فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
[حاشية البجيرمي]
لَا يَحْرُمُ وَإِنْ مَسَّهُ بِفَمِهِ عَلَى نِزَاعٍ فِيهِ اج.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَزَادَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ قِرْبَةٌ يُزَادُ فِيهَا مِنْ جِلْدِ غَيْرِهَا وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّطِيحَةَ، وَالْمُرَادُ بِهَا الظَّرْفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ كَالرَّاوِيَةِ، وَالْجَمْعُ الْمَزَاوِدُ مِنْ الزِّيَادَةِ، فَالْمِيمُ زَائِدَةٌ قِيلَ سُمِّيَتْ مَزَادَةً لِأَنَّهُ يُسْتَزَادُ فِيهَا الْمَاءُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَفِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهَا وَالْغَالِبَ نَجَاسَتُهَا.
قَوْلُهُ: (أَشَدُّ) أَيْ كَرَاهَتُهُ أَشَدُّ.
قَوْلُهُ: (أَخَفُّ) أَيْ لِعَدَمِ احْتِوَائِهَا عَلَى الْجِلْدِ بِخِلَافِ الْمَلْبُوسِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَصَّابِينَ) أَيْ الْجَزَّارِينَ مِنْ الْقَصْبِ وَهُوَ الْقَطْعُ.
وَقَوْلُهُ: الَّذِينَ صِفَةٌ لِلِاثْنَيْنِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ) أَيْ تَرْجِيحًا لِلْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: (أَخْذًا مِمَّا مَرَّ) أَيْ لِعَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ.
[فَصْلٌ فِي السِّوَاكِ]
ِ أَيْ فِي حَقِيقَتِهِ وَحُكْمِ اسْتِعْمَالِهِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي يَتَأَكَّدُ فِيهَا.
وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ: نَدْبَهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَرَاهَتَهُ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَتَأَكُّدَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ.
وَزَادَ الشَّارِحُ مَسَائِلَ: مِنْهَا نَدْبُ كَوْنِهِ فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ، وَتَرْتِيبِ آلَتِهِ، وَفِعْلِهِ بِالْيَمِينِ فِي يَمِينِ الْفَمِ وَفَوَائِدُهُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَحْكَامَهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا كَأَنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ زَوَالُ النَّجَاسَةِ أَوْ رِيحٍ كَرِيهَةٍ فِي نَحْوِ جُمُعَةٍ، وَتَارَةً يَكُونُ حَرَامًا كَاسْتِعْمَالِ سِوَاكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَيْ وَلَمْ يَعْلَمْ رِضَاهُ، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْكَيْفِيَّةُ كَاسْتِعْمَالِهِ طُولًا فِي غَيْرِ اللِّسَانِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَا تَعْتَرِيهِ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ النَّدْبَ لَا تَعْتَرِيهِ الْإِبَاحَةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ مَا نَصُّهُ: سُئِلَ هَلْ يُكْرَهُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمُشْطِ وَالْمِيلِ وَالسِّوَاكِ كَمَا هُوَ شَائِعٌ بَيْنَ الْعَوَامّ يَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ لَيْسَ فِيهَا اشْتِرَاكٌ الْمُشْطُ وَالْمِرْوَدُ وَالسِّوَاكُ أَمْ لَا؟ . أَجَابَ: أَمَّا السِّوَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الضِّيَاءِ الْمَعْنَوِيِّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ الْقُونَوِيِّ؛ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ وَمِثْلُهُ الْمُشْطُ وَالْمِيلُ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّاسِ بِالْكَرَاهَةِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِكَرَاهَةِ نُفُوسِهِمْ الِاشْتِرَاكَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِئَلَّا تَحْصُلَ النَّفْرَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ يَعَافُونَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا وَقَعَتْ الْكَرَاهَةُ بَيْنَهُمْ بِسَبَبِهِ لَا أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ خَاصٌّ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ يُوجِبُ مَحْظُورِيَّتَهُ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ؟ بَلْ زَادَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَالْكَرَاهَةُ لَا أَصْلَ لَهَا.
اهـ.
وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ عَقِبَ الْمِيَاهِ وَالدَّابِغِ أَنَّهُ آلَةٌ فِي إزَالَةِ الْقَذَرِ، وَإِنْ كَانَ أَيْ الْقَذَرُ طَاهِرًا، وَقُدِّمَ عَلَى الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر. فَمَحَلُّهُ قَبْلَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر. وَعِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ مَحَلُّهُ بَعْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْوُضُوءِ تَشْمَلُهُ فَيَكُونُ مِنْ سُنَنِهِ الدَّاخِلَةِ، وَذَكَرَهُ فِي التَّحْرِيرِ تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ لِمَا قِيلَ إنَّهُ فِيهَا آكَدُ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ لَهَا، فَقَدْ حُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ أَوْجَبَهُ وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ، وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَتَرْكُهُ عَمْدًا مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، لَكِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَهَذَا النَّقْلُ عَنْ إِسْحَاقَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ.
اهـ.
وَالسِّوَاكُ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى آلَتِهِ وَعَلَيْهِمَا مَعًا، وَيَجُوزُ تَذْكِيرُهُ وَتَأْنِيثُهُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ بِدَلِيلِ حَدِيثِ: «هَذَا سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» . وَفِي الْأَوَائِلِ أَنَّ أَوَّلَ
وَهُوَ بِكَسْرِ السِّينِ مُشْتَقٌّ مِنْ سَاكَ إذَا دَلَكَ وَالسِّوَاكُ لُغَةً الدَّلْكُ وَآلَتُهُ وَشَرْعًا اسْتِعْمَالُ عُودٍ مِنْ أَرَاكٍ أَوْ نَحْوِهِ كَأُشْنَانٍ فِي الْأَسْنَانِ وَمَا حَوْلَهَا لِإِذْهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحْوِهِ، وَاسْتِعْمَالُهُ (مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ حَالٍ) مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ
[حاشية البجيرمي]
مَنْ اسْتَاك إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِعُودِ الزَّيْتُونِ وَهَذَا لَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: «سِوَاكِي وَسِوَاكُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» الْمُقْتَضِي شُمُولَهُ لِكُلِّ نَبِيٍّ قَبْلَ إبْرَاهِيمَ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْبِيَاءِ مَجْمُوعُهُمْ لَا كُلُّ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَلْ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ سَاكَ) أَيْ مِنْ مَصْدَرِهِ وَهُوَ السِّوَاكُ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ الْمَزِيدَ يُشْتَقُّ مِنْ الْمُجَرَّدِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَوْ مِنْ الْفِعْلِ نَفْسِهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْفِعْلِ وَجَمْعُ السِّوَاكِ سُوُكٌ بِضَمِّ السِّينِ وَالْوَاوِ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ وَقَدْ تُسَكَّنُ الْوَاوُ تَخْفِيفًا قَوْلُهُ لُغَةً الدَّلْكُ أَيْ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْفَمِ كَدَلْكِ الْبَابُوجِ وَمِنْهُ تَسْوِيكُ الْبِكْرِ وَهُوَ دَلْكُ فَرْجِ الْبِكْرِ بَعْدَ إزَالَةِ بَكَارَتِهَا بِخِرْقَةٍ حَتَّى يَحْسُنَ جِمَاعُ الزَّوْجِ لَهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَعَمُّ مِنْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ قَوْلُهُ وَآلَتُهُ أَيْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ قَوْلُهُ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ كُلِّ خَشِنٍ طَاهِرٍ كَمَا سَيَأْتِي فَقَوْلُهُ أَوْ نَحْوِهِ عَطْفٌ عَلَى عُودٍ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ كَأُشْنَانٍ لِأَنَّ الْأُشْنَانَ بِزْرُ الْغَاسُولِ وَلَيْسَ بِعُودٍ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَعْوَادٌ رَفِيعَةٌ بِبِلَادِ الشَّامِ وَهُوَ الْجُزْءُ الْأَعْظَمُ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّابُونِ الثَّلَاثَةِ وَبَقِيَّتُهَا الزَّيْتُ وَالْجِيرُ.
اهـ. شَيْخُنَا قَوْلُهُ فِي الْأَسْنَانِ الْأَوْلَى فِي الْفَمِ لِيَشْمَلَ مَنْ لَا سِنَّ لَهُ قَوْلُهُ وَمَا حَوْلَهَا الْمُرَادُ بِهِ مَا يَقْرُبُ مِنْهَا فَيَشْمَلُ اللِّسَانَ وَسَقْفَ الْحَلْقِ قَوْلُهُ لِإِذْهَابِ التَّغَيُّرِ قَدْ يَقْتَضِي هَذَا أَنَّ السُّنَّةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى إذْهَابِ التَّغَيُّرِ وَيُنَافِيهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ إلَّا إنْ كَانَ لِتَغَيُّرٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا فِيهِ أَيْضًا لِأَنَّهَا مُخَفَّفَةٌ وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِإِذْهَابِ بَيَانٌ لِحِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ وَأَقَلُّهُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِأَصْلِ السُّنَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِتَغَيُّرٍ بِالْفَمِ أَوْ قَلَحٍ بِالْأَسْنَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ إزَالَتِهِ إنْ أَرَادَ تَمَامَ السُّنَّةِ اهـ قَوْلُهُ وَنَحْوِهِ يُحْتَمَلُ عَطْفُهُ عَلَى لِإِذْهَابِ وَيُفَسَّرُ بِتَسْوِيَةِ الظَّهْرِ وَنَحْوِهِ مِنْ فَوَائِدِ السِّوَاكِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ كَالْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ عَطْفُهُ عَلَى التَّغَيُّرِ وَيُفَسَّرُ بِإِذْهَابِ الْكَسَلِ وَنَحْوِهِ.
وَأَرْكَانُ السِّوَاكِ خَمْسَةٌ مُسْتَاكٌ وَمُسْتَاكٌ بِهِ وَمُسْتَاكٌ مِنْهُ وَمُسْتَاكٌ فِيهِ وَنِيَّةٌ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِعْمَالُهُ) ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى السِّوَاكِ بِمَعْنَى الْآلَةِ وَكَأَنَّ السِّوَاكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ فَفِيهِ تَغَيُّرُ إعْرَابِهِ وَمَعْنَاهُ تَأَمَّلْ ق ل. قُلْت: بَلْ كَلَامُ الشَّارِحِ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، إذْ قَوْلُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ إشَارَةٌ لِتَفْسِيرِ السِّوَاكِ بِالْفِعْلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْإِعْرَابُ فَلَا تَغْيِيرَ فِيهِ إذْ هُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَتَفْسِيرُ السِّوَاكِ بِالِاسْتِعْمَالِ لَا بُدَّ مِنْهُ إذْ الِاسْتِحْبَابُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ لَا بِالذَّاتِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ الْعَبَّادِيُّ وَالسِّوَاكُ بِمَعْنَى اسْتِيَاكٍ أَوْ هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ اسْتِعْمَالِهِ.
اهـ. اج.
وَقَالَ شَيْخُنَا: الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ وَاسْتِعْمَالُهُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ صَحِيحٌ بِدُونِ هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ السِّوَاكَ شَرْعًا مَعْنَاهُ الِاسْتِعْمَالُ الْمُتَقَدِّمُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَاسْتِعْمَالُ الْعُودِ إلَخْ مُسْتَحَبٌّ إلَخْ.
وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالسِّوَاكِ الْآلَةُ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ وَاسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تُضَافُ لِلْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْفِقْهِ أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ فَالْأَحْكَامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِهِ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَحَبٌّ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لَنَا وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَكَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِأَجْلِ التَّهَيُّؤِ لِتَلَقِّي الْوَحْيِ.
وَوُجُوبُهُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَيِّ وَقْتٍ هَلْ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي يُسَنُّ لَنَا فِيهَا أَوْ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَهَيُّئِهِ لِتَلَقِّي الْوَحْيِ فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ مَا نَصُّهُ: قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَهَلْ الْمُرَادُ بِوُجُوبِهِ فِي حَقِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَمْ النَّافِلَةِ مَعَهَا أَمْ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي حَقِّنَا أَمْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؟ . لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ.
نَعَمْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ تَخْصِيصُهُ بِالْمَفْرُوضَةِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ حَالٍ) أَيْ وَزَمَانٍ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ عُمُومَ الْأَوْقَاتِ أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ، وَالْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي
عِنْدَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِي اسْتِحْبَابِهِ كُلَّ وَقْتٍ.
(إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ زَوَالِ الشَّمْسِ وَهُوَ مَيْلُهَا عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا اسْتِعْمَالُهُ (لِلصَّائِمِ) وَلَوْ نَفْلًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ
[حاشية البجيرمي]
عُمُومُ الْأَحْوَالِ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْأَحْوَالُ جَمْعُ حَالٍ، وَهِيَ مَا عَلَيْهِ الشَّخْصُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَبَعْدَ الزَّوَالِ زَمَنٌ مَخْصُوصٌ لَيْسَ مِنْ أَحْوَالِ الشَّخْصِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ مُتَّصِلٌ.
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ حَالٍ وَزَمَانٍ إلَّا إلَخْ.
وَلَعَلَّ الشَّارِحَ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُطْلَقًا أَيْ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَيَشْمَلُ وَقْتَ الزَّوَالِ.
.
قَوْلُهُ: (إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ) أَيْ وَلَوْ تَقْدِيرًا لِيَشْمَلَ أَيَّامَ الدَّجَّالِ؛ لِأَنَّ فِي أَيَّامِهِ يَوْمًا كَسَنَةٍ وَيَوْمًا كَشَهْرٍ وَيَوْمًا كَجُمُعَةٍ فَاعْتِبَارُ الزَّوَالِ فِيهِ تَقْدِيرِيٌّ.
اهـ. إطْفِيحِيٌّ: قَالَ فِي الْخَصَائِصِ: وَاخْتَصَّ بِجَوَازِ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ صَائِمٌ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ وَخُصَّ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ بَعْدَهُ يَتَمَحَّضُ عَنْ الصَّوْمِ لِخُلُوِّ الْمَعِدَةِ.
نَعَمْ إنَّ تَغَيُّرَ فَمِهِ بِغَيْرِ الْخُلُوفِ كَأَنْ تَمَحَّضَ تَغَيُّرُهُ بِغَيْرِهِ كَنَوْمٍ لَمْ يُكْرَهْ لِزَوَالِ الْمَعْنَى، نَعَمْ إنْ كَانَ يُدْمِي فِيهِ لِنَحْوِ مَرَضٍ فِي لِثَتِهِ وَخَافَ الْفِطْرَ كُرِهَ كَمَا بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ كَبِدِ) أَيْ وَسَطِ.
قَوْلُهُ: (يُكْرَهُ) أَيْ إنْ اسْتَاك بِنَفْسِهِ، فَإِنْ سَوَّكَهُ مُكَلَّفٌ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ عَلَى نَظِيرِ إزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ فِيهِمَا فَإِنَّهُ إنْ أَزَالَهُ غَيْرُهُ حَرُمَ، وَإِنْ أَزَالَهُ بِنَفْسِهِ كَأَنْ جُرِحَ جُرْحًا يُقْطَعُ بِمَوْتِهِ مِنْهُ فَأَزَالَ دَمَهُ ثُمَّ مَاتَ كُرِهَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ أَزَالَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَفْسِهِ كَرَامَةً وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا حَتَّى يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْكَرَاهَةِ.
وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ الْإِزَالَةِ إذَا أَزَالَهُ بِالسِّوَاكِ الشَّرْعِيِّ لَا بِأُصْبُعِهِ.
فَإِنْ قُلْت: صَرَّحُوا بِكَرَاهَةِ السِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَوْ لِصَلَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَقَالُوا بِطَلَبِهِ فَمَا إذَا حَصَلَ تَغَيُّرُ الْخُلُوفِ فَمَا الْفَرْقُ؟ . قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ السِّوَاكَ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ مِنْ بَابِ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَلِلتَّغَيُّرِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إزَالَةُ التَّغَيُّرِ وَدَفْعُ الْمَفَاسِدِ أَهَمُّ مِنْ جَلْبِ الْمَصَالِحِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِأَيِّ شَيْءٍ كُرِهَ الِاسْتِيَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ، وَلَمْ تُكْرَهْ الْمَضْمَضَةُ مَعَ أَنَّهَا مُزِيلَةٌ لِلْخُلُوفِ بَلْ أَوْلَى كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ حَيْثُ قَالُوا: وَالْمَاءُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ وَلَا كَذَلِكَ الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ؟ . أَجَابَ ق ل فِي حَاشِيَةِ الْجَلَالِ: بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ تُكْرَهْ الْمَضْمَضَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الرِّيحَ بِخِلَافِ السِّوَاكِ اهـ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْجَوَابِ شَيْءٌ إذْ الْإِزَالَةُ حَاصِلَةٌ فِي كُلٍّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا بِالسِّوَاكِ أَقْوَى.
قَوْلُهُ: (أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْمَطْلُوبِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ أَيْ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ ثَوَابِ رِيحِ الْمِسْكِ الْمَطْلُوبِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الشَّمَّ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، أَوْ مَعْنَى كَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَرِضَاهُ بِهِ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَلَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وِفَاقًا لِابْنِ الصَّلَاحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَخْتَصُّ بِهِ لِتَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ ذِكْرَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْجَزَاءِ قَالَهُ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ، وَخُصَّ الْمِسْكُ؛ لِأَنَّهُ أَطْيَبُ طِيبٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (بِضَمِّ الْخَاءِ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَرْبَعَةٌ: خُلُوفٌ بِضَمِّ الْخَاءِ وَخَلُوفٌ بِفَتْحِهَا وَخَلَفٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَاللَّامِ وَخَلْفٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَالْخُلُوفُ بِالضَّمِّ هُوَ تَغَيُّرُ الْفَمِ وَالْخَلُوفُ بِفَتْحِ الْخَاءِ هُوَ كَثِيرُ خُلْفِ الْوَعْدِ وَالْخَلَفُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَاللَّامِ هُوَ الذُّرِّيَّةُ الصَّالِحَةُ وَالْخَلْفُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ ذُرِّيَّةُ السُّوءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: 59] إلَخْ وَيُطْلَقُ الْخَلْفُ أَيْضًا عَلَى مَا قَابَلَ الْأَمَامَ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الثَّانِيَةُ إلَخْ) وَصَدَّرَ الْحَدِيثَ: أَمَّا الْأُولَى: «فَإِنَّهُ إذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ وَمَنْ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . وَالْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَالْمُرَادُ الْخُلُوفُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِخَبَرِ: «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا» ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . وَالْمَسَاءُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَأَطْيَبِيَّةُ الْخُلُوفِ تَدُلُّ عَلَى طَلَبِ إبْقَائِهِ فَكُرِهَتْ إزَالَتُهُ، وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِالْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمٍ الْآنَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِعَارِضٍ كَمَنْ نَسِيَ نِيَّةَ الصَّوْمِ لَيْلًا لَا يُكْرَهُ لَهُ السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمٍ حَقِيقَةً، وَالْمَعْنَى فِي اخْتِصَاصِهَا بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ أَنَّ تَغَيُّرَ الْفَمِ بِالصَّوْمِ إنَّمَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ تَسَحَّرَ أَوْ تَنَاوَلَ فِي اللَّيْلِ شَيْئًا أَمْ لَا فَيُكْرَهُ لِلْمُوَاصِلِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَأَنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ فَمُهُ بِأَكْلٍ أَوْ نَحْوِهِ نَاسِيًا بَعْدَ الزَّوَالِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ السِّوَاكُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ: يُكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ طُولُ السِّوَاكِ عَلَى شِبْرٍ.
وَيَسْتَحِبُّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ فِي أَوَّلِهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ
[حاشية البجيرمي]
نَظَرَ إلَيْهِ لَا يُعَذِّبُهُ أَبَدًا» . وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُ جَنَّتَهُ فَيَقُولُ لَهَا اسْتَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إلَى دَارِ كَرَامَتِي.
وَأَمَّا الْخَامِسَةُ: فَإِنَّهُ إذَا كَانَ آخَرُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ غَفَرَ لَهُمْ جَمِيعًا فَقَالَ رَجُلٌ: أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَا.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْعُمَّالَ يَعْمَلُونَ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا أُجُورَهُمْ ". اهـ.
ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ إلَخْ) . فَإِنْ قُلْت: يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثُ الدَّالُّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاسْتِيَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى طَلَبِ السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ الشَّامِلَةِ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ الَّتِي بَعْدَ الزَّوَالِ فَلِمَ قُدِّمَ عَلَيْهَا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قُدِّمَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ دَرْءَ مَفْسَدَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ التَّغَيُّرِ، وَتِلْكَ الْأَحَادِيثُ فِيهَا جَلْبُ مَصْلَحَةٍ، وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ ح ف. قَالَ سم: وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَا يُصْبِحُونَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَسَاءُ بَعْدَ الزَّوَالِ) وَيَمْتَدُّ لُغَةً إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَمِنْهُ إلَى الزَّوَالِ صَبَاحٌ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَكُرِهَتْ إزَالَتُهُ) الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ إزَالَتَهُ مَكْرُوهَةٌ حَتَّى بِغَيْرِ السِّوَاكِ مَعَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ خَاصَّةً بِالسِّوَاكِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نَهْيٍ خَاصٍّ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ تَأْكِيدَ الطَّلَبِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى طَلَبِ إبْقَائِهِ أَيْ طَلَبًا مُؤَكَّدًا أَخْذًا مِنْ الْأَطْيَبِيَّةِ قَامَ مَقَامَ النَّهْيِ الْخَاصِّ.
وَعِبَارَةُ ع ش: وَالْمُرَادُ إزَالَتُهُ بِالسِّوَاكِ الشَّرْعِيِّ، وَأَمَّا إزَالَتُهُ بِغَيْرِهِ فَلَا تُكْرَهُ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُدْرِكُ يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ التَّعْلِيلِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذَلِكَ) ضَعِيفٌ.
فَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ لِمَنْ نَسِيَ النِّيَّةَ لَيْلًا وَمِثْلُهُ الْمُمْسِكُ لِغَيْرِ نِسْيَانِ النِّيَّةِ كَمَنْ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي حُكْمِ الصَّائِمِ لِامْتِنَاعِ تَعَاطِيهِ الْمُفْطِرَاتِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَائِمٍ حَقِيقَةً) لَكِنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الصَّائِمِ.
قَوْلُهُ: (فِي اخْتِصَاصِهَا) أَيْ الْكَرَاهَةِ، قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ) أَيْ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَيُحَالُ التَّغَيُّرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَيْلًا.
قَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُفَرِّقُوا) مِنْ بَابِ نَصَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَنَاوَلَ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ، وَالْمُرَادُ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِمَّا يَقْتَضِي التَّغَيُّرَ لَا نَحْوَ جِمَاعٍ.
قَوْلُهُ: (أَمْ لَا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَمَنْ لَا؛ لِأَنَّ بَيْنَ تَقْتَضِي الْعَطْفَ بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا لِمُتَعَدِّدٍ.
قَوْلُهُ: (فَيُكْرَهُ لِلْمُوَاصِلِ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي أَيْ؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ الْفَمِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِالصَّوْمِ لَا بِالطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الزَّوَالِ) أَيْ وَبَعْدَ الْفَجْرِ فَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِالْغُرُوبِ وَتَعُودُ بِالْفَجْرِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَيُكْرَهُ جَمِيعُ النَّهَارِ وَكَمَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِالْغُرُوبِ تَزُولُ بِالْمَوْتِ لِبُطْلَانِ الصَّوْمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْآنَ لَيْسَ بِصَائِمٍ وَمُمْسِكٍ.
اهـ. طُوخِيٌّ وَفِي ع ش: فَرْعٌ: لَوْ مَاتَ الصَّائِمُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَى الْغَاسِلِ إزَالَةُ خُلُوفِهِ بِسِوَاكٍ؟ . قِيَاسُ دَمِ الشَّهِيدِ الْحُرْمَةُ، وَبِهِ قَالَ م ر.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الزَّوَالِ) ظَرْفٌ لِتَغَيُّرٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَكْلُ أَوْ النَّوْمُ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ قَبْلَهُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ السِّوَاكُ وَهُوَ كَذَلِكَ) مُعْتَمَدٌ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. نَعَمْ إنْ تَغَيَّرَ فَمُهُ بِنَحْوِ نَوْمٍ اسْتَاك لِإِزَالَتِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ.
اهـ. فَفِي قَوْلِ الَأُجْهُورِيُّ لَكِنَّ عِبَارَةَ م ر فِي الشَّرْحِ قَاضِيَةٌ بِالْكَرَاهَةِ نَظَرٌ فَلَا تَغْتَرَّ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِحَذْفِ إنَّهُ؛ لِأَنَّ لَا يُكْرَهُ خَبَرُ إنَّ الْأُولَى.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَعَادَهَا تَأْكِيدًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى شِبْرٍ) أَيْ بِالشِّبْرِ الْمُعْتَدِلِ لَا بِشِبْرِ نَفْسِهِ لِمَا قِيلَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَرْكَبُ عَلَى الزَّائِدِ.
وَيُسْتَحَبُّ إمْسَاكُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى بِأَنْ تَجْعَلَ الْخِنْصَرَ مِنْ يَمِينِك تَحْتَهُ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ فَوْقَهُ وَاجْعَلْ الْإِبْهَامَ أَسْفَلَ رَأْسِهِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَلَا يَقْبِضُ عَلَى السِّوَاكِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْبَاسُورَ، وَإِنَّمَا كَانَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَإِنْ كَانَ لِإِزَالَةِ التَّغَيُّرِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا تُبَاشِرُهُ، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِنْتَارِ بِالْمُثَنَّاةِ أَيْ نَتْرِ الذَّكَرِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْلَعَ رِيقَهُ أَوَّلَ مَا يَسْتَاكُ
بِهِ أَسْنَانِي وَشُدَّ بِهِ لِثَاتِي وَثَبِّتْ بِهِ لَهَاتِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ السِّوَاكُ فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي طُولِ الْفَمِ لِخَبَرِ: «إذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ، وَيُجْزِئُ طُولًا لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
نَعَمْ يُسَنُّ أَنْ يَسْتَاكَ فِي اللِّسَانِ طُولًا كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَيَحْصُلُ بِكُلِّ حَسَنٍ يُزِيلُ الْقَلَحَ كَعُودٍ مِنْ أَرَاكٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ خِرْقَةٍ أَوْ أُشْنَانٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ، لَكِنَّ الْعُودَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَالْأَرَاكُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِيدَانِ، وَالْيَابِسُ الْمُنَدَّى بِالْمَاءِ أَوْلَى مِنْ الرَّطْبِ وَمِنْ الْيَابِسِ الَّذِي لَمْ يُنَدَّ وَمِنْ الْيَابِسِ الْمُنَدَّى بِغَيْرِ الْمَاءِ كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَعُودُ النَّخْلِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِ الْأَرَاكِ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَيُسَنُّ غَسْلُهُ لِلِاسْتِيَاكِ ثَانِيًا إذَا حَصَلَ عَلَيْهِ وَسَخٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ نَحْوُهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَا يَكْفِي الِاسْتِيَاكُ بِأُصْبُعِهِ وَإِنْ كَانَتْ خَشِنَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِيَاكًا، هَذَا إذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً فَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً وَهِيَ خَشِنَةٌ أَجْزَأَتْ إنْ قُلْنَا
[حاشية البجيرمي]
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ وَقْتَ وَضْعِهِ فِي الْفَمِ وَقَبْلَ أَنْ يُحَرِّكَهُ كَثِيرًا لِمَا قِيلَ إنَّهُ أَمَانٌ مِنْ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَكُلِّ دَاءٍ سِوَى الْمَوْتِ وَلَا يَبْلَعُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا لِمَا قِيلَ إنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَاسَ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ
قَوْلُهُ: (لِثَاتِي) بِتَثْلِيثِ اللَّامِ جَمْعُ لِثَةٍ بِتَثْلِيثِهَا أَيْضًا وَهِيَ مَا حَوْلَ الْأَسْنَانِ وَعِبَارَةُ ق ل هِيَ اللَّحْمُ الْمَغْرُوزُ فِيهِ الْأَسْنَانُ وَأَصْلُ لِثَةٍ لِثَى حُذِفَتْ لَامُ الْكَلِمَةِ وَعُوِّضَ عَنْهَا التَّاءُ، وَأَمَّا لَهَاتِي فَمُفْرَدٌ لَا جَمْعٌ وَهِيَ قِطْعَةُ لَحْمٍ فِي أَقْصَى سَقْفِ الْحَلْقِ مُشْرِفَةٌ عَلَى الْقَلْبِ تَرُوحُ عَلَيْهِ وَلَوْلَاهَا احْتَرَقَ الْقَلْبُ.
اهـ. شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (قَالَ النَّوَوِيُّ إلَخْ) أَشَارَ النَّوَوِيُّ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي السُّنَّةِ بِخُصُوصِهِ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ طَلَبِ الدُّعَاءِ اج.
قَوْلُهُ: (فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ) وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ فَيَسْتَوْعِبَهُ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ فِي الْأَسْنَانِ الْعُلْيَا وَالسُّفْلَى ظَهْرًا وَبَطْنًا إلَى الْوَسَطِ ثُمَّ الْأَيْسَرُ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (فِي طُولِ الْفَمِ) تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ السِّوَاكِ فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ أَنْ يَكُونَ فِي طُولِ الْفَمِ.
وَقَوْلُهُ: فِي طُولِ الْفَمِ مُتَعَلِّقٌ بِالسِّوَاكِ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ، فَالْأَوَّلُ تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ مُطْلَقٌ، وَالثَّانِي تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ، فَلَا يُقَالُ فِيهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ بِعَامِلٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (بِكُلِّ خَشِنٍ) أَيْ طَاهِرٍ وِفَاقًا لِلرَّمْلِيِّ وَخِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: يَكْفِي النَّجِسُ وَلَوْ مِنْ مُغَلَّظٍ.
وَرَدَ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ» وَهَذَا مُنَجِّسَةٌ لَكِنَّهُ أَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الطَّهَارَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَخَشِنٍ بِكِسْرَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْأُشْمُونِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمَتْنِ.
وَفِعْلُ أَوْلَى وَفَعِيلٌ بِفِعْلٍ لَكِنْ جَوَّزَ الْقَامُوسُ فِيهِ فَتْحَ الْخَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ.
قَوْلُهُ: (يُزِيلُ الْقَلَحَ) هُوَ مَا يَتَرَاكَمُ عَلَى الْأَسْنَانِ مِنْ الْوَسَخِ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ خِرْقَةٍ) عَطْفٌ عَلَى عُودٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَرَاكُ أَوْلَى) . حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْأَرَاكُ ثُمَّ جَرِيدُ النَّخْلِ ثُمَّ الزَّيْتُونُ ثُمَّ ذُو الرِّيحِ الطَّيِّبِ ثُمَّ بَقِيَّةُ الْأَعْوَادِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِيهِ خَمْسَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ أَيْضًا وَهِيَ الْيَابِسُ الْمُنَدَّى بِالْمَاءِ، ثُمَّ الْمُنَدَّى بِمَاءِ الْوَرْدِ، ثُمَّ الْمُنَدَّى بِالرِّيقِ ثُمَّ الرَّطْبُ ثُمَّ الْيَابِسُ الْغَيْرُ الْمُنَدَّى، فَالْمَجْمُوعُ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةٍ فِي خَمْسَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ بِمَرَاتِبِهِ الْخَمْسَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَضَمَّ بَعْضُهُمْ لِهَذِهِ الْخَمْسَةِ الْخِرْقَةَ وَأُصْبُعَ الْغَيْرِ بِشُرُوطِهَا، لَكِنْ لَا تَجْرِي فِيهِمَا الْخَمْسَةُ السَّابِقَةُ بَلْ يَجْرِي فِيهِمَا مَا عَدَا الرَّطْبَ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ الدَّيْوِيُّ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا ح ف أَنَّ الْيَابِسَ الْغَيْرَ الْمُنَدَّى مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّطْبِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي إزَالَةِ التَّغَيُّرِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
أَرَاكٌ جَرِيدُ النَّخْلِ زَيْتُونٌ رُتِّبَتْ ... فَطِيبُ رِيحٍ بَاقِي الْأَعْوَادِ كَمُلَا
وَكُلُّ مُنَدًّى أَلَمَّا فَمَا الْوَرْدُ رِيقُهُ ... فَذُو الْيُبْسِ رَطْبٌ فِي السِّوَاكِ أَدَرُ وَاعْمَلَا
قَوْلُهُ: (بِأُصْبُعِهِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْأُصْبُعُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَيُقَالُ فِيهِ أُصْبُوعٌ وَهُوَ بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ مَعَ تَثْلِيثِ الْبَاءِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
يَا أُصْبُعَ ثُلِّثْنَ مَعَ مِيمِ أُنْمُلَةٍ ... وَثَلِّثْ الْهَمْزَ أَيْضًا وَارْوِ أُصْبُوعَا
بِطَهَارَتِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْيُمْنَى مِنْ يُمْنَى فَمِهِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَسِوَاكِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَهُوَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ) أَيْ أَحْوَالٍ (أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا) أَحَدُهَا: (عِنْدَ تَغَيُّرِ) رَائِحَةِ (الْفَمِ) وَقَوْلُهُ: (مِنْ أَزْمٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ هُوَ السُّكُوتُ أَوْ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ.
(وَ) مِنْ (غَيْرِهِ) أَيْ الْأَزْمِ كَثُومٍ، وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ.
(وَ) ثَانِيهَا (عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ مِنْ النَّوْمِ يَشُوصُ فَاهُ» أَيْ يُدَلِّكُهُ بِالسِّوَاكِ.
(وَ) ثَالِثُهَا:
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً وَهِيَ خَشِنَةٌ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجْزِي الِاسْتِيَاكُ بِأُصْبُعِهِ الْمُنْفَصِلَةِ وَإِنْ كَانَتْ خَشِنَةً عَلَى الرَّاجِحِ وَلَا بِأُصْبُعِ غَيْرِهِ الْمُنْفَصِلَةِ، بَلْ يَحْرُمُ بِهِمَا، وَلَوْ قُلْنَا بِالْإِجْزَاءِ قِيَاسًا عَلَى حُرْمَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا بِجَامِعِ إزَالَةِ الْقَذَرِ بِعُضْوٍ يَجِبُ احْتِرَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الْمُنْفَصِلَةَ مِنْ الْآدَمِيِّ يَجِبُ احْتِرَامُهَا وَيَمْتَنِعُ امْتِهَانُهَا وَإِنْ أَذِنَ صَاحِبُهَا، إذْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا بِامْتِهَانِهَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ دَفْنُهَا فَوْرًا مَا دَامَ صَاحِبُهَا حَيًّا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ بِلَا إذْنِ صَاحِبِهَا، وَأَمَّا أُصْبُعُ غَيْرِهِ الْمُتَّصِلَةِ فَيَجْزِي السِّوَاكُ بِهَا إذَا كَانَتْ خَشِنَةً وَكَانَ صَاحِبُهَا حَيًّا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَاعَدَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ، وَالْأَجْزَاءُ الْمُتَّصِلَةُ شَأْنُهَا وَوَضْعُهَا الْعَمَلُ بِهَا.
