَّعْبِيرُ بِاللَّامِ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَبِعَلَى يُفِيدُ الْوَقْفَ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كَأَوْصَيْتُ بِثُلُثِ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِسَبِيلِ اللَّهِ وَتُصْرَفُ لِفُقَرَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْتُ بِكَذَا لِلَّهِ صَحَّ وَصُرِفَ لِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ صَحَّ وَصُرِفَ لِلْمَسَاكِينِ.
اهـ. سم.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (إلَى الْغُزَاةِ) أَيْ الْمُتَطَوِّعِينَ بِالْجِهَادِ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْطِي مِنْهَا إلَّا الْمُتَطَوِّعَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) أَيْ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا تَكُونَ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ) أَيْ وَلَا مَكْرُوهَةً فَخَرَجَ الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ قَبْرٍ لَهُ فِي غَيْرِ الْأَرْضِ الْمُسَبَّلَةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ فَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
قَوْلُهُ (كَعِمَارَةِ كَنِيسَةٍ) وَلَوْ كَانَتْ الْعِمَارَةُ تَرْمِيمًا.
وَهَذَا فِي الْكَنَائِسِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَّا مَا وُجِدَ مِنْهَا قَبْلَ شَرِيعَةِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَسَاجِدِنَا وَلَا يُمَكَّنُ النَّصَارَى مِنْ دُخُولِهَا إلَّا لِحَاجَةٍ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ كَمَسَاجِدِنَا، كَذَا نُقِلَ عَنْ إفْتَاءِ السُّبْكِيّ؛ وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّعَبُّدِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَتَعَبَّدُونَ فِيهَا الْآنَ هُمْ الْمُسْلِمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ وَإِنْ سُمِّيَتْ كَنِيسَةً.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (لِلتَّعَبُّدِ) أَيْ مَوْضُوعَةٌ وَمَجْعُولَةٌ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا، بِخِلَافِ كَنِيسَةٍ تَنْزِلُهَا الْمَارَّةُ وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَيْ مَجْعُولَةٌ لِذَلِكَ أَوْ صَارَتْ مَعْرُوفَةً بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ مَجْعُولَةً لِلتَّعَبُّدِ، وَمِنْهُ الْكَنَائِسُ الَّتِي فِي جِهَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّتِي تَنْزِلُهَا الْمَارَّةُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِبِنَائِهَا التَّعَبُّدُ وَنُزُولُ الْمَارَّةِ طَارِئٌ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) أَيْ الْمُبَدَّلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (تَعْظِيمًا لَهَا) أَيْ كَنِيسَةِ التَّعَبُّدِ.
قَوْلُهُ: (فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مُقِيمِينَ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ كَافِرٌ) وَإِنْ اعْتَقَدَهَا حَرَامًا اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِنَا سم.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْقَصْدَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: " أَنْ لَا تَكُونَ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ ".

قَوْلُهُ: (الصِّيغَةِ) الْمُرَادُ بِالصِّيغَةِ هُنَا الْإِيجَابُ، وَأَمَّا الْقَبُولُ فَسَيَأْتِي، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لَفْظًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الرَّمْلِيُّ وَإِنْ قَالَ حَجّ يُشْبِهُ الِاكْتِفَاءَ بِعَدَمِ الرَّدِّ وَلَوْ تَرَاخَى الْقَبُولُ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ الْإِيجَابَ بِخِلَافِ الْهِبَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَإِنَّهَا كَالْبَيْعِ وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْفَوْرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَسَامَحُوا فِي عَدَمِ

مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ.
وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ كَأَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا أَوْ أَعْطُوهُ لَهُ أَوْ هُوَ لَهُ أَوْ وَهَبْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي فِي الثَّلَاثَةِ، وَإِلَى كِنَايَةٍ كَهُوَ لَهُ مِنْ مَالِي وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكِتَابَةَ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ فَتَنْعَقِدُ بِهَا مَعَ النِّيَّةِ كَالْبَيْعِ وَأَوْلَى، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ هُوَ لَهُ فَقَطْ فَإِقْرَارٌ لَا وَصِيَّةٌ وَتَلْزَمُ الْوَصِيَّةُ بِمَوْتٍ لَكِنْ مَعَ قَبُولٍ بَعْدَهُ وَلَوْ بِتَرَاخٍ فِي مُوصًى لَهُ مُعَيَّنٍ وَإِنْ تَعَدَّدَ.
وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ، وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْفَوْرُ فِي الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْعُقُودِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا ارْتِبَاطُ الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ فَلَا يَصِحُّ قَبُولٌ وَلَا رَدٌّ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي إذْ لَا حَقَّ لَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَأَشْبَهَ إسْقَاطَ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلِمَنْ قَبِلَ فِي الْحَيَاةِ الرَّدُّ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِالْعَكْسِ.
وَيَصِحُّ الرَّدُّ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ لَا بَعْدَهُمَا وَبَعْدَ الْقَبْضِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَإِنْ صَحَّحَ فِي تَصْحِيحِهِ الصِّحَّةَ.

فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْمُوصِي بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْمَوْتِ غَيْرُ لَازِمَةٍ فَبَطَلَتْ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ خَلَفَهُ وَارِثُهُ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ بَيْتَ الْمَالِ فَالْقَابِلُ وَالرَّادُّ هُوَ الْإِمَامُ وَمِلْكُ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ لِلْمُوصَى بِهِ الَّذِي لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ مَوْقُوفٌ إنْ قُبِلَ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ رُدَّ بَانَ أَنَّهُ لِلْوَارِثِ وَيَتْبَعُهُ فِي الْوَقْفِ الْفَوَائِدُ الْحَاصِلَةُ

[حاشية البجيرمي]

اتِّصَال الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ فِي الْوَصِيَّةِ تَسَامَحُوا فِي الْفَوْرِ أَيْضًا م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ مَوْتِي) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ، فَلَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْدَ مَوْتِي فَفِي صُورَةٍ وَهِبَتُهُ يَكُونُ هِبَةً وَلَا عِبْرَةَ بِنِيَّةِ الْوَصِيَّةِ لَوْ نَوَاهَا، ثُمَّ إنْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ نَفَذَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَرَضِ حُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ هُوَ لَهُ فَإِقْرَارٌ، وَأَمَّا فِي صُورَةِ أَعْطُوهُ لَهُ يَكُونُ كِنَايَةً فِي الْوَصِيَّةِ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ بَعْدَ مَوْتِي.
قَوْلُهُ بَعْدَ عَيْنِي وَإِنْ قَضَى اللَّهُ عَلَيَّ وَأَرَادَ الْمَوْتَ؛ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لَا قَوْلُهُ وَهَبْتُهُ لَهُ بِدُونِ بَعْدِ مَوْتِي فَلَا يَكُونُ وَصِيَّةً وَإِنْ نَوَى الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ الْمُنَجَّزُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، فَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، ثُمَّ إنْ كَانَ هَذَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ حُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ مَرَضٍ لَمْ يَمُتْ فِيهِ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ.
وَاسْتَوْجَهَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ ادَّعَى عَلَيَّ شَيْئًا أَوْ أَنَّهُ وُفِيَ مَالِي أَيْ الَّذِي لِي عِنْدَهُ فَصَدَّقُوهُ بِلَا يَمِينٍ كَانَ وَصِيَّةً، فَإِنْ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: صَدَّقُوهُ بِيَمِينٍ بِلَا بَيِّنَةٍ لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَحْ لَهُ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا قَنَعَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ دُونَ حُجَّةٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِأَمْرِ الشَّرْعِ فَلْيَكُنْ لَغْوًا وَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ مَا يَدَّعِيهِ فُلَانٌ فَصَدِّقُوهُ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ وَصِيَّةً أَيْضًا.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (كَهُوَ لَهُ مِنْ مَالِي) لِاحْتِمَالِهِ الْوَصِيَّةَ وَالْهِبَةَ فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ، فَلَوْ مَاتَ وَلَمْ تُعْلَمْ نِيَّتُهُ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا وَالْإِقْرَارُ هُنَا غَيْرُ مُتَأَتٍّ لِقَوْلِهِ مِنْ مَالِي.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَكَفَى فِيهِ ذَلِكَ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى، وَأَيْضًا الْبَيْعُ يُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّصَالُ الْقَبُولِ بِالْإِيجَابِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ قَبُولٍ) أَيْ لَفْظِيٍّ بَعْدَهُ، فَلَا يَكْفِي الْفِعْلُ، وَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَبُولُ اللَّفْظِيُّ، وَيُشْبِهُ الِاكْتِفَاءَ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْأَخْذُ كَالْهَدِيَّةِ وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ اهـ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى الْقَبُولِ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ إعْتَاقًا كَأَنْ قَالَ: أَعْتِقُوا عَنِّي فُلَانًا بَعْدَ مَوْتِي، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِرَقَبَتِهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِاقْتِضَاءِ الصِّيغَةِ لَهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (مُعَيَّنٍ) الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْجِهَةَ، فَيَشْمَلُ مَا إذَا أَوْصَى لِجَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ كَأَوْصَيْت لِبَنِي فُلَانٍ فَيُشْتَرَطُ قَبُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) أَيْ وَإِنْ انْحَصَرُوا ق ل؛ لَكِنْ فِي شَرْحِ م ر أَنَّهَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ إنْ انْحَصَرُوا وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهُمْ حِينَئِذٍ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا حَقَّ لَهُ) أَيْ لِلْمُوصَى لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ) أَيْ الرَّدُّ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْعَكْسِ) أَيْ وَلِمَنْ رَدَّ فِي الْحَيَاةِ الْقَبُولُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ) بِأَنْ رَدَّ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ قَبِلَ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَالْقَبُولُ بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ: (كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ) مُعْتَمَدٌ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ صَحَّحَ فِي تَصْحِيحِهِ الصِّحَّةَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْمُوصِي) أَوْ مَعَهُ م ر.

قَوْلُهُ: (الَّذِي لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ) لَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَاءِ هَذَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ وَمِلْكُ الْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مُوصًى لَهُ بَلْ فِيهَا وَصِيَّةٌ بِإِعْتَاقٍ اللَّهُمَّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الرَّقِيقَ مُوصًى لَهُ ضِمْنًا فَكَأَنَّهُ أَوْصَى

مِنْ الْمُوصَى بِهِ كَثَمَرَةٍ وَكَسْبٍ وَالْمُؤْنَةِ وَلَوْ فِطْرَةً، وَيُطَالِبُ الْوَارِثُ الْمُوصَى لَهُ أَوْ الرَّقِيقَ الْمُوصَى بِهِ أَوْ الْقَائِمَ مَقَامَهُمَا مِنْ وَلِيٍّ وَوَصِيٍّ بِالْمُؤَنِ إنْ تَوَقَّفَ فِي قَبُولٍ وَرَدٍّ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ مُطَلِّقُ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ مِنْ التَّعْيِينِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَوْ يَرُدَّ خَيَّرَهُ الْحَاكِمُ بَيْنَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حُكِمَ بِالْبُطْلَانِ كَالْمُتَحَجِّرِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْإِحْيَاءِ.
أَمَّا لَوْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ رَقِيقٍ فَالْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَارِثِ إلَى إعْتَاقِهِ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ وَلِلْمُوصِي رُجُوعٌ فِي وَصِيَّتِهِ وَعَنْ بَعْضِهَا بِنَحْوِ نَقَضْتهَا كَأَبْطَلْتُهَا وَبِنَحْوِ قَوْلِهِ.
هَذَا لِوَارِثِي مُشِيرًا إلَى الْمُوصَى بِهِ، وَبِنَحْوِ بَيْعٍ وَرَهْنٍ وَكِتَابَةٍ لِمَا وَصَّى بِهِ وَلَوْ بِلَا قَبُولٍ وَبِوَصِيَّةٍ بِذَلِكَ وَتَوْكِيلٍ بِهِ وَعَرْضٍ عَلَيْهِ وَخَلْطِهِ بُرًّا مُعَيَّنًا وَصَّى بِهِ وَخَلْطِهِ صُبْرَةً وَصَّى بِصَاعٍ مِنْهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا وَطَحْنِهِ بُرًّا وَصَّى بِهِ وَبَذَرَ لَهُ وَعَجْنِهِ دَقِيقًا وَصَّى بِهِ، وَغَزْلِهِ قُطْنًا وَصَّى بِهِ وَنَسْجِهِ غَزْلًا وَصَّى بِهِ وَقَطْعِهِ ثَوْبًا وَصَّى بِهِ قَمِيصًا وَبِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ بِأَرْضٍ وَصَّى بِهَا.

[حاشية البجيرمي]

لَهُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ يُقَالُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُطَالِبُ الْوَارِثُ الْمُوصَى لَهُ) فَإِنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْهَا أَيْ مِنْ الْمُؤَنِ فَلْيَرُدَّ الْوَصِيَّةَ.
وَقَوْلُهُ: " الْمُوصَى لَهُ " مَفْعُولٌ بِهِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ الْقَائِمَ مَقَامَهُمَا لِيَكُونَ مُؤَخَّرًا عَنْ الْفَاعِلِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لَكَانَ أَظْهَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْقَائِمَ مَقَامَهَا) أَيْ الْقَائِمَ مَقَامَ الْوَارِثِ مِنْ وَلِيٍّ وَوَصِيٍّ وَالْقَائِمَ مَقَامَ الرَّقِيقِ إذَا كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا هُوَ الْحَاكِمُ،.
اهـ. مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَرُدَّ) الْأَوْلَى وَلَمْ يَرُدَّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ أَوْصَى إلَخْ) مُحْتَرَزٌ.
قَوْلُهُ " لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ ". قَوْلُهُ: (فَالْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَارِثِ) فَبَدَلُهُ لَوْ قُتِلَ لَهُ، نَعَمْ كَسْبُهُ لَهُ لَا لِلْوَارِثِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْبَحْرِ لِنُقَرِّرَ اسْتِحْقَاقَهُ الْعِتْقَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ) بِأَنْ تَرَاخَى عِتْقُهُ عَنْ مَوْتِ الْمُوصِي، أَيْ وَالْفَوَائِدُ لَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلِلْمُوصِي رُجُوعٌ إلَخْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ، وَهَذَا بِحَسْبِ الْأَصْلِ وَإِلَّا فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَصْرِفُهُ فِي مَكْرُوهٍ كُرِهَتْ أَوْ فِي مُحَرَّمٍ حَرُمَتْ فَيُقَالُ هُنَا بَعْدَ حُصُولِ الْوَصِيَّةِ: إذَا عَرَضَ لِلْمُوصَى لَهُ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي مُحَرَّمٍ وَجَبَ الرُّجُوعُ أَوْ فِي مَكْرُوهٍ نُدِبَ الرُّجُوعُ أَوْ فِي طَاعَةٍ كُرِهَ الرُّجُوعُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فِي وَصِيَّتِهِ) خَرَجَ التَّبَرُّعُ الْمُنَجَّزُ وَلَوْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ ق ل. قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ نَقَضْتهَا) وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَارِثِ بِالرُّجُوعِ وَلَا بِبَيِّنَتِهِ بِهِ، إلَّا إذَا تَعَرَّضَتْ بِصُدُورِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهَا رَجَعَ عَنْ وَصَايَاهُ وَهَذَا وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الرُّجُوعِ بِالْقَوْلِ وَسَيُذْكَرُ الرُّجُوعُ بِالْفِعْلِ لِقَوْلِهِ وَخَلْطِهِ بُرًّا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (هَذَا لِوَارِثِي) بِخِلَافِ هَذَا تَرِكَتِي.
قَوْلُهُ: (وَبِنَحْوِ بَيْعٍ) أَيْ وَإِنْ حَصَلَ بَعْدَهُ فَسْخٌ.
قَوْلُهُ: (وَرَهْنٍ) وَكَذَا هِبَةٌ وَلَوْ فَاسِدِينَ.
قَوْلُهُ: (بَيْعٍ وَرَهْنٍ) أَيْ وَلَوْ بِلَا قَبْضٍ فِيهِمَا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْهِبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِلَا قَبُولٍ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ، وَانْظُرْ كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِذَلِكَ إلَّا إذَا وُجِدَ الْقَبُولُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْفَاسِدِ أَيْضًا وَهِيَ تُسَمَّى عُقُودًا فَاسِدَةً بِدُونِ ذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَبِوَصِيَّةٍ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ وَالْكِتَابَةِ فِي الْمُوصَى بِهِ، مِثْلُ: إذَا مِتُّ فَبِيعُوهُ إلَخْ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِمُعَيَّنٍ ثُمَّ وَصَّى بِهِ لِعَمْرٍو فَلَيْسَ رُجُوعًا بَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِثَالِثٍ كَانَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَهَكَذَا اهـ. وَقَوْلُهُ: " بَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ " فَإِنْ رَدَّ أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْآخَرَ الْجَمِيعُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِهِ ابْتِدَاءً لَهُمَا فَرَدَّ أَحَدُهُمَا يَكُونُ النِّصْفُ لِلْوَارِثِ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ لَهُ إلَّا النِّصْفَ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَخَلْطِهِ بُرًّا إلَخْ) أَيْ بِبُرٍّ مِثْلِهِ أَوْ أَجْوَدَ أَوْ أَرْدَأَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِذَلِكَ عَنْ إمْكَانِ التَّسْلِيمِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
فَقَوْلُهُ الْآتِي: " بِأَجْوَدَ " قَيْدٌ فِيمَا قَبْلَهُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَخَلْطِهِ صُبْرَةً) بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَطَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَيْسَ رُجُوعًا م ر. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَخَلْطِهِ بُرًّا " أَيْ خَلْطًا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ كَمَا فِي م ر. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَمِثْلُ خَلْطِهِ بَلُّهُ بِالْمَاءِ اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا كَوْنُ الْخَلْطِ بِأَجْوَدَ وَمَا بَعْدَهَا حَيْثُ شُرِطَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْخَلْطَ فِي هَذِهِ أَخْرَجَهَا عَنْ التَّعْيِينِ بِمُجَرَّدِهِ، بِخِلَافِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الصَّاعَ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ خَلْطٌ فَاشْتُرِطَ خَلْطُهُ بِأَجْوَدَ لِيُشْعِرَ بِرُجُوعِ الْمُوصِي.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (بِأَجْوَدَ) لِأَنَّهُ أَحْدَثَ زِيَادَةً لَمْ تَتَنَاوَلْهَا الْوَصِيَّةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ أَوْ بِأَرْدَأ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّعْيِيبِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ أَيْ وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ.
قَوْلُهُ: (وَطَحْنِهِ) أَيْ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِجَرِيشِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا زَالَ بِهِ الْمِلْكُ أَوْ زَالَ بِهِ الِاسْمُ وَكَانَ بِفِعْلِهِ أَوْ أَشْعَرَ بِالْإِعْرَاضِ إشْعَارًا قَوِيًّا يَكُونُ رُجُوعًا وَإِلَّا فَلَا ق ل. فَمَا حَصَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا مَا لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ سم، بِخِلَافِ خَبْزِ الْعَجِينِ فَيَنْبَغِي.
أَنْ لَا

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْإِيصَاءِ وَهُوَ إثْبَاتُ تَصَرُّفٍ مُضَافٍ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِقَوْلِهِ: (وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ) بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ الْمُبَاحَةِ يُقَالُ: أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِكَذَا وَأَوْصَيْت إلَيْهِ، وَوَصَّيْته إذَا جَعَلْته وَصِيًّا.
وَقَدْ أَوْصَى ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَتَبَ وَصِيَّتِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى الزُّبَيْرِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَأَرْكَانُ الْإِيصَاءِ أَرْبَعَةٌ: مُوصٍ وَوَصِيٌّ وَمُوصًى فِيهِ وَصِيغَةٌ.
وَشُرِطَ فِي الْمُوصِي بِقَضَاءِ حَقٍّ كَدَيْنٍ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ وَرَدِّ وَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ مَا مَرَّ فِي الْمُوصِي بِمَالٍ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ.
وَشُرِطَ فِي الْمُوصِي بِنَحْوِ أَمْرِ طِفْلٍ كَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورٍ بِسَفَهٍ مَعَ مَا مَرَّ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً مِنْ الشَّرْعِ لَا بِتَفْوِيضٍ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ مِمَّنْ فَقَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ وَمَنْ بِهِ رِقٌّ وَأُمٍّ وَعَمٍّ وَوَصِيٍّ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ.

وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ (إلَى مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ) عِنْدَ الْمَوْتِ وَتَرَكَ سَادِسًا وَسَابِعًا كَمَا سَتَعْرِفُهُ الْأَوَّلُ (الْإِسْلَامُ) فِي مُسْلِمٍ.
(وَ) الثَّانِي: (الْبُلُوغُ وَ) الثَّالِثُ: (الْعَقْلُ وَ) الرَّابِعُ: (الْحُرِّيَّةُ وَ) الْخَامِسُ: (الْأَمَانَةُ) وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهَا بِالْعَدَالَةِ وَلَوْ ظَاهِرَةً وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.
وَالسَّادِسُ الِاهْتِدَاءُ إلَى التَّصَرُّفِ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَالسَّابِعُ عَدَمُ عَدَاوَةٍ مِنْهُ

[حاشية البجيرمي]

يَكُونَ رُجُوعًا فَإِنَّ الْعَجِينَ يَفْسُدُ لَوْ تُرِكَ فَلَعَلَّهُ قَصَدَ إصْلَاحَهُ وَحِفْظَهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَغِرَاسِهِ بِأَرْضٍ) بِخِلَافِ زَرْعِهِ بِهَا م ر.

قَوْلُهُ: (فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ) خَرَّجَ الْعِبَادَةَ، وَقَوْلُهُ: " الْمُبَاحَةِ " خَرَّجَ الْمَعْصِيَةَ، كَجَعَلْتُهُ وَصِيًّا بِبِنَاءِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْصَيْتُ إلَيْهِ) فَيَتَعَدَّى بِاللَّامِ وَبِإِلَى، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ أَوْصَيْته، قَوْلُهُ: (إلَى اللَّهِ) ذَكَرَهُ لِلتَّبَرُّكِ.
وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ وَصِيًّا عَنْ سَبْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ مَالِهِ وَيَحْفَظُ مَالَهُمْ،.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (بِقَضَاءِ حَقٍّ) وَالْمُوصَى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ يُطَالِبُ الْوَرَثَةَ بِقَضَائِهِ أَوْ بِتَسْلِيمِ التَّرِكَةِ لِتُبَاعَ فِي الدَّيْنِ تَبْرِئَةً لِذِمَّةِ الْمُوصِي وَكَقَضَاءِ الدَّيْنِ قَضَاءُ الْوَصَايَا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ) أَيْ بِأَنَّهُ مَالِكٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ حُرٌّ مُخْتَارٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ أَمْرٍ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: بِأَمْرِ نَحْوِ طِفْلٍ، فَالْعِبَارَةُ مَقْلُوبَةٌ.
قَوْلُهُ: (مَعَ مَا مَرَّ) أَيْ فِي شُرُوطِ الْمُوصِي بِقَضَاءِ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (وِلَايَةٌ لَهُ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا ق ل. قَوْلُهُ: (لَا بِتَفْوِيضٍ) أَمَّا الَّذِي لَهُ الْوِلَايَةُ بِالتَّفْوِيضِ كَالْوَصِيِّ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ غَيْرَهُ فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَأُمٍّ وَعَمٍّ) أَيْ فَلَا وِلَايَةَ لِلْأُمِّ وَمَنْ بَعْدَهَا شَرْعًا، وَإِنَّمَا تَكُونُ جَعْلِيَّةً مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ أَوْ الْحَاكِمِ م د. وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: قَوْلُهُ: " وَأَمٍّ وَعَمٍّ " وَكَذَا أَبٌ وَجَدٌّ إذَا نَصَّبَهُمَا الْحَاكِمُ فِي مَالِ مَنْ طَرَأَ سَفَهُهُ؛ لِأَنَّ وَلِيَّهُ الْحَاكِمَ دُونَهُمَا وَالْأَبُ الْفَاسِقُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقِيمَ وَصِيًّا عَلَى طِفْلِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ اهـ. قَوْلُهُ: (لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ) فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمُوصِي جَازَ إنْ قَالَ أُوصِي عَنِّي أَوْ عَنْ نَفْسِك أَوْ أَطْلَقَ خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُوصِي عَنْ الْمُوصِي جَازَ إنْ قَالَ أَوْصِ عَنِّي أَوْ عَنْ نَفْسِك أَوْ أَطْلَقَ خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُوصِي عَنْ الْمُوصِي لَا عَنْ نَفْسِهِ سَوَاءٌ عَيَّنَ مَنْ يُوصِي إلَيْهِ أَمْ لَا.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْمَوْتِ) أَيْ مَوْتِ الْمُوصِي وَعِنْدَ الْقَبُولِ أَيْضًا لَا عِنْدَ الْإِيصَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحُرِّيَّةُ) أَيْ وَلَوْ مَآلًا كَمُدَبَّرٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ، فَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ لَهُمَا لِكَمَالِهِمَا بِمَوْتِ الْمُوصِي.
قَوْلُهُ: (وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ) أَيْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
وَقَضِيَّةُ الِاكْتِفَاءِ بِالْعَدَالَةِ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ سَلَامَتُهُ مِنْ خَارِمِ الْمُرُوءَةِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدْلِ فِي عِبَارَتِهِمْ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَلْيُرَاجَعْ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَوْ ظَاهِرَةً) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْإِيصَاءَ أَمَانَةٌ وَوِلَايَةٌ عَلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِ زي.
وَقَوْلُهُ: لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ " أَيْ وَهِيَ الَّتِي تَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْمُزَكِّينَ، وَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " أَيْ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي عَدَالَتِهِ أَوْ لَا كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. كَالشَّارِحِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَعَدَالَةٌ وَلَوْ ظَاهِرَةً فَلَا تَصِحُّ لِفَاسِقٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْوِلَايَةِ، وَلَوْ وَقَعَ نِزَاعٌ فِي عَدَالَتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ. قَوْلُهُ: (عَدَمُ عَدَاوَةٍ) أَيْ ظَاهِرَةٍ أَوْ بَاطِنَةٍ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَدَاوَةٍ أَيْ دُنْيَوِيَّةٍ لَا دِينِيَّةٍ، لِمَا يَأْتِي أَنَّ الْكَافِرَ الْعَدْلَ فِي دِينِهِ يَكُونُ وَصِيًّا عَلَى كَافِرٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَيُتَصَوَّرُ وُقُوعُ

لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَعَدَمُ جَهَالَةٍ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ إلَى مَنْ فَقَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَفَاسِقٍ وَمَجْهُولٍ وَمَنْ بِهِ رِقٌّ أَوْ عَدَاوَةٌ وَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَمَنْ لَا يَكْفِي فِي التَّصَرُّفِ لِسَفَهٍ أَوْ هَرَمٍ أَوْ لِغَيْرِهِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فِي بَعْضِهِمْ وَلِلتُّهْمَةِ فِي الْبَاقِي.
وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ إلَى كَافِرٍ مَعْصُومٍ عَدْلٍ فِي دِينِهِ عَلَى كَافِرٍ.
وَاعْتُبِرَتْ الشُّرُوطُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا عِنْدَ الْإِيصَاءِ وَلَا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّسَلُّطِ عَلَى الْقَبُولِ حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِمَنْ خَلَا عَنْ الشُّرُوطِ أَوْ بَعْضِهِمَا كَصَبِيٍّ وَرَقِيقٍ ثُمَّ اسْتَكْمَلَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ صَحَّ.
وَلَا يَضُرُّ عَمًى؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّوْكِيلِ فِيمَا لَا يُتَمَكَّنُ مِنْهُ.
وَلَا أُنُوثَةٌ لِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنَّ عُمَرَ أَوْصَى إلَى حَفْصَةَ، وَالْأُمُّ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا إذَا حَصَلَتْ الشُّرُوطُ فِيهَا عِنْدَ الْمَوْتِ وَيَنْعَزِلُ وَلِيٌّ بِفِسْقٍ لَا إمَامٍ لِتَعَلُّقِ

[حاشية البجيرمي]

الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ بِكَوْنِ الْمُوصِي عَدُوًّا لِلْوَصِيِّ أَوْ لِلْعِلْمِ بِكَرَاهَتِهِ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ جَهَالَةٍ) الْمُرَادُ الْجَهَالَةُ بِحَالِهِ بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ، أَوْ الْمُرَادُ جَهَالَةُ عَيْنِهِ وَكُلٌّ صَحِيحٌ اهـ م د. وَشَرْطُهُ أَيْضًا النُّطْقُ لِيَخْرُجَ الْأَخْرَسُ وَإِنْ كَانَ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ، خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَإِنْ تَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ؛ لَكِنْ يُوَافِقُهُمَا مَا ذَكَرُوهُ فِي ضَابِطِ الْأَخْرَسِ مِنْ أَنَّهُ أَنْ يُعْتَدَّ بِإِشَارَتِهِ فِي غَيْرِ حَدَثٍ وَصَلَاةٍ وَشَهَادَةٍ فَرَاجِعْهُ ق ل. وَفِي أج أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ إشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ فَالْأَقْرَبُ الصِّحَّةُ كَمَا اعْتَمَدَهُ م ر وَرَجَعَ إلَيْهِ الزِّيَادِيُّ فِي دَرْسِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَفَاسِقٍ) قَالَ حَجّ وَهَلْ يَحْرُمُ الْإِيصَاءُ لِنَحْوِ فَاسِقٍ عِنْدَهُ، أَيْ الْإِيصَاءُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُ فِسْقِهِ إلَى الْمَوْتِ فَيَكُونُ مُتَعَاطِيًا لِعَقْدٍ فَاسِدٍ بِاعْتِبَارِ الْمَالِ ظَاهِرًا، أَوْ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ فَسَادُهُ لِاحْتِمَالِ عَدَالَتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا إثْمَ مَعَ الشَّكِّ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ.
وَمِمَّا يُرَجِّحُ الثَّانِيَ أَنَّ الْمُوصِيَ قَدْ يَتَرَجَّى صَلَاحَهُ لِوُثُوقِهِ بِهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَعَلْته وَصِيًّا إنْ كَانَ عَدْلًا عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَوَاضِحٌ أَنَّهُ إنْ قَالَ ذَلِكَ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، فَكَذَا هُنَا؛ لِأَنَّ هَذَا مُرَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي نَصْبِ غَيْرِ الْجَدِّ مَعَ وُجُودِهِ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ لِاحْتِمَالِهِ تَغَيُّرَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَكُونُ لِمَنْ عَيَّنَهُ الْأَبُ لِوُثُوقِهِ بِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمَجْهُولٍ) مَعْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ مَجْهُولَ الْحَالِ لَمْ تُعْرَفْ حُرِّيَّتُهُ وَلَا رِقُّهُ وَلَا عَدَالَتُهُ وَلَا فِسْقُهُ، لَا أَنَّهُ يُوصِي لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ ع ش. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ يَكُونُ صَحِيحًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِالْمَجْهُولِ مَا يَشْمَلُ مَجْهُولَ الْعَيْنِ وَالصِّفَةِ فَيُصَدَّقُ بِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ بِهِ رِقٌّ) وَإِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ الْوِصَايَةَ تَسْتَدْعِي فَرَاغًا وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَا أَخَذَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ مَنْعِ الْإِيصَاءِ لِمَنْ آجَرَ نَفْسَهُ مُدَّةً لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْوِصَايَةِ وَلَا تَصِحُّ مَرْدُودٌ لِبَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِنَابَةِ ثِقَةٍ يَعْمَلُ عَنْهُ تِلْكَ الْمُدَّةَ.
اهـ. شَرْحُ م ر. بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَا يَكْفِي) فَإِنْ سَلَّمَهُ الْمُوصِي الْمَالَ نَزَعَهُ مِنْهُ الْحَاكِمُ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلِلتُّهْمَةِ فِي الْبَاقِي) وَهُوَ الْعَدُوُّ.
قَوْلُهُ: (مَعْصُومٍ) قَضِيَّتُهُ امْتِنَاعُ إيصَاءِ الْحَرْبِيِّ إلَى حَرْبِيٍّ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ إلَى كَافِرٍ مَعْصُومٍ إلَخْ) لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبَّرَ بِالْأَصَحِّ كَمَا عَبَّرَ بِهِ صَاحِبُ الْمِنْهَاجِ لِيُفِيدَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا فَإِنَّ مُقَابِلَهُ الْمَنْعُ كَشَهَادَتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ م ر. قَوْلُهُ: (عَدْلٍ فِي دِينِهِ) أَيْ بِتَوَاتُرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَارِفِينَ بِدِينِهِ أَوْ بِإِسْلَامِ عَارِفَيْنِ وَشَهَادَتِهِمَا بِذَلِكَ م ر. قَوْلُهُ: (عَلَى كَافِرٍ) أَيْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا إذْ لَا عِبْرَةَ بِالْعَدَاوَةِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّ إيصَاءُ الذِّمِّيِّ إلَى مُسْلِمٍ عَلَى أَوْلَادِهِ الذِّمِّيِّينَ، وَلَوْ جَعَلَ الذِّمِّيُّ لِوَصِيِّهِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُوصِيَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُوصِيَ إلَّا لِمُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْجَحُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ تَفْتِيشٌ عَلَى أَيْتَامٍ كُفَّارٍ فِي أَمْوَالٍ بِأَيْدِيهِمْ مَا لَمْ يَتَرَافَعُوا إلَيْهِ أَوْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى أَطْفَالٍ تَحْتَ وِلَايَةِ أَبٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ قَيِّمٍ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَيَجِبُ التَّفْتِيشُ عَلَيْهِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّسَلُّطِ عَلَى الْقَبُولِ) فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْتِ إلَى الْقَبُولِ ح ل وَبِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ أَوْصَى) عِبَارَةُ م ر: فَلَا يَضُرُّ فَقْدُهَا قَبْلَهُ وَلَوْ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ اهـ وَهِيَ أَخْصَرُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اسْتَكْمَلَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ) وَيَكْفِي فِي الْفَاسِقِ إذَا تَابَ كَوْنُهُ عَدْلًا عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ عَمًى) وَقِيلَ يَضُرُّ لِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ لِنَفْسِهِ، وَكَذَا لَا يَضُرُّ خَرَسٌ نَفْهَمُ إشَارَتَهُ، بِخِلَافِ مَا لَا نَفْهَمُ إشَارَتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (إلَى حَفْصَةَ) هِيَ بِنْتُهُ وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ:

الْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ بِوِلَايَتِهِ.

وَشُرِطَ فِي الْمُوصَى فِيهِ كَوْنُهُ تَصَرُّفًا مَالِيًّا مُبَاحًا فَلَا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ فِي تَزْوِيجٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ لَا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ وَلَا فِي مَعْصِيَةٍ كَبِنَاءِ كَنِيسَةٍ لِمُنَافَاتِهَا لَهُ لِكَوْنِهِ قُرْبَةً.

وَشُرِطَ فِي الصِّيغَةِ إيجَابٌ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِالْإِيصَاءِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ كَأَوْصَيْت إلَيْك أَوْ فَوَّضْتُ إلَيْك أَوْ جَعَلْتُك وَصِيًّا، وَلَوْ كَانَ الْإِيجَابُ مُؤَقَّتًا وَمُعَلَّقًا كَأَوْصَيْتُ إلَيْك إلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْجَهَالَاتِ وَالْأَخْطَارَ وَقَبُولٌ كَوَكَالَةٍ

[حاشية البجيرمي]

وَالْأُمُّ أَوْلَى) لِوُفُورِ شَفَقَتِهَا وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِصْطَخْرِيِّ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ تَلِي بَعْدَ الْجَدِّ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالْأُمُّ أَوْلَى أَيْ إنْ سَاوَتْ الرَّجُلَ فِي الِاسْتِرْبَاحِ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَمَا قَالَهُ م ر. قَوْلُهُ: (إذَا حَصَلَتْ الشُّرُوطُ فِيهَا عِنْدَ الْمَوْتِ) هَذَا بِالنَّظَرِ لِلصِّحَّةِ، أَمَّا بِالنَّظَرِ لِلْأَوْلَوِيَّةِ فَتُعْتَبَرُ الشُّرُوطُ فِيهَا عِنْدَ الْإِيصَاءِ ع ش وح ل. وَعِبَارَةُ م ر: وَأَمُّ الْأَطْفَالِ وَمِثْلُهَا الْجَدَّةِ الْمُسْتَجْمِعَةِ لِلشُّرُوطِ حَالَ الْوَصِيَّةِ لَا حَالَ الْمَوْتِ وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ؛؛ لِأَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ إنَّمَا يُخَاطِبُ بِهَا الْمُوصِي وَهُوَ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا يَكُونُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهَا إنْ جُمِعَتْ الشُّرُوطُ فِيهَا حَالَ الْوَصِيَّةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُوصَى بِهَا وَإِلَّا فَلَا.
وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَصْلُحُ عِنْدَ الْوَصِيَّةِ لَا عِنْدَ الْمَوْتِ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا هِيَ عَلَيْهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلِيٌّ) مِنْ أَبٍ وَجَدٍّ وَوَصِيٍّ وَقَاضٍ وَقَيِّمِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِفِسْقٍ) وَبِالتَّوْبَةِ لَا تَعُودُ الْوِلَايَةُ إلَّا بِتَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ إلَّا أَرْبَعَ الْأَبَ وَالْجَدَّ وَالنَّاظِرَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَالْحَاضِنَةَ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَالْأُمُّ الْمُوصَى لَهَا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَأَمَّا الْجُنُونُ فَكُلُّ مَنْ جُنَّ مِنْهُمْ ثُمَّ أَفَاقَ لَا تَعُودُ لَهُ الْوِلَايَةُ إلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ إلَّا الْأَصْلَ وَالْإِمَامَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّهَا تَعُودُ لَهُمَا الْوِلَايَةُ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ، نَعَمْ إنْ، فَسَقَ بِمَا لَوْ عُرِضَ عَلَى مُولِيهِ رَضِيَ بِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ وَلِلْحَاكِمِ نَصْبُ أَمِينٍ عَلَى مَنْ تَوَهَّمَ فِيهِ الْخِيَانَةَ تَوَهُّمًا قَوِيًّا بِلَا أُجْرَةٍ فَإِنْ ظَنَّهَا جَازَ بِأُجْرَةٍ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ غَيْرَ الْأَبِ إلَخْ) يَرُدُّ السَّفِيهَ، فَالْأَحْسَنُ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَعْتَنِي بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ النَّسَبِ؛ لَكِنْ اُنْظُرْ إذَا أَوْصَى إلَى قَرِيبٍ يَعْتَنِي بِدَفْعِ الْعَارِ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيْضًا سم: قَوْلُهُ: (كَبِنَاءِ كَنِيسَةٍ) أَيْ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا وَلَوْ مَعَ نُزُولِ الْمَارَّةِ.

قَوْلُهُ: (إيجَابٌ) وَيَظْهَرُ أَنَّ وَكَّلْتُك بَعْدَ مَوْتِي فِي أَمْرِ أَطْفَالِي كِنَايَةٌ كَمَا قَالَهُ س ل، وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَقُلْ هُنَا وَهُوَ إمَّا صَرِيحٌ وَهُوَ كَذَا أَوْ كِنَايَةٌ وَهُوَ كَذَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُ فِي ذِكْرِ الصِّيغَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَعَلْتُك وَصِيًّا) أَيْ فِي كَذَا لِقَوْلِهِ الْآتِي مَعَ بَيَانِ مَا يُوصَى فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مُؤَقَّتًا وَمُعَلَّقًا) يُسْتَثْنَى مِنْ التَّعْلِيقِ مَا لَوْ قَالَ لِوَصِيِّهِ: أَوْصَيْت إلَى مَنْ أَوْصَيْت إلَيْهِ إنْ مِتُّ أَنْتَ أَوْ إذَا مِتّ أَنْتَ فَوَصِيُّك وَصِيٌّ لَمْ يَصِحَّ؛؛ لِأَنَّ الْمُوصَى إلَيْهِ مَجْهُولٌ اهـ، بِأَنْ كَانَ الْوَصِيُّ أَوْصَى لِوَاحِدٍ عَلَى أَوْلَادِهِ خ ط. قَوْلُهُ: (إلَى بُلُوغِ ابْنِي) فَهُوَ مُؤَقَّتٌ.
وَقَوْلُهُ: " فَإِذَا بَلَغَ " هَذَا تَعْلِيقٌ، فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْمِثَالِ التَّأْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ لَكِنَّهُمَا ضِمْنِيَّانِ، وَمِثَالُ التَّوْقِيتِ الصَّرِيحِ أَوْصَيْت إلَيْك سَنَةً وَمِثَالُ التَّعْلِيقِ الصَّرِيحِ إذَا مِتّ أَوْ إذَا مَاتَ وَصِيِّي فَقَدْ أَوْصَيْتُ إلَيْك شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ) وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَك سَنَةً إلَى قُدُومِ ابْنِي ثُمَّ إنَّ الِابْنَ قَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ هَلْ يَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَوْصَيْتُ لَك سَنَةً مَا لَمْ يَقْدَمْ ابْنِي قَبْلَهَا، فَإِنْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ فَيَنْعَزِلُ بِحُضُورِ الِابْنِ وَيَصِيرُ الْحَقُّ لَهُ، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَحْضُرْ الِابْنُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ فِيمَا بَعْدَ السَّنَةِ إلَى قُدُومِ الِابْنِ لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ الَّتِي قَدَّرَهَا لِوِصَايَتِهِ لَا تَشْمَلُ مَا زَادَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فَإِذَا بَلَغَ إلَخْ) هَذَا مِنْ تَمَامِ صِيغَتِهِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا، فَفِي هَذَيْنِ الصُّورَتَيْنِ تَأْقِيتٌ بِالنَّظَرِ لِلْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ وَتَعْلِيقٌ بِالنَّظَرِ لِلْإِيصَاءِ الثَّانِي، أَعْنِي قَوْلَهُ: فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ.
قَوْلُهُ (فَهُوَ الْوَصِيُّ) أَيْ الِابْنُ أَوْ زَيْدٌ أَيْ أَحَدُهُمَا؛ وَأُفْرِدَ الصَّغِيرُ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ.
وَلَوْ بَلَغَ الِابْنُ أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ غَيْرَ أَهْلٍ فَالْأَقْرَبُ انْتِقَالُ الْوِلَايَةِ لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا مُغَيَّاةً بِذَلِكَ شَرْحُ م ر. وَفِي أج مَا نَصُّهُ: وَلَوْ قَدِمَ زَيْدٌ غَيْرَ أَهْلٍ اُتُّجِهَ انْعِزَالُ الْوَصِيِّ وَأَنَّ الْحَاكِمَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمُوصَى فِيهِ إلَى أَنْ يَتَأَهَّلَ زَيْدٌ.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَمِيرَةَ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ انْعِزَالُ الْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الْقُدُومِ وَالْبُلُوغِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ فَيَلِيهِ الْحَاكِمُ اهـ.

