فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
[حاشية البجيرمي]
أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً عَلَى الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّفَاوُتُ.
قَوْلُهُ: (بِمِثْلِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ: وَبِيعَ بِمِثْلِهِ بِتَقْدِيرِ الْجَفَافِ.
قَوْلُهُ: (بِخَرْصِهَا) أَيْ بِمَخْرُوصِهَا، أَيْ بِقَدْرِ مَخْرُوصِهَا، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِبَيْعٍ أَيْ بَيْعِ الْعَرَايَا بِقَدْرِ مَخْرُوصِهَا مِنْ الرَّطْبِ أَوْ الْعِنَبِ، فَالْعَرَايَا هُنَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الرَّطْبُ أَوْ الْعِنَبُ الْمَخْرُوصُ؛ لِأَنَّهُ عَرِيَ عَنْ أَحْكَامِ الْبُسْتَانِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَالَ الْمَدَابِغِيُّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرَايَا إلَّا بِتِسْعَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ عِنَبًا أَوْ رَطْبًا.
وَأَنْ يَكُونَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مَكِيلًا وَالْآخَرُ مَخْرُوصًا، وَأَنْ يَكُونَ مَا عَلَى الْأَرْضِ يَابِسًا وَالْآخَرُ رَطْبًا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ، وَأَنْ يَكُونَ الرَّطْبُ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الرُّخْصَةِ أَكْلَ الرَّطْبِ عَلَى التَّدْرِيجِ فَلَوْ كَانَ الرَّطْبُ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَصِحَّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ إذْ الرُّخْصَةُ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَحَلِّ وُرُودِهَا شَرْحُ م ر، وَأَنْ يَكُونَ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَأَنْ يَتَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمِثْلِهِ وَهُوَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ وَيَحْصُلُ الْقَبْضُ بِنَقْلِ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ وَبِالتَّخْلِيَةِ فِي الرَّطْبِ وَالْعِنَبِ الَّذِي عَلَى الشَّجَرِ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمَنْقُولِ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ زَكَاةٌ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ فَلْيُحْفَظْ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مِثْلِ الْعَرَايَا فِي بَاقِي الثِّمَارِ كَالْخَوْخِ وَاللَّوْزِ) أَيْ بِأَنْ يُبَاعَ خَوْخٌ عَلَى الشَّجَرِ بِخَوْخٍ نَاشِفٍ عَلَى الْأَرْضِ وَلَوْزٍ عَلَى الشَّجَرِ بِلَوْزٍ عَلَى الْأَرْضِ نَاشِفٍ يَابِسٍ؛ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، أَمَّا بَيْعُ الْخَوْخِ مَثَلًا بِالتَّمْرِ فَصَحِيحٌ بِشَرْطِ الْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ فَقَطْ إذَا كَانَ مَا عَلَى الشَّجَرِ ظَاهِرًا غَيْرَ مَسْتُورٍ بِأَوْرَاقٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْفُقَرَاءِ) وَالْمُرَادُ بِالْفَقِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ مَنْ لَا نَقْدَ بِيَدِهِ ز ي
[فَصْلٌ فِي السَّلَمِ]
ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى بُيُوعِ الْأَعْيَانِ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى بُيُوعِ الذِّمَمِ بِلَفْظِ السَّلَمِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ إلَّا أَنَّهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ.
وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ بِفَصْلٍ لِأَنَّهُ لَهُ شُرُوطٌ زَائِدَةٌ وَتَفَاصِيلُ زَائِدَةٌ عَلَى أَنْوَاعِ الْبَيْعِ.
وَلَفْظُ السَّلَمِ وَالسَّلَفِ اسْمُ مَصْدَرٍ لِأَسْلَمَ
وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ يُقَالُ أَسْلَمَ وَسَلَّمَ وَأَسْلَفَ وَسَلَّفَ وَالسَّلَمُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالسَّلَفُ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ سُمِّيَ سَلَمًا لِتَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَسَلَفًا لِتَقْدِيمِ رَأْسِ الْمَالِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: نَزَلَتْ فِي السَّلَمِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ السَّلَمِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلَ الْبُيُوعِ.
(وَيَصِحُّ السَّلَمُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا) بِأَنْ يُصَرِّحَ بِهِمَا أَمَّا الْمُؤَجَّلُ فَبِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْحَالُّ فَبِالْأَوْلَى لِبُعْدِهِ عَنْ الْغَرَرِ.
فَإِنْ قِيلَ الْكِتَابَةُ لَا تَصِحُّ بِالْحَالِّ وَتَصِحُّ بِالْمُؤَجَّلِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَجَلَ فِيهَا إنَّمَا وَجَبَ لِعَدَمِ قُدْرَةِ الرَّقِيقِ وَالْحُلُولُ يُنَافِي ذَلِكَ.
وَيُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ لُزُومِهِ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ أَلْزَمَاهُ بَطَلَ
[حاشية البجيرمي]
وَأَسْلَفَ وَالْمَصْدَرُ الْإِسْلَامُ وَالْإِسْلَافُ وَلَفْظُ السَّلَمِ خَاصٌّ بِمَا فِي الْبَابِ بِخِلَافِ لَفْظِ السَّلَفِ فَمُشْتَرِكٌ بَيْنَ السَّلَمِ وَالْقَرْضِ
قَوْلُهُ (فِي السَّلَمِ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَعْنَاهُ لُغَةً لَكِنْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ الْمُلَّا مِسْكِينٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ أَنَّهُ لُغَةً الِاسْتِعْجَالُ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا أَوْجَبَ تَسْلِيمَ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ كَأَنَّهُ اسْتَعْجَلَهُ وَذَكَرَ الْمَدَابِغِيُّ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَعْنَاهُ لُغَةً التَّقْدِيمُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ حِينَ أَسْلَمَ «أَسْلَمْت عَلَى مَا أَسْلَفْت مِنْ خَيْرٍ» أَيْ قَدَّمْت
قَوْلُهُ وَيُقَالُ لَهُ السَّلَفُ ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي الْحَدِيثِ ق ل وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ رِوَايَتَيْنِ بِالْفَاءِ وَبِالْمِيمِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا فِي أج لَكِنْ الْمَذْكُورُ فِي الشَّارِحِ مَنْ أَسَلَفَ فَكَلَامُ ق ل نَاظِرٌ لَهُ قَوْلُهُ لِتَقْدِيمِ رَأْسِ الْمَالِ أَيْ وَالسَّلَفُ مَعْنَاهُ لُغَةً السَّابِقُ قَوْلُهُ ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: 282] أَيْ تَحَمَّلْتُمْ دَيْنًا فَالْبَاءُ صِلَةٌ وَفُسِّرَ الدَّيْنُ فِيهَا بِدَيْنِ السَّلَمِ وَهُوَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ أَيْ إذَا دَايَنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا تَقُولُ دَايَنْته إذَا عَامَلْته نَسِيئَةً مُعْطِيًا أَوْ آخِذًا قَوْلُهُ مَنْ أَسْلَفَ أَيْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّفَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا لَا أَنَّهُ حَصَرَهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمُؤَجَّلِ فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي أَنَّهُ يَكُونُ حَالًّا أَيْضًا وَيَكُونُ فِيمَا يُعَدُّ كَاللَّبَنِ وَفِيمَا يُذْرَعُ كَالثِّيَابِ وَفِي الْحَيَوَانَاتِ ح ل مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ (وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ السَّلَمِ) وَهُوَ بَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِلَفْظِ السَّلَمِ لِأَنَّهُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ بَيْعٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى لَفْظٍ مَخْصُوصٍ إلَّا ثَلَاثَةٌ السَّلَمُ وَالنِّكَاحُ وَالْكِتَابَةُ وَقَضِيَّةُ كَوْنِهِ بَيْعًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ سَلَمُ كَافِرٍ فِي كُلِّ مَا امْتَنَعَ تَمَلُّكُهُ مِنْ رَقِيقٍ مُسْلِمٍ أَوْ مُرْتَدٍّ أَوْ مُصْحَفٍ أَوْ كُتُبِ حَدِيثٍ أَوْ كُتُبِ فِقْهٍ فِيهَا آثَارُ السَّلَفِ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ السَّلَمُ فِي عِدَّةِ الْقِتَالِ مِنْ سِلَاحٍ وَخَيْلٍ وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ السَّلَمُ فِي الصَّيْدِ الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ الْمَأْكُولِ فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ إلَّا الرُّؤْيَةَ وَلِهَذَا صَحَّ سَلَمُ الْأَعْمَى
قَوْلُهُ: (حَالًّا) خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ وَمُؤَجَّلًا حَالَّانِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، وَالْأَصْلُ: حَالًّا الْمُسَلَّمُ فِيهِ وَمُؤَجَّلًا الْمُسَلَّمُ فِيهِ.
قَالَ سم: وَلَوْ أَلْحَقَا بِهِ أَجَلًا فِي الْمَجْلِسِ لَحِقَ أَوْ ذَكَرَا أَجَلًا ثُمَّ أَسْقَطَاهُ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُصَرِّحَ بِهِمَا) فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ حَالًّا كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ سم.
وَلَوْ قَالَ بِهِ لِيَرْجِعَ إلَى الْمُؤَجَّلِ فَقَطْ لَكَانَ أَوْلَى، إذْ الْحُلُولُ لَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِحَمْلِ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ " وَأَمَّا الْحَالُّ فَبِالْأَوْلَى " فَهُوَ مِنْ طَرَفِ الْمُخَالِفِ كَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ السَّلَمَ لَا يَصِحُّ حَالًّا كَالْكِتَابَةِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ
الْعَقْدُ، أَوْ قَبْلَ تَسْلِيمِ بَعْضِهِ بَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، فَلَوْ أُطْلِقَ كَأَسْلَمْت إلَيْك دِينَارًا فِي ذِمَّتِي فِي كَذَا ثُمَّ عَيَّنَ الدِّينَارَ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّخَايُرِ جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حَرِيمُ الْعَقْدِ، وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ وَأَوْدَعَهُ الْمُسَلِّمَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَسْتَدْعِي لُزُومَ الْمِلْكِ وَكَذَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَيْهِ عَنْ دَيْنِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْلِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الرِّبَا، وَيَجُوزُ كَوْنُ رَأْسِ الْمَالِ مَنْفَعَةً وَتُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ.
وَرُؤْيَةُ رَأْسِ الْمَالِ تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ
وَلَا يُسَلَّمُ إلَّا (فِيمَا تَكَامَلَ) أَيْ اجْتَمَعَ (فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ) الْأَوَّلُ: (أَنْ يَكُونَ) الْمُسَلَّمُ فِيهِ (مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ) الَّتِي لَا يَعِزُّ وُجُودُهَا كَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَالثِّمَارِ وَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَرِقَّاءِ وَالْأَصْوَافِ وَالْأَخْشَابِ وَالْأَحْجَارِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ إلَخْ) سَيَأْتِي هَذَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَنْ يَتَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الشَّارِحِ لَهُ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا حُلُولُهُ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ.
وَسَيَأْتِي آخِرَ الشَّرْحِ، فَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَتَقَابَضَاهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: (فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ) كَقَوْلِهِمَا: اخْتَرْنَا لُزُومَ الْعَقْدِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: قَبْلَ التَّفَرُّقِ، إذْ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الْكَالِئِ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ السَّلَمَ عَقْدُ غَرَرٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ فَلَا يُضَمُّ إلَيْهِ غَرَرٌ آخَرُ أَيْ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مُعَيَّنًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَلْزَمَاهُ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ) أَيْ وَيَثْبُتُ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ الْخِيَارُ لَا لِلْمُسَلِّمِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ لَمْ تَتَفَرَّقْ عَلَيْهِ بَلْ عَلَى الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ، مَدَابِغِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَطْلَقَ) أَيْ رَأْسَ الْمَالِ، أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْعَقْدِ؛ فَالْمُرَادُ بِالْإِطْلَاقِ عَدَمُ التَّعْيِينِ وَإِلَّا فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا فِي الذِّمَّةِ وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَيْهِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حَرِيمُ الْعَقْدِ) أَيْ فَلَهُ حُكْمُهُ، وَكَذَا يَجُوزُ فِيهِ إلْحَاقُ الْأَجَلِ وَإِسْقَاطُهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سم.
وَفِي الْقَامُوسِ: حَرِيمُ الدَّارِ حُقُوقُهَا اهـ فَيَكُونُ الْمَعْنَى حَرِيمُ الْعَقْدِ أَيْ حَقُّهُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ،.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْدَعَهُ الْمُسَلِّمَ) لَا إنْ أُحِيلَ بِهِ مِنْ الْمُسَلِّمِ، فَلَا يَصِحُّ وَإِنْ قَبَضَ فِيهِ، أَيْ قَبَضَهُ الْمُحْتَالُ وَهُوَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّ رُجُوعَهُ لِيَدِ الْمُسَلِّمِ عَلَى جِهَةِ الْوَدِيعَةِ يُبْطِلُ الْقَبْضَ السَّابِقَ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ حَصَلَ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُسَلِّمِ وَدِيعَةً، فَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّ هَذَا كَعَدَمِ الْقَبْضِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ لَا تَسْتَدْعِي إلَخْ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ التَّصَرُّفَ الَّذِي يَسْتَدْعِي لُزُومَ الْمِلْكِ لَا يَصِحُّ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعَ الْآخَرِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ " وَكَذَا يَجُوزُ رَدُّهُ لَهُ عَنْ دَيْنِهِ " إذْ مَحَلُّ التَّفْصِيلِ إذَا كَانَ التَّصَرُّفُ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ مَعَ أَجْنَبِيٍّ لَا مَعَ صَاحِبِهِ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا مَعَ أَجْنَبِيٍّ قَبْلَ لُزُومِ الْعَقْدِ بِتَصَرُّفٍ يَسْتَدْعِي لُزُومَ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالْإِقْرَاضِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَسْتَدْعِي لُزُومَ الْمِلْكِ) كَأَنَّ الْمَعْنَى لَا تَتَوَقَّفْ عَلَى لُزُومِ الْمِلْكِ بَلْ تَصِحُّ قَبْلَ لُزُومِهِ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ كَوْنُ رَأْسِ الْمَالِ مَنْفَعَةً) أَيْ مَعْلُومَةً، كَمَا يَجُوزُ جَعْلُهَا ثَمَنًا وَأُجْرَةً وَصَدَاقًا كَأَسْلَمْت إلَيْك مَنْفَعَةَ دَارِي سَنَةً فِي كَذَا، وَيُشْتَرَطُ تَسْلِيمُهَا أَيْ الدَّارِ بِالْمَجْلِسِ.
قَوْلُهُ: (وَتُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ) أَيْ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ اكْتَفَى بِهَذَا لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي قَبْضِ الْمَنْفَعَةِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْعَيْنِ.
وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ رَأْسَ الْمَالِ عَقَارًا غَائِبًا وَمَضَى فِي الْمَجْلِسِ زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُضِيُّ إلَيْهِ وَالتَّخْلِيَةُ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ مُتَعَلِّقَةً بِبَدَنِهِ كَأَسْلَمْت إلَيْك خِدْمَتِي شَهْرًا أَوْ تَعْلِيمِي سُورَةَ كَذَا فِي كَذَا صَحَّ، فَيُسَلِّمُ نَفْسَهُ وَلَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا عَنْ التَّسْلِيمِ كَمَا فِي الْإِجَازَةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ) كَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ.
هَذَا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِثْلِيًّا، وَمِثْلُهُ الْمُتَقَوِّمُ إذَا كَانَ مُنْضَبِطَ الصِّفَاتِ، فَإِنْ اتَّفَقَ فُسِخَ وَتَنَازَعَا فِي الْقَدْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ غَارِمٌ كَمَا قَالَهُ الْعَنَانِيُّ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي لَا يَعِزُّ وُجُودُهَا) الْعِزَّةُ مَعْنَاهَا الْقِلَّةُ.
وَيُغْنِي عَنْ هَذَا الْقَيْدِ قَوْلُهُ الْآتِي: وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ
وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُضْبَطُ بِالصِّفَاتِ فَمَا لَا يُضْبَطُ بِهَا كَالنَّبْلِ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، وَكَذَا مَا يَعِزُّ وُجُودُهُ كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ وَالْجَارِيَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا
(وَ) الثَّانِي: (أَنْ يَكُونَ) الْمُسَلَّمُ فِيهِ (جِنْسًا) وَاحِدًا (لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ) جِنْسٌ (غَيْرُهُ) اخْتِلَاطًا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ كَالْمُخْتَلِطِ الْمَقْصُودِ، الْأَرْكَانُ الَّتِي لَا تَنْضَبِطُ كَهَرِيسَةٍ وَمَعْجُونٍ وَغَالِيَةٍ وَخُفٍّ مُرَكَّبٍ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى ظِهَارَةٍ وَبِطَانَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُفْرَدًا صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ إنْ كَانَ جَدِيدًا وَاُتُّخِذَ مِنْ غَيْرِ جِلْدٍ وَإِلَّا امْتَنَعَ، وَلَا يَصِحُّ فِي التِّرْيَاقِ الْمَخْلُوطِ، فَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا جَازَ السَّلَمُ فِيهِ.
[حاشية البجيرمي]
الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (كَالْحُبُوبِ) أَيْ الصَّحِيحَةِ، أَمَّا الْمَدْشُوشَةُ فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا؛ قَالَ سم: أَفْتَى شَيْخُنَا م ر بِعَدَمِ صِحَّةِ السَّلَمِ فِي الْفُولِ الْمَدْشُوشِ وَالْقَمْحِ الْمَدْشُوشِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَدْهَانِ) أَيْ غَيْرِ نَحْوِ الْمُطَيَّبَةِ قَوْلُهُ: (وَالثِّمَارِ) أَيْ غَيْرِ نَحْوِ الْمُشَدَّخَةِ، أَيْ غَيْرِ الْمُعَالَجَةِ بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ.
قَوْلُهُ: (وَالثِّيَابِ) أَيْ غَيْرِ الْمَلْبُوسَةِ، أَمَّا الْمَلْبُوسَةُ فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا قَوْلُهُ: (وَالْأَرِقَّاءِ) عَطْفُ خَاصٍّ رَدًّا عَلَى مُخَالَفَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (كَالنَّبْلِ) أَيْ السِّهَامِ لِاخْتِلَافِ وَسَطِهِ وَطَرَفَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ النَّبْلُ الْمَرِيشُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ بِوَزْنِ كَرِيمٍ، أَيْ الَّذِي فِيهِ الرِّيشُ، لِاخْتِلَافِ وَسَطِهِ وَطَرَفَيْهِ رِقَّةً وَغِلَظًا وَتَعَذَّرَ ضَبْطُهُ.
أَمَّا النَّبْلُ قَبْلَ خَرْطِهِ وَعَمَلِ الرِّيشِ فِيهِ فَيَصِحُّ لِتَيَسُّرِ ضَبْطِهِ،.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ) وَهِيَ مَا يَقْبَلُ الثَّقْبَ لِلتَّزَيُّنِ.
وَخَرَجَ بِالْكِبَارِ الصِّغَارُ، وَهِيَ مَا تُطْلَبُ لِلتَّدَاوِي، فَيَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا كَيْلًا وَوَزْنًا؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَارِيَةِ وَأُخْتِهَا) وَكَذَا الْبَهِيمَةُ وَوَلَدُهَا ح ل. فَإِنْ قُلْت: هَذَا لَا يَنْدُرُ اجْتِمَاعُهُمَا.
قُلْت: يَنْدُرُ بِالنَّظَرِ لِلْأَوْصَافِ الَّتِي يَجِبُ ذِكْرُهَا فِي السَّلَمِ، فَكَوْنُ الْبَهِيمَةِ بِأَوْصَافٍ مَخْصُوصَةٍ وَوَلَدُهَا بِأَوْصَافٍ مَخْصُوصَةٍ مِمَّا يَنْدُرُ؛ وَكَذَا تَقُولُ فِي الْأَمَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا وَفِي اللُّؤْلُؤِ وَالْيَوَاقِيتِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: لِنُدْرَةِ اجْتِمَاعِهِ مَعَ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطِ ذِكْرُهَا؛ كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ الْجَارِيَةِ وَأُخْتِهَا وَإِنْ كَانَتَا عِنْدَ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ وَالْمُسَلَّمُ حَالٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَنُقِلَ عَنْ ز ي الصِّحَّةُ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِهِمْ؛ قَالَهُ أج قَالَ الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْ الْإِسْنَوِيِّ.
وَإِنَّمَا صَحَّ اشْتِرَاطُ نَحْوِ الْكِتَابَةِ فِي قَوْلِهِ: أَسْلَمْت إلَيْك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِي عَبْدٍ كَاتِبٍ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَنْدُرُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ الصِّفَاتِ لِسُهُولَةِ تَحْصِيلِهَا بِالتَّعَلُّمِ.
قَوْلُهُ: (اخْتِلَاطًا لَا يَنْضَبِطُ إلَخْ) لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي الْمُخْتَلِطِ بِجِنْسٍ آخَرَ مُطْلَقًا، قَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: اخْتِلَاطًا إلَخْ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ فِي الصُّورَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا وَأَنْ يَكُونَ جِنْسَيْنِ فَأَكْثَرَ مَعَ انْضِبَاطِ الْمَقْصُودِ كَعِتَابِيِّ وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ حَرِيرٍ وَقُطْنٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَجُمْلَةُ " لَا يَنْضَبِطُ " صِفَةً لَا اخْتِلَاطًا، وَالرَّابِطُ مُقَدَّرٌ أَيْ: لَا يَنْضَبِطُ بِهِ، أَيْ بِالِاخْتِلَاطِ مَقْصُودُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ اهـ. قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِانْضِبَاطِ هُنَا مَعْرِفَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَزْنَ كُلٍّ مِنْ الْأَجْزَاءِ.
قَوْلُهُ: (الْمَقْصُودُ الْأَرْكَانُ) أَيْ الْأَجْزَاءُ.
قَوْلُهُ: (وَغَالِيَةٌ) هِيَ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَعُودِ وَكَافُورٍ كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَفِي تَحْرِيرِ النَّوَوِيِّ ذَكَرَ الدُّهْنَ مَعَ الْأَوَّلِينَ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَالْمُرَادُ بِالدُّهْنِ دُهْنُ الْبَانِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا أَيْ الْغَالِيَةَ بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَظَرَ فِيهِ الدَّمِيرِيُّ بِقَوْلِ فَاطِمَةَ
مَاذَا عَلَى مَنْ شَمَّ تُرْبَةَ أَحْمَدَ ... أَنْ لَا يَشُمَّ مَدَى الزَّمَانِ غَوَالِيَا
صُبَّتْ عَلَيَّ مَصَائِبُ لَوْ أَنَّهَا ... صُبَّتْ عَلَى الْأَيَّامِ عُدْنَ لَيَالِيَا
وَمِثْلُهَا النَّدُّ بِفَتْحِ النُّونِ مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ وَعُودٌ خُلِطَ بِغَيْرِ دُهْنٍ عَنَانِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَخُفٍّ) أَيْ وَنَعْلٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الْخُفُّ مُفْرَدًا إلَخْ) فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْخُفِّ إلَّا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي التِّرْيَاقِ) وَهُوَ بِتَاءٍ مُثَنَّاةٍ أَوْ دَالٍ مُهْمَلَةٍ أَوْ طَاءٍ كَذَلِكَ مَكْسُورَاتٍ وَمَضْمُومَاتٍ، فَفِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ؛ وَيُقَالُ دِرَاكٌ
وَلَا يَصِحُّ فِي رُءُوسِ الْحَيَوَانِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَجْنَاسًا مَقْصُودَةً وَلَا تَنْضَبِطُ بِالْوَصْفِ.
(وَلَمْ تَدْخُلْهُ النَّارُ لِإِحَالَتِهِ) أَيْ فَيَصِيرُ غَيْرَ مُنْضَبِطٍ.
فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي خُبْزٍ وَمَطْبُوخٍ وَمَشْوِيٍّ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِاخْتِلَافِ تَأْثِيرِ النَّارِ فِيهِ، وَتَعَذُّرُ الضَّبْطِ بِخِلَافِ مَا يَنْضَبِطُ تَأْثِيرُ نَارِهِ كَالْعَسَلِ الْمُصَفَّى بِهَا وَالسُّكَّرِ وَالْفَانِيدِ وَالدِّبْسِ وَاللِّبَأِ، فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا كَمَا مَالَ إلَى تَرْجِيحِهِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الرِّبَا.
وَفُرِّقَ بِضِيقِ بَابِ الرِّبَا، وَلَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفٍ أَجْزَاؤُهُ كَقِدْرٍ وَكُوزٍ وَقُمْقُمٍ وَمَنَارَةٍ وَدِسْتٍ مَعْمُولَةٍ لِتَعَذُّرِ ضَبْطِهَا.
وَخَرَجَ بِمَعْمُولَةٍ الْمَصْبُوبَةُ فِي قَالِبٍ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا
[حاشية البجيرمي]
وَطِرَاقٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَالدَّالُ وَالطَّاءُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مَكْسُورَتَانِ أَوْ مَضْمُومَتَانِ فَيَكُونُ فِيهِ عَشْرُ لُغَاتٍ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: التِّرْيَاقُ نَجِسٌ فَإِنَّهُ يُطْرَحُ فِيهِ لُحُومُ الْحَيَّاتِ وَابْنُ الْأَتَانِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ؛ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ عَلَى تِرْيَاقٍ طَاهِرٍ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّشِيدِيُّ عَلَى م ر، أَيْ بِأَنْ كَانَ مِنْ نَبَاتٍ قَوْلُهُ: (فِي رُءُوسِ الْحَيَوَانِ) وَكَذَا الْأَكَارِعُ وَإِنْ كَانَتْ نِيئَةً.
قَوْلُهُ: (تَجْمَعُ أَجْنَاسًا) مِنْ عَظْمٍ وَلَحْمٍ وَدُهْنٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَدْخُلْهُ النَّارُ إلَخْ) هَلَّا جَعَلَ هَذَا شَرْطًا، قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي خُبْزٍ) بِخِلَافِ الْإِقْرَاضِ، فَيَجُوزُ إقْرَاضُ الْخُبْزِ وَزْنًا لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمُقَابِلُهُ مَا فِي الْكَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ عَدَدًا، وَكَذَلِكَ خَمِيرَةُ الْعَجِينِ فَيَجُوزُ إقْرَاضُهَا لَا السَّلَمُ فِيهَا لِاخْتِلَافِهَا بِالْحُمُوضَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَالْأَوْجَهُ إلْحَاقُ النِّيدَةِ بِالْخُبْزِ اهـ. وَأَوَّلُ مَنْ صَنَعَهَا مَرْيَمُ - عَلَيْهَا السَّلَامُ - حِينَ قَلَّ لَبَنُهَا لِسَيِّدِنَا عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ خِضْرٌ: الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْإِلْحَاقِ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا لِأَنَّ نَارَهَا مُنْضَبِطَةٌ، وَأَمَّا النِّيلَةُ فَإِنْ خَلَتْ عَنْ الطِّينِ جَازَ السَّلَمُ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَلِكَ الْكِشْكُ لِاخْتِلَافِهِ بِالْحُمُوضَةِ وَحِنْطَةٌ مَخْلُوطَةٌ بِشَعِيرٍ إذَا كَثُرَتْ حَبَّاتُ الشَّعِيرِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُفَتَّقَةُ؛ فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ أَجْزَائِهِ الْمَقْصُودَةِ، أَمَّا مَا اخْتَلَطَ بِمَا لَا يُقْصَدُ كَالْأَقِطِ وَالْجُبْنِ وَالسَّمَكِ الْمُمَلَّحِ وَخَلِّ نَحْوِ الزَّبِيبِ وَحَبَّاتِ شَعِيرٍ لَا تُقْصَدُ فِي بُرٍّ وَعَكْسُهُ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ، وَيَصِحُّ فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَفِي الْعَجْوَةِ غَيْرِ الْمَعْجُونَةِ بِنَوَاهَا.
قَوْلُهُ: (كَالْعَسَلِ) أَيْ عَسَلِ النَّحْلِ لِأَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَقَوْلُهُ " الْمُصَفَّى بِهَا " أَيْ عَنْ شَمْعِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَانِيدِ) وَهُوَ عَسَلُ الْقَصَبِ الْمُتَّخَذِ مِنْ لَكَالِيك الْقَصَبِ أَيْ الزَّعَازِيعِ.
قَوْلُهُ (وَالدِّبْسِ) وَهُوَ عَصِيرُ الْعِنَبِ بَعْدَ طَبْخِهِ وَقَوْلُهُ (وَاللِّبَأِ) بِالْهَمْزِ وَالْقَصْرِ أَوَّلُ مَا يُحْلَبُ بِرْمَاوِيٌّ قَالَ أَبُو زَيْدٍ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثُ حَلَبَاتٍ وَأَقَلُّهُ حَلْبَةٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الرِّبَا) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ لِلْجَهْلِ بِالْمُمَاثَلَةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا الْمَدَابِغِيُّ: أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْعَسَلِ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ فِيمَا سَبَقَ: وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ تَمْيِيزٍ كَعَسَلٍ وَسَمْنٍ.
قَوْلُهُ: (وَفُرِّقَ إلَخْ) هَذَا الْفَرْقُ مِنْ جِهَةِ الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (كَقِدْرٍ) بِكَسْرِ الْقَافِ آنِيَةٌ يُطْبَخُ فِيهَا وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَلِهَذَا تَدْخُلُ الْهَاءُ فِي التَّصْغِيرِ فَيُقَالُ قُدَيْرَةٌ.
اهـ. مِصْبَاحٌ قَوْلُهُ (وَكُوزٍ) عِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الشَّمَائِلِ لَا يُقَالُ لِلْإِنَاءِ كُوزٌ إلَّا إذَا كَانَتْ عُرْوَةٌ.
اهـ. .
قَوْلُهُ: (وَمَنَارَةٍ) وَهِيَ مَا يُوضَعُ فَوْقَهَا السِّرَاجُ الْمُسَمَّاةُ بِالْمِسْرَجَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ النُّورِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الْأَشْهَرُ فِي جَمْعِهَا مَنَاوِرٌ لَا مَنَائِرُ.
اهـ. ز ي وَفِي الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ مَنَارَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَجَمْعُهَا مَنَاوِرٌ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهَا مِنْ النُّورِ وَيَجُوزُ مَنَائِرُ بِالْهَمْزِ تَشْبِيهًا لِلْأَصْلِيِّ بِالزَّائِدِ كَمَا هَمَزُوا مَصَائِبَ مَعَ أَنَّ أَصْلَهُ مَصَاوِبُ وَمَا نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّ ذَاكَ غَلَطٌ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ فَقَدْ قُرِئَ مَعَائِشُ بِالْهَمْزِ شَرْحُ عُبَابٍ خ ض وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ فَإِنَّ حَرْفَ الْمَدِّ إذَا وَقَعَ ثَالِثًا فِي الْمُفْرَدِ وَكَانَ أَصْلِيًّا يُصَحَّحُ وَلَا يُبَدَّلُ هَمْزًا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ زَائِدًا فَإِنَّهُ يُبَدَّلُ هَمْزًا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ
وَالْمَدُّ زِيدَ ثَالِثًا فِي الْوَاحِدِ ... هَمْزًا يُرَى فِي مِثْلِ كَالْقَلَائِدِ
وَمَنَارَةٌ أَصْلُهَا مُنَوَّرَةٌ بِوَزْنِ مُفَعَّلَةٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الْوَاوِ إلَى النُّونِ ثُمَّ قِيلَ تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ سَابِقًا وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا الْآنَ
وَلَا يَصِحُّ فِي الْجِلْدِ لِاخْتِلَافِ الْأَجْزَاءِ فِي الرِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَيَصِحُّ فِي أَسْطَالٍ مُرَبَّعَةٍ أَوْ مُدَوَّرَةٍ.
وَيَصِحُّ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِغَيْرِهِمَا لَا بِمِثْلِهِمَا وَلَا فِي أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا
وَشُرِطَ فِي السَّلَمِ فِي الرَّقِيقِ ذِكْرُ نَوْعِهِ كَتُرْكِيٍّ، فَإِنْ اخْتَلَفَ صِنْفُ النَّوْعِ كَرُومِيٍّ وَجَبَ ذِكْرُهُ وَذِكْرُ لَوْنِهِ إنْ اخْتَلَفَ كَأَبْيَضَ، مَعَ وَصْفِهِ كَأَنْ يَصِفَ بَيَاضَهُ بِسُمْرَةٍ، وَذِكْرِ سِنِّهِ كَابْنِ خَمْسِ سِنِينَ، وَذِكْرِ قَدِّهِ طُولًا أَوْ غَيْرَهُ تَقْرِيبًا فِي الْوَصْفِ وَالسِّنِّ وَالْقَدِّ حَتَّى لَوْ شُرِطَ كَوْنُهُ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ مَثَلًا بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ لِنُدْرَتِهِ، وَيُعْتَمَدُ قَوْلُ الرَّقِيقِ فِي الِاحْتِلَامِ وَفِي السِّنِّ إنْ كَانَ بَالِغًا وَإِلَّا فَقَوْلُ
[حاشية البجيرمي]
فَقُلِبَتْ أَلِفًا فَصَارَ مَنَارَةً وَمِثْلُهَا مَعِيشَةٌ فَيُقَالُ مَنَاوِرُ وَمَعَايِشُ بِالْوَاوِ فِي الْأَوَّلِ وَبِالْيَاءِ فِي الثَّانِي وَأَمَّا قِرَاءَةُ مَعَائِشَ بِالْهَمْزِ فَشَاذَّةٌ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَدِسْتٍ) وَيُقَالُ لَهُ طِنْجِيرٌ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا، م ر. قَوْلُهُ: (مَعْمُولَةٍ) أَيْ مَحْفُورَةٍ بِالْآلَةِ وَهُوَ صِفَةٌ لِلْقِدْرِ وَمَا بَعْدَهُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: مَعْمُولَةُ كُلٍّ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (الْمَصْبُوبَةُ فِي قَالَبٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا، وَمِثْلُهَا الْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْفَخَّارِ بِلَا صَبٍّ وَلَا حَفْرٍ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا لِتَسَاوِي أَجْزَائِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْجِلْدِ) إلَّا فِي قِطَعٍ صِغَارٍ فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا وَزْنًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ جُمْلَتُهَا فَجُعِلَ تَفَاوُتُهَا عَفْوًا سم.