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: يُشْتَرَطُ إذْنُ صَاحِبِ الْأُصْبُعِ هُوَ شَرْطٌ فِي الْحِلِّ لَا فِي الْإِجْزَاءِ بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَجْزِي تَسْوِيكُ الْمَيِّتِ بِأُصْبُعِ الْغَاسِلِ، وَفَارَقَتْ أُصْبُعُهُ الْمُتَّصِلَةُ أُصْبُعَ غَيْرِهِ كَذَلِكَ بِأَنَّ أَجْزَاءَ الْإِنْسَانِ لَا تُسَمَّى سِوَاكًا لَهُ.
قُلْت: وَيُفَارِقُ إجْزَاءُ مُتَّصِلَةِ غَيْرِهِ هُنَا عَدَمُ إجْزَائِهَا فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِفُحْشِ الِاسْتِنْجَاءِ وَحُرْمَةِ التَّنَجُّسِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَلْتَزِمَ إجْزَاءَ الِاسْتِنْجَاءِ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَإِنْ حَرُمَ.
ثُمَّ رَأَيْت م ر جَزَمَ بِالْتِزَامِ الْإِجْزَاءِ فَتَأَمَّلْهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (مِنْ يُمْنَى فَمِهِ) أَيْ وَيَذْهَبُ إلَى الْوَسَطِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ وَيَذْهَبُ إلَيْهِ م ر.
قَوْلُهُ: (كَانَ يُحِبُّ) أَيْ يَخْتَارُ الْبَدْءَ بِالْأَيَامِنِ يَعْنِي فِي الْأُمُورِ الشَّرِيفَةِ مَا اسْتَطَاعَ، أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَقْدِيمِ الْيُمْنَى احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ تَرَكَهُ لِنَحْوِ ضَرُورَةٍ وَعَدَمِ قُدْرَةٍ، فَلَا كَرَاهَةَ فِي تَقْدِيمِ الْيُسْرَى حِينَئِذٍ وَلَوْ فِيمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْكَمَالَاتِ، أَوْ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ لِاخْتِيَارِ التَّيَمُّنِ مُبَالَغَةً فِي عَدَمِ تَرْكِهِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي نَحْوِهِ.
وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ " مَا " مَوْصُولَةٌ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الشَّمَائِلِ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ.
وَالتَّقْدِيرُ الَّذِي اسْتَطَاعَهُ.
قَوْلُهُ: (التَّيَامُنَ) فِي نُسْخَةٍ التَّيَمُّنَ.
قَوْلُهُ: (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ التَّيَمُّنَ شُرِعَ فِي أُمُورٍ غَيْرِ هَذِهِ وَلَا يُشْرَعُ لِأُمُورٍ أُخَرَ، فَقَوْلُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَيُخَصُّ بِمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ فَيَدْخُلُ فِيهِ نَحْوُ لُبْسِ الثَّوْبِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالِاكْتِحَالِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ بَابِ الْإِهَانَةِ فَبِالْيَسَارِ كَدُخُولِ الْخَلَاءِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَالِامْتِخَاطِ، وَالِاسْتِنْجَاءِ، وَخَلْعِ الثَّوْبِ، وَالسَّرَاوِيلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ مِنْهُمَا فَبِالْيَسَارِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَوَضْعِ الْمَتَاعِ.
قَوْلُهُ: (فِي طُهُورِهِ) بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ تَطْهِيرِهِ الشَّامِلِ لِلْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ فَيَبْدَأُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي الْغُسْلِ، وَبِالْيَمِينِ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْيُسْرَى كُرِهَ وَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا الْكَفَّانِ وَالْخَدَّانِ فَيَطْهُرَانِ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (وَتَرَجُّلِهِ) أَيْ تَسْرِيحِهِ الشَّعْرَ مِنْ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَيُنْدَبُ تَقْدِيمُ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْهُمَا وَيُكْرَهُ تَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ.
قَوْلُهُ: (وَتَنَعُّلِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ نَعْلِهِ أَيْ لُبْسِهِ النَّعْلَ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَصْرِ، بَلْ ذَكَرَ أَمْرًا يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ، وَآخَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَمِ إشَارَةً إلَى رِعَايَةِ التَّيَمُّنِ مِنْ فَوْقِهِ لِقَدَمِهِ مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُنَا وَإِلَّا فَهِيَ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ اج.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَحْوَالٍ) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْأَوْقَاتِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (رَائِحَةِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهَا اللَّوْنُ كَصُفْرَةِ الْأَسْنَانِ وَالطَّعْمِ، وَأَفْهَمَ تَعْبِيرُهُ بِالْفَمِ دُونَ السِّنِّ نَدْبَهُ لِتَغَيُّرِ مَنْ لَا سِنَّ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ، إذْ يُسَنُّ لَهُ الِاسْتِيَاكُ مُطْلَقًا وَيَتَأَكَّدُ لَهُ عِنْدَمَا يَتَأَكَّدُ لِغَيْرِهِ، شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (السُّكُوتُ) أَيْ الطَّوِيلُ.
وَفِي الصِّحَاحِ: أَزَمَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْسَكَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (كَثُومٍ) بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَنَوْمٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ إلَخْ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ إنْ قُرِئَ مَا قَبْلَهُ بِالْمُثَلَّثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَثَانِيهَا عِنْدَ
(عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ) وَلَوْ نَفْلًا وَلِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ نَحْوِ التَّرَاوِيحِ أَوْ لِمُتَيَمِّمٍ أَوْ لِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْفَمُ مُتَغَيِّرًا أَوْ اسْتَاك فِي وُضُوئِهَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ وَلِخَبَرِ: «رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ
[حاشية البجيرمي]
الْقِيَامِ) أَيْ الْيَقِظَةِ مِنْ النَّوْمِ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ فَمُهُ حَتَّى يُغَايِرَ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ق ل؛ وَهَذَا وَمَا قَبْلَهُ شَامِلٌ لِلصَّائِمِ وَغَيْرِهِ.
قَوْله: (أَيْ يُدَلِّكُهُ) وَقِيلَ الشَّوْصُ الْغَسْلُ.
قَوْلُهُ: (إلَى الصَّلَاةِ) وَلَوْ فِي أَثْنَائِهَا بِفِعْلٍ خَفِيفٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا فِيهَا، لَكِنْ عَارَضَهُ طَلَبُ السِّوَاكِ لَهَا وَتَدَارُكُهُ مُمْكِنٌ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّارِعَ طَلَبَ دَفْعَ الْمَارِّ فِيهَا وَالتَّصْفِيقَ بِشَرْطِهِ.
وَيُسَنُّ الِاسْتِيَاكُ لِسَجْدَتَيْ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَيَسْتَاكُ لِلسَّجْدَةِ وَإِنْ اسْتَاك لِلْقِرَاءَةِ، وَيَسْتَاكُ لِكُلِّ إحْرَامٍ وَإِنْ وَالَى بَيْنَ الصَّلَوَاتِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
فَائِدَةٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ نَذَرَ السِّوَاكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقُلْتُمْ بِالْوُجُوبِ هَلْ يَجِبُ تَعْمِيمُ الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانِ أَوْ يَكْفِي أَحَدُهُمَا؟ . تَرَدَّدَ فِيهِ الْبَابِلِيُّ.
وَقَالَ: لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ مَالَ إلَى تَعْمِيمِ الْأَسْنَانِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَيْلٌ إلَى اللِّسَانِ.
اهـ. قَوْلُهُ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا أُشْكِلَ عَلَى مَا اشْتَهَرَ مِنْ مَعْنَى لَوْلَا، وَهُوَ امْتِنَاعُ الثَّانِي لِوُجُودِ الْأَوَّلِ نَحْوُ: لَوْلَا زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُك.
امْتَنَعَ الْإِكْرَامُ لِوُجُودِ زَيْدٍ، إذْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَصِيرُ مُفَادُ الْحَدِيثِ امْتِنَاعَ الْأَمْرِ وَعَدَمَ وُجُودِهِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ مَعَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ لَمْ تُوجَدْ وَالْأَمْرُ وُجِدَ أَيْ: وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ تَرْغِيبَ الشَّارِعِ فِي شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى طَلَبِهِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِشَيْخِهِ إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ، فَالْمُمْتَنِعُ الْأَمْرُ إيجَابًا لَا مُطْلَقُ الْأَمْرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ مَخَافَةُ أَنْ أَشُقَّ، فَالْمَوْجُودُ مَخَافَةُ الْمَشَقَّةِ لَا نَفْسُ الْمَشَقَّةِ وَالْمَعْدُومُ الْأَمْرُ الْإِيجَابِيُّ، وَالتَّقْدِيرُ: لَوْلَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ لَأَمَرْتُهُمْ أَمْرَ إيجَابٍ فَامْتَنَعَ الْأَمْرُ إيجَابًا لِوُجُودِ مَخَافَةِ الْمَشَقَّةِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مُفَادُ الْحَدِيثِ نَفْيُ أَمْرِ الْإِيجَابِ لِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ، وَلَيْسَ مِنْ لَازِمِ ذَلِكَ ثُبُوتُ الطَّلَبِ النَّدْبِيُّ فَمَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَيْهِ؟ . نَعَمْ السِّيَاقُ وَقُوَّةُ الْكَلَامِ تُعْطِي ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَفَادَهُ مِنْ انْتِفَاءِ الْأَمْرِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ الْمُرَادُ مِنْهُ عُمُومُ السَّلْبِ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْهُ كَمَا تَرَى سَلْبَ الْعُمُومِ.
اهـ. عَمِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَهِيَ ظَرْفُ مَكَان وَزَمَانٍ تَقُولُ عِنْدَ اللَّيْلِ وَعِنْدَ الْحَائِطِ.
اهـ. نَوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَنْ لَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ دَالٌّ عَلَى الْوُجُوبِ بِجَوْهَرِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَوْجَبْت عَلَيْهِمْ، وَلَكِنِّي لَمْ أَشُقَّ فَلَمْ أُوجِبْ عَلَيْهِمْ فَيَبْقَى النَّدْبُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ إنَّمَا هُوَ صِيغَةُ أَفْعَلَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: 7] وَأَمَّا مَادَّةُ أَمَرَ فَلَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبٍ وَلَا نَدْبٍ إلَّا بِالْقَرِينَةِ، فَاحْتَاجَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى التَّأْوِيلِ ع ش إطْفِيحِيٌّ.
وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا م ر فِي شَرْحِهِ لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ إلَخْ قَالَ ع ش. فَإِنْ قُلْت: هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْفَرْضِ، وَإِنَّمَا يُبَلِّغُ مَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى.
قُلْنَا: أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فُوِّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ خَيَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَمْرَ إيجَابٍ وَأَمْرَ نَدْبٍ، فَاخْتَارَ الْأَسْهَلَ لَهُمْ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَءُوفًا رَحِيمًا.
قَوْلُهُ: (رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ إلَخْ) صَرِيحُ هَذَا أَنَّ رَكْعَةَ السِّوَاكِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَفِي رِوَايَةٍ: «رَكْعَةٌ بِسِوَاكٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ رَكْعَةً» وَيَلْزَمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةُ فَضْلِهِ عَلَى فَضْلِ الْجَمَاعَةِ مَعَ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً مَعَ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالسِّوَاكُ سُنَّةٌ.
وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا: أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ تَفْضُلُ الْفَرْضَ كَمَا فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَا يُقَاوِمُ خَبَرَ الْجَمَاعَةِ فِي الصِّحَّةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَحْمُولٌ
مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ» رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.
وَكَمَا يَتَأَكَّدُ فِيمَا ذُكِرَ أَيْضًا لِوُضُوءٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَيْ أَمْرَ إيجَابٍ، وَمَحَلُّهُ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَابْنُ النَّقِيبِ فِي عُمْدَتِهِ بَعْدَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ يَمِيلُ إلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ قَالَ الْغَزَالِيُّ كَالْمَاوَرْدِيِّ مَحَلُّهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ.
وَلِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وَلِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِنَوْمٍ وَلِدُخُولِ مَنْزِلٍ وَعِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَيُقَالُ: إنَّهُ يُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ وَفِي السَّحَرِ وَلِلْأَكْلِ وَبَعْدَ الْوِتْرِ وَلِلصَّائِمِ قَبْلَ وَقْتِ الْخُلُوفِ.
فَائِدَةٌ: مِنْ فَوَائِدِ السِّوَاكِ أَنَّهُ يُطَهِّرُ الْفَمَ، وَيُرْضِي الرَّبَّ، وَيُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ، وَيُطَيِّبُ النَّكْهَةَ وَيُسَوِّي الظَّهْرَ، وَيَشُدُّ اللِّثَةَ وَيُبْطِئُ الشَّيْبَ، وَيُصَفِّي الْخُلُقَ وَيُذَكِّي الْفِطْنَةَ، وَيُضَاعِفُ الْأَجْرَ وَيُسَهِّلُ النَّزْعَ كَمَا مَرَّ، وَيُذَكِّرُ الشَّهَادَةَ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى مَا إذَا صَلَّى جَمَاعَةً بِسِوَاكٍ وَصَلَّى صَلَاةً مُنْفَرِدَةً بِلَا سِوَاكٍ، فَهَذِهِ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ مِنْ تِلْكَ بِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَيَكُونُ لِلسِّوَاكِ عَشَرَةٌ وَلِلْجَمَاعَةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ.
وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّ الدَّرَجَاتِ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَدْ تَعْدِلُ الْوَاحِدَةَ مِنْهَا كَثِيرًا مِنْ الرَّكَعَاتِ بِسِوَاكٍ.
قَوْلُهُ: (وَكَمَا يَتَأَكَّدُ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُصَنِّفِ بِالْمَوَاضِعِ الثَّلَاثِ غَيْرُ مُرَادٍ، وَكَانَ الْوَجْهُ إسْقَاطَ لَفْظِ ثَلَاثٍ.
قَوْلُهُ: (لِوُضُوءٍ) أَيْ وَلِغُسْلٍ فَلَوْ اسْتَاكَ لِلْوُضُوءِ الْمَطْلُوبِ لِلْغُسْلِ هَلْ يَسْتَاكُ لِلْغُسْلِ نَظَرًا إلَى طَلَبِ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوَّلًا لِقُرْبِهِ مِنْ الْأَوَّلِ كَمَا قَالُوا: لَا يُسَنُّ الْغُسْلُ لِمُزْدَلِفَةَ لِمَنْ اغْتَسَلَ، قَالَ سم: الْمُتَّجَهُ الْأَوَّلُ وِفَاقًا لِلرَّمْلِيِّ، وَخِلَافًا لِغَيْرِهِ كَابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ حَيْثُ قَالَ بِالثَّانِي.
اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّهُ) أَيْ مَحَلُّ طَلَبِهِ الَّذِي هُوَ الْأَكْمَلُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى نِيَّةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي غَسْلِ الْكَفَّيْنِ كَالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ، فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ هَذَا وَكَلَامِ الْغَزَالِيِّ الْمَذْكُورِ ق ل. فَكَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ بِالنَّظَرِ لِلْأَكْمَلِ وَالْغَزَالِيِّ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِ السُّنَّةِ اهـ. م د. وَقَالَ شَيْخُنَا كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ يُوَافِقُ مَا فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ مُوَافِقٌ لِمَا فِي م ر، فَعَلَى كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ يَكُونُ مِنْ السُّنَنِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ لِشُمُولِ النِّيَّةِ لَهُ، وَعَلَى كَلَامِ م ر يَكُونُ مِنْ السُّنَنِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ لِعَدَمِ شُمُولِ النِّيَّةِ لَهُ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْخِلَافُ حَقِيقِيًّا غَيْرَ مُمْكِنِ الْجَمْعِ اهـ. .
قَوْلُهُ: (وَلِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ) أَيْ يَسْتَاكُ قَبْلَ الِاسْتِعَاذَةِ وَالْقِرَاءَةُ شَامِلَةٌ لِلْبَسْمَلَةِ، وَمِثْلُ الْقِرَاءَةِ كُلُّ ذِكْرٍ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَدْبُهُ لِلذِّكْرِ الشَّامِلِ لِلتَّسْمِيَةِ مَعَ نَدْبِهَا لِكُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ الشَّامِلِ لِلسِّوَاكِ يَلْزَمُهُ دَوْرٌ ظَاهِرٌ لَا مُخَلِّصَ عَنْهُ إلَّا بِمَنْعِ نَدْبِ التَّسْمِيَةِ لَهُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ حَصَلَ مَانِعٌ مِنْهَا هُوَ عَدَمُ التَّأَهُّلِ لِكَمَالِ النُّطْقِ بِهَا أَيْ: لِأَنَّهُ لَا يَتَأَهَّلُ لِذَلِكَ إلَّا بِالسِّوَاكِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلِنَوْمٍ) لَيْسَ هَذَا مُكَرَّرًا مَعَ مَا مَرَّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَا لِإِرَادَةِ نَوْمٍ وَهُنَاكَ بَعْدَ النَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَلِدُخُولِ مَنْزِلٍ) وَلَوْ لِغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خَالِيًا، وَقَيَّدَ ابْنُ حَجَرٍ بِغَيْرِ الْخَالِي، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ يُسَنُّ السِّوَاكُ لِدُخُولِهِ وَلَوْ خَالِيًا بِأَنَّ مَلَائِكَةَ الْمَسْجِدِ أَشْرَفُ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» . قَالَ الْمُنَاوِيُّ: لِأَجْلِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِهِ، فَإِنَّ السَّلَامَ اسْمٌ شَرِيفٌ فَاسْتُعْمِلَ السِّوَاكُ لِلْإِتْيَانِ بِهِ أَوْ لِطِيبِ فَمِهِ لِتَقْبِيلِ زَوْجَاتِهِ.
اهـ. وَيُسَنُّ أَيْضًا عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ الِاحْتِضَارِ) أَيْ فِي الْمَرِيضِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ إنَّهُ) أَيْ السِّوَاكَ مُطْلَقًا، لَكِنْ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ تَبَعًا لِشَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّ التَّسْهِيلَ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّوَاكِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، لَكِنْ فِي بَسْطِ الْأَنْوَارِ عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ الْإِطْلَاقُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي السَّحَرِ) بِفَتْحَتَيْنِ مَا بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ وَجَمْعُهُ أَسْحَارٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ وَقْتِ الْخُلُوفِ) كَمَا يُسَنُّ التَّطَيُّبُ لِلْإِحْرَامِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ فَوَائِدِ السِّوَاكِ) الَّتِي أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ خَصْلَةً، وَهُوَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْحَشِيشَةِ الَّتِي ذَكَرُوا فِيهَا مِائَةً وَعِشْرِينَ مَضَرَّةً.
مِنْهَا: نِسْيَانُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: فَسَادُ الْعَقْلِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الشَّخْصِ خَصْلَتَانِ.
إحْدَاهُمَا تَذَكُّرُ الشَّهَادَةِ، وَالْأُخْرَى تُنْسِيهَا كَالسِّوَاكِ وَأَكْلِ الْحَشِيشَةِ مَثَلًا هَلْ تَغْلِبُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ؟ . فِيهِ نَظَرٌ.
وَنَقَلَ الْمُنَاوِيُّ تَغْلِيبَ الْأُولَى تَحْسِينًا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَيُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ) أَيْ يَزِيدُ فِي بَيَاضِهَا إذَا كَانَتْ بَيْضَاءَ.
قَوْلُهُ: (وَيُبْطِئُ الشَّيْبَ) فِيهِ أَنَّ أَبْطَأَ لَازِمٌ فَلَا يَتَعَدَّى لِلْمَفْعُولِ، وَعَلَى هَذَا فَالشَّيْبُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ:
عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَيُسَنُّ التَّخْلِيلُ قَبْلَ السِّوَاكِ وَبَعْدَهُ وَمِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ وَكَوْنُ الْخِلَالِ مِنْ عُودِ السِّوَاكِ، وَيُكْرَهُ بِالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ.
فَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ وَهُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَبِفَتْحِهَا اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ الْحُسْنُ وَالنَّظَافَةُ وَلِلضِّيَاءِ مِنْ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ أَفْعَالٌ
[حاشية البجيرمي]
وَعُدَّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرٍّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُبْطِئُ بِالشَّيْبِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَفِّي الْخُلُقَ) فِي نُسْخَةٍ الْخِلْقَةَ وَهِيَ الصَّوَابُ وَلِذَا عَبَّرَ بِهَا م ر وَعِبَارَتُهُ: وَيُصَفِّي الْخِلْقَةَ.
قَالَ ع ش: أَيْ لَوْنَ الْبَدَنِ.
اهـ. فَائِدَةٌ: مِنْ فَوَائِدِ السِّوَاكِ رِضَا الرَّحْمَنِ، وَدُخُولُ الْجِنَانِ، وَإِدَامَتُهُ تُورِثُ السَّعَةَ وَالْغِنَى وَتَيَسُّرَ الرِّزْقِ وَتَطَيُّبَ الْفَمِ وَتُسْكِنُ الصُّدَاعَ وَتُذْهِبُ جَمِيعَ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ الْأَذَى وَالْبَلْغَمِ وَتُقَوِّي الْأَسْنَانَ وَتُجْلِي الْبَصَرَ وَتَزِيدُ الرَّجُلَ فَصَاحَةً وَحِفْظًا وَعَقْلًا وَتُطَهِّرُ الْقَلْبَ وَتَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ وَتَفْرَحُ الْمَلَائِكَةُ وَتُصَافِحُهُ لِنُورِ وَجْهِهِ، وَتُشَيِّعُهُ إذَا خَرَجَ لِلصَّلَاةِ، وَيُعْطَى الْكِتَابَ بِالْيَمِينِ، وَتُذْهِبُ الْجُذَامَ، وَتُنَمِّي الْمَالَ وَالْأَوْلَادَ، وَتُؤَانِسُ الْإِنْسَانَ فِي قَبْرِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكُ الْمَوْتِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ قَبْضِ رُوحِهِ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ.
اهـ. ذَكَرَهُ الزَّاهِدُ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ التَّخْلِيلُ) أَيْ تَخْلِيلُ الْأَسْنَانِ أَيْ إزَالَةُ مَا بَيْنَهَا بِالْخِلَالِ مِنْ أَثَرِ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ أَمَانٌ مِنْ تَسْوِيسِهَا.
[فَصْلٌ فِي الْوُضُوءِ]
ِ أَيْ فِي فُرُوضِهِ وَسُنَنِهِ بِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الْمَتْنِ، وَزَادَ الشَّارِحُ أَرْبَعَةً وَهِيَ حَقِيقَةُ الْوُضُوءِ، وَبَيَانُ وَقْتِ وُجُوبِهِ، وَبَيَانُ مُوجِبِهِ، وَبَيَانُ شُرُوطِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالتَّرْجَمَةُ شَامِلَةٌ لِأُمُورٍ سِتَّةٍ.
وَالْوُضُوءُ اسْمُ مَصْدَرٍ سَوَاءٌ كَانَ فِعْلُهُ تَوَضَّأَ أَوْ وَضُؤَ بِضَمِّ الضَّادِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَصْدَرُهُ التَّوَضُّؤُ كَتَجَمَّلَ تَجَمُّلًا وَالثَّانِي مَصْدَرُهُ الْوَضَاءَةُ كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فَعُولَةٌ فَعَالَةٌ لَفِعْلَا قَالَهُ ح ف وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَصْدَرُ وَضُؤَ يَكُونُ مَصْدَرًا سَمَاعِيًّا لِزِيَادَتِهِ عَنْ فِعْلِهِ وَهُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي» وَالْخَاصُّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ وَانْظُرْ هَلْ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ عَلَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ تَوَضَّأَ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا بَلْ عَلَامَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنْ غَيْرِهَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا وُضُوءٌ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ إنَّهُ خَاصٌّ بِمَنْ تَوَضَّأَ بِالْفِعْلِ وَنُقِلَ عَنْ الزَّنَاتِيِّ الْمَالِكِيِّ شَارِحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْمَنْقَبَةُ عَلَامَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تُمَيِّزُهَا عَنْ غَيْرِهَا تَوَضَّأَتْ أَوْ لَا تَشْرِيفًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَعَلَى قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ إذَا وَضَّأَهُ الْغَاسِلُ بَعْدَ مَوْتِهِ هَلْ يُقَالُ إنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْفِعْلِ أَوْ لَا مَحَلُّ نَظَرٍ وَلَا يَبْعُدُ نَعَمْ خُصُوصًا إذَا عَوَّلْنَا عَلَى سَعَةِ الْفَضْلِ اهـ اج وَقُدِّمَ الْوُضُوءُ عَلَى الْغُسْلِ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ وَأُخِّرَ التَّيَمُّمُ عَنْهُمَا لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُمَا قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ الْوُضُوءُ مِنْ حَيْثُ مَادَّتُهُ أَيْ هَذِهِ الْحُرُوفُ أَعْنِي حُرُوفَ الْوُضُوءِ تَارَةً تَكُونُ بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَارَةً تَكُونُ بِفَتْحِهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ وَهُوَ أَيْ الْوُضُوءُ بِضَمِّ الْوَاوِ بِمَعْنَى الْفِعْلِ لِمُنَافَاةِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَبِفَتْحِهَا لَهُ وَلَا أَنْ يُقَالَ وَهُوَ أَيْ الْوُضُوءُ بِمَعْنَى اسْمِ الْآلَةِ لِمُنَافَاةِ قَوْلِهِ بِضَمِّ الْوَاوِ لَهُ قَوْلُهُ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ إلَخْ مَقْصُودُهُ تَفْسِيرُ الْفِعْلِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ فَلَيْسَ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ إلَخْ.
اهـ. شَيْخُنَا
قَوْلُهُ وَبِفَتْحِهَا وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْوُضُوءِ بِهَذِهِ بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ فِيمَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ نَحْوُ طَهُورٍ وَسَحُورٍ.
اهـ. ع ش قَوْلُهُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ أَيْ يُهَيَّأُ لِلْوُضُوءِ لَا كَالْبَحْرِ قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ لُغَةً إلَخْ قَوْلُهُ وَالضِّيَاءُ مِنْ ظُلْمَةِ إلَخْ كَأَنَّهُ ضَمَّنَهُ مَعْنَى الْخُلُوصِ مِنْ ظُلْمَةِ الذُّنُوبِ أَوْ مِنْ ظُلْمَةِ الْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ الَّذِي يَقُومُ بِأَعْضَائِهِ لِأَنَّهُ ظُلْمَةٌ تَزُولُ بِالْوُضُوءِ فَعَدَّاهُ بِمِنْ كَمَا يُشَاهِدُهُ بَعْضُ أَهْلِ
مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالنِّيَّةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَسْحًا وَلَا تَنْظِيفَ فِيهِ، وَكَانَ وُجُوبُهُ مَعَ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَفِي مُوجِبِهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: الْحَدَثُ وُجُوبًا مُوَسَّعًا.
ثَانِيهَا: الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهَا.
ثَالِثُهَا: هُمَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ مُسْلِمٍ.
وَلَهُ شُرُوطٌ وَفُرُوضٌ وَسُنَنٌ.
فَشُرُوطُهُ وَكَذَا الْغُسْلُ: مَاءٌ مُطْلَقٌ، وَمَعْرِفَةٌ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَلَوْ ظَنًّا، وَعَدَمُ الْحَائِلِ، وَجَرْيُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ وَعَدَمُ الْمُنَافِي مِنْ نَحْوِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ فِي غَيْرِ أَغْسَالِ الْحَجِّ وَنَحْوِهَا.
وَمَسُّ ذَكَرٍ،
[حاشية البجيرمي]
الْبَصَائِرِ قَوْلُهُ الذُّنُوبِ أَيْ الصَّغَائِرِ لِأَنَّهَا الَّتِي يُكَفِّرُهَا الْوُضُوءُ قَوْلُهُ أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ هَذَا التَّعْرِيفُ لَا يَشْمَلُ التَّرْتِيبَ فَالْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْرِيفِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ التَّرْتِيبُ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ قَوْلَهُ أَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ أَيْ ذَاتًا أَوْ صِفَةً وَهِيَ تَقْدِيمُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَيَدْخُلُ التَّرْتِيبُ ح ف قَوْلُهُ وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُنَاجَاةٌ لِلرَّبِّ تَعَالَى فَطُلِبَ التَّنْظِيفُ لِأَجْلِهَا وَإِنَّمَا اُخْتُصَّ الرَّأْسُ بِالْمَسْحِ لِسَتْرِهِ غَالِبًا فَاكْتَفَى فِيهِ بِأَدْنَى طَهَارَةٍ وَخُصَّتْ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا مَحَلُّ اكْتِسَابِ الْخَطَايَا أَوْ لِأَنَّ آدَمَ مَشَى إلَى الشَّجَرَةِ بِرِجْلَيْهِ وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِيَدِهِ وَأَكَلَ مِنْهَا بِفَمِهِ وَمَسَّ رَأْسُهُ وَرَقَهَا وَالتَّعَبُّدِيُّ أَفْضَلُ مِنْ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لِأَنَّ الِامْتِثَالَ فِيهِ أَشَدُّ وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ سُئِلَ هَلْ التَّعَبُّدِيُّ أَفْضَلُ أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ كَلَامُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ التَّعَبُّدِيَّ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ لِمَحْضِ الِانْقِيَادِ بِخِلَافِ مَا ظَهَرَتْ عِلَّتُهُ فَإِنَّ مُلَابِسَهُ قَدْ يَفْعَلُهُ لِأَجْلِ تَحْصِيلِ عِلَّتِهِ وَفَائِدَتِهِ قَوْلُهُ مَعَ وُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَقِيلَ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا وَفُرِضَ أَوَّلًا لِكُلِّ صَلَاةٍ ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَّا مَعَ الْحَدَثِ وَالصَّلَاةُ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ فَرْضِ الْوُضُوءِ هَلْ كَانَ يَتَوَضَّأُ لَهَا أَوْ لَا وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ كَانَ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُمْ هُنَا فُرِضَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَمْ يَقُولُوا شُرِعَ
قَوْلُهُ: (وَفِي مُوجِبِهِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ سَبَبِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْجُهٌ) لَوْ قَالَ أَقْوَالٌ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَقْوَالَ لِغَيْرِ الْمُجْتَهِدِ، وَالْأَوْجُهُ لِلْمُجْتَهِدِ اجْتِهَادَ مَذْهَبٍ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ مُوجِبَهُ الْحَدَثُ وَالِانْقِطَاعُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ وَالْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ لِفَوْرِيَّتِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ) وَلَوْ حُكْمًا لِيَدْخُلَ مَا إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَفْعَلْهَا.
قَوْلُهُ: (ثَالِثُهَا هُمَا) أَيْ الْحَدَثُ وَالْقِيَامُ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ، وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ الِانْقِطَاعُ فَمُوجِبُهُ مَجْمُوعُ أَمْرَيْنِ: الْحَدَثُ بِشَرْطِ الِانْقِطَاعِ، وَالْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَشُرُوطُهُ) هِيَ اثْنَا عَشَرَ فِي السَّلِيمِ، وَيَزِيدُ السَّلَسُ بِثَلَاثَةٍ أُخَرَ فَشُرُوطُ وُضُوءِ السَّلَسِ خَمْسَةَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْغُسْلُ) بِالْجَرِّ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: وَكَذَا شُرُوطُ الْغُسْلِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا قَبْلَهُ وَمَاءٌ مُطْلَقٌ مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرُ الْأَوَّلِ أَيْ فَشُرُوطُهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ إلَخْ وَالْغُسْلُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَاءٌ مُطْلَقٌ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِبَاهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَلَوْ ظَنًّا) هَذَا إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ اشْتِبَاهٌ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ الْإِطْلَاقِ وَلَا يُشْتَرَطُ ظَنُّهُ اهـ. م د. وَمُرَادُهُ بِالْمَعْرِفَةِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ بِدَلِيلِ جَعْلِهِ غَايَةً.
قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ الْحَائِلِ) كَدُهْنٍ جَامِدٍ.
أَمَّا الْمَائِعُ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مَسَّ الْمَاءِ لِلْعُضْوِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ شَوْكَةٌ لَوْ أُزِيلَتْ لَمْ يَلْتَئِمْ مَحَلُّهَا وَغُبَارٌ عَلَى عُضْوٍ لَا عَرَقَ مُتَجَمِّدٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ الْقَفَّالُ: تَرَاكُمُ الْوَسَخِ عَلَى الْعُضْوِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ، وَلَا النَّقْضُ بِلَمْسِهِ يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ فِيمَا إذَا صَارَ جُزْءًا مِنْ الْبَدَنِ، إذْ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ عَنْهُ.
وَالْمُرَادُ بِصَيْرُورَتِهِ كَالْجُزْءِ أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُ وَسَخٌ تَحْتَ الْأَظَافِرِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لِمَنْعِهِ وُصُولَ الْمَاءِ وَقَشَفٌ مَيِّتٌ مُتَرَاكِمٌ وَرَمَصٌ فِي الْعَيْنِ وَلَيْسَ مِنْهُ طَبُوعٌ عَسَرَ زَوَالُهُ فَيُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ق ل.
نُكْتَةٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَعَلَى بَدَنِهِ شَيْءٌ لَاصِقٌ بِهِ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهِ يَقْدِرُ عَلَى إزَالَتِهِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَصُورَتُهُ فِي الْوَسَخِ الَّذِي نَشَأَ مِنْ بَدَنِهِ وَهُوَ الْعَرَقُ الَّذِي يَتَجَمَّدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْ الْغُبَارِ كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَلَا يَضُرُّ لَوْنُ صِبْغٍ وَحِنَّاءٍ وَلَا دُهْنُ لَا جِرْمَ لَهُ كَشَيْرَجٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهَا) كَالْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ وَكَغُسْلِ الْعِيدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَسُّ ذَكَرٍ) لَوْ قَالَ فَرْجٍ لَكَانَ أَعَمَّ.