فَيُكْتَفَى بِالْعَمَلِ وَيَكُونُ الْقَبُولُ بَعْدَ الْمَوْتِ مَتَى شَاءَ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِمَالٍ مَعَ بَيَانِ مَا يُوصَى فِيهِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَوْصَيْت إلَيْك مَثَلًا لَغَا.

خَاتِمَةٌ يُسَنُّ إيصَاءٌ بِأَمْرٍ نَحْوِ طِفْلٍ كَمَجْنُونٍ، وَبِقَضَاءِ حَقٍّ إنْ لَمْ يَعْجِزْ عَنْهُ حَالًّا أَوْ عَجَزَ وَبِهِ شُهُودٌ، وَلَا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ عَلَى نَحْوِ طِفْلٍ وَالْجَدُّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ شَرْعًا، وَلَوْ أَوْصَى اثْنَيْنِ وَقَبِلَا لَمْ يَنْفَرِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (الْجَهَالَاتِ) أَيْ فِي أَعْمَالِ الْوَصِيِّ، أَيْ؛ لِأَنَّ الْإِيصَاءَ بِأَمْرِ نَحْوِ طِفْلٍ شَامِلٌ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالتِّجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالرَّهْنِ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَبِنَاءِ دَارِهِ وَتَعْمِيرِهَا وَهَذِهِ مَجْهُولَةٌ عِنْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَاذَا يَفْعَلُ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ بَعْدَ مَا تَظْهَرُ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَخْطَارَ) جَمْعُ خَطَرٍ وَهُوَ الْخَوْفُ؛ لِأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ اسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ عَلَى مَالِ الطِّفْلِ.
قَوْلُهُ: (وَقَبُولٌ) أَيْ وَلَوْ عَلَى التَّرَاخِي إلَّا لِمُقْتَضٍ وَيُنْدَبُ إنْ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ وَيَحْرُمُ إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهَا بِرْمَاوِيٌّ.
وَهَلَّا صَرَّحَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ بِتَرَاخٍ كَمَا سَبَقَ فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَيَكْتَفِي) هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: " كَوَكَالَةٍ " م د. قَوْلُهُ: (مَعَ بَيَانِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَشْعُرُ أَوْ بِأَوْصَيْتُ وَمَا بَعْدَهُ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ اقْتَصَرَ إلَخْ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت إلَيْك فِي أَمْرِ أَطْفَالِي صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ التَّصَرُّفَ، فَلَهُ حِفْظُ الْمَالِ، وَكَذَا التَّصَرُّفُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ اهـ زي.
قَوْلُهُ: (لَغَا) أَيْ كَوَكَّلْتُكَ وَلِعَدَمِ عُرْفٍ لَهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
وَمُنَازَعَةُ السُّبْكِيّ فِيهِ بِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ جَمِيعُ التَّصَرُّفَاتِ مَرْدُودَةٌ إذْ ذَاكَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْبَيَانِيَّيْنِ إنَّ حَذْفَ الْمَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ.
اهـ. م ر.

قَوْلُهُ: (يُسَنُّ) أَيْ لِكُلِّ أَحَدٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَمْرِ نَحْوِ طِفْلٍ) هُوَ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْحَمْلِ وَلَوْ مِمَّا سَيَحْدُثُ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَبِقَضَاءِ حَقٍّ) أَيْ لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ وَلَوْ أَوْصَى بِبَيْعِ بَعْضِ التَّرِكَةِ وَإِخْرَاجِ كَفَنِهِ مِنْ ثَمَنِهِ فَاقْتَرَضَ الْوَصِيُّ دَرَاهِمَ وَصَرَفَهَا فِيهِ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَلَزِمَهُ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ، وَمَحَلُّهُ فِيمَا يَظْهَرُ حَيْثُ لَمْ يُضْطَرَّ إلَى الصَّرْفِ مِنْ مَالِهِ وَإِلَّا كَأَنْ لَمْ يَجِدْ مُشْتَرِيًا رَجَعَ إنْ أَذِنَ لَهُ حَاكِمٌ أَوْ فَقَدَهُ وَأَشْهَدَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ اهـ س ل. قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَعْجِزْ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَعَبَّرَ بِالشَّرْطِ دُونَ الْوَصْفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ لَمْ يَعْجِزْ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ أَقْوَى.
وَقَوْلُهُ: " عَنْهُ " أَيْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ حَالًّا وَلَا شُهُودَ بِهِ وَجَبَ الْإِيصَاءُ مُسَارَعَةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ سُنَّةً؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ بِالْوَفَاءِ اهـ. وَإِذَا وَجَبَ تَعَيَّنَ عَلَى الْوَصِيِّ الْقَبُولُ إنْ تَوَقَّفَ حِفْظُ مَالِ الطِّفْلِ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَإِنْ تَعَدَّدَ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ؛ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ طُلِبَ مِنْهُ الْقَبُولُ خَوْفَ التَّوَاكُلِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَجَزَ) أَيْ حَالًّا وَكَانَ يُقَدَّرُ عَلَيْهِ مَآلًا مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ رِيعِ وَقْفٍ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إذَا عَجَزَ عَنْهُ فَكَيْفَ يُوصَى بِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَبِهِ شُهُودٌ) أَيْ وَلَوْ وَاحِدًا ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ الْإِيصَاءُ عَلَى نَحْوِ طِفْلٍ إلَخْ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ فَيَحْرُمُ حَيْثُ كَانَتْ صِفَةُ الْوِلَايَةِ مَوْجُودَةً فِي الْجَدِّ حَالَ الْإِيصَاءِ وَإِلَّا فَلَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسْبِ الظَّاهِرِ، فَلَوْ خَرَجَ الْجَدُّ عَنْ الصِّفَةِ حَالَ الْمَوْتِ تَبَيَّنَ صِحَّتُهَا لِلْأَجْنَبِيِّ وَلَا عِبْرَةَ بِعَوْدِ الصِّفَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِثْلُ الْأَبِ كُلُّ جَدٍّ مَعَ أَعْلَى مِنْهُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْجَدُّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ) أَيْ حَالَ الْمَوْتِ أَيْ لَا يُعْتَدُّ بِمَنْصُوبِهِ إذَا وُجِدَتْ وِلَايَةُ الْجَدِّ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ كَوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ، أَمَّا لَوْ وُجِدَتْ حَالَ الْإِيصَاءِ ثُمَّ زَالَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيُعْتَدُّ بِمَنْصُوبِهِ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالشُّرُوطِ عِنْدَ الْمَوْتِ م ر. قَوْلُهُ: (ثَابِتَةٌ شَرْعًا) فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهَا عَنْهُ وَإِنْ غَابَ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ نَائِبٌ عَنْهُ فِي غَيْبَتِهِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَوْصَى اثْنَيْنِ) كَقَوْلِهِ أَوْصَيْتُ إلَيْكُمَا أَوْ فُلَانٌ وَصِيِّي وَفُلَانٌ وَصِيِّي وَإِنْ تَرَاخَى الثَّانِي ق ل. وَعِبَارَةُ م ر: وَلَوْ وَصَّى اثْنَيْنِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمَا الِاجْتِمَاعَ أَوْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ أَوْصَيْتُ إلَيْكُمَا أَوْ إلَى فُلَانٍ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ أَوْصَيْتُ إلَى فُلَانٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَنْفَرِدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا) فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ بِأَنْ يَصْدُرَ عَنْ رَأْيِهِمَا أَوْ يَأْذَنَا لِثَالِثٍ فِيهِ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالطِّفْلِ وَمَالِهِ وَتَفْرِقَةِ وَصِيَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ لَيْسَ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ، بِخِلَافِ رَدِّ وَدِيعَةٍ وَمَغْصُوبٍ وَعَارِيَّةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ فَلِكُلٍّ الِانْفِرَادُ بِهِ؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِهِ الِاسْتِقْلَالَ بِأَخْذِهِ، وَقَضِيَّةُ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَوُقُوعِهِ مَوْقِعَةَ إبَاحَةِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ وَإِنْ بَحَثَا خِلَافَهُ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: " بِأَنْ يَصْدُرَ عَنْ رَأْيِهِمَا " أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ يَتَلَفَّظَا بِالْعَقْدِ، فَإِنْ اسْتَقَلَّ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُهُ وَضَمِنَ مَا أَنْفَقَهُ

بِالتَّصَرُّفِ إلَّا بِإِذْنِهِ لَهُ بِالِانْفِرَادِ عَمَلًا بِالْإِذْنِ.
نَعَمْ لَهُ الِانْفِرَادُ بِرَدِّ الْحُقُوقِ وَتَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْ الْمُوصِي وَالْوَصِيِّ رُجُوعٌ عَنْ الْإِيصَاءِ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ الْوَصِيُّ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُ الْمَالِ بِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ مِنْ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ، وَصُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلِيٌّ وَصِيًّا كَانَ أَوْ قَيِّمًا أَوْ غَيْرَهُ فِي إنْفَاقٍ عَلَى مُوَلِّيهِ لَائِقٍ بِالْحَالِ لَا فِي دَفْعِ الْمَالِ إلَيْهِ بَعْدَ كَمَالِهِ فَلَا يُصَدَّقُ بَلْ الْمُصَدَّقُ مُوَلِّيهِ إذْ لَا يَعْسُرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِنْفَاقِ.

وَلَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى زَيْدٍ حُمِلَ ذِكْرُ اللَّهِ عَلَى التَّبَرُّكِ، وَلَوْ خَافَ الْوَصِيُّ عَلَى الْمَالِ مِنْ اسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ فَلَهُ تَخْلِيصُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَمِنْ هَذَا لَوْ

[حاشية البجيرمي]

عَلَى الْأَوْلَادِ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ عُدِمَ أَحَدُهُمَا بِمَوْتٍ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّةٍ أَوْ عَدَمِ قَبُولٍ نَصَّبَ الْحَاكِمُ بَدَلَهُ، وَلَيْسَ لَهُ جَعْلُ الْآخَرِ مُسْتَقِلًّا فِي التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِهِ وَحْدَهُ وَلَوْ مَاتَا لَزِمَ الْحَاكِمَ نَصْبُ اثْنَيْنِ مَكَانَهُمَا ق ل وَس ل. قَوْلُهُ: (إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ الْمُوصِي.
وَقَوْلُهُ: " لَهُ " أَيْ لِلْأَحَدِ.
قَوْلُهُ: (بِالِانْفِرَادِ) كَأَنْ يَقُولَ أَوْصَيْتُ إلَى كُلٍّ مِنْكُمَا أَوْ كُلٌّ مِنْكُمَا وَصِيِّي أَوْ أَنْتُمَا وَصِيَّايَ، وَتَصَرُّفُ السَّابِقِ مِنْ الْمُنْفَرِدِينَ نَافِذٌ وَيَرْجِعُ فِي كَوْنِهِ بِالْمَصْلَحَةِ لِلْحَاكِمِ وَلَهُ قَسْمُ الْمَالِ بَيْنَهُمَا إنْ أَمْكَنَ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فِي أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ إنْ تَنَازَعَا وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ فِي حِصَّتِهِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلَيْسَ لِمُشْرِفٍ وَلَا نَاظِرٍ حِسْبَةُ تَصَرُّفٍ بَلْ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ تَصَرُّفِ غَيْرِهِ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ وَإِذْنِهِ إلَّا فِي نَحْوِ خَسِيسٍ كَحُزْمَةِ بَقْلٍ، وَلَوْ قَالَ اعْمَلْ بِرَأْيِ فُلَانٍ أَوْ بِأَمْرِهِ أَوْ بِحَضْرَتِهِ أَوْ بِعِلْمِهِ جَازَتْ مُخَالَفَتُهُ، فَإِنْ قَالَ لَا تَعْمَلْ إلَّا بِرَأْيِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى اعْمَلْ وَيَكُونُ عَمَلُك بِرَأْيِهِ وَهَكَذَا امْتَنَعَ الِانْفِرَادُ؛ لِأَنَّهُمَا وَصِيَّانِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلِكُلٍّ رُجُوعٌ عَنْ الْإِيصَاءِ) تَعْبِيرُهُ بِالرُّجُوعِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِ الْمِنْهَاجِ بِالْعَزْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي إطْلَاقِ الْعَزْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَصِيِّ نَظَرًا فَإِنَّ الْعَزْلَ فَرْعُ الْوِلَايَةِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لِابْنِ حَجَرٍ: تَنْبِيهٌ تَسَمَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي إطْلَاقِ الْعَزْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَصِيِّ فَإِنَّ الْعَزْلَ فَرْعُ الْوِلَايَةِ.
وَلَا وِلَايَةَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالرُّجُوعِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
وَقَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْعَزْلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الرُّجُوعُ لَكِنَّهُ غَلَبَ الْعَزْلُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَتَسْمِيَةُ رُجُوعِ الْمُوصِي عَنْ الْإِيصَاءِ عَزْلًا مَعَ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْقَبُولِ فِي الْحَيَاةِ مَجَازٌ، وَكَذَا تَسْمِيَةُ رُجُوعِ الْوَصِيِّ عَنْ الْقَبُولِ إذَا قُطِعَ السَّبَبُ الَّذِي هُوَ الْإِيصَاءُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ أَوْ بِعَدَمِ قَبُولِهِ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ قَطْعِ الْمُسَبَّبِ الَّذِي هُوَ التَّصَرُّفُ لَوْ ثَبَتَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ إلَخْ) أَيْ فَيَحْرُمُ حِينَئِذٍ عَزْلُ الْمُوصَى لَهُ وَعَزْلُهُ نَفْسَهُ وَلَا يَنْفُذُ الْعَزْلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ أَجَازَهُ وَإِلَّا فَلَا يُتَصَوَّرُ الْعَزْلُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا؛ وَذَلِكَ كَأَنْ اسْتَأْجَرَهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ كَانَ الْوَصِيُّ اسْتَأْجَرَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ وَعَلَى التَّصَرُّفِ فِي أَمْرِ أَطْفَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتُغْتَفَرُ حِينَئِذٍ الْجَهَالَةُ لِلْحَاجَةِ؛ كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ.
قَوْلُهُ: (بِيَمِينِهِ) إلَّا الْحَاكِمُ فَيُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ عَزَلَ ح ل. وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: قَوْلُهُ: " أَوْ غَيْرَهُ " شَمِلَ الْأَبَ وَالْجَدَّ وَكَذَا الْحَاكِمُ عَلَى الْأَوْجَهِ، فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بِالْيَمِينِ سَوَاءٌ قَبْلَ الْعَزْلِ وَبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي إنْفَاقٍ) أَيْ وَفِي تَلَفِ الْمَالِ كَمَا فِي الرَّوْضِ، وَلَعَلَّهُ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي الْوَدِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (لَائِقٍ) أَمَّا غَيْرُ اللَّائِقِ فَيُصَدَّقُ الْوَلَدُ بِيَمِينِهِ قَطْعًا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ أَهُوَ لَائِقٌ أَوْ لَا وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ الْوَصِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ خِيَانَتِهِ أَوْ فِي تَارِيخِ مَوْتِ الْأَبِ أَوْ أَوَّلِ مِلْكِهِ لِلْمَالِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ مِنْهُ صُدِّقَ الْوَلَدُ بِيَمِينِهِ وَكَالْوَصِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ وَارِثُهُ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (لَا فِي دَفْعِ الْمَالِ) وَلَا بَيْعِهِ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ، إلَّا الْأَبَ وَالْجَدَّ وَالْأُمَّ لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمْ ح ل. قَوْلُهُ: (بَلْ الْمُصَدَّقُ مُولِيهِ) أَيْ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْمِنْهُ.

قَوْلُهُ: (تَخْلِيصُهُ) أَيْ افْتِدَاؤُهُ.
قَوْلُهُ: (بِشَيْءٍ مِنْهُ) يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي أَصْلِهِ وَفِي قَدْرِهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] أَيْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ادَّعَى دَفْعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ لِلظَّالِمِ بِسَبَبِ

عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا لِقَاضِي سُوءٍ لَانْتَزَعَ مِنْهُ الْمَالَ وَسَلَّمَهُ لِبَعْضِ خَوَنَتِهِ وَأَدَّى ذَلِكَ إلَى اسْتِئْصَالِهِ، وَيَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَجُوزُ تَعْيِيبُ مَالِ الْيَتِيمِ أَوْ السَّفِيهِ أَوْ الْمَجْنُونِ لِحِفْظِهِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ كَمَا فِي قِصَّةِ الْخِضْرِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.

[حاشية البجيرمي]

الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَاذِبٌ.
قَوْلُهُ: (لَوْ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا لِقَاضِي إلَخْ) وَيَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّى فِي أَقَلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْضَى بِهِ الظَّالِمُ وَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُهُ إذَا نَازَعَهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ فِي بَذْلِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَدُلَّ الْقَرَائِنُ عَلَيْهِ، شَرْحُ الرَّوْضِ.
وَيُبْذَلُ بِضَمِّ الذَّالِ مُضَارِعُ بَذَلَ مِنْ بَابِ قَتَلَ أَيْ يُعْطَى كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (إلَى اسْتِئْصَالِهِ) أَيْ أَخْذِهِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (يَجُوزُ تَعْيِيبُ مَالِ الْيَتِيمِ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَلَوْ نَازَعَهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُشْدِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِهَذَا الْغَرَضِ فَهَلْ يُصَدَّقُ؟ يُنْظَرُ إنْ دَلَّتْ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا وَالْأَوْجَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا، وَمَا قَالَهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: 79] الْآيَةَ أَيْ حَيْثُ خَرَقَ السَّفِينَةَ لِئَلَّا يَغْصِبَهَا الْمَلِكُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ نَبِيٌّ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: الْخَضِرُ لَقَبٌ لَهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ لَكِنَّهُ خُفِّفَ بِسُكُونِهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَاخْضَرَّتْ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ؛ وَاسْمُهُ بِلْيَا بْنُ مَلَكَانِ بْنِ فَالِغَ بْنِ شَامِخِ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ.
خَاتِمَةٌ أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِجَوَازِ بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفَقَتِهِ بِنِهَايَةِ مَا دَفَعَ فِيهِ وَإِنْ رُخِّصَ لِضَرُورَةٍ اهـ حَجّ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ وَقْفَةٌ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الِاقْتِرَاضُ أَوْ الِارْتِهَانُ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ لِلضَّرَرِ أَوْ يُقَالُ حَيْثُ انْتَهَتْ الرَّغَبَاتُ فِيهِ بِقَدْرٍ كَانَ ثَمَنَ مِثْلِهِ وَالرُّخَص لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ يَكُونُ غَالِيًا وَقَدْ يَكُونُ رَخِيصًا اهـ ع ش عَلَى م ر.

