فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَعَلَيْهَا عَوَّلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي قِتَالِ صِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ.
(بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ) : الْأَوَّلُ: (أَنْ يَكُونُوا فِي مَنَعَةٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ شَوْكَةٍ بِكَثْرَةٍ أَوْ قُوَّةٍ، وَلَوْ بِحِصْنٍ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مَعَهَا مُقَاوَمَةُ الْإِمَامِ فَيَحْتَاجُ فِي رَدِّهِمْ إلَى الطَّاعَةِ لِكُلْفَةٍ مِنْ بَذْلِ مَالٍ وَتَحْصِيلِ رِجَالٍ وَهِيَ لَا تُحَصَّلُ إلَّا بِمُطَاعٍ أَيْ مَتْبُوعٍ يُحَصِّلُ بِهِ قُوَّةً لِشَوْكَتِهِمْ يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ.
إذْ لَا قُوَّةَ لِمَنْ لَا تُجْمَعُ كَلِمَتُهُمْ بِمُطَاعٍ فَالْمُطَاعُ شَرْطٌ لِحُصُولِ الشَّوْكَةِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ آخَرُ غَيْرُ الشَّوْكَةِ كَمَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ إمَامٌ مَنْصُوبٌ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَلَا إمَامَ لَهُمْ
[حاشية البجيرمي]
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَفْسِيرِهِ الْمُسَمَّى بِالدُّرِّ النَّظِيمِ مَا حَاصِلُهُ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمَانِ عَظِيمَانِ: أَحَدُهُمَا وُجُوبُ قِتَالِ الْبُغَاةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: 9] . فَإِنَّهُ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَعَلَيْهِ عَوَّلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالصَّحَابَةُ فِي قِتَالِ صِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانِ وَقَدْ قُتِلَ عَمَّارٌ مَعَهُ يَوْمَ صِفِّينَ «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» وَهَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى إنَّ الْمُقَاتِلِينَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يُنْكِرُوهُ وَإِنَّمَا عَدَلُوا إلَى تَأْوِيلٍ لَا يَخْفَى ضَعْفُهُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِي أَخْرَجَهُ يَعْنُونَ عَلِيًّا أَيْ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ لِقِتَالِ مُعَاوِيَةَ.
وَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ ازْدَادَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ يَقِينًا وَإِقْدَامًا عَلَى الْقِتَالِ وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ الَّذِينَ عَنَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَاقَ الْقِصَّةَ أَحْسَنَ سِيَاقٍ.
الْحُكْمُ الثَّانِي فِي الْآيَةِ أَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ بَاقٍ مَعَ الْبَغْيِ وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَالْآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَتَمَامُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي بَقَاءِ الْإِيمَانِ حِينَ الْبَغْيِ وَلَوْلَا ذَلِكَ أَيْ بَقَاءُ الْإِيمَانِ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ [الحجرات: 9] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9] إنَّهُ لَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ ذَلِكَ أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّةِ إذَا كَانَ يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِيمَانِ بِأَنْ يَكُونَ وَصْفُ الْإِيمَانِ بِحَسَبِ الْأَصْلِ لَكِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى ثُبُوتِ الْإِيمَانِ لَهُمْ فِي حَالِ بَغْيِهِمْ اهـ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيَجِبُ قِتَالُ الْبُغَاةِ وَلَا يُكَفَّرُونَ بِالْبَغْيِ وَإِذَا رَجَعَ الْبَاغِي إلَى الطَّاعَةِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَتُرِكَ قِتَالُهُ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ.
قَوْلُهُ: (صِفِّينَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ الْمُهْمَلَةِ وَثَانِيهِ الْفَاءُ الْمُشَدَّدَةُ اسْمُ بَلَدٍ أَوْ إقْلِيمٍ وَكَذَا النَّهْرَوَانُ الْمَذْكُورُ مَعَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ) الْأَوْلَى حَذْفُ التَّاءِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مُؤَنَّثٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرَائِطِ الشُّرُوطُ.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ النُّونِ) قَدْ تُسَكَّنُ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَيْ شَوْكَةٍ بِكَثْرَةٍ أَوْ قُوَّةٍ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَنَعَةَ وَالشَّوْكَةَ وَالْقُوَّةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ قُوَّةٍ بِكَثْرَةٍ أَوْ تَحَصُّنٍ بِحِصْنٍ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الشَّوْكَةُ الَّتِي لَا يَتَحَقَّقُ الْبَغْيُ بِدُونِهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُطَاعٍ وَأَمَّا أَصْلُ الشَّوْكَةِ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مُطَاعٍ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا فِي الْمِنْهَاجِ شَوْبَرِيٌّ فَقَوْلُهُ: وَهِيَ لَا تَحْصُلُ أَيْ فَذِكْرُهَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ الَّذِي سَلَكَهُ الْمِنْهَاجُ.
قَوْلُهُ: (يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ) أَيْ تَصْدُرُ أَفْعَالُهُمْ عَنْ رَأْيِهِ.
قَوْلُهُ: (قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ) أَيْ أَهْلَ الْوَقْعَةِ الَّتِي أَهَمَّ فِيهَا جَمَلُ عَائِشَةَ.
وَسَبَبُ خُرُوجِهَا مَعَ مُعَاوِيَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَمَنِ الْإِفْكِ مَا رَأَيْنَا عَلَى نِسَائِك إلَّا خَيْرًا وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: النِّسَاءُ غَيْرُهَا كَثِيرٌ وَهَذَا سَبَبُ طُلُوعِهَا مَعَ مُعَاوِيَةَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ وَكَانَ النَّاسُ إذَا دَعَاهُمْ لِلْخُرُوجِ مُعَاوِيَةُ يَمْتَنِعُونَ وَيَقُولُونَ: لَا نَخْرُجُ مَعَك إلَّا إذَا خَرَجَتْ عَائِشَةُ كَمَا فِي السِّيَرِ وَمِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ تِلْكَ الْوَقْعَةِ سَيِّدُنَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَيَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَمَاتَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعُقِرَ جَمَلُ عَائِشَةَ حَتَّى سَقَطَتْ مِنْ عَلَيْهِ وَحَصَلَ مَا حَصَلَ، وَلَمَّا سَقَطَتْ كَانَ أَخُوهَا مُحَمَّدٌ عِنْدَهَا فَحَمَلَ هَوْدَجَهَا مَعَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانُوا حَاضِرِينَ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ فَأَمَرَ بِهَا فَأُدْخِلَتْ بَيْتًا سِتْرًا عَلَيْهَا ثُمَّ طَيَّبَ خَاطِرَهَا وَأَكْرَمَهَا وَاعْتَذَرَ لَهَا وَكَانَ أَخُوهَا مَعَ عَلِيٍّ فِي الْقِتَالِ وَالْوَاقِعَةُ كَانَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ وَقْتَ مَوْتِ عُثْمَانَ فِي الشَّامِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِمَوْتِهِ جَاءَ يُنَازِعُ عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَكَانَ اسْمُ
وَأَهْلَ صِفِّينَ قَبْلَ نَصْبِ إمَامِهِمْ.
(وَ) الثَّانِي (أَنْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ) أَيْ عَنْ طَاعَتِهِ بِانْفِرَادِهِمْ بِبَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ الصَّحْرَاءِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا عَنْ جَمْعٍ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
(وَ) الثَّالِثُ (أَنْ يَكُونَ لَهُمْ) فِي خُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ (تَأْوِيلٌ سَائِغٌ) ، أَيْ مُحْتَمَلٌ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، يَسْتَنِدُونَ إلَيْهِ لِأَنَّ مَنْ خَالَفَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ كَانَ مُعَانِدًا لِلْحَقِّ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا لَا يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ بَلْ يَعْتَقِدُونَ بِهِ جَوَازَ الْخُرُوجِ كَتَأْوِيلِ الْخَارِجِينَ مِنْ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ عَلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، بِأَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُمْ لِمُوَاطَأَتِهِ إيَّاهُمْ وَتَأْوِيلِ بَعْضِ مَانِعِي الزَّكَاةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنَّهُمْ لَا يَدْفَعُونَ الزَّكَاةَ إلَّا لِمَنْ صَلَاتُهُ سَكَنٌ لَهُمْ أَيْ دُعَاؤُهُ رَحْمَةٌ لَهُمْ وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ فُقِدَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ بِأَنْ خَرَجُوا بِلَا تَأْوِيلٍ كَمَانِعِي حَقِّ الشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ عِنَادًا أَوْ بِتَأْوِيلٍ يُقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ، كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ بِأَنْ كَانُوا أَفْرَادًا يَسْهُلُ الظَّفَرُ بِهِمْ أَوْ لَيْسَ فِيهِمْ مُطَاعٌ فَلَيْسُوا بُغَاةً لِانْتِفَاءِ حُرْمَتِهِمْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَى أَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَاهَا عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذِي الشَّوْكَةِ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي حَتَّى لَوْ تَأَوَّلُوا بِلَا شَوْكَةٍ وَأَتْلَفُوا شَيْئًا ضَمِنُوهُ مُطْلَقًا كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ.
وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَهُمْ قَوْمٌ يُكَفِّرُونَ مُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ وَيَتْرُكُونَ الْجَمَاعَاتِ فَلَا يُقَاتِلُونَ وَلَا يُفَسَّقُونَ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا وَهُمْ فِي قَبْضَتِنَا نَعَمْ إنْ تَضَرَّرْنَا بِهِمْ، تَعَرَّضْنَا لَهُمْ حَتَّى يَزُولَ الضَّرَرُ،
[حاشية البجيرمي]
الْجَمَلِ الَّذِي رَكِبَتْهُ عَائِشَةُ يَوْمَ وَقْعَتِهِ عَسْكَرًا أَعْطَاهُ لَهَا يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ اشْتَرَاهُ لَهَا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَهُوَ الصَّحِيحُ وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ يَوْمَ الْخَمِيسِ الْعَاشِرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى أَوْ الْأَخِيرَةِ وَقِيلَ فِي خَامِسَ عَشَرَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَكَانَتْ الْوَقْعَةُ مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى قَرِيبِ الْعَصْرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِانْفِرَادِهِمْ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ.
قَالَ م ر: وَلَا يُشْتَرَطُ انْفِرَادُهُمْ بِبَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ) تَبَرَّأَ مِنْهُ لِضَعْفِهِ.
قَوْلُهُ: (تَأْوِيلٌ سَائِغٌ) أَيْ جَائِزٌ وَالْمُرَادُ بِالتَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شُبْهَةٌ تُسَوِّغُ لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُحْتَمِلٌ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، أَيْ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ أَوْ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ مُحْتَمَلٌ صِدْقُهُ وَكَذِبُهُ فَلَا وَجْهَ لِاقْتِصَارِ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى قَوْلِهِ: اسْمُ مَفْعُولٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (لِمُوَاطَأَتِهِ إيَّاهُمْ) أَيْ لِمُوَافَقَتِهِ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَاَللَّهِ مَا قَاتَلْت وَلَا مَالَأْت أَيْ وَلَا جَمَعْت لِلْقِتَالِ وَإِنَّمَا نَهَيْت.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ارْتَدُّوا بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْإِيمَانُ إلَّا فِي حَيَاتِهِ لِانْقِطَاعِ شَرْعِهِ بِمَوْتِهِ كَبَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى بَقَاءِ دِينِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلُهُ: كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ هَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي الْمَحْدُودِ الْإِسْلَامُ وَأَخْذُهُ جِنْسًا وَإِذَا لَمْ يَشْمَلْهُمْ الْجِنْسُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُمْ بِفُصُولِ التَّعْرِيفِ.
اهـ. عَمِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسُوا بُغَاةً) أَيْ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُمْ وَلَا يُعْتَدُّ بِحَقٍّ اسْتَوْفُوهُ وَيَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مُطْلَقًا كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (عَلَى تَفْصِيلٍ.
. . إلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ سَرَتْ إلَيْهِ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ لَمْ يُذْكَرْ هُنَا أَصْلًا وَالتَّفْصِيلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُرْتَدًّا ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا.
وَمَعَ ذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي هُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا أَوْ مُرْتَدًّا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَنْهَجِ بَعْدَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَأْتِي فِي الشَّرْحِ هُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ شَوْكَةٌ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهُوَ كَالْبَاغِي وَإِنْ كَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ مِنْ غَيْرِ الشَّوْكَةِ فَلَيْسَ كَالْبَاغِي وَهَذَا غَيْرُ الَّذِي أَرَادَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذِي الشَّوْكَةِ كَمَا عَلِمْت فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ: فِي ذِي الشَّوْكَةِ وَيَقُولُ: عَلَى تَفْصِيلٍ فِيمَا إذَا فُقِدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَيْ الشَّوْكَةُ وَالتَّأْوِيلُ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (ضَمِنُوهُ مُطْلَقًا) أَيْ وَقْتَ الْحَرْبِ أَوْ غَيْرَهُ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْخَوَارِجُ) وَهُمْ صِنْفٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ قَائِلُونَ: بِأَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً كَفَرَ وَحَبِطَ عَمَلُهُ وَخُلِّدَ فِي النَّارِ وَأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِظُهُورِ الْكَبَائِرِ فِيهَا تَصِيرُ دَارَ كُفْرٍ وَإِبَاحَةٍ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (وَيَتْرُكُونَ الْجَمَاعَاتِ) أَيْ لَا يُصَلُّونَ وَرَاءَ الْأَئِمَّةِ.
كَمَا قَرَّرَهُ الْعَزِيزِيُّ وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ أَيْ لَمْ يَحْضُرُوا مَعَ الْإِمَامِ جُمُعَةً وَلَا جَمَاعَةً لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إلَّا خَلْفَ مَعْصُومٍ
فَإِنْ قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يَكُونُوا فِي قَبْضَتِنَا قُوتِلُوا، وَلَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُ الْقَاتِلِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي شَهْرِ السِّلَاحِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا إخَافَةَ الطَّرِيقِ وَهَذَا مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا عَنْ الْجُمْهُورِ وَفِيهِمَا عَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَبِهِ جَزَمَ فِي الْمِنْهَاجِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ فَإِنْ قُيِّدَ بِمَا إذَا قَصَدُوا إخَافَةَ الطَّرِيقِ فَلَا خِلَافَ
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِفَسَقَةٍ لِتَأْوِيلِهِمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ كَالْخَطَّابِيَّةِ وَهُمْ
[حاشية البجيرمي]
اهـ.
وَقَالَ م ر وَيَتْرُكُونَ الْجَمَاعَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ لَمَّا أَقَرُّوا عَلَى الْمَعَاصِي كَفَرُوا بِزَعْمِهِمْ فَلَمْ يُصَلُّوا خَلْفَهُمْ اهـ. فَإِنْ قِيلَ: تَرْكُ الْجَمَاعَاتِ يُوجِبُ الْقِتَالَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَاتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَيُقَاتَلُ تَارِكُهَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَاتِ.
قُلْت يُجَابُ بِأَنَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ظَهَرَ الشِّعَارُ بِغَيْرِهِمْ أَوْ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ وَإِنْ قُوتِلُوا مِنْ حَيْثُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ اهـ ز ي.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُقَاتَلُونَ) أَيْ لَا يُقَاتَلُونَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ الْأَوَّلُ: عَدَمُ قِتَالِهِمْ لَنَا.
وَالثَّانِي: كَوْنُهُمْ فِي قَبْضَتِنَا.
الثَّالِثُ عَدَمُ تَضَرُّرِنَا بِهِمْ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ فَقَوْلُهُ: وَهُمْ فِي قَبْضَتِنَا حَالٌ مِنْ الْوَاوِ فِي فَلَا يُقَاتَلُونَ وَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ: مَا لَمْ يُقَاتَلُوا فَعَدَمُ قِتَالِهِمْ مَشْرُوطٌ بِمَا ذُكِرَ وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِمْ فِي قَبْضَتِنَا أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُفَسَّقُونَ) بِدَلِيلِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُرُودِ ذَمِّهِمْ وَوَعِيدِهِمْ الشَّدِيدِ كَكَوْنِهِمْ كِلَابَ أَهْلِ النَّارِ الْحُكْمُ بِفِسْقِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا مُحَرَّمًا فِي اعْتِقَادِهِمْ وَإِنْ أَخْطَئُوا وَأَثِمُوا بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَقَّ فِي الِاعْتِقَادَاتِ وَاحِدٌ قَطْعًا وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ اقْتِضَاءُ أَكْثَرِ تَعَارِيفِ الْكَبِيرَةِ فِسْقَهُمْ لِوَعِيدِهِمْ الشَّدِيدِ وَقِلَّةِ اكْتِرَاثِهِمْ أَيْ مُبَالَاتِهِمْ بِالدِّينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِأَحْوَالِ الْآخِرَةِ لَا الدُّنْيَا لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يَفْعَلُوا مُحَرَّمًا عِنْدَهُمْ اهـ شَرْحُ م ر بِاخْتِصَارٍ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُقَاتِلُوا) فَإِنْ قَاتَلُوا فُسِّقُوا وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ وَبِتَقْدِيرِهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ قَطْعًا.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَهُمْ فِي قَبْضَتِنَا) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: سَوَاءٌ كَانُوا بَيْنَنَا أَوْ امْتَازُوا بِمَوْضِعٍ عَنَّا لَكِنَّهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ طَاعَتِهِ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ تَضَرَّرْنَا بِهِمْ) أَيْ بِأَنْ أَظْهَرُوا بِدْعَتَهُمْ أَوْ دَعَوَا إلَيْهَا.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (تَعَرَّضْنَا لَهُمْ) وَلَوْ بِالْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَكُونُوا فِي قَبْضَتِنَا) أَيْ أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا وَلَمْ يَكُونُوا فِي قَبْضَتِنَا قَالَ سم: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَهُمْ فِي قَبْضَتِنَا لَيْسَ قَيْدًا لِقَوْلِهِ: فَلَا يُقَاتَلُونَ مَا لَمْ يُقَاتِلُوا.
. . إلَخْ بَلْ، وَهُوَ قَيْدٌ لِقَوْلِهِ: فَلَا يُقَاتَلُونَ.
. . إلَخْ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَحَتَّمْ.
. . إلَخْ) لَوْ عَفَا الْمُسْتَحِقُّ عَنْ الْقَاتِلِ سَقَطَ الْقَتْلُ.
قَوْلُهُ: (فِي شَهْرِ السِّلَاحِ) أَيْ إظْهَارِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ) فَفِي رِوَايَةٍ «إذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ الْجَزَاءَ لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَقَدْ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَقَدْ سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْخَوَارِجِ أَهُمْ كُفَّارٌ؟ فَقَالَ: " مِنْ الْكُفْرِ فَرُّوا فَقِيلَ أَمُنَافِقُونَ؟ فَقَالَ: إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا وَهَؤُلَاءِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا فَقِيلَ مَا هُمْ؟ فَقَالَ: أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا " فَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كُفَّارًا؛ لِأَنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ وَالْخَوَارِجُ قَوْمٌ يُكَفِّرُونَ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ وَيَحْكُمُونَ بِحُبُوطِ عَمَلِ مُرْتَكِبِهَا وَتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ وَيَحْكُمُونَ بِأَنَّ دَارَ الْإِسْلَامِ تَصِيرُ بِظُهُورِ الْكَبَائِرِ فِيهَا دَارَ كُفْرٍ وَلَا يُصَلُّونَ جَمَاعَةً اهـ ح ل فِي السِّيرَةِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قُيِّدَ) أَيْ مَا فِي الْمِنْهَاجِ فَلَا خِلَافَ أَيْ فِي أَنَّهُمْ قُطَّاعُ طَرِيقٍ زِيَادَةً عَلَى كَوْنِهِمْ خَوَارِجَ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ قَاطِعِ الطَّرِيقِ.
وَهَذَا التَّقْيِيدُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعِبَارَةُ ع ش: فَلَا خِلَافَ أَيْ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ) شُرُوعٌ فِي حُكْمِ الْبُغَاةِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ شَهَادَتَهُمْ مَقْبُولَةٌ بِشَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونُوا مِمَّنْ يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ.
. . إلَخْ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَسْتَحِلُّوا دِمَاءَنَا أَوْ أَمْوَالَنَا بِلَا تَأْوِيلٍ وَقَضَاؤُهُمْ مَقْبُولٌ بِشَرْطَيْنِ أَيْضًا الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ قَضَاءُ قَاضِينَا فَيَخْرُجُ بِهِ مَا إذَا قَضَوْا بِمَا خَالَفَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.
الثَّانِي أَنْ لَا يَسْتَحِلُّوا.
. . إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَشْهَدُونَ) صَنِيعُ م ر يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ شَهَادَتِهِمْ وَقَضَائِهِمْ فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ وَقَضَاؤُهُمْ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِمُوَافِقِيهِمْ) أَيْ فِي الِاعْتِقَادِ بِتَصْدِيقِهِمْ كَذَا فِي صِحَاحِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا بِتَصْدِيقِهِ وَلَا يُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِالْجَمْعِ قَبْلَهُ، كَمَا لَا يَخْفَى وَقَوْلُهُ: بِتَصْدِيقِهِمْ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ أَيْ يَشْهَدُونَ لِمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي الْعَقِيدَةِ بِسَبَبِ تَصْدِيقِهِمْ
صِنْفٌ مِنْ الرَّافِضَةِ يَشْهَدُونَ بِالزُّورِ وَيَقْضُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُ قَاضِيهِمْ وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْبُغَاةِ نَعَمْ إنْ بَيَّنُوا السَّبَبَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حِينَئِذٍ وَيُقْبَلُ قَضَاءُ قَاضِيهِمْ بَعْدَ اعْتِبَارِ صِفَاتِ الْقَاضِي فِيهِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ قَضَاءُ قَاضِينَا؛ لِأَنَّ لَهُمْ تَأْوِيلًا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ شَاهِدُ الْبُغَاةِ أَوْ قَاضِيهمْ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَلَا قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَشَرْطُ الشَّاهِدِ وَالْقَاضِي الْعَدَالَةُ هَذَا مَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَةِ.
وَأَصْلُهَا هُنَا عَنْ الْمُعْتَبَرِينَ وَجَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَقَضَاءِ قَاضِيهِمْ بَيْنَ مَنْ يَسْتَحِلُّ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ أَمْ لَا لِأَنَّ مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ بِلَا تَأْوِيلٍ وَمَا هُنَاكَ عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّهُ بِتَأْوِيلٍ
وَمَا أَتْلَفَهُ بَاغٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِتَالٍ لِضَرُورَتِهِ، بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ أَوْ فِيهِ لَا لِضَرُورَتِهِ ضَمِنَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا أَتْلَفَهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ جَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ فِي الْإِتْلَافَاتِ نَعَمْ إنْ قَصَدَ أَهْلُ الْعَدْلِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ إضْعَافَهُمْ وَهَزِيمَتَهُمْ لَمْ يَضْمَنُوا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
فَإِنْ كَانَ الْإِتْلَافُ فِي قِتَالٍ لِضَرُورَتِهِ فَلَا ضَمَانَ اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ؛ لِأَنَّ الْوَقَائِعَ الَّتِي جَرَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ كَوَقْعَةِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ لَمْ يَطْلُبْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِضَمَانِ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ وَهَذَا عِنْدَ اجْتِمَاعِ الشَّوْكَةِ وَالتَّأْوِيلِ، فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُهُمَا فَلَهُ حَالَانِ: الْأَوَّلُ الْبَاغِي الْمُتَأَوِّلُ بِلَا شَوْكَةٍ يَضْمَنُ النَّفْسَ وَالْمَالَ وَلَوْ حَالَ الْقِتَالِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ.
وَالثَّانِي لَهُ شَوْكَةٌ بِلَا تَأْوِيلٍ وَهَذَا كَبَاغٍ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الضَّمَانِ فِي الْبَاغِينَ لِقَطْعِ الْفِتْنَةِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ وَهُوَ
[حاشية البجيرمي]
لَهُ أَيْ اعْتِقَادِهِمْ صِدْقَهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مِنْهُمْ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ إذْ ظَاهِرُ التَّأْوِيلِ يُفِيدُ أَنَّهُ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ فَحَرِّرْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَشْهَدُونَ بِالزُّورِ) أَيْ بِمَا يَرَوْهُ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونُوا.
. . إلَخْ أَيْ لَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْبُغَاةِ أَيْ قَبُولُ الشَّهَادَةِ بَلْ كُلُّ مُبْتَدِعٍ لَا يَفْسُقُ بِبِدْعَتِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
كَمَا قَالَهُ ع ش: وَعِبَارَةُ م د وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا أَيْ عَدَمُ قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَقَضَاءِ قَاضِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ بَيَّنُوا السَّبَبَ فَيَقُولُونَ رَأَيْنَاهُ بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ لَهُمْ تَأْوِيلًا) تَعْلِيلٌ لِقَبُولِ قَضَاءِ قَاضِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ) أَيْ بِلَا تَأْوِيلٍ كَمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ بِاسْتِحْلَالِ دِمَائِنَا وَأَمْوَالِنَا؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْعَدَالَةَ دُونَ الْإِسْلَامِ وَلَعَلَّهُ لِوُجُودِ الشُّبْهَةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ لَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلَةً وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَلَمْ يَقُلْ لِكُفْرٍ لِإِمْكَانِ التَّأْوِيلِ أَيْ لِإِمْكَانِ وُجُودِ التَّأْوِيلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَهُ الْآنَ.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ شَاهِدُ الْبُغَاةِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا اسْتَحَلُّوهُ بِالْبَاطِلِ عُدْوَانًا لِيَتَوَصَّلُوا بِهِ إلَى إرَاقَةِ دِمَائِنَا وَأَمْوَالِنَا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ الْعِلَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِحْلَالٌ خَارِجَ الْحَرْبِ وَإِلَّا فَكُلُّ الْبُغَاةِ يَسْتَحِلُّونَهَا حَالَةَ الْحَرْبِ وَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ مُسْتَحِلِّ الدَّمِ وَالْمَالِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْقَاضِي كَالشَّاهِدِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُؤَوِّلِ لِذَلِكَ تَأْوِيلًا مُحْتَمَلًا.
وَمَا هُنَا عَلَى خِلَافِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَهْلِ الْأَهْوَاءِ) أَيْ الْبِدَعِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أَتْلَفَهُ) مُبْتَدَأٌ وَعَكْسُهُ عَطْفٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: ضَمِنَ كُلٌّ.
. . إلَخْ.
خَبَرٌ وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُنْ.
. . إلَخْ اعْتِرَاضٌ أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ: ضَمِنَ.
. . إلَخْ جَوَابُ الشَّرْطِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: وَلَا يَتَّصِفُ إتْلَافُهُمْ بِإِبَاحَةٍ وَلَا تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا يُتْلِفُهُ الْكُفَّارُ حَالَ الْقِتَالِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ ز ي.
وَعِبَارَةُ ق ل. فَلَا يُوصَفُ إتْلَافُهُمْ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِتَأْوِيلِهِمْ.
وَبِذَلِكَ فَارَقَ حُرْمَةَ إتْلَافِ الْحَرْبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا وَعَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصْلِ فِي الْإِتْلَافَاتِ) وَهُوَ الضَّمَانُ.
قَوْلُهُ: (إضْعَافُهُمْ) أَيْ عَنْ الْقِتَالِ.
قَوْلُهُ: (اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: وَمَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ الْبُغَاةِ وَعَكْسُهُ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُتْلِفُ وَغَيْرُهُ فِي أَنَّ الْمُتْلَفَ وَقَعَ فِي الْقِتَالِ أَوْ فِي غَيْرِهِ صُدِّقَ الْمُتْلِفُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّمَانِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ) أَيْ لِلْفَاقِدِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَدْ.
قَوْلُهُ: (كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ) أَيْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ.
قَوْلُهُ: (كَبَاغٍ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ) أَيْ فَلَا يَضْمَنُ حَالَ الْقِتَالِ لِضَرُورَتِهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ.
مَوْجُودٌ هُنَا.