وَعَدَمُ الصَّارِفِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِدَوَامِ النِّيَّةِ، وَإِسْلَامٌ وَتَمْيِيزٌ وَمَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ كَنَظِيرِهِ الْآتِي فِي الصَّلَاةِ، وَأَنْ يَغْسِلَ مَعَ الْمَغْسُولِ جُزْءًا يَتَّصِلُ بِالْمَغْسُولِ وَيُحِيطُ بِهِ لِيَتَحَقَّقَ بِهِ اسْتِيعَابُ الْمَغْسُولِ وَتَحَقُّقُ الْمُقْتَضِي لِلْوُضُوءِ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَنْ يَغْسِلَ مَعَ الْمَغْسُولِ مَا هُوَ مُشْتَبَهٌ بِهِ، فَلَوْ خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ أَوْ يَدَانِ أَوْ رِجْلَانِ وَاشْتَبَهَ الْأَصْلِيُّ بِالزَّائِدِ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَيَزِيدُ وُضُوءُ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ بِاشْتِرَاطِ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَوْ ظَنًّا، وَتَقَدَّمَ الِاسْتِنْجَاءُ وَالتَّحَفُّظُ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا فُرُوضُهُ؛ فَذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَفُرُوضُ الْوُضُوءِ) جَمْعُ فَرْضٍ وَهُوَ وَالْوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ إلَّا فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْحَجِّ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (بِدَوَامِ النِّيَّةِ) أَيْ حُكْمًا.
قَوْلُهُ: (وَإِسْلَامٌ) مُرَادُهُ شُرُوطُ الْغُسْلِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ كَامِلَةٌ، فَلَا يَرِدُ غُسْلُ الذِّمِّيَّةِ لِتَحِلَّ لِحَلِيلِهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَتَمْيِيزٌ) يُسْتَثْنَى غَيْرُ الْمُمَيِّزِ إذَا وَضَّأَهُ وَلِيُّهُ فِي الْحَجِّ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ الْوُضُوءِ) أَيْ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ نَفْلًا شَرَحَ م ر. وَقَدْ يُقَالُ هَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَعْرِفَتِهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْرِفُ الْكَيْفِيَّةَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ اهـ. م د.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ هَيْئَةَ الشَّيْءِ صِفَتُهُ فَصِفَةُ الْوُضُوءِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي الْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ، لَا أَنْ لَا يَقْصِدَ بِفَرْضٍ سُنَّةً إذْ هَذَا زَائِدٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الْكَيْفِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ أَيْضًا فَتَفْسِيرُ الْهَيْئَةِ بِهِ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُمَيِّزَ فَرَائِضَهُ مِنْ سُنَنِهِ أَوْ يَعْتَقِدَ أَنَّ فِيهِ فَرْضًا وَسُنَّةً وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ أَحَدَهُمَا عَنْ الْآخَرِ، أَوْ يَعْتَقِدَ أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا فُرُوضٌ هَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ؛ وَالْمُضِرُّ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ فِيهِ فُرُوضًا وَسُنَنًا، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ الْفَرْضَ سُنَّةٌ وَهَذَا تَفْصِيلٌ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ.
أَمَّا الْعَالِمُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّمْيِيزِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَغْسِلَ إلَخْ) فِي عَدِّهِ شَرْطًا نَظَرٌ، بَلْ هُوَ فَرْضٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: وَأَنْ يَغْسِلَ مَعَ الْمَغْسُولِ جُزْءًا إلَخْ.
رَدَّهُ م ر بِأَنَّهُ بِالرُّكْنِ أَشْبَهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَتَحَقُّقُ الْمُقْتَضِي إلَخْ بِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ عِنْدَ التَّبَيُّنِ أَيْ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَأَنْ يَغْسِلَ مَعَ الْمَغْسُولِ مَا هُوَ مُشْتَبَهٌ بِهِ رَدَّهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ بِالرُّكْنِ أَشْبَهُ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَتَحَقُّقُ الْمُقْتَضِي إلَخْ) فِي كَوْنِهِ شَرْطًا نَظَرٌ لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوُضُوءِ حَالَ الشَّكِّ، وَتَبَيَّنَ بُطْلَانَهُ عِنْدَ تَبَيُّنِ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لَا يَقْتَضِي أَنَّ حُصُولَ التَّحَقُّقِ عِنْدَ الْوُضُوءِ شَرْطٌ، فَلَوْ أَبْدَلُوا هَذَا بِأَنْ يَقُولُوا: وَوُجُودُ الْمُقْتَضِي لَكَانَ أَنْسَبَ.
وَقَوْلُهُ: (فَلَوْ شَكَّ) إلَخْ.
أَيْ فَهُوَ مُتَيَقِّنٌ لِلطَّهَارَةِ وَشَاكٌّ فِي الْحَدَثِ، وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ فَوُضُوءُهُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَسَيَأْتِي وُضُوحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ تَوَضَّأَ الشَّاكُّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) أَيْ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ صَحَّ وُضُوءُهُ وَيَكُونُ لِلِاحْتِيَاطِ.
قَوْلُهُ: (وَاشْتَبَهَ الْأَصْلِيُّ بِالزَّائِدِ) وَيُعْرَفُ الْأَصْلِيُّ مِنْ الزَّائِدِ بِأَنْ يُولَدَ بِهِمَا أَوْ يُولَدَ بِوَاحِدٍ ثُمَّ يُخْلَقُ لَهُ آخَرُ بَعْدَ وِلَادَتِهِ، فَمَا وُلِدَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلِيٌّ وَمَا حَدَثَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ هُوَ الزَّائِدُ، وَتَارَةً يُشْتَبَهُ بِالْأَصْلِيِّ، وَتَارَةً لَا فَتَأَمَّلْ، وَرَاجِعْ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر مَا نَصُّهُ: وَيُكْتَفَى بِالنِّيَّةِ عِنْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ أَحَدِهِمَا إنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ وَعِنْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ اشْتَبَهَ الزَّائِدُ بِالْأَصْلِيِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ فِي غَسْلِ وَجْهَيْهِ فِي صُورَةِ مَا لَوْ اشْتَبَهَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ غَسَلَ أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ بِمَاءٍ، ثُمَّ غَسَلَ بِهِ الثَّانِيَ اكْتَفَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْأَوَّلَ، فَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَلَا يَضُرُّ كَوْنُ غَسْلِهِ بِمُسْتَعْمَلٍ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلِيُّ هُوَ الثَّانِيَ فَغَسْلُ الْأَوَّلِ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا لِانْتِفَاءِ الْأَصَالَةِ عَنْ الْمَغْسُولِ، فَإِذَا غَسَلَ بِهِ الثَّانِي ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ كُلٍّ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيِّ.
اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ؛ لِأَنَّهُ قُيِّدَ فِي التَّحَفُّظِ، وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ لِلِاسْتِنْجَاءِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا كَانَ حَدَثُهُ الدَّائِمُ رِيحًا إذْ لَا اسْتِنْجَاءَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ الْوُضُوءِ) وَكَذَا بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ أَيْضًا، وَهَذَا فِي سَلَسِ نَحْوِ الْبَوْلِ كَالْمَذْيِ أَمَّا سَلَسُ الرِّيحِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ، وَبَيْنَ الصَّلَاةِ لَا بَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ سم.
قَوْلُهُ: (وَفُرُوضُ الْوُضُوءِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ مَنْدُوبًا أَيْ أَرْكَانُهُ، إذْ الْفَرْضُ وَالرُّكْنُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَآثَرَ الْفَرْضَ هُنَا وَفِي الصَّلَاةِ الْأَرْكَانَ لَعَلَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ تَفْرِيقُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ كَانَتْ كَحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ
كَمَا سَتَعْرِفُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هُنَاكَ.
وَقَوْلُهُ: (سِتَّةٌ) خَبَرُ فُرُوضٍ زَادَ بَعْضُهُمْ سَابِعًا وَهُوَ الْمَاءُ الطَّهُورُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ شَرْطٌ كَمَا مَرَّ، وَاسْتُشْكِلَ بِعَدِّ التُّرَابِ رُكْنًا فِي التَّيَمُّمِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ ضَرُورَةً.
الْأَوَّلُ مِنْ الْفُرُوضِ: (النِّيَّةُ) لِرَفْعِ حَدَثٍ عَلَيْهِ أَيْ رَفْعِ حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ لَا يَرْتَفِعُ وَذَلِكَ كَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَلَوْ لِمَاسِحِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْوُضُوءِ رَفْعُ الْمَانِعِ، فَإِذَا نَوَاهُ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْمَقْصُودِ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا عَلَيْهِ مَا لَوْ نَوَى غَيْرَهُ، كَأَنْ بَالَ وَلَمْ يَنَمْ فَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ النَّوْمِ،
[حاشية البجيرمي]
مُرَكَّبَةٍ مِنْ أَجْزَاءٍ، فَنَاسَبَ عَدُّ أَجْزَائِهَا أَرْكَانًا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنْهُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، وَيَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِهِ فَلَا تَرْكِيبَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْحَجِّ) يُوهِمُ أَنَّ بَعْضَ أَحْكَامِ الْحَجِّ يَتَّحِدُ فِيهِ الْفَرْضُ، وَالْوَاجِبُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْفَرْضُ مُطْلَقًا هُنَاكَ خِلَافُ الْوَاجِبِ فَالْأَوْلَى حَذْفُ بَعْضَ.
قَوْلُهُ: (سِتَّةٌ) أَرْبَعَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَاثْنَانِ بِالسُّنَّةِ وَهُمَا النِّيَّةُ وَالتَّرْتِيبُ، وَعَدُّهَا سِتَّةً عِنْدَنَا خِلَافًا لِلسَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلَمْ يَعُدُّوا الْمَاءَ رُكْنًا هُنَا مَعَ عَدِّ التُّرَابِ رُكْنًا فِي التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ خَاصٍّ بِالْوُضُوءِ بِخِلَافِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالتَّيَمُّمِ.
وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ الْمُغَلَّظَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فِيهَا وَحْدَهُ بَلْ الْمَاءُ بِشَرْطِ امْتِزَاجِهِ بِالتُّرَابِ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَحْسُنُ عَدُّ التُّرَابِ رُكْنًا؛ لِأَنَّ الْآلَةَ جِسْمٌ وَالْفِعْلَ عَرَضٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْجِسْمُ جُزْءًا مِنْ الْعَرَضِ شَرَحَ م ر. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الرُّكْنَ اسْتِعْمَالُهُ لَا ذَاتُهُ فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَحْكَامِ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ لَا الْأَعْيَانِ.
قَوْلُهُ: (خَبَرُ فُرُوضٍ) فَإِنْ قِيلَ: دَلَالَةُ الْعَامِّ كُلِّيَّةٌ مَحْكُومٌ فِيهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مُطَابَقَةً وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي انْقِسَامَ كُلِّ وَاحِدٍ إلَى سِتَّةٍ خُصُوصًا، وَقَدْ قِيلَ إنَّ أَفْرَادَ الْجَمْعِ جُمُوعٌ فَيَجْتَمِعُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ.
يُقَالُ فِي الْجَوَابِ: إنَّ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ أَوْ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ الْمَجْمُوعِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: رِجَالُ الْبَلَدِ يَحْمِلُونَ الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ أَيْ مَجْمُوعُهُمْ لَا كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ م ر.
قَوْلُهُ: (طَهَارَةٌ ضَرُورَةً) أَيْ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهَا عَلَيْهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِكَوْنِهَا طَهَارَةً ضَرُورَةً أَنَّهَا تَحْتَاجُ لِلتَّقْوِيَةِ فَجَعَلْنَا التُّرَابَ رُكْنًا تَقْوِيَةً لِطَهَارَةِ الضَّرُورَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: كَوْنُهَا طَهَارَةً ضَرُورَةً أَوْ غَيْرَ ضَرُورَةٍ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الرُّكْنِيَّةِ وَعَدَمِهَا، فَالْأَوْلَى الْفَرْقُ بِأَنَّ الْمَاءَ لَمَّا كَانَ غَيْرَ خَاصٍّ بِطَهَارَةِ الْحَدَثِ لَمْ يُعَدَّ رُكْنًا بِخِلَافِ التُّرَابِ اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (لِرَفْعِ حَدَثٍ) اللَّامُ زَائِدَةٌ لِلتَّقْوِيَةِ أَيْ نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ كَنِيَّةِ الطَّهَارَةِ عَنْهُ أَوَّلَهُ أَوْ لِأَجْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدَثِ هُنَا السَّبَبُ بِدَلِيلِ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ فِي قَوْلِهِ أَيْ رُفِعَ حُكْمُهُ.
وَلَوْ أَرَادَ الْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرَيْنِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ كَأَنْ بَالَ وَلَمْ يَنَمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ هُنَا أَحَدُ الْأَسْبَابِ لَا الْأَمْرُ الِاعْتِبَارِيُّ، وَلَا الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَالَ: نَوَيْت رَفْعَ الْحَدَثِ، فَالْمُرَادُ رَفْعُ حُكْمِهِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحَظْ هَذَا الْمَعْنَى، فَلَوْ أَرَادَ بِالْحَدَثِ نَفْسَ السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ لَا يَرْتَفِعُ ح ل وَع ش بِالْمَعْنَى.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ صُوَرِ النِّيَّةِ سَبْعَةٌ: نِيَّةُ الرَّفْعِ، وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ، وَنِيَّةُ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ وَنِيَّةُ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ، وَنِيَّةُ الْوُضُوءِ فَقَطْ، وَنِيَّةُ أَدَاءِ الْوُضُوءِ، وَنِيَّةُ فَرْضِ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَاقِعَ) وَهُوَ السَّبَبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ الْحُكْمُ قَوْلُهُ: (كَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ) أَوْ غَيْرِهَا كَالطَّوَافِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِالْكَافِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِمَاسِحِ الْخُفِّ) غَايَةٌ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَسْحَ رَافِعٌ لَا مُبِيحٌ فَأَتَى بِهِ لِدَفْعِ أَنَّهُ كَالتَّيَمُّمِ مُبِيحٌ لَا رَافِعٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْقَصْدَ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ أَيْ الْمَقْصُودَ مِنْ الْوُضُوءِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ كَيْفَ صَحَّ الْوُضُوءُ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لَهُ أَيْ لِلْوُضُوءِ؟ . وَقَالَ شَيْخُنَا ح ف: لَمَّا كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي يُنْوَى هُوَ الْوُضُوءَ فَيُتَوَهَّمُ أَنَّ نِيَّةَ الرَّفْعِ لَا تَكْفِي دَفْعَ ذَلِكَ بِهَذَا التَّعْلِيلِ.
وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ نِيَّةَ الرَّفْعِ تَشْتَمِلُ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ الْوُضُوءِ، فَإِذَا نَوَى الرَّفْعَ فَقَدْ نَوَى الْوُضُوءَ مِنْ حَيْثُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا نَوَاهُ) أَيْ رَفْعَ الْحَدَثِ.
وَقَوْلُ الْمَدَابِغِيِّ أَيْ رَفْعَ الْحُكْمِ فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَ الشَّارِحِ بَعْدُ كَأَنْ بَالَ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: (تَعَرَّضَ لِلْمَقْصُودِ) أَيْ وَهُوَ رَفْعُ مَانِعِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْمَقْصُودِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مُلَاحَظَةُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ
فَإِنْ كَانَ عَامِدًا لَمْ يَصِحَّ أَوْ غَالِطًا صَحَّ.
وَضَابِطُ مَا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِيهِ وَمَا لَا يَضُرُّ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَنَّ مَا يُعْتَبَرُ التَّعَرُّضُ لَهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا أَوْ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِيهِ، وَمَا لَا يَضُرُّ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الصَّلَاةِ وَعَكْسُهُ، وَالثَّانِي كَالْغَلَطِ فِي تَعْيِينِ الْإِمَامِ، وَمَا لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا لَا يَضُرُّ الْغَلَطُ فِيهِ كَالْخَطَأِ هُنَا.
وَفِي تَعْيِينِ الْمَأْمُومِ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ التَّعَرُّضُ لِلْإِمَامَةِ، أَمَّا إذَا وَجَبَ التَّعَرُّضُ لَهَا كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ.
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَيْ الْأَعْمَالُ الْمُعْتَدُّ بِهَا شَرْعًا وَحَقِيقَتُهَا لُغَةً الْقَصْدُ وَشَرْعًا قَصْدًا
[حاشية البجيرمي]
قَالَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ أَوْ فَرْضَ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ بَالَ وَلَمْ يَنَمْ) تَمْثِيلُهُ بِمَا يَتَأَتَّى لَيْسَ قَيْدًا حَتَّى لَوْ نَوَى مَا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ كَنِيَّةِ رَفْعِ حَدَثِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ غَالِطًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْغَلَطَ يَسْتَدْعِي شُغْلَ الْفِكْرِ بِمَعْهُودٍ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَعْهُودٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ؟ . وَأُجِيبَ: بِمَا إذَا كَانَ خُنْثَى وَاتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ، فَأَرَادَ رَفْعَ حَدَثِ الْبَوْلِ فَسَبَقَ فَكُرِهَ لِحَدَثِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (حَدَثَ النَّوْمِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَوَّلُ كَالْغَلَطِ مِنْ الصَّوْمِ إلَى الصَّلَاةِ) فَإِنَّ الصَّوْمَ يُشْتَرَطُ قَصْدُهُ فَفِيهِ التَّعَرُّضُ جُمْلَةً بِكَوْنِهِ صَوْمًا وَتَفْصِيلًا بِكَوْنِهِ عَنْ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءً.
فَإِذَا أَخْطَأَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ ضَرَّ وَمِثْلُهُ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَعَكْسُهُ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّ الصَّلَاةَ يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهَا جُمْلَةً مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
وَقَوْلُهُ: (كَالْغَلَطِ مِنْ الصَّوْمِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَلَطَ لَيْسَ مِثَالًا لِلْأَوَّلِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَالصَّوْمِ إذَا غَلِطَ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ: (كَالْغَلَطِ فِي تَعْيِينِ الْإِمَامِ) فَإِنَّ الْقُدْوَةَ يُعْتَبَرُ التَّعَرُّضُ لَهَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلْمُقْتَدَى بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ تَعْيِينُهُ، لَكِنْ لَوْ عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ أَضَرَّ حَيْثُ لَا إشَارَةَ لِرَبْطِهِ صَلَاتَهُ بِغَيْرِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ أَيْضًا: (فِي تَعْيِينِ الْإِمَامِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ أَيْ فِي تَعْيِينِ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ كَأَنْ نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَبَانَ عَمْرًا.
قَوْلُهُ: (كَالْخَطَأِ هُنَا) أَيْ فِي الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا بِكَوْنِهِ حَدَثَ بَوْلٍ أَوْ نَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي نَوَيْت فَرْضَ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي تَعْيِينِ الْمَأْمُومِ) مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ أَيْضًا أَيْ تَعْيِينِ الْإِمَامِ الْمَأْمُومِينَ أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ التَّعَرُّضُ لِلْمَأْمُومِينَ لَا إجْمَالًا وَلَا تَفْصِيلًا، فَلَوْ عَيَّنَ الْمَأْمُومِينَ وَتَبَيَّنَ خِلَافُ مَا عَيَّنَهُ لَا يَضُرُّ.
وَقَوْلُهُ: (حَيْثُ) هَذِهِ حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ.
وَقَوْلُهُ: (كَإِمَامِ الْجُمُعَةِ) بِأَنْ قَالَ: نَوَيْت أُصَلِّي بِأَهْلِ سَعْدٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَهْلُ حَرَامٍ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ الْغَلَطُ فِيهِ.
وَمِثْلُ الْجُمُعَةِ الْمُعَادَةُ وَالْمَجْمُوعَةُ بِالْمَطَرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ وَالْمَنْذُورُ جَمَاعَتُهَا، وَلَكِنْ تَصِحُّ فُرَادَى مَعَ الْحُرْمَةِ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا الْأَعْمَالُ) أَيْ صِحَّتُهَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَيْ كَمَالُهَا فَتَصِحُّ عِنْدَهُ الْوَسَائِلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
وَالْجَوَابُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ أَقْرَبُ إلَى نَفْيِ الذَّاتِ مِنْ نَفْيِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ مَا انْتَفَتْ صِحَّتُهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا، فَكَأَنَّ ذَاتَهُ مَعْدُومَةٌ بِخِلَافِ مَا انْتَفَى كَمَالُهُ فَيُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا، فَكَانَتْ ذَاتُهُ مَوْجُودَةً ع ش عَلَى م ر. مَعَ زِيَادَةٍ، وَانْظُرْ لِمَ تَرَكَ الشَّارِحُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] مَعَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالتَّقْدِيرِ كَمَا عَلِمْت فَهِيَ حِينَئِذٍ أَحْرَى مَعْنًى فَتَأَمَّلْ وَلَعَلَّهُ تَرَكَ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ نَصًّا فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ، وَخُرُوجُ بَعْضِ الْأَعْمَالِ عَنْ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِيهِ إمَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ أَوْ اسْتِحَالَةٍ وَنَحْوِهَا وَكَمُعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَوَقَّفَتْ عَلَى النِّيَّةِ مَعَ أَنَّ النِّيَّةَ قَصْدُ الْمَنْوِيِّ بِالْقَلْبِ وَلَا يُقْصَدُ إلَّا مَا يُعْرَفُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَارِفًا بِاَللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ لَهُ فَيَكُونُ عَارِفًا بِهِ غَيْرَ عَارِفٍ بِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا ثَوَابَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ يَتْبَعُ النِّيَّةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَرَافِيُّ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْتَرِطْ النِّيَّةَ فِي إزَالَةِ الْخَبَثِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التُّرُوكِ كَالزِّنَا، فَتَارِكُ الزِّنَا مِنْ حَيْثُ إسْقَاطُ الْعِقَابِ لَا يَحْتَاجُهَا وَمِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ الثَّوَابِ عَلَى التَّرْكِ يَحْتَاجُهَا، وَكَذَا إزَالَةُ الْخَبَثِ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّطَهُّرُ، وَيَحْتَاجُهَا مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِ الشَّارِعِ.
وَآثَرَ ذِكْرَ الْأَعْمَالِ عَلَى ذِكْرِ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَمَلِ أَخَصُّ مِنْ لَفْظِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ
لِشَيْءٍ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ.
وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ.
وَالْمَقْصُودُ بِهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ كَالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ لِلِاعْتِكَافِ تَارَةً وَلِلِاسْتِرَاحَةِ أُخْرَى، أَوْ تَمْيِيزُ رُتَبِهَا كَالصَّلَاةِ تَكُونُ لِلْفَرْضِ تَارَةً وَلِلنَّفْلِ أُخْرَى.
وَشَرْطُهَا إسْلَامُ النَّاوِي وَتَمْيِيزُهُ، وَعِلْمُهُ بِالْمَنْوِيِّ، وَعَدَمُ إتْيَانِهِ بِمَا يُنَافِيهَا بِأَنْ يَسْتَصْحِبَهَا حُكْمًا، وَأَنْ لَا تَكُونَ مُعَلَّقَةً، فَلَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ صَحَّتْ.
وَوَقْتُهَا أَوَّلُ الْفُرُوضِ كَأَوَّلِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبُوا الْمُقَارَنَةَ فِي الصَّوْمِ لِعُسْرِ مُرَاقَبَةِ الْفَجْرِ وَتَطْبِيقِ النِّيَّةِ عَلَيْهِ.
وَكَيْفِيَّتُهَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَبْوَابِ، فَيَكْفِي هُنَا نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ كَمَا مَرَّ، أَوْ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ شَيْءٍ مُفْتَقِرٍ إلَى وُضُوءٍ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ
[حاشية البجيرمي]
يُنْسَبُ لِلْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ كَمَا يُنْسَبُ إلَى ذَوِي الْعُقُولِ، بِخِلَافِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَصْدُ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: قُلْت لَفْظُ الْعَمَلِ لَفْظُ الْعِلْمِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَاهُ وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ الْعَمَلُ فِي الْحَيَوَانِ إلَّا فِي قَوْلِهِمْ الْبَقَرُ وَالْإِبِلُ الْعَوَامِلُ.
وَأَمَّا الصُّنْعُ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ إلَّا لِمَا كَانَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِقَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ بَعْدَ ذِكْرٍ وَتَحَرٍّ.
قَوْلُهُ: (بِالنِّيَّاتِ) جَمْعُ نِيَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ نَوَى بِمَعْنَى قَصَدَ، وَالْأَصْلُ نَوِيَّةٌ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ وَتَخْفِيفُهَا لُغَةً مِنْ وَنَى يَنِي إذَا أَبْطَأَ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَصْحِيحِهَا إلَى نَوْعِ إبْطَاءٍ، وَأَلْ بَدَلٌ عَنْ الضَّمِيرِ أَيْ بُنْيَانُهَا فَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْعَمَلِ مِنْ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (بِفِعْلِهِ) أَيْ الشَّيْءِ فَإِنْ تَرَاخَى أَيْ الْفِعْلُ عَنْهُ أَيْ عَنْ الْقَصْدِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ أَيْ بِأَوَّلِ فِعْلِهِ، أَوْ الْمُرَادُ بِجَمِيعِ أَفْعَالِهِ لَكِنَّ اقْتِرَانَهَا بِالْأَوَّلِ حَقِيقَةً وَبِمَا سِوَاهُ حُكْمًا.
وَفِي قَوْلِهِ بِفِعْلِهِ إضَافَةُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ عَائِدَةٌ لِلشَّيْءِ وَهُوَ فِعْلٌ أَيْضًا.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَافَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَالْفِعْلُ الْمُضَافُ إلَيْهِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ، وَاعْتِبَارُ الِاقْتِرَانِ فِي تَعْرِيفِ النِّيَّةِ مُشْكِلٌ لِتَحَقُّقِهَا بِدُونِهِ فِي الصَّوْمِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا رَسْمًا اُعْتُبِرَ فِيهِ لَازِمٌ غَالِبِيٌّ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ حَقِيقَتُهَا لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، أَوْ يَلْتَزِمُ أَنَّ السَّابِقَ فِي الصَّوْمِ لَيْسَ بِنِيَّةٍ بَلْ هُوَ عَزْمٌ اكْتَفَى بِهِ لِلضَّرُورَةِ سم عَلَى الْبَهْجَةِ ع ش عَلَى م ر مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَحُكْمُهَا الْوُجُوبُ) أَيْ غَالِبًا، وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً كَمَا فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ.
قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ) نَعَمْ يُسَنُّ التَّلَفُّظُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْأَبْوَابِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر لِيُسَاعِدَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ.
فَائِدَةٌ: فِي الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْمَوَاهِبِ مَا نَصُّهُ: وَذَكَرَ ابْنُ الْعِمَادِ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ أَنَّ لِلْقَلْبِ أُذُنَيْنِ يَسْمَعُ بِهِمَا كَمَا أَنَّ فِي الرَّأْسِ أُذُنَيْنِ وَلِلْقَلْبِ عَيْنَيْنِ، كَمَا أَنَّ لِلْبَدَنِ عَيْنَيْنِ قَالَهُ الرَّاغِبُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُوصِيرِيُّ نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي شَرْحِهِ عَلَى بُرْدَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ:
فَمَا لِعَيْنَيْك إنْ قُلْت اكْفُفَا هَمَّتَا
إلَخْ مَا نَصُّهُ: وَيُقَالُ إنَّ الْعَيْنَيْنِ لَا يَبْكِيَانِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكٌ مِنْ اللَّهِ فَيَمْسَحَ الْقَلْبَ بِجَنَاحِهِ فَتَبْكِي عَيْنَا قَلْبِهِ فَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي عَيْنَيْ رَأْسِهِ.
قَوْلُهُ: (رَتَّبَهَا) أَيْ الْعِبَادَاتِ.
قَوْلُهُ: (تَكُونُ لِلْفَرْضِ تَارَةً إلَخْ) لَوْ قَالَ تَكُونُ تَارَةً فَرْضًا وَتَارَةً نَفْلًا لَكَانَ أَحْسَنَ.
اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (إسْلَامُ النَّاوِي) أَيْ إنْ كَانَتْ لِلتَّقَرُّبِ فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّمْيِيزِ صَحَّتْ مِنْ الْكَافِرِ كَنِيَّةِ الذِّمِّيَّةِ الْغُسْلَ مِنْ الْحَيْضِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَتَمْيِيزُهُ) إنْ كَانَ هُوَ النَّاوِي فَلَا يَرِدُ وُضُوءُ الْوَلِيِّ لِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ فِي الْحَجِّ لِيَطُوفَ بِهِ، وَلَا الزَّوْجِ فِي غُسْلِ الْمَجْنُونَةِ مِنْ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَطْلَقَ) بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ أَوْ أَطْلَقَ وَقَعَ أَوْ التَّعْلِيقَ فَلَا.
أَيْ فَاحْتَاطُوا فِي الْبَابَيْنِ وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعِبَادَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ الْفُرُوضِ) لَوْ قَالَ أَوَّلُ الْعِبَادَاتِ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبُوا الْمُقَارَنَةَ) بَلْ لَمْ يُجَوِّزُوهَا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِعُسْرِ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ وَرَاعَى طُلُوعَ الْفَجْرِ وَقَارَنَهُ صَحَّ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْدِيمِ.
وَعِبَارَةُ سم، فَإِنْ قُلْت: هَلَّا جَوَّزُوا الْمُقَارَنَةَ؟ . قُلْت: لَمْ يُجَوِّزُوهَا؛ لِأَنَّهَا تُصَيِّرُهَا مَظِنَّةً لِلْخَطَأِ بِالتَّأْخِيرِ فَأَوْجَبُوا التَّقْدِيمَ لِلِاحْتِيَاطِ اهـ. .
قَوْلُهُ: (تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَبْوَابِ) وَبَيَانُهُ أَنَّ
الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ إنَّمَا يُطْلَبُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِذَا نَوَاهَا فَقَدْ نَوَى غَايَةَ الْقَصْدِ أَوْ أَدَاءَ فَرْضِ الْوُضُوءِ أَوْ فَرْض الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَضِّئُ صَبِيًّا أَوْ أَدَاءَ الْوُضُوءِ أَوْ الْوُضُوءَ فَقَطْ لِتَعَرُّضِهِ لِلْمَقْصُودِ، فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ.
تَنْبِيهٌ: مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْأُمُورِ السَّابِقَةِ مَحَلُّهُ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ الْمُجَدَّدِ، أَمَّا الْمُجَدَّدُ فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِنِيَّةِ الرَّفْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ.
[حاشية البجيرمي]
كَيْفِيَّتَهَا فِي الْوُضُوءِ اسْتِحْضَارُ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَقَصْدُ غَسْلِهَا عِنْدَ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ لِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا.
وَفِي الصَّلَاةِ اسْتِحْضَارُ سُورَتِهَا وَأَرْكَانِهَا وَهَيْئَاتِهَا وَقَصْدُ إيقَاعِ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهَا وَهُوَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَكَيْفِيَّتُهَا فِي الْأَوَّلِ غَيْرُهَا فِي الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (أَوْ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ إلَخْ) قَرَّرَ الزِّيَادِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُفْتَقِرُ إلَى الْوُضُوءِ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَبِيحَهُ النَّاوِي فَلَا تَصِحُّ نِيَّةُ الْمَرْأَةِ اسْتِبَاحَةَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (مُفْتَقِرٌ إلَى وُضُوءٍ) أَيْ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَا يَفْتَقِرُ إلَى وُضُوءٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ النَّاوِي فَيَصِحُّ نِيَّةُ صَبِيٍّ اسْتِبَاحَةَ مَسِّ الْمُصْحَفِ مَا لَمْ يَقْصِدْ لِحَاجَةِ تَعَلُّمِهِ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ لِهَذَا الْقَيْدِ، وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَيْ الْكُلِّيَّةِ بِأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مُفْتَقِرٍ إلَى وُضُوءٍ أَيْضًا.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (كَالصَّلَاةِ إلَخْ) كَأَنْ قَالَ نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ مَسَّ الْمُصْحَفِ.
قَالَ شَيْخُنَا: كَابْنِ حَجَرٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ مُفْتَقِرٍ إلَى وُضُوءٍ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ شَيْءٌ مِنْ مُفْرَدَاتِهِ وَكَوْنُ نِيَّتِهِ حِينَئِذٍ تَصْدُقُ بِنِيَّةٍ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِمَّا يَفْتَقِرُ لَهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ، وَشَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى بِوُضُوئِهِ مَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ فِعْلُهُ حَالًا كَالطَّوَافِ وَهُوَ بِمِصْرَ مَثَلًا أَوْ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي نَحْوِ رَجَبٍ مَا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِأَنْ يَقُولَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ لِتَلَاعُبِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْمُتَصَرِّفِينَ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ الصِّحَّةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ عَاجِزًا وَقْتَ النِّيَّةِ ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ الْقُدْرَةُ بَعْدُ بِأَنْ صَارَ مُتَصَرِّفًا أَوْ اتَّفَقَ لَهُ مَنْ يُوصِلُهُ لَمْ يَصِحَّ لِفَسَادِ النِّيَّةِ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا وَمَا وَقَعَ بَاطِلًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا.
وَشَمِلَ أَيْضًا مَا لَوْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَلَا يُصَلِّيَ بِهِ غَيْرَهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِهِ رَفْعَ حَدَثٍ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةٍ دُونَ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ لَا يَتَجَزَّأُ إذَا بَقِيَ بَعْضُهُ بَقِيَ كُلُّهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ شَرَحَ.
م ر.
قَوْلُهُ: (غَايَةَ الْقَصْدِ) أَيْ الْمَقْصُودَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ غَايَةُ نِيَّةِ الرَّفْعِ وَنِهَايَتُهَا، فَهِيَ نِهَايَةُ الْمَقْصُودِ، فَفِي الْمَقَامِ مَقْصُودٌ وَغَايَةٌ، فَنِيَّةُ الرَّفْعِ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِلْمَقْصُودِ وَالْغَايَةُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَدَاءُ فَرْضِ الْوُضُوءِ) وَتَدْخُلُ السُّنَنُ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَضِّئُ صَبِيًّا) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْوُضُوءُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِنَحْوِ الصَّلَاةِ وَلَوْ مِنْ الصَّبِيِّ، وَمَحَلُّهُ إذَا أَرَادَ بِالْفَرْضِ مَا ذُكِرَ أَوْ الْفَرْضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ أَرَادَ الْفَرْضَ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهِ فَلَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ لِتَلَاعُبِهِ.
قَالَ م ر: وَإِنَّمَا صَحَّ يَعْنِي فَرْضُ الْوُضُوءِ قَبْلَ الْوَقْتِ مَعَ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْمُرَادِ بِهِ فِعْلَ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ الْمَشْرُوطِ لِلصَّلَاةِ.