كِتَابُ النِّكَاحِ هُوَ لُغَةً الضَّمُّ وَالْجَمْعُ وَمِنْهُ تَنَاكَحَتْ الْأَشْجَارُ إذَا تَمَايَلَتْ وَانْضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ وَطْءٍ بِلَفْظِ إنْكَاحٍ أَوْ تَزْوِيجٍ أَوْ تَرْجَمَتِهِ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَمِيعًا، وَلِأَصْحَابِنَا فِي مَوْضُوعِهِ

[حاشية البجيرمي]

[كِتَابُ النِّكَاحِ]

ِ قَدَّمَ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا أَهَمُّ ثُمَّ الْمُعَامَلَاتِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَيْهَا أَهَمُّ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْفَرَائِضَ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، ثُمَّ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ شَهْوَةِ الْبَدَنِ، ثُمَّ الْجِنَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَقَعُ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ.
وَالنِّكَاحُ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ وَيَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي الْجَنَّةِ أَيْضًا.
وَالْمُرَادُ مِنْ النِّكَاحِ الْعَقْدُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الِاسْتِحْبَابُ، وَقَدْ يَخْرُجُ عَنْ الْإِبَاحَةِ إلَى بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ.
وَفَائِدَتُهُ حِفْظُ النَّسْلِ وَتَفْرِيغُ مَا يَضُرُّ حَبْسُهُ وَاسْتِيفَاءُ اللَّذَّةِ وَالتَّمَتُّعُ.
وَهَذِهِ، أَعْنِي اسْتِيفَاءَ اللَّذَّةِ، مَعَ التَّمَتُّعِ هِيَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ إذْ لَا تَنَاسُلَ فِيهَا وَلَا احْتِبَاسَ، وَمَا قِيلَ إنَّ الْعَبْدَ يَشْتَهِي فِيهَا الْوَلَدَ فَيَلِدُ فِي الْجَنَّةِ فَيَكُونُ حَمْلُهُ وَرَضَاعُهُ وَفِطَامُهُ فِي سَاعَةٍ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَالْخَصِيِّ وَالْمَمْسُوحِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَهُمْ فِيهَا مَا يَشْتَهُونَ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا فِي الدُّنْيَا كَالْحَرِيرِ وَالْخَمْرِ وَجَمْعِ الْأُخْتَيْنِ، قَالَ م ر: بَلْ صَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ نِكَاحُ سَائِرِ الْمَحَارِمِ فِي الْجَنَّةِ إلَّا الْأُمَّ وَالْبِنْتَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ هُنَا التَّبَاغُضُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَاكَ، لَا مَا فِيهِ رَذِيلَةٌ كَوَطْءٍ فِي دُبُرٍ وَمِنْهُ وَطْءُ الْأَبْعَاضِ كَبِنْتِهِ وَأُمِّهِ؛ وَقَدْ وَرَدَ: " يُعْطَى أَحَدُكُمْ فِي الْجَنَّةِ ذَكَرًا مِثْلَ النَّخْلَةِ السَّحُوقِ وَفَرْجًا يَسَعُ ذَلِكَ " اهـ بَابِلِيٌّ ع ش. قَالَ السَّيِّدُ الرَّحْمَانِيُّ: وَيُسَنُّ إظْهَارُ النِّكَاحِ وَإِخْفَاءُ الْخِتَانِ، فَفِي الْحَدِيثِ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا فِيهِ بِالدُّفُوفِ وَلَوْ فِي الْمَسَاجِدِ» اهـ. وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ حِلُّ الدُّفُوفِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَتَحْرِيمُ الْكُوبَةِ لَعَلَّهُ أَمْرٌ عَرَضٌ.
قَوْلُهُ: (الضَّمُّ وَالْجَمْعُ) أَيْ وَالْوَطْءُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَعَطْفُ الْجَمْعِ عَلَى الضَّمِّ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
وَعِبَارَةُ م ر: لُغَةً الضَّمُّ، وَالْوَطْءُ.
وَسُمِّيَ النِّكَاحُ نِكَاحًا لِمَا فِيهِ مِنْ ضَمِّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إلَى آخَرَ.
قَوْلُهُ: (عَقْدٌ إلَخْ) يَسْتَلْزِمُ الْأَرْكَانَ الْخَمْسَةَ الْآتِيَةَ، وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ سِتَّةٌ زَوْجٌ وَزَوْجَةٌ وَوَلِيٌّ وَشَاهِدَانِ وَصِيغَةٌ، وَسَتُعْلَمُ كُلُّهَا مِنْ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا الْمَهْرُ بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ.
فَرْعٌ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ اللَّازِمِ الْمُؤَقَّتِ بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَقِيلَ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عَيْنُ الْمَرْأَةِ، وَقِيلَ: مَنَافِعُ الْبُضْعِ؛ اهـ شَوْبَرِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَتَضَمَّنُ) أَيْ يَسْتَلْزِمُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَهُ مُقَابِلَ الْمُطَابَقَةِ وَهُوَ مِلْكُ انْتِفَاعٍ لَا مِلْكُ مَنْفَعَةٍ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (بِلَفْظِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ عَقْدٌ يَحْصُلُ بِلَفْظِ إنْكَاحٍ إلَخْ، أَيْ بِلَفْظٍ مُشْتَقٍّ إنْكَاحٌ أَوْ مُشْتَقٍّ نَحْوِهِ وَهُوَ التَّزْوِيجُ.
وَخَرَجَ بَيْعُ الْأَمَةِ فَإِنَّهُ عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ إبَاحَةَ وَطْءٍ، لَكِنْ لَا بِلَفْظِ إنْكَاحٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا أَيْ بِلَفْظٍ مُشْتَقٍّ إلَخْ؛ لِأَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ وَالْمَصْدَرُ كِنَايَةً لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ تَرْجَمَتُهُ " أَيْ الْأَحَدِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ) أَيْ يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَلِأَصْحَابِنَا إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي مَوْضُوعِهِ) صَوَابُهُ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ أَيْ مَعْنَاهُ ق ل. وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَوْضُوعَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ وَهُوَ هُنَا ذَاتُ الزَّوْجَيْنِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ النِّكَاحِ لَهُ شَرْعًا، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَصْوِيبَ؛؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ الشَّرْعِيَّ يَدْفَعُ إرَادَةَ

الشَّرْعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ كَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْأَخْبَارُ، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ مُسْتَفَادٌ مِنْ خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك» وَعَقْدُ النِّكَاحِ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجَةِ وَكَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهَلْ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ أَوْ الْمَرْأَةُ فَقَطْ؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي.
وَهَلْ هُوَ مِلْكٌ أَوْ إبَاحَةٌ وَجْهَانِ أَوْجَههمَا الثَّانِي أَيْضًا.
وَالْأَصْلُ فِي حِلِّهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَمِنْ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] وَمِنْ السُّنَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَسِنَّ بِسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِي النِّكَاحُ» .

[حاشية البجيرمي]

ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ) وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى النِّكَاحِ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْعَقْدِ لَا الْوَطْءِ إلَّا إذَا نَوَاهُ وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ) وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وَقِيلَ: حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ أَحَدُهُمَا بِقَرِينَةٍ.
وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْوَطْءَ بِالزِّنَا هَلْ يُحَرِّمُ مَا حَرَّمَهُ النِّكَاحُ أَوْ لَا؟ عِنْدَنَا لَا يُحَرِّمُهُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيِّ يُحَرِّمُهُ، وَإِذَا عُلِّقَ الطَّلَاقُ عَلَى النِّكَاحِ عِنْدَمَا يُحْمَلُ عَلَى الْعَقْدِ وَعِنْدَهُ عَلَى الْوَطْءِ؛ وَهَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ إبَاحَةٌ؟ وَجْهَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَهُ زَوْجَةٌ وَالْأَصَحُّ لَا حِنْثَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَعَلَى الْأَصَحِّ فَهُوَ مَالِكٌ لَأَنْ يَنْتَفِعَ بِالْبُضْعِ لَا لِلْمَنْفَعَةِ، فَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَالْمَهْرُ لَهَا اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ م ر وزي.
قَوْلُهُ: (مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُسَبَّبٌ عَنْ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا جَاءَ بِهِ) أَيْ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ أَيْ جَاءَ بِالْعَقْدِ أَيْ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْكَافُ لِلتَّعْلِيلِ وَمَا مَصْدَرِيَّةً أَيْ لِمَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى إلَخْ) وُرُودُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِمَا قَبْلَهَا فِي أَنَّ كُلًّا فِيهِ النِّكَاحُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَ الْآيَةِ ثُمَّ يَقُولُ: وَقَضِيَّةُ الْآيَةِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَطْءَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْحَدِيثِ وَهَذَا تَقْرِيرٌ فِي الْآيَةِ، وَفِيهَا تَقْرِيرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ بِمَعْنَى الْوَطْءِ فَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُ النِّكَاحِ فِي الْعَقْدِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الْوَطْءِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِيُوَافِقَ الْخَارِجَ مِنْ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا بِالْوَطْءِ لَا بِالْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» الْعَسَلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَعُسَيْلَةٌ تَصْغِيرُ عَسَلٍ عَلَى لُغَةِ التَّأْنِيثِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَاخْتِمْ بِتَا التَّأْنِيثِ مَا صَغَّرْت مِنْ ... مُؤَنَّثٍ عَارٍ ثُلَاثِيٍّ كَسِنِّ وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ حَيْثُ شَبَّهَ لَذَّةَ الْجِمَاعِ بِالْعَسَلِ وَاسْتَعَارَهُ لَهَا وَسُمِّيَ الْجِمَاعُ عَسَلًا لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَا تَسْتَحْلِيهِ عَسَلًا وَأَشَارَ بِالتَّصْغِيرِ إلَى تَقْلِيلِ الْقَدْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي حُصُولِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهُ دَفْعَهُ بِالطَّلَاقِ، وَأَمَّا فَسْخُهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِهِ فَلَا يَتَأَتَّى لَا مِنْ الرَّجُلِ وَلَا مِنْ الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمَرْأَةُ فَقَطْ) وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ أَنَّهَا لَا تُطَالِبُهُ بِالْوَطْءِ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَتُطَالِبُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعْقُودٌ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي حِلِّهِ) لَمْ يَقُلْ فِي طَلَبِهِ مَثَلًا إشَارَةً إلَى أَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِالنَّذْرِ وَإِنْ عَرَضَ لَهُ الطَّلَبُ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا كَانَ أَصْلُهُ الْإِبَاحَةَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى﴾ [النور: 32] جَمْعُ أَيِّمٍ وَهِيَ مَنْ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَهَذَا فِي الْأَحْرَارِ وَالْحَرَائِرِ وَالصَّارِفُ لَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْإِجْمَاعُ.
قَوْلُهُ: «مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي» أَيْ خِلْقَتِي وَطَبِيعَتِي؛ لِأَنَّهُ طُبِعَ عَلَى حُبِّ النِّسَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «حُبِّبَ إلَيَّ النِّسَاءُ» أَوْ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ

وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ) بَعْضِ (الْأَحْكَامِ) كَصِحَّةٍ وَفَسَادٍ (وَ) مِنْ (الْقَضَايَا) الْآتِي ذِكْرُ بَعْضِهَا فِي الْفُصُولِ الْآتِيَةِ.

(وَالنِّكَاحُ) بِمَعْنَى التَّزْوِيجِ (مُسْتَحَبٌّ) لِتَائِقٍ لَهُ بِتَوَقَانِهِ لِلْوَطْءِ إنْ وَجَدَ أُهْبَتَهُ مِنْ مَهْرٍ وَكُسْوَةِ

[حاشية البجيرمي]

هُنَا الدِّينُ أَيْ مَنْ أَحَبَّ دِينِي.
قَوْلُهُ: «فَلْيَسْتَسِنَّ بِسُنَّتِي» أَيْ دِينِي، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ صَرَفَتْ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَالَةِ فَلَيْسَ مِنِّي» اهـ، أَيْ فَإِنَّ ضَمَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ وَلَا يَخَافُ الْعُسْرَ وَالْفَقْرَ إذَا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ التَّحْصِينُ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي إلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ أَحْبَبْت أَنْ أَتَزَوَّجَ حَتَّى لَا أَلْقَى اللَّهَ عَزَبًا " وَرُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: أَلَك زَوْجَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَأَنْتَ صَحِيحٌ سَلِيمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: إنَّك إذًا مِنْ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ إنَّ أَشْرَارَكُمْ عُزَّابُكُمْ» الْحَدِيثَ.
وَتَزَوَّجَ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ وَفَاةِ امْرَأَتِهِ: وَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَبِيتَ عَزَبًا.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا» وَفِي رِوَايَةٍ: «تَكَاثَرُوا» وَأَصْلُهُ " تَتَكَاثَرُوا " وَتَمَامُهُ: «فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ حَتَّى بِالسِّقْطِ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ بِكَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ اللَّازِمِ لَهَا كَثْرَةُ الثَّوَابِ.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ أُمَّةَ نَبِيِّنَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ثُلُثَا أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا اسْتَفَادَ الْمَرْءُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِذَا غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ بِمَالِهَا وَنَفْسِهَا» . وَوَرَدَ: " لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَرْخَى عَلَيْهِنَّ الْحَيَاءَ لَبَرَكْنَ تَحْتَ الرِّجَالِ فِي الْأَسْوَاقِ " كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ؛ وَالْحَيَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ انْكِسَارٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ مِنْ فِعْلِ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ وَالتَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ كَمَا فِي الْقَسْطَلَّانِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ مِنْ طَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَفْعُولُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ، فَفِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ لِكَلَامِ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (بَعْضِ الْأَحْكَامِ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ الْمُفِيدَةُ عَدَمُ ذِكْرِ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْأَحْكَامِ جَمْعُ حُكْمٍ وَهُوَ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ) كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: " وَالْقَضَايَا جَمْعُ قَضِيَّةٍ بِمَعْنَى مَقْضِيٍّ بِهَا فَهِيَ النِّسْبَةُ الْمَذْكُورَةُ فَعَطْفُهَا تَفْسِيرٌ، وَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْقَضَايَا الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، أَيْ؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ عِنْدَ أَهْلِ الْمِيزَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْرَافٍ الْمَحْمُولُ وَالْمَوْضُوعُ وَالنِّسْبَةُ.
قَوْلُهُ: (كَصِحَّةٍ) أَيْ كَثُبُوتِ صِحَّةِ الشَّيْءِ؛ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ اللُّغَوِيُّ، وَأَمَّا نَفْسُ الصِّحَّةِ فَحُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (وَفَسَادٍ) أَيْ وَحِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْمُشَارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْقَضَايَا.

قَوْلُهُ: (وَالنِّكَاحُ مُسْتَحَبٌّ إلَخْ) ذَكَرَ الشَّارِحُ لَهُ أَرْبَعَةَ أَحْكَامٍ: الِاسْتِحْبَابُ لِلتَّائِقِ الْوَاجِدِ وَلَيْسَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْكَرَاهَةُ لِغَيْرِ الْمُحْتَاجِ الْفَاقِدِ لِلْأُهْبَةِ أَوْ بِهِ عِلَّةٌ وَكَوْنُهُ خِلَافَ الْأَوْلَى إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ، وَفَقْدُ الْأُهْبَةِ وَكَوْنُهُ أَوْلَى إنْ وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَلَمْ يَتَخَلَّ لِلْعِبَادَةِ.
وَزَادَ الرَّمْلِيُّ الْوُجُوبَ إنْ خَافَ الْعَنَتَ وَتَعَيَّنَ طَرِيقًا وَوَجَدَ الْأُهْبَةَ وَالْإِبَاحَةَ، كَمَا إذَا أُرِيدَ مُجَرَّدُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ؛ وَلِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَمَّا حُرْمَتُهُ فَفِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ وَأَمَّا فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَيَحْرُمُ لِمَنْ عَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا عَدَمَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَلَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى التَّزْوِيجِ) الْأَوْلَى بِمَعْنَى التَّزَوُّجِ وَهُوَ الْقَبُولُ وَإِطْلَاقُ النِّكَاحِ عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ شَبَهُ اسْتِخْدَامٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ النِّكَاحَ أَوَّلًا فِي التَّرْجَمَةِ بِمَعْنَى الْعَقْدِ ثُمَّ أَعَادَهُ بِلَفْظِهِ بِمَعْنَى التَّزَوُّجِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَحَبٌّ إلَخْ) وَقُيِّدَ ذَلِكَ بِقَيْدَيْنِ، وَأُخِذَ مُحْتَرَزُ الثَّانِي أَوَّلًا ثُمَّ أُخِذَ مُحْتَرَزُ الْأَوَّلِ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوِّشِ.
قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَجِبُ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْضُهُمْ مَا إذَا نَذَرَهُ حَيْثُ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَأَنْ قَصَدَ بِهِ غَضَّ الْبَصَرِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضٌ آخَرُ حَالَةَ خَوْفِ الْعَنَتِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّسَرِّي، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذَا بِمَا إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الزِّنَا؛ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ انْعِقَادِ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ بَلْ هُوَ مُبَاحٌ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْكَافِرِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ أَنَّهُ إنْ قُصِدَ بِهِ طَاعَةٌ مِنْ وَلَدٍ صَالِحٍ أَوْ

فَصْلِ التَّمْكِينِ وَنَفَقَةِ يَوْمِهِ تَحْصِينًا لِدِينِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُشْتَغِلًا بِالْعِبَادَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ فَقَدَ أُهْبَتَهُ فَتَرْكُهُ أَوْلَى وَكُسِرَ إرْشَادًا تَوَقَانُهُ بِصَوْمٍ لِخَبَرِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أَيْ قَاطِعٌ لِتَوَقَانِهِ، وَالْبَاءَةُ بِالْمَدِّ مُؤَنُ النِّكَاحِ، فَإِنْ لَمْ تَنْكَسِرْ بِالصَّوْمِ فَلَا يَكْسِرُهُ بِالْكَافُورِ

[حاشية البجيرمي]

إعْفَافٌ فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَمُبَاحٌ اهـ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي صُورَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ فَظَلَمَ وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْقَسَمِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُوفِيَهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا لِيُوفِيَهَا حَقَّهَا بِنَظِيرِ مَا ظَلَمَ بِهِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَحْرُمُ طَلَاقُهَا وَيَكُونُ طَلَاقُهَا بِدْعِيًّا إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ تَوْفِيَةِ حَقِّهَا مِمَّا ظَلَمَهَا بِهِ.
وَلَنَا وَجْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْأُمَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَإِنْ اتَّفَقَ أَهْلُ قَطَرٍ عَلَى تَرْكِهِ أُجْبِرُوا عَلَيْهِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] اهـ ذَكَرَهُ النَّسَّابَةُ.
قَوْلُهُ: (لِتَائِقٍ) أَيْ مُشْتَاقٍ لَهُ أَيْ النِّكَاحِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْبَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَنُ النِّكَاحِ، لَكِنْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِتَوَقَانِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
وَلَمَّا كَانَ.
قَوْلُهُ لِتَائِقٍ لَهُ أَيْ النِّكَاحِ يُوهِمُ أَنَّهُ تَائِقٌ لِلنِّكَاحِ بِمَعْنَى الْقَبُولِ أَوَّلَهُ بِقَوْلِهِ بِتَوَقَانِهِ لِلْوَطْءِ أَيْ وَلَوْ خَصِيًّا كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْإِحْيَاءِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَهْرٍ) أَيْ الْحَالِّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ زَائِدٌ عَنْ مَسْكَنِهِ وَخَادِمِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَمَلْبُوسِهِ.
قَوْلُهُ: (يَوْمِهِ) أَيْ يَوْمِ التَّمْكِينِ.
وَقَوْلُهُ: " تَحْصِينًا " عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: " مُسْتَحَبٌّ ". قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ مُشْتَغِلًا) أَيْ لِوُجُودِ التَّوَقَانِ مَعَ الْأُهْبَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِ التَّائِقِ الْآتِي إذَا وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَلَا عِلَّةَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ يَتَخَلَّى لِلْعِبَادَةِ فَهِيَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَهُوَ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (إرْشَادًا) أَيْ أَمَرَهُ الشَّارِعُ أَيْ أَرْشَدَهُ وَدَلَّهُ عَلَيْهِ لَا أَمْرَ وُجُوبٍ، وَالْإِرْشَادُ مَا كَانَ لِمَصْلَحَةِ النَّفْسِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَحْوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ امْتَلَأَ الْإِنَاءُ مَاءً أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ الْإِرْشَادِيِّ؛ وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ الصَّوْمِ سَوَاءٌ لَاحَظَ امْتِثَالَ الشَّارِعِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ شَأْنُ كُلِّ مَا كَانَ رَاجِعًا لِتَكْمِيلٍ شَرْعِيٍّ كَمَا هُنَا لِرُجُوعِهِ إلَى الْعِفَّةِ، أَمَّا مَا لَا يَكُونُ لِتَكْمِيلٍ شَرْعِيٍّ كَالْإِشْهَادِ عِنْدَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا قَصَدَ امْتِثَالَ الشَّارِعِ وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ.
قَالَ م ر فِي بَابِ الْمِيَاهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ " مَا نَصُّهُ: قَالَ السُّبْكِيُّ: التَّحْقِيقُ أَنَّ فَاعِلَ الْإِرْشَادِ لِمُجَرَّدِ غَرَضِهِ لَا يُثَابُ وَلِمُجَرَّدِ الِامْتِثَالِ يُثَابُ وَلَهُمَا ثَوَابًا أَنْقَصَ مِنْ ثَوَابٍ مِنْ مَحْضِ قَصْدِ الِامْتِثَالِ، اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (بِصَوْمٍ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الصَّوْمُ يُثِيرُ الْحَرَكَةَ وَالشَّهْوَةَ أَوَّلًا، فَإِذَا دَاوَمَ سَكَنَتْ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا دَخَلَ لِلصَّوْمِ فِي الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْسِرُ شَهْوَتَهَا.
قَالَ سم: فِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ مَا الْمَانِعُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ إذَا كَانَتْ حَاجَتُهَا الشَّهْوَةَ فَتَكْسِرُهَا بِالصَّوْمِ فَلْيُرَاجَعْ، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ طِبِّيٌّ لَا دَخْلَ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ فَكَيْفَ يَقُولُ مَا الْمَانِعُ.
قَوْلُهُ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ» أَيْ الرِّجَالِ، وَخَصَّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَكْسِرُ شَهْوَتَهُمْ الصَّوْمُ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَلَا يَكْسِرُ شَهْوَتَهَا الصَّوْمُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْمَعْشَرُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمْ وَصْفٌ وَاحِدٌ كَمَا هُنَا.
وَإِنَّمَا خُصَّ الشَّبَابُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِيهِمْ أَغْلَبُ وَإِلَّا فَغَيْرُهُمْ مِثْلُهُمْ.
قَوْلُهُ: «فَلْيَتَزَوَّجْ» الْأَمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ إلَخْ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ؛؛ لِأَنَّ عَدَمَ النِّكَاحِ لَيْسَ فِيهِ غَضٌّ لِلْبَصَرِ وَلَا إحْصَانٌ لِلْفَرْجِ.
قَوْلُهُ: «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَالصَّوْمُ مُبْتَدَأٌ وَمَا قَبْلَهُ خَبَرٌ، أَيْ فَالصَّوْمُ عَلَيْهِ.
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ اسْمُ فِعْلٍ وَفَاعِلُهُ مُسْتَتِرٌ فِيهِ وَالصَّوْمُ مَفْعُولٌ بِهِ.
وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ، وَالْمَعْنَى: فَلْيَلْزَمْ الصَّوْمَ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ فِيهِ إغْرَاءً لِلْغَائِبِ وَهُوَ شَاذٌّ عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ: وَشَذَّ إيَّايَ وَإِيَّاهُ أَشَذُّ الْبَيْتَ.
أَيْ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ فَعَلَيْكُمْ أَوْ فَعَلَيْك بِالصَّوْمِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إغْرَاءٌ لِلْمُخَاطَبِ فَهُوَ مِنْ الْقَاعِدَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: " فَعَلَيْهِ " نَظَرًا لِلَفْظِ مِنْ وَمَدْخُولُ مِنْ فِي الْمَعْنَى مُخَاطَبٌ وَهُوَ وَمِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ فَهُوَ