وَلَا يُقَاتِلُ الْإِمَامُ الْبُغَاةَ حَتَّى يَبْعَثَ لَهُمْ أَمِينًا فَطِنًا إنْ كَانَ الْبَعْثُ لِلْمُنَاظَرَةِ نَاصِحًا لَهُمْ يَسْأَلُهُمْ عَمَّا يَكْرَهُونَ اقْتِدَاءً بِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّهُ بَعَثَ ابْنَ عَبَّاسٍ إلَى أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً أَوْ شُبْهَةً أَزَالَهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِقِتَالِهِمْ رَدُّهُمْ إلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ أَصَرُّوا نَصَحَهُمْ وَوَعَظَهُمْ، فَإِنْ أَصَرُّوا أَعْلَمَهُمْ بِالْقِتَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَوَّلًا بِالْإِصْلَاحِ ثُمَّ بِالْقِتَالِ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ طَلَبُوا مِنْ الْإِمَامِ الْإِمْهَالَ اجْتَهَدَ، وَفَعَلَ مَا رَآهُ صَوَابًا
(وَلَا يُقْتَلُ) مُدْبِرُهُمْ وَلَا مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ الْقِتَالِ وَلَا (أَسِيرُهُمْ وَلَا يُذَفَّفُ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا يُسْرَعُ (عَلَى جَرِيحِهِمْ) بِالْقَتْلِ (وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9] وَالْفَيْئَةُ الرُّجُوعُ عَنْ الْقِتَالِ بِالْهَزِيمَةِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَمَرَ مُنَادِيَهُ يَوْمَ الْجَمَلِ فَنَادَى: لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَلِأَنَّ قِتَالَهُمْ شُرِعَ لِلدَّفْعِ عَنْ مَنْعِ الطَّاعَةِ وَقَدْ زَالَ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يُفْهَمُ مِنْ مَنْعِ قَتْلِ هَؤُلَاءِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهِمْ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا قِصَاصَ لِشُبْهَةِ أَبِي حَنِيفَةَ
وَلَا يُطْلَقُ أَسِيرُهُمْ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْحَرْبُ.
وَيَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ وَلَا يُتَوَقَّعَ عَوْدُهُمْ إلَّا أَنْ يُطِيعَ الْأَسِيرُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقَاتِلُ الْإِمَامُ) هَذَا شُرُوعٌ فِي حُكْمِ قِتَالِ الْبُغَاةِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا كَالْكُفَّارِ بَلْ كَالصَّائِلِ.
وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ لَيْسَ كَقِتَالِ الْكُفَّارِ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ هَذَا بِخِلَافِ الْكُفَّارِ، فَيُقَاتَلُونَ مِنْ غَيْر بَعْثٍ.
الثَّانِي: أَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ بِمَا يَعُمُّ بِخِلَافِ الْكُفَّارِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ لَا يُحَاصَرُونَ بِخِلَافِ الْكُفَّارِ اهـ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يُقَاتِلُ أَيْ لَا يَجُوزُ فَيَحْرُمُ حَتَّى يَبْعَثَ فَيَجُوزُ أَيْ يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَنْعٍ فَعُلِمَ أَنَّ قِتَالَهُمْ وَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ وَكَذَا الْبَعْثُ وَيَجِبُ فِي قِتَالِهِمْ مَا فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ مِنْ صَبْرِ وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْعَثَ) أَيْ وُجُوبًا.
وَقَوْلُهُ: أَمِينًا فَطِنًا أَيْ نَدْبًا إنْ بَعَثَ لِمُجَرَّدِ السُّؤَالِ فَإِنْ كَانَ لِلْمُنَاظَرَةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأَهُّلِهِ لِذَلِكَ كَذَا فِي ز ي وَح ل.
قَوْلُهُ: (أَمِينًا) أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا عَارِفًا بِالْعُلُومِ أَيْ وَبِالْحُرُوبِ كَمَا لَا يَخْفَى وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِفَاسِقٍ وَلَوْ كَافِرًا حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَنْقُلُ خَبَرَهُمْ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَأَنَّهُمْ يَثِقُونَ بِهِ فَيَقْبَلُونَ كُلَّ مَا يَقُولُ: كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَفَائِدَةُ الْبَعْثِ أَنَّهُ يُنَبِّهُهُمْ عَلَى مَا يَحْصُلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَرْبِ وَطُرُقِهِ لِيُوقِعَ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَنْقَادُوا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (النَّهْرَوَانُ) قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ بَغْدَادَ خَرَجَتْ عَلَى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (مَظْلَمَةً) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا أَيْ إنْ كَانَتْ مَصْدَرًا مِيمِيًّا فَإِنْ كَانَ اسْمًا لِمَا يُظْلَمُ بِهِ فَبِالْكَسْرِ فَقَطْ.
اهـ. ز ي. قَالَ الْمُرَادِيُّ: الْفَتْحُ هُوَ الْقِيَاسُ أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ وَالْقِيَاسُ فِيهَا الْفَتْحُ وَمَا جَاءَ مَكْسُورًا فَعَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَرُّوا) أَيْ بَعْدَ الْإِزَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَرُّوا أَعْلَمَهُمْ بِالْقِتَالِ) أَيْ وُجُوبًا وَحِينَئِذٍ يُقَاتِلُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَبْدَءُوا بِهِ وَقَبْلَ ذَلِكَ مُرَتَّبَةً ذَكَرَهَا فِي الْمَنْهَجِ وَهِيَ فَإِنْ أَصَرُّوا أَعْلَمَهُمْ بِالْمُنَاظَرَةِ أَيْ الْمُبَاحَثَةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي إبْطَالِ شُبَهِهِمْ أَوْ إثْبَاتِهَا.
وَقَوْلُهُ: أَعْلَمَهُمْ بِالْمُنَاظَرَةِ أَيْ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (وَفَعَلَ مَا رَآهُ صَوَابًا) بِأَنْ يُؤَخِّرَ قِتَالَهُمْ إنْ كَانَ اسْتِمْهَالُهُمْ لِلتَّأَمُّلِ فِي رُجُوعِهِمْ وَلَا يَتَقَيَّدُ الْإِمْهَالُ بِمُدَّةٍ وَلَا يُؤَخِّرُهُ إنْ ظَهَرَ أَنَّ اسْتِمْهَالَهُمْ لِأَجْلِ مَدَدٍ أَوْ عَدَدٍ يَسْتَعِينُونَ بِهِمْ عَلَى قِتَالِنَا.
قَوْلُهُ: (مُدْبِرُهُمْ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ ق ل. لِأَنَّ الْقَصْدَ رَدُّهُمْ لِلطَّاعَةِ، وَيُقَاتِلُهُمْ بِالْأَسْهَلِ، فَالْأَسْهَلِ؛ لِأَنَّهُمْ كَالصَّائِلِ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (فَنَادَى لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ) وَقَدْ اسْتَثْنَى الْإِمَامُ مَا إذَا أَيِسَ مِنْ صُلْحِهِمْ لِتَمَكُّنِ الضَّلَالِ مِنْهُمْ وَخَشِيَ عَوْدَهُمْ عَلَيْهِ بِشَرٍّ.
فَيَجُوزُ الْإِتْبَاعُ وَالتَّذْفِيفُ كَمَا فَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالْخَوَارِجِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَنْعِ قَتْلِ هَؤُلَاءِ) أَيْ الْمُدْبِرِ وَالْأَسِيرِ وَالْجَرِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيَجِبُ دِيَةٌ وَكَفَّارَةٌ ق ل. وَهَذَا فِي خُصُوصِ الْمُدْبِرِينَ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمْ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَقْسَامِ فَفِيهِمْ الْقِصَاصُ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهُ.
قَوْلُهُ: (لِشُبْهَةِ أَبِي حَنِيفَةَ) فَإِنَّهُ يَرَى قَتْلَ مُدْبِرِهِمْ
بِاخْتِيَارِهِ فَيُطْلَقُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا فِي الرَّجُلِ الْحُرِّ.
وَكَذَا فِي الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ إنْ كَانُوا مُقَاتِلِينَ وَإِلَّا أُطْلِقُوا بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَيُرَدُّ لَهُمْ بَعْدَ أَمْنِ شَرِّهِمْ بِعَوْدِهِمْ إلَى الطَّاعَةِ أَوْ تَفَرُّقِهِمْ وَعَدَمِ تَوَقُّعِ عَوْدِهِمْ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ مِنْ سِلَاحٍ وَخَيْلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْ سِلَاحِهِمْ وَخَيْلِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا إذَا خِفْنَا انْهِزَامَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَلَمْ نَجِدْ غَيْرَ خُيُولِهِمْ فَيَجُوزُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ رُكُوبُهَا
وَلَا يُقَاتَلُونَ بِمَا يَعُمُّ كَنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَسْلِيطُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ كَثُرُوا وَأَحَاطُوا بِنَا فَيُقَاتَلُونَ بِمَا يَعُمُّ وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ لِعَدَاوَةٍ أَوْ اعْتِقَادٍ كَالْحَنَفِيِّ، وَالْإِمَامُ لَا يَرَى ذَلِكَ إبْقَاءً عَلَيْهِمْ.
وَلَا يَجُوزُ إحْصَارُهُمْ بِمَنْعِ طَعَامٍ وَشَرَابٍ إلَّا عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي أَهْلِ قَلْعَةٍ وَلَا يَجُوزُ عَقْرُ خُيُولِهِمْ إلَّا إذَا قَاتَلُوا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيَتَفَرَّقُ جَمْعُهُمْ) أَيْ تَفَرُّقًا لَا عَوْدَ بَعْدَهُ ق ل قَوْلُهُ: (فَيُطْلَقُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْأَسِيرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا وَلَمْ يُقَاتِلْ أُطْلِقَ بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ فَإِنْ كَانَ كَامِلًا وَأَطَاعَ بِاخْتِيَارِهِ أُطْلِقَ، وَإِنْ بَقِيَتْ الْحَرْبُ وَإِلَّا أُطْلِقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَتَفَرُّقِ جَمْعِهِمْ وَعَدَمِ تَوَقُّعِ عَوْدِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا فِي الرَّجُلِ الْحُرِّ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَهَذَا التَّقْيِيدُ رَاجِعٌ لَهُمَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ سِيَاقِهِ يُوهِمُ رُجُوعَهُ لِلِاسْتِثْنَاءِ فَقَطْ وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الظَّاهِرُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَا يُطْلَقُ أَسِيرُهُمْ إنْ كَانَ فِيهِ مَنَعَةٌ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ قِنًّا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَيَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ تَفَرُّقًا لَا يُتَوَقَّعُ جَمْعُهُمْ بَعْدَهُ وَهَذَا فِي الرَّجُلِ الْحُرِّ.
. . إلَخْ ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنْ يُطِيعَ الْحُرُّ الْكَامِلُ الْإِمَامَ بِمُتَابَعَتِهِ لَهُ بِاخْتِيَارِهِ فَيُطْلَقُ وَإِنْ بَقِيَتْ الْحَرْبُ لِأَمْنِ ضَرَرِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا أُخِذَ مِنْهُمْ) نَائِبُ فَاعِلِ يُرَدُّ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ.
. . إلَخْ) أَيْ وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْهُ وَلَوْ لِضَرُورَةِ الْقِتَالِ لِأَجْلِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ لِعَدَمِ وُجُودِ وَضْعِ يَدٍ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ إتْلَافِهِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُمَا) أَيْ مِنْ مَلْبُوسِهِمْ وَأَوَانِيهمْ.
قَوْلُهُ: (لِضَرُورَةٍ) أَيْ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ اهـ ز ي وَهَلْ الْأُجْرَةُ لَازِمَةٌ لِلْمُسْتَعْمِلِ أَوْ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالَ
لِمَصْلَحَةِ
الْمُسْلِمِينَ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ خُيُولِهِمْ) وَتَجِبُ أُجْرَةُ مِثْلِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ كَمَا يَلْزَمُ الْمُضْطَرَّ قِيمَةُ طَعَامِ غَيْرِهِ إذَا أَتْلَفَهُ وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي فِي تَمْشِيَتِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ م ر ز ي.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَسْلِيطُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ) وَكَذَا يَحْرُمُ جَعْلُهُ جَلَّادًا يُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
أَقُولُ: وَكَذَا يَحْرُمُ نَصْبُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ نَعَمْ إنْ اقْتَضَتْ
الْمَصْلَحَةُ
تَوْلِيَتَهُ شَيْئًا لَا يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ ظَهَرَ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خِيَانَةٌ وَأُمِنَتْ فِي ذِمِّيٍّ وَلَوْ لِخَوْفِهِ مِنْ الْحَاكِمِ مَثَلًا فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُ تَوْلِيَتِهِ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُنَصِّبُهُ مُرَاقَبَتُهُ وَمَنْعُهُ مِنْ التَّعَرُّضِ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَا فِيهِ اسْتِيلَاءٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ: نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَانَ عَلَيْهِمْ بِهِ أَعْنِي بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَحْتَاجَ إلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِمْ أَعْنِي فِيمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ جَرَاءَةً وَحُسْنَ إقْدَامٍ.
وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ مَنْعِهِمْ لَوْ اتَّبَعُوا أَهْلَ الْبَغْيِ بَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ فَتَأَمَّلْ م د. وَقَوْلُهُ: جَرَاءَةً بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ وَفِعْلُهُ جَرُؤَ بِضَمِّ الرَّاءِ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: فَعُولَةٌ فَعَالَةٌ لِفَعُلَا
كَسَهُلَ الْأَمْرُ وَزَيْدٌ جَزُلَا
قَوْلُهُ: (أَوْ اعْتِقَادٍ كَالْحَنَفِيِّ) اُسْتُشْكِلَ بِجَوَازِ اسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ لِلْحَنَفِيِّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ هُنَا أَيْ فِيمَا إذَا اسْتَعَانَ بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ لَهُ يَنْفَرِدُ بِرَأْيِهِ وَهُنَاكَ أَيْ فِيمَا إذَا اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ حَنَفِيًّا تَحْتَ يَدِ الْإِمَامِ وَرَأْيِهِ فَفِعْلُهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ فَامْتَنَعَ قَتْلُهُ مُدْبِرِينَ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَالْإِمَامُ) أَيْ إمَامُ الْجَيْشِ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ وَالْحَالُ وَقَوْلُهُ: إبْقَاءً عَلَيْهِمْ أَيْ إبْقَاءً لِلْحَيَاةِ عَلَيْهِمْ أَوْ مَعْنَى إبْقَاءً شَفَقَةٌ عَلَيْهِمْ.
أَوْ بِجَعْلِ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ وَلَا تَأْوِيلَ.
وَهُوَ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ وَعِبَارَةُ ق ل. إبْقَاءً عَلَيْهِمْ أَيْ لَهُمْ وَفِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ إشْفَاقًا عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ) أَيْ
عَلَيْهَا وَلَا قَطْعُ أَشْجَارِهِمْ أَوْ زُرُوعِهِمْ وَيَلْزَمُ الْوَاحِدَ كَمَا قَالَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ مُصَابَرَةُ اثْنَيْنِ مِنْ الْبُغَاةِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَصْبِرَ لِكَافِرَيْنِ فَلَا يُوَلِّي إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ يُكْرَهُ لِلْعَادِلِ أَنْ يَعْمِدَ إلَى قَتْلِ ذِي رَحِمِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ.
وَحُكْمُ دَارِ الْبَغْيِ كَحُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ.
فَإِذَا جَرَى فِيهَا مَا يُوجِبُ إقَامَةَ حَدٍّ أَقَامَهُ الْإِمَامُ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهَا، وَلَوْ سَبَى الْمُشْرِكُونَ طَائِفَةً مِنْ الْبُغَاةِ وَقَدَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ لَزِمَهُمْ ذَلِكَ.
تَتِمَّةٌ: فِي شُرُوطِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَفِي بَيَانِ طُرُقِ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
كَالْقَضَاءِ فَشُرِطَ لِإِمَامٍ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ قُرَشِيًّا لِخَبَرِ: «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» شُجَاعًا لِيَغْزُوَ بِنَفْسِهِ وَتُعْتَبَرُ سَلَامَتُهُ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةَ
[حاشية البجيرمي]
إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَهْلِ قَلْعَةٍ) أَيْ لَا فِي إقْلِيمٍ فَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ عَقْرُ خُيُولِهِمْ) ثُمَّ إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ أَوْ فِيهِ لَا لِضَرُورَةٍ ضَمِنُوا مَا لَمْ يَقْصِدُوا إضْعَافَهُمْ وَهَزِيمَتَهُمْ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَانَ فِي الْقِتَالِ لِضَرُورَتِهِ فَلَا ضَمَانَ، كَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَمَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْنَا أَوْ عَكْسُهُ لِضَرُورَةِ حَرْبٍ، هَدَرٌ اقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ وَلِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالْحَرْبِ فَلَا نَضْمَنُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ أَوْ فِيهَا لَا لِضَرُورَتِهَا فَمَضْمُونٌ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْإِتْلَافَاتِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحَرْبِ قَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
بِمَا إذَا قَصَدَ أَهْلُ الْعَدْلِ التَّشَفِّيَ وَالِانْتِقَامَ لَا إضْعَافَهُمْ وَهَزِيمَتَهُمْ وَبِهِ يُعْلَمُ جَوَازُ عَقْرِ دَوَابِّهِمْ، إذَا قَاتَلُوا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّا إذَا جَوَّزْنَا إتْلَافَ أَمْوَالِهِمْ خَارِجَ الْحَرْبِ لِإِضْعَافِهِمْ فَهَذَا أَوْلَى اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (إلَّا إذَا قَاتَلُوا عَلَيْهَا) أَيْ فَيَجُوزُ وَلَا ضَمَانَ إنْ كَانَ لِضَرُورَةِ الْقِتَالِ أَوْ لِقَصْدِ هَزِيمَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُوَلِّي) أَيْ الْمُسْلِمُ.
قَوْلُهُ: (إقَامَةَ) جَوَابُ إذَا
قَوْلُهُ: (فِي شُرُوطِ.
. . إلَخْ) عَقَّبَ الْبُغَاةَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَغْيَ هُوَ الْخُرُوجُ عَلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ الْقَائِمِ بِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي إقَامَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ) وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْإِمَامِ الْخَلِيفَةُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْبَغَوِيّ: وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُقَالُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَلَا خَلِيفَةُ اللَّهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
اهـ. ز ي. وَعَلَّلُوهُ: بِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَخْلِفُ مَنْ يَغِيبُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ فَقَالَ: لَسْت بِخَلِيفَةِ اللَّهِ بَلْ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر: 39] اهـ. وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْجَوَازِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تُعْتَبَرُ فِي الدَّوَامِ أَيْضًا إلَّا الْفِسْقَ وَزَوَالَ إحْدَى الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَإِلَّا إذَا كَانَ الْجُنُونُ مُتَقَطِّعًا وَزَمَنُ الْإِفَاقَةِ أَغْلَبَ سم عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (فَشَرْطُ الْإِمَامِ) وَهَذَا فِي الِابْتِدَاءِ فَلَا يَضُرُّ طُرُوُّ الْفِسْقِ أَوْ الْجُنُونِ إذَا كَانَتْ الْإِفَاقَةُ أَكْثَرَ وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: فِي شُرُوطِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (كَوْنُهُ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا ذَكَرًا حُرًّا عَدْلًا ذَا رَأْيٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَنُطْقٍ وَهَذَا عِنْدَ التَّمَكُّنِ فَلَوْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَى تَوْلِيَةِ فَاسِقٍ جَازَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْوَصَايَا وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: إذَا تَعَذَّرَتْ الْعَدَالَةُ فِي الْأَئِمَّةِ وَالْحُكَّامِ قَدَّمْنَا أَقَلَّهُمْ فِسْقًا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ إذْ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ النَّاسِ فَوْضَى أَيْ لَا إمَامَ لَهُمْ وَقَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَيْ لِيُرَاعِيَ مَصْلَحَةَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْلُهُ: بَالِغًا أَيْ لِيَلِيَ أَمْرَ غَيْرِهِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّ غَيْرَهُ فِي وِلَايَةِ غَيْرِهِ وَحِجْرِهِ فَكَيْفَ يَلِي أَمْرَ الْأُمَّةِ وَرَوَى أَحْمَدُ خَبَرَ «تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ إمَارَةِ الصَّبِيَّانِ» وَقَوْلُهُ: حُرًّا أَيْ لِيَكْمُلَ وَيُهَابَ وَيَتَفَرَّغَ وَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الْأَطْرَافِ» مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَثِّ فِي بَذْلِ الطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ أَوْ عَلَى الْمُتَغَلِّبِ الْآتِي اهـ ز ي مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ ق ل. وَقَوْلُهُ: مُجَدَّعُ الْأَطْرَافِ ضَبَطَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَتِهِ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْخَاءِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَمَعْنَاهُ عَلَى كِلَيْهِمَا مُقَطَّعُ الْأَطْرَافِ.
قَوْلُهُ: (شُجَاعًا) بِتَثْلِيثِ الشِّينِ قَامُوسٌ (ع ش) .
قَوْلُهُ: (اسْتِيفَاءَ الْحَرَكَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْحَرَكَةُ ضَعِيفَةً وَهَذَا غَيْرُ
النُّهُوضِ كَمَا دَخَلَ فِي الشَّجَاعَةِ
وَتَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ: الْأُولَى بِبَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ الْمُتَيَسِّرِ اجْتِمَاعُهُمْ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا عَدَدٌ وَيُعْتَبَرُ اتِّصَافُ الْمُبَايِعِ بِصِفَةِ الشُّهُودِ.
وَالثَّانِيَةُ بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ مِنْ عَيْنِهِ فِي حَيَاتِهِ كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي حَيَاتِهِ.
كَجَعْلِهِ الْأَمْرَ فِي الْخِلَافَةِ تَشَاوُرًا بَيْنَ جَمْعٍ، كَمَا جَعَلَ عُمَرُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ، وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَطَلْحَةَ فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ.
وَالثَّالِثَةُ بِاسْتِيلَاءِ شَخْصٍ مُتَغَلِّبٍ عَلَى الْإِمَامَةِ وَلَوْ غَيْرَ أَهْلٍ لَهَا.
نَعَمْ الْكَافِرُ إذَا تَغَلَّبَ لَا تَنْعَقِدُ إمَامَتُهُ
[حاشية البجيرمي]
سُرْعَةِ النُّهُوضِ قَوْلُهُ: (كَمَا دَخَلَ فِي الشَّجَاعَةِ) أَيْ الِاعْتِبَارُ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ قَوْلُهُ: (بِبَيْعَةِ) أَيْ بِمُعَاقَدَتِهِمْ وَمُوَافَقَتِهِمْ كَأَنْ يَقُولُوا بَايَعْنَاك الْخِلَافَةَ فَيَقْبَلَ.
اهـ. شَيْخُنَا.
وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ بَلْ الشَّرْطُ عَدَمُ الرَّدِّ فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ إلَّا أَنْ لَا يَصْلُحَ غَيْرُهُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ) أَيْ حَلِّ الْأُمُورِ وَعَقْدِهَا.
قَوْلُهُ: (وَوُجُوهُ النَّاسِ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَإِنَّ وُجُوهَ النَّاسِ عُظَمَاؤُهُمْ بِإِمَارَةٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَفِي الْمُخْتَارِ وَجُهَ الرَّجُلُ صَارَ وَجِيهًا أَيْ ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ وَبَابُهُ ظَرْفٌ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (الْمُبَايِعِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: (بِصِفَةِ الشُّهُودِ) مِنْ عَدَالَةٍ وَغَيْرِهَا لَا اجْتِهَادٍ.
قَوْلُهُ: (بِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ) خَرَجَ بِالْإِمَامِ غَيْرُهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ فَلَا يَصْلُحُ اسْتِخْلَافُهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ مَنْ يَكُونُ أَمِيرًا بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ) حَاصِلُهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا ثَقُلَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ دَعَا جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ وَاسْتَخْبَرَ عَنْ حَالِ عُمَرَ، مِنْهُمْ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانَ " أَنْ يَكْتُبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ فِي آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا وَعِنْدَ أَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ دَاخِلًا فِيهَا حَيْثُ يُؤْمِنُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيَتَّقِي فِيهَا الْفَاجِرُ، وَيَصْدُقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، إنِّي اسْتَخْلَفْت عَلَيْكُمْ بَعْدِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَإِنْ عَدَلَ فَذَاكَ ظَنِّي وَعِلْمِي بِهِ وَإِنْ بَدَّلَ فَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ وَالْخَيْرَ أَرَدْت، وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227] وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " ثُمَّ أَمَرَ وَاحِدًا بِخَتْمِ الْكِتَابِ فَخَتَمَهُ ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانَ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا فَبَايَعَ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ خَالِيًا فَأَوْصَاهُ بِمَا أَوْصَاهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ وَدَعَا لَهُ بِدَعَوَاتٍ مَذْكُورَةٍ فِي الصَّوَاعِقِ لِابْنِ حَجَرٍ.
وَالْكَافُ فِي قَوْلِهِ: كَمَا لِلتَّمْثِيلِ وَفِي قَوْلِهِ: كَجَعْلِهِ لِلتَّنْظِيرِ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: كَمَا عَهِدَ.
. . إلَخْ.
أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ الْمَذْكُورَ يُسَمَّى عَهْدًا.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ) أَيْ عَدَمُ الرَّدِّ وَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ، بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا عَنْهُ وَلَوْ غَابَ الْمَعْهُودُ لَهُ وَتَضَرَّرُوا بِغَيْبَتِهِ فَلَهُمْ إقَامَةُ نَائِبٍ عَنْهُ مَكَانَهُ لِيُعْزَلَ بِقُدُومِهِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا جَعَلَ عُمَرُ الْأَمْرَ شُورَى) فَإِنْ قِيلَ: كَانَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ وَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ أَنَّ الْأَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ أَفْضَلُهُمْ.
وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وِلَايَةُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِالْأَفْضَلِ مِنْهُمْ لَكَانَ قَدْ نَصَّ عَلَى اسْتِخْلَافِهِ، وَهُوَ قَصَدَ أَنْ لَا يَتَقَلَّدَ الْعَهْدَ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَهَا فِي سِتَّةٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُمْ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ وَأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْهُمْ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْفَاضِلِ وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي مَنْزِلَةٍ وَغَيْرُهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُ.
وَعُلِمَ رِضَا الْأُمَّةِ بِمَنْ رَضِيَ بِهِ السِّتَّةُ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: أَنْ لَا يَتَقَلَّدَ الْعَهْدَ جَعَلَ الْعَهْدَ كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِهِ.
قَوْلُهُ: (شُورَى) أَيْ تَشَاوُرًا بَيْنَهُمْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِغَيْرِهِمْ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ سِتَّةٍ) . وَقَدْ نَظَمَهُمْ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ:
أَصْحَابُ شُورَى سِتَّةٌ فَهَاكَهَا ... لِكُلِّ شَخْصٍ مِنْهُمُو قَدْرٌ عَلِيٍّ
عُثْمَانُ طَلْحَةُ وَابْنُ عَوْفٍ يَا فَتَى ... سَعْدُ بْنُ وَقَّاصٍ زُبَيْرٌ مَعَ عَلِيٍّ
قَوْلُهُ: (فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ وَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَتَّفِقُوا فِي
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141]
وَتَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِيمَا يَجُوزُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لِخَبَرِ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الْأَطْرَافِ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ نَصْبِهِ اتِّحَادُ الْكَلِمَةِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِوُجُوبِ الطَّاعَةِ.
فَصْلٌ: فِي الرِّدَّةِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا هِيَ لُغَةً الرُّجُوعُ عَنْ الشَّيْءِ إلَى غَيْرِهِ وَهِيَ مِنْ أَفْحَشِ الْكُفْرِ وَأَغْلَظِهِ حُكْمًا مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ وَإِلَّا حَبِطَ ثَوَابُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ.
وَشَرْعًا قَطْعُ مَنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ اسْتِمْرَارَ الْإِسْلَامِ وَيَحْصُلُ قَطْعُهُ بِأُمُورٍ بِنِيَّةِ كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ مُكَفِّرٍ أَوْ قَوْلٍ مُكَفِّرٍ سَوَاءٌ أَقَالَهُ اسْتِهْزَاءً أَمْ اعْتِقَادًا أَمْ عِنَادًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66]
[حاشية البجيرمي]
حَيَاتِهِ عَلَى وَاحِدٍ لَكِنْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعُ الْأَطْرَفِ) الْمُرَادُ الْحَثُّ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ أَوْ تَقُولُ هِيَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ وَالْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الشَّخْصُ فَهُوَ الْحُرُّ ق ل الْأَوْلَى إبْقَاءُ الْعَبْدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْجَدْعُ قَطْعُ الْأَنْفِ وَقَطْعُ الْأُذُنِ أَيْضًا وَقَطْعُ الْيَدِ وَالشَّفَةِ وَهُوَ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَرْحُومِيٌّ
[فَصْلٌ فِي الرِّدَّةِ]
ِ هَذَا شُرُوعٌ فِي الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَهْلُ الرِّدَّةِ، وَوُجُوبُ قِتَالِهِمْ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَاتَلَ أَهْلَ الْيَمَامَةِ لَمَّا ارْتَدُّوا بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ هَهُنَا؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى الدِّينِ.
وَمَا تَقَدَّمَ جِنَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ وَأَخَّرَهَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِ مَا قَبْلَهَا.
وَكَانَ حَدُّهَا الْقَتْلَ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ فِي قَطْعِ آلَتِهَا؛ لِأَنَّهَا اعْتِقَادٌ يُخْشَى دَوَامُهُ وَهِيَ أَفْحَشُ أَنْوَاعِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ، أَوْ هِيَ مِنْهُ وَهِيَ أَفْحَشُ مِنْهُ.