وَشَرْطُ الشَّيْءِ يُسَمَّى فَرْضًا، وَأَيْضًا فَهُوَ بِاعْتِبَارِ مَا يَطْرَأُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ نَاوِيَ رَفْعِ الْحَدَثِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ يَكْفِي مِنْهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ ذَلِكَ الْوَقْتَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْأُمُورِ السَّابِقَةِ) أَيْ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ وَمَا مَعَهَا مِنْ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْوُضُوءِ غَيْرِ الْمُجَدَّدِ) أَيْ وَغَيْرُ وُضُوءِ دَائِمِ الْحَدَثِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُجَدَّدُ) فِيهِ إظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِأَجْلِ زِيَادَةِ التَّقْرِيرِ وَالتَّوَضُّحِ.
قَوْلُهُ: (فَالْقِيَاسُ) مُعْتَمَدٌ أَيْ عَلَى وُضُوءِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ هَذَا إلَّا بِالنَّظَرِ لِلنِّيَّةِ الْأُولَى، أَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ فَإِنَّهَا لَا تَمْتَنِعُ فِي وُضُوءِ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ) أَوْ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَوْ فَرْضِ الْوُضُوءِ أَوْ يُرِيدُ بِهِ الْفَرْضَ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْهُ أَوْ الْفَرْضِ الصُّورِيِّ، وَلَا
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَقَدْ يُقَالُ يُكْتَفَى بِهَا كَالصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ مُشْكِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَتَخْرِيجُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ لِأَنَّ قَضِيَّةَ التَّجْدِيدِ أَنْ يُعِيدَ الشَّيْءَ بِصِفَتِهِ الْأُولَى.
انْتَهَى.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ فَرْضُهُ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةُ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي الْوُضُوءِ فِيمَا عَلِمْت بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا اكْتَفَى بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ فَقَطْ دُونَ نِيَّةِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً فَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهَا، بِخِلَافِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَغُسْلِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَلَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ صَحَّ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَنْ الْحَدَثِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ، وَعَلَّلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَكُونُ عَنْ حَدَثٍ، وَقَدْ تَكُونُ عَنْ خَبَثٍ
[حاشية البجيرمي]
تَصِحُّ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَصَدَ بِنِيَّتِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةَ مَا هُوَ عَلَى صُورَةِ الرَّافِعِ أَوْ الْمُبِيحِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَمِثْلُ الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وُضُوءُ الْجُنُبِ إذَا تَجَرَّدَتْ جَنَابَتُهُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.
قَوْلُهُ: (كَالصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَنْوِي فِيهَا الْفَرْضِيَّةَ مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ فَرْضٍ، فَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا نِيَّةُ مَا لَيْسَ عَلَى النَّاوِي؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُعَادَةِ نَوَى الْفَرْضِيَّةَ وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ، وَفِي الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نِيَّتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَثَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ بِدُونِ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَالْمُنَاسِبُ لِلْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ فِي النِّيَّةِ أَنْ يَقِيسَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ عَلَى الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ فِي النِّيَّةِ لَا أَنْ يَقِيسَ نِيَّةَ الرَّفْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ فِي الْمُعَادَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ مِنْ نِيَّةِ الرَّفْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ الْمُعَادَةُ أَيْ الِاكْتِفَاءُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِيهَا خَارِجٌ إلَخْ، فَاسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ، لَكِنْ بِهَذَا التَّقْدِيرِ.
وَقَوْلُهُ: (فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الرَّفْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ هُنَا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الْمُعَادَةِ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ الْقَوَاعِدِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ) إلَخْ هَذَا رَدٌّ لِكَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ كَمَا فِي م ر. وَمَا زَعَمَهُ الْمُحَشِّي مِنْ أَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ، وَمِنْ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْعِمَادِ تَأْيِيدٌ لِكَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ غَفْلَةٌ سَبَبُهَا تَوَهُّمُ أَنَّ قَوْلَهُ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ.
لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ، بَلْ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ تَوَرُّكًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ مِنْ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ كَمَا هُوَ صَرِيحٌ فِي م ر وَعِبَارَتُهُ أَمَّا هُوَ أَيْ الْمُجَدَّدُ، فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ فِيهِ بِنِيَّةِ الرَّفْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ، وَإِنْ ذَهَبَ الْإِسْنَوِيُّ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ كَالصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ قَالَ: غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ مُشْكِلٌ خَارِجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِأَنَّ تَخْرِيجَهُ عَلَى الصَّلَاةِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ.
اهـ بِحُرُوفِهِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُحَشِّي أَنَّهُ تَأْيِيدٌ لِصَدْرِ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ هُوَ رَدًّا لِعَجْزِهِ أَعْنِي قَوْلَهُ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ إلَخْ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ ابْنَ الْعِمَادِ يُخَالِفُ الْإِسْنَوِيَّ فِي الْقِيَاسِ، وَيُوَافِقُهُ فِي الْحُكْمِ وَابْنُ الْعِمَادِ تِلْمِيذُ الْإِسْنَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (مُشْكِلٌ) وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَسِيلَةٌ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ وَلَوْ نَافِلَةً مَقْصِدٌ، وَالْوَسِيلَةُ لَا تُقَاسُ عَلَى الْمَقْصِدِ.
وَقَوْلُهُ: خَارِجٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ مُشْكِلٌ، فَالْخَارِجُ عَنْ الْقَوَاعِدِ هُوَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَفْلٌ وَهُوَ لَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَخْرِيجُهُ) أَيْ قِيَاسُ الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الرَّفْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الصَّلَاةِ) أَيْ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: لَيْسَ بِبَعِيدٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ كَوْنُهُ خَارِجًا عَنْ الْقَوَاعِدِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ فَمِنْ ثَمَّ كَانَ ضَعِيفًا قَوْلُهُ: (هَلْ فَرْضُهُ الْأُولَى) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهَا) أَيْ الْعِبَادَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُطْلَقُ إلَخْ) لَوْ قَالَ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَادَةً لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهِمَا) كَالتَّنَظُّفِ وَالتَّبَرُّدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَوَى) أَيْ مُرِيدُ الْوُضُوءِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْكَلَامِ لَا لِلْمُجَدِّدِ، قَوْلُهُ: (الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ) أَوْ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ أَوْ الطَّهَارَةَ لِلْحَدَثِ، أَوْ لِأَجْلِ الْحَدَثِ أَوْ أَدَاءَ فَرْضِ الطَّهَارَةِ أَوْ الطَّهَارَةَ لِلصَّلَاةِ فَهِيَ سِتُّ صُوَرٍ اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَعَلَّلَهُ) أَيْ عَلَّلَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ، قَوْلُهُ: (قَدْ تَكُونُ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ نِيَّةِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ لِصِدْقِهَا بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ إضَافَتَهَا لِلصَّلَاةِ كَافِيَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ الْخَبَثِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ مَا لَوْ نَوَى بِوُضُوئِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَالشَّهِيدِ فِي
فَاعْتُبِرَ التَّمْيِيزُ، وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ كَفَاهُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ دُونَ نِيَّةِ الرَّفْعِ الْمَارِّ لِبَقَاءِ حَدَثِهِ، وَيُنْدَبُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ لِتَكُونَ نِيَّةُ الرَّفْعِ لِلْحَدَثِ السَّابِقِ، وَنِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ أَوْ نَحْوُهَا لِلَّاحِقِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ إنَّهُ قَدْ جَمَعَ فِي نِيَّتِهِ بَيْنَ مُبْطِلٍ وَغَيْرِهِ، وَيَكْفِيهِ أَيْضًا نِيَّةُ الْوُضُوءِ وَنَحْوُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ نِيَّةِ دَائِمِ الْحَدَثِ فِيمَا يَسْتَبِيحُهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا حُكْمُ نِيَّةِ الْمُتَيَمِّمِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ هُنَا، وَأَغْفَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي التَّيَمُّمِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي النِّيَّةِ الْإِضَافَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ تَوَضَّأَ الشَّاكُّ بَعْدَ وُضُوئِهِ فِي حَدَثِهِ احْتِيَاطًا فَبَانَ مُحْدِثًا لَمْ يُجْزِهِ لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ بِلَا ضَرُورَةٍ، كَمَا لَوْ قَضَى فَائِتَةَ الظُّهْرِ مَثَلًا شَاكًّا فِي أَنَّهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَمْ يَكْفِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ حَدَثُهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ
[حاشية البجيرمي]
الْمَعْرَكَةِ أَوْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ صَلَاةً لَا سَبَبَ لَهَا كَمَا اسْتَوْجَهَهُ سم فِي الصُّورَتَيْنِ.
قَالَ: وَالْفَرْضُ أَنَّهُ قَصَدَ تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا، أَمَّا إذَا نَوَى بِهِ الصَّلَاةَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فِي الْجُمْلَةِ كَاَلَّتِي لَهَا سَبَبٌ وَنَحْوُ الْقَضَاءِ فَيَصِحُّ.
اهـ.
وَفِي فَتَاوَى م ر الصِّحَّةُ فِيمَا لَوْ نَوَى بِهِ الصَّلَاةَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ صَلَاةٌ لَا سَبَبَ لَهَا.
اهـ اج.
قَوْلُهُ: (سَلَسُ بَوْلٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ اسْمٌ لِلْمَرَضِ نَفْسِهِ، وَبِكَسْرِهَا اسْمٌ لِصَاحِبِ الْمَرَضِ وَهُوَ الشَّخْصُ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ بَوْلٌ سَلَسٌ أَيْ مُتَتَابِعٌ.
قَوْلُهُ: (كَفَاهُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ) أَيْ اسْتِبَاحَةُ مُفْتَقِرٌ إلَى وُضُوءٍ اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (دُونَ نِيَّةِ الرَّفْعِ) أَوْ الطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ، وَمَحَلُّهُ إنْ نَوَى الرَّفْعَ الْعَامَّ، فَإِنْ نَوَى رَفْعًا خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ لِفَرْضٍ وَنَوَافِلَ فَيَصِحُّ زِيٌّ.
قَوْلُهُ: (خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ عِنْدَ نَافِي الْمَسْأَلَةِ.
وَحَاصِلُهُ: الِاكْتِفَاءُ بِنِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ دُونَ نِيَّةِ الرَّفْعِ.
ثَانِيهَا: الِاكْتِفَاءُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا.
ثَالِثُهَا: لَا يُكْتَفَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الَّذِي رُوعِيَ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (لِكَوْنِ نِيَّةِ الرَّفْعِ لِلْحَدَثِ السَّابِقِ) أَيْ لِرَفْعِ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ عَلَى وَقْتِ النِّيَّةِ، لَا أَنَّ الْحَدَثَ ارْتَفَعَ وَخَلَفَهُ حَدَثٌ آخَرُ، وَكَذَا نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوُهَا) كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا) أَيْ بِقَوْلِهِ لِتَكُونَ نِيَّةُ الرَّفْعِ إلَخْ يَنْدَفِعُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ مُبْطِلٍ) وَهُوَ نِيَّةُ الرَّفْعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ أَيْ: فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ النِّيَّةُ لِتَغْلِيبِ الْمَانِعِ عَلَى الْمُقْتَضِي.
وَالْجَوَابُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ لِتَكُونَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا يَسْتَبِيحُهُ) أَيْ فَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضٍ اسْتَبَاحَهُ وَمَا دُونَهُ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، فَالنَّفَلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَوْ الْوُضُوءُ أَوْ فَرْضُ الْوُضُوءِ، فَكَذَلِكَ أَوْ اسْتِبَاحَةُ مَسِّ الْمُصْحَفِ أَوْ حَمْلِهِ اسْتَبَاحَ مَا عَدَا الصَّلَاةَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ دَائِمَ الْحَدَثِ هُنَا مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي حُكْمِ نِيَّتِهِ وَهَذَا فِيمَا يَسْتَبِيحُهُ بِنِيَّتِهِ كَمَا أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ كَذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الصَّلَوَاتِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهَا الطَّوَافُ وَخُطْبَةُ الْجُمُعَةِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (الْإِضَافَةُ إلَى اللَّهِ) الْمُرَادُ بِالْإِضَافَةِ هُنَا النِّسْبَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَوَضَّأَ الشَّاكُّ إلَخْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ وَتَحَقُّقُ الْمُقْتَضِي وَأَعَادَهَا هُنَا لِأَجْلِ التَّعْلِيلِ وَلِأَجْلِ ذِكْرِ نَظِيرَتِهَا.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ وُضُوئِهِ) ظَرْفٌ لِلشَّاكِّ.
وَقَوْلُهُ: (فِي حَدَثِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالشَّاكِّ وَقَوْلُهُ: (بَعْدَ وُضُوئِهِ) أَيْ الْمُتَيَقِّنُ فَهُوَ مُتَيَقِّنٌ لِلطَّهَارَةِ وَشَاكٌّ فِي الْحَدَثِ فَوُضُوءُهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بَلْ لَوْ تَرَكَهُ وَصَلَّى أَجْزَأَهُ.
قَوْلُهُ: (فَبَانَ مُحْدِثًا) فَلَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ هَلْ يَكُونُ تَجْدِيدًا أَوْ لَا.
وَكَذَا إذَا بَانَ كَوْنُهُ مُتَطَهِّرًا هَلْ يَكُونُ تَجْدِيدًا، وَهَلْ يَكُونُ الْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ مُسْتَعْمَلًا نَظَرًا لِلتَّرَدُّدِ أَوْ لَا؟ حَرِّرْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ تَجْدِيدًا، وَمَاؤُهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ) أَيْ لِشَكِّهِ فِي الْحَدَثِ.
قَوْلُهُ: (بِلَا ضَرُورَةٍ) أَيْ بِلَا دَوَامِ ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ انْقَطَعَتْ بِتَبَيُّنِ حَدَثِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ قَضَى فَائِتَةً) لَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ لَهُ حَالَتَانِ.
إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَحَقَّقَ اسْتِقْرَارُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ وَيَشُكَّ هَلْ قَضَاهَا أَوْ لَا؟ وَيَتَحَقَّقُ الْحَدَثُ وَيَشُكُّ هَلْ تَطَهَّرَ أَوْ لَا؟ . وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي الْأُولَى وَالْوُضُوءُ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِذَا انْكَشَفَ الْحَالُ بِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَشُكَّ هَلْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟
لِلضَّرُورَةِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الشَّاكُّ وُجُوبًا بِأَنْ شَكَّ بَعْدَ حَدَثِهِ فِي وُضُوئِهِ فَتَوَضَّأَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ، بَلْ لَوْ نَوَى هَذِهِ الْحَالَةَ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَعَنْ حَدَثِهِ، وَإِلَّا فَتَجْدِيدٌ صَحَّ أَيْضًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَمَنْ نَوَى بِوُضُوئِهِ تَبَرُّدًا أَوْ شَيْئًا يَحْصُلُ بِدُونِ قَصْدٍ كَتَنَظُّفٍ وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ وُضُوئِهِ مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ أَيْ مُسْتَحْضِرًا عِنْدَ نِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ نَحْوِهِ نِيَّةَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ لِحُصُولِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، كَمُصَلٍّ نَوَى الصَّلَاةَ وَدَفَعَ الْغَرِيمَ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ عَنْ الْغَرِيمِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، فَإِنْ فُقِدَتْ النِّيَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ كَأَنْ نَوَى التَّبَرُّدَ وَقَدْ غَفَلَ عَنْهَا لَمْ يَصِحَّ غَسْلُ مَا غَسَلَهُ بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ وَنَحْوِهِ، وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ دُونَ اسْتِئْنَافِ الطَّهَارَةِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلصِّحَّةِ، أَمَّا الثَّوَابُ فَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: الظَّاهِرُ عَدَمُ حُصُولِهِ.
وَقَدْ اخْتَارَ الْغَزَالِيُّ فِيمَا إذَا شَرِكَ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهَا مِنْ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ اعْتِبَارَ الْبَاعِثِ عَلَى الْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ الدُّنْيَوِيُّ هُوَ الْأَغْلَبَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَجْرٌ، وَإِنْ
[حاشية البجيرمي]
كَمَا لَوْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ كَجُنُونٍ أَوْ حَيْضٍ انْقَطَعَ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ ذَلِكَ الِانْقِطَاعُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَوَجَبَتْ الصَّلَاةُ أَوْ بَعْدَهُ فَلَمْ تَجِبْ فَصَلَّى احْتِيَاطًا، ثُمَّ اتَّضَحَ الِانْقِطَاعُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَا تُجْزِيهِ.
وَمِثْلُهُ هُنَا مَا لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ مَعَ تَيَقُّنِهِ صُدُورَهَا مِنْهُ، لَكِنْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَوْ لَا، فَتَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ اتَّضَحَ لَهُ الْحَدَثُ؟ فَإِنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَكْفِيهِ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ صُورَتَيْ الطَّهَارَةِ، وَاقْتَصَرَ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَى الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (شَاكًّا فِي أَنَّهَا عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا مَثَلًا، وَشَكَّ هَلْ انْقَطَعَ جُنُونُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ فَتَجِبُ أَمْ بَعْدَهُ فَلَا.
قَوْلُهُ: (يُجْزِئُهُ لِلضَّرُورَةِ) فِيهِ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ مَعَ اسْتِصْحَابِ الطَّهَارَةِ بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ الَأُجْهُورِيُّ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ لِلضَّرُورَةِ أَيْ بِأَنْ كَانَ مُحْدِثًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا فَصَلَاتُهُ بِالْأَوَّلِ اسْتِصْحَابًا لَهُ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ، قَوْلُهُ: لِلضَّرُورَةِ اُنْظُرْ أَيَّ ضَرُورَةٍ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ لَهُ الصَّلَاةَ بِالْوُضُوءِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِهَا الْحَاجَةُ وَهِيَ الِاحْتِيَاطُ بِاعْتِبَارِ بَذْلِهِ مَا فِي وُسْعِهِ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَيْ وُضُوءًا وَاجِبًا.
قَوْلُهُ: (بَلْ لَوْ نَوَى إلَخْ) هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ عَدَمِ تَعْلِيقِ النِّيَّةِ أَوْ مِنْ التَّرَدُّدِ فِيهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ نَوَى بِوُضُوئِهِ تَبَرُّدًا إلَخْ) وَلَوْ طَرَأَتْ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّنَظُّفِ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ، فَإِنْ كَانَ مُتَذَكِّرًا لِلنِّيَّةِ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ إذَا طَرَأَتْ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ صَارِفَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهَا لِصِيَانَةِ الْمَاءِ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ.
اهـ ز ي.
قَوْلُهُ: (نَوَى الصَّلَاةَ وَدَفَعَ الْغَرِيمُ) أَيْ كَمَا لَوْ لَاحَظَ حَالَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَلَاحَظَ مَعَ ذَلِكَ دَفْعَ الْغَرِيمِ عَنْهُ، فَمُلَاحَظَتُهُ لِذَلِكَ لَا تَضُرُّ مَعَ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ.
قَوْلُهُ: (غَفَلَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مِنْ بَابِ دَخَلَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهُ مِنْ بَابِ نَصَرَ خَطَأٌ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ اللَّازِمِ قِيَاسُ مَصْدَرِهِ فَعُولٌ عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ:
وَفِعْلُ اللَّازِمِ مِثْلُ قَعَدَا ... لَهُ فُعُولٌ بِاطِّرَادٍ كَغَدَا
قَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ) أَيْ إعَادَةُ مَا قَارَنَ تِلْكَ النِّيَّةَ الصَّارِفَةَ وَمَا بَعْدَهُ بِأَنْ يَنْوِيَ نِيَّةً مُعْتَبَرَةً مِنْ نِيَّاتِ الْوُضُوءِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ إعَادَةِ غَسْلِ مَا ذُكِرَ اهـ. ق ل. بِخِلَافِ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ إذَا طَرَأَتْ عَلَى نِيَّةِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَعَهَا نِيَّةَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهَا لِإِصْلَاحِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ اسْتِئْنَافٍ لِلطَّهَارَةِ) أَيْ إنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي ابْتِدَائِهَا فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ أَصْلِهَا.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهُ هَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ فِي مَسْأَلَةِ التَّشْرِيكِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ اخْتَارَ الْغَزَالِيُّ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ نِسْبَةٌ إلَى الْغَزْلِ؛ لِأَنَّ وَالِدَهُ كَانَ يُكْثِرُ مِنْ غَزْلِ الصُّوفِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ نِسْبَةٌ إلَى غَزَالَةَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى طُوسٍ.
اهـ. اج مُلَخَّصًا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَمَّا إذَا نَوَى الْعِبَادَةَ وَخَالَطَهَا بِشَيْءٍ مِمَّا يُغَيِّرُ الْإِخْلَاصَ، فَقَدْ نَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالِابْتِدَاءِ فَإِنْ كَانَ فِي ابْتِدَائِهِ فِيهَا مُخْلَصًا لَمْ يَضُرَّهُ مَا عَرَضَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ إعْجَابٍ وَغَيْرِهِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ) أَيْ غَيْرِ الرِّيَاءِ أَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ مُحْبِطٌ لِلثَّوَابِ مُطْلَقًا لِلْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَنَا أَغْنَى
كَانَ الْقَصْدُ الدِّينِيُّ أَغْلَبَ فَلَهُ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ تَسَاوَيَا تَسَاقَطَا.
وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَا أَجْرَ فِيهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَسَاوَى الْقَصْدَانِ أَمْ اخْتَلَفَا.
وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ، وَإِذَا بَطَلَ وُضُوءُهُ فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الرُّويَانِيِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُثَابَ عَلَى الْمَاضِي كَمَا فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُقَالُ إنْ بَطَلَ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا، أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَنَعَمْ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا ثَوَابَ لَهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ مُرَادٌ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
اهـ. وَالْأَوْجَهُ التَّفْصِيلُ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ.
وَيَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ التَّيَمُّمُ وَنِيَّةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ انْقَطَعَتْ النِّيَّةُ فَيُعِيدُهَا لِلْبَاقِي.
وَلَوْ نَوَى بِوُضُوئِهِ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ مَعَ الْحَدَثِ فَلَا يَتَضَمَّنُ قَصْدُهُ قَصْدَ رَفْعِ
[حاشية البجيرمي]
الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» . وَالْمُرَادُ بِالْقَصْدِ الدُّنْيَوِيِّ مِثْلُ نِيَّةِ التَّبَرُّدِ وَالتَّنَظُّفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) هَذَا مِنْ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ فَقَوْلُهُ الْآتِي.
اهـ أَيْ كَلَامُ الزَّرْكَشِيّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ جَارٍ عَلَى رَأْيِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ كَلَامَيْهِمَا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ جَازِمٌ، وَالزَّرْكَشِيُّ غَيْرُ جَازِمٍ بَلْ مُسْتَظْهِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا اعْتَمَدَهُ م ر فِي شَرْحِهِ، بَلْ اعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ حُصُولَ الثَّوَابِ فِي التَّسَاوِي أَيْضًا.
اهـ. ق ل. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَوْجَهُ أَنَّ قَصْدَ الْعِبَادَةِ يُثَابُ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِمَّا عَدَا الرِّيَاءَ وَنَحْوَهُ مُسَاوِيًا بَلْ أَوْ رَاجِحًا اهـ. ع ش. فَعَلَى كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ يَحْصُلُ ثَوَابٌ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ مَتَى وُجِدَ قَصْدُ الْعِبَادَةِ وَلَوْ مَغْلُوبًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) كَأَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَنَا صُورَةٌ يَبْطُلُ بِهَا الْوُضُوءُ بِغَيْرِ الْحَدَثِ إلَّا هَذِهِ اج.
وَبِخَطِّ الشَّنَوَانِيِّ بِهَامِشِ شُرُوحِ الرَّوْضِ يُصَوِّرُ غَيْرَ الْحَدَثِ بِمَا إذَا لَمْ يُوَالِ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ دَائِمُ الْحَدَثِ، وَبِمَا إذَا ارْتَدَّ نَحْوُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ، فَقَدْ جَرَى الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيمَا سَبَقَ تَبَعًا لِبَحْثِ الْإِسْنَوِيِّ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ وُضُوءَ نَحْوِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَالَ أَيْضًا وَيَجْرِي التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي غَيْرِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ.
اهـ بِالْحَرْفِ.
لَكِنْ فِي التَّصْوِيرِ الْأَخِيرِ أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ ثَوَابَ مَا مَضَى مُطْلَقًا.
اهـ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْوُضُوءَ مُرَادٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ لِذَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (التَّفْصِيلُ) أَيْ إنْ قَطَعَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا ثَوَابَ لَهُ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أُثِيبَ، وَبِهَذَا أَفْتَى شَيْخُهُ م ر فِي الْوُضُوءِ.
قَالَ ق ل: وَالْكَلَامُ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ بِخِلَافِ الْأَذْكَارِ وَنَحْوِهَا فَيُثَابُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةِ) أَيْ وَالصَّوْمِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (التَّيَمُّمُ) أَيْ وَكَذَا وُضُوءُ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ مَرْحُومِيٌّ، وَيَسْتَأْنِفُ كُلٌّ مِنْ الْمُتَيَمِّمِ وَصَاحِبِ الضَّرُورَةِ إذَا عَادَ لِلْإِسْلَامِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ.
.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ إلَخْ) وَفَارَقَ بُطْلَانَ الصَّلَاةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَفَارَقَ عَدَمَ بُطْلَانِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التُّرُوكِ وَعَدَمِ بُطْلَانِ النُّسُكِ؛ لِأَنَّهُ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ، وَلِذَلِكَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِفَسَادِهِ وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ ق ل مَعَ زِيَادَةٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ نَوَى قَطْعَ وُضُوئِهِ انْقَطَعَتْ نِيَّتُهُ فَيُعِيدُهَا لِلْبَاقِي، وَحَيْثُ بَطَلَ فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ أُثِيبَ عَلَى مَا مَضَى إنْ بَطَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ.
قَالَ ع ش عَلَيْهِ: وَهَلْ مَنْ قَطَعَهَا مَا لَوْ عَزَمَ عَلَى الْحَدَثِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ؟ . فِيهِ نَظَرٌ: وَقِيَاسُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمُبْطِلٍ كَالْعَمَلِ الْكَثِيرِ لَمْ تَبْطُلْ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِيهِ أَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ هُنَا بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ الْمَذْكُورِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِإِعَادَةِ مَا غَسَلَهُ بَعْدَ الْعَزْمِ اهـ. .
قَوْلُهُ: (مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ) أَيْ كَأَنْ نَوَى الْوُضُوءَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهَا بِأَنْ قَصَدَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْوُضُوءِ إلَّا لِأَجْلِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُقَاسُ أَنَّ نِيَّةَ الْوُضُوءِ كَافِيَةٌ لِرَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ هُنَا عَلَّقَهَا بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُضُوءٍ فَضَرَّ، يَعْنِي أَنَّ رَبْطَهَا بِالْقِرَاءَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ مَا يُنْدَبُ لَهُ الْوُضُوءُ صَيَّرَهَا مُعَلَّقَةً عَلَيْهِ، وَالتَّعْلِيقُ بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوُضُوءِ يُبْطِلُهُ اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ) كَأَنْ قَالَ: نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ الْحَدِيثِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ.
اهـ. مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْحَدِيثِ) هُوَ وَإِنْ كَانَ الْوُضُوءُ لَهُ سُنَّةً كَالْقُرْآنِ لَكِنَّهُ لَا ثَوَابَ فِي مُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ وَالسَّمَاعِ لِلْحَدِيثِ، بَلْ لَا بُدَّ فِي حُصُولِ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِ حِفْظِ أَلْفَاظِهِ وَتَعَلُّمِ أَحْكَامِهِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ
الْحَدَثِ، فَلَوْ نَوَاهُ مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ يَنْبَغِي أَنَّهُ يَكْفِي كَمَا لَوْ نَوَى التَّبَرُّدَ مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَتَاوَى وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا.
فُرُوعٌ: لَوْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوئِهِ وَلَا يُصَلِّيَ بِهِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِتَلَاعُبِهِ وَتَنَاقُضِهِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِهِ الصَّلَاةَ بِمَكَانٍ نَجِسٍ وَلَوْ نَسِيَ لُمْعَةً فِي وُضُوئِهِ أَوْ غَسَلَهُ فَانْغَسَلَتْ فِي الْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ بِنِيَّةِ التَّنَفُّلِ أَوْ فِي إعَادَةِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ لِنِسْيَانٍ لَهُ أَجْزَأَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْغَسَلَتْ فِي تَجْدِيدِ وُضُوءٍ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ مُسْتَقِلٌّ بِنِيَّةٍ لَمْ تَتَوَجَّهْ لِرَفْعِ الْحَدَثِ أَصْلًا.
وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ (عِنْدَ) أَوَّلِ (غُسْلٍ) أَيْ مَغْسُولٍ مِنْ أَجْزَاءِ (الْوَجْهِ) لِتَقْتَرِنَ بِأَوَّلِ الْفَرْضِ كَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاتِّصَالُ السَّنَدِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْعِمَادِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاق فِي شَرْحِ اللُّمَعِ، وَرُدَّ بِهِ عَلَى مَنْ قَالَ بِحُصُولِ الثَّوَابِ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ.
وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ حَجَرٍ حُصُولَ الثَّوَابِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ لَا يَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا عَوْدُ بَرَكَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ لَكَانَ ذَلِكَ كَافِيًا، وَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ يُوَافِقُهُ إطْلَاقُ الشَّارِحِ وَلَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: لَا يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ.
قَوْلُهُ: (يَنْبَغِي أَنَّهُ يَكْفِي) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (فِي الْفَتَاوَى) أَيْ فَتَاوَى شَيْخِهِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا) أَيْ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ نَوَى مَا يُنْدَبُ لَهُ الْوُضُوءُ وَحْدَهُ لَمْ يَصِحَّ أَوْ مَعَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوُضُوءِ صَحَّ.
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَوْ نَوَى إلَخْ) أَيْ بِأَنْ قَالَ هَذَا اللَّفْظَ، وَهُوَ قَوْلُهُ نَوَيْت الْوُضُوءَ لِأُصَلِّيَ بِهِ، وَلَا أُصَلِّي بِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَا أُصَلِّي بِهِ الظُّهْرَ وَلَا أُصَلِّي بِهِ الْعَصْرَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ الصَّلَوَاتِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى رَفْعَ حَدَثِهِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةٍ دُونَ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا قَالَ الْبَغَوِيّ؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ لَا يَتَجَزَّأُ إذَا بَقِيَ بَعْضُهُ بَقِيَ كُلُّهُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
اهـ. شَرَحَ م ر.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا) فَرْعٌ ثَانٍ.
قَوْلُهُ: (بِمَكَانٍ نَجِسٍ) أَيْ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا بِلَا حَائِلٍ.
قَوْلُهُ: (الثَّانِيَةُ أَوْ الثَّالِثَةُ) أَيْ فِي ظَنِّهِ أَوْ اعْتِقَادِهِ لَا فِي الْوَاقِعِ بَلْ هَذِهِ هِيَ الْأَوْلَى لِعَدَمِ تَطْهِيرِ الْعُضْوِ، إذْ لَا يُقَالُ ثَانِيَةٌ وَلَا ثَالِثَةٌ حَتَّى تَتِمَّ الْأُولَى، أَوْ يُقَالُ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ بِحَسَبِ الصُّورَةِ، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْأُولَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ التَّنَفُّلِ) أَيْ بِقَصْدِ أَنَّهَا ثَانِيَةٌ أَوْ ثَالِثَةٌ، فَتَكُونُ نَافِلَةً لَا بِقَصْدِ أَنَّهُمَا مُكَمِّلَانِ لِلْأُولَى عِنْدَ شَكِّهِ فِي تَعْمِيمِ الْمَاءِ لِلْوَجْهِ، فَالْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْقَصْدُ.
قَوْلُهُ: (لِنِسْيَانٍ لَهُ) أَيْ لِلْأَوَّلِ أَيْ بِأَنَّهُ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ، فَأَعَادَ الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ جَازِمًا بِأَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ أَوْ الْغُسْلَ الَّذِي عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ فِي النِّسْيَانِ نَاوٍ لِرَفْعِ الْحَدَثِ بِخِلَافِهِ فِي التَّجْدِيدِ، وَتَسْمِيَةُ هَذَا الْوُضُوءِ مُجَدَّدًا تَجَوُّزٌ لِعَدَمِ تَمَامِ الْأُولَى لِبَقَاءِ اللُّمْعَةِ الَّتِي نَسِيَهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ.
.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِدَادُ لَا أَنَّهُ إذَا غَسَلَ شَيْئًا قَبْلَ النِّيَّةِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَعِنْدَ بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلِ غَسْلٍ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ شَعْرًا خَارِجًا عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ أَوْ بَاطِنِ شَعْرٍ كَثِيفٍ لِدُخُولِهِ فِي حَدِّ الْوَجْهِ، بِخِلَافِ جَوَانِبِ الرَّأْسِ، فَلَا يَكْفِي قَرْنُ النِّيَّةِ بِهَا، وَإِنْ وَجَبَ غَسْلُهَا تَبَعًا أَيْ لِلْوَجْهِ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ ق ل مِنْ أَنَّهُ لَا يَكْفِي قَرْنُهَا بِبَاطِنِ الشَّعْرِ الْكَثِيفِ.
قَالَ ق ل: وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قَصَّ الشَّعْرَ الَّذِي نَوَى مَعَهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ أَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةٌ عِنْدَ الْوَجْهِ أَوْ الشَّعْرِ الْبَاقِي فَرَاجِعْهُ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر: يَنْبَغِي جَوَازُ اقْتِرَانِ النِّيَّةِ بِغَسْلِ شَعْرِ الْوَجْهِ قَبْلَ غَسْلِ بَشَرَتِهِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ أَصْلِيٌّ لَا بَدَلَ لَهُ وِفَاقًا لِلرَّمْلِيِّ.
أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَوْ قَطَعَ الشَّعْرَ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَا يَحْتَاجُ لِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
اهـ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَإِنَّمَا اكْتَفَى فِي النِّيَّةِ بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِمُقَارَنَتِهَا بَعْضَ التَّكْبِيرِ عِنْدَ م ر؛ لِأَنَّ الْأُولَى يُسَمَّى غَسْلًا بِخِلَافِ الثَّانِي، فَإِنَّ الْبَعْضَ لَا يُسَمَّى تَكْبِيرًا.
اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَغْسُولٍ) لَوْ أَبْقَى الْمَتْنُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تَقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّهَا قَصْدُ الشَّيْءِ مُقْتَرِنًا بِفِعْلِهِ وَلَا تَقْتَرِنُ بِالْمَغْسُولِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَجْزَاءِ الْوَجْهِ) أَيْ مَا يُسَمَّى وَجْهًا فَيَخْرُجُ عَنْهُ مَا لَوْ اقْتَرَنَتْ بِمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ ع ش.