وَمِثْلُ الْجِلْدِ الرِّقُّ فَمُرَادُ الشَّارِحِ بِالْجِلْدِ الْجِلْدُ الْكَامِلُ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ فِي أَسْطَالٍ) وَلَوْ مَعْمُولَةً كَمَا يَقْتَضِيهِ صَنِيعُهُ لِعَدَمِ اخْتِلَافِهَا.
وَهَذَا فِي مُتَّسِعَةِ الرَّأْسِ عِنْدَ اتِّحَادِ مَعْدِنِهَا، بِخِلَافِ ضَيِّقَةِ الرَّأْسِ وَالْمُخْتَلِفِ مَعْدِنِهَا فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَيِّقَةِ الرَّأْسِ وَوَاسِعَتِهِ أَنَّ ضَيِّقَهَا لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الصَّانِعُ مِنْ تَسَاوِي الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ وَاسِعِهَا فَيَتَمَكَّنُ مِنْهُ وَيُسَاوِي بَيْنَ أَجْزَائِهَا فَتَكُونُ مُنْضَبِطَةً اهـ م د.
قَوْلُهُ: (لَا بِمِثْلِهِمَا) لِتَضَادِّ أَحْكَامِ السَّلَمِ وَالصَّرْفِ؛ لِأَنَّ الصَّرْفَ يَقْتَضِي قَبْضَ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالسَّلَمُ إنَّمَا يَقْتَضِي قَبْضَ أَحَدِهِمَا، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضَانِ يَسْتَحِقُّ قَبْضُهُمَا وَلَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُمَا وَلَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ ح ل. وَفِيهِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَصِحُّ إذَا كَانَ السَّلَمُ حَالًّا وَقُبِضَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فِي الْمَجْلِسِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ شَأْنِ السَّلَمِ الدَّيْنِيَّةِ وَمِنْ شَأْنِ الدَّيْنِيَّةِ التَّأْخِيرُ.
قَوْلُهُ: (وَشُرِطَ فِي السَّلَمِ فِي الرَّقِيقِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يُذْكَرَ هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ أَنْ يَصِفَهُ بَعْدَ ذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي صِفَاتِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، وَأَمَّا ذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ فَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا مِنْهُ؛ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (ذِكْرُ نَوْعِهِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُذْكَرُ فِي الرَّقِيقِ نَوْعُهُ وَصِنْفُهُ وَلَوْنُهُ وَوَصْفُهُ وَسِنُّهُ وَقَدُّهُ وَذَكَرٌ أَوْ ضِدُّهُ، فَتِلْكَ سَبْعَةٌ.
وَوَصْفُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مُفْسِدٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ.
قَوْلُهُ: (كَتُرْكِيٍّ) فِيهِ أَنَّ التُّرْكِيَّ لَيْسَ نَوْعًا وَإِنَّمَا هُوَ صِنْفٌ مِنْ النَّوْعِ الَّذِي هُوَ إنْسَانٌ.
وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّقِيقَ جِنْسٌ وَالتُّرْكِيَّ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِهِ مَعَ أَنَّ الْجِنْسَ إنَّمَا هُوَ الْحَيَوَانُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنْسِ وَالنَّوْعِ اللُّغَوِيَّانِ، فَإِنَّ اللُّغَوِيِّينَ يُطْلِقُونَ الْجِنْسَ عَلَى مَا تَحْتَهُ أَصْنَافٌ وَالنَّوْعُ عَلَى مَا تَحْتَهُ أَفْرَادٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اصْطِلَاحُ الْمَنَاطِقَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَرُومِيٍّ) مِثَالٌ لِلصِّنْفِ.
قَوْلُهُ: (وَذِكْرُ لَوْنِهِ) أَيْ الرَّقِيقِ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى ذِكْرِ نَوْعِهِ.
قَوْلُهُ (إنْ اخْتَلَفَ) فَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ لَوْنُ الرَّقِيقِ لَمْ يَجِبْ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ وَصْفِهِ) أَيْ اللَّوْنِ.
قَوْلُهُ: (بِسُمْرَةٍ) أَيْ حُمْرَةٍ بِأَنْ يَكُونَ بَيَاضُهُ مَشُوبًا بِحُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْحُمْرَةَ سُمْرَةً.
وَإِنَّمَا فَسَّرْنَاهَا بِذَلِكَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ السُّمْرَةِ أَعْنِي السَّوَادَ لَا تُجَامِعُ الْبَيَاضَ.
قَوْلُهُ: (كَابْنِ خَمْسٍ) أَوْ مُحْتَلِمٍ.
قَوْلُهُ: (وَذِكْرُ قَدِّهِ) أَيْ قَامَتِهِ أَيْ كَسِتَّةِ أَشْبَارٍ أَوْ خَمْسَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ قِصَرٍ أَوْ رَبْعَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الِاحْتِلَامِ) وَإِنْ كَانَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ بِخِلَافِهِ فِي السِّنِّ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَاعْتَمَدَهُ الطُّوخِيُّ؛ فَإِذَا أَسْلَمَ فِي رَقِيقٍ بَالِغٍ بِالِاحْتِلَامِ عُمُرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الِاحْتِلَامِ مُطْلَقًا وَفِي السِّنِّ إنْ كَانَ مُسْلِمًا، كَذَا صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ كَلَامَهُ عَلَى التَّوْزِيعِ.
فَقَوْلُهُ " فِي الِاحْتِلَامِ " أَيْ إنْ أَسْلَمَ فِي مُحْتَلِمٍ، وَقَوْلُهُ " وَالسِّنُّ " أَيْ إنْ ذَكَرَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَذِكْرُ سِنِّهِ ": كَابْنِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ مُحْتَلِمٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيُعْتَمَدُ قَوْلُ الرَّقِيقِ فِي الِاحْتِلَامِ وَكَذَا فِي السِّنِّ إنْ كَانَ بَالِغًا اهـ. وَكَتَبَ سُلْطَانٌ عَلَى قَوْلِهِ قَوْلُ الرَّقِيقِ أَيْ الْعَدْلِ
سَيِّدِهِ إنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَقَوْلُ النَّخَّاسِينَ أَيْ الدَّلَّالِينَ بِظُنُونِهِمْ.
وَذِكْرِ ذُكُورَتِهِ أَوْ أُنُوثَتِهِ، وَشُرِطَ فِي مَاشِيَةٍ مِنْ بَقَرٍ وَإِبِلٍ وَغَيْرِهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الرَّقِيقِ إلَّا ذِكْرَ وَصْفِ اللَّوْنِ وَالْقَدِّ فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُمَا وَشُرِطَ فِي طَيْرٍ وَسَمَكٍ نَوْعٌ وَجُثَّةٌ، وَفِي لَحْمِ غَيْرِ صَيْدٍ وَطَيْرٍ نَوْعٌ كَلَحْمِ بَقَرٍ.
وَذِكْرِ خَصِيٍّ رَضِيعٍ مَعْلُوفٍ جِذْعٌ أَوْ ضِدُّهَا مِنْ فَخِذٍ أَوْ غَيْرِهَا كَكَتِفٍ وَيُقْبَلُ عَظْمٌ لِلَحْمِ مُعْتَادٍ وَشُرِطَ فِي ثَوْبٍ أَنْ يُذْكَرَ جِنْسُهُ كَقُطْنٍ وَنَوْعُهُ وَبَلَدُهُ الَّذِي يُنْسَجُ فِيهِ إنْ اخْتَلَفَ بِهِ الْغَرَضُ، وَطُولُهُ وَعَرْضُهُ وَكَذَا غِلَظُهُ وَصَفَاقَتُهُ وَنُعُومَتُهُ أَوْ ضِدُّهَا.
وَمُطْلَقُ الثَّوْبِ يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ.
وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْمَقْصُورِ وَفِي مَصْبُوغٍ قَبْلَ نَسْجِهِ، وَشُرِطَ فِي تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ حَبٍّ كَبُرٍّ أَنْ يُذْكَرَ نَوْعُهُ كَبَرْنِيِّ، وَلَوْنُهُ كَأَحْمَرَ، وَبَلَدُهُ كَمَدَنِيٍّ،
[حاشية البجيرمي]
فِي دِينِهِ وَلَوْ كَافِرًا فَقَطْ، وَعَلَى قَوْلِهِ وَكَذَا فِي السِّنِّ إنْ كَانَ بَالِغًا مُسْلِمًا عَاقِلًا.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَقَوْلُ سَيِّدِهِ) أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْعَدْلِ الْمُسْلِمِ سُلْطَانٌ.
قَوْلُهُ: (إنْ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، فَالْمَدَارُ عَلَى عِلْمِ السَّيِّدِ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ.
قَوْلُهُ: (النَّخَّاسِينَ) مِنْ النَّخْسِ وَهُوَ الضَّرْبُ بِالْيَدِ عَلَى الْكِفْلِ، ز ي.
قَوْلُهُ: (أَيْ الدَّلَّالِينَ) وَيَكْفِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ، ابْنُ حَجَرٍ فَإِنْ لَمْ يُخْبِرُوا بِشَيْءٍ وَقَفَ الْأَمْرُ إلَى الِاصْطِلَاحِ عَلَى شَيْءٍ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر اهـ.
قَوْلُهُ: (مَا ذُكِرَ فِي الرَّقِيقِ) مِنْ بَيَانِ نَوْعٍ كَقَوْلِهِ مِنْ نِعَمِ بَلَدِ كَذَا أَوْ نِعَمِ بَنِي فُلَانٍ وَلَوْنٍ وَذُكُورَةٍ أَوْ أُنُوثَةٍ وَسِنٍّ كَابْنِ مَخَاضٍ أَوْ ابْنِ لَبُونٍ، اهـ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا ذِكْرَ وَصْفِ اللَّوْنِ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقَدِّ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقَدِّ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ؛ لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ الْمُقْرِي فِي إرْشَادِهِ بِاشْتِرَاطِهِ فِي الرَّقِيقِ وَفِي الْإِبِلِ وَفِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْأَبْلَقِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ وَلَا فِي الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ مِنْ أُمِّهِ أَوْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ وَصْفُ مَا فِي الْبَطْنِ.
اهـ. عَنَانِيٌّ.
قَالَ ع ش عَلَى م ر: الْأَبْلَقُ مَا اشْتَمَلَ عَلَى لَوْنَيْنِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ أَوْ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ.
وَمَحَلُّ مَنْعِ السَّلَمِ فِيهِ فِي مَحَلٍّ يَنْدُرُ وُجُودُهُ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ السَّلَمُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (نَوْعٌ) أَيْ ذِكْرُ نَوْعٍ.
قَوْلُهُ: (وَجُثَّةٌ) كَأَنْ يَقُولَ مِنْ الْحَمَامِ الْفُلَانِيِّ وَمِنْ الشَّلَبَةِ أَوْ الْحِيتَانِ كَبِيرُ الْجُثَّةِ أَوْ صَغِيرُهَا ح ل. وَقَوْلُهُ " نَوْعٌ " أَيْ ذِكْرُ نَوْعٍ، فَكَلَامُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
قَوْلُهُ: (وَفِي لَحْمِ غَيْرِ صَيْدٍ وَطَيْرٍ إلَخْ) أَمَّا لَحْمُ الصَّيْدِ، فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذِكْرِ أَنَّهُ خَصِيٌّ مَعْلُوفٌ أَوْ ضِدُّهُمَا، بَلْ يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّهُ لَحْمُ ذَكَرٍ أَوْ ضِدُّهُ رَضِيعٌ أَوْ ضِدُّهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَيُذْكَرُ أَنَّهُ صَيْدٌ بِأُحْبُولَةٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ جَارِحَةٍ وَأَنَّهَا كَلْبٌ أَوْ فَهْدٌ، فَإِنَّ صَيْدَ الْكَلْبِ أَطْيَبُ لِطِيبِ نَكْهَتِهِ، وَأَمَّا لَحْمُ الطَّيْرِ وَمِثْلُهُ السَّمَكُ فَيُذْكَرُ فِيهِ النَّوْعُ وَالْجُثَّةُ كَمَا مَرَّ أَنَّهُ يَذْكُرُهُمَا فِيهِ حَالَ الْحَيَاةِ؛ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الصَّيْدِ نَفْسِهِ لِدُخُولِهِ فِي الْمَاشِيَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَلَحْمِ بَقَرٍ) فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْبَقَرَ جِنْسٌ وَالْفَرْضُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَهِيَ الْعِرَابُ وَالْجَوَامِيسُ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ تَخْيِيرُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بَيْنَ الْعِرَابِ وَالْجَوَامِيسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْبَقَرِ خُصُوصَ الْعِرَابِ، مَدَابِغِيٌّ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيَّنَ الْبَقَرُ هَلْ هِيَ جَوَامِيسُ أَوْ عِرَابٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَالْعِرَابُ هُوَ الَّذِي اُشْتُهِرَ بِإِطْلَاقِ الْبَقَرِ عَلَيْهِ الْآنَ.
قَوْلُهُ: (جَذَعٌ) الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ مَا لَهُ سَنَةٌ أَوْ أَجَذَعٌ مُقَدَّمُ أَسْنَانِهِ وَمِنْ الْإِبِلِ مَا لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَطَعَنَ فِي الْخَامِسَةِ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ مَا لَهُ سَنَتَانِ وَمِنْ الْإِبِلِ مَا لَهُ خَمْسُ سِنِينَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ضِدُّهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ، أَيْ أُنْثَى فَحْلٍ فَطِيمٍ رَاعٍ ثَنِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَبَلَدُهُ الَّذِي يُنْسَجُ فِيهِ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ نَسْجُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ إضَافَةَ تَعْرِيفٍ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ نَسْجِهِ فَيَجُوزُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ م د. وَاعْتَمَدَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ لَوْنِ الثَّوْبِ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ ضِدُّهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ، فَضِدُّ الْغِلَظِ الدِّقَّةُ بِالدَّالِ وَهُمَا وَصْفَانِ لِلْغَزْلِ.
وَضِدُّ الصَّفَاقَةِ الرِّقَّةُ بِالرَّاءِ وَهُمَا وَصْفَانِ لِلنَّسْجِ.
وَالْأُولَى مِنْهُمَا انْضِمَامُ بَعْضِ الْخُيُوطِ إلَى بَعْضٍ وَالثَّانِيَةُ عَدَمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُهَلْهَلُ النَّسْجِ.
وَضِدُّ النُّعُومَةِ الْخُشُونَةُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ بِإِيضَاحٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُطْلَقُ الثَّوْبِ) أَيْ عَنْ الْقِصَرِ وَعَدَمِهِ.
وَقَوْلُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَقْصُورِ؛ لِأَنَّ الْقِصَرَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ مَقْصُودَةٌ، لَكِنْ يَجِبُ قَبُولُ الْمَقْصُورِ إنْ لَمْ يَخْتَلِفْ بِهِ غَرَضٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ نَسْجِهِ) وَكَذَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ الصَّبْغُ تَمْوِيهًا لَمْ يَسُدَّ فَرْجَهُ أَوْ غَسَلَ مَا سَدَّ الْفَرْجِ،.
اهـ. م د. وَإِنَّمَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِقَبْلِ نَسْجِهِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ نَسْجِهِ قِيلَ يَصِحُّ، وَقِيلَ يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ الصَّبْغَ بَعْدَهُ يَسُدُّ الْفَرْجَ.
وَالْمُعْتَمَدُ
وَجُرْمُهُ كِبَرًا وَصِغَرًا وَعَتْقُهُ أَوْ حَدَاثَتُهُ وَشُرِطَ فِي عَسَلِ نَحْلٍ مَكَانُهُ كَجَبَلِيٍّ وَزَمَانُهُ كَصَيْفِيٍّ وَلَوْنُهُ كَأَبْيَضَ.
(وَ) الثَّالِثُ: أَنْ (لَا يَكُونَ) الْمُسَلَّمُ فِيهِ (مُعَيَّنًا) بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَمِ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَلَوْ أَسْلَمَ فِي مُعَيَّنٍ كَأَنْ قَالَ: أَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ فَقَبِلَ لَمْ تَنْعَقِدْ سَلَمًا لِانْتِفَاءِ الدَّيْنِيَّةِ، وَلَا بَيْعًا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ.
(وَ) الرَّابِعُ: أَنْ (لَا) يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ (مِنْ) مَوْضِعٍ (مُعَيَّنٍ) لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ فِيهِ، فَلَوْ أَسْلَمَ فِي تَمْرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ أَوْ ضَيْعَةٍ أَيْ فِي قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ بِجَائِحَةٍ وَنَحْوِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السَّلَمِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
أَمَّا إذَا أَسْلَمَ فِي تَمْرِ نَاحِيَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ عَظِيمَةٍ صَحَّ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ غَالِبًا.
(وَ) الْخَامِسُ: (أَنْ يَكُونَ) الْمُسَلَّمُ فِيهِ (مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ لَفْظُ السَّلَمِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ إلَّا هَذَا وَالنِّكَاحُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَوْنِ السَّلَمِ بَيْعًا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ فِي الرَّقِيقِ
[حاشية البجيرمي]
أَنَّ الصَّبْغَ إنْ كَانَ تَمْوِيهًا وَلَمْ يَسُدَّ فَرْجَهُ جَازَ السَّلَمُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْمَلْبُوسِ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ.
قَوْلُهُ: (وَشُرِطَ فِي تَمْرٍ إلَخْ) وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي التَّمْرِ الْمَكْنُوزِ فِي الْقَوَاصِرِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْعَجْوَةِ لِتَعَذُّرِ اسْتِقْصَاءِ صِفَاتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ حِينَئِذٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ غَالِبًا كَمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (كَبَرْنِيِّ) نَوْعٌ مِنْ أَجْوَدِ التَّمْرِ قَالَ ح ل فِي السِّيرَةِ وَالْبَرْنِيُّ بِالْفَارِسِيَّةِ جَمَلٌ مُبَارَكٌ أَوْ جَيِّدٌ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ نَقَلَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ جَمَلٌ مُبَارَكٌ قَالَ بَرُّ جَمَلٌ وَنِيٌّ جَيِّدٌ وَأَدْخَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي كَلَامِهَا وَتَكَلَّمَتْ بِهِ وَالْبَرْنِيُّ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْرِ بِالْمَدِينَةِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ نَوْعًا.
وَفِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ الْكَبِيرِ لِلسَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ أَنَّ أَنْوَاعَ التَّمْرِ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي أَمْكَنَ جَمْعُهَا بَلَغَتْ مِائَةً وَبِضْعًا وَثَلَاثِينَ؛ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: اخْتَبَرْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ.
قَالَ: وَلَعَلَّ مَا زَادَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا أَنْوَاعُ التَّمْرِ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ كَالْمَغْرِبِ فَلَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْ عَالِمِ فَاسَ مُحَمَّدِ بْنِ غَازِيٍّ أَرْسَلَ إلَى عَالِمِ سِجِلْمَاسَةَ إبْرَاهِيمَ بْنِ هِلَالٍ سَأَلَهُ عَنْ حَصْرِ أَنْوَاعِ تَمْرِ الْبَلْدَةِ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ حِمْلًا أَوْ حِمْلَيْنِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَتَبَ إلَيْهِ: هَذَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ عِلْمُ الْفَقِيرِ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] وَقَدْ رُوِيَ: «عَلَيْكُمْ بِالتَّمْرِ الْبَرْنِيِّ فَكُلُوهُ فَإِنَّهُ يُسَبِّحُ فِي شَجَرِهِ وَيَسْتَغْفِرُ لِآكِلِهِ» .
قَوْلُهُ: ﴿وَعَتْقُهُ﴾ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا ضِدُّ الْحَدَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (كَجَبَلِيٍّ) هُوَ أَطْيَبُ وَالْخَرِيفِيُّ أَطْيَبُ مِنْ الصَّيْفِيِّ.
اهـ دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ دَيْنًا) فِيهِ أَنَّ هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ السَّلَمِ لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَكَيْفَ عَدَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَوْضُوعٌ لَهُ) أَيْ لِلدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ) لِأَنَّ السَّلَمَ يَقْتَضِي الدَّيْنِيَّةَ وَالدَّيْنِيَّةُ مَعَ التَّعْيِينِ مُتَنَاقِضَانِ، عَنَانِيٌّ
قَوْلُهُ: (لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ) بِأَنْ كَانَ يَخَافُ انْقِطَاعَهُ.
وَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ مِنْ مُعَيَّنٍ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا قَيَّدَهُ الشَّارِحُ بِمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ: (فِي تَمْرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ) لَوْ قَالَ فِي تَمْرِ قَرْيَةٍ قَلِيلٍ كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِكَثْرَةِ التَّمْرِ وَقِلَّتِهِ لَا بِصِغَرِ الْقَرْيَةِ وَكِبَرِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ ضَيْعَةٍ) الْمُرَادُ بِهَا مَا فِيهِ ثِمَارٌ مِنْ الْعَقَارَاتِ كَالدُّورِ.
وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ: وَالضَّيْعَةُ هِيَ الْعَقَارُ وَجَمْعُهَا ضِيَاعٌ كَكَلْبَةٍ وَكِلَابٍ وَسُمِّيَتْ ضَيْعَةً لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَضِيعُ بِتَرْكِهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ بِجَائِحَةٍ وَنَحْوِهَا) فَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَذَلِكَ غَرَرٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ قَاصِرٌ عَلَى الْمُؤَجَّلِ وَتَعْلِيلُهُ لِلْحَالِّ، هُوَ أَنَّهُ قَدْ لَا يُوجَدُ الْقَدْرُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِّ.
قَوْلُهُ: (فِي تَمْرِ نَاحِيَةٍ) أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ أَمَّا إذَا أَسْلَمَ فِي كُلِّهِ، فَلَا يَصِحُّ لِلْقَطْعِ بِتَلَفِ شَيْءٍ مِنْهُ
قَوْلُهُ: (وَالْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ هَذَا الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْرِيفِهِ، لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، وَالْكَلَامُ فِي الشُّرُوطِ الزَّائِدَةِ عَلَى شُرُوطِ الْبَيْعِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
قَوْلُهُ: (إلَّا هَذَا) فِيهِ أَنَّ لَهُ صِيغَتَيْنِ: أَسْلَمْتُك، وَأَسْلَفْتُك.
وَكَذَا النِّكَاحُ لَهُ صِيغَتَانِ: النِّكَاحُ، وَالتَّزْوِيجُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ
الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَمِثْلُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ الرَّقِيقُ الْمُرْتَدُّ.
(ثُمَّ لِصِحَّةِ) عَقْدِ (الْمُسَلَّمِ فِيهِ) حِينَئِذٍ (ثَمَانِيَةُ شَرَائِطَ) الْأَوَّلُ: (أَنْ يَصِفَهُ بَعْدَ ذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ) اخْتِلَافًا ظَاهِرًا وَيَنْضَبِطُ بِهَا الْمُسَلَّمُ فِيهِ، وَلَيْسَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا لِتَقْرِيبِهِ مِنْ الْمُعَايَنَةِ.
وَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ مَا يُتَسَامَحُ بِإِهْمَالِ ذِكْرِهِ كَالْكَحَلِ وَالسِّمَنِ فِي الرَّقِيقِ، وَبِالثَّانِي مَا لَا يَنْضَبِطُ كَمَا مَرَّ، وَبِالثَّالِثِ كَوْنُ الرَّقِيقِ قَوِيًّا عَلَى الْعَمَلِ أَوْ ضَعِيفًا أَوْ كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ وَصْفٌ يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
(وَ) الثَّانِي (أَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ) أَيْ الْمُسَلَّمَ فِيهِ (بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهُ) مِنْ كَيْلٍ فِيمَا يُكَالُ أَوْ وَزْنٍ فِيمَا يُوزَنُ لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ.
أَوَّلَ الْبَابِ، أَوْ عَدٍّ فِيمَا يُعَدُّ، أَوْ ذَرْعٍ فِيمَا يُذْرَعُ قِيَاسًا عَلَى مَا قَبْلَهُمَا.
وَيَصِحُّ سَلَمُ الْمَكِيلِ وَزْنًا وَالْمَوْزُونِ الَّذِي يَتَأَتَّى كَيْلُهُ كَيْلًا، وَحَمَلَ الْإِمَامُ إطْلَاقَ الْأَصْحَابِ جَوَازَ كَيْلِ الْمَوْزُونِ عَلَى مَا يُعَدُّ الْكَيْلُ فِي مِثْلِهِ ضَابِطًا فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسَلَّمَ.
فِي فُتَاتِ الْمِسْكِ وَنَحْوِهِ كَيْلًا.
وَقِيلَ: يَصِحُّ كَاللَّآلِئِ الصِّغَارِ.
وَفُرِّقَ بِكَثْرَةِ التَّفَاوُتِ فِي الْمِسْكِ وَنَحْوِهِ بِالثِّقَلِ عَلَى الْمَحَلِّ وَتَرَاكُمِهِ بِخِلَافِ اللُّؤْلُؤِ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَفَاوُتٌ كَالْقَمْحِ وَالْفُولِ: وَاسْتَثْنَى الْجُرْجَانِيِّ وَغَيْرُهُ النَّقْدَيْنِ أَيْضًا، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا إلَّا بِالْوَزْنِ، وَيُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْبِطِّيخِ
[حاشية البجيرمي]
بِقَوْلِهِ " بِصِيغَةٍ " أَيْ بِجِنْسِ الصِّيغَةِ أَيْ بِجِنْسٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الصِّيغَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَقَدْ يُقَالُ هَذَا يَجْرِي فِي كُلِّ عَقْدٍ وَقَوْلُهُ وَالنِّكَاحُ أَيْ وَالْكِتَابَةُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ) أَيْ الْعَقْدِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُسَلَّمِ فِيهِ؛ لَكِنْ بَعْضُ الشُّرُوطِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسَلَّمِ فِيهِ وَبَعْضُهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعَقْدِ، وَعَلَى كُلٍّ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إلَّا بِهَا، فَلِذَا قَدَّرَ الشَّارِحُ عَقْدًا.
وَأَيْضًا الصِّحَّةُ وَصْفٌ لِلْعَقْدِ لَا لِلْمُسَلَّمِ فِيهِ حَدُّ ذَاتِهِ.
" وَثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخَمْسَةِ السَّابِقَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ صَنِيعُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي هَذِهِ وُجُودُهَا فِي الْعَقْدِ إلَّا السَّابِعَ فَيَكْفِي فِي حَرِيمِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي تِلْكَ وُجُودُهَا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ سم مَعَ زِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ أج.
قَوْلُهُ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَصِفَهُ) أَيْ يَذْكُرُهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (وَنَوْعِهِ) قَدْ يُغْنِي ذِكْرُ النَّوْعِ عَنْ ذِكْرِ الْجِنْسِ كَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الْغَنَمِ، سم.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ) أَيْ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ.
قَوْلُهُ: (مَا يُتَسَامَحُ بِإِهْمَالِ ذِكْرِهِ) وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ وَلَمْ يَجِبْ الْقَبُولُ بِدُونِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (كَالْكَحْلِ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْحَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَعْلُوَ جُفُونَ الْعَيْنَيْنِ سَوَادٌ مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالثَّالِثِ) وَهُوَ لَيْسَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا.
وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي كَوْنِ الْأَصْلِ فِي الْعَبْدِ أَنْ لَا يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى الْعَمَلِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ شِدَّةُ الْقُوَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وحج قَوْلُهُ: (أَوْ أُمِّيًّا) الْمُرَادُ بِهِ مَا عَدَا الْكَاتِبَ بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ.
وَكَوْنُ الْأَصْلِ عَدَمُهُ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ قَدْ يَدَّعِي أَنَّ الْأَصْلَ وُجُودُهُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَارِضَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يَنْفِي) أَيْ بِوَجْهٍ يَنْفِي إلَخْ.
وَهُوَ وَجْهٌ مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، وَهِيَ قَوْلُهُ " مِنْ كَيْلٍ إلَخْ ". وَقَوْلُهُ الْجَهَالَةُ أَيْ جَهَالَةُ الْعَاقِدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَدٍّ إلَخْ) كَالطُّوبِ غَيْرِ الْمَحْرُوقِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ذَرْعٍ فِيمَا يُذْرَعُ) كَالْقُمَاشِ، وَقَدْ يُحْتَاجُ إلَى الْعَدِّ وَالذَّرْعِ فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي أَرْبَعَةِ بُسُطٍ فَهَذَا عَدَدٌ فَيَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الذَّرْعِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَبِيعِ مِنْ كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ حَمْلٍ لِمَحَلِّ الْقَبْضِ يَكُونُ عَلَى الْبَائِعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالثَّمَنِ يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْله: (وَيَصِحُّ سَلَمُ الْمَكِيلِ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ يَتَعَيَّنْ هُنَا فِي الْمَكِيلِ الْكَيْلُ وَفِي الْمَوْزُونِ الْوَزْنُ كَمَا فِي الرِّبَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ وَثَمَّ الْمُمَاثَلَةُ بِعَادَةِ عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُهُ: (الَّذِي يَتَأَتَّى كَيْلُهُ) كَاللَّوْزِ.
قَوْلُهُ: (ضَابِطًا فِيهِ) كَالسَّمْنِ.
قَوْلُهُ: (فِي فُتَاتِ الْمِسْكِ) بِضَمِّ الْفَاءِ، أَيْ قِطَعِهِ وَكِسَرِهِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) كَالْعَنْبَرِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَصِحُّ كَاللَّآلِئِ إلَخْ) ضَعِيفٌ فِي الْمَقِيسِ دُونَ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ، فَالرَّاجِحُ فِي نَحْوِ فُتَاتِ الْمِسْكِ كَالْعَنْبَرِ الْوَزْنُ فَقَطْ دُونَ اللَّآلِئِ الصِّغَارِ فَتَصِحُّ كَيْلًا وَوَزْنًا إذَا عَمَّ وُجُودُهَا، سم وَقَدْ
وَالْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ.
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَضْبِطُهُ الْكَيْلُ لِتَجَافِيهِ فِي الْمِكْيَالِ، كَقَصَبِ السُّكَّرِ وَالْبُقُولِ، وَلَا يَكْفِي فِيهَا الْعَدُّ لِكَثْرَةِ التَّفَاوُتِ فِيهَا، وَالْجَمْعُ فِيهَا بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ مُفْسِدٌ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى ذِكْرِ الْجُرْمِ فَيُورِثُ عِزَّةَ الْوُجُودِ.
وَيَصِحُّ فِي اللَّوْزِ وَالْجَوْزِ وَإِنْ لَمْ يَقِلَّ اخْتِلَافُهُ وَزْنًا وَكَذَا كَيْلًا قِيَاسًا عَلَى الْحُبُوبِ وَالتَّمْرِ، وَلَوْ عُيِّنَ كَيْلًا فَسَدَ السَّلَمُ وَلَوْ كَانَ حَالًّا إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْكَيْلُ مُعْتَادًا كَكُوزٍ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ مَا يَسَعُ.
فَإِنْ كَانَ الْكَيْلُ مُعْتَادًا بِأَنْ عُرِفَ قَدْرُ مَا يَسَعُ وَلَمْ يَفْسُدْ السَّلَمُ وَيَلْغُو تَعْيِينُهُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ الَّتِي لَا غَرَضَ فِيهَا.
(وَ) الثَّالِثُ: (إنْ كَانَ) السَّلَمُ (مُؤَجَّلًا ذُكِرَ وَقْتُ مَحِلِّهِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ وَقْتُ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ الْعَاقِدُ أَجَلًا مَعْلُومًا وَالْأَجَلُ الْمَعْلُومُ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ كَشُهُورِ
[حاشية البجيرمي]
يُقَالُ: الْكَيْلُ لَا يُعَدُّ فِيهَا ضَابِطًا لِأَنَّ لِلْقَدْرِ الْيَسِيرِ مِنْهَا مَالِيَّةٌ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاذِنْجَانُ) بِكَسْرِ الذَّالِ وَفَتْحِهَا، بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْبُقُولُ) وَهِيَ الْخَضْرَاوَاتُ كَالْمُلُوخِيَّةِ وَالرِّجْلَةِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ: الْبَقْلُ كُلُّ نَبَاتٍ اخْضَرَّتْ بِهِ الْأَرْضُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْجَمْعُ فِيهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ الْبِطِّيخِ وَمَا بَعْدَهُ، كَأَسْلَمْت إلَيْك فِي مِائَةِ بِطِّيخَةٍ كُلُّ بِطِّيخَةٍ رِطْلَانِ.
وَكَذَا لَا يَصِحُّ فِي الْوَاحِدَةِ بِأَنْ يَقُولَ: فِي بِطِّيخَةٍ وَزْنُهَا رِطْلٌ.
وَهَذَا إذَا أُرِيدَ الْوَزْنُ التَّحْدِيدِيُّ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ اهـ. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيَصِحُّ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا وَكَذَا عَكْسُهُ إنْ عُدَّ فِيهِ ضَابِطًا، بِخِلَافِ مَا لَا يُعَدُّ الْكَيْلُ فِيهِ ضَابِطًا كَعَنْبَرٍ وَفُتَاتِ مِسْكٍ وَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ.
وَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ كَإِرْدَبِّ قَمْحٍ وَزْنُهُ كَذَا، وَلَا بَيْنَ الْوَزْنِ وَغَيْرِهِ، كَذَلِكَ كَالذَّرْعِ فَيَمْتَنِعُ كَثَوْبٍ ذَرْعُهُ كَذَا أَوْ وَزْنُهُ كَذَا إلَّا فِي نَحْوِ لَبِنٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ مِمَّا يُضْرَبُ عَنْ اخْتِيَارٍ فَيَصِحُّ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ.
وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ جَمْعُ الْعَدِّ مَعَ الذَّرْعِ فِي الْبُسُطِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِمَا فِيهَا.
اهـ. ق ل. وَفِي شَرْحِ م ر: وَقَوْلُ السُّبْكِيّ " لَوْ أَسْلَمَ فِي عِدَّةٍ مِنْ بِطِّيخٍ مَثَلًا كَمِائَةٍ بِالْوَزْنِ فِي الْجَمِيعِ دُونَ كُلِّ وَاحِدَةٍ جَازَ اتِّفَاقًا " مَمْنُوعٌ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَيْ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْوَزْنُ فَقَطْ بِأَنْ يَقُولَ: أَسْلَمْت إلَيْك فِي قِنْطَارٍ مِنْ الْبِطِّيخِ مَثَلًا اهـ. وَأَمَّا فِي الْبِطِّيخَةِ الْوَاحِدَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوَزْنِ مَعَ الْأَوْصَافِ، وَذَلِكَ يُورِثُ عِزَّةَ الْوُجُودِ مَا لَمْ يُرَدْ الْوَزْنُ التَّقْرِيبِيُّ.
قَالَ سم: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْتِجُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْبِطِّيخَةَ الْوَاحِدَةَ مُتَقَوِّمَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا، بِخِلَافِ الْجُمْلَةِ فَإِنَّهَا مِثْلِيَّةٌ لِجَوَازِ السَّلَمِ فِيهَا.
وَكَذَا يُقَالُ فِي الْبَيْضَةِ الْوَاحِدَةِ وَالْجُمْلَةِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا جُمِعَ بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْبِطِّيخِ مَثَلًا، فَإِنْ أَرَادَ التَّقْرِيبِيَّ صَحَّ كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَزْنِ مُطْلَقًا وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (فَيُورِثُ عِزَّةَ الْوُجُودِ) فَتَعَيَّنَ الْوَزْنُ بِأَنْ يَقُولَ: أَسْلَمْت إلَيْك فِي قِنْطَارٍ مِنْ الْبِطِّيخِ مَثَلًا ح ل.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَقِلَّ اخْتِلَافُهُ) أَيْ بِأَنْ كَثُرَ اخْتِلَافُ قُشُورِهِ بِالْغِلَظِ وَالرِّقَّةِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ لِلْمُسَامَحَةِ فِيهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَإِنْ كَانَ مِنْ نَوْعٍ يَكْثُرُ اخْتِلَافُهُ بِغِلَظِ قُشُورِهِ وَرِقَّتِهَا، خِلَافًا لِلْإِمَامِ اهـ. وَقَوْلُهُ " خِلَافًا لِلْإِمَامِ " حَيْثُ قَالَ: إنَّهُ إذَا كَثُرَ اخْتِلَافُهُ لَا يَصِحُّ كَيْلًا وَلَا وَزْنًا كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا كَيْلًا) قَدْ يُقَالُ الْكَيْلُ لَا يُعَدُّ فِيهِ ضَابِطًا.
وَالْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَيَّنَ كَيْلًا) أَوْ مِيزَانًا أَوْ ذِرَاعًا.
وَفِي مَعْنَى تَعْيِينِ الْمِكْيَالِ مَا لَوْ شُرِطَ الذِّرَاعُ بِذِرَاعِ يَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: فَلَوْ عُيِّنَ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ وَهِيَ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ إذْ لَا يَظْهَرُ تَفْرِيعُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، فَنُسْخَةُ الْوَاوِ ظَاهِرَةٌ.
وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ: وَفَسَدَ بِتَعْيِينِ نَحْوِ مِكْيَالٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ.
قَوْلُهُ: (فَسَدَ السَّلَمُ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمُؤَجَّلِ، وَأَمَّا الْحَالُّ فَلِأَنَّهُ قَدْ يُؤَخِّرُ الْقَبْضَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُعْتَادٍ فَيَتْلَفُ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَكُوزٍ) لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ قَبْلَ قَبْضِ مَا فِي الذِّمَّةِ فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَازُعِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُعْرَفُ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِغَيْرِ الْمُعْتَادِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ تَفْسِيرُ الْمُعْتَادِ بِقَوْلِهِ: بِأَنْ عُرِفَ قَدْرُ مَا يَسَعُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا ذُكِرَ وَقْتُ مَحِلِّهِ) مَعْنَاهُ إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَجَبَ أَنْ يَذْكُرَ أَجَلًا مَعْلُومًا؛ وَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ قَوْلَهُ: فَيَجِبُ إلَخْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمَتْنِ أَنَّ مُطْلَقَ بَيَانِ الْوَقْتِ يَكْفِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَعْلُومًا) أَيْ لَهُمَا أَوْ لِعَدْلَيْنِ غَيْرِهِمَا كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ؛ أَيْ لِيَرْجِعَ إلَيْهِمَا عِنْدَ التَّنَازُعِ.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ اكْتَفَى هُنَا بِمَعْرِفَةِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ عَدْلَيْنِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ
الْعَرَبِ أَوْ الْفُرْسِ أَوْ الرُّومِ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ مَضْبُوطَةٌ.
وَيَصِحُّ التَّأْقِيتُ بِالنَّيْرُوزِ وَهُوَ نُزُولُ الشَّمْسِ بُرْجَ الْمِيزَانِ، وَبِعِيدِ الْكُفَّارِ إنْ عَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ أَوْ الْمُتَعَاقِدَانِ، فَإِنْ أُطْلِقَ الشَّهْرُ حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ لِأَنَّهُ عُرْفُ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ أَوَّلَ الشَّهْرِ فَإِنْ انْكَسَرَ شَهْرٌ بِأَنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي أَثْنَائِهِ وَالتَّأْجِيلُ بِالْأَشْهُرِ حَسَبَ الْبَاقِي بَعْدَ الْأَوَّلِ الْمُنْكَسِرِ بِالْأَهِلَّةِ.
وَتَمَّمَ الْأَوَّلُ ثَلَاثِينَ مِمَّا بَعْدَهَا.
نَعَمْ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ الشَّهْرِ اكْتَفَى بِالْأَشْهُرِ بَعْدَهُ بِأَهِلَّةٍ تَامَّةً كَانَتْ أَوْ نَاقِصَةً، وَالسَّنَةُ الْمُطْلَقَةُ تُحْمَلُ عَلَى الْهِلَالِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا عُرْفُ الشَّرْعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189] وَلَوْ قَالَا إلَى يَوْمِ كَذَا أَوْ شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةِ كَذَا حَلَّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، وَلَوْ قَالَا فِي يَوْمِ كَذَا أَوْ شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةِ كَذَا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ قَالَا إلَى أَوَّلِ شَهْرِ كَذَا أَوْ آخِرِهِ صَحَّ وَحُمِلَ
[حاشية البجيرمي]
فِي صِفَاتِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا لِلْعَاقِدَيْنِ وَعَدْلَيْنِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ؟ قُلْتُ: أَجَابَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِأَنَّ الْجَهَالَةَ هُنَا رَاجِعَةٌ إلَى الْأَجَلِ وَهُنَاكَ إلَى الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَنْ يُحْتَمَلَ هُنَا مَا لَا يُحْتَمَلُ هُنَاكَ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا وَثَمَّ عَدْلَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَمُوتَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ يَغِيبَا فِي وَقْتِ الْمَحِلِّ فَيَتَعَذَّرُ مَعْرِفَتُهَا أَيْ الصِّفَاتِ وَالْأَجَلِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يُوجَدَ أَبَدًا فِي الْغَالِبِ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا عَدْلَانِ أَوْ أَكْثَرُ فِي مَحِلِّ التَّسْلِيمِ فَمَا فَوْقَهُ إلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى؛ لِأَنَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ إلَّا مِنْ الْمَحِلِّ الْمَذْكُورِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَالْحَلَبِيُّ.
وَقَوْلُهُ: لَهُمَا وَلِعَدْلَيْنِ فَلَا يَكْفِي دُونَ الْأَرْبَعَةِ، وَالْمُرَادُ أَنْ يُوجَدَ أَبَدًا عَدْلَانِ يَعْرِفَانِهَا وَأَفْهَمَ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ حُضُورُهُمَا خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (كَشُهُورِ الْعَرَبِ) وَهِيَ الْهِلَالِيَّةُ شَهْرٌ مِنْهَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَشَهْرٌ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ إلَّا ذَا الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَخُمُسٌ وَسُدُسٌ، فَالسَّنَةُ الْعَرَبِيَّةُ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَخُمُسُ وَسُدُسُ يَوْمٍ؛ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ.
وَتَوَقَّفَ مُجَلِّي فِيهِ وَقَالَ: لَمْ يَبِنْ لِي وَجْهُ زِيَادَةِ الْخُمُسِ وَالسُّدُسِ، وَصَحَّحَ الْجِيلِيُّ أَنَّ الْهِلَالِيَّةَ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَالسَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا أَوَّلُهَا الْحَمَلُ وَرُبَّمَا يُجْعَلُ أَوَّلُهَا النَّيْرُوزَ، وَالْهِلَالِيَّةُ أَوَّلُهَا الْمُحَرَّمُ، دَمِيرِيٌّ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَقَرَّرَ الْفَرْغَانِيُّ زِيَادَةَ الْكَسْرَيْنِ بِأَنَّهُ يَزِيدُ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِذَا قُسِّطَتْ عَلَى السِّنِينَ خَصَّ كُلَّ سَنَةٍ خُمُسُ وَسُدُسُ يَوْمٍ، قَالَ: وَهَذَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِاجْتِمَاعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَمَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَلَا زِيَادَةَ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي مُجَلِّي، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوْلِ الْمُهَذَّبِ فِي الْهِلَالِيَّةِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ عَلَى بُعْدٍ: لَا مُنَاقَضَةَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْهِلَالِيَّةَ تَزِيدُ مِنْ حَيْثُ الِاجْتِمَاعُ الْمَذْكُورُ لَا مِنْ حَيْثُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ اهـ.
قَوْلُهُ: (إنْ عَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ) بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَصَّ الْكُفَّارُ بِمَعْرِفَتِهِ لِعَدَمِ اعْتِمَادِ قَوْلِهِمْ، نَعَمْ إنْ كَانُوا عَدَدًا كَثِيرًا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ جَازَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِمْ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ الْمُتَعَاقِدَانِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُسْلِمُونَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَطْلَقَ الشَّهْرَ) بِأَنْ قَالَ: تُحْضِرُهُ بَعْدَ شَهْرٍ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْأَوَّلِ الْمُنْكَسِرِ) وَلَا يُلْغِي الْمُنْكَسِرَ لِئَلَّا يَتَأَخَّرَ ابْتِدَاءُ الْأَجَلِ عَنْ الْعَقْدِ، م ر.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ وَقَعَ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: تَمَّمَ الْأَوَّلَ ثَلَاثِينَ.
قَوْلُهُ: (بِالْأَهِلَّةِ تَامَّةٌ) أَيْ وَلَا يُتَمِّمُ الْيَوْمَ مِمَّا بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَاقِصَةٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَإِنْ نَقَصَ بَعْضُهَا هُوَ الْأَخِيرُ وَلَا يُتَمِّمُ الْأَوَّلَ مِمَّا بَعْدَهَا لِأَنَّهَا مَضَتْ عَرَبِيَّةً كَوَامِلَ، هَذَا إذَا نَقَصَ الشَّهْرُ الْأَخِيرُ وَإِلَّا لَمْ يُشْتَرَطْ انْسِلَاخُهُ بَلْ يُتَمِّمُ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْعَقْدُ مِنْ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ فَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مَثَلًا وَأَجَّلَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ اكْتَفَى بِالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ مُطْلَقًا كَامِلَيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَكَذَا رَبِيعٌ الْأَوَّلُ إنْ نَقَصَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَمُلَ فَإِنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ وَقْتَ الزَّوَالِ مِنْ آخِرِهِ ع ش.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ إلَخْ) لِأَنَّهُمَا أَيْ الْعَاقِدَيْنِ جَعَلَا جَمِيعَ
عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ.
وَيَصِحُّ التَّأْجِيلُ بِالْعِيدِ، وَجُمَادَى وَرَبِيعٍ وَنَفَرِ الْحَجِّ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الِاسْمِ بِهِ نَعَمْ لَوْ قَالَ بَعْدَ عِيدِ الْفِطْرِ إلَى الْعِيدِ حُمِلَ عَلَى الْأَضْحَى لِأَنَّهُ الَّذِي يَلِي الْعَقْدَ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
(وَ) الرَّابِعُ: (أَنْ يَكُونَ) الْمُسَلَّمُ فِيهِ (مَوْجُودًا عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ) أَيْ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ لِأَنَّ الْمَعْجُوزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ فَيَمْتَنِعُ السَّلَمُ فِيهِ، فَإِذَا أَسْلَمَ فِي مُنْقَطِعٍ عِنْدَ الْحُلُولِ كَالرُّطَبِ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ مُسْلِمٌ كَافِرًا فِي عَبْدٍ مُسْلِمٍ.
نَعَمْ إنْ كَانَ فِي يَدِ الْكَافِرِ وَكَانَ السَّلَمُ حَالًّا صَحَّ، وَلَوْ ظَنَّ تَحْصِيلَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ كَقَدْرٍ كَثِيرٍ مِنْ الْبَاكُورَةِ وَهِيَ أَوَّلُ الْفَاكِهَةِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ يُوجَدُ بِبَلَدٍ آخَرَ صَحَّ السَّلَمُ فِيهِ إنْ اُعْتِيدَ نَقْلُهُ غَالِبًا مِنْهُ لِلْبَيْعِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ، وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ
[حاشية البجيرمي]
الشَّهْرِ مَثَلًا ظَرْفًا، فَيَصْدُقُ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ كَمَا فِي ش م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ آخِرِهِ) أَيْ قَالَ إلَى أَوَّلِ آخِرِهِ فَيَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْآخِرِ وَيَلْغُو ذِكْرُ أَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي م د. قَوْلُهُ: (عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ) أَيْ مِنْ الشَّهْرِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ، فَيَحِلُّ فِي الثَّانِيَةِ بِأَوَّلِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ، فَيَحِلُّ الْأَجَلُ بِأَوَّلِ اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْهُ، أَيْ فَيَتَبَيَّنُ بِأَوَّلِ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ حُلُولُ الْأَجَلِ بِأَوَّلِ آخِرِ الشَّهْرِ الَّذِي قَبْلَهُ، ق ل بِإِيضَاحٍ.
وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ م ر: أَنَّهُ يَحِلُّ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ " أَوْ آخِرِهِ " عَطَفَا عَلَى أَوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُضَافٍ، إذْ لَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِهِ وَإِلْغَائِهِ وَعَلَى تَسْلِيمِ تَقْدِيرِهِ فَيَكُونُ غَيْرَ مُلْغًى؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ يَحِلُّ بِأَوَّلِ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الشَّهْرِ كَمَا قَالَهُ الْمُحَشِّي، فَعِبَارَتُهُ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ تَأَمَّلْ.
وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ) إنْ أَرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا يَلِي الْعَقْدَ فَالِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَهُ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ الْعِيدَ الْأَكْبَرَ حِينَئِذٍ يَلِي الْعَقْدَ، وَإِنْ أَرَادَ حَقِيقَةَ الْأَوَّلِ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُضِرٌّ أَيْ لِقُصُورِهِ لِأَنَّ غَيْرَ الْعِيدِ مِثْلُهُ فَتَأَمَّلْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا) يَعْنِي يُوجَدُ بِلَا مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً ق ل. وَأُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي: وَلَوْ ظَنَّ تَحْصِيلَهُ إلَخْ.
وَهَذَا الشَّرْطُ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَأَنْ يَكُونَ فِيمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الْمَعْجُوزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ إلَخْ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ أُتِيَ بِهِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ الْآتِي فِي الْغَالِبِ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مَوْجُودًا عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ السَّلَمُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ) وَذَلِكَ بِالْعَقْدِ فِي الْحَالِّ وَبِحُلُولِ الْأَجَلِ فِي الْمُؤَجَّلِ، وَهَذَا وَإِنْ عُلِمَ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ.
وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الزَّائِدِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ وَقْتُ الْقُدْرَةِ هُنَا عَدَّهُ زَائِدًا.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسَلُّمِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالشَّرْطُ هُنَا الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ مِنْ الْبَائِعِ الَّذِي هُوَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ إلَخْ) إنَّمَا فَصَّلَهُ بِكَذَا لِلْخِلَافِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَسْلَمَ مُسْلِمٌ كَافِرًا) أَيْ لِكَافِرٍ فِي عَبْدٍ مُسْلِمٍ.
وَفِيهِ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ دُخُولُ مِلْكِ الْمُسْلِمِ فِي يَدِ الْكَافِرِ فِي صُوَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُمْكِنُ وُجُودُهُ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لَكِنَّهُ نَادِرٌ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ هَذَا بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ظَنَّ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، أَيْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ) أَيْ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ إلَخْ) مُحْتَرِزُ قَيْدٍ مَلْحُوظٍ أَيْضًا، وَالتَّقْدِيرُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ بِبَلَدِ الْعَقْدِ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدٍ آخَرَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ.
قَوْلُهُ: (غَالِبًا) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِ غَالِبًا بَعْدَ اُعْتِيدَ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ مَا لَا يَغْلِبُ نَقْلُهُ خَارِجٌ بِالْآخِرِ ق ل. قَالَ شَيْخُنَا: الْعَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَمَرَّتَيْنِ فَالِاعْتِيَادُ لَا يُفِيدُ الْغَلَبَةَ فَلَا يُغْنِي عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ) يَنْبَغِي إسْقَاطُهُ.
اهـ. ق ل. أَيْ لِأَنَّ نَقْلَهُ لِغَيْرِ الْبَيْعِ كَالْهَدِيَّةِ وَالْهِبَةِ لَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يُعْتَدْ بَيْعُ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْهَدِيَّةَ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْهَدِيَّةَ وَالْهِبَةَ يُقَالُ لَهُمَا مُعَامَلَةٌ بِأَنْ يُرَادَ بِهَا مَا يَقَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ بِنَحْوِهِ الْمُعَاوَضَاتُ كَالسَّلَمِ وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُنْقَلْ أَصْلًا، أَوْ نُقِلَ نَادِرًا لِلْبَيْعِ، أَوْ نُقِلَ غَالِبًا لِلْهَدِيَّةِ نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُهْدَى إلَيْهِ يَبِيعُ صَحَّ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ أَمْ غَيْرُهُ كَمَا قَالَهُ
فِيمَا يَعُمُّ وُجُودُهُ فَانْقَطَعَ وَقْتُ حُلُولِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، فَأَشْبَهَ إفْلَاسَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فَيَتَخَيَّرُ الْمُسَلِّمُ بَيْنَ فَسْخِهِ وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ فَيُطَالِبَ بِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ انْقِطَاعَهُ عِنْدَهُ فَلَا خِيَارَ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ وُجُوبِ التَّسَلُّمِ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ (فِي الْغَالِبِ) مِنْ الْأَزْمَانِ، فَلَا يَصِحُّ فِيمَا يَنْدُرُ وُجُودُهُ كَلَحْمِ الصَّيْدِ بِمَحَلٍّ يَعِزُّ وُجُودُهُ فِيهِ لِانْتِفَاءِ الْوُثُوقِ بِتَسْلِيمِهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ السَّلَمُ حَالًّا وَكَانَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بِمَوْضِعٍ يَنْدُرُ فِيهِ صَحَّ كَمَا فِي الِاسْتِقْصَاءِ، وَلَا فِيمَا لَوْ اسْتَقْصَى وَصْفُهُ عَزَّ وُجُودُهُ كَاللَّآلِئِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ، وَجَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ وَلَدِهَا، أَوْ شَاةٍ وَسَخْلَتِهَا فَإِنَّ اجْتِمَاعَ ذَلِكَ بِالصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ فِيهَا نَادِرٌ.
(وَ) السَّادِسُ: (أَنْ يُذْكَرَ) فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ (مَوْضِعُ قَبْضِهِ) إذَا عَقَدَا بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ كَالْبَادِيَةِ، أَوْ يَصْلُحُ وَلِحَمْلِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ مُؤْنَةٌ لِتَفَاوُتِ الْأَغْرَاضِ فِيمَا يُرَادُ مِنْ الْأَمْكِنَةِ.
أَمَّا إذَا صَلُحَ لِلتَّسْلِيمِ وَلَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ فَلَا
[حاشية البجيرمي]
الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ إلَخْ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ فِيهِ الْبَيْعُ بِالتَّلَفِ.
قَوْلُهُ: (فَيَتَخَيَّرُ) أَيْ عَلَى التَّرَاخِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ ق ل، فَلَهُ الْفَسْخُ وَلَوْ بَعْدَ أَنْ أَجَازَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ فَسْخِهِ) أَيْ فِي جَمِيعِهِ دُونَ بَعْضِهِ الْمُنْقَطِعِ فَقَطْ، م ر
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الِاسْتِقْصَاءِ) اسْمُ كِتَابٍ لِابْنِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتَقْصَى فِيهِ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْقَدِيمَةَ وَالْجَدِيدَةَ،.
اهـ. ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِيمَا اسْتَقْصَى) أَيْ اسْتَوْعَبَ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا عِزَّةَ الْوُجُودِ، قَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمَتْنِ: وَكَاللَّآلِئِ الْكِبَارِ لِنُدْرَةِ اسْتِقْصَاءِ الْأَوْصَافِ مِنْ ذِكْرِ حَجْمٍ وَشَكْلٍ وَوَزْنٍ وَصَفَاءٍ وَلَوْنٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ) لَيْسَ قَيْدًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، فَمَفْهُومُهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ؛ فَالْأَوْلَى حَمْلُ الْمَتْنِ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ الْمُؤَجَّلِ وَالْحَالِّ وَتَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّسْلِيمِ، سَوَاءٌ كَانَ لِلنَّقْلِ إلَيْهِ مُؤْنَةٌ أَوْ لَا، فَيَصْدُقُ حِينَئِذٍ بِأَرْبَعِ صُوَرٍ يَجِبُ فِيهَا الْبَيَانُ وَيَبْقَى التَّفْصِيلُ فِي مَفْهُومِ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ الْعَقْدِ صَالِحًا، فَيُقَالُ: إنْ كَانَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا وَجَبَ الْبَيَانُ إنْ كَانَ لِلنَّقْلِ إلَيْهِ مُؤْنَةٌ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ، وَإِنْ كَانَ حَالًّا لَا يَجِبُ الْبَيَانُ سَوَاءٌ كَانَ لِلنَّقْلِ إلَيْهِ مُؤْنَةٌ أَوْ لَا.
فَمُحَصِّلُ الصُّوَرِ ثَمَانِيَةٌ يَجِبُ الْبَيَانُ فِي خَمْسَةٍ وَلَا يَجِبُ فِي ثَلَاثَةٍ وَكُلُّهَا فِي الشَّرْحِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَصَنِيعُ الشَّارِحِ هُنَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ السَّلَمَ إمَّا حَالٌّ وَإِمَّا مُؤَجَّلٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَحِلٍّ صَالِحٍ لِلتَّسْلِيمِ أَوْ لَا، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ أَمْ لَا؛ فَالصُّوَرُ ثَمَانِيَةٌ.
فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ مَحِلُّ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ وَجَبَ الْبَيَانُ مُطْلَقًا، أَيْ حَالًّا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا، لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً أَمْ لَا، وَإِنْ صَلُحَ لِذَلِكَ وَلَيْسَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ لَمْ يَجِبْ الْبَيَانُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا وَإِنْ صَلُحَ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَجَبَ الْبَيَانُ فِي الْمُؤَجَّلِ دُونَ الْحَالِّ، فَيَجِبُ الْبَيَانُ فِي خَمْسِ صُوَرٍ؛ قَالَهُ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ نَقْلًا عَنْ م ر. وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
مَهْمَا يَكُنْ مَحِلُّ عَقْدِ السَّلَمِ ... بِهِ انْتَفَى الصَّلَاحُ لِلتَّسَلُّمِ
فَوَاجِبٌ بَيَانُ ذَاكَ مُطْلَقًا ... أَوْ كَانَ صَالِحًا فَفِيهِ حُقِّقَا
إنْ لَمْ تَكُنْ مُؤْنَةٌ لِلْحَمْلِ ... فَذَا الْبَيَانُ لَمْ يَجِبْ فِي كُلِّ
وَإِنْ تَكُنْ مُؤْنَةٌ تَحَقَّقَتْ ... فَفِي الْمُؤَجَّلِ الْبَيَانُ قَدْ ثَبَتَ
قَوْلُهُ: (بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ) صَادِقٌ بِأَرْبَعِ صُوَرٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ تَقْيِيدِ الشَّارِحِ بِالْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلْحَالِّ
يُشْتَرَطُ مَا ذُكِرَ، وَيَتَعَيَّنُ مَكَانَ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ لِلْعُرْفِ، وَيَكْفِي فِي تَعْيِينِهِ أَنْ يَقُولَ: تُسَلَّمُ لِي فِي بَلْدَةِ كَذَا إلَّا أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ فَيَكْفِي إحْضَارُهُ فِي أَوَّلِهَا.
وَلَا يُكَلَّفُ إحْضَارَهُ إلَى مَنْزِلِهِ.
وَلَوْ قَالَ: فِي أَيِّ الْبِلَادِ شِئْت، فَسَدَ.
أَوْ فِي أَيِّ مَكَان شِئْت مِنْ بَلَدِ كَذَا.
فَإِنْ اتَّسَعَ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ أَوْ بِبَلَدِ كَذَا وَبَلَدِ كَذَا فَهَلْ يَفْسُدُ أَوْ يَصِحُّ وَيَنْزِلُ عَلَى تَسْلِيمِ النِّصْفِ بِكُلِّ بَلَدٍ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الشَّاشِيُّ الْأَوَّلُ.
قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَسْلِيمِهِ فِي بَلَدِ كَذَا حَيْثُ يَصِحُّ وَتَسْلِيمُهُ فِي شَهْرِ كَذَا حَيْثُ لَا يَصِحُّ اخْتِلَافُ الْغَرَضِ فِي الزَّمَانِ دُونَ الْمَكَانِ، فَلَوْ عَيَّنَ مَكَانًا فَخَرِبَ وَخَرَجَ عَنْ صَلَاحِيَّةِ التَّسْلِيمِ تَعَيَّنَ أَقْرَبَ مَوْضِعٍ صَالِحٍ لَهُ عَلَى الْأَقْيَسِ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَمَّا السَّلَمُ الْحَالُّ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ لِلتَّسْلِيمِ اشْتَرَطَ الْبَيَانَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، فَإِنْ عَيَّنَّا غَيْرَهُ تَعَيَّنَ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ السَّلَمَ يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَقَبِلَ شَرْطًا يَتَضَمَّنُ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ وَالْمُرَادُ بِمَوْضِعِ الْعَقْدِ تِلْكَ الْمَحَلَّةُ لَا نَفْسُ مَوْضِعِ الْعَقْدِ.
(وَ) السَّابِعُ: (أَنْ يَتَقَابَضَا) أَيْ الْمُسَلِّمُ وَالْمُسَلَّمُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ، وَهُوَ الثَّمَنُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ
[حاشية البجيرمي]
وَالْمُؤَجَّلِ سَوَاءٌ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ لَا.
وَقَوْلُهُ " أَوْ يَصْلُحُ إلَخْ " صُورَةٌ خَامِسَةٌ، فَهَذِهِ صُوَرُ وُجُوبِ الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَصْلُحُ) أَيْ وَكَانَ مُؤَجَّلًا كَمَا فَرَضَهُ.
قَوْلُهُ: (لِتَفَاوُتِ الْأَعْرَاضِ) عِلَّةٌ لِلْمَتْنِ.
وَقَوْلُهُ " فِيمَا يُرَادُ " مُتَعَلِّقٌ بِتَفَاوُتٍ وَقَوْلُهُ مِنْ الْأَمْكِنَةِ بَيَانٌ لِمَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُشْتَرَطُ مَا ذُكِرَ) أَيْ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَكَذَا إذَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ وَكَانَ حَالًّا.
قَوْلُهُ: (وَيَتَعَيَّنُ مَكَانٌ إلَخْ) أَيْ مَا لَمْ يُعَيِّنَا غَيْرَهُ، وَإِلَّا تَعَيَّنَ إنْ كَانَ صَالِحًا لِلتَّسْلِيمِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
قَوْلُهُ: (فِي بَلْدَةِ كَذَا) أَيْ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً.
قَوْلُهُ: (فَكَفَى إحْضَارُهُ) هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ: يُسَلِّمُ لِي فِي بَلْدَةِ كَذَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " إلَّا أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً " مَا لَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَعْيِينِ مَحِلِّ التَّسْلِيمِ؛ مَدَابِغِيٌّ.
قَوْلُهُ: (اخْتِلَافُ الْغَرَضِ) فِيهِ أَنَّ الْمَكَانَ قَدْ يَخْتَلِفُ بِهِ الْغَرَضُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الزَّمَانَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا مِنْ الْمَكَانِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ " اخْتِلَافُ الْغَرَضِ " أَيْ اخْتِلَافًا أَشَدَّ مِنْ الْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ) ثَانِيهَا: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مَكَانٌ، ثَالِثُهَا: يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكَانُ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلتَّسْلِيمِ قَوْلُهُ: (أَمَّا السَّلَمُ الْحَالُّ إلَخْ) مُحْتَرِزُ الْمُؤَجَّلِ.
قَوْلُهُ: (فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ) سَوَاءٌ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ أَمْ لَا، أَيْ إنْ كَانَ صَالِحًا أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَيَّنَا غَيْرَهُ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَمَّا السَّلَمُ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ مَوْضِعُ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ، وَلِقَوْلِهِ سَابِقًا: أَمَّا إذَا صَلُحَ لِلتَّسْلِيمِ وَلَمْ يَكُنْ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَعَيَّنَ) أَيْ إذَا كَانَ صَالِحًا وَإِلَّا تَعَيَّنَ أَقْرَبُ الْمَجَالِ إلَيْهِ وَلَوْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْهُ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ لِاقْتِضَاءِ الْعَقْدِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ التَّسْلِيمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُسَلِّمِ وَلَا لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ) أَيْ فَيَجِبُ تَسْلِيمُهُ فِي مَحِلِّ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ، فَلَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِشَرْطِ أَنَّ تُسَلِّمَهُ لِي فِي مَكَانِ كَذَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ؛.
اهـ. م د وَح ف.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ السَّلَمَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ.
قَوْلُهُ: (فَقَبِلَ) أَيْ السَّلَمُ شَرْطًا يَتَضَمَّنُ تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ بَيَانُ مَحِلٍّ غَيْرِ مَحِلِّ الْعَقْدِ لِلتَّسْلِيمِ إنْ كَانَ مَحِلُّ الْعَقْدِ صَالِحًا، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ لَا يَقْبَلُ التَّأْجِيلَ فَلَا يَقْبَلُ شَرْطًا يَتَضَمَّنُ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ عَنْ مَحِلِّ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ مَحِلُّ الْعَقْدِ غَيْرَ صَالِحٍ.
قَوْلُهُ: (تَأْخِيرَ التَّسْلِيمِ) أَيْ إلَى الْوُصُولِ لِذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَهُ التَّأْجِيلُ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَبْلَ تَأْخِيرِ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِمَوْضِعِ الْعَقْدِ إلَخْ) رَاجِعٌ لِمَسْأَلَتَيْ الْحَالِّ إذَا كَانَ الْمُؤَجَّلُ صَالِحًا، وَلِمَسْأَلَةِ الْمُؤَجَّلِ إذَا كَانَ صَالِحًا وَلَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّابِعُ أَنْ يَتَقَابَضَا) هَذَا شَرْطٌ لِاسْتِمْرَارِ الصِّحَّةِ.
وَعِبَارَةُ سم: أَنْ يَتَقَابَضَا أَيْ رَأْسَ الْمَالِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، بِأَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُسَلِّمُ وَيَتَسَلَّمَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ.
فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّقَابُضِ تَسَامُحًا مَعَ ظُهُورِ الْمُرَادِ.
وَعِبَارَةُ ق ل: لَا يَخْفَى أَنَّ صِيغَةَ الْمُفَاعَلَةِ بَاطِلَةٌ، إذْ لَيْسَ فِي كُلٍّ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ قَبْضٌ وَلَا إقْبَاضٌ، وَإِنَّمَا الْإِقْبَاضُ مِنْ الْمُسَلِّمِ وَالْقَبْضُ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ، بَلْ يَكْفِي اسْتِقْلَالُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بِالْقَبْضِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ إذَا قَبَضَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ الْحَالَّ مَعَ أَنَّ هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا مَرَّ اهـ
قَبْضًا حَقِيقِيًّا (قَبْلَ التَّفَرُّقِ) أَوْ التَّخَايُرِ لِأَنَّ اللُّزُومَ كَالتَّفَرُّقِ كَمَا مَرَّ فِي الْخِيَارِ، إذْ لَوْ تَأَخَّرَ لَكَانَ فِي مَعْنَى بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّ فِي السَّلَمِ غَرَرًا فَلَا يُضَمُّ إلَيْهِ غَرَرُ تَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُلُولِ رَأْسِ الْمَالِ كَالصَّرْفِ، فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ أَوْ أَلْزَمَاهُ بَطَلَ الْعَقْدُ، أَوْ قَبْلَ تَسْلِيمِ بَعْضِهِ بَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ وَفِيمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَصَحَّ فِي الْبَاقِي بِقِسْطِهِ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَقِيقِيِّ مَا لَوْ أَحَالَ الْمُسَلِّمُ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ بِرَأْسِ الْمَالِ وَقَبَضَهُ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ أَذِنَ فِي قَبْضِهِ الْمُحِيلُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَيْسَتْ قَبْضًا حَقِيقِيًّا، فَإِنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ يُؤَدِّي عَنْ جِهَةِ نَفْسِهِ لَا عَنْ جِهَةِ الْمُسَلِّمِ.