وَيَلِيهَا الْقَتْلُ ظُلْمًا ثُمَّ الزِّنَا ثُمَّ الْقَذْفُ ثُمَّ السَّرِقَةُ وَهَذِهِ الْكُلِّيَّاتُ الْخَمْسُ الْمَشْرُوعَةُ حُدُودُهَا لِحِفْظِ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالنَّسَبِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ وَأَخَّرَ الرِّدَّةَ عَنْ الْقَتْلِ مَعَ أَنَّهَا أَفْحَشُ مِنْهُ، كَمَا مَرَّ لِعُمُومِهِ وَكَثْرَتِهِ وَحُصُولِهِ مِمَّنْ لَا تُوجَدُ الرِّدَّةُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ لُغَةً الرُّجُوعُ) وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ كَمَانِعِي الزَّكَاةِ فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَفْحَشِ الْكُفْرِ) الْأَوْلَى حَذْفُ مِنْ؛ لِأَنَّهُ لَا أَغْلَظَ إلَّا هِيَ وَوَجْهُ غِلَظِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ وَلَا يُؤْمِنُ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَلَا مُنَاكَحَتُهُ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ فِي ذَلِكَ وَعِبَارَةُ م ر. وَهِيَ أَفْحَشُ الْكُفْرِ وَهِيَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (مُحْبِطَةٌ لِلْعَمَلِ) فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا وَعِبَارَةُ ق ل. وَاعْلَمْ أَنَّهَا تُحْبِطُ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ.
وَكَذَا الْعَمَلُ إنْ اتَّصَلَتْ بِالْمَوْتِ إجْمَاعًا فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا تُحْبِطُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ إعَادَةُ نَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ كَانَ فَعَلَهُ قَبْلَهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ تُحْبِطُ الْعَمَلَ أَيْضًا وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] . وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْعَمَلَ الَّذِي تُحْبِطُهُ الرِّدَّةُ بِمَا وَقَعَ حَالَ التَّكْلِيفِ لَا مَا قَبْلَهُ فَرَاجِعْهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ) بِأَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا لَا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَمُكْرَهًا.
وَدَخَلَ فِيهِ الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تُطَلِّقُ نَفْسَهَا بِتَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا وَتُطَلِّقُ غَيْرَهَا بِالْوَكَالَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلرِّدَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ أَمَّا وَلَدُ الْمُرْتَدِّ الَّذِي انْعَقَدَ فِي الرِّدَّةِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ حُكْمًا لِعَدَمِ قَطْعِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ.
وَكَذَا الْمُنْتَقِلُ مِنْ دِينٍ إلَى دِينٍ فَحُكْمُهُ كَالْمُرْتَدِّ وَلَمْ يَقْطَعْ إسْلَامًا وَكَذَا الزِّنْدِيقُ فَإِنَّهُ وَإِنْ قَطَعَ الْإِسْلَامَ ظَاهِرًا لَا يُسَمَّى مُرْتَدًّا حَقِيقَةً لِعَدَمِ إسْلَامٍ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْطَعَهُ فَرِدَّتُهُ حُكْمِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (اسْتِمْرَارِ) مَعْمُولٌ لِقَطْعِ وَبِتَقْدِيرِ اسْتِمْرَارٍ انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ قَطْعُهُ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ) هِيَ الْعَزْمُ عَلَى الْكُفْرِ الْآتِي فِي كَلَامِهِ.
بِأَنْ نَوَى أَنْ يَكْفُرَ فِي الْحَالِ أَوْ أَنْ يَكْفُرَ فِي غَدٍ فَيَكْفُرُ حَالًا؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ إسْلَامٍ شَرْطٌ فَإِذَا عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ كَفَرَ حَالًّا وَلَوْ عَزَمَ الشَّخْصُ
فَمَنْ نَفَى الصَّانِعَ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُمْ الدَّهْرِيُّونَ الزَّاعِمُونَ أَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا كَذَلِكَ بِلَا صَانِعٍ أَوْ نَفَى الرُّسُلَ بِأَنْ قَالَ: لَمْ يُرْسِلْهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ نَفَى نُبُوَّةَ نَبِيٍّ أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا أَوْ نَبِيًّا أَوْ سَبَّهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِهِ أَوْ بِاسْمِهِ أَوْ بِاسْمِ اللَّهِ أَوْ بِأَمْرِهِ أَوْ وَعْدِهِ أَوْ جَحَدَ آيَةً
[حاشية البجيرمي]
عَلَى فِعْلِ كَبِيرَةٍ فِي غَدٍ لَا يَفْسُقُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَوْلٍ مُكَفِّرٍ) لَوْ قَدَّمَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ مِنْ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ أَوْ قَوْلٍ: مُكَفِّرٍ أَيْ عَمْدًا فَيَخْرُجُ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَيْهِ وَلِغَيْرِ نَحْوِ تَعْلِيمٍ اهـ قَالَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَقَالَهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ النِّيَّةِ وَالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَلَوْ قَالَ: كَمَا فِي الْمَنْهَجِ اسْتِهْزَاءً كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى اهـ. لِأَنَّ النِّيَّةَ وَالْفِعْلَ لَيْسَا قَوْلًا.
قَوْلُهُ: (اسْتِهْزَاءً) أَيْ تَحْقِيرًا وَاسْتِخْفَافًا فَخَرَجَ مَنْ يُرِيدُ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ أَوْ أَطْلَقَ كَقَوْلِ مَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُرِدْهُ لَوْ جَاءَنِي جِبْرِيلُ أَوْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا فَعَلْته.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوْرِيَةَ هُنَا فِيمَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لَا تُفِيدُ فَيَكْفُرُ بَاطِنًا وَفَارَقَ الطَّلَاقَ بِوُجُودِ التَّهَاوُنِ هُنَا.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَالَ الْحِصْنِيُّ: وَمِنْ صُوَرِ الِاسْتِهْزَاءِ مَا يَصْدُرُ: مِنْ الظَّلَمَةِ عِنْدَ ضَرْبِهِمْ فَيَسْتَغِيثُ الْمَضْرُوبُ بِسَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَقُولُ خَلِّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَلِّصْك وَنَحْوَ ذَلِكَ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (أَمْ عِنَادًا) أَيْ مُعَانَدَةَ شَخْصٍ وَمُرَاغَمَةً لَهُ وَمُخَاصَمَةً لَهُ كَأَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ عِنَادًا وَقَوْلُهُ: أَوْ اعْتِقَادًا بِأَنْ قَالَ لِشَخْصٍ: يَا كَافِرُ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْمُخَاطَبَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ حَقِيقَةً وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ رَاجِعٌ لِلْقَوْلِ فَقَطْ وَلَكِنَّ بَعْضَهُ رَجَعَهُ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ مُمْكِنٌ فِي الْفِعْلِ بَعِيدٌ فِي النِّيَّةِ فَافْهَمْ.
وَقَدْ يُجَابُ بِحَمْلِ الْفِعْلِ عَلَى مَا يَشْمَلُ فِعْلَ الْقَلْبِ وَالِاعْتِقَادِ وَيُعَدُّ فِعْلًا وَإِنْ كَانَ فِي التَّحْقِيقِ كَيْفِيَّةً قَالَهُ سم.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ نَفَى الصَّانِعَ) مَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وَجُمْلَةُ كَفَرَ فِيمَا يَأْتِي خَبَرٌ أَوْ إنَّ مَنْ شَرْطِيَّةٌ وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ.
وَفِيهِ إطْلَاقُ الصَّانِعِ عَلَى الْمَوْلَى وَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الْغَزَالِيِّ مِنْ جَوَازِ إطْلَاقِ مَا وَرَدَتْ بِهِ الْمَادَّةُ وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88] .
قَوْلُهُ: (الدَّهْرِيُّونَ) وَهُمْ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ الْفِعْلَ لِلدَّهْرِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَفَى الرُّسُلَ) أَلْ لِلْجِنْسِ فَيَصْدُقُ بِالْوَاحِدِ وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ تَكْفِيرُ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَافِي الرُّؤْيَةِ وَصَوَّبَ النَّوَوِيُّ خِلَافَهُ وَأَوَّلَ النَّصَّ.
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: عَدَمَ تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ بِخَلْقِ الْأَفْعَالِ مَعَ تَكْفِيرِ مَنْ أَسْنَدَ لِلْكَوَاكِبِ فِعْلًا.
وَأَجَابَ الزَّرْكَشِيّ بِأَنَّ الْفَرْقَ كَوْنُ الْكَوَاكِبِ مُؤَثِّرَةً فِي جَمْعِ الْكَائِنَاتِ بِخِلَافِ هَذَا.
أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَضِيَّتَهُ لَوْ أَسْنَدَ لِلْكَوَاكِبِ بَعْضَ الْأَفْعَالِ لَا يَكُونُ كَافِرًا وَهُوَ بَاطِلٌ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: بِأَنَّهُمْ أَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْجَدَ فِي الْعَبْدِ قُدْرَةً وَلَكِنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَبْدَ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا) بِخِلَافِ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ كُفْرًا بَلْ كَبِيرَةً فَقَطْ اهـ ع ش. فَرْعٌ: لَوْ ادَّعَى أَنَّ النَّبِيَّ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ لَمْ يَكْفُرْ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّ النَّبِيَّ رَاضٍ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَذَاكَ ظَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مُجَرَّدُ كَذِبٍ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَأَنَّهُ يُعَانِقُ الْحُورَ الْعِينَ فَهَذَا كُفْرٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي شَرْحِ الْحِصْنِيِّ.
وَالْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِمْ تَفْصِيلًا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
حَتْمٌ عَلَى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ ... ؛ لِأَنْبِيَاءٍ عَلَى التَّفْضِيلِ قَدْ عُلِمُوا
فِي تِلْكَ حُجَّتُنَا مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ ... مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ وَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَهُمُو
إدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صَالِحٌ وَكَذَا ... ذُو الْكِفْلِ آدَم بِالْمُخْتَارِ قَدْ خُتِمُوا
مِنْ الْقُرْآنِ مُجْمَعًا عَلَى ثُبُوتِهَا أَوْ زَادَ فِيهِ آيَةً مُعْتَقِدًا أَنَّهَا مِنْهُ أَوْ اسْتَخَفَّ بِسُنَّةٍ كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ: قَلِّمْ أَظْفَارَك فَإِنَّهُ سُنَّةٌ فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً وَقَصَدَ الِاسْتِهْزَاءَ بِذَلِكَ.
أَوْ قَالَ: لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِكَذَا مَا فَعَلْته.
أَوْ قَالَ: إنْ كَانَ مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ صِدْقًا نَجَوْنَا أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي النَّبِيُّ إنْسِيٌّ أَوْ جِنِّيٌّ.
أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الْإِيمَانُ احْتِقَارًا أَوْ قَالَ لِمَنْ حَوَّلَ: لَا حَوْلَ لَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ.
أَوْ قَالَ الْمَظْلُومُ: هَذَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَقَالَ الظَّالِمُ: أَنَا أَفْعَلُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِهِ أَوْ أَشَارَ بِالْكُفْرِ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ عَلَى كَافِرٍ أَرَادَ الْإِسْلَامَ أَوْ لَمْ يُلَقِّنْ الْإِسْلَامَ طَالِبَهُ مِنْهُ أَوْ كَفَّرَ مُسْلِمًا بِلَا تَأْوِيلٍ لِلْمُكَفِّرِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ أَوْ حَلَّلَ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ كَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ، وَالظُّلْمِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا بِالْإِجْمَاعِ كَالنِّكَاحِ وَالْبَيْعِ أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَأَنْ نَفَى رَكْعَةً مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ اعْتَقَدَ وُجُوبَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَوْ سَبَّهُ) أَوْ قَصَدَ تَحْقِيرَهُ وَلَوْ بِتَصْغِيرِ اسْمِهِ أَوْ سَبَّ الْمَلَائِكَةَ أَوْ ضَلَّلَ الْأُمَّةَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اسْتَخَفَّ) أَيْ تَهَاوَنَ بِهِ أَوْ بِاسْمِهِ كَأَنْ أَلْقَاهُ فِي قَاذُورَةٍ أَوْ صَغَّرَهُ.
بِأَنْ قَالَ مُحَيْمَدٌ قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَكَذَلِكَ قَذْفُ عَائِشَةَ وَإِنْكَارُ صُحْبَةِ أَبِيهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كَأَنْ قَالَ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُ تَلْقِينَ الْإِسْلَامِ: اصْبِرْ سَاعَةً.
اهـ قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ قَذْفُ عَائِشَةَ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ لَكِنْ قَيَّدَهُ م ر فِي شَرْحِهِ بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَكْفُرُ بِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ الْحَسَنِ أَوْ الْحُسَيْنِ.
فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ جَاءَهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ وَهُوَ يُصَلِّي وَطَلَبَ مِنْهُ تَلْقِينَ الشَّهَادَتَيْنِ هَلْ يُجِيبُهُ أَوْ لَا؟ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: إنْ خَشِيَ فَوَاتَ إسْلَامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّلْقِينُ.
وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ فَوَاتَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِلْعُذْرِ بِتَلَبُّسِهِ بِالْفَرْضِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ رَضِيَ بِالْكُفْرِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ لَمْ يُلَقِّنْ الْإِسْلَامَ أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فِي طَلَبِ التَّأْخِيرِ كَمَا هُنَا ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (مُجْمَعًا عَلَى ثُبُوتِهَا) كَبَسْمَلَةِ النَّمْلِ الَّتِي فِي وَسَطِهَا أَمَّا بَسْمَلَةُ الْفَاتِحَةِ فَلَا يَكْفُرُ مَنْ نَفَاهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ لِعَدَمِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا قَالَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ: فِيمَا عَلَّقَهُ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْأَعْجَمِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي مَتْنِ الْأَنْوَارِ مَا نَصُّهُ لَوْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصَّحَابَةِ كَفَرَ.
وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكْفُرْ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى صَحَابَةٍ غَيْرِهِ وَالنَّصُّ وَارِدٌ شَائِعٌ.
قُلْت: وَأَقَلُّ الدَّرَجَاتِ أَنْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؛ لِأَنَّ صَحَابَتَهُمْ يَعْرِفُهَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَافِي صَحَابَةِ أَحَدِهِمْ مُكَذِّبٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَأَقُولُ: إنَّمَا نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لِثُبُوتِ صُحْبَتِهِ بِالْقُرْآنِ وَسُكُوتِهِمْ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَمْنَعُ اللُّحُوقَ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَصُحْبَةُ عُمَرَ كَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (قَلِّمْ أَظْفَارَك) أَوْ قُصَّ شَارِبَك.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ: لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِكَذَا مَا فَعَلْته) أَيْ لَوْ جَاءَنِي النَّبِيُّ مَا قَبِلْته مَا لَمْ يُرِدْ الْمُبَالَغَةَ فِي تَبْعِيدِ نَفْسِهِ أَوْ يُطْلِقْ فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهُ التَّبْعِيدُ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ مَا قَالَهُ الْأَنْبِيَاءُ) . أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (صِدْقًا) بِالنَّصْبِ خَبَرُ كَانَ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ اسْمُهَا مُؤَخَّرًا لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ نَكِرَةٌ وَالْخَبَرُ مَعْرِفَةٌ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (إنْسِيٌّ) أَيْ أَهُوَ إنْسِيٌّ.
. . إلَخْ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَدْرِيَ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ حَوَّلَ) . صَوَابُهُ حَوْقَلَ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يُلَقِّنْ الْإِسْلَامَ) أَيْ الشَّهَادَتَيْنِ طَالِبَهُ مِنْهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ فِي التَّأْخِيرِ إلَّا بِأَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ كَأَنْ كَانَ يُصَلِّي الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ وَلَمْ يَخْشَ فَوَاتَ إسْلَامِهِ فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ إسْلَامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّلْقِينُ وَتَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُ إنْ احْتَاجَ إلَى خِطَابِهِ بِنَحْوِ قُلْ وَإِلَّا بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَقَصَدَ الذِّكْرَ فَلَا بُطْلَانَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِلَا تَأْوِيلٍ لِلْمُكَفِّرِ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ لِلْكُفْرِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حَلَّلَ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ إجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَخَرَجَ إنْكَارُ أَنَّ لِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ، تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ فَلَا يَكْفُرُ بِهِ وَلَوْ مِنْ عَالِمٍ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ ق ل وَلَوْ تَمَنَّى شَخْصٌ أَنْ لَا يُحَرِّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ أَوْ لَا يُحَرِّمَ الْمُنَاكَحَةَ بَيْنَ الْأَخِ وَالْأُخْتِ لَا يَكْفُرُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَمَنَّى أَنْ لَا يُحَرِّمَ اللَّهُ الظُّلْمَ وَالزِّنَا وَقَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ حَلَالًا فِي زَمَانٍ فَتَمَنَّى حِلَّهُ لَا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَخِ لِأُخْتِهِ كَانَ حَلَالًا فِي زَمَنِ آدَمَ.
اهـ. حِصْنِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) لَوْ أَسْقَطَ وُجُوبَ كَانَ أَعَمَّ لِيَشْمَلَ الرَّاتِبَةَ وَنَحْوَهَا طَبَلَاوِيٌّ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (أَوْ اعْتَقَدَ.
. . إلَخْ) . كَانَ الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرَهُ عَنْ
بِالْإِجْمَاعِ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ حَالًا كَفَرَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا بَابٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَالْفِعْلُ الْمُكَفِّرُ مَا تَعَمَّدَهُ صَاحِبُهُ اسْتِهْزَاءً صَرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ: كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ بِقَاذُورَةٍ، وَسُجُودٍ لِمَخْلُوقٍ كَصَنَمٍ وَشَمْسٍ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا: قَطْعُ مَنْ يَصِحُّ طَلَاقُهُ
[حاشية البجيرمي]
الْفِعْلِ الْآتِي إذْ هُوَ مِنْ الْفِعْلِ الْقَلْبِيِّ وَلَيْسَ بِنِيَّةٍ إذْ النِّيَّةُ الْقَصْدُ وَهُوَ غَيْرُ الْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ) أَيْ أَوْ سَجْدَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ) أَيْ الْكُفْرِ أَيْ هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لَا وَإِنَّمَا كَانَ مُكَفِّرًا؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْإِيمَانِ وَاجِبَةٌ وَالتَّرَدُّدَ يُنَافِيهَا شَرْحُ الرَّوْضِ.
فَإِنْ قُلْت التَّرَدُّدُ مِنْ أَيِّ قِسْمٍ مِنْ الْأَقْسَامِ.
قُلْت: مِنْ قِسْمِ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْفِعْلِ مَا يَشْمَلُ الْقَلْبِيَّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَالَ م د: وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهُ شَامِلًا لِلتَّرَدُّدِ فِي إيجَادِ فِعْلٍ مُكَفِّرٍ أَيْضًا كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي إلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمَنْهَجِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ وَعِبَارَتُهُ كَنَفْيِ الصَّانِعِ أَوْ نَفْيِ نَبِيٍّ أَوْ تَكْذِيبِهِ أَوْ جَحْدِ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً بِلَا عُذْرٍ أَوْ تَرَدَّدَ فِي كُفْرٍ أَوْ إلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَةٍ.
اهـ فَقَوْلُهُ: أَوْ إلْقَاءِ مُصْحَفٍ مَعْطُوفٌ عَلَى نَفْيِ الصَّانِعِ لَا عَلَى كُفْرٍ إذْ لَوْ عَطَفَ عَلَيْهِ لَاقْتَضَى أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي الْإِلْقَاءِ كُفْرٌ.
فِيهِ نَظَرٌ صَرَّحَ بِهِ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الرَّوْضِ.
أَقُولُ: وَيَنْبَغِي عَدَمُ الْكُفْرِ بِهِ لَكِنَّ قَضِيَّةَ قَوْلِهِ: أَوْ تَرَدَّدَ فِي كُفْرٍ أَنَّهُ يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ الْمُصْحَفِ كُفْرٌ فَالتَّرَدُّدُ فِيهِ تَرَدُّدٌ فِي الْكُفْرِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (حَالًّا) مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ وَالْأَصْلُ فَيَكْفُرُ حَالًا كَمَا عَبَّرَ بِهِ م ر وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِتَرَدَّدَ أَيْ تَرَدَّدَ فِي الْكُفْرِ حَالًا أَوْ غَدًا فَيَكْفُرُ حَالًا وَعِبَارَةُ س ل. أَوْ تَرَدَّدَ فِي كُفْرٍ أَيْ حَالًا بِطَرَيَانِ شَكٍّ يُنَاقِضُ جَزْمَ النِّيَّةِ بِالْإِسْلَامِ فَإِنْ لَمْ يُنَاقِضْ الْجَزْمَ كَاَلَّذِي يَجْرِي فِي الْفِكْرِ فَهُوَ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ الْمُوَسْوَسُ.
اهـ وَقَوْلُهُ: أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ حَالًا أَوْ قَالَ: تَوَفَّنِي إنْ شِئْت مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا أَوْ قَالَ: أَخَذْت مَالِي وَوَلَدِي فَمَاذَا بَقِيَ لَمْ تَفْعَلْهُ أَوْ ضَلَّلَ الْأُمَّةَ أَوْ كَفَّرَ الصَّحَابَةَ أَوْ أَنْكَرَ الْبَعْثَ أَوْ أَنْكَرَ مَكَّةَ أَوْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالْحِسَابَ أَوْ الثَّوَابَ أَوْ الْعِقَابَ.
نَعَمْ لَا كُفْرَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ جَاهِلٍ قَرُبَ إسْلَامُهُ أَوْ بَعُدَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ.
اهـ. سم وَقَوْلُهُ: أَوْ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ أَيْ فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِهِ فِي الدُّنْيَا اهـ لَا إنْ أَنْكَرَ الصِّرَاطَ أَوْ الْمِيزَانَ مِمَّا تَقُولُ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ رَشِيدِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا بَابٌ لَا سَاحِلَ لَهُ) أَيْ لِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِ وَفِيهِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ الْبَابَ بِالْبَحْرِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَقَوْلُهُ: لَا سَاحِلَ لَهُ اسْتِعَارَةٌ تَخَيُّلِيَّةٌ وَلَوْ قَالَ: بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ لَكَانَ أَنْسَبَ.
قَوْلُهُ: (صَرِيحًا) صِفَةٌ لِلِاسْتِهْزَاءِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا وَقَوْلُهُ: بِالدِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِهْزَاءٍ وَقَوْلُهُ: أَوْ جُحُودًا عَطْفٌ عَلَى اسْتِهْزَاءٍ وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ إنْ كَانَ رَاجِعًا لِلْفِعْلِ فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ الْمُكَفِّرَ حَالَةَ كَوْنِهِ جَاحِدًا لِلْفِعْلِ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُتَأَمَّلُ مَعْنَى ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِلدِّينِ، وَالْمَعْنَى فَعَلَ الْفِعْلَ الْمُكَفِّرَ حَالَةَ كَوْنِهِ جَاحِدًا لِلدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ هَذَا الْفِعْلِ الْمُكَفِّرِ.
قَوْلُهُ: (كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ بَلْ اسْمٌ مُعَظَّمٌ مِنْ الْحَدِيثِ قَالَ الرُّويَانِيُّ: أَوْ مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وَالْإِلْقَاءُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مُمَاسَّتِهِ بِقَذِرٍ وَلَوْ طَاهِرًا وَالْحَدِيثُ فِي كَلَامِهِ شَامِلٌ لِلضَّعِيفِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ فِي إلْقَائِهِ اسْتِخْفَافًا بِمَنْ نُسِبَ إلَيْهِ وَخَرَجَ بِالضَّعِيفِ الْمَوْضُوعُ اهـ. ع ش وَعِبَارَةُ ق ل كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْعَزْمِ بِهِ وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَضْعَ رِجْلِهِ عَلَيْهِ وَنُوزِعَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (بِقَاذُورَةٍ) أَيْ قَذَرٍ وَلَوْ طَاهِرًا كَبُصَاقٍ وَمُخَاطٍ وَمَنِيٍّ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِخْفَافِ لَا لِخَوْفِ أَخْذِ نَحْوِ كَافِرٍ لَهُ وَإِنْ حَرُمَ وَكَإِلْقَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْقَذَرِ إلْقَاءُ الْقَذَرِ عَلَيْهِ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَا بُدَّ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ مِنْ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْإِهَانَةِ وَإِلَّا فَلَا.
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي مَسْحِ الْقُرْآنِ مِنْ لَوْحِ الْمُتَعَلِّمِ بِالْبُصَاقِ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِحُرْمَتِهِ مُطْلَقًا وَبَعْضُهُمْ بِحِلِّهِ مُطْلَقًا وَبَعْضُهُمْ بِحُرْمَتِهِ إنْ بَصَقَ عَلَى الْقُرْآنِ ثُمَّ مَسَحَهُ وَبِحِلِّهِ إنْ بَصَقَ عَلَى نَحْوِ خِرْقَةٍ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا قَالَهُ سم قَالَ: ع ش عَلَى م ر وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْبُصَاقِ عَلَى اللَّوْحِ لِإِزَالَةِ مَا فِيهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ.
إذْ لَيْسَ فِيهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ وَمِثْلُهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ أَيْضًا مِنْ مَضْغِ مَا عَلَيْهِ قُرْآنٌ أَوْ نَحْوِهِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ أَوْ لِصِيَانَتِهِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَهَلْ ضَرْبُ الْفَقِيهِ الْأَوْلَادَ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ بِأَلْوَاحِهِمْ كُفْرٌ أَوْ لَا، وَإِنْ رَمَاهُمْ بِالْأَلْوَاحِ مِنْ بُعْدٍ الظَّاهِرُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الِاسْتِخْفَافَ بِالْقُرْآنِ نَعَمْ يَنْبَغِي حُرْمَتُهُ لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ التَّعْظِيمِ اهـ. وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ شَخْصٍ يَكْتُبُ الْقُرْآنَ بِرِجْلِهِ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتُبَ بِيَدَيْهِ لِمَانِعٍ بِهِمَا.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا أَجَابَ عَنْهُ شَيْخُنَا الشَّوْبَرِيُّ
الصَّبِيُّ وَلَوْ مُمَيِّزًا وَالْمَجْنُونُ فَلَا تَصِحُّ رِدَّتُهُمَا لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا وَالْمُكْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] وَدَخَلَ فِيهِ السَّكْرَانُ الْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ فَتَصِحُّ رِدَّتُهُ كَطَلَاقِهِ وَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِهِ وَإِسْلَامِهِ عَنْ رِدَّتِهِ.
(وَمَنْ ارْتَدَّ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ عَنْ دِينِ (الْإِسْلَامِ) بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا قُرِّرَ فِي الْمَبْسُوطَاتِ وَغَيْرِهَا (اُسْتُتِيبَ) وُجُوبًا قَبْلَ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَرَمًا بِالْإِسْلَامِ فَرُبَّمَا عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ.
فَيَسْعَى فِي إزَالَتِهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الرِّدَّةَ تَكُونُ عَنْ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ وَثَبَتَ وُجُوبُ الِاسْتِتَابَةِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ جَابِرٍ: «أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا
[حاشية البجيرمي]
بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَالْحَالَةُ مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ إزْرَاءً؛ لِأَنَّ الْإِزْرَاءَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْحَالَةِ الْكَامِلَةِ وَيَنْتَقِلَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَمَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ فِي الْحُرْمَةِ مِنْ حُرْمَةِ مَدِّ الرِّجْلِ إلَى الْمُصْحَفِ مَرْدُودٌ بِمَا تَقَرَّرَ وَيَلْزَمُ الْقَائِلَ بِالْحُرْمَةِ هُنَا أَنْ يَقُولَ بِالْحُرْمَةِ فِيمَا لَوْ كَتَبَ الْقُرْآنَ بِيَسَارِهِ مَعَ تَعَطُّلِ الْيَمِينِ وَلَا قَائِلَ بِهِ اهـ قَدْ يُقَالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيِّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى عَقِيدَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِالْجَوْهَرَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَقُلْ يُعَادُ الْجِسْمُ بِالتَّحْقِيقِ نَقَلَ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الْحَلِيمِيِّ أَنَّ مَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ أَيُبْعَثُ بِتِلْكَ الْيَدِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ يُبْعَثُ بِهَا لَزِمَ أَنْ يَلِجَ النَّارَ عُضْوٌ لَمْ يُذْنِبْ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يُبْعَثُ بِهَا لَزِمَ أَنْ لَا يُعَادَ جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُبْعَثُ تَامَّ الْخِلْقَةِ كَامِلَ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ تَابِعَةٌ لِلْبَدَنِ لَا حُكْمَ لَهَا عَلَى الِانْفِرَادِ فِي طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ.
وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ إنَّمَا هُوَ بِحَالِ الْمَوْتِ لِخَبَرِ «إنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ» الْحَدِيثَ، وَأَمَّا الْأَجْزَاءُ بِانْفِرَادِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَغَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهَا.
اهـ. خَضِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَسُجُودٌ لِمَخْلُوقٍ كَصَنَمٍ) إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ كَانَ فِي بِلَادِهِمْ مَثَلًا وَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَخَرَجَ بِالسُّجُودِ الرُّكُوعُ فَلَا يَكْفُرُ بِهِ مَا لَمْ يَعْتَقِدْ التَّشْرِيكَ أَوْ قَصَدَ بِالرُّكُوعِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعْظِيمَهُ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ وَعِبَارَةُ سم.
وَسُجُودُ غَيْرِ أَسِيرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَضْرَتِهِمْ لِصَنَمٍ وَخَرَجَ بِالسُّجُودِ الرُّكُوعُ لِوُقُوعِ صُورَتِهِ لِلْمَخْلُوقِ عَادَةً وَلَا كَذَلِكَ السُّجُودُ نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَإِنْ قَصَدَ تَعْظِيمَ مَخْلُوقٍ بِالرُّكُوعِ كَمَا يُعَظِّمُ اللَّهَ بِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْكُفْرِ حِينَئِذٍ اهـ حَجّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِانْحِنَاءَ لِمَخْلُوقٍ كَمَا يُفْعَلُ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْعُظَمَاءِ حَرَامٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ قَصْدِ تَعْظِيمِهِمْ لَا كَتَعْظِيمِ اللَّهِ وَكُفْرٌ إنْ قَصَدَ تَعْظِيمَهُمْ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (اُسْتُتِيبَ وُجُوبًا) بِأَنْ يُؤْمَرَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَيَأْتِي بِهِمَا مَعَ تَرْتِيبِهِمَا وَمُوَالَاتِهِمَا وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا بِأَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ كُفْرُهُ بِإِنْكَارِ مَا لَا يُنَافِي الْإِقْرَارَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا كَأَنْ خَصَّصَ رِسَالَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَرَبِ أَوْ جَحَدَ فَرْضًا أَوْ تَحْرِيمًا وَجَبَ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ الِاعْتِرَافُ بِمَا أَنْكَرَهُ بِأَنْ يَعْتَرِفَ فِي الْأُولَى بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي الِاعْتِرَافُ بِرِسَالَتِهِ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؛ لِأَنَّ رِسَالَتَهُ إلَى الْمَلَكِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا أَوْ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ وَيَرْجِعُ فِي الثَّانِي عَنْ جَحْدِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ لَفْظِ أَشْهَدُ وَالْوَجْهُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ تَكْرِيرُهُ عِنْدَ الْعَطْفِ اهـ. سم وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِ لَفْظِ أَشْهَدُ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمَا فِي الْكَفَّارَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَخَالَفَ فِيهِ جَمْعٌ اهـ وَقَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَكَرُّرِ لَفْظِ أَشْهَدُ أَيْ وَعَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ بِدُونِهَا وَإِنْ أَتَى بِالْوَاوِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامِهِمَا مُعْتَمَدٌ وَلِبَعْضِهِمْ:
شُرُوطُ الْإِسْلَامِ بِلَا اشْتِبَاهِ ... عَقْلٌ بُلُوغٌ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ
وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالَوْلَا ... كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ فَاعْلَمْ وَاعْمَلَا
وَقَوْلُهُ: كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ وَفِي لَفْظِ السَّادِسِ التَّرْتِيبُ.
قَوْلُهُ: (وُجُوبًا) وَقِيلَ نَدْبًا؛ وَعَلَى كُلٍّ قِيلَ حَالًا وَقِيلَ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ
أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ» وَلَا يُعَارِضُ هَذَا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَرْبِيَّاتِ وَهَذَا عَلَى الْمُرْتَدَّاتِ، وَالِاسْتِتَابَةُ تَكُونُ حَالًّا لِأَنَّ قَتْلَهُ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهَا حَدٌّ فَلَا يُؤَخَّرُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ.
نَعَمْ إنْ كَانَ سَكْرَانَ سُنَّ التَّأْخِيرُ إلَى الصَّحْوِ، وَفِي قَوْلٍ: يُمْهَلُ فِيهَا (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِأَثَرٍ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي ذَلِكَ، وَأَخَذَ بِهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُدْعَى إلَى الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى هَذَا.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ ضَعِيفٌ وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّهُ يُسْتَتَابُ شَهْرَيْنِ (فَإِنْ تَابَ) بِالْعَوْدِ إلَى الْإِسْلَامِ.
(صَحَّ) إسْلَامُهُ (وَتُرِكَ) وَلَوْ كَانَ زِنْدِيقًا أَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ لِآيَةِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَخَبَرِ: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ» وَالزِّنْدِيقُ مَنْ يُخْفِي الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ كَمَا قَالَهُ: الشَّيْخَانِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَبَابَيْ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْفَرَائِضِ أَوْ مَنْ لَا يَنْتَحِلُ دِينًا كَمَا قَالَاهُ فِي اللِّعَانِ وَصَوَابُهُ فِي الْمُهِمَّاتِ ثُمَّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فِي الْحَالِ (قُتِلَ) وُجُوبًا لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» أَيْ بِضَرْبِ عُنُقِهِ دُونَ الْإِحْرَاقِ وَغَيْرِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ لِلْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الْقِتْلَةِ.
(وَلَمْ يُغَسَّلْ) أَيْ لَا يَجِبُ غُسْلُهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ بِالرِّدَّةِ.
لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْجَنَائِزِ.
(وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِتَحْرِيمِهَا عَلَى الْكَافِرِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] . تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ تَكْفِينِهِ، وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ كَغُسْلِهِ.
(وَلَمْ يُدْفَنْ) أَيْ لَا يَجُوزُ دَفْنُهُ (فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ) لِخُرُوجِهِ مِنْهُمْ بِالرِّدَّةِ وَيَجُوزُ دَفْنُهُ فِي مَقَابِرِ الْكُفَّارِ.
وَلَا يَجِبُ كَالْحَرْبِيِّ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الدَّمِيرِيِّ مِنْ دَفْنِهِ بَيْنَ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْإِسْلَامِ لَا أَصْلَ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: 217]
[حاشية البجيرمي]
أَيَّامٍ وَقِيلَ تُكَرَّرُ التَّوْبَةُ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (فَيُسْعَى) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَابَتْ) أَيْ فَذَاكَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعَارِضُ هَذَا) أَيْ وُجُوبَ الِاسْتِتَابَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَقَتْلَهَا إذَا لَمْ تُسْلِمْ وَلَا تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ الْحَامِلَةُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ إتْلَافِ حَمْلِهَا فَإِنَّ الْمُسْلِمَ الْمَعْصُومَ يَتْبَعُ أَصْلَهُ الْمُسْلِمَ وَلَوْ مَيِّتًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ النَّهْيَ وَقَوْلُهُ: وَالِاسْتِتَابَةُ تَكُونُ حَالًا لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ لَمْ يَجِبْ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ غَيْرُ التَّعْزِيرِ وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُسِيئًا بِفِعْلِهِ،.
اهـ. سم وَقَوْلُهُ: تَكُونُ حَالًا مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ قَتْلَهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهَا أَيْ الرِّدَّةِ حَدٌّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ فِي فَصْلِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ أَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا لَا حَدًّا وَهُوَ الصَّوَابُ وَحِينَئِذٍ فَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ فَالصَّوَابُ إسْقَاطُهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَوْلٍ: يُمْهَلُ) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: يُسْتَتَابُ حَالًا وَلَيْسَ رَاجِعًا لِلسَّكْرَانِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (يُمْهَلُ فِيهَا ثَلَاثًا) بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ تُعْرَضُ عَلَيْهِ كَمَا فِي م ر وَلَيْسَ هَذَا إفْصَاحًا بِدُخُولِ جَمِيعِ لَيَالِي الثَّلَاثَةِ أَوْ عَدَمِهِ سم وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ الثَّلَاثِ يُهَدَّدُ وَيُخَوَّفُ بِالضَّرْبِ الْخَفِيفِ وَثَانِي يَوْمٍ بِالثَّقِيلِ وَالثَّالِثَ بِالْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (فِيهَا) أَيْ الِاسْتِتَابَةِ أَيْ بِسَبَبِهَا.
قَوْلُهُ: (يُدْعَى إلَى الْإِسْلَامِ) . أَيْ يُطْلَبُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالْعَوْدَةِ إلَى الْإِسْلَامِ) . وَلَا بُدَّ مِنْ رُجُوعِهِ عَنْ اعْتِقَادٍ ارْتَدَّ بِسَبَبِهِ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ تُكَرَّرُ) لَكِنْ يُعَزَّرُ إنْ تَكَرَّرَتْ وَتَوْبَةُ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ قَطْعِيَّةُ الْقَبُولِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا لِوُرُودِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] . قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَتُبْ) بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِشُرُوطِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ) أَيْ دَفْنُهُ كَالْحَرْبِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَا أَصْلَ لَهُ) عِبَارَةُ الْعَبَّادِيِّ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَهَا أَصْلٌ وَنَصُّهُ وَلَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ يَحْرُمُ ذَلِكَ كَعَكْسِهِ بَلْ وَلَا فِي مَقَابِرِ الْكَافِرِينَ بَلْ بَيْنَ الْمَقْبَرَتَيْنِ اهـ أج وَقَوْلُهُ: لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ لِقَطْعِهِ الْوَصْلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِمُفَارَقَتِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَقَوْلُهُ: وَلَا فِي مَقَابِرِ الْكَافِرِينَ أَيْ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ بِهِ فَكَأَنَّهُ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ
الْآيَةَ
وَيَجِبُ تَفْصِيلُ الشَّهَادَةِ بِالرِّدَّةِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيمَا يُوجِبُهَا وَلَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَيْهِ بِرِدَّةٍ إكْرَاهًا وَقَدْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِلَفْظِ كُفْرٍ أَوْ فِعْلِهِ حَلَفَ فَيُصَدَّقُ وَلَوْ بِلَا قَرِينَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْ الشُّهُودَ أَوْ شَهِدَتْ بِرِدَّتِهِ وَأَطْلَقَتْ لَمْ تُقْبَلْ لِمَا مَرَّ، وَلَوْ قَالَ: أَحَدُ ابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ: مَاتَ أَبِي مُرْتَدًّا فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبَ رِدَّتِهِ كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ فَنَصِيبُهُ فَيْءٌ لِبَيْتِ الْمَالِ.
وَإِنْ أَطْلَقَ اسْتُفْصِلَ فَإِنْ ذَكَرَ مَا هُوَ رِدَّةٌ كَانَ فَيْئًا أَوْ غَيْرَهَا كَقَوْلِهِ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ.
صُرِفَ إلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ فِي أَصْلَيْ الرَّوْضَةِ، وَمَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ فَيْءٌ أَيْضًا ضَعِيفٌ.
تَتِمَّةٌ: فَرْعٌ الْمُرْتَدُّ إنْ انْعَقَدَ قَبْلَ الرِّدَّةِ أَوْ فِيهَا وَأَحَدُ أُصُولِهِ مُسْلِمٌ فَمُسْلِمٌ تَبَعًا لَهُ، وَالْإِسْلَامُ يَعْلُو، أَوْ أُصُولُهُ مُرْتَدُّونَ فَمُرْتَدٌّ تَبَعًا لَا مُسْلِمٌ وَلَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ فَلَا يُسْتَرَقُّ وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُسْتَتَابَ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَيِّتِ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
فَعُومِلَ بِعَمَلِهِ.
اهـ. .
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَفْصِيلُ الشَّهَادَةِ) أَيْ بِأَنْ يَذْكُرَ مُوجِبَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا مُخْتَارًا وَهَذَا ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ وَاعْتَمَدَهُ م ر أَنَّهُ تَكْفِي الشَّهَادَةُ الْمُطْلَقَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لِخَطَرِهَا لَا يُقْدِمُ الْعَدْلُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهَا إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِهَا اهـ وَقَوْلُهُ: لَا يُقْدِمُ، فِي الْمُخْتَارِ وَقَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ بِالْكَسْرِ قُدُومًا وَمَقْدَمًا أَيْضًا بِفَتْحِ الدَّالِ وَقَدِمَ يَقْدُمُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ قُدْمًا بِوَزْنِ قُفْلٍ أَيْ تَقَدَّمَ وَقَدُمَ الشَّيْءُ بِالضَّمِّ قِدَمًا بِوَزْنِ عِنَبٍ فَهُوَ قَدِيمٌ وَأَقْدَمَ عَلَى الْأَمْرِ اهـ قَالَ: ع ش عَلَى م ر وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: لِأَنَّهَا لِخَطَرِهَا.
. . إلَخْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي عَدْلٍ يَعْرِفُ الْمُكَفِّرَ مِنْ غَيْرِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (إكْرَاهًا) مَفْعُولٌ لِادَّعَى وَقَوْلُهُ: وَقَدْ شَهِدَتْ حَالٌ وَقَوْلُهُ حَلَفَ جَوَابُ لَوْ.
قَوْلُهُ: (حَلَفَ) فَإِنْ قُتِلَ قَبْلَ الْيَمِينِ فَهَلْ يُضْمَنُ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَمْ تَثْبُتْ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ الرِّدَّةِ وُجِدَ وَالْأَصْلُ الِاخْتِيَارُ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا الثَّانِي اهـ خ ط. اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِلَا قَرِينَةٍ) وَفَارَقَ الطَّلَاقَ فِي عَدَمِ الْقَرِينَةِ بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَبِحَقْنِ الدِّمَاءِ هُنَا ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْ الشُّهُودَ) وَاسْتَشْكَلَ الرَّافِعِيُّ تَصْوِيرَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ تَفْصِيلُ الشَّهَادَةِ فَمِنْ الشَّرَائِطِ الِاخْتِيَارُ فَدَعْوَى الْإِكْرَاهِ تَكْذِيبٌ لِلشَّاهِدِ وَإِلَّا فَالِاكْتِفَاءُ بِالْإِطْلَاقِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا شَهِدَ بِالرِّدَّةِ لِتَضَمُّنِهِ حُصُولَ الشَّرَائِطِ أَمَّا إذَا قَالَ: إنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَذَا فَيَبْعُدُ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ، وَيُمْنَعُ بِأَنَّ الْأَصْلَ الِاخْتِيَارُ وَيُجَابُ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ وَيُمْنَعَ قَوْلُهُ: فَمِنْ الشَّرَائِطِ الِاخْتِيَارُ أَوْ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُمْنَعَ بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ لِاعْتِضَادِهِ بِسُكُوتِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الدَّفْعِ اهـ شَرْحُ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَهِدَتْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَقَدْ شَهِدَتْ.
. . إلَخْ أَيْ وَلَمْ تُفْصَلْ، فَإِنْ فُصِلَتْ فَلَا خِلَافَ فِي الْقَبُولِ كَمَا فِي س ل. قَوْلُهُ: (لَمْ تُقْبَلْ) أَيْ بَلْ هُوَ الَّذِي يُصَدَّقُ سَوَاءٌ أَكَانَ مَعَهُ قَرِينَةٌ عَلَى الْإِكْرَاهِ أَوْ لَا وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُصَدَّقُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ حَيْثُ قَالَ: فِيمَا قَبْلَهُ حَلَفَ وَقَالَ: فِي هَذَا لَمْ تُقْبَلْ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ عَلَى طَرِيقَتِهِ لِعَدَمِ التَّفْصِيلِ فَجَانِبُ مُدَّعِي الْإِكْرَاهِ أَوْلَى فَكَأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَصْلًا.
اهـ وَمَا ذَكَرَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ التَّفْضِيلِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ وَكَذَا قَوْلُهُ: فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبَ رِدَّتِهِ.
. . إلَخْ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيمَا يُوجِبُهَا أَوْ مِنْ وُجُوبِ تَفْصِيلِ الشَّهَادَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ) فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى عَدَمِ التَّفْصِيلِ وَلَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ حِرْمَانِهِ مِنْ إرْثِهِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا التَّفْصِيلَ فِي الشَّهَادَةِ بِالرِّدَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (إنْ انْعَقَدَ) يُتَأَمَّلُ مَا الْمُرَادُ بِالِانْعِقَادِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حُصُولُ الْمَاءِ فِي الرَّحِمِ فَالْمُرَادُ بِانْعِقَادِهِ انْعِقَادُ أَصْلِهِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا مَرَّةً وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْوَطْءِ أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ انْعَقَدَ قَبْلَهَا وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَا إذَا حَصَلَ وَطْءٌ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَوَطْءٌ بَعْدَهَا وَاحْتُمِلَ الِانْعِقَادُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَمْ يَكُنْ فِي أُصُولِهِ مُسْلِمٌ فَيُنْظَرُ هَلْ الرِّدَّةُ قَبْلَ الْوَطْءِ فَقَدْ انْعَقَدَ بَعْدَهَا أَوْ بَعْدَهَا فَقَدْ انْعَقَدَ قَبْلَهَا.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَأَحَدُ أُصُولِهِ) وَإِنْ بَعْدَ م ر أي حَيْثُ يُعَدُّ مَنْسُوبًا إلَيْهِ ع ش وَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: أَوْ فِيهِمَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا كَافِرٌ أَصْلِيٌّ) أَيْ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ فِي أَبَوَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتُلِفَ فِي الْمَيِّتِ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَحْذُوفٍ صَرَّحَ بِهِ م ر فَقَالَ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
هَذَا كُلُّهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَكُلُّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ وَالْمُرْتَدِّينَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي حَالِ صِغَرِهِ ثُمَّ يَمُوتُ فِي صِغَرِهِ أَمَّا إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَيَكُونُ فِي الْجَنَّةِ قَطْعًا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ إسْلَامَ الصَّغِيرِ غَيْرُ نَافِعٍ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِأَمْرِ الدُّنْيَا أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ نَافِعٌ قَطْعًا كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِ الْإِرْشَادِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي أَوْلَادِ كُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَمَّا أَوْلَادُ كُفَّارِ غَيْرِهَا فَفِي النَّارِ قَوْلًا وَاحِدًا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي أَوْلَادِ الْكُفَّارِ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَمَّا أَوْلَادُ كُفَّارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَفِي الْجَنَّةِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى سُئِلَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ بِمَا لَفَظَ مَا مُحَصَّلُ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَطْفَالِ هَلْ هُمْ فِي الْجَنَّةِ خُدَّامٌ لِأَهْلِهَا ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَهَلْ تَتَفَاضَلُ دَرَجَاتُهُمْ فِي الْجَنَّةِ؟ . فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: أَمَّا أَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ فَفِي الْجَنَّةِ قَطْعًا بَلْ إجْمَاعًا وَالْخِلَافُ فِيهِ شَاذٌّ بَلْ غَلَطٌ، وَأَمَّا أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فَفِيهِمْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15] . الثَّانِي أَنَّهُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ، وَنَسَبَهُ النَّوَوِيُّ لِلْأَكْثَرِينَ لَكِنَّهُ نُوزِعَ فِيهِ.
الثَّالِثُ الْوَقْفُ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّهُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.
الرَّابِعُ أَنَّهُمْ يُجْمَعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُؤَجَّجُ لَهُمْ نَارٌ وَيُقَالُ: اُدْخُلُوهَا فَيَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا، وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ اهـ مُلَخَّصًا.
وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْبَرِيُّ عَنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعَذَّبُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَهَلْ وَرَدَ أَنَّهُمْ يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَأَنَّ الْقَبْرَ يَضُمُّهُمْ وَإِذَا قُلْتُمْ بِذَلِكَ فَهَلْ يَتَأَلَّمُونَ بِهِ أَمْ لَا وَهَلْ قَوْلُ الْقَائِلِ: إنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ مُعَذَّبُونَ هُوَ مُصِيبٌ فِيهِ أَمْ مُخْطِئٌ وَمَا الْحُكْمُ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ هَلْ هُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ أَمْ هُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ أَمْ غَيْرُ هَذَا.
فَأَجَابَ لَا يُعَذَّبُونَ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَعَاصِي إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ، وَالْعَذَابُ عَلَى ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْمُكَلَّفِينَ، وَلَا يُسْأَلُونَ فِي قُبُورِهِمْ كَمَا عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ؛ وَلِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ: إنَّ الطِّفْلَ يُسْأَلُ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا لَا يَصِحُّ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَقَّنَ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ» لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ خُصُوصِيَّةٌ وَلَا يُؤَدِّ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الطِّفْلِ " اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ "؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ مَا فِيهِ عُقُوبَةٌ وَلَا السُّؤَالُ بَلْ مُجَرَّدُ أَلَمِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْوَحْشَةِ وَالضَّغْطَةِ الَّتِي تَعُمُّ الْأَطْفَالَ وَغَيْرَهُمْ، وَأُخْرِجَ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: " كُنْت عِنْدَ عَائِشَةَ فَمَرَّتْ جِنَازَةُ صَبِيٍّ صَغِيرٍ فَقُلْت: مَا يُبْكِيك؟ قَالَتْ هَذَا الصَّبِيُّ بَكَيْت شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ " وَالْقَائِلُ الْمَذْكُورُ إنْ أَرَادَ بِيُعَذَّبُونَ بِالنَّارِ أَوْ عَلَى الْمَعَاصِي فَغَيْرُ مُصِيبٍ بَلْ هُوَ مُخْطِئٌ أَشَدَّ الْخَطَأِ لِمَا تَقَرَّرَ.
وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ عَلَى نَحْوِ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ، الرَّاجِحُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ فِي فَتَاوِيه الصُّغْرَى وَفِي حَدِيثٍ أَنَّهُمْ خَدَمُ الْجَنَّةِ فَإِنْ صَحَّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كِنَايَةً عَنْ نُزُولِ مَرَاتِبِهِمْ عَنْ مَرَاتِبِ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ مَعَ آبَائِهِمْ كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الطُّورِ وَأُولَئِكَ لَا آبَاءَ لَهُمْ يَكُونُونَ فِي مَنْزِلَتِهِمْ، وَكَوْنُ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ تَقْتَضِي إلْحَاقَ الْآبَاءِ بِالْأَبْنَاءِ وَعَكْسَهُ وَلَوْ فِي دَرَجَاتِ الْعَلِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَا يُوصِلُهُمْ إلَيْهَا وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ إنْ صَحَّ عَلَى أَنَّهُمْ فِيمَنْ يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ فِي مَرْتَبَتِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرِهِمْ فِي ذَلِكَ وَأُنْثَاهُمْ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْقَوْلُ: بِأَنَّهُمْ فِي الْأَعْرَافِ لَا أَعْرِفُهُ عَنْ خَبَرٍ وَلَا أَثَرٍ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا
أَوْلَادِ الْكُفَّارِ قَبْلَ بُلُوغِهِ.
وَالصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ تَبَعًا لِلْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُمْ فِي النَّارِ وَقِيلَ عَلَى الْأَعْرَافِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُرْتَدًّا وَالْآخَرُ كَافِرًا أَصْلِيًّا فَكَافِرٌ أَصْلِيٌّ قَالَهُ الْبَغَوِيّ.
وَمِلْكُ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ إنْ مَاتَ مُرْتَدًّا بِأَنَّ زَوَالَهُ بِالرِّدَّةِ وَيُقْضَى مِنْهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ قَبْلَهَا وَبَدَلُ مَا أَتْلَفَهُ فِيهَا وَيَنَالُ مِنْهُ مُمَوَّنَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَبَعْضِهِ وَمَالِهِ وَزَوْجَاتِهِ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وَتَصَرُّفُهُ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْوَقْفَ بِأَنْ لَمْ يَقْبَلْ التَّعْلِيقَ كَبَيْعٍ وَكِتَابَةِ بَاطِلٌ لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْوَقْفِ، وَإِنْ احْتَمَلَهُ بِأَنْ قَبِلَ التَّعْلِيقَ كَعِتْقٍ وَوَصِيَّةٍ.
فَمَوْقُوفٌ إنْ أَسْلَمَ نَفَذَ.
وَإِلَّا فَلَا، وَيُجْعَلُ مَالُهُ عِنْدَ عَدْلٍ وَأَمَتُهُ عِنْدَ نَحْوِ مَحْرَمٍ كَامْرَأَةٍ ثِقَةٍ وَيُؤَدِّي مُكَاتَبُهُ النُّجُومَ لِلْقَاضِي حِفْظًا لَهَا.
وَيَعْتِقُ بِذَلِكَ أَيْضًا وَإِنَّمَا لَمْ يَقْبِضْهَا الْمُرْتَدُّ لِأَنَّ قَبْضَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ.
[حاشية البجيرمي]
مَرَّ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 27] ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِحَيٍّ عَاشَ مِنْهُمْ إلَى أَنْ بَلَغَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» اهـ مَعَ اخْتِصَارٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ) أَيْ الْأَصْلِيِّينَ أَوْ الْمُرْتَدِّينَ.
اهـ. ق ل وح ل وَالْمُرَادُ كُفَّارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّوْبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: قَوْلُهُ: (أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ) أَيْ مُسْتَقِلُّونَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ عَلَى الْأَعْرَافِ) أَيْ أَعَالِي السُّورِ وَيُقَالُ: لِكُلِّ عَالٍ عُرْفٌ وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ أَحَدَ عَشَرَ وَالْأَعْرَافُ مَكَانٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
كَمَا قَالَهُ ع ش وَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الْجَلَالُ أَنَّ الْأَعْرَافَ سُورُ الْجَنَّةِ أَيْ حَائِطُهَا الْمُحِيطُ بِهَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ عَلَى الْأَعْرَافِ وَلَمْ يَقُلْ فِي الْأَعْرَافِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: 46] . قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ أَهْلِ الْأَعْرَافِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ قَوْلًا: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ.
كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَابْنُ عَبَّاسٍ، الثَّانِي: قَوْمٌ صَالِحُونَ فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ قَالَهُ مُجَاهِدٌ الثَّالِثُ: هُمْ الشُّهَدَاءُ.
الرَّابِعُ: هُمْ فُضَلَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَالشُّهَدَاءُ.
الْخَامِسُ: الْمُسْتَشْهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَرَجُوا عُصَاةً لِوَالِدَيْهِمْ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَعَادَلَ عُقُوقُهُمْ وَاسْتِشْهَادُهُمْ» . السَّادِسُ: هُمْ الْعَبَّاسُ وَحَمْزَةُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَجَعْفَرٌ ذُو الْجَنَاحَيْنِ يُعْرَفُ مَحْبُوبُهُمْ بِبَيَاضِ الْوُجُوهِ وَمَبْغُوضُهُمْ بِسَوَادِهَا.
السَّابِعُ: هُمْ عُدُولُ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاسِ.
الثَّامِنُ: هُمْ قَوْمٌ أَحِبَّاءُ.
التَّاسِعُ: هُمْ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ صَغَائِرُ.
الْعَاشِرُ: هُمْ أَصْحَابُ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامَةِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّهُمْ أَوْلَادُ الزِّنَا وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّهُمْ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِهَذَا السُّورِ الَّذِينَ يُمَيِّزُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْكَافِرِينَ قَبْلَ: إدْخَالِهِمْ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ اهـ. ذَكَرَهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي مُخْتَصَرِ تَذْكِرَةِ الْقُرْطُبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمِلْكُ الْمُرْتَدِّ مَوْقُوفٌ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ: زَوَالُهُ قَطْعًا إنْ كَانَ يَعُودُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَبَقَاؤُهُ قَطْعًا وَالثَّالِثُ مَوْقُوفٌ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَأَمِّ الْوَلَدِ أَمَّا هُمَا فَمَوْقُوفَانِ قَوْلًا وَاحِدًا حَتَّى يُعْتَقَانِ بِالْمَوْتِ أَوْ أَدَاءِ النُّجُومِ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ حَطَبٍ وَصَيْدٍ مَلَكَهُمَا قَبْلَ الرِّدَّةِ ثُمَّ ارْتَدَّ فَفِيهِمَا قَوْلَانِ قِيلَ فَيْءٌ لِبَيْتِ الْمَالِ وَقِيلَ بَاقِيَانِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَلَا وَقْفَ.
قَوْلُهُ: (وَيُقْضَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَمْلُوكِ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِهِ مِلْكُ.
قَوْلُهُ: (وَيُمَانُ مِنْهُ) أَيْ مُدَّةَ الِاسْتِتَابَةِ شَرْحُ م ر. قَالَ ع ش وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَمَّا فِي الرَّاجِحِ مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِتَابَةِ حَالًا فَلَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْهَلُ حَتَّى يُمَانَ مُمَوَّنُهُ.