قَوْلُهُ: (بِأَوَّلِ
الْعِبَادَاتِ مَا عَدَا الصَّوْمَ، فَلَا يَكْفِي اقْتِرَانُهَا بِمَا بَعْدَ الْوَجْهِ قَطْعًا لِخُلُوِّ أَوَّلِ الْمَغْسُولِ وُجُوبًا عَنْهَا.
وَلَا بِمَا قَبْلَهُ مِنْ السُّنَنِ، إذْ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَرْكَانُهَا وَالسُّنَنُ تَوَابِعُ، هَذَا إذْ عَزَبَتْ قَبْلَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ، فَإِنْ بَقِيَتْ إلَى غَسْلِ شَيْءٍ مِنْهُ كَفَى، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ لِيُثَابَ عَلَى السُّنَنِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا خَلَتْ عَنْ النِّيَّةِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُهَا، وَلَوْ اقْتَرَنَتْ النِّيَّةُ بِالْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ وَانْغَسَلَ مَعَهُ جُزْءٌ مِنْ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ عَزَبَتْ النِّيَّةُ بَعْدَهُ سَوَاءٌ أَغَسَلَهُ بِنِيَّةِ الْوَجْهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، أَمْ لَا لِوُجُودِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ، لَكِنْ يَجِبُ إعَادَةُ غَسْلِ الْجُزْءِ مَعَ الْوَجْهِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَلَا تُجْزِئُ الْمَضْمَضَةُ وَلَا الِاسْتِنْشَاقُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِهِمَا عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ قَالَهُ الْقَاضِي مُجَلَّيْ
[حاشية البجيرمي]
الْفَرْضِ) وَلَوْ جَبِيرَةً فَيَنْوِي عِنْدَ مَسْحِهَا كَأَنْ عَمَّتْ الْجِرَاحَةُ وَجْهَهُ، أَمَّا إذَا عَمَّتْ الْوَجْهَ وَلَا جَبِيرَةَ، فَمَحَلُّ النِّيَّةِ عِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، وَحِينَئِذٍ تَعْبِيرُهُمْ بِالْغَسْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ أَوْ مُرَادُهُمْ بِالْغَسْلِ مَا يَشْمَلُهُ أَوْ بَدَلُهُ وَهُوَ الْمَسْحُ.
قَالَ ق ل: وَأَلْ فِي الْفَرْضِ لِلْجِنْسِ أَيْ بِأَوَّلِ الْفُرُوضِ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَا قَبْلَهُ) أَيْ وَلَمْ يَنْغَسِلْ مِنْ الْوَجْهِ شَيْءٌ بِقَرِينَةِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِمَا قَبْلَ الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ) بِأَنْ غَفَلَ عَنْهَا وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهَا بِالْفِعْلِ، فَقَوْلُهُ: فَإِنْ بَقِيَتْ إلَخْ.
مَعْنَاهُ بِأَنْ كَانَ مُسْتَحْضِرًا لَهَا بِالْفِعْلِ وَهُوَ الِاسْتِحْضَارُ الذِّكْرِيُّ بِضَمِّ الذَّالِ أَيْ الْقَلْبِيُّ، فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِصْحَابِهَا مِنْ ابْتِدَاءِ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ أَيْ إذَا نَوَى عِنْدَهُمَا إلَى غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الْوَجْهِ، وَبَعْدَ هَذَا يَكْفِي الِاسْتِصْحَابُ الْحُكْمِيُّ بِأَنْ لَا يَصْرِفَهَا عَنْهُ بِنِيَّةِ قَطْعِ أَوْ قَصْدِ تَبَرُّدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا كَتَنْظِيفٍ، وَمِنْهُ مَا إذَا تَوَضَّأَ عَلَى الْفَسْقِيَّةِ فِي مَوْضِعٍ ثُمَّ انْتَقَلَ قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا بِقَصْدِ التَّنْظِيفِ فَإِنَّهُ صَارِفٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَحْضِرَ نِيَّةَ الْوُضُوءِ، وَالْمُرَادُ مِنْ اسْتِصْحَابِهَا إلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وُجُودُهَا عِنْدَهُ أَيْ حُكْمًا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُهَا) ظَاهِرُهُ حُصُولُ السُّنَّةِ بِمَعْنَى سُقُوطِ الطَّلَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفِ إلَّا حُصُولَ الثَّوَابِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
اهـ. وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُهَا بِخِلَافِ مَنْ نَوَى صَوْمَ نَفْلٍ قَبْلَ الزَّوَالِ حَيْثُ يُثَابُ مِنْ أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ فَأَفْعَالٌ مُتَفَاصِلَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اقْتَرَنَتْ إلَخْ) لَيْسَ هَذَا إيضَاحًا لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا لَمْ يُغْسَلْ مَعَ الْمَضْمَضَةِ شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ، وَهَذَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا انْغَسَلَ.
وَقَوْلُهُ: (أَجْزَأَهُ) أَيْ الِاقْتِرَانُ الْمَفْهُومُ مِنْ اقْتَرَنَتْ قَالَ ق ل: لَوْ قَالَ أَجْزَأَتْهُ لَكَانَ وَاضِحًا.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَغَسَلَهُ بِنِيَّةِ الْوَجْهِ إلَخْ) . الْحَاصِلُ أَنَّ هُنَا أَرْبَعَ صُوَرٍ قَصْدُ الْوَجْهِ فَقَطْ قَصْدُ الْمَضْمَضَةِ فَقَطْ قَصْدُهُمَا مَعًا أَطْلَقَ، فَالنِّيَّةُ يُكْتَفَى بِهَا فِي الْجَمِيعِ، وَسُنَّةُ الْمَضْمَضَةِ تَفُوتُ فِي الْجَمِيعِ، وَكَذَا سُنَّةُ الِاسْتِنْشَاقِ لِتَقَدُّمِ بَعْضِ غَسْلِ الْوَجْهِ عَلَيْهِمَا، وَتَقَدُّمُهُمَا عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ شَرْطٌ لِحُصُولِهِمَا، وَتَجِبُ إعَادَةُ ذَلِكَ الْجُزْءِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ لِوُجُودِ الصَّارِفِ وَالْإِطْلَاقِ كَالصَّارِفِ دُونَ الْأُولَى.
وَهَذَا حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر وع ش خِلَافًا لِلْحَوَاشِي كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ إعَادَتِهِ فِيهَا فَمُقْتَضَاهُ حُصُولُ سُنَّتِهِمَا، وَالصُّورَةُ أَنَّهُ قَرَنَ النِّيَّةَ الْمُعْتَبَرَةَ بِمَا قَبْلَ الْوَجْهِ، فَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَأْلُوفَةِ مُسْتَحْضِرًا لِلنِّيَّةِ فَاتَتْهُ سُنَّتُهُمَا إنْ غَسَلَ مَعَهُمْ أَجْزَاءً مِنْ الْوَجْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْصُلَانِ إلَّا إنْ غَفَلَ عَنْ النِّيَّةِ عِنْدَهُمَا أَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ بِأَنْ نَوَى الْمَضْمَضَةَ مَثَلًا وَحْدَهَا، أَوْ نَوَى سُنَنَ الْوُضُوءِ أَوْ أَدْخَلَ الْمَاءَ فِي مَحَلِّهِمَا مِنْ الْأُنْبُوبَةِ حَتَّى لَا يَنْغَسِلَ مَعَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْوَجْهِ.
وَقَالَ الَأُجْهُورِيُّ: يُعِيدُ غَسْلَ الْجُزْءِ إنْ قَصَدَ الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ فَقَطْ، وَإِنْ قَصَدَ الْوَجْهَ فَقَطْ أَوْ مَعَهُمَا أَوْ أَطْلَقَ فَلَا إعَادَةَ.
اهـ. وَكَوْنُ النِّيَّةِ يُكْتَفَى بِهَا عِنْدَ قَصْدِ الْمَضْمَضَةِ فَقَطْ أَوْ الْإِطْلَاقِ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَمْ تَقْتَرِنْ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَكَذَا فَوَاتُ سُنَّةِ الْمَضْمَضَةِ عِنْدَ قَصْدِهَا مُشْكِلٌ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَمْ لَا) بِأَنْ نَوَى الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ أَوْ نَوَاهُمَا مَعَ الْوَجْهِ أَوْ أَطْلَقَ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ إلَخْ) هُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الشِّقِّ الثَّانِي وَهُوَ أَمْ لَا أَيْ: بِالنَّظَرِ لِلصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُودِ الصَّارِفِ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا فَدَخَلَتْ صُورَةُ الْإِطْلَاقِ.
قَوْلُهُ: (فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ) وَهُوَ مَا إذَا قَصَدَ الْوَجْهَ، وَكَذَا فِي الشِّقِّ الثَّانِي.
وَعِبَارَةُ سم: فَرْعٌ حَيْثُ أَجْزَأَتْ النِّيَّةُ فَاتَتْ
فَالنِّيَّةُ لَمْ تَقْتَرِنْ بِمَضْمَضَةٍ وَلَا اسْتِنْشَاقٍ حَقِيقَةً، وَلَوْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ فِي أَثْنَاءِ غَسْلِ الْوَجْهِ دُونَ أَوَّلِهِ كَفَتْ وَوَجَبَ إعَادَةُ الْمَغْسُولِ مِنْهُ قَبْلَهَا، فَوُجُوبُهَا عِنْدَ أَوَّلِ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْهُ لِيُعْتَدَّ بِهِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ إلَى آخِرِ الْوُضُوءِ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي الِاسْتِصْحَابِ الذِّكْرِيِّ.
أَمَّا الْحُكْمِيُّ وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا وَلَا يَأْتِيَ بِمَا يُنَافِيهَا كَالرِّدَّةِ فَوَاجِبٌ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ، وَلَهُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِهِ، فَكَذَلِكَ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى أَفْعَالِهِ وَهَلْ تَنْقَطِعُ النِّيَّةُ بِنَوْمٍ مُمْكِنٍ؟ . وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا لَا وَالْحَدَثُ الْأَصْغَرُ لَا يَحِلُّ كُلَّ الْبَدَنِ بَلْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ خَاصَّةً كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمَاسِّ أَنْ يَكُونَ مُطَهَّرًا وَيَرْتَفِعَ حَدَثُ كُلِّ عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ.
.
(وَ) الثَّانِي مِنْ الْفُرُوضِ (غَسْلُ) ظَاهِرِ كُلِّ (الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَلِلْإِجْمَاعِ، وَالْمُرَادُ
[حاشية البجيرمي]
الْمَضْمَضَةُ.
قَوْلُهُ: (مُجَلَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (الذِّكْرِيُّ) بِضَمِّ الذَّالِ أَيْ الْقَلْبِيُّ؛ لِأَنَّ الذُّكْرَ بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعَلَّمُ أَيْ حُضُورُهَا فِي الْقَلْبِ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ مُلَاحِظًا لَهَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ) أَيْ أَوَّلَ الْبَابِ عِنْدَ ذِكْرِ الشُّرُوطِ أَيْ فِي قَوْلِهِ، وَعَدَمُ الصَّارِفِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِدَوَامِ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ) أَيْ الْمُتَوَضِّئُ وَلَوْ دَائِمَ الْحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِهِ.
وَفَائِدَةُ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَدَمُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِإِدْخَالِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ قَبْلَ نِيَّةِ رَفْعِ حَدَثِهَا أَيْ لَهُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ بِسَائِرِ صُوَرِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ كَأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ مَثَلًا عَنْ غَسْلِ الْوَجْهِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ: عِنْدَ الْمَسْنُونِ كَمَسْحِ الْأُذُنَيْنِ فَمِنْهَا نَوَيْت مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ عَنْ سُنَّةِ الْوُضُوءِ، وَتَفْرِيقُ النِّيَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِرَفْعِ الْحَدَثِ وَلَا بِالطَّهَارَةِ عَنْهُ، بَلْ يَأْتِي فِي جَمِيعِ النِّيَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرٌ أَنَّ التَّفْرِيقَ يَأْتِي فِي الْغُسْلِ.
اهـ. وَلَمْ يَنْظُرُوا فِيهِ لِكَوْنِ الْبُدْنِ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ، فَيَنْوِي رَفْعَ جَنَابَةِ رَأْسِهِ فَقَطْ ثُمَّ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ أَسْفَلِهِ.
وَانْظُرْ عَلَى قِيَاسِهِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ النِّيَّةَ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ حَدَثِ كَفِّهِ ثُمَّ سَاعِدِهِ؟ . حَرِّرْهُ.
أَقُولُ: وَالْأَقْرَبُ الصِّحَّةُ كَمَا نَقَلَهُ الْإِطْفِيحِيُّ عَنْ ع ش. وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِ تَفْرِيقِهَا بَيْنَ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا نَحْوُ نِيَّةِ تَبَرُّدٍ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَنْفِيَ غَيْرَ ذَلِكَ الْعُضْوِ كَأَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُ لَا غَيْرِهِ أَوْ لَا.
وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى عِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُ، وَعِنْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُمَا كَفَاهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْتَجْ لِلنِّيَّةِ عِنْدَ مَسْحِ رَأْسِهِ وَغَسْلِ رِجْلَيْهِ إذْ نِيَّتُهُ عِنْدَ يَدَيْهِ الْآنَ كَنِيَّتِهِ عِنْدَ وَجْهِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَالَ ع ش عَلَيْهِ: وَاخْتُلِفَ فِيمَا لَوْ نَوَى عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ فَهَلْ يَصِحُّ وَتَكُونُ كُلُّ نِيَّةٍ مُؤَكِّدَةً لِمَا قَبْلَهَا أَوْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ كُلَّ نِيَّةٍ تَقْطَعُ النِّيَّةَ السَّابِقَةَ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ فِي أَثْنَائِهَا بِأَنْ نَوَى صَلَاةَ الظُّهْرِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْهُ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَاطِعًا قَدْ يُتَّجَهُ الْأَوَّلُ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أَضْيَقُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَفْرِيقُ نِيَّتِهَا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّ الصَّلَاةَ لِكَوْنِهَا هَيْئَةً وَاحِدَةً إذَا نَوَى قَطْعَهَا بَطَلَتْ مِنْ أَصْلِهَا، وَالْوُضُوءُ إذَا نَوَى قَطْعَهُ بَطَلَتْ نِيَّتُهُ دُونَ مَا مَضَى مِنْهُ فَلَا يَبْطُلُ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُ) الظَّرْفُ أَعْنِي قَوْلَهُ عَنْهُ قَيْدٌ، فَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّفْرِيقِ لِشُمُولِ النِّيَّةِ لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَفْرِيقُ أَفْعَالِهِ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ صَاحِبِ الضَّرُورَةِ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ تَفْرِيقَ النِّيَّةِ لَا يَمْنَعُ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ، بِخِلَافِ تَفْرِيقِ أَفْعَالِهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ كَمَا لَهُ تَفْرِيقُ الْوُضُوءِ.
اهـ. قَالَ الْبُرُلُّسِيُّ: هَذَا خَاصٌّ بِالسَّلِيمِ أَمَّا السَّلِسُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي حَقِّهِ.
وَأَمَّا تَفْرِيقُ النِّيَّةِ فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ السَّلِيمِ وَالسَّلِسِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْجَهُهُمَا لَا) وَإِنْ طَالَ اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (بَلْ أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ خَاصَّةً) وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْأَيْمَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا حَدَثَ بِظَهْرِهِ مَثَلًا.
فَإِنْ قُلْنَا: الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ حَنِثَ أَوْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَقَطْ لَمْ يَحْنَثْ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ) وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِذَلِكَ الْعُضْوِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْمَسِّ الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرِ كُلِّ الْوَجْهِ إلَخْ) فِي فَتَاوَى م ر لَوْ اُبْتُلِيَ بِالْكُحْلِ وَغَيَّرَ مَاءَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَمْ يَضُرَّ.
اهـ. قَالَ بَعْضُ
بِالْغَسْلِ الِانْغِسَالُ، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْلِ الْمُتَوَضِّئِ أَمْ بِغَيْرِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ.
وَحَدُّ الْوَجْهِ طُولًا مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ وَتَحْتِ مُنْتَهَى لَحْيَيْهِ وَهُمَا بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْعَظْمَاتُ اللَّذَانِ تَنْبُتُ عَلَيْهِمَا الْأَسْنَانُ السُّفْلَى وَعَرْضًا مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ لِأَنَّ الْوَجْهَ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَهِيَ تَقَعُ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ بِظَاهِرٍ دَاخِلُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ وَالْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَا
[حاشية البجيرمي]
شُيُوخِنَا: وَمِثْلُ الْكُحْلِ التُّرَابُ دُونَ غَيْرِهِ كَحِبْرٍ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْهُ.
اهـ. قُلْت: قَضِيَّةُ تَشْبِيهِ التُّرَابِ بِالْكُحْلِ أَنَّ اعْتِبَارَ عَدَمِ الضَّرَرِ فِي مُقَيَّدٍ بِالِابْتِلَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ فِي الْمِيَاهِ أَنَّ التُّرَابَ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا إلَّا إذَا صَارَ الْمَاءُ يُسَمَّى طِينًا.
اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَالتُّرَابِ) أَيْ إذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ وَغَيَّرَ الْمَاءَ عِنْدَ غَسْلِهِ.
قَوْله: (كُلِّ) زَادَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاكْتِفَاءِ بِغَسْلِ الْبَعْضِ الْمُحْتَمِلِ لَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، هَذَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ كُلِّ مِنْ أَلْفَاظِ التَّأْكِيدِ، وَأَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِهِ مَا يَتَجَزَّأُ بِنَفْسِهِ كَالْجَيْشِ أَوْ بِعَامِلِهِ كَالْعَبْدِ فِي نَحْوِ: اشْتَرَيْت الْعَبْدَ كُلَّهُ وَمَا هُنَا مِنْ الثَّانِي اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] إلَخْ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ﴾ [المائدة: 6] إلَخْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى سَبْعَةِ أُصُولٍ كُلِّهَا مَثْنًى طَهَارَتَانِ: الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ، وَمُطَهِّرَانِ: الْمَاءُ وَالتُّرَابُ، وَحُكْمَانِ: الْمَسْحُ وَالْغُسْلُ، وَمُوجِبَانِ: الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ، وَمُبِيحَانِ: الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ، وَكِنَايَتَانِ: الْغَائِطُ وَالْمُلَامَسَةُ، وَكَرَامَتَانِ: تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَاسْتُشْكِلَ: كَيْفَ صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِهَا مَعَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ أَيْ الْوُضُوءُ شُرِعَ بِمَكَّةَ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهَا نَزَلَتْ مُقَرِّرَةً لِمَا عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ بِمَكَّةَ فَلَا إشْكَالَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْغَسْلِ الِانْغِسَالُ) وَلَوْ بِغَسْلِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ أَوْ سُقُوطِهِ فِي نَحْوِ نَهْرٍ إنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلنِّيَّةِ فِيهِمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِفِعْلِهِ كَتَعَرُّضِهِ لِلْمَطَرِ وَمَشْيِهِ فِي الْمَاءِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ أَيْ تَذَكُّرُ النِّيَّةِ اكْتِفَاءً بِالْأُولَى اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (أَمْ بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ فِعْلِ الْمُتَوَضِّئِ، وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ بِأَنْ كَانَ بِفِعْلِ غَيْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلٍ أَصْلًا كَأَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْمَطَرُ.
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا الْحُكْمُ) أَيْ الْمُرَادُ بِالْغَسْلِ الِانْغِسَالُ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ أَيْ بَاقِيهَا.
وَفِيهِ أَنَّ بَاقِيَهَا شَامِلٌ لِلرَّأْسِ، فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْغَسْلِ مَا يَشْمَلُ الْمَسْحَ أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْمَسْحِ فِي الرَّأْسِ الِانْمِسَاحُ فَتَأَمَّلْ.
.
قَوْلُهُ: (طُولًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ، وَالْأَصْلُ وَحَدُّ طُولِ الْوَجْهِ إلَخْ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عَرْضًا قَوْلُهُ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ إلَخْ الْمَنَابِتُ جَمْعُ مَنْبِتٍ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَفِي الْقَامُوسِ مَنْبِتٌ كَمَجْلِسٍ مَوْضِعُهُ أَيْ النَّبَاتُ شَاذٌّ وَالْقِيَاسُ كَمَقْعَدٍ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ نَبَتَ يَنْبُتُ بِالضَّمِّ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَصْدَرُهُ عَلَى وَزْنِ مَفْعَلٍ بِالْفَتْحِ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْبُتَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْمَذْكُورُ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنَى الشَّارِحُ عَنْ زِيَادَةِ بَعْضِهِمْ غَالِبًا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا إذَا أُرِيدَ النَّابِتُ بِالْفِعْلِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُرِيدَ مَا مِنْ شَأْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ.
قَوْلُهُ: (شَعْرِ) بِسُكُونِ الْعَيْنِ فَيُجْمَعُ عَلَى شُعُورٍ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَبِفَتْحِهَا فَيُجْمَعُ عَلَى أَشْعَارٍ كَسَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ الْوَاحِدَةُ شَعْرَةٌ، وَإِنَّمَا جُمِعَ الشَّعْرُ تَشْبِيهًا لِاسْمِ الْجِنْسِ بِالْمُفْرَدِ مُنَاوِيٌّ عَلَى الشَّمَائِلِ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْتِ مُنْتَهَى) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى مَنَابِتِ أَيْ وَهُوَ مَا بَيْنَ رَأْسِهِ وَمَا تَحْتَ إلَخْ.
فَالْمُنْتَهَى دَاخِلٌ فِي الْوَجْهِ، أَمَّا لَوْ قَالَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ.
وَالْمُنْتَهَى أَيْ وَبَيْنَ الْمُنْتَهَى بِدُونِ تَحْتَ لَأَفَادَ أَنَّ الْمُنْتَهَى خَارِجٌ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ دُخُولُهُ.
قَوْلُهُ: (وَعَرْضًا مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ) تَثْنِيَةُ أُذُنٍ بِضَمِّ الذَّالِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا تَخْفِيفًا وَكَذَا كُلُّ مَا كَانَ عَلَى فُعُلٍ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَيَجُوزُ إسْكَانُ ثَانِيهِ كَعُنُقٍ وَكُتُبٍ وَرُسُلٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ الْأَذَنِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ وَتَصْغِيرُهَا أُذَيْنَةٌ
يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ قَطْعًا، وَإِنْ انْفَتِحَا بِقَطْعِ جَفْنٍ أَوْ شَفَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ، وَلَا يُشْكَلُ ذَلِكَ بِمَا لَوْ سَلَخَ جَلْدَةَ الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ مَحَلِّ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَكَانَ بَدَلًا، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ غَسْلُهُ قَبْلَ إزَالَةِ مَا ذُكِرَ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ بَعْدَ إزَالَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ
وَلَا يُسَنُّ غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ وَلَكِنْ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ إنْ تَنَجَّسَ وَالْفَرْقُ غِلَظُ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تُزَالُ عَنْ الشَّهِيدِ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ دَمِ الشَّهَادَةِ، أَمَّا مَاقُ الْعَيْنِ فَيُغْسَلُ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْمَحَلِّ الْوَاجِبِ كَالرَّصَاصِ وَجَبَتْ إزَالَتُهُ، وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ، وَبِمَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ الْأَصْلَعِ وَهُوَ مَنْ انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْ نَاصِيَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُمَا، وَدَخَلَ مَوْضِعُ الْغَمَمِ فَإِنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ بِهِ وَهُوَ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ مِنْ الْجَبْهَةِ وَالْغَمَمُ أَنْ يَسِيلَ الشَّعْرُ حَتَّى تَضِيقَ الْجَبْهَةُ وَالْقَفَا يُقَالُ رَجُلٌ أَغَمُّ وَامْرَأَةٌ غَمَّاءُ وَالْعَرَبُ تَذُمُّ بِهِ وَتَمْدَحُ بِالنَّزَعِ لِأَنَّ الْغَمَمَ يَدُلُّ عَلَى الْبَلَادَةِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالنَّزَعُ
[حاشية البجيرمي]
وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ كَمَا فِي إشَارَاتِ ابْنِ الْمُلَقِّنِ.
قَالَ اج: وَلَوْ تَأَخَّرَتْ أُذُنَاهُ عَنْ مَحَلِّهِمَا أَوْ تَقَدَّمَتَا لَا يَجِبُ غَسْلُ الْوَجْهِ إلَيْهِمَا فِي الْأُولَى وَيَجِبُ غَسْلُهُمَا فِي الثَّانِيَةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَالُوهُ فِي الْمَرْفِقَيْنِ وَالْكَعْبِ وَالْحَشَفَةِ حَيْثُ أَنَاطُوا الْحُكْمَ بِهَا، وَلَوْ خَرَجَتْ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِدَالِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا غَسْلُ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ فَأَنَاطُوا الْحُكْمَ بِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا لِخِلَافِهَا، وَأَمَّا الْمَرْفِقَانِ وَالْكَعْبَانِ وَالْحَشَفَةُ فَإِنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْهَا فَاعْتُبِرَ.
اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَجْهَ) تَعْلِيلٌ لِتَحْدِيدِ الْوَجْهِ بِمَا ذُكِرَ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا الْوَجْهُ تَقَعُ بِذَلِكَ، فَقَوْلُهُ الْمَأْخُوذُ مِنْهَا الْوَجْهُ أَيْ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ لَا بِمَعْنَى الِاشْتِقَاقِ النَّحْوِيِّ، فَلَا حَاجَةَ لِمَا شَنَّعَ بِهِ بَعْضُهُمْ هُنَا ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (دَاخِلَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ) أَيْ الدَّاخِلُ أَصَالَةً وَهُوَ الْفُرْجَةُ فِي الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَبَاطِنِ الْعَيْنِ، وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ انْفَتَحَا) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا مَحَلُّ الْقَطْعِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ) بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ بَاطِنِ الْعَيْنِ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ لِضَرَرِهِ إنْ تَوَهَّمَ الضَّرَرَ، وَمُقْتَضَاهُ الْحُرْمَةُ إنْ تَحَقَّقَ الضَّرَرُ.
اهـ طَبَلَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ انْفَتَحَا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَإِنْ انْفَتَحَتْ لِيَشْمَلَ الْأَنْفَ أَيْ وَكَأَنْ يَزِيدَ أَوْ أَرْنَبَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْأَنْفِ، أَوْ يَقُولُ وَإِنْ انْفَتَحَ أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ انْفَتَحَتْ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ لَكِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ أَرْنَبَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْأَنْفِ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ.
وَعَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا وَإِنْ انْفَتَحَا يُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ انْفَتَحَتْ أَيْ: الْأَنْفُ وَالْفَمُ وَالْعَيْنُ؛ لِأَنَّ الْأَنْفَ مَفْتُوحٌ أَبَدًا فَالضَّمِيرُ لِلْفَمِ وَالْعَيْنِ فَقَطْ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ وُجُوبِ غَسْلِ مَحَلِّ انْفِتَاحِ الشَّفَةِ وَمَا مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ بَدَلًا) قَدْ يُقَالُ بَاطِنُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ وَالْعَيْنِ بَدَلٌ عَنْ ظَاهِرِهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ غَسْلُهُ) وَلَمْ يُوجِبُوهُ فَعَدَمُ إيجَابِهِمْ لِغَسْلِهِ قَبْلَ الْإِزَالَةِ مَعَ إمْكَانِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (مَاقُ الْعَيْنِ) الْمَاقُ لُغَةً فِي الْمُوقِ وَهُوَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ التَّخْفِيفُ وَقِيلَ الْمُوقُ الْمُؤْخِرُ وَالَمَاقُ بِالْأَلِفِ الْمُقَدَّمُ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْمُوقَ وَالَمَاقَ لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْمُؤَخَّرِ وَهُوَ مَا يَلِي الصُّدْغَ اهـ اج وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ مُوقُ الْعَيْنِ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ وَاللِّحَاظُ طَرَفُهَا مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِكَسْرِهَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمُلَاحَظَةِ اهـ مَرْحُومِيٌّ قَوْلُهُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ أَيْ إلَّا عُقَدًا فِي الشَّعْرِ تَعَقَّدَ بِنَفْسِهِ فَيُعْفَى عَنْهُ وَمِثْلُهُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِنَحْوِ طَبُوعٍ لَصِقَ بِأُصُولِ شَعْرِهِ حَتَّى مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهَا وَلَمْ تُمْكِنْهُ إزَالَتُهُ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وُجُوبُ حَلْقِهِ حَيْثُ لَا مُثْلَةَ وَإِلَّا فَيُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ يَتَيَمَّمُ عَنْهُ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ كَالرِّمَاصِ الَّذِي فِي الْمِصْبَاحِ وَالصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ الرَّمَصُ بِالتَّحْرِيكِ أَيْ بِلَا أَلِفٍ وَسَخٌ يَجْتَمِعُ فِي الْمُوقِ.
قَوْلُهُ: (وَبِمَنَابِتِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَبِمَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعْرِ رَأْسِهِ إلَخْ.
وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِظَاهِرٍ.
قَوْلُهُ: (الْأَصْلَعِ) أَيْ خَرَجَ مَحَلُّ الصَّلَعِ، فَالْمُرَادُ خَرَجَ الْأَصْلَعُ مِنْ حَيْثُ مَحَلُّ الصَّلَعِ أَيْ خَرَجَ عَنْ الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَفَا) هُوَ مَقْصُورٌ ذُكِرَ لِبَيَانِ مَعْنَى الْغَمَمِ لُغَةً ق ل. أَيْ فَلَا يَعْتَرِض عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقَفَا لَيْسَ مَحَلَّ غَسْلٍ هُنَا.
وَأَمَّا مَعْنَى الْغَمَمِ شَرْعًا فَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي عَلَى الْجَبْهَةِ خَاصَّة كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ.
وَالْقَفَا يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَجَمْعُهُ أَقْفَاءُ وَأَقْفٌ وَأَقْفِيَةٌ وَقُفِيٌّ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ.
اهـ. نَوَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِالنَّزَعِ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ بِالنَّزَعَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِيمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (الْبَلَادَةِ)
بِضِدِّ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَأَمَّا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ فَمِنْ الرَّأْسِ لِاتِّصَالِ شَعْرِهِ بِشَعْرِ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزَعَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَشْرَافَ يَحْذِفُونَ الشَّعْرَ عَنْهُ لِيَتَّسِعَ الْوَجْهُ.
وَضَابِطُهُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَنْ يَضَعَ طَرَفَ خَيْطٍ عَلَى رَأْسِ الْأُذُنِ، وَالطَّرَفَ الثَّانِيَ عَلَى أَعْلَى الْجَبْهَةِ، وَيُفْرَضُ هَذَا الْخَيْطُ مُسْتَقِيمًا فَمَا نَزَلَ عَنْهُ إلَى جَانِبِ الْوَجْهِ فَهُوَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ، وَمِنْ الرَّأْسِ أَيْضًا النَّزَعَتَانِ وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ وَهُوَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ مِنْ أَعْلَى الْجَبِينِ وَالصُّدْغَانِ وَهُمَا فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ مُتَّصِلَانِ بِالْعِذَارَيْنِ لِدُخُولِهِمَا فِي تَدْوِيرِ الرَّأْسِ، وَيُسَنُّ غَسْلُ مَوْضِعِ الصَّلَعِ وَالتَّحْذِيفِ وَالنَّزَعَتَيْنِ وَالصُّدْغَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا فِي غَسْلِهِ وَيَجِبُ
[حاشية البجيرمي]
ضِدُّ الذَّكَاءِ وَالْجُبْنُ ضِدُّ الشُّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمَخَاوِفِ فَالْجَبَانُ هُوَ الَّذِي يَخَافُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَقْدُمُ عَلَى الْمَخَاوِفِ قَالَ بَعْضُهُمْ
فِي الْجُبْنِ عَارٌ وَفِي الْإِقْدَامِ مَكْرُمَةٌ ... وَالْمَرْءُ بِالْجُبْنِ لَا يَنْجُو مِنْ الْقَدَرِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّزَعُ بِضِدِّ ذَلِكَ) قَالَ الشَّاعِرُ:
أَقَلِّيّ عَلَيَّ النُّوحَ وَارْعَيْ لِمَنْ رَعَى ... وَلَا تَجْزَعِي مِمَّا أَصَابَ وَأَوْجَعَا
وَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهُ لَيْسَ بِأَنْزَعَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَرَّرَ) أَيْ قَوْلُهُ وَتَحْتَ مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَزِدْت تَحْتَ لِيَدْخُلَ مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ) مِنْ الْحَذْفِ وَهُوَ الْإِزَالَةُ وَالْعَامَّةُ تُبْدِلُ الذَّالَ بِالْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْعِذَارُ) بِذَالِ مُعْجَمَةٍ الشَّعْرُ النَّابِتُ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ أَيْ لِبَعْضِهَا بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْعَارِضُ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ لِلْأَمْرَدِ غَالِبًا شَرَحَ م ر.
وَالْعَارِضُ مَا يَنْحَطُّ عَنْ الْأُذُنِ إلَى أَوَّلِ الْمُنْخَسِفِ مِنْ عَظْمِ اللِّحْيَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ أَيْ الْعِذَارُ مَا يَنْبُتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ فَوْقَ الْعَارِضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَشْرَافَ) أَيْ الْأَكَابِرَ لَا خُصُوصَ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ، فَالْمُرَادُ بِالْأَشْرَافِ مَنْ لَهُ وَجَاهَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيفًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَأْسِ الْأُذُنِ) وَرَأْسُهَا هُوَ أَصْلُهَا الَّذِي يَعْلُوهُ بَيَاضٌ مَسْتُورٌ بِالْمُرْتَفِعِ مِنْهَا فَهُوَ فَوْقَ الْوَتَدِ قَرِيبٌ مِنْهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَاصِلٌ إلَّا الْجُزْءَ الْمُنْخَفِضَ فَالْجُزْءُ الَّذِي فَوْقَ هَذَا الْمُنْخَفِضِ هُوَ الْمُسَمَّى بِرَأْسِ الْأُذُنِ كَمَا قَالَهُ ع ش وَعِبَارَةُ اج قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا الْمُرَادُ بِرَأْسِ الْأُذُنِ الْجُزْءُ الْمُحَاذِي لِأَعْلَى الْعِذَارِ قَرِيبًا مِنْ الْوَتَدِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَعْلَى الْأُذُنِ مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحَاذِيًا لِمَبْدَأِ الْعِذَارِ.
اهـ.
وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ الْوَجْهِ لَا مِنْ الرَّأْسِ، كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ يُدْرَكُ بِالْمَحْسُوسِ، فَالْمُتَعَيَّنُ إبْقَاءُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّهُ إذَا وَضَعَ الْخَيْطَ عَلَى أَعْلَى الْأُذُنِ كَانَ مَوْضِعُ التَّحْذِيفِ مِنْ الرَّأْسِ قَطْعًا.
اهـ. وَعَلَى كَلَامِهِمَا يَكُونُ بَعْضُ التَّحْذِيفِ مِنْ الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَفْرِضُ هَذَا الْخَيْطَ إلَخْ) اُنْظُرْ لِمَ عَبَّرَ بِالْفَرْضِ أَيْ التَّقْدِيرُ مَعَ أَنَّ الْمُنَاسِبَ أَنْ يُقَالَ وَيَجْعَلُ هَذَا الْخَيْطَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إلَى جَانِبِ الْوَجْهِ) أَيْ مِنْ الْمُلَاصِقِ لِلنَّزَعَةِ.
قَوْلُهُ: (النَّزَعَتَانِ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ النَّاصِيَةُ وَذَكَرَهُ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ مُقَدَّمُ، وَيَجُوزُ تَأْنِيثُهُ أَيْضًا، وَالتَّذْكِيرُ هُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى مُرَاعَاةُ الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَعْلَى الْجَبِينِ) حَالٌ مِنْ مُقَدَّمٍ.
قَوْلُهُ: (وَالصُّدْغَانِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَالنَّزَعَتَانِ أَيْ وَمِنْ الرَّأْسِ أَيْضًا الصُّدْغَانِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ سم بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَا انْحَطَّ عَنْ مَنْبَتِ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ وَبَعْضُ الصُّدْغِ مُنْحَطٌّ عَنْ مُحَاذَاتِهِمَا قَطْعًا، فَيَكُونُ مِنْ الْوَجْهِ لَا مِنْ الرَّأْسِ.
قَالَ الْمَرْحُومِيُّ، قَالَ الشِّهَابُ الصُّدْغُ مَا بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا فَوْقَ الْأُذُنِ) أَيْ مُلَاقِيَانِ لِلْأُذُنَيْنِ وَمُحَاذِيَانِ لَهُمَا لَا مُطْلَقُ الْفَوْقِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَشْمَلُ وَسَطَ الرَّأْسِ.
وَقَوْلُهُ:
غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ وَمِنْ الْحَلْقِ وَمِنْ تَحْتِ الْحَنَكِ وَمِنْ الْأُذُنَيْنِ وَمِنْ الْوَجْهِ الْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ لِدُخُولِهِ فِي حَدِّهِ وَمَا ظَهَرَ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَتَيْنِ وَمِنْ الْأَنْفِ بِالْجَدْعِ.
وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى أَجْفَانِ الْعَيْنِ، وَحَاجِبٍ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى أَعْلَى الْعَيْنِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْجُبُ عَنْ الْعَيْنِ شُعَاعَ الشَّمْسِ، وَعِذَارٍ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْعَارِضِ؛ وَشَارِبٍ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلَاقَاتِهِ فَمَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الشُّرْبِ وَشَعْرٍ نَابِتٍ عَلَى الْخَدِّ وَعَنْفَقَةٍ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفَةِ السُّفْلَى أَيْ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَثُفَ الشَّعْرُ؛ لِأَنَّ كَثَافَتَهُ نَادِرَةٌ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ.
وَاللِّحْيَةُ مِنْ الرَّجُلِ وَهِيَ بِكَسْرِ اللَّامِ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى
[حاشية البجيرمي]
فِي غَسْلِهِ) أَيْ مَعَ غَسْلِهِ فَفِي بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ) إلَّا إذَا سَقَطَ غَسْلُ الْوَجْهِ.
قَالَ ع ش: وَلَوْ سَقَطَ غَسْلُ الْوَجْهِ مَثَلًا لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ الْمَتْبُوعُ سَقَطَ التَّابِعُ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْوَجْهِ الْبَيَاضُ إلَخْ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْأَنْفِ بِالْجَدْعِ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْقَطْعُ وَالْمُرَادُ مَا بَاشَرَتْهُ السِّكِّينُ بِالْقَطْعِ لَا مَا كَانَ مَسْتُورًا بِالْأَنْفِ لِئَلَّا يُنَافِيَ قَوْلَهُ السَّابِقَ، وَخَرَجَ بِظَاهِرِ بَاطِنِ الْأَنْفُ وَالْفَمُ وَالْعَيْنُ، وَإِنْ انْفَتَحَا بِقَطْعِ جَفْنٍ أَوْ شَفَةٍ إذًا لَا فَرْقَ بَيْنَ بَاطِنِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ إذَا قُطِعَ سَاتِرُهُمَا وَلَوْ اتَّخَذَ لَهُ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ وَالْتَحَمَ وَجَبَ غَسْلُهُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ أَنْفِهِ بِالْقَطْعِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ لِلْعُذْرِ فَصَارَ الْأَنْفُ الْمَذْكُورُ فِي حَقِّهِ كَالْأَصْلِيِّ.
م ر. وَهَلْ تَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَهُ أَمْ لَا؟ . قَالَ بِالْأَوَّلِ ق ل، وَبِالثَّانِي س ل. وَقَوْلُ م ر وَجَبَ غَسْلُهُ أَيْ يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ غَسْلِ مَا فِي مَحَلِّ الِالْتِحَامِ؛ لِأَنَّهُ الْبَدَلُ دُونَ مَا زَادَ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ نَحْوِ أَنْفٍ مِنْ نَقْدٍ الْتَحَمَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ لَهُ حُكْمُ الْوَجْهِ، وَتَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَهُ وَلَا يُنْقَضُ لَمْسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَشَرَةِ وَإِنْ أُعْطِيَ حُكْمَهَا.
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ إلَخْ) ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ السَّابِقِ الثَّانِي غَسْلُ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَجْزَاءٌ لِلْوَجْهِ اهـ ع ش. وَقَوْلُهُ: (كُلِّ هُدْبٍ) هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَبِضَمِّهِمَا وَفَتْحِهِمَا مَعًا ش م ر. وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ جَمْعٌ مُفْرَدُهُ هُدْبَةٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَهْدَابٌ، وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى أَشْفَارِ الْعَيْنَيْنِ، وَالْأَشْفَارُ جَمْعُ شَفْرٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْفَاءِ كَفَلْسٍ جَفْنُ الْعَيْنِ أَمَّا بِضَمِّ الشِّينِ فَحَرْفُ الْفَرْجِ أَقُولُ لَيْسَ جَمْعًا بَلْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ.
قَوْلُهُ: (النَّابِتُ عَلَى أَجْفَانِ الْعَيْنِ) خَرَجَ بِهِ النَّابِتُ فِي الْعَيْنِ فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَإِنْ طَالَ جِدًّا ع ش.
قَوْلُهُ: (وَعِذَارٍ إلَخْ) وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ لِلْأَمْرَدِ غَالِبًا وَسِبَالٍ وَهُوَ مَا طَالَ مِنْ الشَّارِبِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَشَارِبٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ السِّبَالَيْنِ بِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا فَأَدْرَجَهُمَا فِي الشَّارِبِ، فَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا.
قَوْلُهُ: (لِمُلَاقَاتِهِ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ لِمُلَاقَاتِهِ لِلْمَاءِ عِنْدَ الشُّرْبِ إذْ الشَّارِبُ مُلَاقٍ لِلْفَمِ دَائِمًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ.
وَقَوْلُهُ: (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ م ر. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ شُعُورَ الْوَجْهِ إنْ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ وَكَانَتْ نَادِرَةَ الْكَثَافَةِ كَالْهُدْبِ وَالشَّارِبِ وَالْعَنْفَقَةِ وَلِحْيَةِ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى، فَيَجِبُ غَسْلُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا خَفَّتْ أَوْ كَثُفَتْ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّهِ وَكَانَتْ كَثِيفَةً وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا فَقَطْ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، وَإِنْ خَفَّتْ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا أَوْ غَيْرَ نَادِرَةِ الْكَثَافَةِ وَهِيَ لِحْيَةُ الذَّكَرِ وَعَارَضَاهُ، فَإِنْ خَفَّتْ بِأَنْ تُرَى الْبَشَرَةُ مِنْ تَحْتِهَا فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ، وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا مُطْلَقًا، وَإِنْ كَثُفَتْ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا فَقَطْ مُطْلَقًا، فَإِنْ خَفَّ بَعْضُهَا وَكَثُفَ بَعْضُهَا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ إنْ تَمَيَّزَ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ إفْرَادُهُ بِالْغَسْلِ كَأَنْ كَانَ الْكَثِيفُ مُتَفَرِّقًا بَيْنَ أَجْزَاءِ الْخَفِيفِ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَوَقَعَ لِبَعْضِهِمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ فَاحْذَرْهُ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ الْإِيهَامِ.
الذَّقَنِ خَاصَّةً وَهِيَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ إنْ خِفْت وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَإِنْ كَثُفَتْ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَلَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهَا لِعُسْرِ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهِ مَعَ الْكَثَافَةِ الْغَيْرِ النَّادِرَةِ وَلِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً غَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ» وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ الْكَرِيمَةُ كَثِيفَةً.
وَبِالْغَرْفَةِ الْوَاحِدَةِ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَى ذَلِكَ غَالِبًا فَإِنْ خَفَّ بَعْضُهَا وَكَثُفَ بَعْضُهَا وَتَمَيَّزَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنْ كَانَ الْكَثِيفُ مُتَفَرِّقًا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْخَفِيفِ وَجَبَ غَسْلُ الْكُلِّ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ؛ لِأَنَّ إفْرَادَ الْكَثِيفِ بِالْغَسْلِ يَشُقُّ، وَإِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى الْخَفِيفِ لَا يُجْزِئُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَالشَّعْرُ الْكَثِيفُ مَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ عَنْ الْمُخَاطَبِ بِخِلَافِ الْخَفِيفِ، وَالْعَارِضَانِ وَهُمَا الْمُنْحَطَّانِ عَنْ الْقَدْرِ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ كَاللِّحْيَةِ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ، وَخَرَجَ بِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ فَيَجِبُ غَسْلُ ذَلِكَ مِنْهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَثُفَ لِنُدْرَةِ كَثَافَتِهَا وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى، وَيَجِبُ غَسْلُ سِلْعَةٍ نَبَتَتْ فِي الْوَجْهِ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّهِ لِحُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ بِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ فِي شُعُورِ الْوَجْهِ إذَا كَانَ فِي حَدِّهِ أَمَّا الْخَارِجُ عَنْهُ فَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا مُطْلَقًا إنْ خَفَّتْ كَمَا فِي الْعُبَابِ،
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَبَاطِنًا) وَهُوَ مَا يَلِي الصَّدْرَ مِنْ اللِّحْيَةِ وَمَا بَيْنَ الشَّعْرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِحْيَةَ الذَّكَرِ وَعَارِضَيْهِ وَمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى إنْ كَثُفَ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهِ فَقَطْ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَجِبُ غَسْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَلَوْ كَثِيفًا.
هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي شُعُورِ الْوَجْهِ فَاعْتَمِدْهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ) أَيْ وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ.
قَوْلُهُ: (وَاللِّحْيَةُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ إنْ خَفَّتْ إلَخْ م د.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ الْكَرِيمَةُ كَثِيفَةً) أَيْ كَثِيرَةَ الشَّعْرِ بِحَيْثُ تَمْلَأُ صَدْرَهُ أَيْ مَا يُقَابِلُهُ مَعَ قِصَرٍ فِيهِ أَيْ فِي الشَّعْرِ وَانْبِسَاطٍ، إذْ كَانَ يَأْخُذُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ وَرُبَّمَا كَانَ يَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهَا أَيْضًا، وَالْأَوْلَى إبْدَالُ كَثِيفَةٍ بِعَظِيمَةٍ لِمَا فِي التَّعْبِيرِ بِالْكَثِيفَةِ مِنْ الْبَشَاعَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكَثِيفَةَ فِي اللُّغَةِ مَعْنَاهَا الْعَظِيمَةُ الشَّعْرِ، فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الشَّارِحِ فِي تَعْبِيرِهِ بِالْكَثِيفَةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَوْسَجًا وَهُوَ الَّذِي لِحْيَتُهُ عَلَى ذَقَنِهِ لَا عَلَى عَارِضَيْهِ وَلَا خَفِيفَ اللِّحْيَةِ غَيْرَ نَازِلَةٍ إلَى صَدْرِهِ.
وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ خِفَّةُ عَارِضَيْهِ» وَيُرْوَى لِحْيَتِهِ.
وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ طَوِيلَةً فَوْقَ الطُّولِ.
وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا طَالَتْ لِحْيَةُ إنْسَانٍ قَطُّ إلَّا وَنَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِقْدَارُ مَا طَالَ مِنْ لِحْيَتِهِ» وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إذَا كَبُرَتْ لِلْفَتَى لِحْيَةٌ ... فَطَالَتْ وَصَارَتْ إلَى سُرَّتِهْ
فَنُقْصَانُ عَقْلِ الْفَتَى عِنْدَنَا ... بِمِقْدَارِ مَا طَالَ مِنْ لِحْيَتِهْ
ذَكَرَهُ مُلَّا عَلِيٌّ قَارِي عَلَى الشِّفَاءِ.
فِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ كَثِيفَ اللِّحْيَةِ وَكَانَ يُسَرِّحُهَا بِالْمَاءِ، وَكَانَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشْطٌ مِنْ الْعَاجِ، وَقِيلَ شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ وَهِيَ التِّرْسَةُ، وَيُقَالُ لِعَظْمِ الْفِيلِ عَاجٌ أَيْضًا أَيْ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا، وَكَانَ لَهُ مِقْرَاضٌ أَيْ مِقَصٌّ يَقُصُّ بِهِ أَطْرَافَ شَارِبِهِ» . وَفِي الْمِشْكَاةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا» . وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْخُذُ بِالْمِقْرَاضِ مِنْ عَرْضِ لِحْيَتِهِ وَطُولِهَا، وَقَدْ لَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا جَاءَ: «أَمَرَنِي رَبِّي بِإِعْفَاءِ لِحْيَتِي وَقَصِّ شَارِبِي» وَقَالَ: «مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الْأَظْفَارِ وَالشَّارِبِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ» . اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) الْمُرَادُ بِالتَّمَيُّزِ أَنْ يَسْهُلَ إفْرَادُ كُلٍّ بِالْغَسْلِ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْقَدْرِ الْمُحَاذِي لِلْأُذُنِ) أَيْ إلَى أَوَّلِ الْمُنْخَسِفِ مِنْ عَظْمِ اللِّحْيَةِ.
اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفْصِيلَ الْمَذْكُورَ إلَخْ) قَدْ عَلِمْت الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ ع ش وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْخَارِجُ عَنْهُ) الْمُرَادُ بِخُرُوجِهِ أَنْ يَلْتَوِيَ بِنَفْسِهِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ اسْتِرْسَالِهِ كَأَنْ يَلْتَوِيَ شَعْرُ الذَّقَنِ إلَى الشَّفَةِ أَوْ إلَى الْحَلْقِ، أَوْ يَلْتَوِيَ الْحَاجِبُ إلَى جِهَةِ الرَّأْسِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ حَدِّهِ فِي جِهَةِ اسْتِرْسَالِهِ؛ لِأَنَّ مَنْبَتَ اللِّحْيَةِ عَلَيْهِ يَكُونُ خَارِجًا بِمُجَرَّدِ طُلُوعِهِ، فَعَلَيْهِ إذَا وَصَلَ شَعْرُ الذَّقَنِ إلَى السُّرَّةِ لَا يُقَالُ لَهُ خَارِجٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا عَنْ ابْنِ قَاسِمٍ.
قَوْلُهُ:
وَظَاهِرُهَا فَقَطْ مُطْلَقًا إنْ كَثُفَتْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَبَعْضُهُمْ قَرَّرَ فِي هَذِهِ الشُّعُورِ خِلَافَ ذَلِكَ فَاحْذَرْهُ.
.
تَنْبِيهٌ: مَنْ لَهُ وَجْهَانِ وَكَانَ الثَّانِي مُسَامِتًا لِلْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُمَا كَالْيَدَيْنِ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ أَوْ رَأْسَانِ كَفَى مَسْحُ بَعْضِ أَحَدِهِمَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْوَجْهِ غَسْلُ جَمِيعِهِ فَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ مَا يُسَمَّى وَجْهًا، وَفِي الرَّأْسِ مَسْحُ بَعْضِ مَا يُسَمَّى رَأْسًا وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ أَحَدِهِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَجْمُوعِ.
(وَ) الثَّالِثُ مِنْ الْفُرُوضِ (غَسْلُ) جَمِيعِ (الْيَدَيْنِ) مِنْ كَفَّيْهِ وَذِرَاعَيْهِ (إلَى) أَيْ مَعَ (الْمَرْفِقَيْنِ) أَوْ قَدْرِهِمَا إنْ فُقِدَ الْمَاءُ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ
[حاشية البجيرمي]
غَسْلُ ظَاهِرِهَا) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ ظَاهِرُهُ، وَالْمُرَادُ بِالظَّاهِرِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَسْمُ وَجْهِ الشَّعْرِ الْأَعْلَى مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا وَبِالْبَاطِنِ مَا بَيْنَ الطَّبَقَاتِ وَمَا يَلِي الصَّدْرَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ مِنْ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْخُنْثَى.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَهُ وَجْهَانِ إلَخْ) تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ مَنْ خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ تَارَةً يَكُونَانِ أَصْلِيَّيْنِ، بِأَصَالَتِهِمَا أَنْ يُنَزَّلَ الْوَلَدُ بِهِمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا إنْ تَسَاوَيَا فِي جَمِيعِ الْحَوَاسِّ، فَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَالْعِبْرَةُ بِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَنْبُتُ بَعْدَ انْفِصَالِ الْوَلَدِ، وَعَلَى هَذَا إمَّا أَنْ يَتَمَيَّزَ الزَّائِدُ عَنْ الْأَصْلِيِّ أَوْ يَتَشَبَّهَ بِهِ وَالتَّمَيُّزُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَامِتًا لِلْأَصْلِيِّ أَمْ لَا.
فَإِنْ سَامَتْ وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُسَامِتْ فَالْأَصْلِيُّ فَقَطْ يَجِبُ غَسْلُهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَنْبَغِي تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فِيهَا وَلَا الِاشْتِغَالُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ وُقُوعُهَا جِدًّا، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحَادِثَةُ بَحَثَ عَنْهَا فَالْمُشْتَغِلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَنْ أَوْقَدَ تَنُّورًا فِي بَلْدَةٍ خَرِبَةٍ لَا يَسْكُنُ فِيهَا أَحَدٌ مُنْتَظِرًا مَنْ يَخْبِزُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مُسَامِتًا) شَامِلٌ لِلْأَصْلِيِّ وَالْمُشْتَبَهِ وَالزَّائِدِ الْغَيْرِ الْمُشْتَبَهِ.
وَعِبَارَةُ اج.
قَوْلُهُ: مُسَامِتًا أَيْ عَلَى سُنَنِهِ وَمُحَاذَاتِهِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ قُبُلِهِ، وَالْآخَرُ مِنْ جِهَةِ دُبُرِهِ وَجَبَ غَسْلُ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَكُنْ فَاقِدَ الْحَوَاسِّ، وَالثَّانِي فِيهِ ذَلِكَ، فَالْعَامِلُ هُوَ الْوَاجِبُ غَسْلُهُ.
قَالَ م ر: وَالْأَوْلَى حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا إذَا اسْتَوَيَا عَمَلًا، أَوْ كَانَ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقُبُلِ هُوَ الْعَمَلُ أَوْ أَكْثَرُ عَمَلًا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْعَامِلُ أَوْ الْأَكْثَرُ عَمَلًا الَّذِي مِنْ جِهَةِ الدُّبُرِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِلْأَوَّلِ) أَيْ وَلَوْ زَائِدًا مُتَمَيِّزًا.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُمَا) أَيْ إذَا كَانَا أَصْلِيَّيْنِ، وَيَكْفِي قَرْنَ النِّيَّةِ بِأَحَدِهِمَا حِينَئِذٍ أَوْ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا وَاشْتَبَهَ، أَمَّا إذَا تَمَيَّزَ الزَّائِدُ فَيَجِبُ غَسْلُ الْأَصْلِيِّ دُونَ الزَّائِدِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَمْتِهِ، وَإِلَّا يَجِبْ غَسْلُهُ أَيْضًا، وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الرَّأْسَيْنِ فَيُقَالُ: إنْ كَانَا أَصْلِيَّيْنِ اكْتَفَى بِمَسْحِ بَعْضِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا، وَاشْتَبَهَ تَعَيَّنَ مَسْحُ بَعْضِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنْ تَمَيَّزَ الْأَصْلِيُّ مِنْ الزَّائِدِ تَعَيَّنَ مَسْحُ بَعْضِ الْأَصْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ كَفَّيْهِ) الْكَفُّ تَذْكِيرُهَا قَلِيلٌ وَالتَّأْنِيثُ هُوَ الْكَثِيرُ كَمَا قَالَهُ ع ش. وَأَتَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْيَدِ مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ فَدَفَعَهُ بِقَوْلِهِ: مِنْ كَفَّيْهِ إلَخْ أج.
وَعَطَفَ الذِّرَاعَيْنِ عَلَى الْكَفَّيْنِ مِنْ عَطْفِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ مِنْ الْمَرْفِقِ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْمَرْفِقَيْنِ) يُفِيدُ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْيَدَيْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ بِالنَّظَرِ لِمَا يُرَادُ هُنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ تُطْلَقُ إطْلَاقًا لُغَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ مِنْ الْأَصَابِعِ لِلْمَنْكِبِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَدْرِهِمَا إنْ فُقِدَا) أَيْ خِلْقَةً.
وَالْمُرَادُ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَنْ تُسَاوِي يَدُهُ خِلْقَةً يَدَ مَنْ فَقَدَ مَرْفِقَهُ.
قَالَ الرَّحْمَانِيُّ عَلَى الْغَزِّيُّ: لَوْ فُقِدَ الْكَعْبُ أَوْ الْمَرْفِقُ اُعْتُبِرَ قَدْرُهُ مِنْ غَالِبِ أَمْثَالِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِمَا الْمُعْتَادِ كَأَنْ لَاصَقَ الْمَرْفِقُ الْمَنْكِبَ وَالْكَعْبُ الرُّكْبَةَ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي التُّحْفَةِ خِلَافًا لِجَمْعٍ مُتَأَخِّرِينَ اعْتَبَرُوا قَدْرَهُ مِنْ غَالِبِ النَّاسِ.
اهـ. وَمِثْلُهُ أُجْهُورِيٌّ.
قَوْلُهُ: (تَوَضَّأَ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَرَادَ الْوُضُوءَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مَحْمَلٌ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: 4] حَيْثُ قَالُوا أَرَدْنَا إهْلَاكَهَا.
قَوْلُهُ: (فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) أَيْ أَجْرَى وَأَسَالَ الْوَضُوءَ بِفَتْحِ الْوَاوِ مَيْدَانِيٌّ وَقِيلَ بِضَمِّ الْوَاوِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَسْلُ الْوَجْهِ
الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ ثُمَّ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ» إلَى آخِرِهِ.
وَلِلْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] ، وَإِلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] أَيْ مَعَ اللَّهِ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52] فَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الْيَدَيْنِ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ؛ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَوْ قَطَعَ مِنْ مَرْفِقَيْهِ
[حاشية البجيرمي]
فَقَطْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ) إلَخْ.
وَالْمُرَادُ بِإِسْبَاغِهِ إتْمَامُ غَسْلِهِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى) فِي نُسْخَةٍ إسْقَاطُ ثُمَّ وَهِيَ أَوْلَى فَيَكُونُ بَيَانًا لِقَوْلِهِ فَأَسْبَغَ الْوَضُوءَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى أَشْرَعَ) بِمَعْنَى شَرَعَ أَيْ غَسَلَ أَوَّلَ الْعَضُدَيْنِ ق ل.
قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) أَيْ وَانْتَهَى فِي قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ إلَى آخِرِهِ وَبَقِيَّتِهِ ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ» اهـ اج.
لَعَلَّ الْمُرَادَ بَعْدَ ذِكْرِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَيْدِيَكُمْ) الْأَيْدِي جَمْعُ الْيَدِ الَّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ، وَالْأَيَادِي جَمْعُ الْيَدِ الَّتِي هِيَ النِّعْمَةُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَدْ أَخْرَجَهُمَا عَوَامُّ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ عَنْ أَصْلِهِمَا، فَاسْتَعْمَلُوا الْأَيَادِيَ فِي جَمْعِ الْيَدِ لِلْجَارِحَةِ، وَتَجِدُ أَكْثَرَ النَّاسِ يَكْتُبُ لِصَاحِبِهِ الْمَمْلُوكُ يُقَبِّلُ الْأَيَادِي الْكَرِيمَةَ أَوْ الْكِرَامَ وَهُوَ لَحْنٌ، وَالصَّوَابُ الْأَيْدِيَ الْكَرِيمَةَ قَالَهُ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ شَوْبَرِيٌّ، وَفِي الْفَنَارِيِّ عَلَى الْمُطَوَّلِ مَا يُخَالِفُ هَذَا وَنَصُّهُ: وَالْأَيَادِي جَمْعُ الْأَيْدِي وَالْأَيْدِي جَمْعُ الْيَدِ وَهِيَ الْجَارِحَةُ الْمَخْصُوصَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي النِّعْمَةِ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ أَوْ الصُّورِيَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ وَهُوَ النِّعْمَةُ كَمَا صَرَّحَ بِهَا الشَّيْخُ فِي الْبَيَانِ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَمَا قِيلَ إنَّ الْيَدَ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ تُجْمَعُ عَلَى الْأَيْدِي وَبِمَعْنَى النِّعْمَةِ عَلَى الْأَيَادِي يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَصْلَ يَدٍ يَدَيَّ وَمَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فَعَلَ لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفَاعِلَ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْمَرَافِقِ) ذَكَرَ الْمَرَافِقَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ، وَلِكُلِّ يَدٍ مَرْفِقٌ فَصَحَّتْ الْمُقَابَلَةُ، وَلَوْ قِيلَ الْكِعَابُ لَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَاجِبَ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ وَاحِدٌ، فَذَكَرَ الْكَعْبَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ لِيَتَنَاوَلَ الْكَعْبَيْنِ مِنْ كُلِّ رِجْلٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا غَسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ.
قُلْنَا: صَدَّنَا عَنْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ م ر فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ مَا كَانَ وَاحِدًا وَهُوَ هُنَا الْمَرْفِقُ مِنْ وَاحِدٍ وَهُوَ هُنَا الْيَدُ، فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
وَلِكُلِّ يَدٍ مَرْفِقٌ وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ جَمْعٌ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] . وَلَمْ يَقُلْ قَلْبَاكُمَا أَيْ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، وَمَا كَانَ اثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، فَلَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ عُلِمَ أَنَّ لِكُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ، طُوخِيٌّ.
وَالْمُرَادُ بِالِاثْنَيْنِ الْكَعْبَانِ وَبِالْوَاحِدِ الرِّجْلُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَى بِمَعْنَى مَعَ) هَذَا جَوَابٌ اج عَمَّا يُقَالُ الْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الْمَرْفِقَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُغَيَّا بِإِلَى لَا يَشْمَلُ الْغَايَةَ.
فَأَجَابَ: بِأَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ إلَى بِمَعْنَى مَعَ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْإِجْمَاعُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى دُخُولِ الْغَايَةِ هُنَا فِي الْمُغَيَّا.
فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ ذِكْرِ الْغَايَةِ فِي الْآيَةِ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ دُونَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ حَقِيقَةُ الْيَدِ لُغَةً مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْمَنْكِبِ، وَالرِّجْلُ إلَى آخِرِ السَّاقِ نَصَّ عَلَى مَحَلِّ الْوُجُوبِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْغَسْلُ إلَى الْمَنْكِبِ، وَإِلَى الرُّكْبَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحْدُودٌ لَا يُتَوَهَّمُ دُخُولُ شَيْءٍ فِيهِمَا فَظَهَرَ الْفَرْقُ، وَقَدَّمَ الشَّارِحُ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْحَدِيثَ؛ لِأَنَّهُ أَبْيَنُ وَأَنَصُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَأَخَّرَ عَنْهُ الْإِجْمَاعَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ، وَأَخَّرَ الْآيَةَ لِلِاحْتِيَاجِ فِيهَا إلَى جَعْلِ إلَى بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] أَيْ مَعَ اللَّهِ أَيْ مَنْ يُعِينُنِي عَلَى نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: 52] أَيْ يَزِدْكُمْ قُوَّةً بِالْمَالِ وَالْوَلَدِ مَعَ قُوَّتِكُمْ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي حَقِّ قَوْمِ هُودٍ حَيْثُ قَالَ لَهُمْ: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: 52] إلَخْ.
وَكَانُوا قَحَطُوا الْمَطَرَ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَعْقَمَتْ نِسَاؤُهُمْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
قَوْلُهُ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ» أَيْ مَأْمُورٍ بِهِ.
بِأَنْ سَلَّ عَظْمَ الذِّرَاعِ وَبَقِيَ الْعَظْمَاتُ الْمُسَمَّيَانِ بِرَأْسِ الْعَضُدِ، فَيَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ عَظْمِ الْعَضُدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَرْفِقِ، أَوْ قَطَعَ مِنْ فَوْقِ الْمَرْفِقِ نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ سَلِيمَ الْيَدِ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْ مَنْكِبِهِ نُدِبَ غَسْلُ مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالْمَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَيَجِبُ غَسْلُ شَعْرٍ عَلَى الْيَدَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَثُفَ لِنُدْرَتِهِ وَغَسْلُ ظُفُرٍ، وَإِنْ طَالَ، وَغَسْلُ بَاطِنِ ثَقْبٍ وَشُقُوقٍ فِيهِمَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَوْرٌ فِي اللَّحْمِ، وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْهُ فَقَطْ، وَيَجْرِي هَذَا فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ كَمَا
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ: «فَأْتُوا مِنْهُ» أَيْ مِنْ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْمَأْمُورِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ غَسْلُ رَأْسِ عَظْمِ الْعَضُدِ) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْفِقَ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْعَظَمَتَيْنِ وَالْإِبْرَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
أَمَّا إذَا فَرَّعْنَا عَلَى مُقَابِلِهِ وَهُوَ أَنَّ الْمَرْفِقَ طَرَفُ عَظْمِ السَّاعِدِ فَلَا يَجِبُ.
اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مِنْ الْمَرْفِقِ) إذْ الْمَرْفِقُ مَجْمُوعُ الْعِظَامِ الثَّلَاثِ أَيْ الْعَظْمَاتُ الْمُسَمَّيَاتُ رَأْسَ الْعَضُدِ وَالْإِبْرَةُ الدَّاخِلَةُ بَيْنَهُمَا اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ) الْعَضُدُ مَا بَيْنَ الْمَرْفِقِ إلَى الْكَتِفِ وَفِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ وِزَانُ رَجُلٍ وَبِضَمَّتَيْنِ فِي لُغَةِ الْحِجَازِ وَقَرَأَ بِهَا الْحَسَنُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51] وَمِثَالُ كَبِدٍ فِي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ وَمِثَالُ فَلْسٍ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ وَبَكْرٍ وَالْخَامِسَةُ مِثَالُ قُفْلٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ أَهْلُ تِهَامَةَ يُؤَنِّثُونَ الْعَضُدَ وَبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَهُ وَالْجَمْعُ أَعْضُدُ وَأَعْضَادُ مِثْلُ أَفْلُسُ وَأَفْلَاسُ اهـ. مِصْبَاحٌ ع ش. فَإِنْ قُلْت: هَلَّا سَقَطَ غَسْلُ هَذَا الْقَدْرِ وَلَمْ يُنْدَبْ مِثْلُ سُقُوطِ الرَّوَاتِبِ تَبَعًا لِلْفَرْضِ بِنَحْوِ جُنُونٍ؟ . قُلْت: لِأَنَّ سُقُوطَهَا تَمَّ رُخْصَةً وَالتَّابِعُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَهَذَا فِيهِ سُقُوطُ الْمَتْبُوعِ لِعُذْرٍ فَحَسُنَ بَقَاءُ التَّابِعِ مُحَافَظَةً عَلَى الْعِبَادَةِ مَا أَمْكَنَ كَإِمْرَارِ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِ الْمُحْرِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا شَعْرٌ وَلِأَنَّ التَّابِعَ ثَمَّ شُرِعَ تَكْمِلَةً لِنَقْصِ الْمَتْبُوعِ أَيْ بِتَرْكِ سُنَّةٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَتْبُوعٌ فَلَا تَكْمِلَةَ بِخِلَافِهِ هُنَا لَيْسَ تَكْمِلَةً لِلْمَتْبُوعِ؛ لِأَنَّهُ كَامِلٌ بِالْمُشَاهَدَةِ أَيْ: قَبْلَ الْقَطْعِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا لِنَفْسِهِ اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ.
﴿فَائِدَةٌ﴾ : قَالَ م ر: كُلُّ مَا ثُنِّيَ مِنْ الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَعْضَاءِ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ فَهُوَ مُؤَنَّثٌ بِخِلَافِ الْأَنْفِ وَالْقَلْبِ وَنَحْوِهِمَا أَيْ كَالْبَطْنِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: «كَذَبَ بَطْنُ أَخِيك» بِالتَّذْكِيرِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَاءِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَالْأَوْلَى حَذْفُهُ كَسَابِقِهِ وَلَاحِقِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ غَسْلُ شَعْرٍ إلَخْ) وَيَجِبُ غَسْلُ عَظْمٍ وَضَحَ بِكَشْطِ مَا فَوْقَهُ وَمَوْضِعَ شَوْكَةٍ بَقِيَ مَفْتُوحًا، وَإِلَّا يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَائِهَا بِحَيْثُ لَوْ أُزِيلَتْ لَمْ يَنْضَمَّ مَوْضِعُهَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَإِلَّا صَحَّ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَائِهَا م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَثُفَ لِنُدْرَتِهِ) أَيْ الشَّعْرُ الْكَثِيفُ أَيْ: وَإِنْ خَرَجَ عَنْ حَدِّهِمَا أَيْضًا.
وَتَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ أَنَّ الْكَثِيفَ الْخَارِجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ يُكْتَفَى بِغَسْلِ ظَاهِرِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا وَالْفَرْقُ نُدْرَةُ مَا هُنَا.