نَعَمْ إنْ قَبَضَهُ الْمُسَلِّمُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بَعْدَ قَبْضِهِ بِإِذْنِهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْعَقْدِ بَلْ الصَّحِيحُ جَوَازُهُ فِي الذِّمَّةِ، فَلَوْ قَالَ: أَسْلَمْت إلَيْك دِينَارًا فِي ذِمَّتِي فِي كَذَا ثُمَّ عَيَّنَ الدِّينَارَ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّخَايُرِ جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ حَرِيمُ الْعَقْدِ فَلَهُ حُكْمُهُ، فَإِنْ تَفَرَّقَا أَوْ تَخَايَرَا قَبْلَهُ بَطَلَ الْعَقْدُ
(وَ) الثَّامِنُ: (أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ نَاجِزًا لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ) لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ، وَالْخِيَارُ
[حاشية البجيرمي]
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لِاسْتِمْرَارِ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَبْضًا حَقِيقِيًّا) خَرَجَ بِهِ صُورَةُ الْحَوَالَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ التَّخَايُرُ) أَيْ اخْتِيَارُ اللُّزُومِ وَأَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر. وَعِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى بَابِهَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (لَكَانَ فِي مَعْنَى إلَخْ) إنَّمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا، لِأَنَّ بَيْعَ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ هُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ الثَّابِتِ قَبْلُ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ قَبْلُ وَهُنَا الدَّيْنُ مُنْشَأٌ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (غَرَرُ تَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ إنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مُعَيَّنًا لِيُقَابِلَ قَوْلَهُ: إنْ كَانَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ مِنْ حُلُولِ رَأْسِ الْمَالِ إلَخْ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: (كَالصَّرْفِ) وَهُوَ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَبَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ أَوْ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ سُمِّيَ صَرْفًا لِصَرْفِهِ عَنْ مُقْتَضَى الْمُبَايَعَاتِ مِنْ جَوَازِ التَّفَاضُلِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ دُونَ اتِّحَادِهِ أَوْ لِأَخْذِهِ مِنْ الصَّرِيفِ وَهُوَ التَّصْوِيتُ عِنْدَ عَدِّ النَّقْدِ وَمِنْهُ صَرِيفُ الْأَقْلَامِ وَهُوَ صَوْتُ حَرَكَتِهَا عَلَى الْمَكْتُوبِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَوْ قَبْلَ تَسْلِيمِ بَعْضِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَلْزَمَاهُ) أَيْ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (بِرَأْسِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بِهِ وَعَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، فَالتَّقْيِيدُ فِيهِ نَظَرٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَقَبَضَهُ) قَيَّدَ بِهِ لِيُعْلَمَ مِنْهُ صُورَةُ عَدَمِ الْقَبْضِ بِالْأُولَى.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ السَّلَمِ.
قَوْلُهُ (سَوَاءٌ أَذِنَ إلَخْ) أَيْ إذْنًا جَدِيدًا غَيْرَ إذْنِ الْحَوَالَةِ.
قَوْلُهُ: (يُؤَدِّي عَنْ جِهَةِ نَفْسِهِ) أَيْ لِأَنَّ بِالْحَوَالَةِ يَتَحَوَّلُ الْحَقُّ إلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَهُوَ يُؤَدِّيهِ عَنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، قَوْلُهُ: (بِإِذْنِهِ) أَيْ إذْنٍ جَدِيدٍ غَيْرِ إذْنِ الْحَوَالَةِ لِفَسَادِهَا مَرْحُومِيٌّ، فَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَمْ يَصِحَّ التَّسْلِيمُ إلَيْهِ لِبَقَائِهِ.
عَلَى مِلْكِ الْأَوَّلِ لِبُطْلَانِ الْقَبْضِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَحَالَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ ثَالِثًا بِرَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْمُسَلِّمِ فَالْحَوَالَةُ بَاطِلَةٌ أَيْضًا، فَإِنْ أَذِنَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ لِلْمُسَلِّمِ فِي التَّسْلِيمِ إلَى الْمُحْتَالِ فَفَعَلَ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ وَكَانَ الثَّالِثُ وَكِيلًا فِي الْقَبْضِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَلَوْ قَالَ لِمَدِينِهِ: اجْعَلْ مَا فِي ذِمَّتِك رَأْسَ مَالٍ عَلَى كَذَا فِي ذِمَّتِك أَوْ ذِمَّةِ غَيْرِك، فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ إمَّا قَابِضُ مُقْبَضٍ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ وَكِيلٌ فِي إزَالَةِ مِلْكِ نَفْسِهِ، وَكُلٌّ بَاطِلٌ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ إلَخْ) هَذَا تَقَدَّمَ فَهُوَ مُكَرَّرٌ، وَلَا يَضُرُّ تَكْرِيرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ فَائِدَةٍ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي ذِهْنِ الطَّالِبِ رُسُوخَ الْحُكْمِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ أَصْلُ وَضْعِهِ لِلْمُبْتَدِينَ.
قَالُوا لِمُسْلِمٍ فَضْلٌ ... قُلْت الْبُخَارِيُّ أَعْلَى
قَالُوا الْمُكَرَّرُ فِيهِ ... قُلْت الْمُكَرَّرُ أَحْلَى
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَيَّنَ) أَيْ وَسَلَّمَهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " نَاجِزًا ".
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَلِّمِ بِالنِّسْبَةِ لِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ) أَيْ تَأْجِيلَ رَأْسِ الْمَالِ، أَمَّا تَأْجِيلُ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَيَصِحُّ.
أَعْظَمُ غَرَرًا مِنْهُ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْمِلْكِ أَوْ مِنْ لُزُومِهِ اُحْتُرِزَ بِقَيْدِ الشَّرْطِ عَنْ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِيهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وَالسَّلَمُ بَيْعٌ مَوْصُوفٌ فِي الذِّمَّةِ كَمَا مَرَّ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ أَحْضَرَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ الْمُسَلَّمَ فِيهِ الْمُؤَجَّلَ قَبْلَ وَقْتِ حُلُولِهِ فَامْتَنَعَ الْمُسَلِّمُ مِنْ قَبُولِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا يَحْتَاجُ لِمُؤْنَةٍ لَهَا وَقَعَ أَوْ وَقْتَ إغَارَةٍ، أَوْ كَانَ ثَمَرًا أَوْ لَحْمًا يُرِيدُ أَكْلَهُ عِنْدَ الْمَحِلِّ طَرِيًّا، أَوْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى مَكَان لَهُ مُؤْنَةٌ كَالْحِنْطَةِ الْكَثِيرَةِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسَلِّمِ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِامْتِنَاعِ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي التَّعْجِيلِ كَفَكِّ رَهْنٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ مُجَرَّدِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ أَمْ لَا، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضِ لِأَنَّ عَدَمَ قَبُولِهِ لَهُ تَعَنُّتٌ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ لَهُ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ لَهُ، وَلَوْ أَحْضَرَ الْمُسَلَّمَ فِيهِ الْحَالَّ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ لِغَرَضٍ غَيْرِ الْبَرَاءَةِ أُجْبِرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى قَبُولِهِ، أَوْ لِغَرَضِهَا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبُولِ أَوْ الْإِبْرَاءِ.
وَلَوْ ظَفِرَ الْمُسَلِّمُ بِالْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بَعْدَ الْمَحِلِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ وَطَالَبَهُ بِالْمُسَلَّمِ فِيهِ وَلِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا الْمُسَلِّمُ عَنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ وَلَا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْمِلْكِ) أَيْ إنْ كَانَ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ، أَوْ مِنْ لُزُومِهِ إنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَحْضَرَ الْمُسَلِّمُ) أَيْ عَجَّلَهُ قَبْلَ وَقْتِ حُلُولِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَحِلِّ التَّسْلِيمِ أَوْ فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُسَلَّمُ فِيهِ الْمُؤَجَّلُ) وَمِثْلُهُ كُلُّ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ إذَا عُجِّلَ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا) أَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ مُحْرِمَا وَالْمُسَلَّمُ فِيهِ صَيْدًا فِيمَا يَظْهَرُ؛ قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَلَوْ عَبَّرَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ " كَأَنْ " بَدَلَ قَوْلَهُ " بِأَنْ " لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْحَصْرَ فِيمَا ذُكِرَ، وَلَيْسَ مُرَادًا وَلَكِنْ يَكْثُرُ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْإِتْيَانُ " بِأَنْ " بَدَلَ " كَأَنْ " وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ،.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَقْتَ إغَارَةِ) التَّقْدِيرِ: أَوْ كَانَ الْوَقْتُ وَقْتَ إغَارَةٍ.
وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ وَلَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَى خَبَرِ " كَانَ "، مَرْحُومِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ وَقْتَ إغَارَةٍ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ بِاسْمِ الزَّمَانِ عَنْ الذَّاتِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
وَلَا يَكُونُ اسْمُ زَمَانٍ خَبَرًا ... عَنْ جُثَّةٍ وَإِنْ يُفِدْ فَأَخْبِرَا
قَوْلُهُ: (يُرِيدُ أَكْلَهُ) أَيْ الْأَحَدَ.
قَوْلُهُ: (طَرِيًّا) لَمْ يَقُلْ طَرِيَّيْنِ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِ " أَوْ ". وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: لَمْ يَقُلْ طَرِيَّيْنِ؛ لِأَنَّ طَرِيًّا بِوَزْنِ فَعِيلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْمَثْنَى وَالْجَمْعُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4] . قَوْلُهُ: (مُؤْنَةٌ) أَوْ كَانَ يَتَرَقَّبُ زِيَادَةَ سِعْرِهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ فِيمَا يَظْهَرُ، م ر.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ) وَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ لِتَضَرُّرِهِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَعَارَضَ غَرَضَاهُمَا رُوعِيَ جَانِبُ الْمُسْتَحِقِّ.
قَوْلُهُ: (أَمْ لَا) أَيْ لَا لِغَرَضٍ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ غَرَضَ الْبَرَاءَةِ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَارَةً يُلَاحِظُهُ وَتَارَةً لَا يُلَاحِظُهُ ع ن. وَقَوْلُهُ " لَا لِغَرَضٍ " بِأَنْ لَمْ يُلَاحِظْ الْبَرَاءَةَ وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً.
قَوْلُهُ: (أَخَذَهُ الْحَاكِمُ) وَيَظْهَرُ وُجُوبُهُ عِنْدَ الطَّلَبِ، أَيْ طَلَبِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ الْمُسَلِّمَ بِأَخْذِ حَقِّهِ؛ شَوْبَرِيٌّ أَيْ وَبَرِئَ الْمَدِينُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُسَلِّمُ غَائِبًا وَأَتَى بِهِ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ فِي وَقْتِهِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَقْبِضُهُ لَهُ اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (الْمُسَلَّمُ فِيهِ الْحَالُّ) أَيْ أَصَالَةً أَوْ عَرْضًا بِأَنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَحَلَّ، وَهَذَا مُحْتَرِزُ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ " الْمُؤَجَّلُ " وَقَوْلُهُ " فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ " مُتَعَلِّقٌ بِأَحْضَرَ.
قَوْلُهُ: (لِغَرَضٍ غَيْرِ الْبَرَاءَةِ) كَفَكِّ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ غَرَضٌ لِوُجُودِ مَحِلِّ التَّسْلِيمِ وَزَمَانِهِ، فَامْتِنَاعُهُ مَحْضُ عِنَادٍ فَضُيِّقَ عَلَيْهِ بِطَلَبِ الْإِبْرَاءِ.
قَوْلُهُ: (أُجْبِرَ الْمُسَلِّمِ عَلَى قَبُولِهِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ نَهْبٍ، بِخِلَافِهِ فِي الْقَرْضِ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ وَإِنْ وَقَعَ الْإِقْرَاضُ وَقْتَهُ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ هُنَاكَ بِخِلَافِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ظَفِرَ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الْمَكَانِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْمَحِلِّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَحَلٌّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ مَكَانُهُ الْمُعَيَّنُ بِالشَّرْطِ أَوْ الْعَقْدِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا الْمُسَلِّمُ) بِأَنْ يَدْفَعَ الْمُسَلِّمُ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ مُؤْنَةَ النَّقْلِ مِنْ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ إلَى مَحِلِّ الظَّفْرِ، ح ل
يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُسَلِّمُ مِنْ قَبُولِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهِ لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ إنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَتَحْصِيلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَلَوْ اتَّفَقَ كَوْنُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بِصِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَأَحْضَرَهُ وَجَبَ قَبُولُهُ.
فَصْلٌ: فِي الرَّهْنِ وَهُوَ لُغَةً الثُّبُوتُ وَمِنْهُ الْحَالَةُ الرَّاهِنَةُ وَشَرْعًا جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةٍ بِدَيْنٍ يَسْتَوْفِي مِنْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ وَفَائِهِ.
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ) لِتَضَرُّرِ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ كَيَسِيرِ نَقْدٍ وَمَالُهُ مُؤْنَةٌ وَتَحَمُّلُهَا بِالْمُسَلِّمِ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ حِينَئِذٍ م ر. وَقَالَ س ل: لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ أَشَارَ بِنَفْيِ الْأَدَاءِ خَاصَّةً إلَى أَنَّ لَهُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَإِلْزَامُهُ بِالسَّفَرِ مَعَهُ إلَى مَكَانِ التَّسْلِيمِ أَوْ بِالتَّوْكِيلِ وَلَا يُحْبَسُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ) وَلَوْ لِلْحَيْلُولَةِ لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ كَمَا مَرَّ، فَلَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْدَادُ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ أَوْ تَحَمَّلَهَا الْمُسَلِّمُ فَيَلْزَمُ الْمُسَلَّمَ إلَيْهِ الْأَدَاءُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ) كَأَنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مِنْهُ إلَى مَحِلِّ التَّسْلِيمِ مُؤْنَةٌ وَلَمْ يَتَحَمَّلْهَا الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ، أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ أَوْ الطَّرِيقُ مَخُوفًا؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
فَإِنْ رَضِيَ بِأَخْذِهِ لَمْ يَجِبْ لَهُ مُؤْنَةُ النَّقْلِ، بَلْ لَوْ بَذَلَهَا لَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَبُولُهَا لِأَنَّهُ كَالِاعْتِيَاضِ.
اهـ. م ر. فَإِنْ اسْتَأْجَرَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ لِمَنْ يَحْمِلُهُ فَلَا اعْتِيَاضَ فَحِينَئِذٍ لِلْمُسَلِّمِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَخْذِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَيَقُولَ لِلْمُسَلَّمِ إلَيْهِ: أَرْسِلْهُ إلَى مَحَلِّ التَّسْلِيمِ.
قَوْلُهُ: (أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ) أَيْ عَيْنًا نَظِيرَ مَا مَرَّ لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ التَّسْلِيمِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي إلَخْ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (بِصِفَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ) كَأَنْ أَسْلَمَ إلَيْهِ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي جَارِيَةٍ كَبِيرَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِأَوْصَافٍ فَكَبِرَتْ عِنْدَهُ مُتَّصِفَةً بِالصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا حَتَّى صَارَتْ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَإِنْ وَطِئَهَا مَا لَمْ تَحْبَلْ مِنْهُ.
اهـ. ز ي وَم د.
[فَصْلٌ فِي الرَّهْنِ]
ِ قَوْلُهُ وَهُوَ لُغَةً الثُّبُوتُ هَذَا ظَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرُ رَهَنَ لَازِمًا بِمَعْنَى دَامَ وَثَبَتَ لَكِنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلُهُ الْآتِي مَعْنَاهُ فَارْهَنُوا أَمَّا إذَا جُعِلَ مَصْدَرًا لِرَهَنَ مُتَعَدِّيًا فَإِنَّمَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ هُوَ لُغَةً الْإِثْبَاتُ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَطْلَقَ الثُّبُوتَ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْإِثْبَاتِ وَأَرَادَ الْإِثْبَاتَ نَفْسَهُ لَكِنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ وَمِنْهُ الْحَالَةُ الرَّاهِنَةُ وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ رَهَنَ بِمَعْنَى ثَبَتَ وَدَامَ لِأَنَّ الْأَرْكَانَ الْآتِيَةَ لَا تُنَاسِبُهُ.
اهـ. ع ش وَرَهَنَ أَفْصَحُ مِنْ أَرْهَنَ بَلْ مَنَعَ الْأَزْهَرِيُّ الثَّانِيَةَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (جَعْلُ عَيْنٍ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ بَعْدَ حَذْفِ الْفَاعِلِ، تَقْدِيرُهُ: حَمْلُ الْمَالِكِ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ عَيْنًا وَثِيقَةً إلَخْ.
وَدَخَلَ تَحْتَهُ الْعَقْدُ وَالصِّيغَةُ.
وَقَوْلُهُ " عَيْنٍ مَالِيَّةٍ "، هِيَ الْمَرْهُونُ، وَقَوْلُهُ " وَثِيقَةٍ بِدَيْنٍ " هُوَ الْمَرْهُونُ بِهِ، فَاشْتَمَلَ التَّعْرِيفُ عَلَى الْأَرْكَانِ.
وَقَوْلُهُ " يَسْتَوْفِي " تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " وَثِيقَةٍ " وَخَرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ كَالْمَوْقُوفِ وَالْمَغْصُوبِ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَوْفِي) أَيْ الدَّيْنَ أَوْ بَعْضَهُ مِنْهَا.
فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَرْهُونِ قَدْرَ الدَّيْنِ، فَلَوْ رَهَنَ عِنْدَهُ حُجَّةَ بَيْتٍ مَثَلًا كَانَتْ تِلْكَ الْوَرَقَةُ وَحْدَهَا مَرْهُونَةً، وَأَمَّا الْبَيْتُ فَلَا يَحْصُلُ قَبْضُهُ إلَّا بِالتَّخْلِيَةِ وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ " يَسْتَوْفِي مِنْهُ " لَيْسَ مِنْ التَّعْرِيفِ بَلْ بَيَانٌ لِغَايَتِهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْهُ لِإِخْرَاجِ مَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِيفَاءُ مِنْهُ كَالْمَوْقُوفِ.
قَوْلُهُ: (مِنْهَا) مِنْ ابْتِدَائِيَّةٍ فَيَشْمَلُ مَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ.
وَجَعْلُهَا تَبْعِيضِيَّةً يَقْتَضِي أَنَّ الرَّهْنَ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَقَالَ ق ل: وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَوْنُ الْمَرْهُونِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ إلَّا فِي رَهْنِ وَلِيٍّ عَلَى مَالِ مَحْجُورٍ اهـ. وَقَوْلُهُ " عِنْدَ تَعَذُّرِ " لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَقَوْلُهُ " وَفَائِهِ " قَالَ الرَّمْلِيُّ: لِلْحَاكِمِ تَعْزِيرُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ بَعْدَ طَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ مِنْهُ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى التَّعْزِيرِ بَلْ وَإِنْ أَدَّى إلَى مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِحَقٍّ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ فَارْهَنُوا وَاقْبِضُوا لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ جُعِلَ جَزَاءً لِلشَّرْطِ بِالْفَاءِ فَجَرَى مَجْرَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] . وَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ يُقَالُ لَهُ أَبُو الشَّحْمِ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لِأَهْلِهِ» . وَالْوَثَائِقُ بِالْحُقُوقِ ثَلَاثَةٌ: شَهَادَةٌ وَرَهْنٌ وَضَمَانٌ، فَالشَّهَادَةُ لِخَوْفِ الْجَحْدِ وَالْآخَرَانِ لِخَوْفِ الْإِفْلَاسِ.
وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ: مَرْهُونٌ وَمَرْهُونٌ بِهِ وَصِيغَةٌ وَعَاقِدَانِ، وَقَدْ بَدَأَ بِذَكَرِ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَرْهُونُ فَقَالَ: (وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ) مِنْ الْأَعْيَانِ (جَازَ رَهْنُهُ) فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ دَيْنٍ وَلَوْ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلَا رَهْنُ مَنْفَعَةٍ كَأَنْ يَرْهَنَ سُكْنَى دَارِهِ
[حاشية البجيرمي]
عَزَّرَهُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ إلَى أَنْ يَبِيعَهُ أَيْ الْمَرْهُونَ وَيُكَرِّرُ ضَرْبَهُ، لَكِنْ يُمْهَلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ الْأَلَمِ الْأَوَّلِ
لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى قَتْلِهِ
؛ خِلَافًا لِمَا أَطَالَ بِهِ السُّبْكِيُّ.
وَقَوْلُهُ " فَرَهْنٌ " وَقُرِئَ " فَرِهَانٌ " وَهِيَ جَمْعُ رَهْنٍ، وَقِيلَ: جَمْعُ الْجَمْعِ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْقَاضِي) أَيْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْبَيْضَاوِيُّ فَأَعْرَبَ الْآيَةَ إعْرَابًا آخَرَ حَيْثُ جَعَلَ " فَرَهْنٌ " مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
وَالتَّقْدِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ: فَعَلَيْكُمْ رَهْنٌ، وَعَلَى الثَّانِي: فَالْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ رَهْنٌ.
وَانْظُرْ عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ رُفِعَ رَهْنٌ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ وُضِعَ مَوْضِعَ فِعْلِهِ فَصَارَ مَنْصُوبًا ثُمَّ عَدَلَ إلَى الرَّفْعِ كَمَا فِي " الْحَمْدُ لِلَّهِ " وَفِيهِ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا حِينَئِذٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ، فَيَرْجِعُ إلَى كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ) أَيْ بِاعْتِبَارِ مُفْرَدِهِ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ فِي الْآيَةِ جَمْعٌ وَأَنَّهُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ الْمَرْهُونِ، بِدَلِيلِ وَصْفِهِ بِمَقْبُوضَةٍ.
يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهُ بِمَقْبُوضَةٍ بِالنَّظَرِ لِمُتَعَلِّقِهِ، أَوْ أَنَّ فِيهِ اسْتِخْدَامًا بِمَعْنَى أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّهْنَ أَوَّلًا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ؛ وَأُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ مَقْبُوضَةٍ بِمَعْنَى الْعَيْنِ، شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (جُعِلَ جَزَاءً لِلشَّرْطِ) أَيْ مَقْرُونًا بِالْفَاءِ، يَعْنِي وَالْجَوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا جُمْلَةً فَيُؤَوَّلُ بِفِعْلِ الْأَمْرِ لِيَصِيرَ جُمْلَةً.
وَفِيهِ أَنَّ تَصْيِيرَهُ جُمْلَةً لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْأَمْرِ، إذْ يَجُوزُ جَعْلُهُ مُبْتَدَأً وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَسْتَوْثِقُونَ بِهَا كَمَا قَدَّرَهُ الْجَلَالُ، فَيَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً؛ وَإِنَّمَا قَالَ " فَارْهَنُوا " وَاقْبِضُوا الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَعْنَى لِأَنَّ الرَّهْنَ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ فَلَا يَتِمُّ لُزُومُهُ إلَّا بِذِكْرِ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: (رَهَنَ دِرْعَهُ إلَخْ) وَآثَرَهُ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِيَسْلَمَ مِنْ نَوْعِ مِنَّةٍ أَوْ تَكَلُّفِ مَيَاسِيرِ أَصْحَابِهِ بِإِبْرَائِهِ، أَوْ عَدَمِ الْأَخْذِ مِنْهُ، أَوْ بَيَانًا لِجَوَازِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ مَيَاسِيرِ الْمَدِينَةِ طَعَامٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ غَيْرَ الْيَهُودِيِّ، دَمِيرِيٌّ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَفْتَكَّهُ، حَجّ، وَمِثْلُهُ شَرْحُ م ر. وَإِنَّمَا افْتَكَّهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقِيلَ افْتَكَّهُ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَالَ ق ل: الرَّاجِحُ أَنَّهُ افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ؛ وَلَكِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْ الْيَهُودِيِّ فَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ أَخْذِهِ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى رَهْنِهِ، فَتَأَمَّلْ.
وَمِثْلُهُ الْبِرْمَاوِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ؛ لَكِنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ع ش الْأَوَّلُ.
وَخَبَرُ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ» أَيْ مَحْبُوسَةٌ فِي الْقَبْرِ غَيْرَ مُنْبَسِطَةٍ مَعَ الْأَرْوَاحِ فِي عَالَمِ الْبَرْزَخِ، وَفِي الْآخِرَةِ مَعُوقَةٌ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَقْضِيَ عَنْهَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً وَعَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَنْزِيهًا لَهُمْ وَعَلَى غَيْرِ مَنْ لَمْ يُقَصِّرْ وَهُوَ مُعْسِرٌ وَفِي عَزْمِهِ الْوَفَاءُ فَلَا تُحْبَسُ نَفْسُهُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ اهـ ع ن عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ خَلَّفَ وَفَاءً لَا يُحْبَسُ وَإِنْ لَمْ يَقْضِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ حِينَئِذٍ مِنْ الْوَرَثَةِ فَالْإِثْمُ عَلَيْهِمْ لِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى ثَلَاثِينَ) أَيْ عَلَى ثَمَنِهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَهْلِهِ) أَيْ اشْتَرَاهَا لِأَهْلِهِ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ نَفَقَتَهُمْ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِ الْقَائِلِينَ إنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةٌ) أَيْ إجْمَالًا، وَإِلَّا فَسِتَّةٌ تَفْصِيلًا.
قَوْلُهُ: (وَعَاقِدَانِ) لَوْ قَالَ " عَاقِدٌ " لَكَانَ أَنْسَبَ بِكَوْنِهَا أَرْبَعَةً، وَإِلَّا فَهِيَ عَلَى كَلَامِهِ خَمْسَةٌ قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ دَيْنٍ إلَى قَوْلِهِ وَلَا مَنْفَعَةٍ) أَيْ ابْتِدَاءً، فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْمَرْهُونِ قَدْ يَكُونُ دَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً بِلَا إنْشَاءٍ كَبَدَلِ
مُدَّةً لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَتْلَفُ فَلَا يَحْصُلُ بِهَا اسْتِيثَاقٌ، وَلَا رَهْنُ عَيْنٍ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا كَوَقْفٍ وَمُكَاتَبٍ وَأَمِّ وَلَدٍ
. وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمَشَاعِ مِنْ الشَّرِيكِ وَغَيْرِهِ وَيُقْبَضُ بِتَسْلِيمِ كُلِّهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَيَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ وَبِالنَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ، فَإِنْ أَبَى الْإِذْنَ فَإِنْ رَضِيَ الْمُرْتَهِنُ بِكَوْنِهِ فِي يَدِ الشَّرِيكِ جَازَ وَنَابَ عَنْهُ فِي الْقَبْضِ، وَإِنْ تَنَازَعَا نَصَّبَ الْحَاكِمُ عَدْلًا يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَنْطُوقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ صُورَتَانِ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُمَا وَيَصِحُّ بَيْعُهُمَا: الْأُولَى الْمُدَبَّرُ رَهْنُهُ بَاطِلٌ وَإِنْ جَازَ بَيْعُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ يَمُوتُ فَجْأَةً فَيَبْطُلُ مَقْصُودُ الرَّهْنِ.
الثَّانِيَةُ: الْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهَا.
وَمِنْ مَفْهُومِهِ صُورَةٌ يَصِحُّ رَهْنُهَا وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا الْأَمَةُ الَّتِي لَهَا
[حاشية البجيرمي]
الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَرْهُونِ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ فِي ذِمَّةِ الْجَانِي بِأَنَّهُ رَهْنٌ فَيَمْتَنِعُ عَلَى الرَّاهِنِ الْإِبْرَاءُ مِنْهُ، وَمَنْ مَاتَ مَدِينًا وَلَهُ مَنْفَعَةٌ وَدَيْنٌ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِتَرِكَتِهِ تَعَلُّقَ رَهْنٍ وَمِنْهَا دَيْنُهُ وَمَنْفَعَتُهُ شَرْحُ م ر، وَكَمَنْفَعَةِ مُؤَجَّرٍ.
وَكَتَبَ الزِّيَادِيُّ عَلَى قَوْلِ الْمَنْهَجِ " فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ دَيْنٍ ": أَيْ ابْتِدَاءً، وَالْكَلَامُ فِي الرَّهْنِ الْجَعْلِيِّ فَلَا يُنَافِي الرَّهْنَ الشَّرْعِيَّ فِيمَا لَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ دَيْنٌ، فَإِنَّ التَّرِكَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا الدَّيْنُ وَمِنْهُ دَيْنُهُ الَّذِي لَهُ عَلَى غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ عِنْدَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، كَأَنْ يَكُونَ لَك عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ فَتَشْتَرِيَ مِنْهُ شَيْئًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ وَتَرْهَنَ عَلَيْهِ الدَّيْنَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ قَوْلِهِمْ: كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُمْلَكُ، وَالْمَأْخُوذُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِثْلُهُ لَا عَيْنُهُ، فَكَانَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَوَقْفٍ) أَيْ مَوْقُوفٍ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْمِلْكِ، وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ الرَّهْنُ الْمَشَاعُ) أَيْ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ، أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ الشَّرِيكِ، أَيْ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَيَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ) وَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْرِيغِ لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ الشَّرْعِيُّ، ز ي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ) أَيْ فَيَحْرُمُ، وَلَكِنْ يَصِحُّ وَتَصِيرُ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مَضْمُومَةً عَلَيْهِ، فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ صِحَّةُ الْقَبْضِ بَلْ لِتَكُونَ حِصَّةُ الشَّرِيكِ أَمَانَةً تَحْتَ يَدِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْقُولِ وَغَيْرِهِ أَنَّ وَضْعَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ حِسِّيٌّ وَعَلَى غَيْرِهِ حُكْمِيٌّ فَلَمْ يُحْتَجْ فِيهِ لِلْإِذْنِ فَافْهَمْ.
وَقَالَ ع ش: قَوْلُهُ " وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ إلَخْ " أَيْ يَحْرُمُ وَيَصِحُّ، وَخَرَجَ بِهِ الْعَقَارُ فَيَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ، وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ حِينَئِذٍ عُدِمَ الضَّمَانُ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْيَدَ عَلَيْهِ لَيْسَتْ حِسِّيَّةً لِأَنَّهُ لَا تَعَدِّي فِي قَبْضِهِ لِجَوَازِهِ اهـ. قَالَ السُّبْكِيُّ: النَّقْلُ يَحْصُلُ بِهِ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الشَّرِيكِ أَوْ بِغَيْرِهِ، لَكِنْ لَا يَحِلُّ إلَّا بِإِذْنِ الشَّرِيكِ، فَالْمَوْقُوفُ عَلَى إذْنِ الشَّرِيكِ فِي الْمَنْقُولِ حِلُّ الْقَبْضِ لَا صِحَّتُهُ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَبَى) أَيْ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ رَضِيَ إلَخْ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَنَازَعَا) أَيْ الْمُرْتَهِنُ وَشَرِيكُ الرَّاهِنِ.
قَوْلُهُ: (صُورَتَانِ) لَعَلَّ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا لِعُمُومِهِمَا، وَإِلَّا فَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ لَمْ يُعْلَمْ حُلُولُ الدَّيْنِ قَبْلَهَا، بَلْ وَكَذَا مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ إنْ لَمْ يُشْرَطْ بَيْعُهُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ وَجَعْلُ ثَمَنِهِ رَهْنًا مَكَانَهُ كَذَلِكَ ق ل.
قَوْلُهُ: (يَجُوزُ بَيْعُهَا) أَيْ حَيْثُ رُئِيَتْ قَبْلَ الزَّرْعِ أَوْ مِنْ خِلَالِهِ؛ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ عَلَى هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ يُرَادُ لِلدَّوَامِ فَحَيْثُ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالزَّرْعِ حِينَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَأَجَازَ الْبَيْعَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْأَرْضِ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ فَكَانَ كَشِرَاءِ الْمَعِيبِ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ الرَّهْنِ التَّوَثُّقُ وَاسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْمَحِلِّ، وَالزَّرْعُ قَدْ يَتَأَخَّرُ وَقْتَ الْبَيْعِ أَوْ يُضْعِفُ الْأَرْضَ، فَلَا يَتَيَسَّرُ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَتَقِلُّ الرَّغْبَةُ فِيهَا فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الرَّهْنِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ التَّوَثُّقُ وَتَوْفِيَةُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْحُلُولِ، وَرُبَّمَا يَحِلُّ الدَّيْنُ قَبْلَ التَّفْرِيغِ فَيَحْصُلُ النِّزَاعُ لَا إلَى غَايَةٍ.