وَيُجَابُ بِمَا إذَا أُخِّرَ لِعُذْرٍ قَامَ بِالْقَاضِي أَوْ بِالْمُرْتَدِّ كَجُنُونٍ عَرَضَ قَبْلَ الرِّدَّةِ اهـ بِزِيَادَةٍ وَقَوْلُهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ لَعَلَّهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَالِهِ) كَالرَّقِيقِ وَالْبَهِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَصَرُّفُهُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: بَاطِلٌ خَبَرٌ.
قَوْلُهُ: (إنْ أَسْلَمَ نَفَذَ.
. . إلَخْ) نَعَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفُذْ مُطْلَقًا كَذَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ بِالْمَعْنَى وَعِبَارَتُهُ وَمَحَلُّهُ قَبْلَ حَجْرِ الْحَاكِمِ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَمْ يَنْفُذْ مُطْلَقًا اهـ وَقَدْ تَوَهَّمَ الشَّارِحُ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ قَيْدٌ لِلْخِلَافِ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ حَجْرِ الْحَاكِمِ أَوْ عَدَمِهِ اهـ م ر ز ي.
قَوْلُهُ: (وَيُؤَدِّي مُكَاتَبُهُ) بِأَنْ كَاتَبَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَصِحُّ حَالَ الرِّدَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (حِفْظًا لَهَا) أَيْ النُّجُومِ.
اهـ. .
فَصْلٌ: فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ أَصَالَةً جَحْدًا أَوْ غَيْرَهُ وَبَيَانُ حُكْمِهِ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ الرِّدَّةِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهَا فَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِيمَا عَلِمْت فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْجَنَائِزِ.
وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ قَبْلَ الْأَذَانِ وَذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَالْجُمْهُورُ قَبْلَ الْجَنَائِزِ وَتَبِعَهُمْ الْمِنْهَاجُ كَأَصْلِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَعَلَّهُ أَلْيَقُ.
(وَ) الْمُكَلَّفُ (تَارِكُ الصَّلَاةِ) الْمَعْهُودَةِ شَرْعًا الصَّادِقَةِ بِإِحْدَى الْخَمْسِ.
(عَلَى ضَرْبَيْنِ) إذْ التَّرْكُ سَبَبُهُ جَحْدٌ أَوْ كَسَلٌ.
(أَحَدُهُمَا أَنْ يَتْرُكَهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِوُجُوبِهَا) عَلَيْهِ جَحْدًا، بِأَنْ أَنْكَرَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ أَوْ عِنَادًا كَمَا هُوَ فِي الْقُوتِ عَنْ الدَّارِمِيِّ.
(فَحُكْمُهُ) فِي وُجُوبِ اسْتِتَابَتِهِ وَقَتْلِهِ وَجَوَازِ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ.
(حُكْمُ الْمُرْتَدِّ) عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَكُفْرُهُ بِجَحْدِهِ فَقَطْ لَا بِهِ مَعَ التَّرْكِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، لِأَجْلِ التَّقْسِيمِ؛ لِأَنَّ الْجَحْدَ لَوْ انْفَرَدَ كَمَا لَوْ صَلَّى جَاحِدًا لِلْوُجُوبِ كَانَ مُقْتَضِيًا لِلْكُفْرِ لِإِنْكَارِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
فَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْجَحْدِ كَانَ أَوْلَى لِأَنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فَيَكْفُرُ بِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ جَارٍ فِي جُحُودِ كُلِّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
أَمَّا مَنْ أَنْكَرَهُ جَاهِلًا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَحْوِهِ، مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ]
ِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَعْيَانِ) خَرَجَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ كَالْجِنَازَةِ فَلَا يُقْتَلُ بِهَا، وَخَرَجَ بِالصَّلَاةِ الصَّوْمُ فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِهِ وَإِنَّمَا يُحْبَسُ وَيُمْنَعُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَخَرَجَ بِالصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةُ فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا عَلَى الْأَوْجَهِ مِنْ وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِزَمَانٍ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ اهـ.
قَوْلُهُ: (جَحْدًا أَوْ غَيْرَهُ) مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ بِمَعْنَى جَاحِدًا.
قَوْلُهُ: (لِاشْتِمَالِهِ عَلَى شَيْءٍ) الْأَوْضَحُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ حُكْمُهُ كَالْمُرْتَدِّ وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْجَنَائِزِ) مُنَاسَبَتُهُ لِأَجْلِ ذِكْرِ الدَّفْنِ وَالْكَفَنِ وَالْغُسْلِ فِي الْجَنَائِزِ أَيْ لِيَكُونَ كَالْخَاتِمَةِ لِكِتَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَعَلَّهُ أَلْيَقُ) أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَمِّ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ.
اهـ. م د؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ الْعَيْنِيَّةِ قَالَ م ر وَتَقْدِيمُهُ هُنَا عَلَى الْجَنَائِزِ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ أَلْيَقُ اهـ. أَيْ مِنْ تَأْخِيرِهِ عَنْهَا وَمَنْ ذَكَرَهُ فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ الْعَيْنِيَّةِ فَنَاسَبَ ذِكْرُهُ خَاتِمَةً لَهَا اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ أَنْكَرَهَا) أَيْ وُجُوبَهَا بِأَنْ اعْتَقَدَ خِلَافَ مَا عَلِمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عِنَادًا) الْعِنَادُ مُخَالَفَةُ الْحَقِّ وَرَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ فَفِي إدْخَالِهِ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِوُجُوبِهَا نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ مَا فِي الْمَتْنِ بِأَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مُذْعِنٍ وَمُسَلِّمٍ لِوُجُوبِهَا وَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ بِالْجَحْدِ الَّذِي سَبَقَهُ عِلْمٌ ثُمَّ طَرَأَ عَدَمُ الِاعْتِقَادِ وَيَصْدُقُ بِالْعِنَادِ الَّذِي بَقِيَ مَعَهُ الْعِلْمُ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْحَقَّ ظَاهِرًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: أَوْ عِنَادًا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمَتْنِ: غَيْرَ مُعْتَقِدٍ فَهُوَ زَائِدٌ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ.
وَالْإِذْعَانُ هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ مَعَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَدَفْنِهِ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ) عَطْفٌ عَلَى غَسْلِهِ لَا عَلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْحُكْمَ عَلَيْهَا عَلَى الدَّفْنِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ غَالِبًا وَفِي نُسْخَةٍ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (حُكْمُ الْمُرْتَدِّ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ نَفْسَهُ مُرْتَدٌّ فَفِيهِ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَالْمُرْتَدِّ الْمُطْلَقِ فَهُوَ مِنْ تَشْبِيهِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (لَوْ انْفَرَدَ) أَيْ عَنْ التَّرْكِ.
قَوْلُهُ: (جَاحِدًا لِلْوُجُوبِ) كَالْمُنَافِقِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلِأَنَّ بِالْوَاوِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: لِإِنْكَارِهِ وَلَيْسَ عِلَّةً لِقَوْلِهِ: أَوْلَى وَعِبَارَةُ حَجّ كَفَرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ.
. . إلَخْ اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كُلِّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ أَوْ لَا فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَحْدُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَهُوَ كُفْرٌ، لِوُجُودِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بِمَكَّةَ وَلِوُجُودِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ فَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الدُّنْيَوِيُّ مُقَيَّدٌ إنْكَارُهُ بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُلِدَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ مِنْهَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فَصَارَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَكَذَا إنْكَارُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالْحِسَابِ وَإِنْكَارُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَيْ فِي الْآخِرَةِ أَمَّا إنْكَارُهُمَا
يَخْفَى عَلَيْهِ كَمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا ثُمَّ أَفَاقَ، أَوْ نَشَأَ بَعِيدًا عَنْ الْعُلَمَاءِ فَلَيْسَ مُرْتَدًّا بَلْ يُعَرَّفُ الْوُجُوبَ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ مُرْتَدًّا.
(وَ) الضَّرْبُ (الثَّانِي أَنْ يَتْرُكَهَا) كَسَلًا أَوْ تَهَاوُنًا (مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا) عَلَيْهِ (فَيُسْتَتَابُ) قَبْلَ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَسْوَأَ حَالًا مِنْ الْمُرْتَدِّ.
وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَالْمَجْمُوعِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ كَاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ جَرِيمَةَ الْمُرْتَدِّ تَقْتَضِي الْخُلُودَ فِي النَّارِ فَوَجَبَتْ الِاسْتِتَابَةُ، رَجَاءَ نَجَاتِهِ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ تَارِكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ أَخَفُّ لِكَوْنِهِ يُقْتَلُ حَدًّا بَلْ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ كَوْنِ الْحُدُودِ تُسْقِطُ الْإِثْمَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ قَدْ حُدَّ عَلَى هَذِهِ الْجَرِيمَةِ وَالْمُسْتَقْبَلُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ، وَتَوْبَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّ الْإِمْهَالَ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ صَلَوَاتٍ.
(فَإِنْ تَابَ) بِأَنْ امْتَثَلَ الْأَمْرَ (وَصَلَّى) خُلِّيَ سَبِيلُهُ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا الْقَتْلُ حَدٌّ وَالْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.
أُجِيبَ أَنَّ هَذَا الْقَتْلَ لَا يُضَاهِي الْحُدُودَ الَّتِي وُضِعَتْ عُقُوبَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ سَابِقَةٍ بَلْ حَمْلًا عَلَى مَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَقِّ وَلِهَذَا لَا خِلَافَ فِي سُقُوطِهِ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ تَوْبَةٌ وَلَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ عَلَى الصَّوَابِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ) إنْ لَمْ يُبْدِ عُذْرًا (حَدًّا) لَا كُفْرًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ.
فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» فَإِنْ أَبْدَى عُذْرًا كَأَنْ قَالَ: تَرَكْتهَا نَاسِيًا أَوْ لِلْبَرْدِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ صَحِيحَةً كَانَتْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ بَاطِلَةً لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ تَعَمُّدُ تَأْخِيرِهَا عَنْ الْوَقْتِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، لَكِنْ نَأْمُرُهُ بِهَا بَعْدَ ذِكْرِ الْعُذْرِ وُجُوبًا فِي الْعُذْرِ الْبَاطِلِ وَنَدْبًا فِي الصَّحِيحِ بِأَنْ نَقُولَ لَهُ: صَلِّ فَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُقْتَلْ لِذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ: تَعَمَّدْت تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ، قُتِلَ سَوَاءٌ أَقَالَ وَلَمْ أُصَلِّهَا أَوْ سَكَتَ، لِتَحَقُّقِ جِنَايَتِهِ بِتَعَمُّدِ التَّأْخِيرِ.
وَيُقْتَلُ تَارِكُ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ
[حاشية البجيرمي]
وَعَدَمُ وُجُودِهِمَا الْآنَ فَلَيْسَ كُفْرًا لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهُمَا غَيْرُ مَوْجُودَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَكَذَا إنْكَارُ الصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ لَيْسَ كُفْرًا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَنْ أَنْكَرَهُ جَاهِلًا) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِأَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ.
. . إلَخْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَسَلًا) أَيْ بِأَنْ يَسْتَثْقِلَهَا أَيْ تَكُونَ ثَقِيلَةً عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: أَوْ تَهَاوُنًا أَيْ بِتَرْكِهَا بِأَنْ يَجْعَلَ تَرْكَهَا هَيِّنًا سَهْلًا.
قَوْلُهُ: (فَيُسْتَتَابُ) بِأَنْ يُؤْمَرَ بِأَدَائِهَا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْلِ إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ وَقْتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ) أَيْ الِاسْتِتَابَةُ أَيْ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَيْهِ أَيْ الطَّلَبُ مِنَّا، وَأَمَّا التَّوْبَةُ نَفْسُهَا بِالصَّلَاةِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِكَوْنِهِ يُقْتَلُ حَدًّا) أَيْ فَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِلْأَخَفِّيَّةِ وَهَذَا أَمْرٌ فِي الدُّنْيَا فَلَا يُقَابِلُ غِلَظَ عُقُوبَةِ الْمُرْتَدِّ الَّتِي فِي الْآخِرَةِ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَتَحَتَّمُ عَذَابُهُ قَطْعًا بِخِلَافِ تَارِكِ الصَّلَاةِ كَسَلًا فَإِنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ سَامَحَهُ وَهَذَا أَخَفُّ مِنْ ذَلِكَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسْتَقْبَلُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: قَدْ كَانَ عَازِمًا عَلَى تَرْكِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَابَ وَصَلَّى) أَيْ بِالْفِعْلِ فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ: أُصَلِّيهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُضَاهِي) أَيْ لَا يُشَابِهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَعْصِيَةٍ) كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا.
قَوْلُهُ: (بَلْ حَمْلًا) أَيْ بَلْ شُرِعَ حَمْلًا أَيْ حَامِلًا وَبَاعِثًا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ فِعْلُ الصَّلَاةِ فَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَلَمَّا أَمْكَنَ تَدَارُكُ مَا لِأَجْلِهِ الْحَدُّ وَهُوَ الصَّلَاةُ سَقَطَ الْحَدُّ بِهَا أَيْ بِفِعْلِهَا بِخِلَافِ الزِّنَا لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَلَا رُجُوعُهُ بِالتَّوْبَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ وَالْأَوْلَى جَعْلُ قَوْلِهِ: بَلْ حَمْلًا عِلَّةً لِقَوْلِهِ: لَا يُضَاهِي الْحُدُودَ بِأَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ شُرِعَ حَمْلًا عَلَى مَا ذُكِرَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحُدُودِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ ارْتِكَابِهَا وَهُوَ يَحْصُلُ مَعَ التَّوْبَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْحَقِّ) وَهُوَ طَلَبُ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فِي سُقُوطِهِ) أَيْ الْقَتْلِ بِالْفِعْلِ أَيْ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَخَرَّجُ) أَيْ لَا يُقَاسُ هَذَا الْحَدُّ وَقَوْلُهُ: فِي سُقُوطِ الْحَدِّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فِي عَدَمِ سُقُوطِ الْحَدِّ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ وَفِي عَدَمِ سُقُوطِهِ بِالتَّوْبَةِ خِلَافٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ.
وَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَيْهِ سَابِقًا بِأَنْ يَقُولَ: لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلُهُ: عَلَى الصَّوَابِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَتَخَرَّجُ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ لِلنِّسْيَانِ أَوْ الْبَرْدِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَالَ: تَعَمَّدْت تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ قُتِلَ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ طَلَبٌ مِنْ الْإِمَامِ وَتَهْدِيدٌ وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَيَكُونُ مَدَارُ الْقَتْلِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا التَّوَعُّدُ وَالتَّهْدِيدُ أَوْ قَوْلُ الشَّخْصِ
تَرْكٌ لَهَا وَيُقَاسُ بِالطَّهَارَةِ الْأَرْكَانُ وَسَائِرُ الشُّرُوطِ وَمَحِلُّهُ فِيمَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَوْ فِيهِ خِلَافٌ وَاهٍ بِخِلَافِ الْقَوِيِّ فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: لَوْ تَرَكَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا أَوْ مَسَّ شَافِعِيٌّ الذَّكَرَ أَوْ لَمَسَ الْمَرْأَةَ أَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَنْوِ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا لَا يُقْتَلُ لِأَنَّ جَوَازَ صَلَاتِهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالصَّحِيحُ قَتْلُهُ وُجُوبًا بِصَلَاةٍ فَقَطْ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ بِشَرْطِ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فِيمَا لَهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِأَنْ تُجْمَعَ مَعَ الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا بِتَرْكِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَيُقْتَلُ فِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الْعَصْرِ بِغُرُوبِهَا وَفِي الْعِشَاءِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْلِ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْتِ، فَإِنْ أَصَرَّ وَأَخْرَجَ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ فَقَوْلُ الرَّوْضَةِ: يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا مَحْمُولٌ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْقَتْلِ بِقَرِينَةِ كَلَامِهَا بَعْدُ وَمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ كَتَرْكِ الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَلِخَبَرِ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» وَلِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَتْرُوكٌ بِالنُّصُوصِ وَالْخَبَرُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا ذُكِرَ.
[حاشية البجيرمي]
تَعَمَّدْت تَرْكَهَا بِلَا عُذْرٍ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ طَلَبٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَحِلُّهُ) أَيْ مَحِلُّ قَتْلِهِ بِتَرْكِ الْأَرْكَانِ وَسَائِرِ الشُّرُوطِ فِيمَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَيْ فِي شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ.
. . إلَخْ قَوْلُهُ: وَاهٍ مِثَالُهُ مَثَلًا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْنِ فَإِنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ: (مُخْتَلَفٌ فِيهِ) أَيْ فَكَانَ جَرَيَانُ الْخِلَافِ شُبْهَةً فِي حَقِّهِ مَانِعَةً، مِنْ قَتْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ اهـ ع ش قَوْلُهُ: (بِصَلَاةٍ) أَيْ بِتَرْكِهَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) الْمُرَادُ بِهِ وَقْتُ الْعُذْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بِأَنْ يَجْمَعَ.
. . إلَخْ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَيُطَالَبُ) وَالْمُطَالِبُ لَهُ الْحَاكِمُ لَا آحَادُ النَّاسِ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ: لِيُطَالَبْ.
. . إلَخْ.
أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً وَلَمْ يُطَالَبْ لَا يُقْتَلُ وَهُوَ أَيْ قَوْلُهُ: فَيُطَالَبُ.
. . إلَخْ اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ طَرِيقِ الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (إذَا ضَاقَ) ظَرْفٌ لِلْأَدَاءِ وَأَمَّا الطَّلَبُ وَلَوْ مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (إنْ أَخْرَجَهَا) قَيْدٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَيُقْتَلُ إنْ أَخْرَجَهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْقَتْلِ) وَهُوَ الطَّلَبُ وَالتَّوَعُّدُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا قِيلَ.
. . إلَخْ) مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: وَإِلَّا قُتِلَ.
وَحَاصِلُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ هَذَا الْقِيلُ ثَلَاثَةُ أَدِلَّةٍ: الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: كَتَرْكِ الصَّوْمِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ: لِخَبَرٍ وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ وَرَدَّهَا الشَّارِحُ كَمَا تَرَاهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أَيْ لَا يَجُوزُ فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْقَتْلِ بِإِحْدَى الثَّلَاثِ الْآتِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجَائِزَ يَصْدُقُ بِالْوَاجِبِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْحَرَامَ كَذَا فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَلَالَ لَا يَصْدُقُ بِالْوَاجِبِ إلَّا إذَا أُوِّلَ بِمَا ذُكِرَ اهـ. شَوْبَرِيٌّ وَقَوْلُهُ: «إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» مُسْتَثْنًى مِنْ مَحْذُوفٍ عَامٍّ تَقْدِيرُهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ لِخَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ مِنْ الْخُصَلِ وَقَوْلُهُ: (الثَّيِّبُ الزَّانِي) زِنَى الثَّيِّبِ الزَّانِي وَقَوْلُهُ: «وَقَتْلُ النَّفْسِ» أَيْ كَوْنُ قَتْلِ النَّفْسِ الْقَاتِلَةِ بَدَلًا عَنْ النَّفْسِ الْمَقْتُولَةِ سَبَبٌ فِي قَتْلِهَا فَالْبَاءُ بِمَعْنَى بَدَلٍ وَقَوْلُهُ: " التَّارِكُ " أَيْ تَرْكُ التَّارِكِ لِدِينِهِ أَيْ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ بَلْ هُوَ سَبَبٌ رَابِعٌ اهـ. وَحَاصِلُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُفِيدُ عَدَمَ قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحَدِيثِ إذْ الَّذِي فِيهِ هُوَ تَارِكُ الصَّلَاةِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ وَهُوَ الْمُرْتَدُّ.
وَحَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ أَنَّهُ عَامٌّ لَفْظًا مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِ الْمُصَلِّي فَكَأَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمُصَلِّينَ فَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ شَامِلًا لِلْمُرْتَدِّ وَقَدْ صَرَّحَ حَجّ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ بِخِلَافِهِ فَقَالَ الْمُفَارِقُ بِقَلْبِهِ وَاعْتِقَادِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ أَوْ بِلِسَانِهِ لِلْجَمَاعَةِ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا شَامِلٌ لِمَنْ جَازَ قَتْلُهُ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ: أَوْ قِتَالُهُ شَرْعًا بِشُرُوطِهِ: أَيْ كَمَانِعِ الزَّكَاةِ.
. . إلَخْ فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: وَالْخَبَرُ عَامٌّ أَيْ شَامِلٌ لِمَا ذَكَرَهُ وَيُحْذَفُ قَوْلُهُ: مَخْصُوصٌ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ الْقِيَاسَ) أَيْ عَلَى تَرْكِ الصَّوْمِ وَمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِالنُّصُوصِ) أَيْ الدَّالَّةِ عَلَى قَتْلِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا ذُكِرَ) أَيْ بِالنُّصُوصِ وَالنُّصُوصُ خَصَّصَتْهُ بِالْمُسْلِمِ الْمُصَلِّي.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا هُوَ
وَقَتْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّرْكِ بِلَا عُذْرٍ عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي خَاتِمَةِ الْفَصْلِ.
وَيُقْتَلُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ إنْ قَالَ: أُصَلِّيهَا ظُهْرًا كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّاشِيِّ لِتَرْكِهَا بِلَا قَضَاءٍ إذْ الظُّهْرُ لَيْسَ قَضَاءً عَنْهَا وَيُقْتَلُ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا إنْ لَمْ يَتُبْ.
فَإِنْ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ وَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَتْرُكُهَا بَعْدَ ذَلِكَ كَسَلًا وَهَذَا فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ إجْمَاعًا.
فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا جُمُعَةَ إلَّا عَلَى أَهْلِ مِصْرٍ جَامِعٍ وَقَوْلُهُ: جَامِعٍ صِفَةٌ لِمِصْرٍ.
(وَحُكْمُهُ) بَعْدَ قَتْلِهِ (حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي) وُجُوبِ (الدَّفْنِ) فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَ) فِي وُجُوبِ (الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ) عَلَيْهِ وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ كَسَائِرِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
خَاتِمَةٌ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِعُذْرٍ: كَنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا لَكِنْ يُسَنُّ لَهُ الْمُبَادَرَةُ بِهَا أَوْ بِلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا لِتَقْصِيرِهِ لَكِنْ لَا يُقْتَلُ بِفَائِتَةٍ فَاتَتْهُ بِعُذْرٍ لِأَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ أَوْ بِلَا عُذْرٍ وَقَالَ أُصَلِّيهَا لَمْ يُقْتَلْ لِتَوْبَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَلَوْ تَرَكَ مَنْذُورَةً مُؤَقَّتَةً لَمْ يُقْتَلْ كَمَا عُلِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الصَّلَاةِ بِإِحْدَى الْخَمْسِ لِأَنَّهُ الَّذِي أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَالَةً أَسْقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةَ وَأَحَلَّتْ لَهُ: شُرْبَ الْخَمْرِ، وَأَكْلَ مَالِ السُّلْطَانِ، كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ مَنْ ادَّعَى التَّصَوُّفَ.
فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ وَإِنْ كَانَ فِي خُلُودِهِ فِي النَّارِ نَظَرٌ.
[حاشية البجيرمي]
لِلتَّرْكِ بِلَا عُذْرٍ) أَيْ فِي الْوَقْتِ لَا لِلتَّرْكِ خَارِجَ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى تَرْكِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَفْصِيلٌ يَأْتِي) الَّذِي فِي الشَّرْحِ ضَعِيفٌ لَا يَدْفَعُ الِاعْتِرَاضَ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقَضَاءَ إنْ كَانَ تُوُعِّدَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ أَدَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ يُقْتَلُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُتَوَعَّدْ عَلَيْهِ لَا يُقْتَلُ بِهِ فَقَوْلُهُمْ: الْقَضَاءُ لَا يُقْتَلُ بِهِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ.
وَهَذَا غَيْرُ مَا فِي الشَّرْحِ وَعِبَارَةُ م د.
قَوْلُهُ: تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا تُوُعِّدَ عَلَى تَرْكِهَا بِالْأَمْرِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ قُتِلَ وَإِلَّا فَلَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا) بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ فِي م ر وَعِبَارَتُهُ وَأَفْتَى الشَّيْخُ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِهَا حَيْثُ أُمِرَ بِهَا وَامْتَنَعَ مِنْهَا وَقَالَ: أُصَلِّيهَا ظُهْرًا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ خُطْبَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الظُّهْرِ أَيْ بِأَقَلِّ مُمْكِنٍ مِنْ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (كَنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ) بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْشَأَ عَنْ لَعِبٍ وَلَهْوٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِلَا عُذْرٍ.
. . إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ تُوُعِّدَ بِهَا بِالْأَمْرِ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ قُتِلَ وَإِلَّا فَلَا وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (لِتَوْبَتِهِ) فِي كَوْنِ هَذَا تَوْبَةً نَظَرٌ وَالتَّوْبَةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ) أَيْ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ لَكِنْ مَحِلُّهُ فِيمَا إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ وَقْتِهَا بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ أَيْ فِي الْوَقْتِ لَا مُطْلَقًا إذْ لَا يُقْتَلُ بِالْقَضَاءِ مُطْلَقًا كَمَا تَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ بَيَّنَهُ) أَيْ بَيَّنَ نَفْسَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ) بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَتْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مِائَةِ كَافِرٍ؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ فِي خُلُودِهِ فِي النَّارِ نَظَرٌ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَدْ يَنْكَشِفُ لَهُ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ الظَّاهِرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ إجْرَاءِ أَحْكَامِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَمُقْتَضَاهُ خُلُودُهُ فِي النَّارِ.
اهـ. م د وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ أَيْ؛ لِأَنَّهُ نَفَى مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَحَلَّلَ مُحَرَّمًا وَعِبَارَةُ حَجّ وَلَا نَظَرَ فِي خُلُودِهِ فِي النَّارِ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ لِاسْتِحْلَالِهِ مَا عُلِمَتْ حُرْمَتُهُ أَوْ نَفْيِهِ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ ضَرُورَةً فِيهِمَا وَمِنْ ثَمَّ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِخُلُودِهِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
كِتَابُ أَحْكَامِ الْجِهَادِ أَيْ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أَحْكَامِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: 89] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ: «لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ أَحْكَامِ الْجِهَادِ]
ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّينَ وَأَحْكَامِ تَارِكِي الصَّلَاةِ جَحْدًا شَرَعَ فِي الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ الْكُفَّارُ الْأَصْلِيُّونَ، وَجَوَازُ قِتَالِهَا مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَوَاتِهِ وَهِيَ مَا خَرَجَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَبُعُوثِهِ وَهِيَ مَا أَرْسَلَهَا وَأَمَّرَ عَلَيْهَا أَمِيرًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ جُمْلَةَ غَزَوَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ غَزْوَةً قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهَا بِنَفْسِهِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْمُرَيْسِيعِ وَالْخَنْدَقِ وَقُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفَةِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فَتْحَ مَكَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَضَمَّ قُرَيْظَةَ إلَى الْخَنْدَقِ فَأَهْمَلَ ذِكْرَ قُرَيْظَةَ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاتَلَ فِي غَزَوَاتٍ إلَّا فِي أُحُدٍ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا إلَّا أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَاتَلَ فِي كَذَا أَنَّهُ قَاتَلَ بِنَفْسِهِ كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الطَّلَبَةِ مِمَّنْ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى أَحْوَالِهِ.
وَقَدْ أُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ قِتَالُ أَصْحَابِهِ بِحُضُورِهِ فَنُسِبَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا فِي قِتَالِهِمْ.
وَأَمَّا سَرَايَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَهِيَ سَبْعٌ وَأَرْبَعُونَ سَرِيَّةً وَهِيَ مِنْ مِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ فَمَا زَادَ مَنْسِرٌ بِنُونٍ فَمُهْمَلَةٍ إلَى ثَمَانِ مِائَةٍ فَمَا زَادَ جَيْشٌ إلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَمَا زَادَ جَحْفَلٌ، وَالْخَمِيسُ الْجَيْشُ الْعَظِيمُ وَسُمِّيَ خَمِيسًا لِأَنَّ لَهُ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَأَمَامًا وَخَلْفًا وَقَلْبًا وَهُوَ وَسَطُهُ.
وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ السِّيَرِ أَنْ يُسَمُّوا كُلَّ عَسْكَرٍ حَضَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ غَزْوَةً وَمَا لَمْ يَحْضُرْهُ بَلْ أَرْسَلَ بَعْضًا مِنْ أَصْحَابِهِ إلَى الْغَزْوِ سَرِيَّةً وَبَعْثًا.
اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْمَوَاهِبِ وَشَرْحِ التُّحْفَةِ لحج وَمُرَادٌ بِالْأَحْكَامِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَمَنْ أُسِرَ مِنْ الْكُفَّارِ عَلَى ضَرْبَيْنِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْجِهَادِ إلَخْ وَبِالْأَحْكَامِ أَيْضًا كَوْنُهُ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ فَرْضَ عَيْنٍ وَقَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أَحْكَامِهِ كَقَوْلِهِ: وَمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أَحْكَامِهِ) . مُرَادُهُ بِهِ قَوْلُهُ: وَمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ إلَخْ.
لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَسْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] وَهَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ وَقِيلَ قَوْلُهُ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: 41] وَقَوْلُهُ كَافَّةً حَالٌ مِنْ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ أَوْ مِنْهُمَا مَعًا وَمَعْنَاهُ جَمِيعًا.
اهـ م د وَقَوْلُهُ: مِنْ الْفَاعِلِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ حَالًا مِنْهُ لَكَانَ مُتَعَيِّنًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ حَالٌ مِنْ الْمَفْعُولِ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: «حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقُولُونَهَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَلَمًا عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ: م د عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: (لَغَدْوَةٌ) اللَّامُ لِلْقَسَمِ وَالْغَدْوَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْغَدْوِ وَهُوَ الْخُرُوجُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى انْتِصَافِهِ، وَالرَّوْحَةُ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الرَّوَاحِ وَهُوَ الْخُرُوجُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا فَتْحُ الْبَارِي اهـ وَقَوْلُهُ: لَغَدْوَةٌ إلَخْ هَذَا عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالْغَيْنِ وَالدَّالِ
وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْأَصْحَابِ تَبَعًا لِإِمَامِهِمْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَذْكُرُوا مُقَدِّمَةً فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
فَلْنَذْكُرْ نُبْذَةً مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ فَنَقُولُ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً.
وَآمَنَتْ بِهِ خَدِيجَةُ ثُمَّ بَعْدَهَا قِيلَ: عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ.
وَقِيلَ: عَشْرٌ، وَقِيلَ: أَبُو بَكْرٍ.
وَقِيلَ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
ثُمَّ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ قَوْمِهِ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَوَّلُ مَا فُرِضَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالدُّعَاءِ إلَى التَّوْحِيدِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ ثُمَّ نُسِخَ بِمَا فِي آخِرِهَا.
ثُمَّ نُسِخَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ وَقِيلَ: بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِخَمْسٍ أَوْ سِتٍّ.
وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ فُرِضَ الصَّوْمُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ تَقْرِيبًا وَفُرِضَتْ الزَّكَاةُ بَعْدَ الصَّوْمِ وَقِيلَ: قَبْلَهُ وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ.
قِيلَ: فِي نِصْفِ شَعْبَانَ.
وَقِيلَ: فِي رَجَبٍ مِنْ الْهِجْرَةِ حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ وَفِيهَا فُرِضَتْ صَدَقَةُ
[حاشية البجيرمي]
الْمُهْمَلَةِ وَفِي نُسْخَةٍ لَغَزْوَةٌ بِالزَّايِ وَالْأُولَى مُنَاسِبَةٌ لَرَوْحَةٌ وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ.
قَوْلُهُ: (نُبْذَةٌ) بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا أَيْ قِطْعَةٌ أَيْ شَيْئًا يَسِيرًا وَبَابُهُ أَيْ بَابُ فِعْله ضَرَبَ.
قَوْلُهُ: (بُعِثَ) أَيْ نُبِّئَ لَمَّا جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِغَارِ حِرَاءٍ وَقَالَ لَهُ اقْرَأْ إلَى آخِرِ مَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فَرَاجِعْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْبَعْثِ الْإِرْسَالَ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ أُمِرَ بِتَبْلِيغِ قَوْمِهِ أَيْ بِالرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1] ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: 2] إلَخْ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: بُعِثَ أَيْ أُرْسِلَ إذْ الْبَعْثُ الْإِرْسَالُ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: ثُمَّ أُمِرَ إلَخْ لِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْأَمْرِ بِالتَّبْلِيغِ عَنْ الْإِرْسَالِ وَالْحَقُّ أَنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ مُتَقَارِنَانِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْجَوْهَرِيُّ: قَوْلُهُ: (وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ) أَيْ عِنْدَ تَمَامِهَا لَا فِي ابْتِدَائِهَا.
قَوْلُهُ: (قِيلَ عَلِيٌّ) وَكَانَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَصَحَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ كَانَتْ مَنُوطَةً بِالتَّمْيِيزِ وَقِيلَ إنَّهُ كَانَ بَالِغًا وَهُوَ ضَعِيفٌ وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ) وَجُمِعَ بِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ النِّسَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ خَدِيجَةُ وَمِنْ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ وَمِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ الْمَوَالِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَوَّلُ) مُبْتَدَأٌ وَمَا فُرِضَ أَيُّ شَيْءٍ فُرِضَ هُوَ فَالْعَائِدُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلَى مَا وَمَا ذُكِرَ خَبَرٌ وَمِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بَيَانٌ لِمَا مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ نُسِخَ بِمَا فِي آخِرِهَا) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] إلَخْ أَنْ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ أَنَّهُ لَنْ تُحْصُوهُ أَيْ اللَّيْلَ لِتَقُومُوا فِيمَا يَجِبُ الْقِيَامُ فِيهِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِقِيَامِ جَمِيعِهِ وَذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْكُمْ ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: 20] رَجَعَ بِكُمْ إلَى التَّخْفِيفِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20] بِأَنْ تُصَلُّوا مَا تَيَسَّرَ ﴿عَلِمَ أَنْ﴾ [المزمل: 20] أَيْ أَنَّهُ ﴿سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المزمل: 20] يُسَافِرُونَ ﴿يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20] يَطْلُبُونَ مِنْ رِزْقِهِ لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20] وَكُلٌّ مِنْ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ مَا ذُكِرَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: 20] كَمَا تَقَدَّمَ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل: 20] الْمَفْرُوضَةَ اهـ جَلَالَيْنِ وَقَوْلُهُ: ثُمَّ نُسِخَ أَيْ مَا فِي آخِرِهَا وَقَوْلُهُ: بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَيْ بِإِيجَابِهَا.
قَوْلُهُ: (إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَوَاتِ أَوْ حَالٌ مِنْهَا وَفِيهِ مَعَ قَوْلِهِ: ثُمَّ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ تَنَافٍ لِأَنَّ الْمُقَرَّرَ أَنَّ الصَّلَاةَ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ كَانَتْ إلَى الْكَعْبَةِ فَكَانَ الْأَوْلَى عَكْسَ مَا قَالَ الشَّارِحُ بِأَنْ يَقُولَ: ثُمَّ نُسِخَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ إلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَأُجِيبَ عَنْ التَّنَافِي بِأَنَّهُ اسْتَقْبَلَ أَوَّلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ أَيْ النَّبِيِّ وَبَيْنَهُ أَيْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَلُّقِ قَوْلِهِ: إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ عَلَّقَ بِالْإِسْرَاءِ فَلَا إشْكَالَ وَيَكُونُ الشَّارِحُ أَسْقَطَ مَرْتَبَةً وَهِيَ قَوْلُهُ: ثُمَّ نُسِخَ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ أَيْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ فَهُوَ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْرِيرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ.
قَوْلُهُ: (تَقْرِيبًا) لِأَنَّهُ فُرِضَ فِي شَعْبَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ) مُتَعَلِّقٌ ب حَوَّلَتْ الَّذِي بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ) أَيْ إلَى الْكَعْبَةِ وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أُمِرَ أَوَّلًا بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نُسِخَ بِاسْتِقْبَالِ
الْفِطْرِ وَفِيهَا ابْتَدَأَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ عِيدِ الْفِطْرِ ثُمَّ عِيدَ الْأَضْحَى، ثُمَّ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ سِتٍّ وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ «وَلَمْ يَحُجَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَّا حَجَّةَ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا»
وَكَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَأَمَّا بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: الْحَالُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونُوا بِبِلَادِهِمْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
(وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ) حِينَئِذٍ (سَبْعُ خِصَالٍ) : الْأُولَى (الْإِسْلَامُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا﴾ [التوبة: 123] الْآيَةَ فَخُوطِبَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَوْ ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ يَبْذُلُ الْجِزْيَةَ لِنَذُبَّ عَنْهُ لَا لِيَذُبَّ عَنَّا.
(وَ) الثَّانِيَةُ (الْبُلُوغُ وَ) الثَّالِثَةُ (الْعَقْلُ) فَلَا جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ [التوبة: 91] الْآيَةَ قِيلَ: هُمْ الصِّبْيَانُ لِضَعْفِ أَبْدَانِهِمْ وَقِيلَ: الْمَجَانِينُ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ ابْنَ عُمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَجَازَهُ فِي الْخَنْدَقِ» . (وَ) الرَّابِعَةُ (الْحُرِّيَّةُ) فَلَا جِهَادَ عَلَى رَقِيقٍ وَلَوْ مُبَعَّضًا أَوْ مُكَاتَبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: 11] وَلَا مَالَ لِلْعَبْدِ وَلَا نَفْسَ يَمْلِكُهَا فَلَمْ يَشْمَلْهُ الْخِطَابُ حَتَّى لَوْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ وَلَيْسَ الْقِتَالُ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ الْمُسْتَحَقِّ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَقْتَضِي التَّعَرُّضَ لِلْهَلَاكِ.
(وَ) الْخَامِسَةُ (الذُّكُورَةُ) فَلَا جِهَادَ عَلَى امْرَأَةٍ لِضَعْفِهَا.
وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: 65] وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُؤْمِنِينَ يَنْصَرِفُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ «وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ وَقَدْ سَأَلَتْهُ فِي الْجِهَادِ: لَكُنَّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» . (وَ) السَّادِسَةُ (الصِّحَّةُ) فَلَا جِهَادَ عَلَى مَرِيضٍ يَتَعَذَّرُ قِتَالُهُ أَوْ تَعْظُمُ مَشَقَّتُهُ.
[حاشية البجيرمي]
الْكَعْبَةِ ثُمَّ نُسِخَ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَلَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْكَعْبَةَ فِي حَالِ صَلَاتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَمَنَّى أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] الْآيَةَ فَأُمِرَ بِتَوَجُّهِهِ لِلْكَعْبَةِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا) وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ أَيْ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا التَّقَاضِي وَالصُّلْحُ لَا الْقَضَاءُ الْعُرْفِيُّ وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ وَعُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْعُمْرَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي ضِمْنِ حَجِّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَقِيلَ: كَانَ مُفْرِدًا بِأَنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ خُصُوصِيَّةً لَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْهِجْرَةِ) أَمَّا قَبْلَهَا فَكَانَ مُمْتَنِعًا لِأَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَوَّلًا هُوَ التَّبْلِيغُ وَالْإِنْذَارُ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ تَأَلُّفًا لَهُمْ ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ بَعْدَهَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْهُ فِي نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ آيَةً إذَا ابْتَدَأَهُمْ الْكُفَّارُ بِهِ ثُمَّ أَبَاحَ الِابْتِدَاءَ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ أُمِرَ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: 41] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36] وَهَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَهَا م ر فِي شَرْحِهِ وَقَوْلُهُ: فِي نَيِّفٍ مِنْ وَاحِدٍ إلَى تِسْعٍ وَالْبِضْعُ مِنْ ثَلَاثٍ إلَى تِسْعٍ.
اهـ. مُخْتَارٌ قَوْلُهُ: (مَنْ فِيهِمْ) وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ز ي لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النِّكَايَةُ بِخِلَافِ رَدِّ السَّلَامِ وَإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ فَلَا.
قَوْلُهُ: (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ يَكُونُونَ بِبِلَادِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 20] التِّلَاوَةُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ " بَرَاءَةٌ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: 20] وَالثَّانِيَةِ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] وَاَلَّتِي فِي الصَّفِّ ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: 11] وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَاحِدَةً مِمَّا ذَكَرَ وَفِي نُسْخَةٍ وَتُجَاهِدُونَ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: «لَكُنَّ أَفْضَلُ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» بِفَتْحِ لَامِ لَكُنَّ وَضَمِّ الْكَافِ وَبِنُونِ النِّسْوَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَأَفْضَلُ الْجِهَادِ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَحَجٌّ أَيْ هُوَ حَجٌّ.
. . إلَخْ: وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا إذَا قُرِئَ لَكُنَّ بِالتَّشْدِيدِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَتَسْمِيَةُ الْحَجِّ جِهَادًا مِنْ حَيْثُ إتْعَابُ النَّفْسِ وَالْمَشَقَّةُ فِيهِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ لِيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّادِسَةُ الصِّحَّةُ) يُغْنِي عَنْهُ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُعْظَمُ أَصَابِعهَا بِخِلَافِ فَاقِدِ
(وَ) السَّابِعَةُ (الطَّاقَةُ عَلَى الْقِتَالِ) بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ فَلَا جِهَادَ عَلَى أَعْمَى وَلَا عَلَى ذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ، وَلَوْ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17] فَلَا عِبْرَةَ بِصُدَاعٍ وَوَجَعِ ضِرْسٍ وَضَعْفِ بَصَرٍ، إنْ كَانَ يُدْرِكُ الشَّخْصَ وَيُمْكِنُهُ اتِّقَاءَ السِّلَاحِ.
وَلَا عَرَجٍ يَسِيرٍ لَا يَمْنَعُ الْمَشْيَ وَالْعَدْوَ وَالْهَرَبَ وَلَا عَلَى أَقْطَعِ يَدٍ بِكَمَالِهَا، أَوْ مُعْظَمِ أَصَابِعِهَا بِخِلَافِ: فَاقِدِ الْأَقَلِّ أَوْ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إنْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ بِغَيْرِ عَرَجٍ بَيِّنٍ وَلَا عَلَى أَشَلِّ يَدٍ أَوْ مُعْظَمِ أَصَابِعِهَا لِأَنَّ مَقْصُودَ الْجِهَادِ الْبَطْشُ وَالنِّكَايَةُ وَهُوَ مَفْقُودٌ فِيهِمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الضَّرْبِ، وَلَا عَادِمٍ أُهْبَةَ قِتَالٍ: مِنْ نَفَقَةٍ وَلَا سِلَاحٍ، وَكَذَا مَرْكُوبٌ إنْ كَانَ سَفَرَ قَصْرٍ فَإِنْ كَانَ دُونَهُ لَزِمَهُ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ
فَاضِلٌ ذَلِكَ عَنْ مُؤْنَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ كَمَا فِي الْحَجِّ وَلَوْ مَرِضَ بَعْدَ مَا خَرَجَ أَوْ فَنِيَ زَادُهُ أَوْ هَلَكَتْ دَابَّتُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَنْصَرِفَ أَوْ يَمْضِيَ فَإِنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الصَّحِيحِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِتَالُ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الرَّمْيُ بِالْحِجَارَةِ فَالْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ الرَّمْيُ بِهَا عَلَى تَنَاقُضٍ وَقَعَ لَهُ فِيهِ.
وَلَوْ كَانَ الْقِتَالُ عَلَى بَابِ دَارِهِ أَوْ حَوْلَهُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمُؤَنِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ.
وَالضَّابِطُ الَّذِي يَعُمُّ مَا سَبَقَ وَغَيْرَهُ كُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ حَجٍّ كَفَقْدِ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْجِهَادِ إلَّا خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ أَوْ مِنْ لُصُوصٍ مُسْلِمِينَ فَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ لِأَنَّ الْخَوْفَ يُحْتَمَلُ فِي هَذَا السَّفَرِ لِبِنَاءِ الْجِهَادِ عَلَى مُصَادَمَةِ الْمَخَاوِفِ وَالدَّيْنُ الْحَالُّ عَلَى مُوسِرٍ يُحَرِّمُ سَفَرَ جِهَادٍ وَسَفَرَ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، وَالدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ لَا يُحَرِّمُ السَّفَرَ وَإِنْ قَرُبَ الْأَجَلُ وَيَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ جِهَادٌ بِسَفَرٍ وَغَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ،
[حاشية البجيرمي]
الْأَقَلِّ) قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى فَاقِدِ الْإِبْهَامِ وَالْمُسَبِّحَةِ وَعَلَى فَاقِدِ الْوُسْطَى وَالْبِنْصِرِ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَا يُجْزِئَانِ فِي الْكَفَّارَةِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا شَرْحُ الرَّوْضِ شَوْبَرِيٌّ وَلَا يَجِبُ عَلَى فَاقِدِ أَكْثَرِ أَنَامِلِ يَدِهِ كَمَا فِي الْعُبَابِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَفْقُودٌ فِيهِمَا) أَيْ الْأَشَلُّ وَالْأَقْطَعُ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ سَفَرَ قَصْرٍ) قَيْدٌ فِي الْمَرْكُوبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَكَذَا.
قَوْلُهُ: (فَاضِلٌ ذَلِكَ) أَيْ الْمَرْكُوبُ وَمَا قَبْلَهُ بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَصْلًا أَوْ قَدَرَ عَلَيْهَا غَيْرَ فَاضِلَةٍ عَمَّا ذَكَرَ وَانْظُرْ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ تُقَدَّرُ بِكَمْ شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ لِغَيْبَتِهِ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ بِخِلَافِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَرِضَ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ لَا جِهَادَ عَلَيْهِمْ أَيْ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الدَّوَامِ فَيَفْصِلُ كَمَا فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (الرَّمْيُ بِهَا) أَيْ وُجُوبُ الرَّمْيِ بِهَا أَيْ الْحِجَارَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (وَالضَّابِطُ) أَيْ ضَابِطُ مَانِعِ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُصَادَمَةِ الْمَخَاوِفِ) أَيْ مُلَاقَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالدَّيْنُ الْحَالُّ) أَيْ أَصَالَةً أَوْ عَرَضًا سَوَاءٌ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ وَإِنْ كَانَ بِهِ رَهْنٌ وَثِيقٌ أَوْ ضَامِنٌ مُوسِرٌ كَمَا قَالَهُ م ر. وَمُرَادُ الشَّارِحِ بِذَلِكَ الْكَلَامِ زِيَادَةُ شَرْطَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَهُوَ مُوسِرٌ وَأَذِنَ أُصُولُهُ وَمَحِلُّ تَوَقُّفِهِ عَلَى إذْنِ رَبِّ الدَّيْنِ مَا لَمْ يُنِبْ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ أَيْ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَزْيَدُ مِمَّا يَبْقَى لِلْمُفْلِسِ فِيمَا يَظْفَرُ بِخِلَافِهِ عَلَى مُعْسِرٍ فَلَا يَحْرُمُ السَّفَرُ وَيُتَّجَهُ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَوْ كَانَ مُصَاحِبًا لَهُ فِي سَفَرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْآذِنُ رَشِيدًا، وَمِثْلُ الْإِذْنِ ظَنُّ رِضَاهُ فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لِمَدِينِهِ السَّفَرُ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْذَنَ وَلِيُّهُ، وَإِذْنُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لَاغٍ وَحَيْثُ حَرُمَ السَّفَرُ فَلَا يَتَرَخَّصُ بِقَصْرٍ وَلَا غَيْرِهِ لِعِصْيَانِهِ بِسَفَرِهِ اهـ وَعِبَارَةُ م ر إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ أَوْ ظَنِّ رِضَاهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ وَالرِّضَا لِرِضَاهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلشَّهَادَةِ بَلْ يَقِفَ وَسَطَ الصَّفِّ أَوْ حَاشِيَتِهِ حِفْظًا لِلدَّيْنِ وَحَلَّ مَا تَقَرَّرَ مَا لَمْ يُنِبْ مَنْ يَقْضِيهِ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ وَمِثْلُهُ كَمَا هُوَ قِيَاسُ نَظَائِرِهِ دَيْنٌ ثَابِتٌ عَلَى مَلِيءٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِإِذْنِ وَلِيِّ الدَّائِنِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إذْ لَا مَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (سَفَرَ جِهَادٍ) وَحَيْثُ حَرُمَ السَّفَرُ فَلَا يَتَرَخَّصُ بِقَصْرٍ وَلَا غَيْرِهِ لِعِصْيَانِهِ بِسَفَرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَسَفَرَ غَيْرِهِ) وَلَوْ
وَلَوْ كَانَ الْحَيُّ أَحَدَهُمَا فَقَطْ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَجَمِيعُ أُصُولِهِ الْمُسْلِمِينَ كَذَلِكَ وَلَوْ وَجَدَ الْأَقْرَبَ مِنْهُمْ وَأَذِنَ بِخِلَافِ الْكَافِرِ مِنْهُمْ لَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ سَفَرٌ لِتَعَلُّمِ فَرْضٍ وَلَوْ كِفَايَةً كَطَلَبِ دَرَجَةِ الْإِفْتَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ أَصْلِهِ وَلَوْ أَذِنَ أَصْلُهُ أَوْ رَبُّ الدَّيْنِ فِي الْجِهَادِ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ خُرُوجِهِ، وَعَلِمَ بِالرُّجُوعِ وَجَبَ رُجُوعُهُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ الصَّفَّ، وَإِلَّا حَرُمَ انْصِرَافُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الرُّجُوعِ أَيْضًا أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ.
وَلَمْ تَنْكَسِرْ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الرُّجُوعُ بَلْ لَا يَجُوزُ.
وَالْحَالُ الثَّانِي مِنْ حَالَيْ الْكُفَّارِ أَنْ يَدْخُلُوا بَلْدَةً لَنَا مَثَلًا فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفْعُ بِالْمُمْكِنِ مِنْهُمْ.
وَيَكُونُ الْجِهَادُ حِينَئِذٍ فَرْضَ عَيْنٍ سَوَاءٌ أَمْكَنَ تَأَهُّبُهُمْ لِقِتَالٍ أَمْ لَمْ يُمْكِنْ عَلِمَ كُلُّ مَنْ قَصَدَ أَنَّهُ إنْ أُخِذَ قُتِلَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ الِاسْتِسْلَامِ قُتِلَ أَوْ لَمْ تَأْمَنْ الْمَرْأَةُ فَاحِشَةً إنْ أُخِذَتْ.
وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْبَلْدَةِ الَّتِي دَخَلَهَا الْكُفَّارُ حُكْمُهُ كَأَهْلِهَا وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِهَا كِفَايَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْحَاضِرِ مَعَهُمْ فَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَى كُلٍّ مِمَّنْ ذُكِرَ حَتَّى عَلَى فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَرَقِيقٍ بِلَا إذْنٍ مِنْ الْأَصْلِ وَرَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِّدِ، وَيَلْزَمُ الَّذِي عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ
[حاشية البجيرمي]
قَصِيرًا كَنَحْوِ مِيلٍ م ر وَقِيلَ: لَا يَتَقَيَّدُ بِمِيلٍ بَلْ مَتَى خَرَجَ مِنْ السُّوَرِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَجُلٍ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْوُجُوبِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى ق ل.
قَوْلُهُ: (بِسَفَرٍ وَغَيْرِهِ) اعْتَرَضَ بِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْكُفَّارُ بَلْدَةً لَنَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ إلَّا أَنْ يُصَوِّرَ بِمَا إذَا سَافَرَ لِتِجَارَةٍ لَا خَطَرَ فِيهَا فَاتَّفَقَ لَهُ الْجِهَادُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ مِنْ الْأُصُولِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ لِلْجِهَادِ فَصَدَقَ أَنَّهُ جِهَادٌ بِلَا سَفَرٍ، وَتَوَقَّفَ عَلَى إذْنٍ فَالْمُرَادُ بِلَا سَفَرٍ لِلْجِهَادِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ هُنَاكَ سَفَرٌ لَكِنْ لَا لِلْجِهَادِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِهِ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى سَفَرٍ وَيَصِحُّ قِرَاءَةُ غَيْرُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى جِهَادٍ فَقَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ الْجِهَادِ بِسَفَرٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ فَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ رِضَا جَمِيعِ الْأُصُولِ لَا الْأَبَوَيْنِ فَقَطْ فَلَيْسَ اشْتِرَاطُ الرِّضَا لِأَجْلِ احْتِيَاجِ الْأَصْلِ إلَيْهِ فِي الْمُؤْنَةِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ لِعَدَمِ فَرْقِهِمْ بَيْنَ الْفَرْعِ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَبَيْنَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ الْعُمْرَ الْغَالِبَ أَوْ لَا كَذَا قَرَّرَهُ ز ي وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) أَيْ يَحْرُمُ السَّفَرُ بِدُونِ إذْنِهِمْ وَعِبَارَةُ م ر وَيَحْرُمُ عَلَى حُرٍّ وَمُبَعَّضِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى جِهَادٌ وَلَوْ مَعَ عَدَمِ سَفَرٍ إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ عَلَيَا مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ وَلَوْ كَانَ غَنِيَّيْنِ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ هَذَا إذَا كَانَ مُسْلِمَيْنِ وَلَمْ يَجِبْ اسْتِئْذَانُ الْكَافِرِ لِاتِّهَامِهِ بِمَنْعِهِ لَهُ حَمِيَّةً لِدِينِهِ وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا لِلْمُقَاتِلِينَ أَيْ الَّذِينَ يُرِيدُ قِتَالَهُمْ وَيَلْزَمُ الْمُبَعَّضَ اسْتِئْذَانُ سَيِّدِهِ أَيْضًا وَيَحْتَاجُ الْقِنُّ لِإِذْنِ سَيِّدِهِ لَا أَبَوَيْهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَجَدَ الْأَقْرَبَ إلَخْ) غَايَةٌ أَيْ إذَا أَذِنَ الْأَقْرَبُ لَا يَجُوزُ السَّفَرُ حَيْثُ مَنَعَ الْأَبْعَدَ.
فَرْعٌ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْأَصْلِ فِي السَّفَرِ لِطَلَبِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وَلَوْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ أَمْكَنَ فِي الْبَلَدِ وَرَجَا بِخُرُوجِهِ زِيَادَةَ فَرَاغٍ أَوْ إرْشَادَ شَيْخٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَلَهُ تَرْكُ طَلَبِ الْعِلْمِ غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهِ وَإِنْ ظَهَرَ انْتِفَاعُهُ لَا فِي صَلَاةِ الْمَيِّتِ أَيْ إذَا شَرَعَ فِيهَا لَا يَجُوزُ قَطْعُهَا وَلَا يُعْتَبَرُ الْإِذْنُ فِي السَّفَرِ لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا حَيْثُ لَا خَطَرَ فِيهِ كَرُكُوبِ بَحْرٍ أَوْ بَادِيَةٍ مُخْطِرَةٍ وَإِنْ غَلَبَ الْأَمْنُ.
اهـ عُبَابٌ.
اهـ. م د وَقَوْلُهُ: كَرُكُوبِ بَحْرٍ مِثَالٌ لِلْمَنْفِيِّ وَقَوْلُهُ: مُخْطِرَةٍ أَيْ فِيهَا خَطَرٌ أَيْ خَوْفٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كِفَايَةً) أَيْ وَلَوْ نَحْوَ صَنْعَةٍ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَعَ حُرْمَةِ السَّفَرِ لَهُ إلَّا بِالْإِذْنِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ فِيهِ مِنْ الْأَخْطَارِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ إذْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَخَاوِفِ.
قَوْلُهُ: (أَيْضًا) أَيْ كَمَا اشْتَرَطَ عَدَمَ حُضُورِهِ الصَّفَّ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَنْكَسِرْ إلَخْ) أَيْ وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَ الْإِمَامِ بِجُعْلٍ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ بَلْ لَا يَجُوزُ شَرْحُ الرَّوْضِ فَلَا يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ أَنْ لَا يَحْضُرَ الصَّفَّ وَأَنْ يَأْمَنَ وَأَنْ لَا تَنْكَسِرَ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ لَا يَخْرُجَ بِجُعْلٍ فَإِنْ حَضَرَ أَوْ لَمْ يَأْمَنْ أَوْ انْكَسَرَ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ بِرُجُوعِهِ أَوْ خَرَجَ بِجُعْلٍ فَلَا يَجِبُ الرُّجُوعُ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الرُّجُوعُ) ظَاهِرُهُ جَوَازُ الرُّجُوعِ مَعَ عَدَمِ الْأَمْنِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ مُرَادًا ق ل فَقَوْلُهُ: لَا يَجِبُ الرُّجُوعُ بَلْ وَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَدْخُلُوا بَلْدَةً لَنَا) أَوْ
الْمُضِيُّ إلَيْهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ دَفْعًا لَهُمْ وَإِنْقَاذًا مِنْ الْهَلَكَةِ.
فَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي حَقِّ مَنْ قَرُبَ وَفَرْضَ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ مَنْ بَعُدَ.
وَإِذَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ قَصْدِ تَأَهُّبٍ لِقِتَالٍ وَجَوَّزَ أَسْرًا وَقَتْلًا فَلَهُ اسْتِسْلَامٌ وَقِتَالٌ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْهُ قُتِلَ وَأَمِنَتْ الْمَرْأَةُ فَاحِشَةً.