وَنَحْوِهِ بَلْ يَتَزَوَّجُ.

وَكُرِهَ النِّكَاحُ لِغَيْرِ التَّائِقِ لَهُ لِعِلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ فَقَدَ أُهْبَتَهُ أَوْ وَجَدَهَا وَكَانَ بِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ وَتَعْنِينٍ لِانْتِفَاءِ حَاجَتِهِ، مَعَ الْتِزَامِ فَاقِدِ الْأُهْبَةِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَخَطَرَ الْقِيَامِ بِوَاجِبِهِ فِيمَا عَدَاهُ وَإِنْ وَجَدَهَا وَلَا عِلَّةَ بِهِ، فَتَخَلٍّ لِعِبَادَةٍ أَفْضَلُ مِنْ النِّكَاحِ إنْ كَانَ مُتَعَبِّدًا اهْتِمَامًا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ لِئَلَّا تُفْضِيَ بِهِ الْبَطَالَةُ إلَى الْفَوَاحِشِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَعَلَّلَهُ بِالْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالِاسْتِرْقَاقِ.

[حاشية البجيرمي]

مُخَاطَبٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ الصَّوْمَ، وَقَوْلُهُ: " لَهُ " أَيْ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ لِتَوَقَانِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَكْسِرُهُ) أَيْ التَّوَقَانَ بِالْكَافُورِ، أَيْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ الشَّهْوَةَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يُفَتِّرُهَا، وَلَوْ أَرَادَ إعَادَتَهَا بِاسْتِعْمَالِ ضِدِّ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ أَمْكَنَ، وَمَا جُزِمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَطْعِ لَهَا مُطْلَقًا.
اهـ. م ر؛ أَيْ فَيَحْرُمُ ذَلِكَ إنْ قَطَعَ الشَّهْوَةَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيُكْرَهُ إنْ أَضْعَفَهَا وَقَطْعُ الْحَبْلِ مِنْ الْمَرْأَةِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّسَبُّبِ إلَى إلْقَاءِ النُّطْفَةِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فِي الرَّحِمِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: يَجُوزُ إلْقَاءُ النُّطْفَةِ وَالْعَلَقَةِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْإِحْيَاءِ فِي مَبْحَثِ الْعَزْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ آيِلَةٌ إلَى التَّخَلُّقِ الْمُهَيَّأِ لِنَفْخِ الرُّوحِ وَلَا كَذَلِكَ الْعَزْلُ اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَتَزَوَّجُ) أَيْ يُبَاحُ لَهُ التَّزَوُّجُ وَيُكَلَّفُ اقْتِرَاضَ الْمَهْرِ إنْ لَمْ تَرْضَ بِذِمَّتِهِ.

قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ النِّكَاحُ لِغَيْرِ التَّائِقِ إلَخْ) لَوْ طَرَأَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَهَلْ يَلْحَقُ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ لَا لِقُوَّةِ الدَّوَامِ؟ تَرَدَّدَ فِيهِ الزَّرْكَشِيّ وَالثَّانِي هُوَ الْوَجْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ ابْنِ حَجَرٍ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ التَّائِقِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَرَضٍ الِاسْتِئْنَاسِ لَا تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ عَمِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ النِّكَاحِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْبَاءَةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَنُ النِّكَاحِ، لَكِنْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لِتَوَقَانِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (لِعِلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَاشْتِغَالِهِ بِحُزْنٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ نَحْوِ ظَالِمٍ أَوْ كَانَ لَا يَشْتَهِيهِ خَلْقُهُ؛ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " لِعِلَّةٍ " أَيْ دَائِمَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَعْنِينٍ) أَيْ دَائِمٍ، بِخِلَافِ مَنْ يَعِنُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ اهـ س ل. وَقَوْلُهُ: " فِيمَا عَدَاهُ " أَيْ وَهُوَ صَاحِبُ الْعِلَّةِ كَالْهَرَمِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُرَادُ بِوَاجِبِهِ الْوَطْءُ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِهِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِوَاجِبِهِ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا كَانَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ يَكُونُ الْقِيَامُ بِنَفَقَتِهَا وَكُسْوَتِهَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا عِلَّةَ بِهِ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ تَائِقٍ.
قَوْلُهُ: (فَتَخَلٍّ لِعِبَادَةٍ) وَفِي مَعْنَاهُ الِاشْتِغَالُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ مِنْ النِّكَاحِ) أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ هُنَا عَلَى بَابِهِ إذَا قُصِدَ بِالنِّكَاحِ نَحْوُ وَلَدٍ صَالِحٍ، وَأَمَّا.
قَوْلُهُ بَعْدُ: " أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ " فَلَيْسَ عَلَى بَابِهِ، أَوْ يُقَالُ: قَوْلُهُ: " أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ " أَيْ إنْ فُرِضَ أَنَّ فِي التَّرْكِ فَضِيلَةً فَهُوَ عَلَى بَابِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالُوهُ فِي الْعَسَلِ أَحْلَى مِنْ الْخَلِّ عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَلِّ حَلَاوَةً، وَصَرِيحُ هَذَا أَنَّ النِّكَاحَ لَيْسَ مِنْ الْعِبَادَةِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ مِنْهَا إنْ قَصَدَ بِهِ إعْفَافًا أَوْ نَحْوَ وَلَدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَقْدِيمُ النِّكَاحِ عَلَى التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا تُفْضِيَ) أَيْ تُؤَدِّيَهُ وَتُوقِعَهُ الْبَطَالَةُ فِي الْفَوَاحِشِ؛ وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الشَّبَابَ وَالْفَرَاغَ وَالْجِدَّهْ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أَيَّ مَفْسَدَهْ وَالْمُرَادُ بِالْفَوَاحِشِ هُنَا خُصُوصُ الْوَطْءِ لَا مَا يَشْمَلُ التَّمَتُّعَ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ يُمْكِنُ حَتَّى مِنْ الْمُتَخَلِّي لِلْعِبَادَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ النِّكَاحُ) أَيْ بَلْ يُكْرَهُ مَا لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ وَإِلَّا وَجَبَ.
قَوْلُهُ: (الشُّرُوطُ) الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ إذْ الْمُتَقَدِّمُ شَرْطَانِ وَهُمَا التَّوَقَانُ وَوُجُودُ الْأُهْبَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ الْكُفْرِ) أَيْ بِأَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَهُوَ صَغِيرٌ لَا يُمَيِّزُ وَيَنْبَهِمُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الَّذِي أَسَرَّهُ الْحَالَ، فَرُبَّمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِرْقَاقِ) أَيْ لَوْ

تَنْبِيهٌ: نُصَّ فِي الْأُمِّ وَغَيْرِهَا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ التَّائِقَةَ يُسَنُّ لَهَا النِّكَاحُ، وَفِي مَعْنَاهَا الْمُحْتَاجَةُ إلَى النَّفَقَةِ وَالْخَائِفَةُ مِنْ اقْتِحَامِ الْفَجَرَةِ.
وَيُوَافِقُهُ مَا فِي التَّنْبِيهِ مِنْ أَنَّ مَنْ جَازَ لَهَا النِّكَاحُ إنْ كَانَتْ مُحْتَاجَةً إلَيْهِ اُسْتُحِبَّ لَهَا النِّكَاحُ وَإِلَّا كُرِهَ، فَمَا قِيلَ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا ذَلِكَ مُطْلَقًا مَرْدُودٌ؛

وَيُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِكْرًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ: «هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُك»

[حاشية البجيرمي]

سُبِيَتْ أُمُّهُ حَامِلًا بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ فِي أَنَّ حَمْلَهَا مِنْ مُسْلِمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَعَلَى كَرَاهَةِ التَّسَرِّي أَيْضًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سم.

قَوْلُهُ: (التَّائِقَةَ) أَيْ الْمُشْتَاقَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَائِفَةُ مِنْ اقْتِحَامِ الْفَجَرَةِ) أَيْ يُسَنُّ لَهَا النِّكَاحُ، بَلْ الْوَجْهُ وُجُوبُهُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهُمْ لَا يَنْدَفِعُونَ عَنْهَا إلَّا بِهِ وَحُرْمَتُهُ إنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ وَعَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهَا لَا تَقُومُ بِوَاجِبِ حَقِّ الزَّوْجِ ابْنُ حَجَرٍ زِيَادِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " وُجُوبُهُ " أَيْ عَلَيْهَا بِأَنْ تُطَالِبَ وَلِيَّهَا أَوْ تَرْفَعَ الْأَمْرَ لِحَاكِمٍ، وَمَعْنَى الِاقْتِحَامِ فِي اللُّغَةِ الْمُجَاوَزَةُ وَفِي الْمِصْبَاحِ وَاقْتَحَمَ عَقَبَةً أَوْ وَهْدَةً رَمَى بِنَفْسِهِ فِيهَا وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ اقْتَحَمَ الْفَرَسُ النَّهْرَ إذَا دَخَلَ فِيهِ وَتَقَحَّمَ مِثْلُهُ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَيُنْدَبُ لِلتَّائِقَةِ وَأُلْحِقَ بِهَا مُحْتَاجَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَخَائِفَةٌ مِنْ اقْتِحَامِ فَجَرَةٍ.
وَفِي التَّنْبِيهِ: مَنْ جَازَ لَهَا النِّكَاحُ إنْ احْتَاجَتْهُ نُدِبَ لَهَا وَإِلَّا كُرِهَ، وَنَقَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ نَقَلَ وُجُوبَهُ عَلَيْهَا إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهَا الْفَجَرَةُ إلَّا بِهِ، وَبِمَا ذُكِرَ عُلِمَ ضَعْفُ قَوْلِ الزَّنْجَانِيِّ " يُسَنُّ لَهَا مُطْلَقًا " إذْ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِهَا وَسَتْرِهَا، وَقَوْلِ غَيْرِهِ " لَا يُسَنُّ لَهَا مُطْلَقًا "؛ لِأَنَّ عَلَيْهَا حُقُوقًا خَطِيرَةً لِلزَّوْجِ لَا يَتَيَسَّرُ لَهَا الْقِيَامُ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ الْوَعِيدُ، الشَّدِيدُ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ عَلِمَتْ مِنْ نَفْسِهَا عَدَمَ الْقِيَامِ بِهَا وَلَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهَا اهـ. وَهِيَ أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ.
وَقَوْلُهُ: " عَدَمَ الْقِيَامِ بِهَا " أَيْ بِحَاجَتِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ، كَاسْتِعْمَالِهَا الطِّيبَ إذَا أَمَرَهَا بِهِ وَالتَّزَيُّنِ بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ عِنْدَ أَمْرِهِ وَإِحْضَارِ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ لَهَا، وَلَيْسَ مِنْ الْحَاجَةِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ تَهْيِئَةِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ لِلزَّوْجِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ: حَرُمَ عَلَيْهَا وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَفِي الْحَدِيثِ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا تُنَالُ الْمَعِيشَةُ فِيهِ إلَّا بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ حَلَّتْ الْعُزُوبِيَّةُ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا أَتَى عَلَى أُمَّتِي مِائَةٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً فَقَدْ حَلَّتْ الْعُزُوبِيَّةُ وَالْعُزْلَةُ وَالتَّرَهُّبُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ» وَالْحَدِيثَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْكَشَّافِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُهُ فِيهِ: وَرُبَّمَا كَانَ وَاجِبَ التَّرْكِ إذَا أَدَّى إلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ مَفْسَدَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَزَوَّجْت لَمْ أَعْلَمْ وَأَخْطَأْت لَمْ أُصِبْ ... فَيَا لَيْتَنِي قَدْ مِتّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ فَوَاَللَّهِ مَا أَبْكِي عَلَى سَاكِنِ الثَّرَى ... وَلَكِنَّنِي أَبْكِي عَلَى الْمُتَزَوِّجِ وَقَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ: التَّزَوُّجُ فَرَحُ شَهْرٍ وَغَمُّ دَهْرٍ وَكَسْرُ ظَهْرٍ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِكْرًا) هَذَا شُرُوعٌ فِي أَوْصَافِ الزَّوْجَةِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوْصَافِ الزَّوْجِ.
وَفِي مَعْنَى الْبِكْرِ مَنْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِنَحْوِ حَيْضٍ، وَفِي مَعْنَى الثَّيِّبِ مَنْ لَمْ تُزَلْ بَكَارَتُهَا مَعَ وُجُودِ دُخُولِ الزَّوْجِ بِهَا كَالْغَوْرَاءِ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ إلَّا مِنْ بِكْرٍ، وَقِيَاسُهُ نَدْبُ نَظِيرِ الصِّفَاتِ الْآتِيَةِ فِي الزَّوْجِ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ بِأَنْ يَكُونَ دَيِّنًا جَمِيلًا وَلُودًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ إلَخْ) وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَطْيَبُ أَفْوَاهًا وَأَضْيَقُ أَرْحَامًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْجِمَاعِ» وَقَوْلُهُ: «أَنْتَقُ أَرْحَامًا» أَيْ أَكْثَرُ أَوْلَادًا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ الْكَثِيرَةِ الْأَوْلَادِ نَاتِقٌ وَفِي الْبَكَارَةِ ثَلَاثَةُ فَوَائِدَ: إحْدَاهُمَا أَنْ تُحِبَّ الزَّوْجَ الْأَوَّلَ وَتَأْلَفَهُ وَالطِّبَاعُ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْأُنْسِ بِأَوَّلِ مَأْلُوفٍ، وَأَمَّا الَّتِي مَارَسَتْ الرِّجَالَ فَرُبَّمَا لَا تَرْضَى بِبَعْضِ الْأَوْصَافِ الَّتِي تُخَالِفُ مَا أَلِفَتْهُ فَتَكْرَهُ الزَّوْجَ الثَّانِيَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ فِي مَوَدَّتِهِ لَهَا.
الثَّالِثَةُ: لَا تَحِنُّ إلَّا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ.
وَلِبَعْضِهِمْ.

إلَّا لِعُذْرٍ كَضَعْفِ آلَتِهِ عَنْ الِافْتِضَاضِ، أَوْ احْتِيَاجِهِ لِمَنْ يَقُومُ عَلَى عِيَالِهِ، دَيِّنَةً لَا فَاسِقَةً جَمِيلَةً وَلُودًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَجَمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» أَيْ افْتَقَرْت إنْ لَمْ تَفْعَلْ

[حاشية البجيرمي]