وَكَتَبَ الْمَرْحُومِيُّ عَلَى قَوْلِهِ " وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهَا ": كَذَا فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ وَافَقَهُ وَلَا مَنْ خَالَفَهُ، وَانْظُرْ عِلَّةَ مَنْعِ الرَّهْنِ مَعَ جَوَازِ الْبَيْعِ وَحَرَّرَهُ اهـ. قُلْت: بَلْ وَافَقَهُ الدَّمِيرِيُّ عَلَى الْمِنْهَاجِ، فَقَالَ: فَرْعُ رَهْنِ الْأَرْضِ الْمُشْتَغِلَةِ بِالزِّرَاعَةِ بَاطِلٌ، كَذَا بِخَطِّ بَعْضِهِمْ وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَد أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا؛ وَانْظُرْ هَلْ يُمْكِنُ
وَلَدٌ غَيْرُ مُمَيِّزٍ لَا يَجُوزُ إفْرَادُ أَحَدِهِمَا بِالْبَيْعِ، وَيَجُوزُ بِالرَّهْنِ وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُبَاعَانِ وَيَقُومُ الْمَرْهُونُ مِنْهُمَا مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ حَاضِنًا أَوْ مَحْضُونًا ثُمَّ يَقُومُ مَعَ الْآخَرِ، فَالزَّائِدُ عَلَى قِيمَتِهِ قِيمَةُ الْآخَرِ وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِتِلْكَ النِّسْبَةِ، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمَرْهُونِ مِائَةً وَقِيمَتُهُ مَعَ الْآخَرِ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَالنِّسْبَةُ بِالْأَثْلَاثِ فَيَتَعَلَّقُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الْمَرْهُونُ بِهِ فَقَالَ: (فِي الدُّيُونِ) أَيْ وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا، فَلَا يَصِحُّ بِالْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ كَالْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ، وَلَا بِغَيْرِ الْمَضْمُونَةِ كَمَالِ الْقِرَاضِ وَالْمُودِعِ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الرَّهْنَ فِي الْمُدَايَنَةِ فَلَا يَثْبُتُ فِي غَيْرِهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِغَرَضِ الرَّهْنِ عِنْدَ الْبَيْعِ.
تَنْبِيهٌ: يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ وَهِيَ أَنَّ الْوَاقِفَ يَقِفُ كُتُبًا وَيَشْرِطُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا كِتَابٌ مِنْ مَكَان يَحْبِسُهَا فِيهِ إلَّا بِرَهْنٍ، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ أَفْتَى الْقَفَّالُ بِخِلَافِهِ وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ مَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الرَّاهِنَ أَحَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَالرَّاهِنُ لَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا إذْ الْمَقْصُودُ بِالرَّهْنِ الْوَفَاءُ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ التَّلَفِ، وَهَذَا
[حاشية البجيرمي]
حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مَا إذَا رَهَنَ الْأَرْضَ مَعَ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ؟ فَإِنَّ الزَّرْعَ الْأَخْضَرَ عَلَى انْفِرَادِهِ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَإِذَا انْضَمَّ إلَى الْأَرْضِ مُنِعَ رَهْنُهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ اجْتِمَاعِ الْمَانِعِ وَالْمُقْتَضِي فَيَغْلِبُ الْمَانِعُ، حَرَّرَهُ م د.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ مَفْهُومِهِ) وَهُوَ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ.
وَقَوْلُهُ " وَصُورَةٌ " اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِعُمُومِهَا وَإِلَّا فَرَهْنُ مُصْحَفٍ وَعَبْدٍ مُسْلِمٍ عِنْدَ كَافِرٍ وَسِلَاحٍ لِحَرْبِيٍّ صَحِيحٍ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ لَهُ، وَكَرَهْنِ الْمُسْتَعَارِ أَيْ إذَا اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُسْتَعِيرِ لَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (الْأَمَةُ) بَدَلٌ مِنْ صُورَةٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَهِيَ الْأَمَةُ.
قَوْلُهُ: (وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ إلَخْ) وَفَائِدَةُ هَذَا التَّوْزِيعِ مَعَ وُجُوبِ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِكُلِّ حَالٍ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا تَزَاحَمَ الْغُرَمَاءُ ابْنُ حَجَرٍ مَرْحُومِيٌّ، أَوْ فِي تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ فِي غَيْرِ الْمَرْهُونِ، شَوْبَرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " فِيمَا إذَا تَزَاحَمَ الْغُرَمَاءُ " أَيْ فَيُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِ الرَّهْنِ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ، وَمَا فَضَلَ مِنْ بَقِيَّةِ دَيْنِهِ يُحَاصِصْ بِهِ مَعَهُمْ بِنِسْبَةِ مَا يَخُصُّهُ بِدَيْنِهِ إنْ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ أَوْ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِثُلُثَيْ الثَّمَنِ) وَيُزَاحِمُ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي الْبَاقِي بِنِسْبَةِ الْبَاقِي مِنْ دَيْنِهِ مَعَ بَقِيَّةِ الدُّيُونِ
قَوْلُهُ: (فِي الدُّيُونِ) أَيْ عَلَى الدُّيُونِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ) أَيْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَوْنُهُ دَيْنًا) أُطْلِقَ فِي الدَّيْنِ، فَشَمِلَ دَيْنَ الزَّكَاةِ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ لَا بِالْعَيْنِ وَشَمِلَ الْمَنْفَعَةَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِالذِّمَّةِ لَا بِالْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ بِالْعَيْنِ) أَيْ عَلَيْهَا، فَالْبَاءُ بِمَعْنَى " عَلَى ". قَوْلُهُ: (وَالْمُسْتَعَارَةُ) بِأَنْ يُعِيرَهُ عَيْنًا وَيَأْخُذَ عَلَيْهَا رَهْنًا.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهَا لَا تُسْتَوْفَى إلَخْ) أَيْ لَيْسَتْ دُيُونًا حَتَّى تُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ لِيُسْتَوْفَى مِنْهُ قِيمَةُ تِلْكَ الْأَعْيَانِ إذَا تَلِفَتْ لِأَنَّهَا تَصِيرُ دُيُونًا؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّيْنَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا، وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ أَيْ لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ بَاقِيَةً لَا يُتَصَوَّرُ اسْتِيفَاءُ ذَاتِهَا مِنْ ثَمَنِهَا، وَأَمَّا إنْ تَلِفَتْ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ فَلَا دَيْنَ أَصْلًا وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً فَيَجِبُ بَدَلُهَا وَيَصِيرُ دَيْنًا عَلَى وَاضِعِ الْيَدِ؛ لَكِنْ هَذَا الدَّيْنُ إنَّمَا وُجِدَ وَثَبَتَ بَعْدَ تَلَفِهَا وَهُوَ بَعْدَ الرَّهْنِ فَوَقْتُ الرَّهْنِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَيْنٌ فَهُوَ رَهْنٌ عَلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ.
قَوْلُهُ: (مُخَالِفٌ لِغَرَضِ الرَّهْنِ) أَيْ الْغَرَضِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الرَّهْنِ عَلَى الْعَيْنِ أَوْ مِنْ التَّعْلِيلِ، وَأَعْنِي قَوْلَهُ: لِأَنَّهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا كِتَابٌ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إنْ أَرَادَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيَّ لَغَا الشَّرْطُ، وَلِلنَّاظِرِ إخْرَاجُ الْمَوْقُوفِ بِلَا رَهْنٍ.
وَإِنْ أَرَادَ بِهِ اللُّغَوِيَّ بِمَعْنَى التَّوَثُّقِ صَحَّ الشَّرْطُ، وَلَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ إخْرَاجُهُ إلَّا بِرَهْنٍ وَافٍ بِهِ ق ل. وَإِنْ أُطْلِقَ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ: أَقْرَبُهُمَا الصِّحَّةُ صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنْ الْهَذَيَانِ، وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِرَهْنٍ يُسَاوِي قِيمَتَهُ لَوْ أُرِيدَ بَيْعُهُ وَالْوَقْفُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا أج.
وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ " أَيْ الشَّرْطُ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَرَادَ الرَّهْنَ الشَّرْعِيَّ أَوْ اللُّغَوِيَّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، كَذَا بِخَطِّ أج.
وَصَرَّحَ بِهِ سم فَاعْتُمِدَ كَلَامُ الشَّارِحِ وَضُعِّفَ كَلَامُ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَحَدُ الْمُسْتَحِقِّينَ) أَيْ لِلْمَوْقُوفِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَكُونُ مُسْتَحِقًّا) أَيْ لَا يَكُون مُسْتَحِقًّا لِمَا يَرْهَنُ عَلَيْهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ
الْمَوْقُوفُ لَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ وَعَلَى إلْغَاءِ الشَّرْطِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِرَهْنٍ وَلَا بِغَيْرِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَخْرُجُ مُطْلَقًا.
نَعَمْ إنْ تَعَذَّرَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْمَحَلِّ الْمَوْقُوفِ فِيهِ وَوَثِقَ بِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى مَحَلِّهِ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ جَازَ إخْرَاجُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي يُرْهَنُ بِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ كَوْنُهُ ثَابِتًا فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِهِ كَنَفَقَةِ زَوْجَتِهِ فِي الْغَدِ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةُ حَقٍّ فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: كَوْنُهُ مَعْلُومًا لِلْعَاقِدَيْنِ، فَلَوْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ.
وَالثَّالِثُ: كَوْنُهُ لَازِمًا أَوْ آيِلًا إلَى اللُّزُومِ فَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَمَالِ الْكِتَابَةِ، وَلَا بِجَعْلِ الْجَعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ وَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ، وَالْأَصْلُ فِي
[حاشية البجيرمي]
يَكُنْ مِنْ أَحَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِأَنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى طَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهَا أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ وَإِنْ انْتَفَتْ لَكِنْ خَلَّفَتْهَا عِلَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ عَدَمُ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ،.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إذْ الْمَقْصُودُ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " وَلَا يَصِحُّ ". وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلَا يَظْهَرُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ وَجْهٌ ثَانٍ لِتَضْعِيفِ كَلَامِ الْقَفَّالِ، فَلَوْ قَالَ: وَلِأَنَّ إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ) أَيْ الَّذِي رُهِنَ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْوَقْفِ.
وَقَوْلُهُ " عِنْدَ التَّلَفِ " أَيْ تَلَفِ الَّذِي أُخِذَ مِنْ الْوَقْفِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ تَعَدٍّ إلَخْ) لَيْسَ قَيْدًا، وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّاهِنُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَهُوَ قَيْدٌ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ وَإِلَّا ضَمِنَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَضْمَنْ) أَيْ فَلَا فَائِدَةَ لِلرَّهْنِ فَكَانَ شَرْطُهُ بَاطِلًا، وَبِفَرْضِ الضَّمَانِ لَا فَائِدَةَ لِلرَّهْنِ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى مِنْ الْمَرْهُونِ لِأَنَّ قِيمَتَهُ بَعْدَ تَلَفِهِ دَيْنٌ حَدَثَ بَعْدَ الرَّهْنِ فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى إلْغَاءِ الشَّرْطِ) أَيْ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ " لَا يَصِحُّ " فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَخْرُجُ أَصْلًا، أَيْ إنْ تَيَسَّرَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي مَحِلِّهِ وَإِلَّا أُخْرِجَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُلْغَ شَرْطُ الرَّهْنِ بِأَنْ أُرِيدَ الرَّهْنُ اللُّغَوِيُّ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِرَهْنٍ وَافٍ؛ لَكِنْ لَيْسَ رَهْنًا شَرْعِيًّا بَلْ لِلتَّوَثُّقِ فَقَطْ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: إنْ عَنَى الرَّهْنَ الشَّرْعِيَّ فَبَاطِلٌ، أَوْ اللُّغَوِيَّ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْمَرْهُونُ تَذْكِرَةً صَحَّ، وَإِنْ جَهِلَ مُرَادَهُ احْتَمَلَ بُطْلَانَ الشَّرْطِ حَمْلًا عَلَى الشَّرْعِيِّ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِرَهْنٍ لِتَعَذُّرِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْطَ أَوْ لِفَسَادِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَخْرُجُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مَظِنَّةُ ضَيَاعِهِ، وَاحْتَمَلَ صِحَّتَهُ حَمْلًا عَلَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ أَقْرَبُ تَصْحِيحًا لِلْكَلَامِ مَا أَمْكَنَ،.
اهـ. ش م ر. ثُمَّ قَالَ م ر: وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ اعْتِبَارِ شَرْطِ إخْرَاجِهِ وَإِنْ أَلْغَيْنَا شَرْطَ الرَّهْنِ مَا لَمْ يَتَعَسَّرْ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَإِلَّا جَازَ إخْرَاجُهُ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْوَقْفَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا قُصِدَ الشَّرْعِيُّ أَوْ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْحَبْسُ؛ لَكِنْ مَعَ إلْغَاءِ الشَّرْطِ فَقَطْ.
وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: الْمُعْتَمَدُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مُطْلَقًا، وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى كَلَامِ السُّبْكِيّ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَحَلِّ الْمَوْقُوفِ) كَخَزَائِنِ الْأَزْهَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجُلُوسُ فِيهَا لِلْمُطَالَعَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ خَلْوَةً كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ فِيهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ التَّعَذُّرِ مَا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ الْمَوْقُوفُ فِيهِ خَارِجَ الْأَزْهَرِ وَأَرَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْوَقْفِ لِلْحُضُورِ فِيهِ فِي الْأَزْهَرِ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا السِّجِّينِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَرُدَّهُ) هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ " بِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ " أَيْ وَثِقَ بِرَدِّهِ إلَى مَحَلِّهِ.
قَوْلُهُ: (جَازَ إخْرَاجُهُ) عِبَارَةُ ق ل: وَلَا يَجُوزُ الْإِخْرَاجُ إلَّا بِرَهْنٍ وَافٍ بِهِ لِيَكُونَ بَاعِثًا عَلَى رَدِّهِ، وَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ الْمَوْقُوفُ لَوْ تَلِفَ.
قَوْلُهُ: (ثَابِتًا) أَيْ مَوْجُودًا، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِهِ) وَإِنْ جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ كَالْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (مَعْلُومًا) أَيْ قَدْرًا وَصِفَةً.
قَوْلُهُ: (أَوْ آيِلًا إلَى اللُّزُومِ) أَيْ بِنَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَجُعْلِ الْجَعَالَةِ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا يَئُولَانِ لِلُّزُومِ لَكِنْ لَا بِنَفْسِهِمَا بَلْ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، كَدَفْعِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَرَدِّ الضَّالَّةِ فِي الْجَعَالَةِ.
وَأَيْضًا الثَّمَنُ وَضْعُهُ اللُّزُومُ بِخِلَافِهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَى هَذَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَصْلُ فِي وَضْعِهِ اللُّزُومُ،.
اهـ. شَيْخُنَا جَوْهَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِجُعْلِ الْجَعَالَةِ) لِأَنَّ لَهُ فَسْخَهَا مَتَى شَاءَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ أَنَّ مُوجِبَ الثَّمَنِ الْبَيْعُ وَقَدْ تَمَّ بِخِلَافِ مُوجِبِ الْجُعْلِ وَهُوَ الْعَمَلُ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ، فَيَقُولُ شَخْصٌ: ائْتِنِي بِرَهْنٍ وَأَنَا أَرُدُّهُ، وَمِثْلُهُ إنْ رَدَدْته فَلَكَ دِينَارٌ وَهَذَا رَهْنٌ بِهِ.
أَوْ: مَنْ جَاءَ بِهِ فَلَهُ دِينَارٌ وَهَذَا رَهْنٌ بِهِ،.
اهـ. عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِالثَّمَنِ) أَيْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) أَيْ الَّذِي لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ كَمَا
وَضْعِهِ اللُّزُومُ بِخِلَافِ مَالِ الْكِتَابَةِ وَجُعْلِ الْجَعَالَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَلَامَ حَيْثُ قُلْنَا مَلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِيَمْلِكَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ، وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ (إذَا اسْتَقَرَّ ثُبُوتُهَا) أَيْ الدُّيُونِ (فِي الذِّمَّةِ) بَلْ هُوَ مُضِرٌّ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا كَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمَقْبُوضِ وَدَيْنِ الْمُسْلِمِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ كَالْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
أَمَّا الصِّيغَةُ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا مَرَّ.
فِيهَا فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ شُرِطَ فِي الرَّهْنِ مُقْتَضَاهُ كَتَقَدُّمِ الْمُرْتَهِنِ بِالْمَرْهُونِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْغُرَمَاءِ أَوْ شُرِطَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ كَإِشْهَادٍ بِهِ أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ كَأَنْ يَأْكُلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ كَذَا صَحَّ الْعَقْدُ وَلَغَا الشَّرْطُ الْأَخِيرُ، وَإِنْ شُرِطَ مَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ أَوْ الرَّاهِنَ كَأَنْ لَا يُبَاعُ عِنْدَ الْمَحِلِّ أَوْ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ أَوْ أَنْ تَحْدُثَ زَوَائِدُهُ
[حاشية البجيرمي]
أَشَارَ إلَيْهِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرٌ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ.
قَوْلُهُ: (مَلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِيَمْلِكَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ) أَيْ حَتَّى يَصِحَّ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهِ، وَلَا يُبَاعُ الْمَرْهُونُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ.
اهـ. ش م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ إنْ أُرِيدَ بِالْمُسْتَقِرِّ مَا حَصَلَ اسْتِيفَاءُ مُقَابِلِهِ كَالْأُجْرَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَتَخْرُجُ الْأُجْرَةُ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ عَلَيْهَا؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
أَمَّا إذَا أُرِيدَ بِالِاسْتِقْرَارِ اللُّزُومُ فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَحِيحٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ كَمَا فِي ق ل، وَعِبَارَتُهُ: لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِقْرَارَ يُطْلَقُ بِمَعْنَى اللُّزُومِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّدَاقُ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَنْفَعَةِ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَالزَّكَاةِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَالِ وَالْأُجْرَةِ بِالْعَقْدِ، وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى مَا حَصَلَ اسْتِيفَاءُ مُقَابِلِهِ كَقَوْلِهِمْ يَسْتَقِرُّ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى مِلْكِ الْمُؤَجِّرِ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْ زَمَنِ الْمَنْفَعَةِ.
وَفَهِمَ الشَّارِحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمَعْنَى الثَّانِي، فَرُتِّبَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَلَّ بِشَرْطِ اللُّزُومِ، وَذَكَرَ مَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَهُوَ اللُّزُومُ خُصُوصًا، وَقَدْ رَتَّبَهُ عَلَى الثُّبُوتِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، فَلَوْ حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، فَتَأَمَّلْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِالْمُسْتَقِرِّ مَا يُؤْمَنُ سُقُوطُهُ كَالثَّمَنِ وَلَوْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بَعْدَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ سُقُوطُهُ عَنْ الْمُشْتَرِي بِدُونِ فَسْخٍ، بِخِلَافِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْفُرْقَةِ الَّتِي بِسَبَبِهَا، وَبِخِلَافِ الْأُجْرَةِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِانْهِدَامِ الدَّارِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ شُرِطَ إلَخْ) فَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِهِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، كَمَا لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ بِمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَاهُ.
فَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ " فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا مَرَّ إلَخْ " أَيْ عَلَى مَفْهُومِهِ، إذْ مَا مَرَّ هُوَ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا كَلَامُ أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ قَلَّ وَلَا سُكُوتَ طَالَ عُرْفًا، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بِهِ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ أَوْ مَصَالِحِهِ أَوْ مُسْتَحَبَّاتِهِ؛ لَكِنْ قَوْلُهُ " أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ إلَخْ " يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي الشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَصْلَ بِهَذَا مُضِرٌّ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، وَكَذَا قَوْلُهُ " وَإِنْ شُرِطَ مَا يَضُرُّ إلَخْ " فَإِنَّهُ يَضُرُّ مُطْلَقًا، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ " فَإِنْ شُرِطَ فِي الرَّهْنِ مُقْتَضَاهُ إلَخْ " كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ.
قَوْلُهُ: (مُقْتَضَاهُ) أَيْ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، أَيْ مَا كَانَ مَوْضُوعًا لَهُ وَالْمَصْلَحَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَصْلَحَةٌ لَهُ) أَيْ لِلرَّهْنِ بِمَعْنَى الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (كَإِشْهَادٍ بِهِ) أَيْ الْعَقْدِ.
وَالْبَاءُ بِمَعْنَى " عَلَى " إذْ الْإِشْهَادُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَى الْعَقْدِ رُبَّمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَدَّعِي أَنَّهُ وَهَبَهُ أَوْ بَاعَهُ لَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَرُبَّمَا يَدَّعِي الرَّاهِنُ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ أَوْ غَصْبٌ.
قَوْلُهُ: (الْأَخِيرُ) وَالْأَوَّلُ تَأْكِيدٌ وَالثَّانِي مُعْتَبَرٌ، ق ل. وَفِي كَوْنِ الْأَخِيرِ لَا غَرَضَ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ كَسِمَنٍ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ لَا يُبَاعَ) هَذَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ وَمَا بَعْدَهُ الرَّاهِنَ.
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَرْهَنَهُ الْبَيْتَ مَثَلًا وَيَجْعَلَ أُجْرَةَ سُكْنَاهُ لِلْمُرْتَهِنِ وَمِنْهُ رَهْنُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ فَلَا يَصِحُّ كَالْغَارُوقَةِ، فَيَلْزَمُ مَنْ أَخَذَ الْأَرْضَ أُجْرَةُ مِثْلِهَا كُلَّ عَامٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ) هَذَا إذَا أَطْلَقَ فِي ذَلِكَ، فَلَوْ قَدَّرَهَا وَكَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ
مَرْهُونَةً لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ فِي الثَّلَاثِ لِإِخْلَالِ الشَّرْطِ بِالْغَرَضِ مِنْهُ فِي الْأُولَى، وَلِتَغَيُّرِ قَضِيَّةِ الْعَقْدِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلِجَهَالَةِ الزَّوَائِدِ وَعَدَمِهَا فِي الثَّالِثَةِ وَأَمَّا الْعَاقِدَانِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ وَالِاخْتِبَارِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ.
فَلَا يَرْهَنُ الْوَلِيُّ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ فَيَجُوزُ لَهُ الرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا، مِثَالُهُمَا لِلضَّرُورَةِ أَنْ يَرْهَنَ عَلَى مَا يَقْتَرِضُ لِحَاجَةِ الْمُؤْنَةِ لِيُوفِيَ مِمَّا يَنْتَظِرُ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ حُلُولِ دَيْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَنَفَاقِ مَتَاعٍ كَاسِدٍ، وَأَنْ يَرْتَهِنَ عَلَى مَا يُقْرِضُهُ أَوْ يَبِيعُهُ مُؤَجَّلًا لِضَرُورَةِ نَهْبٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَمِثَالُهُمَا لِلْغِبْطَةِ أَنْ يَرْهَنَ مَا يُسَاوِي مِائَةً عَلَى ثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ نَسِيئَةً وَهُوَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، وَأَنْ يَرْتَهِنَ عَلَى ثَمَنِ مَا يَبِيعُهُ نَسِيئَةً لِغِبْطَةٍ.
وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِقَبْضِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ بِإِذْنٍ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ إقْبَاضٍ مِنْهُ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ لِلرَّهْنِ.
وَلِلْعَاقِدِ إنَابَةُ غَيْرِهِ فِيهِ
[حاشية البجيرمي]
بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ فِي صَفْقَةٍ وَهُوَ جَائِزٌ.
وَصُورَتُهَا كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك عَبْدِي بِمِائَةٍ مَثَلًا بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِي بِهَا دَارَك وَأَنْ تَكُونَ مَنْفَعَتُهَا لِي سَنَةً، فَبَعْضُ الْعَبْدِ مَبِيعٌ وَبَعْضُهُ أُجْرَةٌ فِي مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الدَّارِ، تَأَمَّلْ هَذَا التَّصْوِيرَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْجِزُ عَنْهُ وَقَدْ ظَفِرْت بِهِ فِي بَعْضِ شُرُوحِ التَّنْبِيهِ لِلزَّنْكَلُونِيِّ بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِيهِ كَثِيرًا وَالسُّؤَالِ عَنْهُ كَثِيرًا، فَيُوَزَّعُ الْعَبْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَالْمِائَةِ.
قَوْلُهُ: (لِإِخْلَالِ الشَّرْطِ بِالْغَرَضِ مِنْهُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيْعُهُ عِنْدَ الْمَحِلِّ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَلِتَغَيُّرِ قَضِيَّةِ الْعَقْدِ إلَخْ) لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ الْمَرْهُونِ لِلرَّاهِنِ ح ل؛ لِأَنَّ التَّوَثُّقَ إنَّمَا هُوَ بِالْعَيْنِ وَالْمَنَافِعُ لِلرَّاهِنِ.
وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الثَّالِثَةِ أَيْضًا، فَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ: وَلِتَغَيُّرِ قَضِيَّةِ الْعَقْدِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَلِجَهَالَةِ الزَّوَائِدِ فِي الثَّالِثَةِ فَتَكُونُ الثَّالِثَةُ مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّتَيْنِ وَالثَّانِيَةُ بِوَاحِدَةٍ ع ش. وَالتَّوَثُّقُ هُوَ التَّحَفُّظُ لِلدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حِفْظٌ لِلدَّيْنِ، أَيْ صَوْنٌ لَهُ عَنْ الضَّيَاعِ.
قَوْلُهُ: (فَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا) أَيْ لِيَرْهَنَ الرَّاهِنُ وَيَرْتَهِنَ الْمُرْتَهِنُ رَهْنًا مُطْلَقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَرْهَنُ أَصْلًا مَالَ مُوَلِّيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ فِيهِ، وَكَذَا مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَرْتَهِنُ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ يَرْهَنُ وَيَرْتَهِنُ لِلضَّرُورَةِ وَالْغِبْطَةِ.
قَوْلُهُ: (أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الرَّاهِنَ هُنَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِشَيْءٍ بَلْ فَوَائِدُ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ لَهُ وَالْمُرْتَهِنُ دَيْنُهُ بِحَالَةٍ فَلَا تَبَرُّعَ هُنَا، فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالرُّشْدِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْبَيْعِ) فِيهِ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ بَيْعِ الْوَكِيلِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلَ تَبَرُّعٍ فِي مَالِ مُوَكِّلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ كَمَا فِي الْقَرْضِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقْرِضِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ التَّبَرُّعُ فِي مَالِهِ وَالْوَلِيُّ أَهْلُ تَبَرُّعٍ فِي مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ) اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ اشْتَرَى مَتَاعًا بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً حَالَّةً، فَإِنَّ الْغِبْطَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَوْجُودَةٌ لَكِنَّهَا لَا تَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ، شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: أَوْ غِبْطَةٌ ظَاهِرَةٌ، سَيَأْتِي فِي الشَّرِكَةِ أَنَّ الْغِبْطَةَ مَالٌ لَهُ وَقَعَ أَيْ قَدْرٌ لَا يُتَسَامَحُ أَيْ لَا يُتَسَاهَلُ بِهِ، فَانْظُرْ مَا مُفَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرَةً.
اهـ. . وَيُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ظَاهِرَةً أَيْ مُتَحَقِّقَةً لِلْوَلِيِّ
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ لَهُ الرَّهْنُ) هَذَا جَوَازٌ بَعْدَ امْتِنَاعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ
لِلْمَصْلَحَةِ
. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِثَالُهُمَا) أَيْ الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةِ الْمُؤْنَةِ) أَيْ حَاجَةٍ شَاقَّةٍ لِيُلَائِمَ قَوْلَهُ " إلَّا لِضَرُورَةٍ إلَخْ " وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْحَاجَةُ أَعَمُّ مِنْ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّهَا تَشْمَلُ التَّفَكُّهَ وَثِيَابَ الزِّينَةِ، فَكَيْفَ تُفَسَّرُ الضَّرُورَةُ بِذَلِكَ؟ . اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (كَنَفَاقِ) مَتَاعٍ أَيْ رَوَاجٍ يُقَالُ نَفَقَتْ السِّلْعَةُ وَالْمَرْأَةُ نَفَاقًا بِالْفَتْحِ كَثُرَ طُلَّابُهَا وَخُطَّابُهَا، وَقَوْلُهُ " (كَاسِدٍ) " أَيْ بَائِرٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهِ) كَتَلَفٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِثَالُهُمَا لِلْغِبْطَةِ إلَخْ) وَإِذَا رَهَنَ فَلَا يَرْهَنُ إلَّا مِنْ أَمِينٍ آمِنٍ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ مَالِهِ مُؤَجَّلًا لِغِبْطَةٍ مِنْ أَمِينٍ غَنِيٍّ وَبِإِشْهَادٍ وَبِأَجَلٍ قَصِيرٍ عُرْفًا وَكَوْنُ الْمَرْهُونِ وَافِيًا بِالثَّمَنِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ بَطَلَ الْبَيْعُ.
قَوْلُهُ: (مَا يُسَاوِي مِائَةً) أَيْ حَالَّةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَلَوْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ إلَّا بِرَهْنِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ تُرِكَ الشِّرَاءُ خِلَافًا لِجَمْعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ) أَيْ حَالَّةً ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ) وَاللُّزُومُ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي حَقِّهِ فَلَهُ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ) أَيْ قَبْضًا مِثْلُ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، أَيْ مِنْ النَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ وَالتَّخْلِيَةِ فِي غَيْرِهِ؛ وَفِي نُسْخَةٍ: " بِمَا مَرَّ " وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَبْضٍ وَإِذْنٍ وَإِقْبَاضٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ غَيْرُ
كَالْعَقْدِ لَا إنَابَةُ مُقْبِضٍ مِنْ رَاهِنٍ أَوْ نَائِبِهِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ.
(وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِيهِ) أَيْ الْمَرْهُونِ (مَا لَمْ يُقْبِضْهُ) الْمُرْتَهِنَ أَوْ نَائِبَهُ، وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ مِلْكًا كَهِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ لِزَوَالِ مَحِلِّ الرَّهْنِ، وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَتَقْيِيدُهُمَا بِالْقَبْضِ هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ بِدُونِ قَبْضٍ لَا يَكُونُ رُجُوعًا.
لَكِنْ نَقَلَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ رُجُوعٌ وَصَوَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ أَيْضًا بِكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَإِحْبَالٍ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْعِتْقُ وَهُوَ مُنَافٍ لِلرَّهْنِ، وَلَا يَحْصُلُ بِوَطْءٍ وَتَزْوِيجٍ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِمَا لَهُ وَلَا
[حاشية البجيرمي]
الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْعَاقِدِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ رَاهِنًا أَوْ مُرْتَهِنًا.
وَقَوْلُهُ " فِيهِ " أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَبْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْإِقْبَاضِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاهِنِ، فَالْقَبْضُ تَنَاوَلَ الْمُرْتَهِنَ وَالْإِقْبَاضُ دَفَعَ الْمَرْهُونَ لِلْمُرْتَهِنِ.
قَوْلُهُ: (لَا إنَابَةَ مُقْبِضٍ) أَيْ لَا إنَابَةَ الْمُرْتَهِنِ الْمُقْبِضَ فِي الْقَبْضِ، أَيْ إنَّ الْمُرْتَهِنَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إنَابَةُ الرَّاهِنِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ عَبْدِهِ فِي الْقَبْضِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ إنَابَةُ الرَّاهِنِ الْمُرْتَهِنَ فِي الْإِقْبَاضِ فَيَصِحُّ وَكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ لِأَنَّهُ كَالْإِقْبَاضِ.
قَوْلُهُ: (الرُّجُوعُ فِيهِ) أَيْ فِي الرَّهْنِ بِفَسْخِهِ أَوْ فِي الْمَرْهُونِ بَعْدَ فَسْخِ عَقْدِهِ.
وَسَلَكَ الشَّارِحُ الثَّانِيَ لِمُنَاسَبَةِ الضَّمِيرِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمَرْهُونِ، وَفَاعِلُ يَقْبِضُ إمَّا الرَّاهِنُ بِجَعْلِهِ مِنْ أَقْبَضَ وَهُوَ أَوْلَى، أَوْ الْمُرْتَهِنُ بِجَعْلِهِ مِنْ قَبْضَ، وَسَلَكَ الشَّارِحُ الثَّانِيَ لِيَدْخُلَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ق ل؛ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ الْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ لَا مِنْ كَلَامِ الْمَاتِنِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ أَيْ الْمَرْهُونِ الْمُنَاسِبِ أَيْ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ الْمُتَقَدِّمُ، نَعَمْ ضَمِيرُ يَقْبِضُهُ رَاجِعٌ لِلْمَرْهُونِ فَيَكُونُ فِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامٌ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُوضَةٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، أَيْ مَقْبُوضٌ مُتَعَلِّقُهَا وَهُوَ الْمَوْهُوبُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ وَهُوَ لَا يُقْبَضُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الرَّهْنِ.
قَوْلُهُ: (وَبِرَهْنٍ) أَعَادَ الْعَامِلَ إشَارَةً إلَى اسْتِقْلَالِهِ، أَيْ فَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى الْهِبَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، شَوْبَرِيٌّ؛ بَلْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِتَصَرُّفٍ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُوضٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَكُونُ رُجُوعًا) زَادَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِتَخْرِيجِ الرَّبِيعِ اهـ. وَقَوْلُهُ " لِتَخْرِيجِ الرَّبِيعِ " أَيْ عَلَى الْهِبَةِ لِلْفَرْعِ؛ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا وَهَبَهَا الْأَصْلَ لِفَرْعِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا إلَّا بِالْقَبْضِ فَجَرَى ذَلِكَ فِي نَظِيرِهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّخْرِيجِ عِنْدَهُمْ.
وَأَشَارَ ابْنُ السُّبْكِيّ إلَى ضَابِطِ التَّخْرِيجِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمُجْتَهِدِ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ عُرِفَ لَهُ قَوْلٌ فِي نَظِيرِهَا فَهُوَ قَوْلُهُ الْمُخَرَّجُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. وَحَاصِلُهُ كَمَا أَوْضَحَهُ شَارِحُهُ وَحَوَاشِيهِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فَيَنُصُّ الْمُجْتَهِدُ فِي كُلٍّ حُكْمًا غَيْرَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُخْرَى، فَيُخَرِّجُ الْأَصْحَابُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلًا آخَرَ اسْتِنْبَاطًا لَهُ مِنْ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُخْرَى.