ثُمَّ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْجِهَادِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ أُسِرَ مِنْ الْكُفَّارِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٍ يَكُونُ رَقِيقًا بِنَفْسِ) أَيْ بِمُجَرَّدِ (السَّبْيِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ الْأَسْرُ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ، (وَهُمْ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ) وَالْمَجَانِينُ وَالْعَبِيدُ وَلَوْ مُسْلِمِينَ.
كَمَا يُرَقُّ حَرْبِيٌّ مَقْهُورٌ لِحَرْبِيٍّ بِالْقَهْرِ، أَيْ يَصِيرُونَ بِالْأَسْرِ أَرِقَّاءَ لَنَا وَيَكُونُونَ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ الْخُمُسُ لِأَهْلِهِ وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ السَّبْيَ كَمَا يَقْسِمُ الْمَالَ.
وَالْمُرَادُ بِرِقِّ الْعَبِيدِ اسْتِمْرَارُهُ لَا تَجَدُّدُهُ وَمِثْلُهُمْ فِيمَا ذُكِرَ الْمُبَعَّضُونَ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ.
تَنْبِيهٌ لَا يُقْتَلُ مَنْ ذُكِرَ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُمَا، فَإِنْ قَتَلَهُمْ الْإِمَامُ وَلَوْ لِشَرِّهِمْ وَقُوَّتِهِمْ
[حاشية البجيرمي]
يَصِيرَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (مَثَلًا) مُتَعَلِّقٌ بِيَدْخُلُوا وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِبَلْدَةٍ لِإِدْخَالِ الْقَرْيَةِ وَيَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ: لَنَا لِإِدْخَالِهِ بِلَادَ الذِّمِّيِّينَ وَكُلٌّ مُرَادٌ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُ عَيْنٍ) يَرْجِعُ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (عَلِمَ كُلٌّ إلَخْ) وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ لَكِنْ عَلِمَ إلَخْ فَجَعَلَهُ شَرْطًا فِي قَوْلِهِ: أَوْ لَمْ يُمْكِنْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ إنْ أُخِذَ قُتِلَ) فَيَتَعَيَّنُ الْقِتَالُ لِامْتِنَاعِ الِاسْتِسْلَامِ لِكَافِرٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ ذُلٌّ دِينِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قُتِلَ) أَيْ فَيَجِبُ الدَّفْعُ أَيْضًا لِأَنَّ عَدَمَ الدَّفْعِ حِينَئِذٍ ذُلٌّ دِينِيٌّ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ عَلَى النَّفْسِ وَالْعِلْمُ هُنَا بِمَعْنَى الظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ تَأْمَنْ الْمَرْأَةُ فَاحِشَةً إنْ أُخِذَتْ) أَيْ فَلَا يَحِلُّ لَهَا الِاسْتِسْلَامُ بَلْ يَلْزَمُهَا الدَّفْعُ وَلَوْ قُتِلَتْ لِأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْمُطَاوَعَةُ لِدَفْعِ الْقَتْلِ شَرْحُ الرَّوْضِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَدَ الْجَمِيلَ وَغَيْرَهُ حُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنْ يَقْصِدَ بِالْفَاحِشَةِ فِي الْحَالِ أَوْ الْمَآلِ حُكْمُ الْمَرْأَةِ وَأَوْلَى.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَوْ اسْتَسْلَمَ لَا يُقْتَلُ وَأَمِنَتْ الْمَرْأَةُ فَاحِشَةً جَازَ الِاسْتِسْلَامُ، فَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافُ ظَنِّهِمْ وَجَبَ الدَّفْعُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ قِ ل.
قَوْلُهُ: (وَجَوَّزَ أَسْرًا إلَخْ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: عَلِمَ كُلُّ مَنْ قَصَدَ أَنَّهُ إنْ أُخِذَ قُتِلَ وَقَوْلُهُ: إنْ عَلِمَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ وَقَوْلُهُ: وَأَمِنَتْ الْمَرْأَةُ مَفْهُومٌ قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ تَأْمَنْ الْمَرْأَةُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إنْ عَلِمَ) أَيْ ظَنَّ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الِاسْتِسْلَامِ قُتِلَ لِأَنَّ تَرْكَهُ الِاسْتِسْلَامَ حِينَئِذٍ يُعَجِّلُ الْقَتْلَ ز ي وَهَذَا مُحْتَرَزُ.
قَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَعْلَمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَمِنَتْ الْمَرْأَةُ الْفَاحِشَةَ) أَيْ إنْ أُخِذَتْ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: أَوْ لَمْ تَأْمَنْ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مَعْنًى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِصُورَةِ اسْتِثْنَاءٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: عَلِمَ كُلُّ مَنْ قَصَدَ إلَخْ مُحْتَرَزَ قَوْلِهِ الْآتِي وَجَوَّزَ أَسْرًا وَقَتْلًا، وَقَوْلُهُ: أَوْ لَمْ يَعْلَمْ إلَخْ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: إنْ عَلِمَ وَقَوْلُهُ: أَوْ لَمْ تَأْمَنْ مُحْتَرَزَ قَوْلِهِ: وَأَمِنَتْ وَيَكُونُ قَدَّمَ الْمَفْهُومَ عَلَى الْمَنْطُوقِ وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْأَوَّلَ مَفْهُومًا لِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ عِبَارَةُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ وَالْأَوَّلَ عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ قَدَّمَهَا عَلَى الْمَتْنِ تَقْدِيمًا لِلْمَفْهُومِ وَيَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ الثَّانِيَ مَفْهُومَ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَحْكَامِ الْجِهَادِ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فِي بَعْضِ أَحْكَامِ الْجِهَادِ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ أَحْكَامٌ لَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُسْلِمِينَ) رَاجِعٌ لِلْعَبِيدِ بِأَنْ أَسْلَمُوا وَهُمْ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَصِيرُونَ بِالْأَسْرِ أَرِقَّاءَ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَكُونُ رَقِيقًا وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ إذْ لَا إيهَامَ فِي الْمَتْنِ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: تُرَقُّ ذَرَارِيُّ كُفَّارٍ كَمَا وَقَعَ فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُهُمْ فِيمَا ذُكِرَ الْمُبَعَّضُونَ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَعْضِ الْقِنِّ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَعْضِ الْحُرِّ فَيُخَيَّرُ فِيهِ بِمَا عَدَا الْقَتْلَ لِاسْتِحَالَتِهِ فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالرِّقِّ وَيَمْتَنِعُ الْقَتْلُ فَإِنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ الرِّقَّ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ أَوْ فَدَاهُ كَذَلِكَ وَإِنْ مَنَّ عَلَيْهِ فَقَدْ فَوَّتَ الْبَعْضَ الرَّقِيقَ عَلَى الْغَانِمِينَ فَيَضْمَنُهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَتَلَهُمْ الْإِمَامُ) أَيْ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ.
وَحَاصِلُهُ: كَمَا قَالَهُ حَجّ أَنَّهُ إنْ قَتَلَ أَسِيرًا غَيْرَ كَامِلٍ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ أَوْ كَامِلًا قَبْلَ التَّخْيِيرِ فِيهِ عُزِّرَ فَقَطْ أج وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ: فَإِنْ قَتَلَهُمْ الْإِمَامُ وَمِثْلُ الْإِمَامِ غَيْرُهُ وَهَذَا فِي قَتْلِ النَّاقِصِينَ أَمَّا قَتْلُ الْكَامِلِينَ مِنْ الْإِمَامِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ أَمَّا مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ الْقَتْلَ أَوْ قَبْلَهُ فَلَا ضَمَانَ إلَّا التَّعْزِيرُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ لِلْفِدَاءِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَبْضِهِ الْفِدَاءَ وَقَبْلَ وُصُولِ الْكَافِرِ لِمَأْمَنِهِ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ
ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ لِلْغَانِمِينَ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ.
(وَضَرْبٍ لَا يُرَقُّ بِنَفْسِ السَّبْيِ) وَإِنَّمَا يُرَقُّ بِالِاخْتِيَارِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَهُمْ الرِّجَالُ) الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ (وَالْإِمَامُ) أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ (مُخَيَّرٌ فِيهِمْ) بِفِعْلِ الْأَحَظِّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.
(بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ) وَهِيَ (الْقَتْلُ) بِضَرْبِ رَقَبَةٍ لَا بِتَحْرِيقٍ وَتَغْرِيقٍ.
(وَالِاسْتِرْقَاقُ) وَلَوْ لِأُنْثَى أَوْ عَرَبِيٍّ أَوْ بَعْضِ شَخْصٍ عَلَى الْمُصَحَّحِ فِي الرَّوْضَةِ إذَا رَآهَا مَصْلَحَةً.
(وَالْمَنُّ) عَلَيْهِمْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ (وَالْفِدْيَةُ بِالْمَالِ) أَيْ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ مَالِهِمْ أَوْ مِنْ مَالِنَا الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ (أَوْ بِالرِّجَالِ) أَيْ بِرَدِّ أَسْرَى مُسْلِمِينَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الرِّجَالِ غَيْرُهُمْ أَوْ أَهْلُ ذِمَّةٍ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَيُرَدُّ مُشْرِكٌ بِمُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمَيْنِ أَوْ مُشْرِكَيْنِ بِمُسْلِمٍ أَوْ بِذِمِّيٍّ وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَهُمْ بِأَسْلِحَتِنَا الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ أَسْلِحَتَهُمْ الَّتِي فِي أَيْدِينَا بِمَالٍ يَبْذُلُونَهُ.
كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ نَبِيعَهُمْ السِّلَاحَ (يَفْعَلُ الْإِمَامُ) أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنْ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِالتَّشَهِّي (مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ) وَالْإِسْلَامِ، فَإِنْ خَفِيَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ أَمِيرِ الْجَيْشِ الْأَحَظُّ حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الِاجْتِهَادِ لَا إلَى التَّشَهِّي كَمَا مَرَّ.
فَيُؤَخِّرُ لِظُهُورِ الصَّوَابِ وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ مُكَلَّفٌ لَمْ يَخْتَرْ الْإِمَامُ فِيهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ مَنًّا وَلَا فِدَاءً عَصَمَ الْإِسْلَامُ دَمَهُ فَيَحْرُمُ قَتْلُهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إلَى أَنْ قَالَ: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ» وَقَوْلُهُ:
[حاشية البجيرمي]
لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُصُولِهِ لِمَأْمَنِهِ فَهَدَرٌ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الْفِدَاءِ وَقَبْلَ وُصُولِهِ لِمَأْمَنِهِ ضَمِنَ بِالدِّيَةِ وَيَأْخُذُ الْإِمَامُ مِنْهَا قَدْرَ الْفِدَاءِ، وَالْبَاقِي لِوَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُصُولِهِ لِمَأْمَنِهِ فَلَا ضَمَانَ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْقَتْلُ بَعْدَ الْمَنِّ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ وُصُولِهِ لِمَأْمَنِهِ ضَمِنَ بِالدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُصُولِهِ لِمَأْمَنِهِ فَلَا ضَمَانَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ غَازِيًا بِأَنْ أَرْسَلَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا.
قَوْلُهُ: (مُخَيَّرٌ فِيهِمْ) وَلَيْسَ هُوَ تَخْيِيرًا عَلَى بَابِهِ بَلْ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ فَمَا رَآهُ حَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ فَعَلَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَهَلْ إذَا اخْتَارَ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ هَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ أَمْ لَا بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَا كَانَ فِيهِ حَقْنُ الدَّمِ لِلْقَتْلِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ الِاسْتِرْقَاقَ صَارَ مِلْكًا لِلْغَانِمِينَ فَيَكُونُ الْحَقُّ لَهُمْ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ الْمَنُّ وَالْفِدَاءُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ وَرُجُوعُهُ إلَى غَيْرِهِ اجْتِهَادٌ ثَانٍ وَالِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ مَا لَمْ يَكُنْ لِرُجُوعِهِ سَبَبٌ وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَهُ الرُّجُوعُ حِينَئِذٍ وَيَكُونُ كَالْحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ وَظَهَرَ لَهُ النَّصُّ بِخِلَافِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ كَذَلِكَ هَكَذَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: (بِفِعْلِ الْأَحَظِّ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْخِصَالِ.
قَوْلُهُ: (لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ حَظَّ الْمُسْلِمِينَ مَا يَعُودُ إلَيْهِمْ مِنْ الْغَنَائِمِ وَحِفْظُ مُهَجِهِمْ فَفِي الِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ حَظُّ الْمُسْلِمِينَ وَفِي الْمَنِّ حَظُّ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَرَبِيٍّ) كَمَا فِي سَبْيِ هَوَازِنَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَبَنِي الْمُصْطَلِقِ ز ي أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْضِ شَخْصٍ) وَهُوَ الرَّاجِحُ وَالثَّانِي وَلَا عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ لَوْ ضُرِبَ الرِّقُّ عَلَى الْبَعْضِ رُقَّ الْكُلُّ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يُرَقُّ مِنْهُ شَيْءٌ وَعَلَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ يُقَالُ: لَنَا صُورَةٌ يَسْرِي فِيهَا الرِّقُّ كَمَا يَسْرِي الْعِتْقُ دَمِيرِيٌّ ز ي وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَلَا سِرَايَةَ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُسْلِمَيْنِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَوْ أَكْثَرَ وَهِيَ أَوْلَى فَكَلَامُ الشَّارِحِ يَحْتَمِلُ التَّثْنِيَةَ وَالْجَمْعَ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَهُمْ) هَذَا مُكَرَّرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ إلَخْ) وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّهَا بِأَسْرَانَا وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا الْجَوَازُ سم.
قَوْلُهُ: (يَفْعَلُ الْإِمَامُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الْخِصَالِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَحَظُّ رَاجِحٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَسْلَمَ إلَخْ) هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ الْآتِي قَبْلَ الْأَسْرِ فَقَدَّمَ الْمَفْهُومَ عَلَى الْمَنْطُوقِ تَعْجِيلًا لِلْفَائِدَةِ وَأَمَّا أَوْلَادُهُ فَإِنْ أُسِرُوا قَبْلَهُ رُقُّوا وَإِنْ لَمْ يُؤْسَرُوا عَصَمَهُمْ وَأَمَّا مَالُهُ وَزَوْجَتُهُ فَلَا يَعْصِمُهُمَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَخْتَرْ الْإِمَامُ) صِفَةٌ لِأَسِيرٍ فَإِنْ كَانَ إسْلَامُهُ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ خَصْلَةً غَيْرَ الْقَتْلِ تَعَيَّنَتْ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (مَنًّا) أَيْ وَلَا رِقًّا.
قَوْلُهُ: (عَصَمَ الْإِسْلَامُ دَمَهُ) أَيْ لَا مَالَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: ذِكْرُ الْمَالِ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَالُوهَا: قَبْلَ الْأَسْرِ أَيْ بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: «حَتَّى يَقُولُوا
«وَأَمْوَالَهُمْ» مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلِ الْأَسْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «إلَّا بِحَقِّهَا» وَمِنْ حَقِّهَا أَنَّ مَالَهُ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَسْرِ غَنِيمَةٌ.
وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي مِنْ خِصَالِ التَّخْيِيرِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَ أَشْيَاءَ إذَا سَقَطَ بَعْضُهَا لِتَعَذُّرِهِ، لَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي كَالْعَجْزِ عَنْ الْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ.
(وَمَنْ أَسْلَمَ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ فِي دَارِ حَرْبٍ أَوْ إسْلَامٍ.
(قَبْلَ الْأَسْرِ) أَيْ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ (أَحْرَزَ) أَيْ عَصَمَ بِإِسْلَامِهِ (مَالَهُ) مِنْ غَنِيمَةٍ (وَدَمَهُ) مِنْ سَفْكِهِ لِلْخَبَرِ الْمَارِّ، (وَصِغَارَ أَوْلَادِهِ) الْأَحْرَارِ عَنْ السَّبْيِ لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْجَدُّ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا لِمَا مَرَّ وَوَلَدُهُ أَوْ وَلَدُ وَلَدِهِ الْمَجْنُونُ كَالصَّغِيرِ وَلَوْ طَرَأَ الْجُنُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِمَا مَرَّ أَيْضًا وَيُعْصَمُ الْحَمْلُ تَبَعًا لَهُ لَا إنْ اُسْتُرِقَّتْ أُمُّهُ قَبْلَ إسْلَامِ الْأَبِ فَلَا يُبْطِلُ إسْلَامُهُ رِقَّهُ كَالْمُنْفَصِلِ وَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
تَنْبِيهٌ سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ سَبْيِ الزَّوْجَةِ وَالْمَذْهَبُ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجِ لَا يَعْصِمُهَا عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ لِاسْتِقْلَالِهَا وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ بَذَلَ مِنْهُ فِي الْجِزْيَةِ مَنَعَ إرْقَاقَ زَوْجَتِهِ وَابْنَتِهِ الْبَالِغَةِ فَكَانَ الْإِسْلَامُ أَوْلَى.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَا يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُ الشَّخْصِ بِهِ لَا يُجْعَلُ فِيهِ تَابِعًا لِغَيْرِهِ.
وَالْبَالِغَةُ تَسْتَقِلُّ بِالْإِسْلَامِ وَلَا تَسْتَقِلُّ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ.
فَإِنْ اُسْتُرِقَّتْ انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي حَالِ السَّبْيِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَمْ لَا لِامْتِنَاعِ إمْسَاكِ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ لِلنِّكَاحِ كَمَا يَمْتَنِعُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا.
وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ»
[حاشية البجيرمي]
لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ «حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» قَالَ ز ي: أَيْ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ صَارَتْ عَلَمًا عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْأَسْرِ) أَيْ مَحْمُولٌ عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَ الْأَسْرِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُخَيَّرَ) أَيْ الْمُخَيَّرَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْكَفَّارَةِ) أَيْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ تَخَيَّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَسْلَمَ) أَيْ أَوْ بَذَلَ الْجِزْيَةَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَنِيمَةٍ) الْأَوْلَى مِنْ غَنَمِهِ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ.
قَوْلُهُ: (وَصِغَارِ أَوْلَادِهِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ الْأَحْرَارِ أَيْ وَمَجَانِينِهِمْ وَإِنْ سَفَلُوا عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَخَرَجَ الْأَرِقَّاءُ فَأَمْرُهُمْ تَابِعٌ لِأَمْرِ سَيِّدِهِمْ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَكِبَارُ أَوْلَادِهِ الْأَحْرَارِ لِاسْتِقْلَالِهِمْ فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِمْ كَغَيْرِهِمْ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (عَنْ السَّبْيِ) أَيْ الرِّقِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَدُّ كَذَلِكَ) أَيْ كَالْأَبِ فِي أَنَّهُ يَعْصِمُ أَوْلَادَ وَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ وَلَدُهُ كَافِرًا حَيًّا؛ نَظَرًا لِتَبَعِيَّتِهِمْ لِلْجَدِّ فِي الدِّينِ لِأَنَّهُ الْأَعْلَى، وَقَوْلُهُ: كَذَلِكَ أَيْ كَالْأَبِ فِيمَا ذُكِرَ الْمَعْلُومُ مِنْ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ: أَوْلَادِهِ وَلَوْ ذَكَرَ الْأَبَ بَدَلَ قَوْلِهِ: كَذَلِكَ لَكَانَ أَظْهَرَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الْأَبُ) أَيْ غَيْرُ الْمُسْلِمِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِأَنَّهُمْ يَتْبَعُونَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: لِمَا مَرَّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَيُعْصَمُ الْحَمْلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (لَا إنْ اُسْتُرِقَّتْ أُمُّهُ قَبْلَ إسْلَامِ الْأَبِ) أَمَّا إذَا اُسْتُرِقَّتْ بَعْدَ إسْلَامِ الْأَبِ فَلَا يَتْبَعُهَا حَمْلُهَا لِعِصْمَتِهِ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُبْطِلُ إسْلَامُهُ) أَيْ الْأَبِ رِقَّهُ أَيْ الْحَمْلِ كَالْمُنْفَصِلِ إذَا سُبِيَ وَحْدَهُ، وَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ أَيْ الْحَمْلِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَبْيِ الزَّوْجَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: عَنْ إحْرَازِ الزَّوْجَةِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَأَحْرَزَ زَوْجَتَهُ، وَحَاصِلُ حُكْمِ الزَّوْجَةِ أَنَّ زَوْجَةَ الْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ وَزَوْجَةَ الذِّمِّيِّ الْمَوْجُودَةِ حَالَ عَقْدِ الذِّمَّةِ لَا يُرَقَّانِ بِالسَّبْيِ وَزَوْجَةَ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَسْرِهَا وَزَوْجَةَ الذِّمِّيِّ الطَّارِئَةَ بَعْدَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ يُرَقَّانِ بِنَفْسِ السَّبْيِ اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِقْلَالِهَا) أَيْ بِالْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَتْ حَامِلًا) . وَبِذَلِكَ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا زَوْجَةٌ بِدَارِ الْحَرْبِ يَجُوزُ سَبْيُهَا وَلَا يَجُوزُ سَبْيُ وَلَدِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْبَالِغَةُ) أَيْ وَالزَّوْجَةُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اُسْتُرِقَّتْ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ لَا تَتْبَعُهُ زَوْجَتُهُ وَفِي التَّعْبِيرِ بِ اُسْتُرِقَّتْ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّهَا تُرَقُّ بِنَفْسِ الصَّبِيِّ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ رُقَّتْ.
قَوْلُهُ (لِامْتِنَاعٍ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ مِلْكُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَعَنْ النِّكَاحِ أَوْلَى.
اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِهِ: إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى قَوْلِهِ السَّابِقِ فَإِنْ اُسْتُرِقَّتْ انْقَطَعَ نِكَاحُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْطَاسٍ) الَّذِي فِي الْمُخْتَارِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَفِي ق ل. مَا نَصُّهُ أَوْطَاسٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا اسْمُ وَادٍ مِنْ هَوَازِنَ عِنْدَ حُنَيْنٍ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قُلْت: وَهُوَ مِنْ أَجْلِ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُقَلِّدُونَ، غَايَتُهُ أَنَّ
وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ ذَاتِ زَوْجٍ وَلَا غَيْرِهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهَا زَوْجٌ، وَتُرَقُّ زَوْجَةُ الذِّمِّيِّ بِنَفْسِ الْأَسْرِ وَيُقْطَعُ بِهِ نِكَاحُهُ.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ: إنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا بَذَلَ الْجِزْيَةَ عَصَمَ نَفْسَهُ وَزَوْجَتَهُ مِنْ الِاسْتِرْقَاقِ.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ الزَّوْجَةُ الْمَوْجُودَةُ حِينَ الْعَقْدِ.
فَيَتَنَاوَلُهَا الْعَقْدُ عَلَى جِهَةِ التَّبَعِيَّةِ وَالْمُرَادُ هُنَا الزَّوْجَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا وَيَجُوزُ إرْقَاقُ عَتِيقِ الذِّمِّيِّ إذَا كَانَ حَرْبِيًّا لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَوْ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ اُسْتُرِقَّ فَعَتِيقُهُ أَوْلَى، لَا عَتِيقُ مُسْلِمٍ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَا يُسْتَرَقُّ لِأَنَّ الْوَلَاءَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يُرْفَعُ، وَلَا تُسْتَرَقُّ زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ الْحَرْبِيَّةُ إذَا سُبِيَتْ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمِنْهَاجِ وَأَصْلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ الْجَوَازُ فَإِنَّهُمَا سَوَّيَا فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ زَوْجَةِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الْأَصْلِيَّ أَقْوَى مِنْ الْإِسْلَامِ الطَّارِئِ وَلَوْ سُبِيَتْ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ أَوْ زَوْجٌ حُرٌّ وَرُقَّ انْفَسَخَ النِّكَاحُ لِحُدُوثِ الرِّقِّ، فَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ لَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ إذْ لَمْ يَحْدُثْ رِقٌّ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْمِلْكُ مِنْ شَخْصٍ إلَى آخَرَ وَذَلِكَ لَا يَقْطَعُ النِّكَاحَ كَالْبَيْعِ.
[حاشية البجيرمي]
الشَّيْخَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ قَلِيلَ عَزْوِ الْكَلَامِ لِأَهْلِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (عَنْ ذَاتِ زَوْجٍ وَلَا غَيْرَهَا) . أَيْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى انْقِطَاعِ النِّكَاحِ بِاسْتِرْقَاقِهَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الِاسْتِبْرَاءِ شَامِلٌ لِوَطْءِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ وَقَوْلُهُ: لَا تُوطَأُ حَامِلٌ إلَخْ وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ زَوْجًا لِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ عَنْ الرِّقِّ لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: حَتَّى تَضَعَ لِأَنَّ انْقِطَاعَ نِكَاحِهَا يُحَرِّمُهَا حَتَّى يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا جَدِيدًا، وَشُمُولُ الْحَدِيثِ لِوَطْءِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ فِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ (كَانَ فِيهِمْ) الْمُنَاسِبُ فِيهِنَّ.
قَوْلُهُ: (وَتُرَقُّ زَوْجَةُ الذِّمِّيِّ) وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ زَوْجَةَ الْمُسْلِمِ الْأَصْلِيِّ لَا تُرَقُّ وَعَتِيقُ الْمُسْلِمِ لَا يُرَقُّ وَزَوْجَةُ الذِّمِّيِّ الْمَوْجُودَةُ وَقْتَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ لَا تُرَقُّ أَمَّا زَوْجَةُ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ أَوْ زَوْجَةُ الذِّمِّيِّ إذَا حَدَّثَتْ بَعْدَ الْجِزْيَةِ وَعَتِيقُ الذِّمِّيِّ فَيُرَقُّونَ.
قَوْلُهُ: (وَيَقْطَعُ بِهِ نِكَاحَهُ) أَيْ لِأَنَّ طُرُوُّ الرِّقِّ كَالْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ إلَخْ) وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّهُ إذَا عَصَمَ زَوْجَتَهُ عَنْ الِاسْتِرْقَاقِ كَيْفَ يُلَائِمُ قَوْلَهُ: تُرَقُّ زَوْجَةُ الذِّمِّيِّ بِنَفْسِ الْأَسْرِ لَهَا.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الَّتِي يَعْصِمُهَا هِيَ الْمَوْجُودَةُ عِنْدَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ لَهُ وَاَلَّتِي لَا يَعْصِمُهَا هِيَ الَّتِي يَطْرَأُ تَزْوِيجُهَا عَلَى عَقْدِ الْجِزْيَةِ.
قَوْلُهُ: (عَصَمَ نَفْسَهُ) مَعَ أَنَّهُ صَارَ ذِمِّيًّا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ هُنَا) أَيْ فِي قَوْلِهِ: وَتُرَقُّ زَوْجَةُ الذِّمِّيِّ إلَخْ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا أَوْ يَحْمِلْ مَا هُنَاكَ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ زَوْجَتُهُ دَاخِلَةً تَحْتَ الْقُدْرَةِ حِينَ الْعَقْدِ وَمَا هُنَا عَلَى مَا إذَا لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُسْتَرَقُّ زَوْجَةُ الْمُسْلِمِ) أَيْ الْأَصْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) جَرَى عَلَيْهِ ز ي فِي حَاشِيَتِهِ وَنَصُّهُ الْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ أَسْرِهَا بِخِلَافِ زَوْجَةِ مَنْ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إرْقَاقُهَا اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْإِسْلَامَ) تَعْلِيلٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ لَا تُسْتَرَقُّ زَوْجَةُ الْأَصْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ سُبِيَتْ) لَمْ يَقُلْ: وَرُقَّتْ كَمَا قَالَهُ: فِي الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا تُرَقُّ بِنَفْسِ السَّبْيِ بِخِلَافِهِ.