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ ظُفُرٍ) فِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ ضَمُّ الظَّاءِ مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا مَعَ سُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرُهَا وَأُظْفُورٌ كَعُصْفُورٍ وَاَلَّذِي قُرِئَ بِهِ الْقُرْآنُ ضَمُّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِمَّا جَازَ لُغَةً أَنْ يَجُوزَ قِرَاءَةً عَمَلًا بِقَوْلِ الشَّاطِبِيِّ
وَمَا لِقِيَاسٍ فِي الْقِرَاءَةِ مَدْخَلُ.
قَوْلُهُ: (وَغَسْلُ بَاطِنِ ثُقْبٍ) أَيْ بَعْدَ إخْرَاجِ مَا بِهَا، فَلَوْ دَخَلَتْ نَحْوُ شَوْكَةٍ فِي نَحْوِ يَدِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهَا وَجَبَ قَلْعُهُ وَغَسْلُ مَا تَحْتَهُ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قُلِعَ بَقِيَ مَفْتُوحًا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يَلْتَئِمُ بَعْدَ قَلْعِهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تَغُرْ فِي اللَّحْمِ، وَإِلَّا فَإِنْ غَارَتْ أَيْ صَارَتْ مِنْ اللَّحْمِ فَلَا تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَا تَصِحُّ مَعَهَا إنْ كَانَتْ قَدْ اخْتَلَطَتْ بِدَمٍ كَثِيرٍ حَيْثُ كَانَتْ رَأْسُهَا ظَاهِرَةً بِخِلَافِهَا مَعَ الْقَلِيلِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِقِلَّتِهِ.
هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ مَا ظَهَرَ) هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ إنْ الشَّرْطِيَّةِ وَلَا النَّافِيَةِ الْمَحْذُوفِ مَدْخُولُهُمَا، وَلَيْسَتْ حَرْفَ اسْتِثْنَاءٍ كَمَا قِيلَ، وَإِلَّا لَمْ تُجْمَعْ مَعَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْفَاءِ بَعْدَهَا مَسَاغٌ.
اهـ بِهَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ) أَيْ بَاقِيهَا الْمُرَادُ بِهِ الرَّجُلَانِ إذْ مَا ذُكِرَ بِتَمَامِهِ لَا يَأْتِي فِي
يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ صِفَةِ الْغُسْلِ.
وَغَسْلُ يَدٍ زَائِدَةٍ إنْ نَبَتَتْ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ وَلَوْ مِنْ الْمَرْفِقِ كَأُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَسِلْعَةٍ، سَوَاءٌ جَاوَزَتْ الْأَصْلِيَّةَ أَمْ لَا.
وَإِنْ نَبَتَتْ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَجَبَ غَسْلُ مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَلَّهُ لِوُقُوعِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهِ مَعَ مُحَاذَاتِهِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ؛ بِخِلَافِ مَا لَمْ يُحَاذِهِ فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الزَّائِدَةُ عَنْ الْأَصْلِيَّةِ بِأَنْ كَانَتَا أَصْلِيَّتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا زَائِدَةٌ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ بِنَحْوِ فُحْشِ قِصَرٍ وَنَقْصِ أَصَابِعَ وَضَعْفِ بَطْشٍ غَسَلَهُمَا وُجُوبًا، سَوَاءٌ أَخَرَجَتَا مِنْ الْمَنْكِبِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ لِيَتَحَقَّقَ إتْيَانُ الْفَرْضِ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ السَّرِقَةِ تُقْطَعُ إحْدَاهُمَا فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِهَا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مَبْنَاهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَالْحَدُّ مَبْنَاهُ عَلَى الدَّرْءِ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ، وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ تَدَلَّتْ جِلْدَةُ الْعَضُدِ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لَا الْمُحَاذِي وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا مَعَ خُرُوجِهَا عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، أَوْ
[حاشية البجيرمي]
الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (زَائِدَةٍ) أَيْ مُتَمَيِّزَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدُ فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الزَّائِدَةُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إنْ نَبَتَتْ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ سَامَتَتْ أَمْ لَا لِنَبَاتِهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَصَارَتْ كَالسِّلْعَةِ الَّتِي فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ.
قَوْلُهُ: (وَسِلْعَةٍ) السِّلْعَةُ بِكَسْرِ السِّينِ لِلْخُرَّاجِ الْبَارِزِ مِنْ الْبَدَنِ أَمَّا بِالْفَتْحِ فَاسْمٌ لِمَا يُبَاعُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ الرَّحْمَانِيُّ السِّلْعَةُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ غُدَّةٌ تَظْهَرُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ إذَا غُمِزَتْ بِالْيَدِ لَانَتْ وَمَبْدَؤُهَا مِنْ الْحِمِّصَةِ وَمُنْتَهَاهَا إلَى الْبِطِّيخَةِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ، وَلِهَذَا أَشَارَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
سِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدِ ... كُلٌّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدَ
أَمَّا الَّتِي بِالْفَتْحِ فَهِيَ الشَّجَّةُ ... عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ فَاسْلُكْ نَهْجَهُ
قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَبَتَتْ) أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهَا مُتَمَيِّزَةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ) كَأَنْ نَبَتَتْ فِي الْعَضُدِ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْمَرْفِقَيْنِ وَتَدَلَّتْ لِلذِّرَاعِ.
قَوْلُهُ: (مَا حَاذَى مِنْهُ مَحَلَّهُ) أَيْ مَحَلَّ الْفَرْضِ.
وَالْمُحَاذِي هُوَ الْمُرَادُ بِالسِّمَاتِ فِي كَلَامِهِمْ فَالتَّفْضِيلُ بَيْنَ الْمُسَامِتِ وَغَيْرِهِ فِيمَا لَمْ يَنْبُتْ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ بِخِلَافِ مَا نَبَتَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَمَّا نَبَتَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ كَانَتْ كَالسِّلْعَةِ فَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ تِلْكَ، لَكِنْ أَطْلَقَ م ر أَنَّ الزَّائِدَةَ لَوْ طَالَتْ فَجَاوَزَتْ أَصَابِعُهَا أَصَابِعَ الْأَصْلِيَّةِ اتَّجَهَ وُجُوبُ غَسْلِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَصْلِيَّةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ.
اهـ. فَظَاهِرُهُ شُمُولِ ذَلِكَ لِمَا لَمْ يَنْبُتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا وُجُوبَ غَسْلِ مَا حَاذَى الْيَدَيْنِ مِنْ يَدٍ زَائِدَةٍ نَبَتَتْ فَوْقَ مَحَلِّ الْفَرْضِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِوُقُوعِ اسْمِ الْيَدِ عَلَيْهِ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ جِلْدَةِ الْعَضُدِ إذَا لَمْ يَصِلْ تَقَلُّصُهَا إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ وَكَانَتْ مُحَاذِيَةً لَهُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَمْ يُحَاذِهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُحَاذِهِ مِنْ جِهَةِ السُّفْلِ كَأَنْ طَالَتْ الزَّائِدَةُ فَجَاوَزَتْ أَصَابِعُهَا أَصَابِعَ الْأَصْلِيَّةِ فَيُتَّجَهُ وُجُوبُ غَسْلِ الزَّائِدِ عَلَى الْأَصْلِيَّةِ كَمَا فِي م ر. فَالْمَفْهُومُ فِيهِ تَفْصِيلٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ إلَخْ) هَذِهِ سَالِبَةٌ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ فَصَحَّ قَوْلُهُ بِأَنْ كَانَتْ إلَخْ قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَخَرَجَتَا إلَخْ) بِهَذَا التَّعْمِيمِ فَارَقَتْ مَا قَبْلَهَا، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ وُجُوبُ غَسْلِ الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الدَّرْءِ) أَيْ التَّرْكِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَدَلَّتْ جِلْدَةُ الْعَضُدِ مِنْهُ) أَيْ بِأَنْ انْكَشَطَتْ وَلَمْ يَبْلُغْ كَشْطُهَا إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي لَكِنَّهَا بَلَغَتْهُ بِالتَّدَلِّي.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ انْكَشَطَتْ جِلْدَةُ الذِّرَاعِ وَلَمْ يَبْلُغْ كَشْطُهَا إلَى الْعَضُدِ، وَإِنْ بَلَغَتْ بِالتَّدَلِّي إلَى الْعَضُدِ فَيَجِبُ الْخَارِجُ أَيْضًا، وَمَحَلُّ عَدَمِ وُجُوبِ غَسْلِ الْمُتَدَلِّي لِمَحَلِّ الْفَرْضِ فِي الْأُولَى، وَوُجُوبِ غَسْلِ الْخَارِجِ عَنْهُ فِي الثَّانِيَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْتِصَاقٌ، وَإِلَّا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ وَلَمْ يَجِبْ فِي الثَّانِي، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ الْتَصَقَتْ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِهَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَطْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَا الْمُحَاذِي وَلَا غَيْرُهُ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَدِ الزَّائِدَةِ النَّابِتَةِ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ حَيْثُ يَجِبُ غَسْلُ الْمُحَاذِي بِمُشَارَكَتِهَا لِلْيَدِ فِي الِاسْمِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ اسْمَ الْيَدِ إلَخْ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ يَدِ الزَّائِدَةِ النَّابِتَةِ فِي الْعَضُدِ الْمُحَاذِيَةِ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ
تَقَلَّصَتْ جِلْدَةُ الذِّرَاعِ مِنْهُ وَجَبَ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَإِنْ تَدَلَّتْ جِلْدَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ بِأَنْ تَقَلَّعَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَبَلَغَ التَّقَلُّعُ إلَى الْآخَرِ ثُمَّ تَدَلَّتْ مِنْهُ فَالِاعْتِبَارُ بِمَا انْتَهَى إلَيْهِ تَقَلُّعُهَا، لَا بِمَا مِنْهُ تَقَلُّعُهَا، فَيَجِبُ غَسْلُهَا فِيمَا إذَا بَلَغَ تَقَلُّعُهَا مِنْ الْعَضُدِ إلَى الذِّرَاعِ دُونَ مَا إذَا بَلَغَ مِنْ الذِّرَاعِ إلَى الْعَضُدِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ جُزْءًا مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَلَوْ الْتَصَقَتْ بَعْدَ تَقَلُّعِهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَجَبَ غَسْلُ مُحَاذِي الْفَرْضِ مِنْهَا دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنْ تَجَافَتْ عَنْهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا أَيْضًا لِنُدْرَتِهِ، وَإِنْ سَتَرَتْهُ اكْتَفَى بِغَسْلِ ظَاهِرِهَا وَلَا يَجِبُ فَتْقُهَا، فَلَوْ غَسَلَهُ ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحْتِهَا؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى ظَاهِرِهَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ، وَقَدْ زَالَتْ.
وَلَوْ تَوَضَّأَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ تَثَقَّبَتْ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا ظَهَرَ إلَّا
[حاشية البجيرمي]
كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ تَقَلَّعَتْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَيْ انْكَشَطَتْ خِلَافًا لِلْمُحَشِّيِّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَقَلَّعَتْ) أَيْ انْكَشَطَتْ وَاسْتَمَرَّتْ فِي الذِّرَاعِ.
وَلَمَّا كَانَ فِي الْعِبَارَةِ غُمُوضٌ شَرَحَهَا بِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (لَا بِمَا مِنْهُ تَقَلُّعُهَا إلَخْ) . فَإِنْ قُلْت: لِمَا اعْتَبَرُوا هُنَا الْمَحَلَّ الْمُنْتَقَلَ إلَيْهِ التَّقَلُّعَ، وَفِي الشَّجَرَةِ الْحِلِّيَّةَ وَالْحُرْمِيَّةَ الْمَحَلَّ الَّذِي مِنْهُ التَّقَلُّعُ.
قُلْت: لِأَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى وَصْفِ الِاحْتِرَامِ وَعَدَمِهِ، وَهُمَا مِنْ الْأُمُورِ الذَّاتِيَّةِ فَاعْتُبِرَ مَحَلُّهَا الْأَصْلِيُّ دُونَ الطَّارِئِ، وَأَمَّا هُنَا فَلَيْسَ الْمَدَارُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ فِي الْفَرْضِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ هُنَا وَعَدَمَهُ مِنْ الْأُمُورِ الْعَرْضِيَّةِ، فَنَاسَبَ النَّظَرَ فِيهِمَا لِلْعَوَارِضِ دُونَ الْأُصُولِ اهـ. إيعَابٌ.
وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ الْعِبْرَةُ هُنَاكَ بِاحْتِرَامِ الْمَكَانِ وَعَدَمِهِ فَاتُّبِعَ وَهُنَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ فَاتُّبِعَ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ غَسْلُهَا إلَخْ) أَيْ غَسْلُ جَمِيعِهَا وَلَوْ لَمْ يُحَاذِ الْفَرْضَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ الْتَصَقَتْ إلَخْ) . عِبَارَةُ م ر وَلَوْ انْكَشَطَتْ مِنْ سَاعِدِهِ وَالْتَصَقَ رَأْسُهَا بِعَضُدِهِ مَعَ تَجَافِي بَاقِيهَا وَجَبَ غَسْلُ مُحَاذِي الْفَرْضِ مِنْهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا دُونَ مَا فَوْقَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَلَا نَظَرَ لِأَصْلِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا إلَيْهِ التَّكَشُّطُ لَا بِمَا مِنْهُ ذَلِكَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِهِمْ بِالْمُحَاذَاةِ أَنَّ الزَّائِدَةَ لَوْ نَبَتَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ بَعْدَ قَطْعِ الْأَصْلِيَّةِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهَا لِانْتِفَاءِ الْمُحَاذَاةِ حِينَئِذٍ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافُهُ بِنَاءَ خِلَافِهِ بِنَاءً عَلَى شُمُولِ الْمُحَاذَاةِ لِمَا كَانَ قُوَّةً أَيْ بِالْقُوَّةِ أَيْ تَقْدِيرًا وَهُوَ أَقْرَبُ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَحَدِهِمَا) أَيْ وَالْتَحَمَتْ.
قَوْلُهُ: (بِالْآخَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْتَصَقَتْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَتَرَتْهُ) أَيْ وَخِيفَ مِنْ إزَالَتِهَا حُصُولُ ضَرَرٍ وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ فَتْقُهَا) أَيْ إنْ لَزِمَ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ تَيَمَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ غَسَلَهُ) أَيْ ظَاهِرَهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ تَحْتِهَا) لَعَلَّهُ إنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ الْتَحَمَتْ عَلَى الْمُتَّجَهِ فَرَاجِعْهُ.
ق ل. أَيْ؛ لِأَنَّهَا إذَا الْتَحَمَتْ فَقَدْ أَتَى بِوَاكِبِهَا، فَإِذَا انْفَكَّتْ صَارَ كَمَا لَوْ أَزَالَ الشَّعْرَ الَّذِي اكْتَفَى بِغَسْلِ ظَاهِرِهِ عَنْ الْبَشَرَةِ وَهُوَ لَا يُوجِبُ غَسْلَ مَا ظَهَرَ فَكَذَا هَذَا.
قَوْلُهُ (فَقُطِعَتْ يَدُهُ إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ انْتَقَلَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ نَبَتَتْ لَهُ يَدٌ قَبْلَ تَمَامِ طُهْرِهِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهَا وَمَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ غَسْلِهَا لِعَدَمِهَا، وَقَدْ زَالَ أَوَّلًا لِفَوَاتِ مَحَلِّ غَسْلِهَا؟ . فِيهِ نَظَرٌ.
وَأَقُولُ: قَضِيَّةُ قَوْلِ الشَّارِحِ كَغَيْرِهِ فَقَطَعْت وُجُوبَ غَسْلِهَا لِجَعْلِهِ الْقَطْعَ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ، إذًا لَا يُقَالُ لَهُ وُضُوءٌ إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ طُهْرُ ذَلِكَ الْعُضْوِ بِأَنْ قُطِعَ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اج.
وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدٌ حَالَ شُرُوعِهِ فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ نَبَتَتْ لَهُ يَدٌ، فَإِنْ نَبَتَتْ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَقَبْلَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَجَبَ غَسْلُهَا لِوُجُودِهَا قَبْلَ الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّ فَرْضِهَا، أَمَّا لَوْ نَبَتَتْ بَعْدَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ لَمْ يَجِبْ الْعَوْدُ لِغَسْلِهَا مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ لِوُجُودِهَا بَعْدَ تَمَامِهَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ نَبَتَتْ بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَقَبْلَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، فَهَلْ يَعُودُ إلَى طَهَارَتِهَا بَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ لِوُجُودِهَا قَبْلَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ أَوْ لَا لِوُجُودِهَا بَعْدَ الِانْتِقَالِ عَنْ مَحَلِّهَا؟ . مَحَلُّ نَظَرٍ وَاحْتِمَالٍ حَرِّرْهُ.
اهـ. قُلْتُ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: أَمَّا لَوْ نَبَتَ إلَخْ.
لَا يَعُودُ لِطَهَارَتِهَا لِمَا عَلَّلَ بِهِ بِقَوْلِهِ لِوُجُودِهَا
لِحَدَثٍ فَيَجِبُ غَسْلُهُ كَالظَّاهِرِ أَصَالَةً.
وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْوُضُوءِ لِقَطْعِ يَدِهِ مَثَلًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَصِّلَ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ، وَالنِّيَّةُ مِنْ الْآذَانِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَيَمَّمَ وَصَلَّى، وَأَعَادَ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ.
(وَ) الرَّابِعُ مِنْ الْفُرُوضِ (مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ) بِمَا يُسَمَّى مَسْحًا وَلَوْ لِبَعْضِ بَشَرَةِ رَأْسِهِ أَوْ بَعْضِ شَعْرَةٍ وَلَوْ وَاحِدَةً أَوْ بَعْضُهَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ بِالْمَدِّ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ، فَلَوْ خَرَجَ بِهِ عَنْهُ مِنْهَا لَمْ يَكْفِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُتَجَعِّدًا بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ لَخَرَجَ عَنْ الرَّأْسِ لَمْ يَكْفِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] .
[حاشية البجيرمي]
بَعْدَ تَمَامِهَا، فَانْظُرْ نَقْلًا صَرِيحًا فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: أَوَّلًا اعْتَمَدَهُ ع ش وس ل خِلَافًا ل ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِأُجْرَةِ مِثْلٍ) فَاضِلَةٍ عَنْ دَيْنِهِ وَعَنْ كِفَايَةِ مُؤْنَةِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، وَكَتَبَ الْمَيْدَانِيُّ عَلَى قَوْلِهِ فَاضِلَةٍ عَنْ دَيْنِهِ: ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (أَعَادَ) أَيْ عِنْدَ وُجُودِ أُجْرَةِ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَقَوْلُهُ: (لِنُدْرَةِ ذَلِكَ) أَيْ التَّعَذُّرِ.
قَوْلُهُ: (وَمَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ) أَيْ، وَإِنْ تَعَدَّدَ مَعَ الْأَصَالَةِ، وَإِلَّا فَالْأَصْلِيُّ إنْ عُلِمَ، وَإِلَّا فَالْكُلُّ.
اهـ ابْنُ شَرَفٍ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُسَمَّى) الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ وَيُصَوَّرُ ذَلِكَ الْمَسْحُ بِمَا يُسَمَّى مَسْحًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِبَعْضِ بَشَرَةِ رَأْسِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِمَّا وَجَبَ غَسْلُهُ مَعَ الْوَجْهِ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ فَيَكْفِي مَسْحُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ الرَّأْسِ، وَإِنْ سَبَقَ لَهُ غَسْلُهُ مَعَ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ أَوَّلًا كَانَ لِيَتَحَقَّقَ بِهِ غَسْلَ الْوَجْهِ، لَا لِكَوْنِهِ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ، وَبِهِ يُجَابُ عَنْ تَوَقُّفِ الشَّوْبَرِيِّ.
قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خَرَجَتْ الْبَشَرَةُ بِالْمَدِّ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ كَسِلْعَةٍ نَبَتَتْ وَخَرَجَتْ بِالْمَدِّ عَنْهُ بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِمْ فِي الْبَشَرَةِ وَتَقْيِيدِهِمْ الشَّعْرَ بِعَدَمِ خُرُوجِهِ بِالْمَدِّ عَنْهُ فَيُرَاجَعُ رَاجَعْنَاهُ، فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ: وَظَاهِرُ تَقْيِيدِهِ بِالشَّعْرِ إخْرَاجُ السِّلْعَةِ فَظَاهِرُهُ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا، وَإِنْ طَالَتْ وَخَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ، وَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى شَعْرِ السِّلْعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ اهـ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي ع ش عَلَى م ر مَا نَصُّهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ تَفْصِيلُ الشَّعْرِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا لَوْ خُلِقَ لَهُ سِلْعَةٌ بِرَأْسِهِ وَتَدَلَّتْ.
اهـ. قَوْلُهُ: (فِي حَدِّ الرَّأْسِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوْ بَعْضِ شَعْرَةٍ، وَالْمُرَادُ فِي حَدِّهِ حَالَةُ مَسْحِهِ فَلَا يَضُرُّ إزَالَتُهُ بِالْحَلْقِ بَعْدَهُ كَقَطْعِ الْيَدِ بَعْدَ غَسْلِهَا وَلَا خُرُوجُهُ عَنْ الْحَدِّ بِطُولِهِ بَعْدَ الْمَسْحِ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ جِلْدَةٌ تَدَلَّتْ فَلَا يَكْفِي الْمَسْحُ عَلَى مَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ مِنْهَا كَمَا فِي ق ل. وَالرَّأْسُ مُذَكَّرٌ كَكُلِّ مَا لَمْ يُثَنَّ مِنْ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ نَحْوُ الْأَنْفِ وَالْقَلْبِ، بِخِلَافِ مَا ثُنِّيَ كَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالْأُذُنِ فَإِنَّهُ يُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَخْرُجَ بِالْمَدِّ عَنْهُ) وَلَوْ تَقْدِيرًا بِأَنْ كَانَ مَعْقُوصًا وَمُتَجَعِّدًا بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ مَحَلَّ الْمَسْحِ مِنْهُ وَخَرَجَ عَنْ الرَّأْسِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ) أَيْ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ خَرَجَ بِهِ) أَيْ بِالْمَدِّ عَنْهُ أَيْ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ مِنْهَا أَيْ مِنْ جِهَةِ نُزُولِهِ: قَوْلُهُ: (لَمْ يَكْفِ) إنْ مَسَحَ عَلَى الْقَدْرِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَأْسًا وَيَكْفِي عَلَى بَقِيَّتِهِ الدَّاخِلَةِ اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] . فَإِنْ قُلْت: صِيغَةُ الْأَمْرِ بِمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَاحِدَةٌ فَهَلَّا أَوْجَبْتُمْ التَّعْمِيمَ أَيْضًا؟ . قُلْنَا: الْمَسْحُ ثَمَّ بَدَلٌ لِلضَّرُورَةِ، وَهُنَا الْأَصْلُ وَاحْتَرَزْنَا بِالضَّرُورَةِ عَنْ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ، فَإِنَّهُ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: قُلْنَا الْمَسْحُ ثَمَّ بَدَلٌ فَأُعْطِيَ حُكْمَ مُبْدَلِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَكُونُ خَرْمًا لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْبَاءَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ، وَهِيَ هُنَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: 6] . وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ صَدَّنَا عَنْ الْأَخْذِ بِالْقَاعِدَةِ أَنَّ الْمَسْحَ أَيْ مَسْحَ الْوَجْهِ
وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ» . وَاكْتَفَى بِمَسْحِ الْبَعْضِ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمَسْحِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ خُصُوصِ النَّاصِيَةِ وَهِيَ الشَّعْرُ الَّذِي بَيْنَ النَّزَعَتَيْنِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِهَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الِاسْتِيعَابِ وَيَمْنَعُ وُجُوبَ التَّقْدِيرِ بِالرُّبُعِ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا دُونَهُ، وَالْبَاءُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى مُتَعَدِّدٍ كَمَا فِي الْآيَةِ تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] تَكُونُ لِلْإِلْصَاقِ.
[حاشية البجيرمي]
فِي التَّيَمُّمِ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِهِ، فَأُعْطِيَ حُكْمَ مُبْدَلِهِ وَهُوَ التَّعْمِيمُ وَلِثُبُوتِ التَّعْمِيمِ فِي التَّيَمُّمِ فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ) أَيْ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّهُ بَدَلٌ.
وَقِيلَ: إنَّهُ أَصْلٌ.
وَأُجِيبَ أَيْضًا: بِأَنَّ الشَّارِعَ نَاظِرٌ لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ وَفِي تَعْمِيمِ الْخُفِّ نَقْصٌ لَهُ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ التَّعْمِيمُ فِي التَّيَمُّمِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ فَاعْتُبِرَ حُكْمُ مُبْدَلِهِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ أَصْلٌ فَاعْتُبِرَ بَعْضُهُ وَصَدَّ عَنْ وُجُوبِهِ فِي الْخُفِّ الْإِجْمَاعُ؛ وَلِأَنَّ التَّعْمِيمَ يُفْسِدُهُ مَعَ أَنَّ مَسْحَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ لِجَوَازِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْغَسْلِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ اسْتِيعَابُهُ وَمَا جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ وَجَبَ، بَلْ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ الْعَكْسَ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ مَا جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ فِيهِ مَانِعٌ مِنْ اسْتِيعَابٍ وَهُوَ فَسَادُهُ بِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ.
ح ل. وَلَيْسَ الْمَانِعُ مِنْ وُجُوبِ التَّعْمِيمِ مُجَرَّدَ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَوَى مُسْلِمٌ) لَك أَنْ تَقُولَ إنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ تَطَرَّقَ إلَيْهَا احْتِمَالُ أَنَّهُ لِلضَّرُورَةِ، فَيَجُوزُ مَسْحُ النَّاصِيَةِ أَوْ قَدْرِهَا، وَالتَّكْمِيلُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا فَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ الِاكْتِفَاءُ بِالْبَعْضِ مُطْلَقًا.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الرَّاوِيَ فَهِمَ تَكَرُّرَ ذَلِكَ وَكَثْرَةَ وُقُوعِهِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَطْلَقَهُ فَأَخَذَ بِمُقْتَضَى إطْلَاقِهِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: كَانَ يَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ مُتَكَرِّرًا حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ عَادَتَهُ، وَالْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ الرَّاوِي، ذَكَرَهُ فِي بَيَانِ وُضُوئِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى عِمَامَتِهِ) أَيْ وَتَمَّمَ عَلَى عِمَامَتِهِ.
قَالَ ع ش: وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ أَوْ خِرْقَةً عَلَى رَأْسِهِ فَوَصَلَ الْبَلَلُ لِلرَّأْسِ، فَالْوَجْهُ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلَ الْجُرْمُوقِ بَلْ يَتَعَيَّنُ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: يَكْفِي مُطْلَقًا قَصَدَ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الْجُرْمُوقِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُرْمُوقِ بِأَنْ ثَمَّ صَارِفًا وَهُوَ مُمَاثَلَةُ غَيْرِ الْمَسْمُوحِ عَلَيْهِ لَهُ فَاحْتَاجَ لِقَصْدِ مُمَيِّزٍ وَلَا كَذَلِكَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَاكْتَفَى بِمَسْحِ الْبَعْضِ) أَيِّ بَعْضٍ كَانَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ النَّاصِيَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاجِبُ غَسْلَهَا جَمِيعِهَا لَمَا اكْتَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ فَقَطْ وَلَا بِالْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، فَأُخِذَ دَلِيلُنَا عَلَى مَسْحِ الْبَعْضِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إلَخْ) هَذَا مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْلِيلِ أَيْ إذْ لَمْ يَقُلْ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: (وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ) أَيْ الْقَائِلُ بِهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَقَوْلُهُ: (بِالرُّبُعِ) هُوَ رَأْيُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ أَكْثَرَ) هُوَ رَأْيُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَقَدْ سَأَلْت بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَذْهَبُنَا وُجُوبُ التَّعْمِيمِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَأَخْبَرَنِي أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ لَا وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ يُفَرَّقُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَسْقُطُ عَمْدًا وَلَا جَهْلًا وَلَا سَهْوًا، وَأَنَّ الثَّانِيَ يَسْقُطُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الشَّعْرُ) فِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاصِيَةَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ مِنْ أَعْلَى الْجَبِينِ، فَكَيْفَ فَسَّرَهَا هُنَا بِالشَّعْرِ الَّذِي بَيْنَ النَّزَعَتَيْنِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ مَجَازٌ وَالْعَلَاقَةُ الْحَالِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (لِلْإِلْصَاقِ) أَيْ الْمَشُوبُ بِتَعْمِيمٍ فَتُفِيدُ تَعْمِيمَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَاسْتِيعَابِهِ إذْ لَا يُقَالُ طَوْفَةٌ إلَّا إذَا عَمَّ الدَّوْرُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ غَسَلَ بَشَرَةَ الْوَجْهِ وَتَرَكَ الشَّعْرَ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُجْزِهِ فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمَّى الرَّأْسِ عُرْفًا إذْ الرَّأْسُ اسْمٌ لِمَا رَأَسَ وَعَلَا وَالْوَجْهُ مَا تَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةِ مَعًا.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا اُكْتُفِيَ بِالْمَسْحِ عَلَى النَّازِلِ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ كَمَا اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ لِلتَّقْصِيرِ فِي النُّسُكِ؟ . أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَاسِحَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَاسِحٍ عَلَى الرَّأْسِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ فِي التَّقْصِيرِ إمَّا هُوَ شَعْرُ الرَّأْسِ وَهُوَ صَادِقٌ بِالنَّازِلِ، وَيَكْفِي غَسْلُ بَعْضِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ وَوَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهِ بِلَا مَدٍّ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ وُصُولِ الْبَلَلِ إلَيْهِ، وَلَوْ قَطَرَ الْمَاءُ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ تَعَرَّضَ لِلْمَطَرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمَسْحَ أَجْزَأَهُ لِمَا مَرَّ وَيُجْزِئُ مَسْحٌ بِبَرَدٍ وَثَلْجٍ لَا يَذُوبَانِ لِمَا ذُكِرَ، وَلَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ مَسْحِهِ لَمْ يُعِدْ الْمَسْحَ لِمَا مَرَّ فِي قَطْعِ الْيَدِ.
(وَ) الْخَامِسُ مِنْ الْفُرُوضِ (غَسْلُ) جَمِيعِ (الرِّجْلَيْنِ) بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِ (مَعَ الْكَعْبَيْنِ) مِنْ كُلِّ رِجْلٍ أَوْ قَدْرِهِمَا إنْ فُقِدَ كَمَا مَرَّ فِي الْمَرْفِقَيْنِ وَهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ فَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ، لِمَا رَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَرَأَيْت الرَّجُلَ مِنَّا يَلْصَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] قُرِئَ فِي السَّبْعِ بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْوُجُوهِ لَفْظًا فِي
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ: لَوْ غَسَلَ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ اُكْتُفِيَ فِيهِ بِمَسْحِ الشَّعْرِ أَوْ الْبَشَرَةِ، وَاشْتُرِطَ فِي غَيْرِهِ الْغَسْلُ شَعْرًا وَبَشَرًا.
قَوْلُهُ (رَأَسَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
وَقَوْلُهُ: (وَعَلَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ قِيلَ هَلَّا اُكْتُفِيَ) . هَذَا وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ بَعْضَ شَعْرٍ فِي حَدٍّ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي غَسْلُ بَعْضِ الرَّأْسِ) أَشَارَ بِقَوْلِهِ يَكْفِي الْمُسَاوِي لِلْجَوَازِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ إلَى نَفْيِ كُلٍّ مِنْ اسْتِحْبَابِهِ وَكَرَاهَتِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ أَيْ: مِنْ حَيْثُ زِيَادَتُهُ عَلَى وَاجِبِ الْمَسْحِ، وَأَحَدُ مَاصَدَقَاتِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى حُصُولِ الْبَلَلِ الْمُحَصِّلِ لِلْمَقْصُودِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ) صَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَسْحِ فِيهِ، إذْ لَيْسَ الْمَسْحُ جُزْءًا مِنْ الْغَسْلِ ق ل. وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَسْحِ هُوَ وُصُولُ الْبَلَلِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَيْسَ الْمَسْحُ إلَخْ) أَيْ بَلْ هُوَ ضِدُّ الْغَسْلِ فَكَيْفَ يُحَصِّلُهُ مَعَ زِيَادَةٍ؟ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ أَنَّهُ مُحَصِّلٌ لِمَقْصُودِ الْمَسْحِ مِنْ وُصُولِ الْبَلَلِ لِلرَّأْسِ، لَا أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ مَسْحٌ وَغَسْلٌ.
اهـ. أَيْ فَهُوَ مُبَاحٌ حَصَلَ فِي ضِمْنِهِ ذَلِكَ الْوَاجِبُ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَسْحِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْغَسْلِ، إذْ هُوَ السَّيَلَانُ دُونَ الْمَسْحِ.
وَبِهِ يُلْغَزُ وَيُقَالُ لَنَا مُبَاحٌ قَامَ مَقَامَ الْوَاجِبِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَطَرَ) بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا كَمَا هُنَا وَلَازِمًا م د.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) مِنْ حُصُولِ الْمَقْصُودِ الَّذِي هُوَ وُصُولُ الْبَلَلِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَذُوبَانِ) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا رُطُوبَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الْيَدَيْنِ تَعْلِيلٌ حَتَّى يُحِيلَ عَلَيْهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَمَا مَرَّ بِالْكَافِ أَيْ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ تَوَضَّأَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ إلَخْ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِ) أَشَارَ بِذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى الشِّيعَةِ الْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ الرِّجْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ اسْتِدْلَالًا بِظَاهِرِ الْآيَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ، فَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَارَ إلَى هَذَا ابْنُ حَجَرٍ فِي التُّحْفَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْكَعْبَيْنِ) وَلَوْ كَانَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمَا الْمُعْتَادِ.
قَوْلُهُ: (مَفْصِلِ) عِبَارَةُ الْمُخْتَارِ الْمَفْصِلُ بِوَزْنِ الْمَجْلِسِ وَاحِدُ مَفَاصِلِ الْأَعْضَاءِ وَالْمِفْصَلُ بِوَزْنِ الْمِبْضَعِ اللِّسَانُ.
اهـ بِحُرُوفِهِ ع ش.
وَالسَّاقُ بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ مَا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالرُّكْبَةِ وَيُؤَنَّثُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَسْوُقٍ وَسِيقَانٍ وَسُوقٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَوْقِهَا لِلْجَسَدِ.
اهـ. بَرْمَاوِيٌّ قَوْلُهُ: (لِمَا رَوَى إلَخْ) دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الْكَعْبَيْنِ هُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ الْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ لِمَا رَوَى إلَخْ دَلِيلًا لِقَوْلِهِ: فَفِي كُلٍّ كَعْبَانِ حَتَّى يُرَدَّ عَلَيْهِ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِلْصَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْبَارِزِ الْمُرْتَفِعِ، فَالْإِلْصَاقُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جِهَةٍ، وَأَمَّا الْجِهَةُ الْأُخْرَى فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْإِلْصَاقُ.