نَقِّلْ فُؤَادَك حَيْثُ شِئْت مِنْ الْهَوَى ... مَا الْحُبُّ إلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ كَمْ مَنْزِلٍ فِي الْأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى ... وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ اهـ قَوْلُهُ: «هَلَّا بِكْرًا» إلَخْ هِيَ حَرْفُ تَنْدِيمٍ أَيْ إيقَاعٍ فِي النَّدَمِ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مَاضٍ؛ فَالْمَعْنَى هُنَا: وَقَعْت فِي النَّدَمِ يَا جَابِرُ؛ فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مُضَارِعٍ تَكُونُ لِلتَّحْضِيضِ وَهُوَ الطَّلَبُ بِحَثٍّ وَإِزْعَاجٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الِافْتِضَاضِ) بِالْفَاءِ أَوْ الْقَافِ، وَهُوَ إزَالَةُ الْبَكَارَةِ.
قَوْلُهُ: (دَيِّنَةً) أَيْ بِحَيْثُ يُوجَدُ فِيهَا وَصْفُ الْعَدَالَةِ لَا الْعِفَّةِ عَنْ الزِّنَا فَقَطْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا فَاسِقَةً.
وَإِذَا تَعَارَضَ عَلَى الْعَارِفِ الزَّوَاجُ بِالْكِتَابِيَّةِ وَتَارِكَةِ الصَّلَاةِ قَدَّمَ الْكِتَابِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَهْدِيهَا إلَى الْإِسْلَامِ وَغَيْرِ الْعَارِفِ يُقَدِّمُ تَارِكَةَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَةَ رُبَّمَا تَجُرُّهُ إلَى دِينِهَا.
وَقَوْلُهُ قَدَّمَ الْكِتَابِيَّةَ؛ لِأَنَّ تَارِكَةَ الصَّلَاةِ مُرْتَدَّةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَنَا ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (جَمِيلَةً) أَيْ بِاعْتِبَارِ طَبْعِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَوْ سَوْدَاءَ مَثَلًا وَإِنْ قُلْنَا الْجَمَالُ عُرْفِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى الْعِفَّةِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِجَمَالٍ بِحَسْبِ طَبْعِهِ، لَكِنْ تُكْرَهُ بَارِعَةُ الْجَمَالِ؛ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَزْهُوَ أَيْ تَتَكَبَّرَ لِجَمَالِهَا أَوْ تُمَدُّ الْأَعْيُنُ إلَيْهَا زِيَادِيٌّ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْمُرَادُ بِالْجَمَالِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِالذَّاتِ الْمُسْتَحْسَنُ لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَا سَلِمَتْ ذَاتُ جَمَالٍ قَطُّ أَيْ مَا سَلِمَتْ مِنْ التَّكَلُّمِ فِيهَا أَيْ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ تَطَلُّعِ فَاجِرٍ إلَيْهَا أَوْ تَقَوُّلِهِ عَلَيْهَا كَمَا فِي ع ش. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْحُسْنُ فِي الْعَيْنَيْنِ وَالْجَمَالُ فِي الْأَنْفِ وَالْخَدِّ وَالْمَلَاحَةُ فِي الْفَمِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالْمَلَاحَةِ كَمَا فِي ح ل. قَوْلُهُ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ» هُوَ بَيَانٌ لِمَا هُوَ حَالُ النَّاسِ مِنْ الرَّغْبَةِ فِيهَا لَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، ق ل؛ أَيْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ لِمَالِهَا غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَالنِّكَاحُ لِبَاقِي الْأَرْبَعَةِ مَطْلُوبٌ.
وَيُسَنُّ أَيْضًا أَنْ لَا تَكُونَ صَاحِبَةَ وَلَدٍ مِنْ غَيْرِك، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ: لَا تَتَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةً وَهِيَ الزَّرْقَاءُ الْبَذِيَّةُ وَلَا لَهْبَرَةً وَهِيَ الطَّوِيلَةُ الْمَهْزُولَةُ وَلَا نَهْبَرَةً وَهِيَ الْعَجُوزُ الْمُدْبِرَةُ وَلَا هَنْدَرَةً وَهِيَ الْقَصِيرَةُ الدَّمِيمَةُ وَلَا لَفُوتًا وَهِيَ ذَاتُ الْوَلَدِ مِنْ غَيْرِك» زِيَادِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " وَهِيَ الزَّرْقَاءُ " أَيْ فِي الْعَيْنِ الْبَذِيَّةُ أَيْ فِي اللِّسَانِ، وَقَوْلُهُ: وَهِيَ الْقَصِيرَةُ الدَّمِيمَةُ أَوْ الْمُكْثِرَةُ لِلْهَذْرِ أَيْ الْكَلَامِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ.
وَالدَّمِيمَةُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْقَبِيحَةُ الصُّورَةِ.
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: " كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ حَتَّى يَسْتَشِيرَ مِائَةَ نَفْسٍ وَأَنَّهُ اسْتَشَارَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا، وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَقَالَ بَقِيَ وَاحِدٌ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَطْلُعُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَآخُذُ بِقَوْلِهِ.
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ طَلَعَ رَجُلٌ رَاكِبٌ قَصَبَةً فَأَخْبَرَهُ بِقِصَّتِهِ فَقَالَ لَهُ: النِّسَاءُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدَةٌ لَك وَوَاحِدَةٌ عَلَيْك وَوَاحِدَةٌ لَا لَك وَلَا عَلَيْك فَالْبِكْرُ لَك وَذَاتُ الْوَلَدِ عَلَيْك وَالثَّيِّبُ لَا لَك وَلَا عَلَيْك.
ثُمَّ قَالَ: أَطْلَقَ الْجَوَادَ؛ فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي بِقِصَّتِك، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ مَاتَ قَاضٍ فَرَكِبْت هَذِهِ الْقَصَبَةَ وَتَبَالَهْتُ لِأَخْلُصَ مِنْ الْقَضَاءِ " اهـ خ ط. وَعَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُكْرَهُ نِكَاحُ خَمْسَةٍ: أَنَّانَةٌ وَحَنَّانَةٌ وَحَدَّاقَةٌ وَشَدَّاقَةٌ وَبَرَّاقَةٌ، أَمَّا الْأَنَّانَةُ فَهِيَ كَثِيرَةُ الْأَنِينِ وَالتَّشَكِّي وَتُعَصِّبُ رَأْسَهَا كُلَّ سَاعَةٍ فَنِكَاحُ الْمَرِيضَةِ وَالْمُتَمَرِّضَةِ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَالْحَنَّانَةُ الَّتِي تَحِنُّ إلَى زَوْجٍ آخَرَ كُلَّ سَاعَةٍ وَهَذِهِ مِمَّا يَنْبَغِي اجْتِنَابُهَا، وَالْحَدَّاقَةُ هِيَ الَّتِي تَرْمِي بِحَدَقَتِهَا إلَى كُلِّ شَيْءٍ وَتُكَلِّفُ زَوْجَهَا شِرَاءَهُ؛ وَالْبَرَّاقَةُ لَهَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ طُولَ النَّهَارِ فِي تَصْقِيلِ وَجْهِهَا وَتَزْيِينِهِ وَالثَّانِي تَغْضَبُ عَلَى الطَّعَامِ وَلَا تَأْكُلُ إلَّا وَحْدَهَا وَتَشْتَغِلُ بِنَفْسِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالشَّدَّاقَةُ الْمُتَشَدِّقَةُ الْكَثِيرَةُ الْكَلَامُ.
وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَنْكِحَ أَعْلَى مِنْهُ قَدْرًا وَنَسَبًا وَمَالًا وَجَاهًا وَأَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرَفُّعِهَا عَلَى الزَّوْجِ وَاسْتِقْلَالِهَا بِهِ وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِهِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى النُّشُوزِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالْهَجْرِ فِي الْمَضْجَعِ وَعَدَمِ تَمْكِينِهِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ، وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى قَطْعِ الْعِشْرَةِ؛ بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ مِثْلَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَدُونَ ذَلِكَ لِيَعْظُمَ عِنْدَهَا قَدْرُهُ وَتَرَى مَا يُحْضِرُهُ إلَيْهَا مِنْ مَأْكَلٍ وَمَلْبَسٍ حَسَنًا عَظِيمًا؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: " وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ أَعْلَى مِنْهُ فِي الْمَنْزِلَةِ وَالْغِنَى "؛ لِأَنَّهَا قَدْ

وَاسْتَغْنَيْت إنْ فَعَلْت.
وَخَبَرِ: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَيُعْرَفُ كَوْنُ الْبِكْرِ وَلُودًا بِأَقَارِبِهَا، نَسِيبَةً أَيْ طَيِّبَةَ الْأَصْلِ لِخَبَرِ: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ» غَيْرَ ذَاتِ قَرَابَةٍ قَرِيبَةٍ بِأَنْ تَكُونَ أَجْنَبِيَّةً، أَوْ ذَاتَ قَرَابَةٍ بَعِيدَةٍ لِضَعْفِ الشَّهْوَةِ فِي الْقَرِيبَةِ فَيَجِيءُ الْوَلَدُ نَحِيفًا.

[حاشية البجيرمي]

لَا تَجِدُ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ تَجِدُ عِنْدَ أَهْلِهَا فَلَا يَحْصُلُ الْوِفَاقُ وَرُبَّمَا يَحْصُلُ الشِّقَاقُ؛ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ النَّسَّابَةُ.
وَيُزَادُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حَمْلِهَا خِلَافٌ كَأَنْ زَنَى أَوْ تَمَتَّعَ بِأُمِّهَا أَوْ بِهَا أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ أَوْ شَكٌّ بِنَحْوِ رَضَاعٍ، اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلِحَسَبِهَا) أَيْ لِشَرَفِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ النَّسَبُ الطَّيِّبُ.
وَلَوْ تَعَارَضَتْ تِلْكَ الصِّفَاتُ فَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ ذَاتِ الدِّينِ مُطْلَقًا ثُمَّ الْعَقْلِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ ثُمَّ النَّسَبِ ثُمَّ الْبَكَارَةِ ثُمَّ الْوِلَادَةِ ثُمَّ الْجَمَالِ ثُمَّ مَا الْمَصْلَحَةُ فِيهِ أَظْهَرُ بِحَسْبِ اجْتِهَادِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَقْدِيمِ ابْنِ حَجَرٍ الْوِلَادَةَ عَلَى النَّسَبِ وَالْبَكَارَةِ فَتَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَاظْفَرْ) جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ إذَا تَحَقَّقْت أَمْرَهَا وَفَضِيلَتَهَا فَاظْفَرْ بِهَا تَرْشُدْ فَإِنَّك تَكْتَسِبُ مَنَافِعَ الدَّارَيْنِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (تَرِبَتْ يَدَاكَ) مَعْنَاهُ فِي الْأَصْلِ الْتَصَقَتَا بِالتُّرَابِ وَمَنْ لَازَمَهُ الْفَقْرُ فَفَسَّرَهُ هُنَا بِاللَّازِمِ وَالْقَصْدُ مِنْهُ اللَّوْمُ لَا الدُّعَاءُ الْحَقِيقِيُّ ع ش وَمَا قِيلَ إنَّ مَعْنَى تَرِبَتْ اسْتَغْنَتْ بِأَنْ صَارَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ لِكَثْرَتِهِ كَالتُّرَابِ وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ افْتَقَرَتْ لَقَالَ أُتْرِبَتْ فَاسِدٌ مَنَابِذُ لِلْمُرَادِ مِنْ الْحَدِيثِ إلَّا إنْ حُمِلَ عَلَى مَعْنَى إنْ فَعَلْتَ أَيْ ظَفِرْتَ بِذَاتِ الدِّينِ اهـ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ الْعِمَادِ مَا نَصُّهُ يُقَالُ تَرِبْت إذَا افْتَقَرَتْ وَأُتْرِتَبْ إذَا اسْتَغْنَتْ يَعْنِي إنْ ظَفِرْتَ بِهَا اسْتَغْنَتْ يَدَاك وَالتُّرَابُ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَالِ كَقَوْلِهِمْ مَالُ فُلَانٍ عَدَدُ التُّرَابِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَفِي لُغَةِ الْقِبْطِ ثَرِبَتْ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَمَعْنَاهَا امْتَلَأَتْ يَدُك شَحْمًا إنْ ظَفِرْت بِذَاتِ الدِّينِ مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّرْبِ وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُحِيطُ بِالْكَرِشِ وَقِيلَ اسْتَوَتْ يَدَاك فِي الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ إذَا ظَفِرْت بِذَاتِ الدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: 37] يَعْنِي مُتَسَاوِيَاتِ السِّنِّ وَالْقَدِّ حَكَاهُ فِي الْوَافِي وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرَادَ بِالْيَدَيْنِ نِعْمَتَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] أَيْ نِعْمَتَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمَعْنَى إنْ ظَفِرْت بِذَاتِ الدِّينِ ظَفِرْت بِنِعْمَتَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اهـ قَوْلُهُ إنْ لَمْ تَفْعَلْ أَيْ إنْ لَمْ تَفْعَلْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَا قَبْلَهُ قَوْلُهُ «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «سَوْدَاءُ وَلُودٌ خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمٍ» قَوْلُهُ أَيْ طَيِّبَةَ الْأَصْلِ أَيْ لَا مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَيِّبَةَ الْأَصْلِ قَالَ بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ دُونَ الرَّجُلِ بِأَرْبَعٍ وَإِلَّا اسْتَحْقَرَتْهُ بِالسِّنِّ وَالطُّولِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ وَأَنْ تَكُونَ فَوْقَهُ بِأَرْبَعٍ بِالْجَمَالِ وَالْأَدَبِ وَالْخُلُقِ وَالْوَرَعِ قَوْلُهُ «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ» وَفِي رِوَايَةٍ «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ» وَوَرَدَ «إيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ قَالُوا مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي الْمَنْبَتِ السُّوءِ» فَشَبَّهَ الْمَرْأَةَ الَّتِي أَصْلُهَا رَدِيءٌ بِالْقِطْعَةِ الزَّرْعِ الْمُرْتَفِعَةِ عَلَى غَيْرِهَا الَّتِي مَنْبَتُهَا مَوْضِعُ رَوْثِ الْبَهَائِمِ قَوْلُهُ أَوْ ذَاتَ قَرَابَةٍ بَعِيدَةٍ بَلْ هِيَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَزَوَّجَ زَيْنَبَ مَعَ أَنَّهَا بِنْتُ عَمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ جَوَازِ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْمُتَبَنَّى لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ زَيْدٍ وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ أَيْضًا بِتَزَوُّجِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ فِي الْجُمْلَةِ إذْ هِيَ بِنْتُ ابْنِ عَمِّهِ لَا بِنْتُ عَمِّهِ اهـ زي قَالَ السَّيِّدُ النَّسَّابَةُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ مِنْ أَقَارِبِهِ الْبُعْدَى فَهِيَ أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ لَكِنْ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَالْبَيَانِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْكِحَ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَجِيءُ أَحْمَقَ قَالَ وَقَدْ رَأَيْنَا جَمَاعَةً تَزَوَّجُوا مِنْ أَقَارِبِهِمْ فَجَاءَتْ أَوْلَادُهُمْ حُمُقًا لَكِنْ قَدْ تَزَوَّجَ عَلِيٌّ بِفَاطِمَةَ وَهِيَ مِنْ الْأَقَارِبِ تَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ وَوَلَدَتْ لَهُ الْإِمَامَ السِّبْطَ الْحَسَنَ وَهُوَ أَوَّلُ أَوْلَادِهَا وَلَدَتْهُ بِالْمَدِينَةِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَمَّا وُلِدَ وَأُعْلِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ أَخَذَهُ وَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ وَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَوُلِدَ لَهُ أَيْضًا مِنْهَا الْحُسَيْنُ وَزَيْنَبُ

(وَيَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ) فِي نِكَاحٍ (بَيْنَ أَرْبَعِ حَرَائِرَ) فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3] «وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغَيْلَانَ وَقَدْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ: أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» وَإِذَا امْتَنَعَ فِي الدَّوَامِ فَفِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى.
فَائِدَةٌ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْجَوَازُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ الرِّجَالِ،

[حاشية البجيرمي]

الْكُبْرَى وَأُمُّ كُلْثُومَ الْكُبْرَى فَكَانَتْ جُمْلَةُ أَوْلَادِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا الذُّكُورِ أَرْبَعَةَ عَشَرَةَ ذَكَرًا وَأَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ سَبْعَ عَشْرَةَ اهـ بِحُرُوفِهِ وَفِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ وَخُصَّ أَنَّ آلَهُ لَا يُكَافِئُهُمْ فِي النِّكَاحِ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ وَأَمَّا تَزْوِيجُ فَاطِمَةَ لِعَلِيٍّ فَقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ كُفُؤًا لَهَا سِوَاهُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَبَاهُ كَافِرٌ وَأَبُوهَا سَيِّدُ الْبَشَرِ وَزُوِّجَتْ لَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّهُ لَمَّا خَطَبَهَا مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَدَّهُمَا وَقَالَ إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُزَوِّجَ فَاطِمَةَ مِنْ عَلِيٍّ» وَزَوَّجَهَا لَهُ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ وَكَّلَ وَاحِدًا فِي قَبُولِ نِكَاحِهِ فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ رَضِيت وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ نِكَاحَ الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ لَيْسَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ عَلِيًّا قَرِيبٌ بَعِيدٌ إذْ الْمُرَادُ بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ مَنْ هُوَ فِي أَوَّلِ دَرَجَاتِ الْخُؤُولَةِ وَالْعُمُومَةِ وَنِكَاحُهَا أَوْلَى مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ اهـ وَتَزْوِيجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِزَيْنَبِ بِنْتِ جَحْشٍ مَعَ كَوْنِهَا بِنْتَ عَمَّتِهِ لِمَصْلَحَةِ حِلِّ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْمُتَبَنَّى وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَنَّى زَيْدًا هَذَا وَلَمَّا تَزَوَّجَهَا وَقَعَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ عَابُوا عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَقَالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهَانَا أَنْ نَتَزَوَّجَ بِحَلَائِل أَبْنَائِنَا وَهُوَ يَفْعَلُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: 40] إعْلَامًا بِأَنَّ الْمَنْعَ فِي وَلَدِ النَّسَبِ وَكَذَا فِي وَلَدِ الرَّضَاعِ وَتَزْوِيجُهُ زَيْنَبَ بِنْتَهُ لِأَبِي الْعَاصِ مَعَ أَنَّهَا بِنْتُ خَالَتِهِ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَاقِعَةَ حَالٍ فِعْلِيَّةٍ فَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ بِمَصْلَحَةٍ يُسْقِطُهَا

قَوْلُهُ: (لِلْحُرِّ) أَيْ كَامِلِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي: وَالْمُبَعَّضُ كَالْقِنِّ.
قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِغَيْلَانَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ قَبِيلَةِ ثَقِيفٍ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةِ رِجَالٍ مِنْ تِلْكَ الْقَبِيلَةِ أَسْلَمَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ؛ وَبَاقِيهِمْ: مَسْعُودُ بْنُ مُصْعَبٍ وَمَسْعُودُ بْنُ عَامِرٍ وَمَسْعُودُ بْنُ عُمَرَ وَعُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَسُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَخُصَّ غَيْلَانُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَمَا قَالَهُ ق ل. وَقَالَ الْمَدَابِغِيُّ: إنَّمَا نُصَّ عَلَى غَيْلَانَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِي شَأْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ) وَهَلْ أَسْلَمْنَ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ تَحِلُّ، اهـ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: «أَمْسِكْ أَرْبَعًا» اخْتَارَ الْأَذْرَعِيُّ أَنَّ أَمْسِكْ لِلْوُجُوبِ وَفَارِقْ لِلْإِبَاحَةِ وَاعْتَمَدَهُ م ر، وَاخْتَارَ السُّبْكِيُّ عَكْسَهُ.
وَاعْتَمَدَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وُجُوبَ أَحَدِهِمَا إذْ بِوُجُوبِهِ يَتَعَيَّنُ الْآخَرُ.
وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ نَظَرٌ، إذْ لَا مَعْنَى لِتَعَيُّنِ لَفْظِ أَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا أَوْ مُبْهَمًا وَإِبَاحَةُ الْآخَرِ كَذَلِكَ، فَالْوَجْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُودُ فِي ضِمْنِ أَيِّهِمَا وُجِدَ وَهُوَ تَمْيِيزُ مُبَاحِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدٌ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الْجَوَازُ) أَيْ جَوَازُ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ الرِّجَالِ) وَهِيَ كَثْرَةُ التَّمَتُّعِ بِالنِّسَاءِ.
وَقَوْلُهُ: " لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ " وَهِيَ الْغَيْرَةُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُحِبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَتَمَتَّعَ بِغَيْرِهَا، وَفِي مَصْلَحَةِ النَّوْعَيْنِ يَكُونُ فِي كِلَيْهِمَا مَصْلَحَةٌ دُونَ الْمَصْلَحَةِ الْمُفْرَدَةِ فِيمَا قَبْلَهُ فَالتَّمَتُّعُ يَقِلُّ وَالْغَيْرَةُ تَقِلُّ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي رِعَايَةِ شَرِيعَةِ سَيِّدِنَا مُوسَى لِلرِّجَالِ وَشَرِيعَةِ سَيِّدِنَا عِيسَى لِلنِّسَاءِ؟ قُلْت: يُحْتَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا ذَبَحَ الْأَبْنَاءَ وَاسْتَضْعَفَ الرِّجَالَ نَاسَبَ أَنْ يُعَامِلَهُمْ سَيِّدُنَا مُوسَى بِالرِّعَايَةِ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ ذَلِكَ الْجَبَّارِ بِهِمْ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِنَا عِيسَى فِي الرِّجَالِ أَبٌ وَكَانَ أَصْلُهُ امْرَأَةً نَاسَبَ أَنْ يُرَاعِيَ جِنْسَ أَصْلِهِ رِعَايَةً لَهُ؛ تَأَمَّلْ وَافْهَمْ ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ.
وَقَدْ قِيلَ: كَانَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد ثَلَثُمِائَةِ جَارِيَةٍ سِوَى

وَفِي شَرِيعَةِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يَجُوزُ غَيْرُ وَاحِدَةٍ تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ، وَرَاعَتْ شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مَصْلَحَةَ النَّوْعَيْنِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْحُرِّ بِالْأَرْبَعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ الْأُلْفَةُ وَالْمُؤَانَسَةُ، وَذَلِكَ يَفُوتُ مَعَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ، وَلِأَنَّهُ بِالْقَسْمِ يَغِيبُ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَهِيَ مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ اهـ. وَقَدْ تَتَعَيَّنُ الْوَاحِدَةُ لِلْحُرِّ وَذَلِكَ فِي كُلِّ نِكَاحٍ تَوَقَّفَ عَلَى الْحَاجَةِ كَالسَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ، وَقَالَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تِسْعٍ مَثْنَى بِاثْنَيْنِ.
وَثُلَاثَ بِثَلَاثٍ، وَرُبَاعَ بِأَرْبَعٍ، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ تِسْعٌ.
وَبَعْضٌ مِنْهُمْ قَالَ: تَدُلُّ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَثْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَثُلَاثَ ثَلَاثَةٍ ثَلَاثَةٍ وَرُبَاعَ أَرْبَعَةٍ أَرْبَعَةٍ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ مَا ذُكِرَ.
وَهَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
تَنْبِيهٌ اُسْتُفِيدَ مِنْ تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ بِالْحَرَائِرِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، سَوَاءٌ كُنَّ مَعَ الْحَرَائِرِ أَوْ مُنْفَرِدَاتٍ وَهُوَ كَذَلِكَ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] .