اهـ. م ر. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ حَدَثَ الرِّقُّ فِي الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ رِقٌّ وَلَمْ يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الزَّوْجَةَ الَّتِي يَطْرَأُ عَلَيْهَا الرِّقُّ هِيَ زَوْجَةُ الْحَرْبِيِّ الَّذِي لَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يُعْطِ الْجِزْيَةَ وَزَوْجَةُ الذِّمِّيِّ إذَا حَدَثَتْ بَعْدَ الْجِزْيَةِ، وَإِيضَاحُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الزَّوْجَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ أَوْ رَقِيقَيْنِ أَوْ الزَّوْجُ حُرٌّ أَوْ الزَّوْجَةُ رَقِيقَةٌ أَوْ عَكْسُهُ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يُسْبَيَا أَوْ تُسْبَى الزَّوْجَةُ أَوْ يُسْبَى الزَّوْجُ أَوْ يُسْتَرَقَّ أَوَّلًا فَالْجُمْلَةُ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ فِيمَا إذَا كَانَا حُرَّيْنِ وَسُبِيَا أَوْ سُبِيَتْ هِيَ أَوْ سُبِيَ هُوَ أَوْ اُسْتُرِقَّ فَإِنْ لَمْ يُسْتَرَقَّ فَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ وَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ فَلَا فَسْخَ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا وَالزَّوْجَةُ رَقِيقَةً فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ فِيمَا إذَا سُبِيَا أَوْ سُبِيَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ وَاسْتُرِقَّ فِيهَا وَلَا يَنْفَسِخُ فِيمَا إذَا سُبِيَتْ الزَّوْجَةُ وَحْدَهَا إذْ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهَا رِقٌّ أَوْ سُبِيَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ وَلَمْ يُسْتَرَقَّ، فَإِنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ حُرَّةً وَالزَّوْجُ رَقِيقًا فَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ فِيمَا إذَا سُبِيَا أَوْ سُبِيَتْ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ سُبِيَ وَرُقَّ انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فَتَأَمَّلْ وَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ زَوْجٍ حُرٍّ) قَيْدٌ وَقَوْلُهُ: وَرُقَّ قَيْدٌ سَوَاءٌ كَانَ الرِّقُّ بِمُجَرَّدِ الْأَسْرِ بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا مَثَلًا أَوْ بِالضَّرْبِ بِأَنْ كَانَ كَامِلًا وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فِيهِ الرِّقَّ أَيْ فَإِنَّهُ يَنْقَطِعُ بِهِ النِّكَاحُ وَانْظُرْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ فَإِنَّ غَايَةَ أَمْرِهِ أَنَّهُ
وَإِذَا رُقَّ الْحَرْبِيُّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ كَمُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ لَمْ يَسْقُطْ فَيَقْضِي مِنْ مَالِهِ إنْ غَنِمَ بَعْدَ رِقِّهِ.
فَإِنْ كَانَ لِحَرْبِيٍّ عَلَى حَرْبِيٍّ وَرُقَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَلْ أَوْ رَبُّ الدَّيْنِ فَيَسْقُطُ.
وَلَوْ رُقَّ رَبُّ الدَّيْنِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ حَرْبِيٍّ لَمْ يَسْقُطْ، وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ بِلَا رِضَا مِنْ عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِسَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهَا غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ إلَّا السَّلْبَ خُمُسُهَا لِأَهْلِهِ وَالْبَاقِي لِلْآخِذِ، وَكَذَا مَا وُجِدَ، كَلُقَطَةٍ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّهُ لَهُمْ فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ لِمُسْلِمٍ وَجَبَ تَعْرِيفُهُ.
وَيُعَرَّفُ سَنَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيرًا كَسَائِرِ اللُّقَطَاتِ.
[حاشية البجيرمي]
رَقِيقٌ وَالرَّقِيقُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِحُدُوثِ الرِّقِّ لَا يَنْتُجُ عَنْ انْقِطَاعِ النِّكَاحِ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ: لِحُدُوثِ الرِّقِّ أَيْ وَحُدُوثُهُ كَالْمَوْتِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
وَبِذَلِكَ فَارَقَ جَوَازَ رَقِيقٍ لِرَقِيقَةٍ أَوْ لِحُرَّةٍ ابْتِدَاءً اهـ.
قَوْلُهُ: (إذَا رُقَّ الْحَرْبِيُّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) صُوَرُ الْمَقَامِ سِتَّةٌ لِأَنَّهُ إذَا رُقَّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنُهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ وَإِذَا رُقَّ مَنْ لَهُ دَيْنٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ وَإِذَا رُقَّ الْحَرْبِيُّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ لَمْ يَسْقُطْ إذْ لَمْ يُوجَدْ مَا يَقْتَضِي إسْقَاطَهُ فَيَقْضِي مِنْ مَالِهِ إنْ غَنِمَ بَعْدَ رِقِّهِ وَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالرِّقِّ قِيَاسًا لِلرِّقِّ عَلَى الْمَوْتِ فَإِنْ غَنِمَ قَبْلَ رِقِّهِ أَوْ مَعَهُ لَمْ يَقْضِ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَوْ لَمْ يَقْضِ مِنْهُ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ إلَى أَنْ يُعْتِقَ فَيُطَالِبَ بِهِ وَخَرَجَ بِزِيَادَتِي لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ الْحَرْبِيُّ كَدَيْنِ حَرْبِيٍّ عَلَى مِثْلِهِ وَرِقِّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَلْ أَوْ رَبُّ الدَّيْن فَيَسْقُطُ وَلَوْ رُقَّ رَبُّ الدَّيْنِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ حَرْبِيٍّ لَمْ يَسْقُطْ اهـ. فَذَكَرَ الْمَتْنُ صُورَتَيْنِ بِالْمَنْطُوقِ وَأَرْبَعَةً بِالْمَفْهُومِ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ثِنْتَيْنِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ: وَخَرَجَ بِزِيَادَتِي إلَى قَوْلِهِ: فَسَقَطَ وَإِلَى ثِنْتَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ رُقَّ رَبُّ الدَّيْن اهـ قَالَ ق ل: فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا دَيْنُ الْحَرْبِيِّ عَلَى مِثْلِهِ بِإِرْقَاقِ أَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رُقَّ رَبُّ الدَّيْنِ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ حَرْبِيٍّ لَمْ يَسْقُطْ) : بَلْ يَصِيرُ فِي ذِمَّةِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْتِقَ فَيُعْطَى لَهُ أَوْ يَمُوتَ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا اهـ سم نَقْلًا عَنْ شَرْحِ م ر. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ دَائِنًا وَمَدِينًا وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ اهـ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَسْقُطْ) وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْإِمَامَ يُطَالِبُ بِهِ كَوَدَائِعِهِ لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ كَذَا فِي شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ فِيهِ نَظَرٌ لِعَدَمِ انْطِبَاقِ حَدِّ الْغَنِيمَةِ عَلَيْهِ وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي أَعْيَانِ مَالِهِ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَمْلِكُهَا وَلَا يُطَالِبُ بِهَا لِأَنَّ مِلْكَهُ لِرَقَبَتِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَهُ لِمَالِهِ بَلْ الْقِيَاسُ أَنَّهَا مِلْكٌ لِبَيْتِ الْمَالِ كَالْمَالِ الضَّائِعِ.
اهـ. رَشِيدِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى غَيْرِ حَرْبِيٍّ) أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ فِي قَوْلِهِ: أَوْ رَبُّ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ لِمُسْلِمٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِأَخْذِهِمْ لَهُ فَعَلَى مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ وَلَوْ بِشِرَاءٍ رَدَّهُ إلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ أَيْ أَخَذَهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ الذِّمِّيُّ فَإِنَّهُ مِلْكٌ لَهُ بِجُمْلَتِهِ لَا يَدْخُلُهُ تَخْمِيسٌ كَمَا فِي م ر سَوَاءٌ كَانَ مَعَنَا أَوْ وَجَدَهُ دَاخِلَ بِلَادِهِمْ بِأَمَانٍ أَوْ غَيْرِهِ.
ع ش وَهَذَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْغَنِيمَةِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ هُنَاكَ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَمَا أُخِذَ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ التَّقْيِيدِ بِأَخْذِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِأَنَّ أَخْذَ مَالِهِمْ فِي دَارِنَا وَلَا أَمَانَ لَهُمْ كَذَلِكَ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهَا) كَاخْتِلَاسٍ سم.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاقِي لِلْآخِذِ) تَنْزِيلًا لِدُخُولِهِ دَارَهُمْ وَتَغْرِيرِهِ بِنَفْسِهِ مَنْزِلَةَ الْقَتْلِ وَالْمُرَادُ بِالْعَقَارِ الْمَمْلُوكُ إذْ الْمَوَاتُ لَا يَمْلِكُونَهُ فَكَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْهِمْ صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيِّ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ: فَكَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْهِمْ أَيْ عَنْهُمْ لِأَنَّ تَمَلُّكَهُ عَنْهُمْ فَرْعُ مِلْكِهِمْ لَهُ وَالِاسْتِفْهَامُ إنْكَارِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَا وُجِدَ كَلُقَطَةٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَالِكُهُ فَفَارَقَ مَا قَبْلَهُ فَإِنَّ مَالِكَهُ مَعْلُومٌ.
وَقَوْلُهُ: وَكَذَا مَا وُجِدَ إلَخْ أَيْ فَهُوَ غَنِيمَةٌ أَيْ مُخَمَّسَةٌ إلَّا السَّلْبَ خُمُسُهَا لِأَهْلِهِ وَالْبَاقِي لِلْآخِذِ تَنْزِيلًا لِدُخُولِهِ دَارَهُمْ وَتَغْرِيرِهِ بِنَفْسِهِ مَنْزِلَةَ الْقِتَالِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ لِمُسْلِمٍ) وَيَظْهَرُ أَنَّ إمْكَانَ كَوْنِهِ لِذِمِّيٍّ كَذَلِكَ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ تَعْرِيفُهُ سَنَةً) وَنَقْلَا فِي صِفَةِ التَّعْرِيفِ لِمَا أَمْكَنَ كَوْنُهُ لِمُسْلِمٍ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يُعَرِّفُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَا وَيَقْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ الْإِمَامِ: يَكْفِي بُلُوغُ التَّعْرِيفِ لِلْأَجْنَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسْلِمٌ سِوَاهُمْ وَلَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ مُرُورِ التُّجَّارِ وَعَنْ الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ سَنَةً قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَيُشْبِهُ حَمْلَ الْأَوَّلِ عَلَى الْخَسِيسِ وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ وَحَاوَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَيْضًا وَاسْتَدَلَّ لَهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالظَّاهِرُ وَهُوَ قَضِيَّةُ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ لُقَطَةِ دَارِ الْإِسْلَامِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ اهـ. ز ي وَانْظُرْ مُؤْنَةَ التَّعْرِيفِ عَلَى مَنْ؟ إذْ الْمُلْتَقِطُ لَا يَتَمَلَّكُ لِأَنَّهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ غَنِيمَةٌ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ
(وَيُحْكَمُ لِلصَّبِيِّ) أَيْ لِلصَّغِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى (بِالْإِسْلَامِ عِنْدَ وُجُودِ) أَحَدِ (ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ) : أَوَّلِهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ) .
وَالْمَجْنُونُ وَإِنْ جُنَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ، كَالصَّغِيرِ بِأَنْ يَعْلَقَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ ثُمَّ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَالًّا سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَضْعِهِ أَمْ بَعْدَهُ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ وَقَبْلَ بُلُوغِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . تَنْبِيهٌ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ يُوهِمُ قَصْرَهُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ.
وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ فِي مَعْنَى الْأَبَوَيْنِ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ إنْ لَمْ يَكُونُوا وَارِثِينَ وَكَانَ الْأَقْرَبُ حَيًّا.
فَإِنْ قِيلَ: إطْلَاقُ ذَلِكَ يَقْتَضِي إسْلَامَ جَمِيعِ الْأَطْفَالِ بِإِسْلَامِ أَبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. أُجِيبُ: بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي جَدٍّ يُعْرَفُ النَّسَبُ إلَيْهِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ، وَبِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ حُكْمٌ جَدِيدٌ وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، وَالْمَجْنُونُ الْمَحْكُومُ بِكُفْرِهِ كَالصَّغِيرِ فِي تَبَعِيَّةِ أَحَدِ أُصُولِهِ فِي الْإِسْلَامِ إنْ بَلَغَ مَجْنُونًا.
وَكَذَا إنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا حَدَثَ لِلْأَبِ وَلَدٌ بَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ مُسْلِمًا
[حاشية البجيرمي]
بِأَنَّهَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ لِبَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحْكَمُ لِلصَّبِيِّ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا فِي جَوَابِ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ حَاصِلُهُ هَلْ لِإِسْلَامِ الصَّبِيِّ سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ إسْلَامِ أَبِيهِ الْمُتَقَدِّمِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ أَسْبَابٍ وَمِثْلُ الصَّبِيِّ الْحَمْلُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ جُنَّ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَعْلَقْ بَيْنَ كَافِرَيْنِ) تَصْوِيرٌ لِقَوْلِهِ أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ أَيْ تَحْمِلَ بِهِ أُمُّهُ حَالَةَ كُفْرِهَا، وَكُفْرِ أَبِيهِ وَسَائِرُ أُصُولِهِ ثُمَّ يُسْلِمُ أَحَدٌ مِنْ أُصُولِهِ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ أَوْ بَعْدَهُ إلَخْ م د وَهَذَا التَّصْوِيرُ أَعَمُّ مِنْ كَلَامِ الْمَتْنِ لِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ ظَاهِرٌ فِي الْمُنْفَصِلِ وَالتَّصْوِيرُ شَامِلٌ لِلْحَمْلِ فَهُوَ مِنْ تَصْوِيرِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ) هُوَ مَحَلُّ الشَّاهِدِ.
قَوْلُهُ: (بِإِسْلَامِ أَبِيهِمْ آدَمَ) كَذَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ جَدُّهُمْ فَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُؤَلِّفِ التَّعْبِيرَ بِالْجَدِّ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً وَمَا ذَكَرَهُ مَجَازٌ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قُلْت: إنَّ هَذَا الشَّيْءَ عَجِيبٌ كَيْفَ تَسْتَقِيمُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةُ مَعَ إطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنْ الْحَقِيقَةِ وَهَلْ الشَّارِحُ مُتَعَبِّدٌ بِعِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ مُوَافَقَتُهَا كَيْفَ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ إطْلَاقُ الْأَبِ عَلَى آدَمَ كَثِيرًا فَلَا وَجْهَ لِلْأَوْلَوِيَّةِ اهـ. قَوْلُهُ: (أُجِيبَ إلَخْ) حَاصِلُهُ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ بِالْمَنْعِ وَالثَّانِي بِالتَّسْلِيمِ.
فَحَاصِلُ الْأَوَّلِ مَنْعُ قَوْلِهِ: إنَّ الْأَجْدَادَ تَشْمَلُ آدَمَ لِأَنَّ الْمُرَادَ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ يُعْرَفُ النَّسَبُ إلَيْهِ لَا مُطْلَقُ جَدٍّ وَلَا جَدَّةٍ، وَحَاصِلُ الثَّانِي سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَجْدَادَ تَشْمَلُ آدَمَ وَحَوَّاءَ لَكِنْ مَنَعَ مِنْ تَبَعِيَّةِ الصَّغِيرِ لَهُمَا مَانِعٌ وَهُوَ أَنَّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ هَوَّدَاهُ أَوْ نَصَّرَاهُ.
قَوْلُهُ: (فِي جَدٍّ يُعْرَفُ) أَوْ جَدَّةٍ وَالْمُرَادُ النَّسَبُ اللُّغَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا التَّوَارُثُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الِانْتِسَابِ وَلَوْ لُغَوِيًّا كَمَا فِي الْأُمِّ ق ل وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّوَارُثُ وَلَوْ بِالرَّحِمِ.
قَوْلُهُ: (وَبِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ فِي الْيَهُودِيَّةِ) جَوَابٌ آخَرُ قَاطِعٌ لِحُكْمِ تَبَعِيَّةِ آدَمَ فِي الْإِسْلَامِ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَحَلُّ التَّبَعِيَّةِ إنْ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْمَانِعُ وَهُوَ تَهَوُّدُ آبَائِهِمْ لَهُمْ وَتَنَصُّرُهُمْ لَهُمْ وَإِلَّا انْقَطَعَتْ وَهَذَا الْجَوَابُ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَدَّ الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا وَأَبُوهُ كَافِرًا أَنَّهُ لَا يَتْبَعُ الْجَدَّ لِكَوْنِ الْأَبِ هَوَّدَهُ أَوْ نَصَّرَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حُكْمٌ جَدِيدٌ) أَيْ طَارِئٌ بِالْوِلَادَةِ وَالْإِسْلَامُ حُكْمٌ أَصْلِيٌّ شَرْحُ الرَّوْضِ اهـ أَيْ فَهَذَا الْحُكْمُ قَدْ تَوَسَّطَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَأَوْلَادِهِ فَقَطَعَ التَّبَعِيَّةَ هَذَا وَجْهُ الْجَوَابِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ إلَخْ) هَذَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى كَوْنِهِ حُكْمًا جَدِيدًا أَيْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ» إلَخْ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ حُكْمٌ جَدِيدٌ لِخَبَرِ وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَجْنُونُ) هَذَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ فَتَكُونُ الْغَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ لِلرَّدِّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا حَدَثَ لِلْأَبِ) أَيْ الْكَافِرِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ مُسْلِمًا) الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ فَإِنَّ ابْنَ الِابْنِ يَتْبَعُهُ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِ الْجَدِّ
تَبِعَهُ فِي أَحَدِ احْتِمَالَيْنِ رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
فَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ وَوَصَفَ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَوَصَفَ كُفْرًا بَعْدَ إفَاقَتِهِ فَمُرْتَدٌّ عَلَى الْأَظْهَرِ لِسَبْقِ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ.
فَأَشْبَهَ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الصَّغِيرِ مُسْلِمًا وَقْتَ عُلُوقِهِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ بِإِجْمَاعٍ وَتَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ وَلَا يَضُرُّ مَا يَطْرَأُ بَعْدَ الْعُلُوقِ مِنْهُمَا مِنْ رِدَّةٍ.
فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا بِأَنْ أَعْرَبَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ فَمُرْتَدٌّ قَطْعًا لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَثَانِيهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَسْبِيهِ) أَيْ الصَّغِيرَ أَوْ الْمَجْنُونَ (مُسْلِمٌ)
وَقَوْلُهُ (مُنْفَرِدًا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ أَيْ حَالَ انْفِرَادِهِ.
(عَنْ أَبَوَيْهِ) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا تَبَعًا لِسَابِيهِ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةً وَلَيْسَ مَعَهُ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْهُ فَيَبِيعُهُ كَالْأَبِ قَالَ الْإِمَامُ: وَكَأَنَّ السَّابِيَ لَمَّا أَبْطَلَ حُرِّيَّتَهُ قَلَبَهُ قَلْبًا كُلِّيًّا.
فَعُدِمَ عَمَّا كَانَ وَافْتُتِحَ لَهُ وُجُودٌ تَحْتَ يَدِ السَّابِي وَوِلَايَةٌ فَأَشْبَهَ تَوَلُّدَهُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ.
وَسَوَاءٌ أَكَانَ السَّابِي بَالِغًا عَاقِلًا أَمْ لَا، أَمَّا إذَا سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَتْبَعُ السَّابِيَ جَزْمًا وَمَعْنَى كَوْنِ أَحَدِ أَبَوَيْ الصَّغِيرِ مَعَهُ أَنْ يَكُونَا فِي جَيْشٍ وَاحِدٍ وَغَنِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ سَابِيهُمَا؛ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَصْلِ أَقْوَى مِنْ تَبَعِيَّةِ السَّابِي فَكَانَ أَوْلَى بِالِاسْتِتْبَاعِ، وَلَا يُؤَثِّرُ مَوْتُ الْأَصْلِ بَعْدُ لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ فِي ابْتِدَاءِ السَّبْيِ وَخَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ وَحَمَلَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَلَا فِي أَوْلَادِهِ، فَكَيْفَ يُؤَثِّرُ فِي مُسْبِيهِ وَلِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الدَّارِ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي حَقِّ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَلَا نَسَبُهُ.
نَعَمْ هُوَ عَلَى دِينِ سَابِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَثَالِثُهَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (أَوْ يُوجَدُ لَقِيطًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا وَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ كَافِرٌ بِلَا بَيِّنَةٍ بِنَسَبِهِ هَذَا إنْ وُجِدَ بِمَحَلٍّ وَلَوْ بِدَارِ كُفْرٍ بِهِ مُسْلِمٌ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ وَلَوْ
[حاشية البجيرمي]
مَاتَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَكَلَامُ الشَّارِحِ لِلْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (تَبِعَهُ) أَيْ الْجَدُّ.
قَوْلُهُ: (كُفْرًا) تَنَازَعَهُ قَوْلُهُ: وَصْفٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَذَا قِيلَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ وَصْفَ الْأَوَّلِ ذَكَرَ مَفْعُولَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: الْكُفْرَ وَلَعَلَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّارِحِ إسْقَاطُ لَفْظِ الْكُفْرِ مِنْ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْ الصَّغِيرِ مُسْلِمًا وَقْتَ عُلُوقِهِ فَهُوَ مُسْلِمٌ) يُشِيرُ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الطَّارِئَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ أَعْرَبَ) أَيْ أَظْهَرَ وَبَيَّنَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمَجْنُونِ) لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ التَّفْسِيرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّغِيرِ فَلَوْ قَالَ: وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبَوَيْهِ) أَيْ عَنْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي أَمَّا إذَا سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَقَوْلُهُ: عَنْ أَبَوَيْهِ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ مُنْفَرِدًا عَنْ أَحَدِ أُصُولِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (فَعُدِمَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَافْتُتِحَ.
قَوْلُهُ: (عَمَّا كَانَ) أَيْ عَنْ الْوُجُودِ الَّذِي كَانَ.
وَقَوْلُهُ وَافْتُتِحَ لَهُ وُجُودٌ وَهُوَ وُجُودُهُ مُسْلِمًا رَقِيقًا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا سُبِيَ مَعَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُنْفَرِدًا.
قَوْلُهُ: (وَغَنِيمَةٌ وَاحِدَةٌ) أَيْ وَسُبِيَا مَعًا أَوْ تَقَدَّمَ سَبْيُ الْأَصْلِ سم فَإِنْ تَقَدَّمَ سَبْيُ الْوَلَدِ فَهُوَ عَلَى دِينِ السَّابِي الْمُسْلِمِ وَسَبْيُ أَصْلِهِ بَعْدُ لَا يُغَيِّرُهُ عَمَّا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَصْلِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: لَا يُتْبَعُ السَّابِي فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ) أَيْ تَبَعًا لِلدَّارِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ) رَاجِعٌ لِلذِّمِّيِّ فَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الذِّمِّيِّ إذَا كَانَ قَاطِنًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ عَلَى دِينِهِ وَكَذَا الذِّمِّيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ قَاطِنًا بِبِلَادِنَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ كَوْنَهُ) أَيْ الذِّمِّيِّ السَّابِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَلَا نَسَبُهُ) كَاللَّقْطِ أَيْ وَهَذَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَنَسَبُهُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ لِكَافِرٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ) وَلَوْ سَبَاهُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) أَيْ بِأَنْ يَسْكُنَهَا الْمُسْلِمُونَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ أَوْ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ الْكُفَّارِ أَوْ كَانُوا يَسْكُنُونَهَا ثُمَّ جَلَاهُمْ الْكُفَّارُ عَنْهَا شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أُلْحِقَ بِهَا) وَهِيَ دَارُ الْكُفَّارِ الَّتِي بِهَا مُسْلِمٌ كَتَاجِرٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ بِدَارِ كُفْرٍ بِهِ مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ) غَايَةٌ أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ مُسْلِمَةٍ بِشُبْهَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِلَا بَيِّنَةٍ بِنَسَبِهِ) فَيَلْحَقُهُ وَلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ مَحَلُّ كَوْنِهِ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَهَذَا لَا يَحْتَاجُ لَهُ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ اللَّقِيطُ مُسْلِمٌ إنْ وُجِدَ إلَخْ.
فَسَرَى لِلشَّارِحِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (بِدَارِ كُفْرٍ) أَيْ
أَسِيرًا مُنْتَشِرًا أَوْ تَاجِرًا أَوْ مُجْتَازًا تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَلَا يُغَيَّرُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الِاسْتِلْحَاقِ وَلَكِنْ لَا يَكْفِي اجْتِيَازُهُ بِدَارِ كُفْرٍ.
بِخِلَافِهِ بِدَارِنَا لِحُرْمَتِهَا وَلَوْ نَفَاهُ مُسْلِمٌ.
قُبِلَ فِي نَفْيِ نَسَبه لَا نَفْيِ إسْلَامِهِ أَمَّا إذَا اسْتَلْحَقَهُ الْكَافِرُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ وُجِدَ اللَّقِيطُ بِمَحَلٍّ مَنْسُوبٍ لِلْكُفَّارِ لَيْسَ بِهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ كَافِرٌ.
تَنْبِيهٌ اقْتِصَارُهُ كَغَيْرِهِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ وَالْمَجْنُونَ وَهُمَا لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُمَا اتِّفَاقًا وَلِأَنَّ نُطْقَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ إمَّا خَبَرٌ وَإِمَّا إنْشَاءٌ، فَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَإِنْ كَانَ إنْشَاءً فَهُوَ كَعُقُودِهِ وَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَأَمَّا إسْلَامُ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ بَالِغًا حِينَ أَسْلَمَ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقِيلَ: إنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَأَجَابَ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ: بِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا صَارَتْ مُعَلَّقَةً بِالْبُلُوغِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا نِيطَتْ بِخَمْسَةَ عَشَرَ عَامَ الْخَنْدَقِ، فَقَدْ تَكُونُ مَنُوطَةً قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِّ التَّمْيِيزِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ وَعَلَى هَذَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ لِئَلَّا يَفْتِنَانِهِ.
وَهَذِهِ الْحَيْلُولَةُ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، فَيَتَلَطَّفُ بِوَالِدَيْهِ لِيُؤْخَذَ مِنْهُمَا فَإِنْ أَبَيَا فَلَا حَيْلُولَةَ.
تَتِمَّةٌ فِي أَطْفَالِ الْكُفَّارِ: إذَا مَاتُوا وَلَمْ يَتَلَفَّظُوا بِالْإِسْلَامِ خِلَافٌ مُنْتَشِرٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لِأَنَّ كُلَّ
[حاشية البجيرمي]
بِالْأَصَالَةِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَتْ دَارَ إسْلَامٍ وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ الْآنَ.
فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حُرْمَةً لَهَا ع ش.
قَوْلُهُ: (بِهِ مُسْلِمٌ) أَيْ بِالْمَحَلِّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ دَارَ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارَ الْكُفْرِ.
كَمَا فِي الْمَحَلِّ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (مُنْتَشِرًا) أَيْ غَيْرَ مَحْبُوسٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُجْتَازًا) لَمَّا كَانَ شَامِلًا لِاجْتِيَازِهِ بِدَارِ الْكُفْرِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ.
مَعَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي اجْتِيَازُهُ بِدَارِ الْكُفْرِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَكِنْ لَا يَكْفِي إلَخْ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ مُجْتَازًا أَيْ بِدَارِنَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَهُ إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ مَعَ إيهَامِهِ خِلَافَ الْمُرَادِ.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: وَلَوْ بِدَارِ كُفْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ كَافِرٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ لَا يَكْفِي اجْتِيَازُهُ) أَيْ مُرُورُ الْمُسْلِمِ بِدَارِ كُفْرٍ أَيْ بِالْأَصَالَةِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَتْ دَارَ إسْلَامٍ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ الْآنَ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حُرْمَةً لَهَا ع ش. وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ: فِيمَا سَبَقَ آنِفًا وَلَوْ مُجْتَازًا لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِهِ بِدَارِنَا) فِيهِ أَنَّ اجْتِيَازَهُ بِدَارِنَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِوُجُودِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا خَرِبَتْ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْكُفَّارُ ثُمَّ إنَّهُ مَرَّ بِهَا مُسْلِمٌ وَوُجِدَ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَقِيطٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَفَاهُ مُسْلِمٌ) لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ نَفَاهُ الْمُسْلِمُ أَيْ الْمُتَقَدِّمُ لِأَنَّهُ الَّذِي يُتَوَهَّمُ.
قَوْلُهُ: (الْمَذْكُورَةِ) وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ: وَيُحْكَمُ لِلصَّبِيِّ بِإِسْلَامِهِ عِنْدَ وُجُودِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِإِسْلَامِ الصَّغِيرِ) أَيْ إذَا أَسْلَمَ هُوَ بِنَفْسِهِ أَيْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَجَابَ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ) أَيْ عَنْ إسْلَامِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا نِيطَتْ) أَيْ عَلِقَتْ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ تَكُونُ) الْمُنَاسِبُ فَقَدْ كَانَتْ عِبَارَةُ م ر. فَقَدْ كَانَتْ مَنُوطَةً إلَخْ وَهِيَ أَوْلَى.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُضَارِعِ الْمَاضِيَ اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالْقِيَاسِ) أَيْ قِيَاسِ صِحَّةِ إسْلَامِ الْمُمَيِّزِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاتِهِ مَثَلًا لَا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (لَا يَتَنَفَّلُ) بِالْفَاءِ أَيْ لَا يَقَعُ نَفْلًا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى كَوْنِهِ يَصِحُّ إسْلَامُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَفْتِنَانِهِ) صَوَابُهُ لِئَلَّا يَفْتِنَاهُ بِحَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ لِلنَّصْبِ.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) تَقَدَّمَ مَا فِي هَذِهِ التَّتِمَّةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَفِي فَصْلِ الرِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَلَفَّظُوا
مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْكُفَّارِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُدْفَنُونَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآخِرَةِ لِمَا مَرَّ.