وَهُنَا قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الرُّجُوعِ عَنْ الرَّهْنِ بِهِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِهِمَا وَلَوْ بِلَا قَبْضٍ، وَنَصَّ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ هِبَةُ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنْهَا بِهِبَةٍ أُخْرَى أَوْ رَهْنٍ إلَّا مَعَ الْقَبْضِ؛ فَخَرَّجَ الرَّبِيعُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِهِمَا إلَّا مَعَ الْقَبْضِ اسْتِنْبَاطًا مِنْ الْمَنْصُوصِ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ لِلْفَرْعِ؛ وَمُقْتَضَى الضَّابِطِ أَنَّ الرَّبِيعَ خَرَّجَ لِلشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ لِلْفَرْعِ قَوْلًا بِأَنَّهُ يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِهَا وَلَوْ بِدُونِ قَبْضٍ اسْتِنْبَاطًا مِمَّا هُنَا، فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ نَقَلَ السُّبْكِيُّ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِنَظِيرِهِ فِي الْوَصِيَّةِ اهـ، أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ: أَوْصَيْت بِهَذَا الْعَبْدِ لِزَيْدٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِعَمْرٍو فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْعَبْدَ الْمَوْهُوبَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) اعْتَمَدَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (بِكِتَابَةٍ) وَلَوْ فَاسِدَةً، حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَإِحْبَالٍ) أَيْ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ.
وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ طَرَيَانُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الرَّهْنَ، وَكُلَّ تَصَرُّفٍ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ لَا يَفْسَخُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا الرَّهْنَ وَالْهِبَةَ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ اهـ شَرْحُ م ر. قُلْتُ: اقْتِصَارُهُ عَلَى إحْبَالِهِ وَأَصْلُهُ يُخْرِجُ إحْبَالَ فَرْعِهِ.
وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ فِي مَالٍ فَرْعُهُ شُبْهَةُ الْإِعْفَافِ دُونَ عَكْسِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (بِوَطْءٍ) أَيْ وَإِنْ أَنْزَلَ أَوْ أَزَالَ الْبَكَارَةَ، سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَزْوِيجٍ) سَوَاءٌ كَانَ لِعَبْدٍ أَوْ
بِمَوْتِ عَاقِدٍ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ وَتَخَمُّرِ عَصِيرٍ وَإِبَاقِ رَقِيقٍ، وَلَيْسَ لِرَاهِنٍ مَقْبِضُ رَهْنٍ وَلَا وَطْءٌ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَحْبَلُ، وَلَا تَصَرُّفَ يُزِيلُ مِلْكًا كَوَقْفٍ أَوْ يَنْقُصُهُ كَتَزْوِيجٍ فَلَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا إعْتَاقُ مُوسِرٍ وَإِيلَادُهُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَقْتَ إعْتَاقِهِ وَإِحْبَالِهِ وَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ لِقِيَامِهَا مَقَامَهُ، وَالْوَلَدُ الْحَاصِلُ مِنْ وَطْءِ الرَّاهِنِ حُرٌّ نَسِيبٌ وَلَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ.
وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ وَالْإِيلَادُ لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا فَانْفَكَّ الرَّهْنُ نَفَذَ الْإِيلَادُ لَا الْإِعْتَاقُ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ قَوْلٌ فَإِذَا رُدَّ لَغَا،
[حاشية البجيرمي]
أَمَةٍ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَوْتِ عَاقِدٍ) مِنْ رَاهِنٍ أَوْ مُرْتَهِنٍ، أَيْ فَيَقُومُ فِي الْمَوْتِ وَرَثَةُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ مَقَامَهُمَا فِي الْقَبْضِ وَالْإِقْبَاضِ وَفِي غَيْرِهِ مَنْ يَنْظُرُ فِي حَالِ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَنْتَظِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (وَتَخَمُّرِ عَصِيرٍ) لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَبْضِهِ حَالَ التَّخَمُّرِ فَيَقْبِضُ بَعْدَ تَخَلُّلِهِ ق ل، فَإِنْ قَبَضَ حَالَ التَّخَمُّرِ اُسْتُؤْنِفَ الْقَبْضُ بَعْدَ التَّخَلُّلِ لِفَسَادِ الْقَبْضِ الْأَوَّلِ م ر وَح ل.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِرَاهِنٍ مَقْبِضُ إلَخْ) مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " مَا لَمْ يُقْبِضْهُ " أَيْ أَمَّا إذَا أَقْبَضَهُ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (رَهْنٍ) لِئَلَّا يُزَاحِمَ الْمُرْتَهِنَ.
وَهَذِهِ الْعِلَّةُ قَاصِرَةٌ عَلَى رَهْنِهِ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ: " رَهْنٍ " أَيْ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ وَلَا لَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ وَإِنْ وَفَّى أَيْ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ وَالْمَشْغُولُ لَا يُشْغَلُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَوْقَ الرَّهْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ شَغْلُ فَارِغٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا وَطْءٌ) لِخَوْفِ الْإِحْبَالِ فِيمَنْ تَحْبَلُ وَحَسْمًا لِلْبَابِ فِي غَيْرِهَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
نَعَمْ لَوْ خَافَ الزِّنَا لَوْ لَمْ يَطَأْ فَلَهُ وَطْؤُهَا فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْوَطْءِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا كَمَا قَالَهُ ح ل. وَخَرَجَ بِالْوَطْءِ بَقِيَّةُ التَّمَتُّعَاتِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَحْرُمُ.
وَجَمَعَ الشَّيْخُ يَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى مَا لَوْ خَافَ الْوَطْءَ وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا لَوْ أَمِنَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ مِنْ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (مِمَّا لَا تَحْبَلُ) الْأَوْلَى مِمَّنْ كَمَا فِي نُسْخَةِ لِأَنَّ " مَا " لِغَيْرِ الْعَاقِلِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمَةَ تُشْبِهُ غَيْرَ الْعَاقِلِ وَالْوَطْءُ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ زَوْجًا كَأَنْ اسْتَعَارَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ مِنْ سَيِّدِهَا لِيَرْهَنَهَا فَرَهَنَهَا.
وَبِهِ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا زَوْجٌ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُ لِزَوْجَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ.
قَوْلُهُ: (كَوَقْفٍ إلَخْ) نَعَمْ لَهُ قَتْلُهُ قَوَدًا وَدَفْعًا لَهُ إذَا كَانَ صَائِلًا، وَكَذَا لِنَحْوِ رِدَّةٍ إذَا كَانَ وَالِيًا اهـ م ر وأ ج.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَنْقُصُهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَالصَّادِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] . وَبِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ لِمَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهِ.
وَأَمَّا " يُنْقِصُ " بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ فَلَمْ يَثْبُتْ، وَجَاءَ " نَقَصَ " بِالتَّخْفِيفِ لَازِمًا يُقَالُ نَقَصَ الْمَالُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَنْفُذُ) فَالتَّزْوِيجُ بَاطِلٌ وَكَذَا الْإِجَارَةُ وَالدَّيْنُ حَالٌّ أَوْ يَحِلُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ الْقِيمَةَ وَيُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ مَعَ فَرَاغِهَا جَازَتْ، وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْمُرْتَهِنِ وَمَعَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (مُوسِرٍ) الْمُرَادُ يَسَارُهُ بِأَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْمَرْهُونِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، م ر ز ي وع ش.
قَوْلُهُ: (وَإِيلَادُهُ) وَإِقْدَامُ الْمُوسِرِ عَلَيْهِمَا جَائِزٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَتَكُونُ رَهْنًا إلَخْ) وَقَبْلَ الْغُرْمِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّهَا مَرْهُونَةٌ، أَيْ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا رَهْنٌ فِي الدَّوَامِ فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ رَهْنِ الدَّيْنِ لِأَنَّ مَحِلَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَعَلَى مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى قَدْرِ الْقِيمَةِ ح ل. قَوْلُهُ: (وَالْوَلَدُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ إيلَادُهُ، ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ) وَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ يَغْرَمُ أَرْشَ الْبَكَارَةِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الذَّاهِبِ وَتَكُونُ رَهْنًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا) وَيُبَاعُ عَلَى الْمُعْسِرِ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَإِنْ نَقَصَتْ بِالتَّشْقِيصِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْإِيلَادِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَرْهُونَةِ حَيْثُ يُبَاعُ كُلُّهُ رِعَايَةً لِحَقِّ الْمَالِكِ؛ لَكِنْ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ وَضْعِ وَلَدِهَا لِحَمْلِهَا بِحُرٍّ بَلْ وَبَعْدَ أَنْ تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ وَيُوجَدُ مَنْ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْهَا، فَإِنْ اسْتَغْرَقَهَا الدَّيْنُ أَوْ عَدِمَ مُشْتَرِي الْبَعْضِ بِيعَتْ كُلُّهَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي الْأُولَى وَلِلضَّرُورَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يَضُرُّ التَّفْرِيقُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فَانْفَكَّ الرَّهْنُ) أَيْ بِغَيْرِ بَيْعٍ، فَإِنْ انْفَكَّ
وَالْإِيلَادُ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَإِذَا زَالَ الْحَقُّ ثَبَتَ حُكْمُهُ.
وَلِلرَّاهِنِ انْتِفَاعٌ بِالْمَرْهُونِ لَا يَنْقُصُهُ كَرُكُوبٍ وَسُكْنَى لَا بِنَاءٌ وَغِرَاسٌ لِأَنَّهُمَا يَنْقُصَانِ قِيمَةَ الْأَرْضِ ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ بِلَا اسْتِرْدَادِ الْمَرْهُونِ انْتِفَاعٌ يُرِيدُهُ الرَّاهِنُ مِنْهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّهُ كَأَنْ يَكُونَ دَارًا يَسْكُنُهَا وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِرْدَادِ إنْ اتَّهَمَهُ وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ مِنْهُ، وَلَهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ كَمَا لِلْمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ بَعْدَ رُجُوعِهِ لَغَا تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ عَزَلَهُ مُوَكِّلُهُ.
وَعَلَى الرَّاهِنِ الْمَالِكِ مُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ كَنَفَقَةِ رَقِيقٍ وَعَلْفِ دَابَّةٍ وَأُجْرَةِ سَقْيِ أَشْجَارٍ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَهُوَ أَمَانَةٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ.
(وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ) بِمِثْلٍ وَلَا قِيمَةٍ إذَا تَلِفَ (إلَّا بِالتَّعَدِّي) بِالتَّفْرِيطِ فَيَضْمَنُهُ
[حاشية البجيرمي]
بِبَيْعٍ لَمْ يَنْفُذْ الْإِيلَادُ إلَّا إنْ مَلَكَ الْأَمَةَ بَعْدُ، فَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهَا نَفَذَ الْإِيلَادُ فِيهِ وَسَرَى النُّفُوذُ إلَى الْبَاقِي إنْ كَانَ مُوسِرًا حِينَئِذٍ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ الْمِلْكِ فَفِيهِ نَظَرٌ.
وَيَظْهَرُ النُّفُوذُ لِلْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْإِيلَادِ فِي حَقِّهِ بِمُجَرَّدِ الْإِحْبَالِ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَ لِمَانِعٍ وَقَدْ زَالَ؛ سم.
قَوْلُهُ: (وَالْإِيلَادُ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ) وَإِنَّمَا يُمْنَعُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ لِحَقِّ الْغَيْرِ، فَإِذَا زَالَ إلَخْ شَرْحُ الْمَنْهَجِ، فَفِيهِ حَذْفٌ.
قَوْلُهُ: (لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ) بِدَلِيلِ نُفُوذِهِ مِنْ السَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ، فَهُوَ أَقْوَى دُونَ إعْتَاقِهِمَا ز ي.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَالَ الْحَقُّ) وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الرَّهْنِ بِهِ، وَقَوْلُهُ " ثَبَتَ حُكْمُهُ " أَيْ الْإِيلَادِ وَهُوَ صَيْرُورَتُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَعَدَمُ صِحَّةِ نَحْوِ بَيْعِهَا، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلِلرَّاهِنِ انْتِفَاعٌ) فَإِنْ تَلِفَ بِالِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ يَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، فَإِنْ ادَّعَى رَدَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ نَظِيرَ عَكْسِهِ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (لَا بِنَاءٌ وَغِرَاسٌ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا تَصَرُّفٌ إلَخْ.
وَهُوَ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلَى انْتِفَاعٍ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِثْنَاءَ بِنَاءٍ خَفِيفٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِاللَّبِنِ كَمِظَلَّةِ النَّاظُورِ؛ لِأَنَّهُ يُزَالُ عَنْ قُرْبٍ كَالزَّرْعِ وَلَا تَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ وَلَهُ زَرْعُ مَا يُدْرَكُ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ أَوْ مَعَهُ وَلَمْ تَنْقُصْ بِهِ قِيمَةُ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا يُنْقِصَانِ قِيمَةَ الْأَرْضِ) أَيْ إذَا بِيعَتْ فِي الدَّيْنِ لِأَنَّهَا تُبَاعُ خَالِيَةً عَنْهُمَا.
مَعَ شَغْلِهَا بِهِمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِيمَتَهَا وَحْدَهَا مَعَ اشْتِغَالِهَا بِهِمَا أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا خَالِيَةً عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ بِلَا اسْتِرْدَادٍ) كَأَنْ يَكُونَ عَبْدًا يَخِيطُ وَأَرَادَ مِنْهُ الْخِيَاطَةَ.
وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّهُ كَأَنْ يَكُونَ دَارًا يَسْكُنُهَا " أَوْ عَبْدًا يَخْدُمُهُ أَوْ دَابَّةً يَرْكَبُهَا أَيْ لِغَيْرِ سَفَرٍ وَإِنْ قَصَرَ، وَيَرُدُّ الدَّابَّةَ وَالْعَبْدَ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَيْلًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ وح ل.
قَوْلُهُ: (وَيَشْهَدُ) أَيْ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ وَلَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ م ر. وَعِبَارَةُ س ل: وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ أَيْ يُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُشْتَهَرْ عَدَالَتُهُ، أَمَّا مَشْهُورُ الْخِيَانَةِ فَلَا يُسَلَّمُ لَهُ أَصْلًا وَإِنْ أَشْهَدَ.
قَوْلُهُ: (بِالِاسْتِرْدَادِ) وَشَرْطُ اسْتِرْدَادِ الْأَمَةِ أَمْنُ وَطْئِهَا لِكَوْنِهَا مَحْرَمًا لَهُ أَوْ كَوْنِهِ ثِقَةً وَلَهُ أَهْلٌ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ تَصَرُّفٍ وَانْتِفَاعٍ فَيَحِلُّ الْوَطْءُ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَحْبَلَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ نَفَذَتْ وَبَطَلَ الرَّهْنُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَإِنْ رَدَّ الْإِذْنَ لَمْ يَرْتَدَّ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ.
وَفَارَقَتْ الْوَكَالَةُ بِأَنَّهَا عَقْدٌ س ل.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ تَصَرُّفِ) وَكَذَا مَعَهُ عَلَى الْأَوْجَهِ لِبَقَاءِ حَقِّهِ،.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَصَرَّفَ) وَلَوْ جَاهِلًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ رُجُوعِهِ) أَيْ بِغَيْرِ إعْتَاقٍ وَإِيلَادٍ مِنْ الْمُوسِرِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الرَّاهِنِ الْمَالِكِ إلَخْ) خَرَجَ مُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ الْمُسْتَعَارِ فَإِنَّهَا عَلَى مَالِكِهِ لَا عَلَى الرَّاهِنِ م ر.
قَوْلُ: (وَلَا يَضْمَنُهُ) أَيْ لَا قَبْلَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ وَلَا بَعْدَهَا.
وَلَوْ اسْتَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ، وَلَوْ ارْتَهَنَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَضْمَنَهُ فَسَدَ الرَّهْنُ وَلَا ضَمَانَ إذْ فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ؛ سم.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِالتَّعَدِّي) أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ رَدِّهِ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ.
وَمِنْ التَّعَدِّي رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا وَاسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ
حِينَئِذٍ لِخُرُوجِ يَدِهِ عَنْ الْأَمَانَةِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ضَابِطٌ: كُلُّ أَمِينٍ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إلَّا الْمُرْتَهِنَ وَالْمُسْتَأْجِرَ.
(وَإِذَا قَضَى) بِمَعْنَى أَدَّى، الرَّاهِنُ (بَعْضَ الْحَقِّ) أَيْ الدَّيْنِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الرَّهْنُ (لَمْ يَخْرُجْ) أَيْ لَمْ يَنْفَكَّ (شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ) أَيْ يُؤَدِّيَ (جَمِيعَهُ) لِتَعَلُّقِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ كَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَيَنْفَكُّ أَيْضًا بِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ بِدُونِ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ.
وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِآخَرَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الْعَقْدِ.
وَلَوْ رَهَنَاهُ بِدَيْنٍ فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا مِمَّا عَلَيْهِ انْفَكَّ نَصِيبُهُ لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الْعَاقِدِ.
وَلَوْ رَهَنَهُ عِنْدَ اثْنَيْنِ فَبَرِئَ مِنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ لِتَعَدُّدِ مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ.
فُرُوعٌ: لَوْ رَهَنَ شَخْصٌ آخَرَ عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا لَهُ كَانَ مَرْهُونًا عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا لَوْ سَلَّمَهُمَا
[حاشية البجيرمي]
م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: " فَلَا " بِالْفَاءِ وَهِيَ أَحْسَنُ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَيَسْقُطُ بِتَلَفِهِ قَدْرُهُ مِنْ الدَّيْنِ،.
اهـ. ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ) وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأُمَنَاءِ، وَكَذَا كُلُّ ضَامِنٍ كَالْغَاصِبِ؛ لَكِنْ الْأَمِينُ يُصَدَّقُ وَلَا يَضْمَنُ، وَالْغَاصِبُ يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ الْبَدَلَ.
قَوْلُهُ: (فِي دَعْوَى التَّلَفِ) أَيْ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ سَبَبًا، أَوْ ذَكَرَ سَبَبًا خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ، أَوْ سَبَبًا ظَاهِرًا كَحَرِيقٍ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ أَوْ عُرِفَ هُوَ وَعُمُومُهُ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، فَإِنْ ادَّعَى سَبَبًا ظَاهِرًا لَمْ يُعْرَفْ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى السَّبَبِ وَيَمِينٍ عَلَى التَّلَفِ، فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْوَدِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ أَمِينٍ) خَرَجَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَامُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْمُرْتَهِنَ وَالْمُسْتَأْجِرَ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأُمَنَاءِ أَنَّهُمَا يَقْبِضَانِ الْعَيْنَ لِغَرَضِ أَنْفُسِهِمَا، الْمُرْتَهِنُ لِلتَّوَثُّقِ وَالْمُسْتَأْجِرُ لِلِانْتِفَاعِ بِالْمُؤَجَّرِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَكَانَا كَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ.
اهـ. م د. بِخِلَافِ الْأَجِيرِ كَالْخَيَّاطِ وَالطَّحَّانِ وَالصَّبَّاغِ، فَإِنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ بِيَمِينِهِمْ لِدُخُولِهِمْ فِي الْقَاعِدَةِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى أَدَّى) فَالْقَضَاءُ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الرَّهْنُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ الدَّيْنُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ لَا الْعَكْسُ، فَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ قَلْبًا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ) أَيْ الَّذِي فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَلَّذِي لَمْ يَتَعَدَّدْ فِيهِ الرَّاهِنُ وَلَا الْمُرْتَهِنُ ابْتِدَاءً، أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ) لَوْ قَالَ " لِتَعَلُّقِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ بِجَمِيعِ الرَّهْنِ " لَكَانَ أَوْضَحَ، مَرْحُومِيٌّ؛ فَالْعِبَارَةُ فِيهَا قَلْبٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْفَكُّ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَنْفَكُّ بِقَضَاءِ جَمِيعِ الْحَقِّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ) أَيْ لِلْمُرْتَهِنِ، فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اتَّحَدَتْ الصَّفْقَةُ وَفِيمَا إذَا كَانَ الرَّاهِنُ وَاحِدًا وَالْمُرْتَهِنُ وَاحِدًا فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلْمَتْنِ، أَوْ هَذِهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ كَلَامِ الْمَتْنِ.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ: وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ مُرْتَهِنٍ وَبِبَرَاءَةٍ مِنْ الدَّيْنِ لَا بَعْضِهِ، فَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ إلَّا إنْ تَعَدَّدَ عَقْدٌ أَوْ مُسْتَحِقٌّ أَوْ مَدِينٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَهَنَاهُ) أَيْ الْعَبْدَ
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ ثَلَاثَةٌ.
وَهَذِهِ الْفُرُوعُ مِنْ مَعْنَى الْمَتْنِ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ مَا أَصْلُهُ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَصِيرُ صَفْقَتَيْنِ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ فِي الدَّوَامِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ، وَالْفَرْعَانِ الْأَخِيرَانِ دَاخِلَانِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الْحَقِّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (آخَرَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ، أَيْ شَخْصًا آخَرَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ مَرْهُونًا عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ) لَا عَلَى نِصْفِهِ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ رَهْنٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ سَلَّمَهُمَا) هَذِهِ نُسْخَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَهُنَاكَ نُسْخَةٌ " سَلَّمَهُمَاهُ " فَضَمِيرُ الْمُثَنَّى رَاجِعٌ لِلْعَبْدَيْنِ،
وَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ عَنْ وَرَثَةٍ فَفَدَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ لَمْ يَنْفَكَّ كَمَا فِي الْمُوَرِّثِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ عَنْ وَرَثَةٍ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَنْفَكَّ نَصِيبُهُ كَمَا لَوْ وَفَّى مُوَرِّثُهُ بَعْضَ دَيْنِهِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ أَوْ فِي قَدْرِهِ صُدِّقَ الرَّاهِنُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ الْمُرْتَهِنُ هَذَا إنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ، أَمَّا الرَّهْنُ الْمَشْرُوطُ فِي بَيْعٍ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي اشْتِرَاطِهِ فِيهِ أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ غَيْرَ الْأُولَى فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ كَسَائِرِ صُوَرِ الْبَيْعِ إذَا اخْتَلَفَا فِيهَا، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبْدَهُمَا بِمِائَةٍ وَأَقْبَضَاهُ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، فَنَصِيبُهُ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ وَحَلَفَ الْمُكَذِّبُ لِمَا مَرَّ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدَّقِ عَلَيْهِ لِخُلُوِّهَا عَنْ التُّهْمَةِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَرْهُونِ وَهُوَ بِيَدِ رَاهِنٍ أَوْ مُرْتَهِنٍ وَقَالَ الرَّاهِنُ: غَصَبْته أَوْ أَقَبَضْته عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى كَإِعَارَةٍ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ مَثَلًا بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وَقَالَ: أَدَّيْته عَنْ أَلْفِ الرَّهْنِ، صُدِّقَ
[حاشية البجيرمي]
وَالْمُفْرَدُ الَّذِي بَعْدَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَهُمَا ضَمِيرَا غَيْبَةٍ، فَكَانَ الْوَاجِبُ الْفَصْلَ فِي الثَّانِي بِأَنْ يَقُولَ: سَلَّمَهُمَا إيَّاهُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ الْوَصْلُ عِنْدَ اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ كَمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَفِي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ الْزَمْ فَصْلَا ... وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبَ فِيهِ وَصْلَا
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَاتَ إلَخْ) هَذَا وَمَا بَعْدَهُ شَمِلَهُمَا قَوْلُ الْمَتْنِ: وَإِذَا قُضِيَ بَعْضُ الْحَقِّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَفَدَى إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ " فَوَفَّى " وَهِيَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (لَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ) تَسْمِيَتُهُمَا رَاهِنًا وَمُرْتَهِنًا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِحَسَبِ الدَّعْوَى.
اهـ. ق ل، وَإِلَّا فَالرَّاهِنُ يُنْكِرُ الرَّهْنَ؛ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ رَاهِنٌ بِالنَّظَرِ لِزَعْمِ الْمُرْتَهِنِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَصْلِ الرَّهْنِ) كَأَنْ قَالَ: رَهَنْتنِي كَذَا، فَأَنْكَرَ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ فِي قَدْرِهِ " أَيْ الرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ، كَأَنْ قَالَ: رَهَنْتنِي الْأَرْضَ بِشَجَرِهَا، فَقَالَ: بَلْ وَحْدَهَا.
زَادَ فِي الْمَنْهَجِ: أَوْ عَيَّنَهُ كَهَذَا الْعَبْدِ، فَقَالَ: بَلْ الثَّوْبُ، أَوْ: قُدِّرَ مَرْهُونٌ بِهِ كَبِأَلْفَيْنِ، فَقَالَ: بَلْ أَلْفٌ،.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (الْمَالِكُ) لَيْسَ قَيْدًا أَوْ الْمُرَادُ بِهِ وَاضِعُ الْيَدِ فَيَشْمَلُ الْمُسْتَعِيرَ لِلرَّهْنِ اهـ د م. قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ تَصْدِيقُ الرَّاهِنِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ) أَيْ لَمْ يُشْرَطْ فِي بَيْعٍ أَخْذًا مِنْ الْمُقَابَلَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الرَّهْنُ الْمَشْرُوطُ فِي بَيْعٍ) كَأَنْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَ عَلَيْهِ عَبْدَك.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي اشْتِرَاطِهِ) أَيْ الرَّهْنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أَيْ الِاشْتِرَاطِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الْأُولَى غَيْرُ الْقَدْرِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَاخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ.
نَعَمْ هَذَا التَّعْبِيرُ يُنَاسِبُ كَلَامَ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفَا فِي رَهْنِ تَبَرُّعٍ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ قَدْرِ مَرْهُونٍ بِهِ حَلَفَ رَاهِنٌ، فَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَرَى عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لَا أَنَّ ذَاكَ ذَكَرَ جُمْلَةَ مَسَائِلَ كَمَا عَرَفْت.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ الْأَوْلَى) أَمَّا الْأَوْلَى وَهِيَ اخْتِلَافُهُمَا فِي أَصْلِ الرَّهْنِ بِأَنْ اتَّفَقَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي إيجَادِ الرَّهْنِ وَالْوَفَاءِ بِهِ بِأَنْ ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ أَيْ قَالَ: وَفَّيْت بِالشَّرْطِ؛ وَأَنْكَرَهُ الرَّاهِنُ، أَيْ قَالَ: لَمْ أَعْقِدْ الرَّهْنَ وَلَمْ أُوفِ بِالِاشْتِرَاطِ، لِيَأْخُذَ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ غَصْبًا أَوْ إعَارَةً، فَلَا تَخَالُفَ فِيهَا بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ الْبَيْعِ إنْ لَمْ يَرْهَنْ الْمَشْرُوطَ رَهْنُهُ، ز ي. قَوْلُهُ: (فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " فِي شَيْءٍ " وَإِذَا تَحَالَفَا يَفْسَخَانِهِ أَيْ عَقْدَ الرَّهْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ الْحَاكِمُ كَمَا فِي بَابِ التَّحَالُفِ فِي الْبَيْعِ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ الْمُرْتَهِنُ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدَّقِ إلَخْ) شَهِدَ مَعَهُ آخَرُ أَوْ حَلَفَ الْمُدَّعِي ثَبَتَ رَهْنُ الْجَمِيعِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّاهِنُ إلَخْ) يَرْجِعُ لِلثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ " أَوْ مُرْتَهِنٌ " بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَوَافَقَهُ الرَّاهِنُ عَلَى إذْنِهِ لَهُ فِي قَبْضِهِ عَنْهُ، لَكِنَّهُ قَالَ: إنَّك لَمْ تَقْبِضْهُ عَنْ الرَّهْنِ أَوْ رَجَعْت عَنْ الْإِذْنِ، فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ.
قَوْلُهُ: (كَإِعَارَةٍ) أَيْ وَإِجَارَةٍ وَإِيدَاعٍ.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ) أَيْ
بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَكَيْفِيَّةِ أَدَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ مِنْهَا
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ كَمَرْهُونٍ وَلَا يَمْنَعُ التَّعَلُّقُ إرْثًا فَلَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ، وَلِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَالدَّيْنِ، وَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ
[حاشية البجيرمي]
الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِ الرَّهْنِ وَعَدَمُ إذْنِهِ فِي الْقَبْضِ عَنْ الرَّهْنِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ اقْتَرَضَ شَيْئًا وَنَظَرَ أَنَّ لِلْمُقْرِضِ كَذَا مَا دَامَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ ثُمَّ دَفَعَ لَهُ قَدْرًا يَفِي بِجَمِيعِ الْمَالِ وَقَالَ: قَصَدْت بِهِ الْأَصْلَ، فَيُصَدَّقُ وَلَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ ع ش. قَوْلُهُ: (جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ مِنْهُمَا) كَمَا فِي زَكَاةِ الْمَالَيْنِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، فَإِنْ جَعَلَهُ عَنْهُمَا قَسَّطَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ لَا بِالْقِسْطِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) هَذَا شُرُوعٌ فِي الرَّهْنِ الشَّرْعِيِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الرَّهْنِ الْجَعْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) أَيْ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ غَيْرُهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْآدَمِيِّ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَعَلَيْهِ دَيْنٌ " أَيْ غَيْرِ لُقَطَةٍ تَمَلَّكَهَا وَتَلِفَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لِتَعَلُّقِهِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ لَا يَظْهَرُ فَيَلْزَمُ دَوَامُ الْحَجْرِ لَا إلَى غَايَةٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا مِنْ جُمْلَةِ كَسْبِهِ، بِخِلَافِ دَيْنِ مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِانْتِقَالِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ مُضِيِّ الْعُمُرِ الْغَالِبِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ انْتِظَامُهُ، فَيُدْفَعُ لِإِمَامٍ عَادِلٍ فَقَاضٍ أَمِينٍ فَثِقَةٍ وَلَوْ مِنْ الْوَرَثَةِ يَصْرِفُهُ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مَصَارِفِهِ.
وَشَمِلَ الدَّيْنُ مَا بِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ، وَشَمِلَ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ الْحَجُّ، فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يُتِمَّ الْحَجَّ، وَلَا يَكْفِي الِاسْتِئْجَارُ وَدَفْعُ الْأُجْرَةِ.
وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثٍ سَقَطَ مِنْهَا بِقَدْرِهِ أَيْ فَيَكُونُ لِلْوَارِثِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الرَّهْنُ الشَّرْعِيُّ،.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَقَوْلُهُ " مَا بِهِ رَهْنٌ " أَيْ وَيَكُونُ لَهُ تَعَلُّقَانِ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ وَتَعَلُّقٌ عَامٌّ، وَفَائِدَةُ الثَّانِي أَنَّ الرَّهْنَ إذَا لَمْ يَفِ بِهِ أَيْ بِالدَّيْنِ يُزَاحِمُ بِمَا بَقِيَ لَهُ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ كَمَرْهُونٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ لِلْمَيِّتِ وَأَقْرَبُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرِ إعْتَاقِهِ وَإِيلَادِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا كَالْمَرْهُونِ سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْوَارِثُ الدَّيْنَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْحُقُوقِ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ أَيْ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ " فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ " ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ الدَّيْنُ وَكَثُرَتْ التَّرِكَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِتَرِكَتِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَرْهُونِ مِنْهَا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ فَإِنْ انْفَكَّ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (كَمَرْهُونٍ) أَيْ كَتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالْمَرْهُونِ، فَتَكُونُ التَّرِكَةُ كَالْمَرْهُونِ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الدَّيْنَ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ التَّرِكَةِ فَوَفَّى الْوَارِثُ قَدْرَهَا فَقَطْ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ الرَّهْنِيَّةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا عَنَانِيٌّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ التَّعَلُّقِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ التَّعَلُّقُ إرْثًا) بِدَلِيلِ نُفُوذِ إعْتَاقِ الْوَارِثِ الْمُوسِرِ وَإِيلَادِهِ وَتَقْدِيمِ الدَّيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11] لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى قِسْمَةِ التَّرِكَةِ لَا عَلَى الْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ) أَيْ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ كَوَلَدٍ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَثَمَرٍ وَمَهْرٍ وَكَسْبٍ فَهِيَ لِلْوَارِثِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ مَاتَ عَنْ زَرْعٍ أَخْضَرَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْ الزَّرْعِ وَقْت الْمَوْتِ، وَمَا زَادَ حَتَّى السَّنَابِلَ فَهِيَ لِلْوَارِثِ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا إلَخْ) حَتَّى لَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِنْ التَّرِكَةِ وَقَالَ الْوَارِثُ: آخُذُهَا بِقِيمَتِهَا، وَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَهَا لِتَوَقُّعِ زِيَادَةِ رَاغِبٍ أُجِيبَ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْقِيمَةِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ " وَلِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا إلَخْ " نَعَمْ لَوْ وَصَّى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا بَعْدَ بَيْعِهَا أَوْ مِنْ عَيْنِهَا أَوْ بِدَفْعِهَا بَدَلًا عَنْهُ أَوْ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا وَالْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِهَا اهـ ق ل وَح ل. قَالَ ع ش: فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَإِنْ أَثِمَ بِإِمْسَاكِهَا لِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ بِمَا بَذَلَهُ الْوَارِثُ وَوُصُولُهُ إلَى حَقِّهِ مِنْ الدَّيْنِ وَيُحْتَمَلُ فَسَادُ الْقَبْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِهِ غَرَضَ الْمُوَرِّثِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
وَكَذَا لَوْ اشْتَمَلَتْ
وَلَا دَيْنَ فَظَهَرَ دَيْنٌ بِنَحْوِ رَدِّ مَبِيعٍ بِعَيْبٍ تَلِفَ ثَمَنُهُ.
وَلَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ فُسِخَ التَّصَرُّفُ لِأَنَّهُ كَانَ سَائِغًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ.