(وَ) يَجُوزُ (لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتْبَةَ نَقَلَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ

[حاشية البجيرمي]

السَّرَارِيِّ، وَقِيلَ: كَانَ لِدَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِائَةُ امْرَأَةٍ.
وَمَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ تِسْعٍ، وَهُنَّ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَصْفِيَّةُ وَمَيْمُونَةُ، هَذَا تَرْتِيبُ تَزْوِيجِهِ إيَّاهُنَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -. وَمَاتَ وَهُنَّ فِي عِصْمَتِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي رَيْحَانَةَ هَلْ كَانَتْ زَوْجَةً أَوْ سُرِّيَّةً وَهَلْ مَاتَتْ قَبْلَهُ أَوْ لَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ عَنْ قَتَادَةَ: «تَزَوَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ وَجَمَعَ بَيْنَ إحْدَى عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ عَنْ تِسْعٍ» . وَسَرَدَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي السِّيرَةِ مَنْ دَخَلَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ خَطَبَهَا وَلَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا ثَلَاثِينَ؛ وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ ... إلَيْهِنَّ تُعْزَى الْمُكْرَمَاتُ وَتُنْسَبُ فَعَائِشَةُ مَيْمُونَةُ وَصْفِيَّةُ ... وَحَفْصَةُ تَتْلُوهُنَّ هِنْدٌ وَزَيْنَبُ جُوَيْرِيَةُ مَعَ رَمْلَةَ ثُمَّ سَوْدَةُ ... ثَلَاثٌ وَسِتٌّ ذِكْرُهُنَّ مُهَذَّبُ قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْغَيْرَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى فَسَادِ الْعِشْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْحُرِّ بِالْأَرْبَعِ إلَخْ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَحِكْمَةُ تَخْصِيصِ الْأَرْبَعِ كَمَا قِيلَ إنَّ غَالِبَ أُمُورِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّثْلِيثِ وَتَرْكِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الطَّهَارَاتِ وَإِمْهَالِ مُدَّةِ الشَّرْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ زِيدَ هُنَا عَلَى الْأَرْبَعِ لَكَانَتْ نَوْبَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ لَا تَعُودُ إلَّا بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ.
وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا مَرَّ.
وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ مُرَاعَاةُ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْإِنْسَانِ الْمُتَوَلِّدِ عَنْهَا أَنْوَاعُ الشَّهْوَةِ.
وَرَدَّ بَعْضُهُمْ هَذِهِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا فِي الرَّقِيقِ مَعَ تَمَامِ الْأَخْلَاطِ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحِكْمَةَ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا.
قَوْلُهُ: (مَثْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ) وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ أَمْرَانِ الْعَدْلُ وَالْوَصْفُ؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُبَاحَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ لَا مَجْمُوعُهَا الَّذِي هُوَ تِسْعَةٌ وَلَا اثْنَانِ مِنْهَا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَدْفُوعٌ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ: أَمْسِكْ إلَخْ.
فَهَذَا الْحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَنْكِحَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً وَلَا يَجْمَعُ، وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ.
وَالْوَاوُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى أَوْ وَالتَّكْرَارُ فِيهَا غَيْرُ مُرَادٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَوْ بِمَنْزِلَةِ وَاوِ النَّسَقِ جَازَ هُنَا أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ بِمَنْزِلَةِ أَوْ.
وَقِيلَ: إنَّ الْوَاوَ أَفَادَتْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ قِسْمًا مِنْ هَذِهِ بِحَسْبِ حَالِهِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى نِكَاحِ اثْنَيْنِ فَاثْنَيْنِ إلَخْ لَا أَنَّهُ يَضُمُّ عَدَدًا.
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] أَيْ أَوْ اقْتَصِرُوا عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.

الْحُرِّ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ بَابِ الْفَضَائِلِ، فَلَمْ يَلْحَقْ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْحُرِّ كَمَا لَمْ يَلْحَقْ الْحُرُّ بِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ.
وَالْمُبَعَّضُ كَالْقِنِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَلَوْ نَكَحَ الْحُرُّ خَمْسًا مَثَلًا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ الْعَبْدُ ثَلَاثًا كَذَلِكَ بَطَلْنَ إذْ لَيْسَ إبْطَالُ نِكَاحِ وَاحِدَةٍ بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَبَطَلَ الْجَمِيعُ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ أَوْ مُرَتِّبًا فَالْخَامِسَةُ لِلْحُرِّ وَالثَّالِثَةُ لِلْعَبْدِ يَبْطُلُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ حَصَلَ بِهَا.

(وَلَا يَنْكِحُ الْحُرُّ أَمَةً) لِغَيْرِهِ (إلَّا بِشَرْطَيْنِ) بَلْ بِثَلَاثَةٍ وَإِنْ عَمَّ الثَّالِثُ الْحُرَّ وَغَيْرَهُ.
وَاخْتَصَّ بِالْمُسْلِمِ أَوَّلُ الثَّلَاثَةِ (عَدَمُ) قُدْرَتِهِ عَلَى (صَدَاقِ الْحُرَّةِ) وَلَوْ كِتَابِيَّةً تَصْلُحُ تِلْكَ الْحُرَّةُ لِلِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، أَوْ قَدَرَ عَلَى صَدَاقِهَا وَلَمْ يَجِدْهَا، أَوْ وَجَدَهَا وَلَمْ تَرْضَ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتْبَةَ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَمُوَحَّدَةٍ تَحْتِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بَطَلْنَ) أَيْ الْخَمْسُ أَيْ بَطَلَ عَقْدُهُنَّ، إذْ لَا مَعْنَى لِبُطْلَانِ الذَّوَاتِ إلَّا إنْ كَانَ فِيهِنَّ نَحْوُ مَجُوسِيَّةٍ مِمَّنْ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا فَيَخْتَصُّ بِهَا الْبُطْلَانُ، أَوْ كَانَ فِيهِنَّ نَحْوُ أُخْتَيْنِ فَيَخْتَصُّ الْبُطْلَانُ بِهِمَا ق ل. وَقَوْلُهُ: " أَوْ كَانَ فِيهِنَّ " أَيْ الْخَمْسِ، وَمِثْلُهُنَّ السِّتُّ فِي الْحُرِّ أَوْ الثَّلَاثُ أَوْ الْأَرْبَعُ فِي الْعَبْدِ، بِخِلَافِهِمَا فِي سَبْعٍ فِي الْحُرِّ أَوْ خَمْسٍ فِي الْعَبْدِ فَهُوَ بَاطِلٌ فِي الْجَمْعِ سم مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْكِحُ الْحُرُّ) أَيْ كَامِلُ الْحُرِّيَّةِ وَلَوْ عِنِّينًا وَمَجْنُونًا بِالنُّونِ وَعَقِيمًا آيِسًا مِنْ الْوَلَدِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ بِمَنْ فِيهَا رِقٌّ، وَمِثْلُهَا الْمُوصِي يَحْمِلُهَا أَبَدًا إذَا أَعْتَقَهَا الْوَارِثُ.
وَعِبَارَةُ سم: اُنْظُرْ هَلْ يَصِحُّ تَزْوِيجُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنْ الْمُوصَى لَهُ بِأَوْلَادِهَا؛ لِأَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ بِمِلْكِ أَبِيهِمْ لَهُمْ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُمْ يَنْعَقِدُونَ أَرِقَّاءَ ثُمَّ يُعْتَقُونَ فَفِي هَذَا النِّكَاحِ إرْقَاقُ أَوْلَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ؟ الْمُتَّجَهُ الثَّانِي اهـ رَحْمَانِيٌّ.
وَيُلْغَزُ بِهَا، فَيُقَالُ: لَنَا حُرَّةٌ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِشُرُوطِ الْأَمَةِ وَيُقَالُ فِي أَوْلَادِهَا أَرِقَّاءُ بَيْنَ حُرَّيْنِ اهـ كَمَا فِي زي.
قَوْلُهُ: (أَمَةً) وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً أَوْ مُبَعَّضَةً، وَلَوْ قَالَ مَنْ بِهَا رِقٌّ لَكَانَ أَوْلَى.
وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نِكَاحُ الْحُرِّ الْأَمَةَ إلَّا بِالشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إرْقَاقَ الْوَلَدِ وَهُوَ مَحْذُورٌ شَرْعًا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ حِلُّ نِكَاحِهَا إذَا انْتَفَى ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ عَقِيمَةً أَوْ هُوَ عَقِيمٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ عَمَّ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ الْمُجْتَهِدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّقِيقَ الْمُسْلِمَ يُشْتَرَطُ لَهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ إسْلَامُهَا، وَالرَّقِيقُ الْكَافِرُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ شَيْءٌ، وَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ يُشْتَرَطُ لَهُ الثَّلَاثَةُ، وَالْحُرُّ الْكَافِرُ يُشْتَرَطُ لَهُ الْأَوَّلَانِ.
قَوْلُهُ: (لِغَيْرِهِ) إنَّمَا قُيِّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَمَةَ نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا مَعَ بَقَاءِ الرِّقِّ وُجِدَتْ الشُّرُوطُ أَوْ لَا، أَيْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا وَإِنْ قَلَّ وَلَوْ مُسْتَوْلَدَةً وَمُكَاتَبَةً فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لِتَعَاطِيهِ عَقْدًا فَاسِدًا؛؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا جَائِزٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى، بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ فَهِيَ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى؛ وَلِذَلِكَ لَوْ وَطِئَ أَمَةً بِالْمِلْكِ ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَيْ الْحُرَّةَ حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ دُونَ الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: (بَلْ بِثَلَاثَةٍ) بَلْ بِأَكْثَرَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ.
قَوْلُهُ آخِرَ السِّوَادَةِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (عَدَمُ قُدْرَتِهِ إلَخْ) فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِسَبَبِ وُجُوبِ الْإِعْفَافِ عَلَى فَرْعِهِ امْتَنَعَتْ الْأَمَةُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ إرْقَاقِ وَلَدِهِ أَوْ بَعْضِهِ؛ سم.
فَالْمُرَادُ قَدَرَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ مُوسِرٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعْفَافُهُ وَقَوْلُهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْ إرْقَاقِ الْوَلَدِ، أَيْ إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، وَقَوْلُهُ: " أَوْ بَعْضِهِ " إنْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً.
قَوْلُهُ: (عَلَى صَدَاقِ الْحُرَّةِ) وَالْمُرَادُ بِهِ مَا تَرْضَى بِهِ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا فَأَقَلَّ فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنِهِ وَخَادِمِهِ وَلِبَاسِهِ وَمَرْكُوبِهِ وَنَحْوِهَا سم، أَيْ فَاضِلًا عَمَّا تَحْتَاجُهُ فِي الْفِطْرَةِ عِنْدَهُ أَوْ عِنْدَ فَرْعِهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ إعْفَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ لَا بِنَحْوِ هِبَةٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ هِبَةِ مَهْرٍ أَوْ أَمَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ كَمَا فِي ح ل. قَوْلُهُ: (تَصْلُحُ إلَخْ) هَلْ الْمُرَادُ صَلَاحِيَتُهَا بِاعْتِبَارِ مَيْلِ طَبْعِهِ أَوْ الرُّجُوعُ لِلْعُرْفِ الثَّانِي أَرْجَحُ.
اهـ. م ر. قَالَ ح ل: وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَعِفُّ سَائِرَ النَّاسِ وَلَا تُعِفُّهُ وَخَشِيَ الزِّنَا لَا يُزَوَّجُ الْأَمَةَ.
وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ يُقَالُ: لَا بُعْدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَكْذِبُ حِينَئِذٍ فِي دَعْوَاهُ خَوْفَ الزِّنَا؛ لِأَنَّ مَعَ وُجُودِ مَنْ ذُكِرَ لَا يَخَافُ الزِّنَا اهـ. قَوْلُهُ: (أَوْ قَدَرَ عَلَى صَدَاقِهَا إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَتْنِ، وَهُوَ.
قَوْلُهُ: " عَدَمُ قُدْرَتِهِ " وَالتَّقْدِيرُ عَدَمُ قُدْرَتِهِ أَوْ قُدْرَتُهُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ وَجَدَهَا " عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَمْ يَجِدْهَا ". وَقَوْلُهُ: " أَوْ لَمْ تَرْضَ بِهِ " عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَمْ تَرْضَ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا) أَيْ وَإِنْ قُلْت وَقَدَرَ عَلَيْهَا سم وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَجِبُ شِرَاءُ مَاءِ الطُّهْرِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ اهـ. قَالَ ح ل: قَيَّدَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ بِمَا إذَا كَانَ الزَّائِدُ قَدْرًا يُعَدُّ بَذْلُهُ إسْرَافًا وَإِلَّا حَرُمَتْ الْأَمَةُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَاءِ الطُّهْرِ بِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَاءِ تَتَكَرَّرُ، وَجَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي تَنْقِيحِهِ

مِثْلِهَا، أَوْ لَمْ تَرْضَ بِنِكَاحِهِ لِقُصُورِ نَسَبِهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ تَحْتَهُ مَنْ لَا تَصْلُحُ لِلِاسْتِمْتَاعِ كَصَغِيرَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ، أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ أَوْ هَرِمَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ عَنْ بَلَدِهِ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ إنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي قَصْدِهَا.
وَضَبَطَ الْإِمَامُ الْمَشَقَّةَ بِأَنْ يُنْسَبَ مُحْتَمِلُهَا فِي طَلَبِ الزَّوْجَةِ إلَى الْإِسْرَافِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، أَوْ خَافَ زِنًا مُدَّةَ قَصْدِ الْحُرَّةِ وَإِلَّا فَلَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ.
وَيَجِبُ السَّفَرُ لِلْحُرَّةِ لَكِنَّ مَحَلَّهُ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ إذَا أَمْكَنَ انْتِقَالُهَا مَعَهُ إلَى وَطَنِهِ وَإِلَّا فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ الْمَقَامَ مَعَهَا هُنَاكَ مِنْ التَّغَرُّبِ وَالرُّخَصُ لَا تَحْتَمِلُ هَذَا التَّضْيِيقَ.
وَلَا يَمْنَعُ مَالُهُ الْغَائِبُ نِكَاحَ الْأَمَةِ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ بِبَيْعِ مَسْكَنِهِ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ، وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً تَرْضَى بِمُؤَجَّلٍ وَلَمْ يَجِدْ الْمَهْرَ، أَوْ تَرْضَى بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَهُوَ وَاجِدُهُ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ تَصِيرُ مَشْغُولَةً فِي الْحَالِ وَقَدْ لَا يَجِدُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ دُونَ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى نِكَاحِ حُرَّةٍ، وَالْمِنَّةُ فِي ذَلِكَ قَلِيلَةٌ إذْ الْعَادَةُ الْمُسَامَحَةُ فِي الْمُهُورِ.
وَلَوْ رَضِيَتْ حُرَّةٌ بِلَا مَهْرٍ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ أَيْضًا لِوُجُوبِ مَهْرِهَا بِالْوَطْءِ.
(وَ) ثَانِي الشُّرُوطِ (خَوْفُ الْعَنَتِ) وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الزِّنَا بِأَنْ تَغْلِبَ شَهْوَتُهُ وَتَضْعُفَ تَقْوَاهُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ

[حاشية البجيرمي]

وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ. وَفِي ع ش مَا يُوَافِقُ الْأَوَّلَ فَحُرِّرَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) كَدَنَاءَةِ حِرْفَتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ تَحْتَهُ مَنْ لَا تَصْلُحُ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى جَعْلَهُ غَايَةً، أَيْ تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْحُرَّةِ وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَصَغِيرَةٍ إلَخْ) وَهَلْ الْمُتَحَيِّرَةُ كَاَلَّتِي تَصْلُحُ أَوْ لَا؟ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: نَعَمْ، وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: إنْ كَانَتْ نَفْسُهُ تَعَافُهَا فَهِيَ كَالْعَدَمِ وَإِلَّا فَكَالَّتِي تَصْلُحُ، وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ م ر أَنَّهَا تَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ مَا لَمْ يَخَفْ الزِّنَا زَمَنَ تَوَقُّعِ الشِّفَاءِ، وَعِبَارَتُهُ: وَالْمُتَحَيِّرَةُ صَالِحَةٌ فَتَمْنَعُ الْأَمَةَ لِتَوَقُّعِ شِفَائِهَا، وَمَحَلُّهُ إنْ أَمِنَ الْعَنَتَ زَمَنَ تَوَقُّعِ الشِّفَاءِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَأْمَنْ فَلَا تَمْنَعُهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ ابْتِدَاءً نِكَاحُهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً نَظَرًا لِلْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ اهـ. وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا ذَكَرَهُ ح ل بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا الْآنَ غَيْرُ صَالِحَةٍ وَتَوَقُّعُ شِفَائِهَا لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ ضَعِيفٌ فَاحْذَرْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا تَحْتَمِلُ الْوَطْءَ) أَيْ وَطْأَهُ، وَإِنْ احْتَمَلَتْهُ مِنْ غَيْرِهِ اهـ س ل. قَوْلُهُ: (أَوْ هَرَمَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ أَوْ كَانَتْ زَانِيَةً كَمَا أَفْتَى بِهِ جَمَاعَةٌ فَيَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ أَوْ مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مِنْهُ فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَا بُدَّ مِنْ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، إنْ كَانَتْ بَائِنًا فَلَا يُشْتَرَطُ انْقِضَاؤُهَا كَمَا فِي ح ل. قَوْلُهُ: (فَلَوْ قَدَرَ عَلَى حُرَّةٍ غَائِبَةٍ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُرَّةِ الْحَاضِرَةِ، أَمَّا الْغَائِبَةُ فَمَا حُكْمُهَا؟ فَقَالَ: فَلَوْ قَدَرَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُنْسَبَ.
. . إلَخْ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غُرْمُ مَالٍ.
وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِسْرَافِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ لَوْمٌ وَتَعَيُّرٌ مِنْ النَّاسِ بِقَصْدِهَا ق ل. فَقَوْلُهُ: " وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ " أَيْ الْعَادَةُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَمْ يَخَفْ الزِّنَا مُدَّةَ السَّفَرِ فَلَا تَحِلُّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَمْكَنَ انْتِقَالُهَا مَعَهُ) أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ السَّفَرُ، فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ كَمَا قَالَهُ الْمَدَابِغِيُّ؛ لَكِنْ الْأَوَّلَانِ أَحَدُهُمَا يَكْفِي فَهُوَ شَرْطٌ مُرَدَّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالرُّخَصُ) أَيْ الَّتِي مِنْهَا نِكَاحُ الْأَمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ مَالُهُ الْغَائِبُ) وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ لَا يَجِدُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ) أَمَّا إذَا عُلِمَ قُدِّرَتْ عِنْدَ الْمَحَلِّ فَلَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي التَّيَمُّمِ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَكَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ عِنْدَ حُلُولِهِ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ، وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ تَحْرِيمِ الْأَمَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِي الزَّوْجَةِ كُلْفَةً أُخْرَى وَهِيَ النَّفَقَةُ وَالْكُسْوَةُ فَإِنَّهُمَا يَجِبَانِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ عَرْضِهَا عَلَيْهِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمَاءِ اهـ زي.
قَوْلُهُ: (لِوُجُوبِ مَهْرِهَا بِالْوَطْءِ) وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهَا قَدْ تُنْذَرُ لَهُ بِإِسْقَاطِهِ إنْ وَطِئَ لِلْمِنَّةِ الَّتِي لَا تُحْتَمَلُ حِينَئِذٍ اهـ م ر. اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْوُقُوعُ) فِيهِ أَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْعَنَتَ اسْمٌ لِلزِّنَا لَا الْوُقُوعِ فِيهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ الْوُقُوعُ إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ فِي الْمَتْنِ، أَيْ خَوْفَ وُقُوعِ الزِّنَا؛ وَلَيْسَ مُرَادُهُ تَفْسِيرَ الْعَنَتِ بِالْوُقُوعِ الْمَذْكُورِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَتَسْمِيَةُ الزِّنَا بِالْعَنَتِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا سَبَبٌ وَالْمُسَبَّبَ الْمَشَقَّةُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَغْلِبَ شَهْوَتُهُ) وَلَوْ عِنِّينًا وَخَصِيًّا.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّ الْعِنِّينَ كَالْمَمْسُوحِ لَا يَخْشَى الْعَنَتَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِوُجُودِ آلَةِ الزِّنَا فِيهِ كَالْخَصِيِّ بِخِلَافِ