قَوْلُهُ: (لَفْظًا فِي الْأَوَّلِ) أَيْ وَمَعْنًى أَيْضًا كَمَا
الْأَوَّلِ وَمَعْنًى فِي الثَّانِي لِجَرِّهِ عَلَى الْجِوَارِ، وَدَلَّ عَلَى دُخُولِ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ مَا دَلَّ عَلَى دُخُولِ الْمَرْفِقَيْنِ فِيهِ وَقَدْ مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ هُنَا مِنْ أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ فَرْضٌ مَحْمُولٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ، وَالْمَسْحُ بَدَلٌ عَنْهُ، وَيَجِبُ إزَالَةُ مَا فِي شُقُوقِ الرِّجْلَيْنِ مِنْ عَيْنٍ كَشَمْعٍ وَحِنَّاءٍ.
قَالَ الْجُوَيْنِيُّ: إنْ لَمْ يَصِلْ إلَى اللَّحْمِ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي اللَّحْمِ غَوْرٌ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَلَا أَثَرَ لِدُهْنٍ ذَائِبٍ وَلَوْنِ نَحْوِ حِنَّاءٍ، وَيَجِبُ إزَالَةُ مَا تَحْتَ الْأَظْفَارِ مِنْ وَسَخٍ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ، وَلَوْ قُطِعَ بَعْضُ الْقَدَمِ وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي، وَإِنْ قُطِعَ فَوْقَ الْكَعْبِ فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ وَيُسَنُّ غَسْلُ الْبَاقِي كَمَا مَرَّ فِي الْيَدِ.
(وَ) السَّادِسُ مِنْ الْفُرُوضِ (التَّرْتِيبُ) (عَلَى) حُكْمِ (مَا ذَكَرْنَاهُ) مِنْ الْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ مَسْحِ الرَّأْسِ ثُمَّ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُبَيِّنِ لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ مَمْسُوحًا
[حاشية البجيرمي]
هُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: وَمَعْنًى فِي الثَّانِي أَيْ وَلَفْظًا أَيْضًا مَرْحُومِيٌّ؛ لِأَنَّ جَرَّهُ لِلْجِوَارِ أَيْ بِفَتْحَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى آخِرِهِ مَنَعَ مِنْ ظُهُورِهَا اشْتِغَالُ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْجِوَارِ، فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ الِاحْتِبَاكُ وَهُوَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْ كُلِّ مَا أُثْبِتَ نَظِيرُهُ فِي الْآخَرِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَعْنَى وُجُوبُ الْغَسْلِ عَلَى كَلَامِ الْمَرْحُومِيِّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَادَ بِالْمَعْنَى التَّقْدِيرُ؛ لِأَنَّهُ مُقَابِلُ اللَّفْظِ، وَلَا يَكُونُ فِي كَلَامِهِ احْتِبَاكٌ لَا بِعَطْفِهِ لَفْظًا عَلَى الرُّءُوسِ بَلْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَكَانَ مَعْطُوفًا مَعْنًى أَيْضًا عَلَى الرُّءُوسِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُشْرَكُ فِي اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، بَلْ تُشْرَكُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْفَتْحَةُ ظَاهِرَةً فِي الْأَوَّلِ مُقَدَّرَةً فِي الثَّانِي غَايَرُوا بَيْنَهُمَا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَيَجُوزُ عَطْفُ قِرَاءَةِ الْجَرِّ عَلَى الرُّءُوسِ، وَيُحْمَلُ النَّسْخُ عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ أَوْ عَلَى الْغَسْلِ الْخَفِيفِ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ مَسْحًا، وَعَبَّرَ بِهِ فِي الْأَرْجُلِ طَلَبًا لِلِاقْتِصَادِ أَيْ التَّوَسُّطِ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْإِسْرَافِ لِغَسْلِهَا بِالصَّبِّ عَلَيْهَا، وَتُجْعَلُ الْبَاءُ الْمُقَدَّرَةُ عَلَى هَذَا لِلْإِلْصَاقِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَالْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الظَّاهِرَةِ فِي إيجَابِ الْغَسْلِ اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِجَرِّهِ عَلَى الْجِوَارِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ اهـ. مُخْتَارٌ.
وَحَرَكَةُ الْجِوَارِ لَيْسَتْ إعْرَابِيَّةً فَتَكُونُ حَرَكَةُ الْإِعْرَابِ وَهِيَ الْفَتْحَةُ مُقَدَّرَةً عَلَى قِرَاءَةِ الْجَرِّ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْجَرُّ فِي الْآيَةِ عَلَى الْجِوَارِ بِنَاءً عَلَى مَا شَرَطَهُ هَذَا الزَّاعِمُ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ نَحْوُ: هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وَهُنَا بِعَاطِفٍ وَالْمُقَرَّرُ فِي الْعَرَبِيَّةِ خِلَافُ زَعْمِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا دَلَّ إلَخْ) وَهُوَ أَنَّ إلَى بِمَعْنَى مَعَ، أَوْ بَاقِيَةٌ عَلَى مَعْنَاهَا، وَدَلَّ عَلَى دُخُولِ الْغَايَةِ الِاتِّبَاعُ وَالْإِجْمَاعُ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (كَشَمْعٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا.
قَوْلُهُ: (وَحِنَّاءٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ، وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ الْحِبْرُ وَالنِّيلَةُ بِخِلَافِ مُجَرَّدِ اللَّوْنِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلَّ مَا مَنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (الْجُوَيْنِيُّ) مَنْسُوبُ إلَى جُوَيْنٍ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْعَجَمِ وَهُوَ أَبُو إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَصِلْ) أَيْ مَا فِي الشُّقُوقِ إلَى اللَّحْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَلَا يَضُرُّ مَا وَصَلَ إلَيْهِ اهـ. م د. وَعِبَارَةُ ع ش أَيْ حَيْثُ كَانَ فِيمَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الشِّقِّ وَهُوَ ظَاهِرُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَزَلَ إلَى اللَّحْمِ بِبَاطِنِ الْجُرْحِ فَلَا يَجِبُ إزَالَتُهُ وَلَوْ كَانَ يُرَى.
وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الشَّوْكَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَيَتَوَسَّعُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ) أَيْ كَلَامُ الْجُوَيْنِيِّ أَيْ مَا فُهِمَ مِنْهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِزَالَةُ إنْ وَصَلَ إلَى اللَّحْمِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حُكْمِ) أَيْ طِبْقِ.
قَوْلُهُ: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» أَيْ الشَّامِلُ لِلْوُضُوءِ، وَإِنْ وَرَدَ فِي الْحَجِّ، إذْ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ وَكِلَاهُمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ.
قَوْلُهُ: (بِعُمُومِ اللَّفْظِ) وَهُوَ مَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَهُوَ مِنْ قَاعِدَةِ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَلَا يُعَارِضُهَا قَاعِدَةُ: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال؛ لِأَنَّ
بَيْنَ مَغْسُولَاتٍ، وَتَفْرِيقُ الْمُتَجَانِسِ لَا تَرْتَكِبُهُ الْعَرَبُ إلَّا لِفَائِدَةٍ وَهِيَ هُنَا وُجُوبُ التَّرْتِيبِ لَا نَدْبُهُ بِقَرِينَةِ الْأَمْرِ فِي الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ الْآيَةَ بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ الْوَاجِبِ، فَلَوْ اسْتَعَانَ بِأَرْبَعَةٍ غَسَلُوا أَعْضَاءَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَنَوَى حَصَلَ لَهُ غَسْلُ الْوَجْهِ فَقَطْ، وَلَوْ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ حَدَثًا أَصْغَرَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَوْ مُتَعَمِّدًا أَوْ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ غَالِطًا صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ قَدْرَ التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي لِرَفْعِ أَعْلَى الْحَدَثَيْنِ فَلِلْأَصْغَرِ أَوْلَى، وَلِتَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ فِي لَحَظَاتٍ لَطِيفَةٍ، وَلَوْ أَحْدَثَ، وَأَجْنَبَ أَجْزَأَهُ
[حاشية البجيرمي]
الْأُولَى مَحْمُولَةٌ عَلَى الْقَوْلِيَّةِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى الْفِعْلِيَّةِ، وَقَرَّرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا مَا نَصُّهُ: فِيهِ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْبُدَاءَةِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ.
وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فِيمَا بَعْدَهُ فَلَمْ يُسْتَفَدْ مِنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ أَخْذًا مِنْ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَتَّبُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ ابْدَءُوا عَلَى الِابْتِدَاءِ الْحَقِيقِيِّ كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْإِضَافِيِّ كَالْيَدَيْنِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بَيَانٌ لِلْوُضُوءِ) الْأَوْلَى بَيَانٌ لِوَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْتِيبَ لَا يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ الْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ اسْتَعَانَ بِأَرْبَعَةٍ غَسَلُوا أَعْضَاءَهُ) وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ حَيْثُ نَوَى كَمَا ذُكِرَ، لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ أَوْ غُصِبَ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهَا كَنَذْرٍ، وَحَجَّ اثْنَانِ عَنْهُ فِي سَنَةٍ حَيْثُ قَالُوا بِالْإِجْزَاءِ.
وَيُجَابُ: بِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ غَيْرُهَا، وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِالْمَعِيَّةِ وَلَا كَذَلِكَ الْوُضُوءُ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ فَلَوْ اسْتَعَانَ إلَخْ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: (حَصَلَ لَهُ غَسْلُ الْوَجْهِ فَقَطْ) وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِعَكْسِ التَّرْتِيبِ، فَإِنْ أَعَادَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ حَصَلَ لَهُ تَمَامُ الْوُضُوءِ لِحُصُولِ عُضْوٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اغْتَسَلَ إلَخْ) لَوْ قَالَ انْغَمَسَ أَوْ زَادَ عَلَى قَوْلِهِ اغْتَسَلَ بِالْغَمْسِ لَكَانَ أَوْلَى، وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ انْغَمَسَ مُحْدِثٌ أَجْزَأَهُ.
قَالَ الْإِطْفِيحِيُّ: أَفْهَمَ أَنَّ الِانْغِمَاسَ لَا بُدَّ مِنْهُ فَلَا يَكْفِي الِاغْتِسَالُ بِدُونِهِ لَكِنْ أَلْحَقَ الْقَمُولِيُّ مَا لَوْ رَقَدَ تَحْتَ مِيزَابٍ وَانْصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ بِأَنْ عَمَّ جَمِيعَ بَدَنِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَارْتَضَاهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
اهـ. وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ هُنَا حَيْثُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ اغْتَسَلَ إلَخْ.
اهـ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَوْ اغْتَسَلَ وَلَوْ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: (رَفْعِ الْحَدَثِ) أَيْ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهِ) كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ أَوْ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُتَعَمِّدًا) رَاجِعٌ لِلْغُسْلِ أَيْ عَدَلَ عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ إلَى الْغَسْلِ بِالِانْغِمَاسِ عَمْدًا اج.
وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ لِلنِّيَّةِ فَإِنَّهُ مُقَابِلُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ غَالِطًا فَلْيُتَأَمَّلْ.
م د. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ، قَوْلُهُ: وَلَوْ مُتَعَمِّدًا أَيْ وَلَوْ كَانَ اغْتِسَالُهُ بِالْغَمْسِ مُتَعَمِّدًا، وَإِنْ كَانَ لَا يُلَائِمُهُ الْمُقَابَلَةُ بِمَا بَعْدَهُ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ أَوْ نَحْوِهِ، إذْ لَا يُلَائِمُهُ التَّعْمِيمُ بِالْغَايَةِ الشَّامِلَةِ لِلْغَلَطِ، إذْ لَا يَتَأَتَّى الْغَلَطُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ بِهِ حَدَثًا أَصْغَرَ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ مُتَعَمِّدًا.
قَوْلُهُ: (صَحَّ) وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ عِنْدَ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ لِلْوَجْهِ أَوْ قَبْلَهَا وَاسْتَحْضَرَهَا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، فَلَوْ انْغَمَسَ أَيْ نَزَلَ فِي الْمَاءِ وَنَوَى عِنْدَ نُزُولِ الْمَاءِ إلَى صَدْرِهِ مَثَلًا، ثُمَّ تَمَّمَ الِانْغِمَاسَ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ النِّيَّةَ عِنْدَ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْوَجْهِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ، وَالْمُرَادُ بِالِانْغِمَاسِ النُّزُولُ فِي الْمَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ثُمَّ تَمَّمَ الِانْغِمَاسَ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا خِلَافًا لِابْنِ الْمُقْرِي فِي الْكَثِيرِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ عِنْدَ مُمَاسَّةِ الْمَاءِ الْوَجْهَ وَخِلَافًا لَهُ فِي الْقَلِيلِ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ إلَّا الْوَجْهُ إذَا انْغَمَسَ فِيهِ عِنْدَهُ اهـ ز ي. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَصِحُّ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَمْكُثْ) غَايَةً لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْمُفَصَّلِ بَيْنَ أَنْ يَمْكُثَ قَدْرَ التَّرْتِيبِ فَيَصِحُّ أَوْ لَا فَلَا.
وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْغَمْسِ مُطْلَقًا اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَكْفِي لِرَفْعِ أَعْلَى الْحَدَثَيْنِ) اُعْتُرِضَ هَذَا التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا إذَا غَسَلَ أَسَافِلَهُ قَبْلَ أَعَالِيهِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي لِلْوُضُوءِ، بَلْ يَحْصُلُ لَهُ الْوَجْهُ فَقَطْ، فَالْعِلَّةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ الثَّانِيَةُ اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (فَلِلْأَصْغَرِ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّ قِيَامَ غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَقَامَ غَسْلِ بَعْضِهِ أَقْوَى وَأَحَقُّ بِالِاعْتِبَارِ.
ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلِتَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ) وَتَقْدِيرُ التَّرْتِيبِ بِمَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ اللَّطِيفَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ مُجَرَّدَ فَرْضِهِ وَتَقْدِيرِهِ فَرْضًا غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ، فَهُوَ اعْتَرَفَ بِانْتِفَاءِ اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّقْدِيرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ الْحَقِيقِيِّ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الرَّافِعِيَّ يَشْتَرِطُ زَمَنًا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّرْتِيبُ الْحَقِيقِيُّ لَوْ وُجِدَ، وَالنَّوَوِيُّ لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ اهـ. ح ل. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ وُضِعَ الْمُتَنَجِّسُ
الْغُسْلُ عَنْهُمَا لِانْدِرَاجِ الْأَصْغَرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فِي الْأَكْبَرِ، فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا رِجْلَيْهِ أَوْ إلَّا يَدَيْهِ مَثَلًا ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ غَسَلَهُمَا لِارْتِفَاعِ حَدَثِهِمَا بِغَسْلِهِمَا عَنْ الْجَنَابَةِ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَجِبْ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا عَنْ الْجَنَابَةِ.
وَهَذَا وُضُوءٌ خَالٍ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ وَهُمَا مَكْشُوفَتَانِ بِلَا عِلَّةٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: وَعَنْ التَّرْتِيبِ، وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ غَيْرُ خَالٍ عَنْهُ بَلْ وُضُوءٌ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ إنْكَارٌ صَحِيحٌ وَلَوْ غَسَلَ بَدَنَهُ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ ثُمَّ أَحْدَثَ لَمْ يَجِبْ تَرْتِيبُهَا، وَلَوْ شَكَّ فِي تَطْهِيرِ عُضْوٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ طَهَّرَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ شَرَعَ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ: (وَسُنَنُهُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ) بِالْمَدِّ غَيْرُ مَصْرُوفٍ جَمْعُ شَيْءٍ
[حاشية البجيرمي]
بِالنَّجَاسَةِ الْكَلْبِيَّةِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَيْهَا سَبْعًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيكِهَا سَبْعًا؟ . قُلْت: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّرْتِيبَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَهُوَ ذَوَاتٌ مَقْصُودَةٌ وَيُغْتَفَرُ فِي الصِّفَةِ التَّابِعَةِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الذَّوَاتِ الْمَقْصُودَةِ اهـ. م ر ع ش.
قَوْلُهُ: (وَأَجْنَبَ) عَطْفٌ بِالْوَاوِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ فِيهِمَا اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ) بَلْ، وَإِنْ نَفَاهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَكْبَرِ) مُتَعَلِّقٌ بِانْدِرَاجٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ اغْتَسَلَ) أَيْ عَنْ الْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: (تَوَضَّأَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ غَسَلَ بَاقِي الْأَعْضَاءِ مُرَتَّبَةً لِلْأَصْغَرِ، وَلَهُ تَأْخِيرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَتَوْسِيطُهُ شَرَحَ م ر.
قَوْلُهُ: (ابْنُ الْقَاصِّ) وَاسْمُهُ أَحْمَدُ وَسُمِّيَ أَبُوهُ بِالْقَاصِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ الْأَخْبَارَ عَلَى النَّاسِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْقَاضِي وَكُلٌّ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ خَالٍ عَنْهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ وَهُوَ الْبَاقِي يَقَعُ مُرَتَّبًا، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ لِوُجُوبِهِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ، وَلَعَلَّ ابْنَ الْقَاصِّ نَظَرَ إلَى أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ عَنْ الْوُضُوءِ الدَّاخِلِ فِي غَسْلِهِمَا عَنْ الْجَنَابَةِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ مَثَلًا، وَبَدَّلَ لَهُ مَا بَعْدَهُ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَتَأَمَّلْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ إنْكَارٌ صَحِيحٌ) الْأَوْلَى قِرَاءَتُهُ بِالْإِضَافَةِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَهُوَ إنْكَارُ قَوْلٍ صَحِيحٍ لِابْنِ الْقَاصِّ، وَيَكُونُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْيَدَيْنِ أَوَّلًا وَآخِرًا أَوْ فِي الْوَسَطِ كَانَ خَالِيًا عَنْ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ غَسَلَ عُضْوًا بَعْدَ عُضْوٍ اهـ. شَيْخُنَا عَزِيزِيٌّ، وَبَعْدَ هَذَا فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ تَغْلِيظٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَسَلَ) أَيْ الْجُنُبُ بَدَنَهُ بِالنُّونِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْفَرَاغِ) أَيْ مِنْ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَيْ هَلْ نَوَى الْوُضُوءَ أَوْ لَمْ يَنْوِ ضَرَّ مُطْلَقًا قَبْلَ الْفَرَاغِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ إلَّا إنْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيْ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ الَّذِي صَلَّى بِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ شَكَّ فِي شَرْطِهَا بَعْدَهَا وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اسْتِثْنَاءُ صَلَاةٍ أُخْرَى بِهَذَا الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (عَشَرَةُ أَشْيَاءَ) أَيْ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي شَيْئَيْنِ، وَبَعْدَ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَاتُهَا مُخْتَلِفَةً.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ مَصْرُوفٍ) وَالْمَانِعُ لَهُ مِنْ الصَّرْفِ أَلِفُ التَّأْنِيثِ الْمَمْدُودَةُ.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ شَيْءٍ) الرَّاجِحُ أَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِشَيْءٍ كَطُرَفَاءَ اسْمُ جَمْعٍ لِطَرَفِهِ وَهِيَ شَجَرُ الْأَثْلِ لَا جَمْعَ لَهُ، وَالرَّاجِحُ فِي تَصْرِيفِهِ أَنَّ أَصْلَهُ شَيْئَاءُ عَلَى وَزْنِ حَمْرَاءَ فَنُقِلَتْ هَمْزَتُهُ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمُفْرَدِ وَهِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ إلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ كَرَاهَةَ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، فَوَزْنُهُ لَفْعَاءُ فَمُنِعَتْ مِنْ الصَّرْفِ لِأَلِفِ التَّأْنِيثِ الْمَمْدُودَةِ، وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِي وَزْنِهَا فَقَالَ:
فِي وَزْنِ أَشْيَاءَ بَيْنَ الْقَوْمِ أَقْوَالُ ... قَالَ الْكِسَائِيُّ إنَّ الْوَزْنَ أَفْعَالُ
وَقَالَ يَحْيَى بِحَذْفِ اللَّامِ فَهِيَ إذَنْ ... أَفْعَاءُ وَزْنًا وَفِي الْقَوْلَيْنِ إشْكَالُ
وَسِيبَوَيْهِ يَقُولُ الْقَلْبُ صَيَّرَهَا ... لَفْعَاءَ فَافْهَمْ فَذَا تَحْصِيلُ مَا قَالُوا
وَلِلشِّهَابِ الْخَفَاجِيِّ:
أَشْيَاءُ لَفْعَاءُ فِي وَزْنٍ وَقَدْ قَلَبُوا ... لَامًا لَهَا وَهِيَ قَبْلَ الْقَلْبِ شَيْئَاءُ
وَقِيلَ أَفْعَالُ لَمْ تُصْرَفْ بِلَا سَبَبٍ ... مِنْهُمْ وَهَذَا لِوَجْهِ الرَّدِّ إيمَاءُ
وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَحْصُرْ السُّنَنَ فِيمَا ذَكَرَهُ.
وَسَنَذْكُرُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ: الْأُولَى: (التَّسْمِيَةُ) أَوَّلَ الْوُضُوءِ لِخَبَرِ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «طَلَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضُوءًا فَلَمْ يَجِدُوا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءً؟
[حاشية البجيرمي]
أَوْ أَشْيَاءُ وَحَذْفُ اللَّامِ مِنْ ثِقَلٍ ... وَشَيْءٌ أَصْلُ شَيْءٍ وَهِيَ آرَاءُ
وَأَصْلُ أَسْمَاءَ أَسْمَا وَكَمِثْلِ كَسَا ... فَاصْرِفْهُ حَتْمًا وَلَا تَغْرُرْك أَسْمَاءُ
وَاحْفَظْ وَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي الْعُلَا سَفَهًا ... حَفِظْت شَيْئًا وَغَابَتْ عَنْك أَشْيَاءُ
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْصُرْ) صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ وَالسُّنَنُ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ سَبْقُ قَلَمٍ، إذْ كَيْفَ يُقَالُ بِعَدَمِ الِانْحِصَارِ مَعَ ذِكْرِ الْعَدَدِ فَتَأَمَّلْ ق ل. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْعَدَدَ لَمَّا كَانَ لَا مَفْهُومَ لَهُ كَانَ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ حَاصِلٍ لِلسُّنَنِ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ لَمْ يَحْصُرْ أَيْ لَمْ يَقْصِدْ الْحَصْرَ الْحَقِيقِيَّ، بَلْ صُورَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْخُطْبَةِ لَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَحَصَرَ الْخِصَالَ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الشَّارِحِ، قَوْلُهُ: (التَّسْمِيَةُ أَوَّلُ الْوُضُوءِ) وَلَوْ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، وَيُسَنُّ التَّعَوُّذُ قَبْلَهَا وَالتَّسْمِيَةُ صَارَتْ عَلَمًا عَلَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَإِلَّا فَالتَّسْمِيَةُ مَصْدَرُ سَمَّى تَسْمِيَةً فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّسْمِيَةِ.
قَالَ م ر: وَيَظْهَرُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ تَحْرِيمُهَا لِمُحْرِمٍ أَيْ لِذَاتِهِ أَيْ كَالزِّنَا وَالرِّبَا، فَلَا يَرِدُ أَنَّهَا تُسَنُّ لِمَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ كَمَا مَرَّ.
اهـ. وَهُنَّ سُنَّةُ عَيْنٍ فِي نَحْوِ الْوُضُوءِ وَلَوْ الْجَمَاعَةُ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ فَسُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَلَا تَحْصُلُ مِنْ وَاحِدٍ جَالِسٍ لَا لِلْأَكْلِ بَلْ لِشَيْءٍ آخَرَ كَالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الدُّعَاءِ لِلْوَلِيمَةِ، وَلَا يَكْفِي مِنْ أَحَدِ جَمَاعَةٍ حَضَرَ كُلٌّ بِطَعَامِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ وَحْدَهُ، وَفَعَلَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَضَرُوا لِيَأْكُلُوا مَعًا عَلَى الْإِشَاعَةِ، وَوَقَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أَكَلَ مِمَّا يَلِيهِ اتِّفَاقًا، وَانْظُرْ مَا لَوْ جَلَسُوا لِيَأْكُلُوا وَأَكَلُوا وَسَمُّوا، ثُمَّ إنَّهُمْ قَامُوا وَجَلَسَ غَيْرُهُمْ هَلْ تَطْلُبُ مِنْ الْآخَرِينَ أَوْ يَكْفِي مَا حَصَلَ مِنْ الْأَوَّلِينَ، وَانْظُرْ أَيْضًا مَا لَوْ كَانَ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ وَيَقُومُ وَيَجْلِسُ مَكَانَهُ آخَرُ وَالْمَجْمُوعُ لَا يَخْلُو الْمَكَانُ عَنْهُ.
حَرَّرَهُ وَكَتَبَ تَحْتَهُ بِخَطِّهِ مَا نَصُّهُ: وَالْأَوْجَهُ فِي الْأَوَّلِ الطَّلَبُ مِنْ الْآخَرِينَ لِانْقِطَاعِ حُكْمِ الْأَوَّلِينَ بِانْصِرَافِهِمْ، وَفِي الثَّانِي الطَّلَبُ مِمَّنْ جَلَسَ؛ لِأَنَّ الطَّلَبَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِقَوْلِ الْبَعْضِ عَمَّنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الْبَعْضِ عَمَّنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ الْبَعْضِ عِنْدَ قَوْلِ مَا أُمِرَ بِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلُ الْوُضُوءِ) هِيَ أَوَّلُ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْقَوْلِيَّةِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ، وَلَهُ سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ خَارِجَةٌ عَنْهُ أَيْ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ وَهِيَ الذِّكْرُ الْمَشْهُورُ عَقِبَهُ وَلَيْسَ لَهُ سُنَّةٌ قَوْلِيَّةٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ خَارِجَةٌ عَنْهُ، وَأَوَّلُ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ السِّوَاكُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ غَسْلِ الْكَفَّيْنِ وَالدَّاخِلَةُ فِيهِ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ وَالْخَارِجَةُ الْمُتَأَخِّرَةُ عَنْهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ حَالَةَ قِرَاءَةِ الذِّكْرِ الْمَشْهُورِ عَقِبَهُ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّ السُّنَنَ الْفِعْلِيَّةَ لَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ، وَمُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ، وَدَاخِلَةٌ فِيهِ، وَهِيَ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ الَّذِي فِي آخِرِهِ وَالْقَوْلِيَّةُ لَهَا حَالَتَانِ فَقَطْ، وَقَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَوَّلَ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ السِّوَاكُ، وَإِنَّمَا كَانَ السِّوَاكُ خَارِجًا؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ، وَالسِّوَاكُ لَيْسَ اسْتِعْمَالًا لِلْمَاءِ، وَأَوَّلُ سُنَنِهِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّاخِلَةِ هُوَ غَسْلُ الْكَفَّيْنِ، وَأَوَّلُ سُنَنِهِ الْقَوْلِيَّةِ التَّسْمِيَةُ، وَلَمْ نَقُلْ أَوَّلُ سُنَنِهِ الْقَوْلِيَّةِ الِاسْتِعَاذَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً بِالذَّاتِ بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فَحِينَئِذٍ كَانَتْ أَوَّلَ السُّنَنِ الْقَوْلِيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ قِيلَ إنَّ أَوَّلَ سُنَنِ الْوُضُوءِ الْفِعْلِيَّةِ الْخَارِجَةِ هُوَ السِّوَاكُ، وَلِمَ يَقُولُوا إنَّ أَوَّلَهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ أَوْ الْجُلُوسُ عَلَى مَكَان عَالٍ مَعَ أَنَّهُمَا مُتَقَدِّمَانِ عَلَى السِّوَاكِ أَيْضًا؟ . اُنْظُرْ جَوَابًا شَافِيًا.
اهـ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) عِبَارَةُ الْقُطْبِ الرَّبَّانِيُّ سَيِّدِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ بُسْتَانُ الْوَاعِظِينَ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ يَدَيْهِ رِكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وَأَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ وَقَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا إلَّا مَا فِي رِكْوَتِك، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ الْمُبَارَكَةَ فِي الرِّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ مِثْلُ الْعُيُونِ فَشَرِبُوا مِنْهُ وَتَوَضَّئُوا.
قَالَ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: كُنَّا خَمْسَ عَشَرَةَ مِائَةً وَلَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا» .
قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ الْيَافِعِيُّ
فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي فِيهِ الْمَاءُ ثُمَّ قَالَ: تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ أَيْ قَائِلِينَ ذَلِكَ.
فَرَأَيْت الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّأَ نَحْوُ سَبْعِينَ رَجُلًا» . وَلِخَبَرِ: «تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِآيَةِ الْوُضُوءِ الْمُبَيِّنَةِ لِوَاجِبَاتِهِ.
وَأَمَّا خَبَرُ: «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ» فَضَعِيفٌ.
وَأَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَأَكْمَلُهَا كَمَالُهَا، ثُمَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَنِعْمَتِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا وَزَادَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَهَا: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: 97] ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 98] .
وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ لِكُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ أَيْ حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ مِنْ عِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا، كَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَذَبْحٍ وَجِمَاعٍ وَتِلَاوَةٍ وَلَوْ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ لَا لِصَلَاةٍ وَحَجٍّ وَذِكْرٍ، وَتُكْرَهُ لِمُحَرَّمٍ وَمَكْرُوهٌ.
وَالْمُرَادُ بِأَوَّلِ الْوُضُوءِ أَوَّلُ
[حاشية البجيرمي]
فِي سِيرَتِهِ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي الْجَيْشِ إذْ لَحِقَهُمْ عَطَشٌ كَادَ أَنْ يَقْطَعَ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ وَالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ عَطَشًا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرِكْوَةٍ فِيهَا مَاءٌ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهَا، فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَاسْتَقَى النَّاسُ وَفَاضَ الْمَاءُ حَتَّى رَوَوْا خَيْلَهُمْ وَرِكَابَهُمْ أَيْ إبِلَهُمْ، وَكَانَ فِي الْمُعَسْكَرِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ بَعِيرٍ وَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ خَيْلٍ وَالنَّاسُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَدَدُ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ) أَيْ لِلْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يَطْلُبْ أَوْ يُقَالُ هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ أَيْ قَلِيلٌ؟ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ كَيْفَ يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ مَعَ أَنَّهُمْ طَلَبُوهُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: «هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مَاءٌ» وَعَدَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ طَلَبِ إنَاءٍ فَارِغٍ تَأَدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (فَرَأَيْت الْمَاءَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إيجَادُ مَعْدُومٍ لَا تَكْثِيرُ مَوْجُودٍ، وَنَبْعُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبْلَغُ مِنْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ الْحَجَرِ لِمُوسَى؛ لِأَنَّهُ شُوهِدَ نَبْعُهُ مِنْ بَعْضِ الْأَحْجَارِ إذَا وُضِعَ عَلَى نَارٍ، بِخِلَافِ نَبْعِهِ مِنْ بَيْنِ لَحْمٍ وَدَمٍ فَسُبْحَانَ الْقَادِرِ اهـ. ح ف.
قَوْلُهُ: (فَضَعِيفٌ) أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلِ أَيْ كَمَا فِي خَبَرِ: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» أَيْ كَامِلَةٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْإِسْلَامِ) عَلَى لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ إعْطَاءِ الْإِسْلَامِ.
وَقَوْلُهُ: (وَنِعْمَتِهِ) أَيْ النِّعَمِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ أَيْ ثَمَرَاتِهِ كَعِصْمَةِ دَمِهِ وَمَالِهِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: 97] أَيْ وَسَاوِسِهِمْ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: لِإِذْهَابِ الْوَسْوَاسِ سَوَاءٌ كَانَ فِي وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَضَعَ الشَّخْصُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهِ مِنْ جِهَةِ الْيَسَارِ الَّذِي فِيهِ الْقَلْبُ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْخَلَّاقِ الْفَعَّالِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20] .
قَوْلُهُ: (كَغُسْلٍ إلَخْ) مَثَّلَ بِخَمْسَةِ أَمْثِلَةٍ، لَكِنْ مِنْهَا مَا هُوَ عِبَادَةٌ فَقَطْ، وَهُوَ التِّلَاوَةُ وَالتَّيَمُّمُ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْعِبَادَةِ وَلِلْعَادَةِ أَيْ تَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ عَادَةً وَهُوَ الْغُسْلُ وَالذَّبْحُ وَالْجِمَاعُ.
قَوْلُهُ: (وَذَبْحٍ) بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي الذَّبَائِحِ، وَالْأَفْضَلُ تَكْمِيلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْقَصَّابَ إذَا سَمَّى اللَّهَ عِنْدَ الذَّبْحِ قَالَتْ الذَّبِيحَةُ: أَخْ أَخْ وَذَلِكَ أَنَّهَا تَسْتَطِيبُ الذَّبْحَ أَيْ تَعُدُّهُ طَيِّبًا حَسَنًا مَعَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَزِيدُ الذَّابِحُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ؛ لِأَنَّ فِي الذَّبْحِ تَعْذِيبًا وَقَطْعًا، وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمَانِ رَقِيقَانِ، وَلَا قَطْعَ مَعَ الرِّقَّةِ، وَلَا عَذَابَ مَعَ الرَّحْمَةِ لَا يُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَصَحِّ فِي الْمَذْهَبِ، فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِهِ وَلِقَوْلٍ عِنْدَنَا.
قَوْلُهُ: (وَجِمَاعٍ) أَيْ أَوَّلُهُ وَتُكْرَهُ فِي أَثْنَائِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حَالَةِ الْجِمَاعِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ فِيهِ السُّكُوتُ أَيْ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ الْمَرْأَةِ كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: تَقَدَّمِي أَوْ تَأَخَّرِي فَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَأَمَّا الْغُنْجِ بِالْغَيْنِ وَالنُّونِ وَالْجِيمِ فَلَيْسَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش رَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» وَالْجَامِعُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَنْظُرْ إلَى الْفَرْجِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى وَلَا يُكْثِرْ الْكَلَامَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْخَرَسَ» اهـ. ابْنُ الْقَيِّمَةِ عَلِيٌّ الْبَيْضَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ لِمُحَرَّمٍ) ضَعِيفٌ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَحْرُمُ فِي الْحَرَامِ أَيْ لِذَاتِهِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَكْرُوهِ، وَلْيَنْظُرْ لَوْ أَكَلَ مَغْصُوبًا هَلْ هُوَ مِثْلُ الْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ الْحُرْمَةُ فِيهِ