فَصْلٌ: فِي الْحَجْرِ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَشَرْعًا الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] الْآيَةَ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: 282] الْآيَةَ (وَالْحَجْرُ) يُضْرَبُ (عَلَى) جَمَاعَةٍ
[حاشية البجيرمي]
التَّرِكَةُ عَلَى جِنْسِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ إمْسَاكُهَا وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْأَخْذِ،.
اهـ. ز ي بِالْمَعْنَى.
أَقُولُ: يُتَأَمَّلُ وَجْهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ اسْتِقْلَالِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِأَخْذِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَا يَقْتَضِي مَنْعَ الْوَارِثِ مِنْ أَخْذِ التَّرِكَةِ وَدَفْعِ جِنْسِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا تَعَلُّقَ رَهْنٍ وَالرَّاهِنُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ الدَّيْنِ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ، اهـ. ثُمَّ رَأَيْته فِي حَجّ.
فَرْعٌ: لَوْ طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بَيْعَ مَالٍ مَخْصُوصٍ مِنْ أَمْوَالِ الْمَدِينِ الْمُمْتَنِعِ لَمْ يَتَعَيَّنْ إجَابَتُهُ وَلِلْقَاضِي بَيْعُ غَيْرِهِ
بِالْمَصْلَحَةِ
، وَكَذَا لَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَ الْمَرْهُونِ لِلْقَاضِي بِيعَ غَيْرُهُ مِنْ أَمْوَالِ الرَّاهِنِ
بِالْمَصْلَحَةِ
، اهـ م ر سم عَنْ الْعُبَابِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَظَهَرَ دَيْنٌ) الصَّوَابُ: " فَطَرَأَ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا ثُمَّ ظَهَرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ خَفِيًّا ثُمَّ ظَهَرَ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ التَّصَرُّفِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَعِبَارَتُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَ ثَمَّ دَيْنٌ خَفِيٌّ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ فَاسِدًا تَكُونُ فَوَائِدُ الْمَبِيعِ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا ثُمَّ فُسِخَ تَكُونُ فَوَائِدُهُ قَبْلَ الْفَسْخِ لِلْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ رَدِّ مَبِيعٍ) وَكَأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي حَيَاتِهِ عُدْوَانًا ثُمَّ تَرَدَّى فِيهَا شَخْصٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا عَاقِلَةَ، فَإِنَّ الدِّيَةَ دَيْنٌ عَلَى التَّرِكَةِ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهِ) كَحَوَالَةٍ.
قَوْلُهُ: (فُسِخَ التَّصَرُّفُ) . أَيْ فَسَخَهُ الْحَاكِمُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَسَادُهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ كَانَ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فُسِخَ التَّصَرُّفُ الْمُقْتَضِي صِحَّتَهُ، أَيْ فَلَمْ يَكُنْ التَّصَرُّفُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ كَانَ سَائِغًا لَهُ ظَاهِرًا.
وَجَعَلَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ " فُسِخَ ": فَعُلِمَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ " فُسِخَ " أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَسَادُهُ لِأَنَّهُ كَانَ جَائِزًا لَهُ ظَاهِرًا، وَقَوْلُهُ " لَمْ يَتَبَيَّنْ فَسَادُهُ " وَحِينَئِذٍ فَالزَّوَائِدُ قَبْلَ طُرُوُّ الدَّيْنِ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الظَّاهِرِ) أَيْ وَفِي الْبَاطِنِ كَمَا قَالَهُ حَجّ، فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: لِأَنَّهُ كَانَ سَائِغًا لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
[فَصْلٌ فِي الْحَجْرِ]
ِ ذَكَرَهُ بَعْدَ الرَّهْنِ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ كَمَا يَأْتِي.
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ أَقْسَامَ الْحَجْرِ فِي قَوْلِهِ:
ثَمَانِيَةٌ لَا يَشْمَلُ الْحَجْرُ غَيْرَهُمْ ... تَضَمَّنَهُمْ بَيْتٌ وَفِيهِ مَحَاسِنُ
صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ سَفِيهٌ وَمُفْلِسُ ... رَقِيقٌ وَمُرْتَدٌّ مَرِيضٌ وَرَاهِنُ
قَوْلُهُ (مِنْ التَّصَرُّفَاتِ) أَيْ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا كَالْمُفْلِسِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا.
. . إلَخْ) فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ
الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا (سِتَّةٌ) وَالْحَجْرُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَنَوْعٌ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْغَيْرِ.
فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ الَّذِي شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ يُضْرَبُ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَقَطْ: الْأَوَّلُ الْحَجْرُ عَلَى (الصَّبِيِّ) أَيْ الصَّغِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ مُمَيِّزًا إلَى بُلُوغِهِ، فَيَنْفَكُّ بِلَا قَاضٍ لِأَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِلَا قَاضٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ زَوَالُهُ عَلَى فَكِّ قَاضٍ.
وَعَبَّرَ فِي الْمِنْهَاجِ كَكَثِيرٍ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا.
قَالَ الشَّيْخَانِ: وَلَيْسَ اخْتِلَافًا بَلْ مَنْ عَبَّرَ بِالثَّانِي أَرَادَ الْإِطْلَاقَ الْكُلِّيَّ، وَمَنْ عَبَّرَ بِالْأَوَّلِ أَرَادَ حَجْرَ الصِّبَا، وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الصِّبَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالْحَجْرِ وَكَذَا التَّبْذِيرُ وَأَحْكَامُهُمَا مُتَغَايِرَةٌ.
(وَ) الثَّانِي: الْحَجْرُ عَلَى (الْمَجْنُونِ) إلَى إفَاقَتِهِ مِنْهُ فَيَنْفَكُّ بِلَا فَكِّ قَاضٍ كَمَا مَرَّ فِي الصَّبِيِّ.
(وَ) الثَّالِثُ الْحَجْرُ عَلَى الْبَالِغِ (السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ لِمَالِهِ) كَأَنْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ يُضَيِّعَهُ بِاحْتِمَالِ غَبْنٍ فَاحِشٍ فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ يَصْرِفَهُ فِي مُحَرَّمٍ، لَا فِي خَيْرٍ كَصَدَقَةٍ، وَلَا فِي نَحْوِ مَطَاعِمَ، وَمَلَابِسَ وَشِرَاءِ إمَاءٍ كَثِيرَةٍ لِلتَّمَتُّعِ وَإِنْ لَمْ تَلِقْ بِحَالِهِ لِأَنَّ الْمَالَ يُتَّخَذُ لِيُنْتَفَعَ وَيُلْتَذَّ بِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ كَذَلِكَ.
نَعَمْ إنْ صَرَفَهُ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِرَاضِ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوَفِّيهِ بِهِ فَحَرَامٌ.
[حاشية البجيرمي]
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - السَّفِيهَ بِالْمُبَذِّرِ وَالضَّعِيفَ بِالصَّبِيِّ وَبِالْكَبِيرِ الْمُخْتَلِّ وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ بِالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ تَنُوبُ عَنْهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِمْ.
وَالْإِمْلَالُ بِمَعْنَى الْإِلْقَاءِ عَلَى الْكَاتِبِ مَا يَكْتُبُهُ وَفِعْلُهُ أَمْلَلْت، ثُمَّ أُبْدِلَ أَحَدُ الْمُضَاعَفَيْنِ يَاءً وَتَبِعَهُ الْمَصْدَرُ وَأُبْدِلَتْ هَمْزَةً لِتَطَرُّفِهَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ،.
اهـ. شِهَابٌ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ.
وَأَقُولُ: هَذَا التَّصْرِيفُ لَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الْإِمْلَالَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْإِمْلَاءَ لُغَةُ تَمِيمٍ؛ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ: وَالْإِمْلَالُ وَالْإِمْلَاءُ وَاحِدٌ اهـ. فَكَيْفَ يَرْجِعُ أَحَدُ اللُّغَتَيْنِ لِلْأُخْرَى مَعَ أَنَّ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ الْإِتْيَانُ بِاللَّامَيْنِ بِلَا إبْدَالٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يُمِلَّ﴾ [البقرة: 282] ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ [البقرة: 282] فَيَكُونُ الْقُرْآنُ جَارِيًا عَلَى لُغَةِ الْحِجَازِيِّينَ؟ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (يَضْرِبُ) لَوْ أَبْدَلَهُ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي بِنَحْوِ " يَتَعَلَّقُ " أَوْ " يُوجَدُ " لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، إذْ لَا ضَرْبَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ق ل. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ غَلَبَ مَا فِيهِ ضَرْبٌ عَلَى مَا لَا ضَرْبَ فِيهِ أج.
قَوْلُهُ: (الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا سِتَّةٌ) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ اللَّفْظِيِّ، وَهُوَ مَعِيبٌ.
قَوْلُهُ: (أَرَادَ الْإِطْلَاقَ) أَيْ الِانْفِكَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَحْكَامُهُمَا مُتَغَايِرَةٌ) لِأَنَّ السَّفِيهَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّدْبِيرُ وَقَبُولُ الْهِبَةِ لِبَعْضِهِ وَالْوَصِيَّةُ وَالصُّلْحُ عَنْ قِصَاصٍ وَلَوْ بِزَائِدٍ عَلَى الدِّيَةِ وَالْعَفْوُ عَنْ قِصَاصٍ لَهُ وَالنِّكَاحُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَالطَّلَاقُ وَالْخُلْعُ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ؛ شَوْبَرِيٌّ وع ش. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ، أَيْ السَّفِيهِ بِمُوجَبِ عُقُوبَةٍ كَحَدٍّ وَقَوَدٍ وَتَصِحُّ عِبَادَتُهُ بَدَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَالِيَّةً وَاجِبَةً؛ لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا بِلَا إذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ وَلَا تَعْيِينٍ مِنْهُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُبَذِّرِ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا وَحَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، أَوْ بَلَغَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ وَدِينِهِ.
وَهَذَا الثَّانِي مَحْجُورٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَالْأَوَّلُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ حِسًّا وَشَرْعًا، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ وَدِينِهِ ثُمَّ بَذَّرَ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي فَهُوَ غَيْرُ رَشِيدٍ أَيْضًا لَكِنْ تَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ وَيُقَالُ لَهُ سَفِيهٌ مُهْمِلٌ.
أَمَّا مَنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ بِاخْتِلَالِ إصْلَاحِ الدِّينِ أَوْ الْمَالِ فَإِنَّ وَلِيَّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ فَيَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ مَنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِمَفْهُومِ آيَةِ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] وَالْإِينَاسُ هُوَ الْعِلْمُ،.
اهـ. ش مَنْهَجٌ.
قَوْلُهُ: (بِاحْتِمَالِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ.
قَوْلُهُ: (غَبْنٍ فَاحِشٍ) وَهُوَ مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ؛ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ كَبَيْعِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً بِتِسْعَةٍ أَيْ: عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَا دَنَانِيرَ.
وَمَحِلُّ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ عِنْدَ جَهْلِهِ بِحَالِ الْمُعَامَلَةِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَأَعْطَى أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا كَانَ الزَّائِدُ صَدَقَةً خَفِيَّةً مَحْمُودَةً، شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ يَصْرِفُهُ فِي مُحَرَّمٍ) وَلَوْ صَغِيرَةً لِمَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّتُهُ) أَيْ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " لِأَنَّ الْمَالَ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (فَحَرَامٌ) مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَعْرِضْ الْمُقْرِضُ بِحَالِهِ، فَإِنْ
(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي الَّذِي شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْغَيْرِ يُضْرَبُ عَلَى (الْمُفْلِسِ) وَهُوَ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ الدُّيُونُ الْحَالَّةُ اللَّازِمَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى مَالِهِ إذَا كَانَتْ لِآدَمِيٍّ، فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وُجُوبًا فِي مَالِهِ إنْ اسْتَقَلَّ، أَوْ عَلَى وَلِيِّهِ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ إنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِطَلَبِهِ أَوْ بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ وَلَوْ بِنُوَّابِهِمْ كَأَوْلِيَائِهِمْ، فَلَا حَجْرَ بِالْمُؤَجَّلِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْحَالِ.
وَإِذَا حَجَرَ بِحَالٍّ لَمْ يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ لِأَنَّ الْأَجَلَ مَقْصُودٌ لَهُ.
فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ جُنَّ الْمَدْيُونُ لَمْ يَحِلَّ دَيْنُهُ وَمَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ مِنْ تَصْحِيحِ الْحُلُولِ بِهِ نُسِبَ فِيهِ إلَى السَّهْوِ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْمَوْتِ أَوْ الرِّدَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ اسْتِرْقَاقِ الْحَرْبِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَلَا بِدَيْنٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَنُجُومِ كِتَابَةٍ لِتَمَكُّنِ الْمَدْيُونِ مِنْ إسْقَاطِهِ، وَلَا بِدَيْنٍ مُسَاوٍ لِمَالِهِ أَوْ نَاقِصٍ عَنْهُ، وَلَا بِدَيْنٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ فَوْرِيًّا كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ مَالُهُ الْعَيْنِيُّ أَوْ الدَّيْنِيُّ الَّذِي يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا.
وَيُبَاعُ فِي الدُّيُونِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ وَمَرْكُوبُهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ أَوْ مَرْكُوبٍ لِزَمَانَتِهِ أَوْ مَنْصِبِهِ لِأَنَّ تَحْصِيلَهَا بِالْكِرَاءِ أَسْهَلُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتُرِكَ لَهُ دِسْتُ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ وَهُوَ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَمِنْدِيلُ وَمُكَعَّبٌ، وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً أَوْ فَرْوَةً.
وَلَا
[حاشية البجيرمي]
كَانَ عَالِمًا فَلَا حُرْمَةَ ع ش.
قَوْلُهُ: (الْمُفْلِسِ) هُوَ لُغَةً مَنْ صَارَ مَالُهُ فُلُوسًا ثُمَّ كُنِّيَ بِهِ عَنْ قِلَّةِ الْمَالِ وَعَدَمِهِ، وَشَرْعًا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمُفْلِسُ فِي الْآخِرَةِ مَنْ تُعْطَى حَسَنَاتُهُ لِخُصَمَائِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
فَائِدَةٌ: قِيلَ الْغُرَمَاءُ يَتَعَلَّقُونَ بِحَسَنَاتِ الْمُفْلِسِ مَا عَدَا الْإِيمَانَ كَمَا يُتْرَكُ فِي الدُّنْيَا دِسْتُ ثَوْبٍ.
وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا تَوْقِيفِيٌّ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ وَقِيلَ مَا عَدَا الصَّوْمَ لِخَبَرِ: «الصَّوْمُ لِي» وَيَرُدُّهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ يَتَعَلَّقُونَ حَتَّى بِالصَّوْمِ اهـ حَجّ.
قَوْلُهُ: (الْحَالَّةُ) الْقُيُودُ أَرْبَعَةٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيُمَوِّنُ الْقَاضِي مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ مُمَوِّنَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَزَوْجَاتِهِ اللَّاتِي نَكَحَهُنَّ قَبْلَ الْحَجْرِ وَمَمَالِيكِهِ كَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَأَقَارِبِهِ وَإِنْ حَدَثُوا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي مَالِ مُوَلِّيهِ) فَإِنْ قُلْت: مُوَلِّيهِ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فَمِنْ أَيْنَ لَزِمَهُ الدَّيْنُ؟ وَيُصَوَّرُ بِدَيْنِ الْإِتْلَافِ ع ش.
قَوْلُهُ: (بِطَلَبِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ " وَالْحَاجِرُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَحْوُ مَنَعْتُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ أَوْ حَجَرْت عَلَيْهِ فِيهَا أَوْ أَبْطَلْت تَصَرُّفَاتِهِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ) أَيْ لَمْ يَصِرْ حَالًّا.
قَوْلُهُ: (الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَوْتِ) فَيَتَبَيَّنُ بِمَوْتِهِ مُرْتَدًّا الْحُلُولُ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ اسْتِرْقَاقِ الْحَرْبِيِّ " أَيْ وَكَانَ الدَّيْنُ لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَيَقْضِي مِنْ مَالِهِ إنْ غَنِمَ بَعْدَ رَقِّهِ كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ فِي بَابِ الْجِهَادِ، وَلَا يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا زَادَ عَلَى دَيْنِهِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ فَوْرِيًّا) كَالنَّذْرِ الْمُقَيَّدِ بِزَمَنٍ وَالْكَفَّارَةِ الَّتِي عَصَى بِسَبَبِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ: " الزَّائِدَةُ عَلَى مَالِهِ "، وَقَوْلُهُ: " الَّذِي يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ حَالًّا " بِأَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ حَاضِرَةً غَيْرَ مَرْهُونَةٍ وَالدَّيْنُ عَلَى مُقِرٍّ مُوسِرٍ أَوْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَهُوَ حَاضِرٌ، اهـ ح ل وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ " وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ إلَخْ " جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ، كَأَنَّ سَائِلًا قَالَ: مَا الْمَالُ الَّذِي يُعْتَبَرُ زِيَادَةُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ الْمَالُ الْعَيْنِيُّ أَوْ الدَّيْنِيُّ الَّذِي يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ؛ بِخِلَافِ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُقَابَلَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ تَعَدَّى الْحَجْرُ لِمَالِهِ كُلِّهِ سَوَاءٌ تَيَسَّرَ مِنْهُ الْأَدَاءُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ أَعْيَانًا أَوْ مَنَافِعَ وَيَتَعَدَّى لِمَا حَدَثَ أَيْضًا بِهِبَةٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ فِي ذِمَّةٍ أَوْ كَسْبٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ) بِأَنْ كَانَ يَسْتَحِقُّهَا بِوَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ زِيَادَةُ الدَّيْنِ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَحْصِيلِ أُجْرَتِهَا حَالًّا وَإِلَّا اُعْتُبِرَتْ م ر. وَقَوْلُهُ: " وَالْمَغْصُوبِ " أَيْ الَّذِي لَا يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ حَالًّا ح ل. وَقَوْلُهُ " وَالْغَائِبِ " أَيْ الَّذِي لَا يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ فِي الْحَالِّ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْغَائِبِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِمَا) كَالْمَرْهُونِ، وَكَذَا دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ أَوْ حَالٌّ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ مَلِيءٍ مُنْكِرٍ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ: وَنَحْوُهُمَا، أَيْ الْمَغْصُوبِ وَالْغَائِبِ؛ وَلَمْ يَقُلْ وَنَحْوَهَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا نَحْوَ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُبَاعُ) أَيْ بَعْدَ الْحَجْرِ وُجُوبًا عَلَى الْقَاضِي فَوْرًا، وَيَكُونُ الْبَيْعُ بِحَضْرَتِهِ أَيْضًا أَيْ الْمُفْلِسِ وَيُبَاعُ كُلُّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ وَيُقَدَّمُ مَا يُخَافُ فَسَادُهُ، ثُمَّ الْحَيَوَانُ ثُمَّ الْمَنْقُولُ ثُمَّ الْعَقَارُ.
قَوْلُهُ: (أَسْهَلُ) أَيْ مِنْ إبْقَائِهَا وَإِبْقَاءِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ أَغْنِيَائِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَيُتْرَكُ لَهُ) وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وَإِذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، أَوْ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَنْكَرُوا مَا زَعَمَهُ، فَإِنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ كَشِرَاءٍ أَوْ قَرْضٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَبِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ لَزِمَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ سَوْءًا أَكَانَ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (دِسْتُ ثَوْبٍ) أَيْ كِسْوَةٌ كَامِلَةٌ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ الدَّسْتُ اسْمٌ لِلرِّزْمَةِ أَيْ الْجُمْلَةِ مِنْ الثِّيَابِ.
وَعَلَيْهِ فَإِضَافَتُهُ لِثَوْبٍ بَيَانِيَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالثَّوْبِ الْجِنْسُ أَيْ جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّيَابِ، وَيُقَالُ لَهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بَدْلَةٌ قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الدَّسْتُ.
قَوْلُهُ: (وَسَرَاوِيلُ) أَيْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَلْبَسُ ذَلِكَ ح ل. وَهُوَ مُفْرَدٌ جِيءَ بِهِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ شَبَهٌ اقْتَضَى عُمُومَ الْمَنْعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَأْنِيثِهِ.
وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، «وَوُجِدَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَاسٌ اشْتَرَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَلْبَسْهُ» أَيْ النَّبِيُّ وَلَمْ يَلْبَسْهُ عُثْمَانُ أَبَدًا إلَّا يَوْمَ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ لَبِسَهُ وَقَالَ: " رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَالُوا لِي: اصْبِرْ فَإِنَّك تُنْقَلُ عِنْدَنَا الْقَابِلَةَ، " فَأَصْبَحَ عُثْمَانُ صَائِمًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقُتِلَ فِي يَوْمِهِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ،.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَمُكَعَّبٌ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ مُثَقَّلًا وَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مُخَفَّفًا وَهُوَ الْمَدَاسُ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةٌ) أَيْ إنْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ فِيهِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الشِّتَاءِ فِي الْحَجْرِ عَلَى مَا اسْتَوْجَهَهُ، سم شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ ع ش: قَوْلُهُ " فِي الشِّتَاءِ " أَيْ وَإِنْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ فِي الصَّيْفِ.
وَلَا يُنَافِيهِ تَعْبِيرُهُمْ بِ " فِي " لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ بِدَلِيلِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَيُزَادُ لِلْبَرْدِ،.
اهـ. حَجّ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُ ذَلِكَ.
اهـ. م ر. أَيْ فَلَا يُعْطَى ذَلِكَ إلَّا إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ فِي الشِّتَاءِ أَوْ دَخَلَ الشِّتَاءُ زَمَنَ الْحَجْرِ اهـ. وَيُتْرَكُ لِلْعَالِمِ كُتُبُهُ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهَا بِمَوْقُوفٍ، وَلِلْجُنْدِيِّ الْمُرْتَزِقِ خَيْلُهُ وَسِلَاحُهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَكُلُّ مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي مَالِهِ اشْتَرَى لَهُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
بِخِلَافِ آلَاتِ الْحِرَفِ فَلَا تُتْرَكُ، وَمِثْلُهَا رَأْسُ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ، شَوْبَرِيٌّ.
وَقَالَ م ر: قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُتْرَكُ لَهُ رَأْسُ مَالٍ يَتَّجِرُ فِيهِ إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْكَسْبَ إلَّا بِهِ، اهـ. وَفِي الزِّيَادِيِّ: وَلَا رَأْسَ مَالٍ وَإِنْ قَلَّ، وَقَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ: يُتْرَكُ لَهُ رَأْسُ مَالٍ إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْكَسْبَ إلَّا بِهِ، حَمَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى تَافِهٍ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هُنَا عِنْدَ تَعَدُّدِ النُّسَخِ مَا يَأْتِي فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ لَكِنَّهَا تُبَاعُ إلَّا وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَرِّسًا فَيَبْقَى لَهُ نُسْخَتَانِ لِأَجْلِ الْمُرَاجَعَةِ، وَيُبَاعُ الْمُصْحَفُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يَسْهُلُ مُرَاجَعَةُ الْحَفَظَةِ فَلَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَا حَافِظَ فِيهِ تُرِكَ لَهُ،.
اهـ. شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ) مَحَلُّهُ فِي دَيْنٍ لَمْ يَعْصِ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ عَصَى بِسَبَبِهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لَهُ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ الْكَسْبُ وَلَوْ بِغَيْرِ لَائِقٍ بِهِ كَمَا قَالَهُ أج.
وَقَالَ ق ل: قَوْلُهُ " وَلَا يَجِبُ إلَخْ " وَإِنْ عَصَى مِنْ حَيْثُ الدَّيْنُ وَإِنْ وَجَبَ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: 280] أَيْ وَإِنْ وُجِدَ غَرِيمٌ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ أَيْ فَالْحُكْمُ نَظِرَةٌ، أَوْ فَعَلَيْكُمْ نَظِرَةٌ، أَوْ فَلْيَكْفِ نَظِرَةٌ وَهِيَ الْإِنْظَارُ،.
اهـ. بَيْضَاوِيٌّ.
وَالْإِنْظَارُ: التَّأْخِيرُ.
وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلَّا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أَيْضًا.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ: (وَأَنْكَرُوا مَا زَعَمَهُ) مُرَادُهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ مَا ادَّعَاهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ إنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ تُخْبِرُ بَاطِنَهُ بِجَوَازِهِ مَثَلًا كَمَا فِي الْمَنْهَجِ؛ وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ " لِأَنَّهُ بِشِرَائِهِ وَاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَاحْتَاجَ فِي إثْبَاتِ إعْسَارِهِ لِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ وَفِيمَا إذَا لَزِمَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ عِلْمَ مَالٍ لَهُ
بِاخْتِيَارِهِ كَضَمَانٍ وَصَدَاقٍ أَمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَأَرْشِ جِنَايَةٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
(وَ) يُضْرَبُ عَلَى (الْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ) بِمَا سَتَعْرِفُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَصِيَّةِ.
(فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) لِحَقِّ الْوَرَثَةِ إرْثٌ لَا دَيْنٌ وَفِي الْجَمِيعِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ.
(وَ) يُضْرَبُ عَلَى (الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ)) لِحَقِّ سَيِّدِهِ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى، زَادَ الشَّيْخَانِ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَعَلَى الرَّاهِنِ فِي الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَعَلَى الْمُرْتَدِّ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِمَا فِي الْمُهِمَّاتِ ثَلَاثِينَ نَوْعًا فِيهَا الْحَجْرُ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَسَبَقَهُ إلَى بَعْضِهَا شَيْخُهُ السُّبْكِيُّ.
فَمَنْ أَرَادَ فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَلِيلٌ مَنْ صَارَ لَهُ هِمَّةٌ لِذَلِكَ.
(وَتَصَرُّفُ) كُلٍّ مِنْ (الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ) فِي مَالِهِ (غَيْرُ صَحِيحٍ) أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ وَالْوِلَايَةِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ عِبَادَةِ مُمَيِّزٍ، وَإِذْنٍ فِي دُخُولٍ، وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ مِنْ مُمَيِّزٍ مَأْمُونٍ.
وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ مِنْ عِبَادَةٍ
[حاشية البجيرمي]
فَصُدِّقَ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَبِهَذَا اتَّضَحَ قَوْلُ ق ل. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ لَمْ يُصَدَّقْ وَإِلَّا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (كَأَرْشِ جِنَايَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ خَطَأً.
قَوْلُهُ: (وَيُضْرَبُ عَلَى الْمَرِيضِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا ضَرْبَ عَلَى الْمَرِيضِ، فَالْمُنَاسِبُ وَيَثْبُتُ الْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (الْمَخُوفِ عَلَيْهِ) وَمِثْلُ الْمَرَضِ حَالَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّبَرُّعُ مِنْ الثُّلُثِ كَالتَّقْدِيمِ لِلْقَتْلِ، ز ي.
قَوْلُهُ: (بِمَا سَتَعْرِفُهُ) أَيْ بِمَرَضٍ سَتَعْرِفُهُ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " الْمَخُوفِ " كَابْتِدَاءِ فَالِجٍ وَحُمَّى لَازِمَةٍ وَإِسْهَالٍ مُتَتَابِعٍ وَرُعَافٍ دَائِمٍ، فَمَنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَرِيضٌ بِمَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْجَمِيعِ إلَخْ) هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ، وَإِلَّا فَلَوْ وَفَّى الْمَرِيضُ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ لَمْ يُزَاحِمْهُ غَيْرُهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِدَيْنِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ.
اهـ. م د. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمَرِيضِ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ، وَأَمَّا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ لِلْغُرَمَاءِ فَصَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ) وَإِلَّا فَفِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إنْ وَفَّى بِالدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِحَقِّ سَيِّدِهِ) وَهُوَ نُجُومُ الْكِتَابَةِ.
وَقَوْلُهُ " وَلِلَّهِ تَعَالَى " وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ: قَوْلُهُ " لِحَقِّ سَيِّدِهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى " الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: الْحَجْرُ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَسَيِّدِهِ، إذْ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ سَيِّدُهُ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْ بَلْ يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْرَدَ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الشَّيْخَيْنِ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: فَقَدْ أَنْهَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ سَبْعِينَ صُورَةً، بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا تَنْحَصِرُ أَفْرَادُ مَسَائِلِهِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ صَحِيحٍ) وَمَا قَبَضُوهُ إذَا تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ أَتْلَفُوهُ يَضِيعُ عَلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ رَشِيدًا، أَوْ تَلِفَ قَبْلَ طَلَبٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَيَرُدُّ الثَّمَنَ مِثْلًا، لِأَوْلِيَائِهِمْ.
وَأَمَّا إذَا تَلِفَ مَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ رَشِيدٍ أَوْ مِنْ رَشِيدٍ بَعْدَ طَلَبِهِ وَامْتِنَاعِهِمْ مِنْ رَدِّهِ أَوْ قَبَضُوهُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَهُ فِي مَالِهِمْ إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ، وَإِلَّا فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَأَمَّا إذَا بَقِيَ الشَّيْءُ إلَى أَنْ كَمَّلُوا وَأَتْلَفُوهُ فَلَا يَشُكُّ فِي الضَّمَانِ، حَرِّرْ هَذِهِ الْقَوْلَةَ، فَإِنَّ ضَمَانَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ وَامْتِنَاعِهِمَا مِنْ الرَّدِّ فِيهِ وَقْفَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ) كَعِبَارَةِ الْمُعَامَلَةِ، وَالدَّيْنُ كَالْبَيْعِ، وَالْإِسْلَامُ وَالْوِلَايَةُ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالْإِيصَاءِ وَالْأَيْتَامِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
أَيْ كَوْنُهُ وَصِيًّا عَلَى الْأَيْتَامِ.
وَالْعِبَارَةُ أَيْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ، أَيْ مَسْلُوبُ الْكَلَامِ.
وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا إسْلَامُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَلِكَوْنِ الْإِسْلَامِ إذْ ذَاكَ مَنُوطًا بِالتَّمْيِيزِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، بَلْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، إنَّهُ كَانَ بَالِغًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ اِ هـ.
قَوْلُهُ: (وَإِيصَالُ هَدِيَّةٍ) وَشَمِلَتْ الْهَدِيَّةُ نَفْسَهُ، كَمَا لَوْ قَالَتْ جَارِيَةٌ لِشَخْصٍ: سَيِّدِي أَهْدَانِي إلَيْك؛ فَيَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا إنْ صَدَّقَهَا وَقَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا بِالْفَضْلِ.
ق ل مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَأْمُونٍ) أَيْ لَمْ يُعْهَدْ عَلَيْهِ كَذِبٌ ح ل. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ إلَخْ) وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَيُعْتَبَرُ مِنْهَا التَّمَلُّكُ بِاحْتِطَابٍ وَنَحْوِهِ وَالْإِتْلَافُ، فَيَنْفُذُ مِنْهُ الِاسْتِيلَادُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِزِنَاهُ الصُّورِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ
وَغَيْرِهَا، وَالْوِلَايَةُ مِنْ وِلَايَةِ نِكَاحٍ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا السَّفِيهُ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ كَبَيْعٍ وَلَوْ بِغِبْطَةٍ أَوْ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ كَحَدٍّ وَقَوَدٍ، وَتَصِحُّ عِبَادَتُهُ بَدَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَالِيَّةً وَاجِبَةً لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا بِلَا إذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ، وَلَا تَعْيِينَ مِنْهُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ.
أَمَّا الْمَالِيَّةُ الْمَنْدُوبَةُ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ بِالْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ وَالرُّشْدِ صَحَّ التَّصَرُّفُ مِنْ حِينَئِذٍ.
وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ إمَّا بِكَمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَمَرِيَّةً تَحْدِيدِيَّةً وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ انْفِصَالِ جَمِيعِ الْوَلَدِ، أَوْ بِإِمْنَاءٍ لِآيَةِ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: 59] وَالْحُلُمُ الِاحْتِلَامُ وَهُوَ لُغَةً مَا يَرَاهُ النَّائِمُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقِظَةٍ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَوَقْتُ إمْكَانِ الْإِمْنَاءِ كَمَالُ تِسْعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَهِيَ تَحْدِيدِيَّةٌ بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّ السِّنِينَ فِيهِ تَقْرِيبِيَّةٌ.
أَوْ حَيْضٌ فِي حَقِّ أُنْثَى بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا حَبَلُهَا فَعَلَامَةٌ عَلَى بُلُوغِهَا بِالْإِمْنَاءِ فَلَيْسَ بُلُوغًا لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِنْزَالِ، فَيُحْكَمُ بَعْدَ الْوَضْعِ بِالْبُلُوغِ قَبْلَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَشَيْءٍ وَالرُّشْدُ يَحْصُلُ ابْتِدَاءً بِصَلَاحِ دِينٍ وَمَالٍ حَتَّى مِنْ كَافِرٍ كَمَا فُسِّرَ بِهِ آيَةُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] بِأَنْ
[حاشية البجيرمي]
مَسْلُوبَ الْعَقْلِ صَارَ زِنَاهُ صُورِيًّا لَا حَقِيقِيًّا، لِأَنَّ زَوَالَ عَقْلِهِ صَيَّرَ زِنَاهُ كَوَطْئِهِ بِشُبْهَةٍ لِعَدَمِ قَصْدِهِ.
وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً حَرُمَ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا وَحَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِإِرْضَاعِهِ كَأَنْ أَرْضَعَتْ الْمَجْنُونَةُ شَخْصًا سَنَةً دُونَ حَوْلَيْنِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ بِشَرْطِهِ؛ ز ي. وَيَغْرَمُ بَدَلَ مَا أَتْلَفَهُ إلَّا فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ وَأَتْلَفَ صَيْدًا فَلَا يَلْزَمُهُ جَزَاؤُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَعَبَّرَ بِالسَّلْبِ دُونَ الْمَنْعِ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا يُفِيدُ السَّلْبَ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ مِنْ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَلَا يَسْلُبُهَا؛ وَلِهَذَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ نِيَابَةً عَنْهُ دُونَ الْأَبْعَدِ اهـ س ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ) أَيْ الصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالسَّفَهُ، وَقَوْلُهُ " بِالْبُلُوغِ إلَخْ " لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ قَوْلُهُ: (مِنْ حِينَئِذٍ) أَيْ مِنْ حِينِ زَوَالِ الْمَانِعِ.
قَوْلُهُ: (جَمِيعِ الْوَلَدِ) نُسْخَةُ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِإِمْنَاءٍ) وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْمَنِيُّ مِنْ الذَّكَرِ كَأَنْ أَحَسَّ بِخُرُوجِهِ فَأَمْسَكَهُ.
وَخَرَجَ بِالْإِمْنَاءِ غَيْرُهُ كَنَبَاتِ عَانَةٍ أَوْ شَارِبٍ أَوْ لِحْيَةٍ أَوْ ثِقَلِ صَوْتٍ أَوْ نُهُودِ ثَدْيٍ، فَلَا بُلُوغَ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (مَا يَرَاهُ النَّائِمُ) مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ،.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (خُرُوجُ الْمَنِيِّ) أَيْ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْغُسْلِ، ز ي. قَالَ م ر: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَلَوْ أَتَتْ زَوْجَةُ صَبِيٍّ يُمْكِنُ بُلُوغُهُ بِأَنْ اسْتَكْمَلَ تِسْعَ سِنِينَ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَحِقَهُ وَلَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ وَالْبُلُوغُ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَحَقُّقِهِ.
وَعَلَى هَذَا لَا يَثْبُتُ إيلَادُهُ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ فِي ثُبُوتِ إيلَادِهِ وَالْحُكْمِ بِبُلُوغِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حَيْضٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى " كَمَالِ " فِي قَوْلِهِ " إمَّا بِكَمَالِ ".
قَوْلُهُ: (بِالْبُلُوغِ قَبْلَهُ) أَيْ الْوَضْعِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ تَصَرُّفَهَا صَحِيحٌ مِنْ حِينِ الْعُلُوقِ، ع ش.
قَوْلُهُ: (بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَشَيْءٍ) أَيْ وَلَحْظَتَيْنِ، شَرْحُ م ر
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ بُلُوغِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ أَمْنَى بِذَكَرِهِ وَحَاضَ مِنْ فَرْجِهِ حُكِمَ بِبُلُوغِهِ لَا إنْ وُجِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ لِجَوَازِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْآخَرِ مَا يُعَارِضُهُ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِبُلُوغِهِ بِأَحَدِهِمَا كَمَا يُحْكَمُ بِالِاتِّضَاحِ بِهِ ثُمَّ بِغَيْرِهِ إنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ؛ اهـ مِنْ شَرْحِ م ر
قَوْلُهُ: (وَالرُّشْدُ) هُوَ لُغَةً نَقِيضُ الضَّلَالِ وَاصْطِلَاحًا صَلَاحُ دِينٍ وَمَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ.
وَلَوْ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالْإِنْزَالِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ أَوْ بِالسِّنِّ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ،.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (ابْتِدَاءً) أَيْ وَقْتَ الْبُلُوغِ فَهُوَ مِنْهُ، وَأَمَّا دَوَامًا فَيَكْفِي فِيهِ صَلَاحُ الْمَالِ فَقَطْ؛ مَرْحُومِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " فَهُوَ " أَيْ الرُّشْدُ، قَوْلُهُ " وَمِنْهُ " أَيْ الْبُلُوغِ، وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ: قَوْلُهُ " ابْتِدَاءً " أَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ غَيْرُ صَالِحٍ اهـ وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ صَلَاحَ الْمَالِ فَقَطْ حَتَّى فِي الِابْتِدَاءِ.
لَا يَفْعَلَ فِي الْأَوَّلِ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ مِنْ كَبِيرَةٍ أَوْ إصْرَارٍ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَمْ تَغْلِبْ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ.
وَيُخْتَبَرُ رُشْدُ الصَّبِيِّ فِي الدِّينِ وَالْمَالِ لِيُعْرَفَ رُشْدُهُ وَعَدَمُ رُشْدِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِآيَةِ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: 6] وَالْيَتِيمُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِ فَوْقَ مَرَّةٍ، بِحَيْثُ يُظَنُّ رُشْدُهُ فَلَا تَكْفِي الْمَرَّةُ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ فِيهَا اتِّفَاقًا.
أَمَّا فِي الدِّينِ فَبِمُشَاهَدَةِ حَالِهِ فِي الْعِبَادَاتِ بِقِيَامِهِ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِهِ الْمَحْظُورَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَأَمَّا فِي الْمَالِ فَيَخْتَلِفُ بِمَرَاتِبِ النَّاسِ، فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ تَاجِرٍ بِمُشَاحَّةٍ فِي مُعَامَلَةٍ وَيُسَلَّمُ لَهُ الْمَالُ لِيُشَاحِحْ لَا لِيَعْقِدَ، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ الْعَقْدُ عَقَدَ وَلِيُّهُ.
وَيُخْتَبَرُ وَلَدُ زُرَّاعٍ بِزِرَاعَةٍ وَنَفَقَةٍ عَلَيْهَا بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْقِوَامِ بِمَصَالِحِ الزَّرْعِ.
وَالْمَرْأَةُ بِأَمْرِ غَزْلٍ وَصَوْنٍ نَحْوُ أَطْعِمَةٍ عَنْ نَحْوِ هِرَّةٍ.
فَلَوْ فَسَقَ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ، أَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي لَا غَيْرُهُ وَهُوَ وَلِيُّهُ، أَوْ جُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَوَلِيُّ
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: سُئِلَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ هَلْ الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الرُّشْدُ أَوْ ضِدُّهُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَنْ عُلِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ اسْتِصْحَابُهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ بِالِاخْتِبَارِ، وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ حَالُهُ فَعُقُودُهُ صَحِيحَةٌ كَمَنْ عُلِمَ رُشْدُهُ،.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
فَيَكُونُ مَنْ جُهِلَ حَالُهُ الْأَصْلُ فِيهِ الرُّشْدُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى مِنْ كَافِرٍ) بِأَنْ يَصِيرَ عَدْلًا فِي دِينِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فُسِّرَ بِهِ آيَةُ) أَيْ كَمَا فُسِّرَ بِهِ الرُّشْدُ فِيهَا لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهِيَ لِلْعُمُومِ، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ آنَسْتُمْ) أَيْ عَلِمْتُمْ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَفْعَلَ فِي الْأَوَّلِ مُحَرَّمًا) كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يُبَذِّرَ فِي الثَّانِي، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: الْمُبَذِّرِ سَكَتَ عَنْهُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ) خَرَجَ بِالْمُحَرَّمِ خَارِجُ الْمُرُوءَةِ كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّشْدَ وَإِنْ مَنَعَ الشَّهَادَةَ.
قَوْلُهُ: (يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ) أَيْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِ، وَعِنْدَ الْكُفَّارِ فِي الْكَافِرِ.
بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِهِمْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَغْلِبْ) رَاجِعٌ لِلْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ حَجّ ع ش، بِأَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَنٌ وَهُوَ مُوَاظِبٌ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ قَوْلُهُ: (وَيُخْتَبَرُ) أَيْ وُجُوبًا، وَقَوْلُهُ " الصَّبِيِّ " بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْأُنْثَى.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ بُلُوغِهِ) أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقُبَيْلٍ مُصَغَّرًا لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَالشُّبُهَاتُ) لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ ارْتِكَابَ الشُّبُهَاتِ مُخِلٌّ بِالرُّشْدِ إذْ ارْتِكَابُهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا، بَلْ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي اسْتِكْشَافِ حَالِ الصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ تَاجِرٍ) أَيْ إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى صَنْعَةِ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (بِمُشَاحَّةٍ) وَهِيَ طَلَبُ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَدَفْعُ الْأَقَلِّ عِنْدَ الشِّرَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَلَّمُ لَهُ الْمَالُ) قَالَ سم: أَيُّ حَاجَةٍ لِتَسْلِيمِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ الْمُمَاكَسَةَ مُمْكِنَةٌ بِدُونِهِ، اهـ. وَقَدْ يُقَالُ فِي تَسْلِيمِهِ لَهُ قُوَّةٌ دَاعِيَةٌ لَهُ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ وَتَنْشِيطٌ لَهُ فِي الْمُعَامَلَةِ وَزِيَادَةُ رَغْبَةٍ وَإِقْدَامٍ عَلَى إجَابَتِهِ مِمَّنْ يُمَاكِسُهُ،.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَالَ سم: وَلَا يَضْمَنُهُ الْوَلِيُّ إنْ تَلِفَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، كَذَا أَطْلَقُوهُ وَلَوْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ مُرَاقَبَتُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ إغْفَالُهُ حَامِلًا عَلَى تَضْيِيعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَهُ.
لَمْ يَبْعُدْ.
اهـ. قَوْلُهُ: (وَنَفَقَةٍ عَلَيْهَا) الْمُرَادُ بِهَا الْأُجْرَةُ، وَقَوْلُهُ " بِأَنْ يُنْفِقَ إلَخْ " بِأَنْ يُعَاقِدَهُمْ الْوَلِيُّ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ أُجْرَةً مَعْلُومَةً ثُمَّ يَدْفَعَ الْمَالَ لِلصَّبِيِّ وَيَأْمُرَهُ بِإِعْطَائِهِمْ وَيَنْظُرَ هَلْ يَنْقُصُ أَحَدًا عَنْ أُجْرَتِهِ أَوْ لَا كَمَا فِي ع ش، وَيُعْلَمُ رُشْدُهُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَدْفَعَ أَقَلَّ مِمَّا شُرِطَ لَا أَكْثَرَ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ النَّفَقَةَ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ، وَمَالَ شَيْخُنَا إلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُمَاكِسُ فَقَطْ وَالْوَلِيُّ هُوَ الَّذِي يَعْقِدُ وَيُسَلِّمُ الْأُجْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْأَةُ بِأَمْرِ غَزْلٍ) أَيْ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَغْزُولِ، أَيْ فِيمَنْ يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ بَنَاتِ الْمُلُوكِ وَالْمُخْتَبِرُ لَهَا الْوَلِيُّ أَوْ غَيْرُهُ ح ل، وَالْخُنْثَى يُخْتَبَرُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا أَيْ بِمَا يُخْتَبَرُ بِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ كَمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (هِرَّةٍ) جَمْعُ الْأُنْثَى هِرَرٌ كَقِرْبَةٍ وَقِرَبٍ، وَجَمْعُ الذَّكَرِ هِرَرَةٌ كَقِرْدٍ وَقِرَدَةٍ؛ ز ي. وَخُلِقَتْ الْهِرَّةُ مِنْ عَطْسَةِ الْأَسَدِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْكُبْرَى
قَوْلُهُ: (فَلَوْ فَسَقَ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَالرُّشْدُ يَحْصُلُ ابْتِدَاءً وَالْمُرَادُ فَسَقَ بِغَيْرِ تَبْذِيرٍ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَحْجُرُوا عَلَى الْفَسَقَةِ.
قَوْلُهُ:
الصَّغِيرِ أَبٌ فَأَبُو أَبٍ وَإِنْ عَلَا كَوَلِيِّ النِّكَاحِ فَوَصِيٌّ فَقَاضٍ، وَيَتَصَرَّفُ بِمَصْلَحَةٍ وَلَوْ كَانَ تَصَرُّفُهُ بِأَجَلٍ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَبِعَرْضِيٍّ وَأَخْذِ شُفْعَةٍ، وَيَشْهَدُ حَتْمًا فِي بَيْعِهِ لِأَجَلٍ، وَيَرْتَهِنُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا وَافِيًا، وَيَبْنِي عَقَارَهُ بِطِينٍ وَآجُرٍّ وَلَا يَبِيعُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ كَنَفَقَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ بِأَنْ يُرَغِّبَ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ يَجِدُ مِثْلَهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ بِكُلِّهِ، وَيُزَكِّي مَالَهُ وَيُمَوِّنُهُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنْ ادَّعَى بَعْدَ كَمَالِهِ بَيْعًا بِلَا مُصْلِحَةٍ عَلَى وَصِيٍّ أَوْ أَمِينٍ حَلَفَ الْمُدَّعِي أَوْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى أَبٍ أَوْ أَبِيهِ حَلَفَ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمِينَ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ، أَمَّا الْقَاضِي فَيَقْبَلُ قَوْلَهُ بِلَا تَحْلِيفٍ.
(وَتَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ) بَعْدَ ضَرْبِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ (يَصِحُّ) فِيمَا يُثْبِتُهُ (فِي ذِمَّتِهِ) كَأَنْ بَاعَ سَلَمًا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ.
أَوْ بَاعَ فِيهَا لَا بِلَفْظِ الثَّمَنِ أَوْ اقْتَرَضَ أَوْ اسْتَأْجَرَ صَحَّ وَثَبَتَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ وَنَحْوُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْغُرَمَاءِ فِيهِ (دُونَ) تَصَرُّفِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ (أَعْيَانِ مَالِهِ) الْمُفَوِّتِ فِي الْحَيَاةِ بِالْإِنْشَاءِ مُبْتَدَأً كَأَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ آجَرَ أَوْ وَقَفَ، فَلَا يَصِحُّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَالْمَرْهُونِ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ عَلَى مُرَاغَمَةِ مَقْصُودِ الْحَجْرِ كَالسَّفِيهِ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ، فَيَصِحُّ مِنْهُ؛ وَبِقَيْدِ الْإِنْشَاءِ الْإِقْرَارُ، فَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ.
أَوْ دَيْنٍ وَجَبَ قَبْلَ الْحَجْرِ قُبِلَ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُعَامَلَةٍ
[حاشية البجيرمي]
حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي) أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ هَذَا مَا دَامَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَهَذَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: السَّفِيهُ الْمُهْمَلُ مُلْحَقٌ بِالرَّشِيدِ، فَمَتَى أَطْلَقُوا السَّفِيهَ الْمُهْمَلَ اخْتَصَّ بِهَذَا إيعَابٌ؛ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا.
قَوْلُهُ: (فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ) كَمَنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ بِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ، فَإِنَّ وَلِيَّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّبْذِيرِ وَالْجُنُونِ أَنَّ التَّبْذِيرَ لِكَوْنِهِ سَفَهًا مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فَلَا يَعُودُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَاضٍ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِطِينٍ) لَا بِجِبْسٍ بَدَلَ الطِّينِ لِكَثْرَةِ مُؤْنَتِهِ وَلَا بِلَبِنٍ بَدَلَ الْآجُرِّ لِقِلَّةِ بَقَائِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَآجُرٍّ) وَهُوَ الطُّوبُ الْمُحَرَّقُ وَأَوَّلُ مَنْ صَنَعَهُ هَامَانُ، وَهَذَا إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ إذْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ ق ل وَنَقَلَهُ سم وَالْمَرْحُومِيُّ عَنْ الرَّمْلِيِّ فِي غَيْرِ الشَّرْحِ.
وَعِبَارَةُ م ر بَعْدَ قَوْلِهِ " وَآجُرٍّ ": وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ جَوَازَ الْبِنَاءِ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ كَيْفَ كَانَ، اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " وَآجُرٍّ " وَلَكِنْ هَذَا بِحَسَبِ الْمُعْتَادِ فِي زَمَانِهِمْ، أَمَّا الْآنَ فَالْمُعْتَبَرُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ؛ لَكِنْ الَّذِي فِي شَرْحِ م ر مُوَافَقَةُ الشَّارِحِ مُطْلَقًا وَإِنْ خَالَفَ الْعَادَةَ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَكِّي مَالَهُ) أَيْ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُقَلِّدًا لِمَنْ يَرَى الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا لِمَنْ لَا يَرَى وُجُوبَهَا فِيهِ امْتَنَعَ عَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُهَا وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْجُورِ مَذْهَبٌ فَالْأَوْلَى بِالْوَلِيِّ إذَا رَأَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ لِحَاكِمٍ يَرَاهَا لِيَأْمُرَهُ بِهَا حَتَّى لَا يُطَالِبَهُ الْوَلَدُ بَعْدَ بُلُوغِهِ،.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (حَلَفَ الْمُدَّعِي) أَيْ الصَّبِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ) لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْقَاضِي فَيَقْبَلُ إلَخْ) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كَالْوَصِيِّ شَرْحُ م ر، أَيْ فَيَقْبَلُ قَوْلَ الصَّبِيِّ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي مَالِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحَجْرِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ بَاعَ سَلَمًا) بِأَنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَاعَ فِيهَا) أَيْ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا بِلَفْظِ السَّلَمِ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ: كَأَنْ بَاعَ سَلَمًا إلَخْ قَوْلُهُ: (صَحَّ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ " يَصِحُّ فِي ذِمَّتِهِ ". وَلَيْسَ وَاقِعًا جَوَابًا لِشَرْطٍ تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ سَرَى لَهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ، وَهِيَ: وَلَوْ بَاعَ سَلَمًا، إلَى أَنْ قَالَ: صَحَّ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا ضَرَرَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ: يَصِحُّ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُفَوِّتِ) صِفَةٌ لِلتَّصَرُّفِ وَهُوَ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ الْمُفَوِّتِ عَلَى الْغُرَمَاءِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ.
وَخَرَجَ بِهِ الْعَارِيَّةُ فَتَصِحُّ مِنْهُ كَمَا فِي م ر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَفْوِيتٌ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِنْشَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُفَوِّتِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (مُبْتَدَأً) حَالٌ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْقُيُودُ أَرْبَعَةٌ.
قَوْلُهُ: (مُرَاغَمَةِ) أَيْ مُخَالَفَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ إلَخْ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْحَجْرِ إنْ كَانَ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ لَمْ يَقْبَلْ وَإِلَّا قَبِلَ وَزَاحَمَ الْغُرَمَاءَ س ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ دَيْنٍ) هَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى
وَلَا غَيْرِهَا لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ قَالَ عَنْ جِنَايَةٍ بَعْدَ الْحَجْرِ قُبِلَ فَيُزَاحِمُهُمْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ وَبِقَيْدٍ مُبْتَدَأٍ رَدُّ مَا كَانَ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ بَعْدَ الْحَجْرِ إذَا كَانَتْ الْغِبْطَةُ فِي الرَّدِّ، وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ زَوْجَتَهُ وَاسْتِيفَاؤُهُ الْقِصَاصَ وَإِسْقَاطُهُ الْقِصَاصَ وَلَوْ مَجَّانًا إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَالٌ، وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ النَّسَبَ وَنَفْيُهُ بِاللِّعَانِ.
(وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ) الْمُتَّصِلِ مَرَضُهُ بِالْمَوْتِ (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) مِنْ مَالِهِ (مَوْقُوفٌ) تَنْفِيذُهُ (عَلَى إجَازَةِ) جَمِيعِ (الْوَرَثَةِ) بِالْقُيُودِ الْآتِي بَيَانُهَا فِي الْوَصِيَّةِ (مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا قَبْلَهُ، وَلَوْ حَذَفَ لَفْظَةَ مِنْ لَكَانَ أَخْصَرَ.
(وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ) أَيْ الرَّقِيقِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَفْظُ الْعَبْدِ يَشْمَلُ الْأَمَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ،
[حاشية البجيرمي]
مُحْتَرَزِ الْقُيُودِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَعْيَانِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (قُبِلَ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ) أَيْ فَيُزَاحِمُهُمْ الْمُقَرُّ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) أَوْ لَمْ يُسْنَدُ وُجُوبُهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَا لِمَا بَعْدَهُ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِي حَقِّهِمْ، فَلَا يُزَاحِمُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الثَّلَاثِ لِتَقْصِيرِهِ بِمُعَامَلَتِهِ لَهُ فِي الْأُولَى وَلِتَنْزِيلِهِ عَلَى أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ وَهُوَ دِينُ الْمُعَامَلَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقَلَّ زَمَنٍ فِي الثَّالِثَةِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّهِمْ) فَلَا يُزَاحِمُهُمْ الْمُقَرُّ لَهُ، بَلْ يُطَالِبُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ) أَيْ بِصَدَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَالٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ الَّتِي يَمْتَنِعُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا، فَلَا يُرَدُّ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ مَالٌ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ النَّسَبَ) أَمَّا اسْتِيلَادُهُ فَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ نُفُوذِهِ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ لِأَنَّ حَجْرَ الْفَلَسِ امْتَازَ عَنْ حَجْرِ الْمَرَضِ بِكَوْنِهِ يَتَصَرَّفُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ وَعَنْ حَجْرِ السَّفَهِ بِكَوْنِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ.
اهـ. م ر. وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُسْتَلْحَقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا مِنْ أَعْيَانِ مَالِ مُسْتَلْحِقِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَالَ ع ش: وَانْظُرْ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَجَّانًا أَوْ قَرْضًا؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي إنْ تَبَيَّنَ لِلْمُسْتَلْحَقِ مَالٌ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَالٍ لَهُ.
أَمَّا لَوْ طَرَأَ لَهُ مَالٌ بَعْدُ أَوْ صَارَ الْمُسْتَلْحَقُ رَشِيدًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا طَرَأَ لَهُ مَالٌ.
وَإِنَّمَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمُسْتَلْحَقِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْمُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ الْمَالِ عَلَيْهِ لَغْوٌ فَقُبِلَ لِثُبُوتِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ النَّسَبِ لَا يُفَوَّتُ عَلَيْهِ مَالٌ وَأُلْغِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَذَرًا مِنْ التَّفْوِيتِ لِلْمَالِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ) أَيْ بِإِبْرَاءٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بَيْعٍ بِمُحَابَاةٍ، ق ل.
قَوْلُهُ: (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَتَصَرُّفُهُ حَتَّى فِي الثُّلُثِ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَالِهِ) أَيْ وَقْتَ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: (تَنْفِيذُهُ) دُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ أَنَّ التَّصَرُّفَ هُوَ الْمَوْقُوفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ق ل.
قَوْلُهُ: (جَمِيعُ الْوَرَثَةِ) أَيْ فِي جَمِيعِ الزَّائِدِ، فَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ نَفَذَ فِيمَا يَخُصُّهُ، فَلَوْ جَعَلَ الشَّارِحُ حَرْفَ التَّعْرِيفِ لِلْجِنْسِ الشَّامِلِ لِبَعْضِهِمْ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ ق ل. وَمُرَادُهُ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ " أَلْ " فِي الْوَرَثَةِ وَجَعْلِهَا لِلْجِنْسِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا أَجَازَ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الزَّائِدِ وَالشَّارِحُ جَعَلَهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ حَيْثُ قَالَ: جَمِيعُ الْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْقُيُودِ الْآتِي بَيَانُهَا) أَيْ بِأَنْ يَكُونُوا بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُطْلَقِي التَّصَرُّفِ فَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُطْلَقِي التَّصَرُّفِ لَمْ تَصِحَّ إجَازَتُهُمْ وَلَا إجَازَةُ وَلِيِّهِمْ بَلْ يَبْطُلُ ذَلِكَ التَّبَرُّعُ لِمَا أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيُّ؛ لَكِنْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُتَوَقَّعْ أَهْلِيَّتُهُ كَمَجْنُونٍ أَخْبَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ جُنُونَهُ مُسْتَحْكَمٌ، وَإِلَّا وَقَفَ الْأَمْرُ إلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ سم.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَعْدِهِ) قَيْدٌ فِي الْكُلِّ أَيْ الْإِجَازَةِ وَالْوَرَثَةِ وَالثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ،.
اهـ. م د. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِجَازَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْوَرَثَةُ وَالثُّلُثُ فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَذَفَ إلَخْ) وَلَوْ حَذَفَ " مِنْ " وَمَجْرُورَهَا مَعًا لَكَانَ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ مِنْ لَفْظِ الْوَرَثَةِ فَتَأَمَّلْ ق ل.
لَوْ كَانَ حُرًّا يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا لَا يَنْفُذُ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ كَالْوِلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ، وَمَا يَنْفُذُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْعِبَادَاتِ وَالطَّلَاقِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالتِّجَارَةِ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ كَمَا مَرَّ فَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَمْ فِي يَدِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ (يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ إذَا عَتَقَ) لِثُبُوتِهِ بِرِضَا مَالِكِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ السَّيِّدُ.
وَالضَّابِطُ فِيمَا يُتْلِفُهُ الْعَبْدُ أَوْ يَتْلَفُ تَحْتَ يَدِهِ إنْ لَزِمَ بِغَيْرِ رِضَا مُسْتَحِقِّهِ كَإِتْلَافٍ أَوْ تَلَفٍ بِغَصْبٍ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَإِنْ لَزِمَ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ كَمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ سَوَاءٌ رَآهُ السَّيِّدُ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَمْ لَا، أَوْ بِإِذْنِهِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ وَمَالِ تِجَارَتِهِ وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ كَانَ لِلْبَائِعِ تَضْمِينُ السَّيِّدِ لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ أَيْضًا بَعْدَ الْعِتْقِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ لَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ تَصَرَّفَ بِالْإِجْمَاعِ بِحَسَبِ الْإِذْنِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْإِذْنِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ كَالْوَكِيلِ وَلَيْسَ لَهُ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ النِّكَاحُ وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ وَلَا يَتَبَرَّعُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَيْ الرَّقِيقِ) فَعِيلٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) هُوَ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ كَلَامِهِ أَصْلًا فَهُوَ لَيْسَ مَقُولًا لَهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَتَصَرُّفَاتُ الرَّقِيقِ الَّذِي إلَخْ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " يَنْقَسِمُ " أَيْ مِنْ حَيْثُ تَصَرُّفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَخْ) لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِلْعَبْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَيْدٍ مَحْذُوفٍ فِي الْمَتْنِ تَقْدِيرُهُ: وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ حُرًّا يَنْقَسِمُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ حُرًّا) بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا رَشِيدًا.
قَوْلُهُ: (يَنْقَسِمُ) أَيْ الرَّقِيقُ مِنْ حَيْثُ تَصَرُّفَاتُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " مَا لَا يَنْفُذُ إلَخْ " وَلَا يَصِحُّ تَقْسِيمُ الرَّقِيقِ إلَيْهَا بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: الرَّقِيقُ تَصَرُّفَاتُهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (مَا لَا يَنْفُذُ) أَيْ تَصَرُّفُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَالْوِلَايَاتِ) أَيْ أَثَرِ الْوِلَايَاتِ، أَيْ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ تَزْوِيجٍ وَالْحُكْمِ مَثَلًا، وَإِلَّا فَالْوِلَايَاتُ أَنْفُسُهَا لَا تَتَّصِفُ بِكَوْنِهَا تَصَرُّفًا بَلْ هِيَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالشَّخْصِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالشَّهَادَاتِ) فِي إطْلَاقِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الشَّهَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مُسَامَحَةٌ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّصَرُّفَاتِ مُطْلَقُ الْأَفْعَالِ وَالشَّهَادَةُ فِعْلُ اللِّسَانِ، وَمَعْنَى نُفُوذِ الْعِبَادَةِ أَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهَا فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ وَالطَّلَبِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِهِ) بَلْ وَإِنْ نَهَاهُ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) مُسْتَدْرَكُ ق ل، أَيْ وَإِنْ سَكَتَ عَلَيْهِ إذْ لَا يُنْسَبُ لِلسَّاكِتِ قَوْلٌ.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ) وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ، وَعَلَى السَّيِّدِ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (إذَا عَتَقَ) أَيْ وَأَيْسَرَ.
وَالْمُرَادُ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَالضَّابِطُ إلَخْ) وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ، وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
اهـ. ق ل وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
يَضْمَنُ عَبْدٌ تَالِفًا فِي ذِمَّتِهْ ... إنْ رَضِيَ الْمَالِكُ دُونَ سَادَتِهْ
وَإِنْ يَكُنْ بِلَا رِضَا مَنْ اسْتَحَقْ ... فَلَيْسَ إلَّا بِالرَّقِيبَةِ اعْتَلَقْ
وَبِرِضَا الْمَالِكِ مَعَ سَيِّدِهِ ... عَلِّقْ بِذِمَّةٍ وَمَا فِي يَدِهِ
قَوْلُهُ: (تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ) سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (بِرَقَبَتِهِ) فَيُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَفْتَدِيَهُ السَّيِّدُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ عِتْقِهِ) فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُعْتَقْ فَلَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ إذَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ عَالِمًا بِرِقِّهِ وَلَمْ يُقَصِّرْ الْعَبْدُ فِي تَلَفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ " فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ " فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ) لَكِنَّهُ إذَا غَرِمَ الْعَبْدُ رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى سَيِّدِهِ لِأَنَّ الْقَرَارَ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْعَبْدِ، وَيُرَشَّحُ لِهَذَا تَعْبِيرُهُ حَيْثُ عَبَّرَ فِي جَانِبِ السَّيِّدِ بِالتَّضْمِينِ وَفِي جَانِبِ الرَّقِيقِ بِالْمُطَالَبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ.
قَوْلُهُ: (تَصَرُّفٌ بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ وَإِنْ رَدَّ الْإِذْنَ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْدَامٌ لَا تَوْكِيلٌ ز ي.
قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ الْإِذْنِ) أَيْ عَلَى قَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: (النِّكَاحُ) أَيْ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِعَبِيدِ التِّجَارَةِ ق ل. وَلَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُرَاجِعُ الْحَاكِمَ فِي غَيْبَةٍ
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ وَلَا رَقِيقَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لِلسَّيِّدِ، وَيَدُ رَقِيقِ السَّيِّدِ كَالسَّيِّدِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ وَلَا يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ.
وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ شَخْصٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُعَامَلَتُهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ لَهُ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ: أَنَا مَأْذُونٌ لِي لِأَنَّهُ رِقٌّ وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَلَا بِتَمْلِيكِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَأَشْبَهَ الْبَهِيمَةَ.
فَصْلٌ: فِي الصُّلْحِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنْ إشْرَاعِ الرَّوْشَنِ فِي الطَّرِيقِ وَالصُّلْحُ لُغَةً قَطْعُ النِّزَاعِ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَالْبُغَاةِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الشِّقَاقِ، وَصُلْحٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] وَخَبَرُ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَلَفْظُهُ يَتَعَدَّى لِلْمَتْرُوكِ
[حاشية البجيرمي]
سَيِّدِهِ لِيَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ جَازَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْإِنْفَاقِ لِلضَّرُورَةِ وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِرَاضُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، ز ي. وَيُصَدَّقُ فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَبَرَّعُ) وَلَوْ بِلُقْمَةٍ لِهِرَّةٍ مَا لَمْ يُعْلَمْ رِضَا السَّيِّدِ بِهِ أَيْ بِالتَّبَرُّعِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ؛ ق ل وَع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعَامَلُ سَيِّدُهُ) أَيْ وَلَوْ وَكِيلًا مِنْ غَيْرِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَلَا وَكِيلُ سَيِّدِهِ بِمَالِ سَيِّدِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا رَقِيقُهُ) أَيْ رَقِيقُ سَيِّدِهِ.
وَقَوْلُهُ " بِبَيْعٍ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يُعَامَلُ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ) أَيْ فَيُعَامَلُ سَيِّدُهُ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ " أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً، أَمَّا فَاسِدُهَا فَلَا يُعَامَلُ سَيِّدُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ) مُرَادُهُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ لِثُبُوتِهِ بِعَدْلٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِبَيِّنَةٍ) وَلَوْ عَدْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ بِجُنُونِ أَحَدِهِمَا أَوْ إغْمَائِهِ خِلَافًا لِلْعَبَّادِيِّ، وَلَا بِإِبَاقِ الْعَبْدِ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا أَبَقَ إلَيْهِ اهـ ق ل.
تَتِمَّةٌ: أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِجَوَازِ بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفَقَتِهِ بِنِهَايَةِ مَا دَفَعَ فِيهِ وَإِنْ رُخِّصَ لِضَرُورَةٍ.
اهـ. حَجّ.
أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ وَقْفَةٌ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الِاقْتِرَاضُ أَوْ الِارْتِهَانُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ " لِضَرُورَةٍ " أَوْ يُقَالُ: حَيْثُ انْتَهَتْ الرَّغَبَاتُ فِيهِ بِقَدْرٍ كَانَ ثَمَنُ مِثْلِهِ وَالرُّخْصُ لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ يَكُونُ غَالِيًا وَقَدْ يَكُونُ رَخِيصًا اهـ. ع ش عَلَى م ر.
[فَصْلٌ فِي الصُّلْحِ]
ِ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مُنَاسَبَةٍ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرَهُ عَمَّا فِي الْكِتَابِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي غَالِبِهَا فَيَكُونُ بَيْعًا وَسَلَمًا وَهِبَةً وَإِجَارَةً.
وَهُوَ رُخْصَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيَّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ لِعُذْرٍ مِنْ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِتَسْمِيَتِهِ رُخْصَةُ التَّغْيِيرِ بِالْفِعْلِ بَلْ وُرُودُ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ الْعَامَّةُ كَافٍ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَكَرَهُ عَقِبَ الْحَجْرِ لِأَنَّ غَالِبَ وُقُوعِهِ بَعْدَ حَجْرِ الْفَلَسِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إشْرَاعِ الرَّوْشَنِ) أَيْ وَحُكْمُ تَقْدِيمِ الْبَابِ وَتَأْخِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْعًا عَقْدٌ إلَخْ) هَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَعَمُّ مِنْ الِاصْطِلَاحِيِّ إذْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ هُنَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ قَطَعَ النِّزَاعَ أَيْ بِعَقْدٍ أَوْ بِغَيْرِهِ فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الصُّلْحُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا الْمَذْكُورُ فِي التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُعَامَلَاتِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ، وَإِلَّا لَزِمَ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ " أَنْوَاعٌ " أَيْ أَرْبَعَةٌ صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَعَقَدُوا لَهُ