وُقُوعُ الزِّنَا بَلْ تَوَقُّعُهُ لَا عَلَى نُدُورٍ، فَمَنْ ضَعُفَتْ شَهْوَتُهُ وَلَهُ تَقْوَى أَوْ مُرُوءَةٌ وَحَيَاءٌ يُسْتَقْبَحُ مَعَهُ الزِّنَا، أَوْ قَوِيَتْ شَهْوَتُهُ وَتَقْوَاهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الزِّنَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرِقَّ وَلَدَهُ لِقَضَاءِ وَطَرٍ أَوْ كَسْرِ شَهْوَةٍ.
وَأَصْلُ الْعَنَتِ الْمَشَقَّةُ، سُمِّيَ بِهِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا بِالْحَدِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] وَالطَّوْلُ السَّعَةُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُحْصَنَاتِ الْحَرَائِرُ.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَبِالْعَنَتِ عُمُومِهِ لَا خُصُوصِهِ حَتَّى لَوْ خَافَ الْعَنَتَ مِنْ أَمَةٍ بِعَيْنِهَا لِقُوَّةِ مَيْلِهِ إلَيْهَا وَحُبِّهِ لَهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلطَّوْلِ؛ لِأَنَّ الْعِشْقَ لَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهِ هُنَا؛ لِأَنَّ هَذَا تَهْيِيجٌ مِنْ الْبَطَالَةِ وَإِطَالَةِ الْفِكْرِ، وَكَمْ مِنْ إنْسَانٍ اُبْتُلِيَ بِهِ وَسَلَاهُ اهـ. وَالْوَجْهُ تَرْكُ التَّقْيِيدِ بِوُجُودِ الطَّوْلِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي جَوَازَ نِكَاحِهَا عِنْدَ فَقْدِ الطَّوْلِ فَيَفُوتُ اعْتِبَارُ عُمُومِ الْعَنَتِ مَعَ أَنَّ وُجُودَ الطَّوْلِ كَافٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ نِكَاحِهَا، وَبِهَذَا الشَّرْطِ عُلِمَ أَنَّ الْحُرَّ لَا يَنْكِحُ أَمَتَيْنِ، وَأَنَّ الْمَمْسُوحَ وَالْمَجْبُوبَ ذَكَرُهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ

[حاشية البجيرمي]

الْمَجْبُوبِ وَالْمَمْسُوحِ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ) غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِالْحَدِّ فِي الدُّنْيَا) أَيْ إنْ حُدَّ وَالْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ إنْ لَمْ يُحَدَّ؛ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
فَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَيَصِحُّ بَقَاؤُهَا عَلَى بَابِهَا، وَيُرَادُ بِالْعُقُوبَةِ عُقُوبَةُ الْإِقْدَامِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْحَدِّ بَلْ بِالتَّوْبَةِ أَوْ مَحْضِ عَفْوِ اللَّهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: لِأَنَّهُ سَبَبُهَا بِالْحَدِّ أَوْ الْعَذَابِ اهـ. فَعَبَّرَ بِ " أَوْ " بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ فِي الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَمَنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَذَّبُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَالْعُقُوبَةِ فِي الْآخِرَةِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَرَاءَ الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عُقُوبَاتٌ أُخْرَوِيَّةُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: ظَوَاهِرُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي سُقُوطَ الْمُطَالَبَةِ فِي الْآخِرَةِ إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا.
وَجَمَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّافِعِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقَدْ سُئِلَ النَّوَوِيُّ عَمَّنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً فَأُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ فِي الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: ظَاهِرُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ تَابَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي الدُّنْيَا سَقَطَ عَنْهُ عِقَابُ الْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ عُوقِبَ، وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ اهـ. فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ عُقُوبَةُ الْآخِرَةِ إلَّا إذَا وُجِدَ الْحَدُّ وَالتَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبِ الْإِقْدَامِ أَوْ التَّوْبَةُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الذَّنْبِ حَدٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الشَّرْطَيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] غِنًى.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25] فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ صِفَةٍ لِطَوْلًا، أَيْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ غِنًى يَبْلُغُ بِهِ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ يَعْنِي الْحَرَائِرَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] الْآيَةَ اهـ بَيْضَاوِيٌّ بِاخْتِصَارٍ.
وَقَوْلُهُ " نِكَاحَ " مَأْخُوذٌ مِنْ أَنْ وَالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ.
قَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنَاتِ) جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، بَلْ لَوْ وَجَدَ حُرَّةً كِتَابِيَّةً امْتَنَعَ عَلَيْهِ التَّزْوِيجُ بِالْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ اهـ م د. قَوْلُهُ: (وَبِالْعَنَتِ عُمُومُهُ) أَيْ وَالْمُرَادُ بِالْعَنَتِ، أَيْ الَّذِي فِي الْآيَةِ.
وَلَوْ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالزِّنَا إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى لِيَكُونَ تَفْسِيرًا لِكَلَامِهِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا آثَرَ مَا فِي الْآيَةِ لِقُرْبِهِ وَشَرَفِهِ فَكَانَ بِالتَّفْسِيرِ أَحْرَى وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ تَفْسِيرُ مَا فِي كَلَامِهِ؛ وَلَعَلَّ هَذَا مَلْحَظُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (عُمُومُهُ) بِأَنْ خَافَ الزِّنَا بِأَيِّ امْرَأَةٍ كَانَتْ.
وَعِبَارَةُ ح ل: لَيْسَ الْمُرَادُ عُمُومَهُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ حَتَّى الرَّدِيئَةِ وَنَحْوِهَا، بَلْ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِوَاحِدَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ تَحْتَهُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلتَّمَتُّعِ يَخْشَى الْعَنَتَ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَجْهُ تَرْكُ التَّقْيِيدِ) أَيْ بِقَوْلِهِ أَيْ الرُّويَانِيِّ إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلطَّوْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ ق ل. قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّ وُجُودَ الطَّوْلِ) أَيْ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ عُمُومِ الْعَنَتِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا الشَّرْطِ) أَيْ خَوْفِ الْعَنَتِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَنْكِحُ أَمَتَيْنِ) أَيْ صَالِحَتَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ، خِلَافًا لِلْحَلَبِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا غَيْرَ صَالِحَةٍ اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا يَنْكِحُ أَمَتَيْنِ أَيْ فِي عَقْدٍ مُطْلَقًا أَوْ فِي عَقْدَيْنِ سَوَاءٌ انْتَفَتْ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَلَّ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ تَنْدَفِعُ بِوَاحِدَةٍ إلَّا فِي غَائِبَةٍ مَثَلًا فَلَهُ التَّزَوُّجُ وَلَوْ بِأَرْبَعِ

الزِّنَا.
وَلَوْ وَجَدَتْ الْأَمَةُ زَوْجَهَا مَجْبُوبًا وَأَرَادَتْ إبْطَالَ النِّكَاحِ وَادَّعَى الزَّوْجُ حُدُوثَ الْجَبِّ بَعْدَ النِّكَاحِ وَأَمْكَنَ حُكِمَ بِصِحَّةِ نِكَاحِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حُدُوثُهُ بِأَنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مُنْدَمِلًا وَقَدْ عُقِدَ النِّكَاحُ أَمْسِ حُكِمَ بِبُطْلَانِ النِّكَاحِ.
وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ إسْلَامُهَا لِمُسْلِمٍ حُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ فَلَا تَحِلُّ لَهُ كِتَابِيَّةٌ أَمَّا الْحُرُّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] وَأَمَّا غَيْرُ الْحُرِّ فَلِأَنَّ الْمَانِعَ نِكَاحَهَا كُفْرُهَا، فَسَاوَى الْحُرَّ كَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَمَنْ

[حاشية البجيرمي]

مِنْ الْإِمَاءِ كَأَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ فَتَزَوَّجَ أَمَةً بِمِصْرٍ ثُمَّ خَلَّفَهَا فِيهَا وَذَهَبَ إلَى الْحِجَازِ فَخَافَ الْعَنَتَ وَلَحِقَهُ مَشَقَّةٌ فِي الذَّهَابِ إلَى زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ فَتَزَوَّجَ بِأَمَةٍ أُخْرَى وَخَلَّفَهَا فِيهِ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى الْيَمَنِ وَهَكَذَا إلَى أَرْبَعٍ، وَلَهُ جَمْعُهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ؛؛ لِأَنَّ طُرُوُّ الْيَسَارِ لَا يَضُرُّ وَإِنْ أَمِنَ الزِّنَا وَقَدَرَ عَلَى الْحُرَّةِ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ الْمَمْسُوحَ إلَخْ) خَرَجَ بِهِمَا الْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ فَلَهُمَا نِكَاحُ الْأَمَةِ بِشَرْطِهِ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمَجْبُوبِ الذَّكَرِ مُطْلَقًا إذْ لَا يُخْشَى الزِّنَا، وَمِثْلُهُ الْعِنِّينُ وَحُلَّ لِلْمَمْسُوحِ.
وَقَوْلُهُ " مُطْلَقًا " سَوَاءٌ وُجِدَتْ بَقِيَّةُ الشُّرُوطِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَأَرَادَتْ إبْطَالَ النِّكَاحِ) أَيْ بِدَعْوَاهَا أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ مَجْبُوبٌ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْعَنَتَ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ فَحْلٌ وَأَنَّ هَذَا الْجَبَّ عَارِضٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يَدُلَّ الْحَالُ عَلَى كَذِبِهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
فَائِدَةٌ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: خُصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا مُقَيَّدٌ بِخَوْفِ الْعَنَتِ وَهُوَ مَعْصُومٌ وَبِفِقْدَانِ مَهْرِ الْحُرَّةِ وَنِكَاحُهُ غِنًى عَنْ الْمَهْرِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَبِرِقِّ الْوَلَدِ وَمَنْصِبُهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وَلَوْ قُدِّرَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ كَانَ وَلَدُهُ مِنْهَا حُرًّا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ قُلْنَا بِجَرَيَانِ الرِّقِّ عَلَى الْعَرَبِ.
وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي بِخِلَافِ وَلَدِهِ الْمَغْرُورِ بَحْرِيَّة أَمَةٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّهُ ثَمَّ فَاتَ الرِّقُّ بِظَنِّهِ، وَهُنَا الرِّقُّ مُتَعَذِّرٌ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ خَوْفُ الْعَنَتِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ لِعِصْمَتِهِ وَلَا فَقْدُ الطَّوْلِ.
وَلَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَمَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ أُمَّتِهِ، فَإِنَّ جَوَازَ تَزْوِيجِهِمْ بِالْأُمَّةِ خَوْفُ الْعَنَتِ.
وَفِقْدَانُ الطَّوْلِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى وَاحِدَةٍ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ: وَلَوْ قُدِّرَ نِكَاحُ غَرُورٍ فِي حَقِّهِ لَمْ تَلْزَمْهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ لَا يَنْعَقِدُ رَقِيقًا، فَمَعَ الْجَهْلِ بِهِ أَوْلَى.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ: وَفِي تَصَوُّرِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ نَظَرٌ إذَا قُلْنَا إنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ حَرَامٌ مَعَ كَوْنِهِ لَا إثْمَ فِيهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُصَانَ جَانِبُهُ عَنْهُ وَأَنْ يُقَالَ بِجَوَازِهِ لِفَقْدِ الْإِثْمِ.
وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ: لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ قَطُّ اضْطِرَارٌ إلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ، بَلْ لَوْ أَعْجَبَتْهُ أَمَةٌ وَجَبَ عَلَى مَالِكِهَا بَذْلُهَا إلَيْهِ هِبَةً قِيَاسًا عَلَى الطَّعَامِ، أَيْ عَلَى وُجُوبِ بَذْلِهِ.
وَكَانَ إذَا خَطَبَ امْرَأَةً فَرُدَّ لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا أَيْ إلَى خِطْبَتِهَا، وَهَذَا مِنْ شَرَفِ النَّفْسِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «كَانَ إذَا خَطَبَ فَرُدَّ لَمْ يَعُدْ فَخَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَتْ حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أَبِي فَاسْتَأْمَرَتْهُ: فَأَذِنَ فَلَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ لَهُ فَقَالَ: قَدْ الْتَحَفْنَا لِحَافًا غَيْرَك» . فَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: فَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ وَالْكَرَاهَةَ قِيَاسًا عَلَى إمْسَاكِ كَارِهَتِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ ثُمَّ إنَّ هَذَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ بِوَجْهٍ فَإِثْبَاتُهَا بِهِ مِنْ قَبِيلِ الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَلَعَلَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ مَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا كَمَا هُوَ عَادَتُهُ، وَلِكَوْنِهِ يَكُونُ تَقْيِيدًا لِكَلَامِ الْمَتْنِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (إسْلَامُهَا) أَيْ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِكَافِرٍ فَلَا يُؤَثِّرُ كُفْرُ سَيِّدِهَا لِحُصُولِ صِفَةِ الْإِسْلَامِ فِيهَا.
وَاسْتَشْكَلَ تَصْوِيرُهَا.
وَيُجَابُ بِتَصْوِيرِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ أَوْ الْمُدَبَّرَةِ فَإِنَّهَا تَقِرُّ فِي يَدِ الْكَافِرِ وَفِي مُكَاتَبَةٍ أَسْلَمَتْ اهـ م ر. قَوْلُهُ: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ كِتَابِيَّةٌ) أَيْ أَمَةٌ، أَيْ بِخِلَافِ التَّسَرِّي فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ بِأَنَّ الْوَلَدَ رَقِيقٌ فِي النِّكَاحِ وَحُرٌّ فِي التَّسَرِّي لِكَوْنِهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهَا نُقْصَانٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَثَّرَ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ وَهُمَا الْكُفْرُ وَالرِّقُّ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُهَا كَالْحُرَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ لِاجْتِمَاعِ نَقْصِ الْكُفْرِ وَعَدَمِ الْكِتَابِ.

بَعْضُهَا رَقِيقٌ وَبَاقِيهَا حُرٌّ حُكْمُهَا كَرَقِيقٍ كُلِّهَا فَلَا يَنْكِحُهَا الْحُرُّ إلَّا بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ مَحْذُورٌ.
وَفِي جَوَازِ نِكَاحِ أَمَةٍ مَعَ تَيَسُّرِ مُبَعَّضَةٍ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ بَعْضِ الْوَلَدِ أَهْوَنُ مِنْ إرْقَاقِ كُلِّهِ، وَعَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ اقْتَصَرَ الشَّيْخَانِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ الْمُرَجَّحُ.
أَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ مِنْ حُرٍّ وَغَيْرِهِ كَكِتَابِيَّيْنِ فَتَحِلُّ لَهُ أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدِّينِ؛ وَلَا بُدَّ فِي نِكَاحِ الْحُرِّ الْكِتَابِيِّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ مِنْ أَنْ يَخَافَ الزِّنَا وَيَفْقِدَ الْحُرَّةَ كَمَا فَهِمَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْحُرِّ مُطْلَقًا نِكَاحُ أَمَةِ وَلَدِهِ وَلَا أَمَةِ مُكَاتَبَةٍ وَلَا أَمَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَيْهِ وَلَا مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا

(وَنَظَرُ الرَّجُلِ)

[حاشية البجيرمي]

وَعِبَارَةُ ح ل: قَوْلُهُ ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 25] إلَخْ أَيْ فَانْكِحُوا مِمَّا مَلَكَتْ، فَالْكَلَامُ فِيمَنْ يَمْلِكُ وَهُمْ الْأَحْرَارُ؛ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي حُرِّيَّةَ النَّاكِحِ بَلْ حُرِّيَّةَ الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُرْتَدَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ) أَيْ كَمَا حُرِّمَتَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْحُرِّ وَالرَّقِيقِ.
قَوْلُهُ: (كَرَقِيقٍ كُلِّهَا) بِالْإِضَافَةِ.
قَوْلُهُ: (مَحْذُورٌ) أَيْ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ: (تَرَدُّدٌ) وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ إرْقَاقَ إلَخْ، فَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: وَعَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ إلَخْ.
وَلَوْ وَجَدَ أَمَةَ الْأَصْلِ وَغَيْرَ أَمَتِهِ تَعَيَّنَتْ أَمَةُ الْأَصْلِ لِلتَّزَوُّجِ إذْ إرْقَاقُ الْوَلَدِ لَا يَدُومُ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا فِي س ل. قَوْلُهُ: (وَعَلَى تَعْلِيلِ الْمَنْعِ) أَيْ مَنْعِ كَامِلَةِ الرِّقِّ مَعَ تَيَسُّرِ مُبَعَّضَةٍ، اقْتَصَرَ الشَّيْخَانِ، وَاقْتِصَارُهُمَا عَلَيْهِ مُشْعِرٌ بِتَرْجِيحِ الْمُعَلَّلِ بِهِ وَتُقَدَّمُ قَلِيلَةُ الرِّقِّ عَلَى كَثِيرَتِهِ وَمَنْ عُلِّقَ حُرِّيَّةُ أَوْلَادِهَا عَلَى غَيْرِهَا ق ل. وَالْقُدْرَةُ عَلَى أَمَةٍ أَصْلُهُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ نِكَاحِ أَمَةِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَوْلَادُهُ يُعْتَقُونَ عَلَى أَصْلِهِ، وَنَظَرَ فِيهِ حَجّ بِأَنَّ بَقَاءَ مِلْكِ الْأَصْلِ إلَى الْعُلُوقِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ وَدَلَالَةُ الِاسْتِصْحَابِ هُنَا ضَعِيفَةٌ وَفِي حَجّ أَنَّ أَوْلَادَهُ يَنْعَقِدُونَ أَحْرَارًا.
وَفِي شَرْحِ م ر مَا يُوَافِقُهُ.
وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى نِكَاحِ أَمَةِ أَصْلِهِ تَمْنَعُ صِحَّةَ نِكَاحِ أَمَةِ غَيْرِهِ، فَقِيَاسُهُ أَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى نِكَاحِ مَنْ عَلَّقَ سَيِّدُهَا حُرِّيَّةَ أَوْلَادِهَا عَلَى وِلَادَتِهِمْ تَمْنَعُ صِحَّةَ نِكَاحِ أَمَةٍ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ اهـ حَلَبِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ عَزْوُهُ لِلسُّبْكِيِّ وَإِلَّا فَقَدْ عُلِمَ هَذَا مِنْ أَوَّلِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ عَامٌّ لِلْكِتَابِيِّ، وَمِثْلُ الْكِتَابِيِّ الْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ فِي حِلِّ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ لَهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطَيْنِ أَيْضًا إذَا حَكَمْنَا بِحِلِّ نِكَاحِ الْمَجُوسِيِّ لِلْمَجُوسِيَّةِ اهـ س ل وم ر. قَوْلُهُ: (وَبِفَقْدِ الْحُرَّةِ) بِكَسْرِ الْقَافِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف: 71] ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 72] . قَوْلُهُ: (كَمَا فَهِمَهُ السُّبْكِيُّ) أَيْ مِنْ كَلَامِهِمْ أَيْ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا وَإِلَّا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ اهـ حَجّ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ خَافَ زِنًا أَمْ لَا فَقَدَ الْحُرَّةَ أَمْ لَا.
وَقَوْلُهُ " نِكَاحُ أَمَةِ وَلَدِهِ " أَيْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعْفَافُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعْفَافُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّمْسِ الرَّمْلِيِّ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا ابْتِدَاءً، فَلَوْ مَلَكَ الْوَلَدُ زَوْجَةَ أَبِيهِ لَا يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ اغْتَفَرُوا فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ " وَاعْلَمْ إلَخْ " إشَارَةٌ إلَى شُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ فِي جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ زِيَادَةً عَلَى الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ أَنْ لَا تَكُونَ أَمَةَ فَرْعِهِ وَلَا أَمَةَ مُكَاتَبِهِ وَلَا مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَلَا مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا دَائِمًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَمَةِ مُكَاتَبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، فَالْمَمْلُوكُ لَهُ كَالْمَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَالشَّخْصُ لَا يَنْكِحُ أَمَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَمَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَيْهِ) وَلَا مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ كَالْمَمْلُوكَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا كَمَا لَا يَنْكِحُ مَمْلُوكَتَهُ.
وَانْظُرْ هَلْ عَدَمُ حِلِّهَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا أَوْ ابْتِدَاءً فَقَطْ؟ اسْتَقْرَبَ ع ش الْأَوَّلَ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ " أَوْ مُوصًى لَهُ بِخِدْمَتِهَا " أَيْ عَلَى التَّأْبِيدِ لِجَرَيَانِ قَوْلِ إنَّهُ يَمْلِكُهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ غَايَتَهَا أَنَّهَا كَالْمُسْتَأْجَرَةِ لَهُ فَالْوَجْهُ حِلُّ تَزَوُّجِهِ بِهَا إذَا رَضِيَ الْوَارِثُ.

قَوْلُهُ: (وَنَظَرُ الرَّجُلِ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا، فَشَمِلَ الْخُنْثَى كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (الْفَحْلِ) أَيْ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ الْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ فَإِنَّهُمَا نَحْوُ الْفَحْلِ لَا مِنْ الْفَحْلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَنْهَجِ؛ وَحِينَئِذٍ فَمَفْهُومُ الْفَحْلِ فِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كَانَ غَيْرُ الْفَحْلِ مَمْسُوحًا فَيَجُوزُ نَظَرُهُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ كَالْمَحْرَمِ، وَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا أَوْ خَصِيًّا حَرُمَ.
وَقَالَ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل