فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا لُغَةً التَّحَوُّلُ وَالِانْتِقَالُ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ
[حاشية البجيرمي]
الرُّجُوعَ هُنَاكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْقَلْعُ وَهُوَ خَسَارَةٌ فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ مَجَّانًا، بِخِلَافِهِ هُنَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَسَارَةٌ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لُزُومَ سَدِّ الْبَابِ، وَخَسَارَةُ فَتْحِهِ إنَّمَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِذْنِ لَا عَلَى الرُّجُوعِ مَعَ أَنَّ فَتْحَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ وَإِنَّمَا الْمُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِاسْتِطْرَاقُ؛ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (فَتْحُ الطَّاقَاتِ) وَلَوْ كَانَ يُشْرِفُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ لِتَمَكُّنِ الْجَارِ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ بِبِنَاءِ سُتْرَةٍ أَمَامَ الْكُوَّةِ وَإِنْ تَضَرَّرَ صَاحِبُهَا بِمَنْعِ الضَّوْءِ مِنْهَا أَوْ النَّظَرِ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ أَرَادَ رَفْعَ جَمِيعِ الْحَائِطِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَابٌ يُقْفَلُ عَلَيْهَا أَوْ لَهَا وَكَانَ فِي دَاخِلِ مِلْكِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا بَابٌ وَيُفْتَحُ لِهَوَاءِ الطَّرِيقِ كَانَ حُكْمُهَا كَالرَّوْشَنِ فَيُمْنَعُ مِنْهَا لِأَنَّ شَرْطَ جَوَازِهِ عَدَمُ الضَّرَرِ وَهَذَا فِيهِ ضَرَرٌ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا غِطَاءٌ أَوْ شُبَّاكٌ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ الدَّرْبِ مُنِعَتْ، وَإِنْ كَانَ فَاتِحُهَا مِنْ أَهْلِهِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ اهـ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ دَارَيْهِ) أَيْ فِي الْحَائِطِ الَّتِي بَيْنَ الدَّارَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ بَنَى مَعَ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا) كَأَنْ دَخَلَ نِصْفُ لَبِنَاتِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي لَبِنَاتِ الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِدَارِ.
وَيُتَصَوَّرُ كَوْنُ السَّقْفِ بُنِيَ مَعَ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا فِي الرُّبْعِ مَثَلًا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمَالِكَيْنِ فِيهِ سَاكِنٌ فَوْقَ الْآخَرِ، فَالسَّقْفُ الَّذِي بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ إذَا كَانَ عَقْدًا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ لِلْأَسْفَلِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ اتِّصَالًا بِبِنَائِهِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
تَنْبِيهٌ: السَّقْفُ بَيْنَ عُلُوٍّ وَسُفْلٍ كَالْجِدَارِ الْمَذْكُورِ.
وَفِي الرَّوْضِ: يَجُوزُ لِأَصْحَابِ الْعُلُوِّ وَضْعُ الْأَثْقَالِ الْمُعْتَادَةِ عَلَى السَّقْفِ الْمَمْلُوكِ لِلْآخَرِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَلِلْآخَرِ تَعْلِيقُ الْمُعْتَادِ بِهِ كَثَوْبٍ وَلَوْ بِوَتَدٍ يَدُقُّهُ فِيهِ اهـ. وَلِلْآخَرِ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ مَا يُرِيدُ فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى غَرْزُ وَتِدٍ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ وَحْدَهُ بِخِلَافِ الْأَسْفَلِ كَمَا مَرَّ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي الِانْتِفَاعِ ق ل.
فَرْعٌ: مَا يَعْتَمِدُهُ الْمُهَنْدِسُونَ وَأَرْبَابُ الْبُنْيَانِ مِنْ وَضْعِ الْجُذُوعِ وَالطَّاقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَقْضُونَ بِهِ لِلْجَارِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ الْمِلْكُ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الْحُدُودِ وَالْجِهَاتِ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ الْيَدُ) لِظُهُورِ أَمَارَةِ الْمِلْكِ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُ وَيُحْكَمُ لَهُ بِالْجِدَارِ أَوْ السَّقْفِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَوْ حَلَفَ كُلٌّ لِلْآخَرِ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يُسَلَّمُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ادَّعَى الْجَمِيعَ أَوْ نَكَلَ كُلٌّ عَنْ الْيَمِينِ جُعِلَ بَيْنَهُمَا؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَلِيهِ) عَلَى الْعَادَةِ، وَيَبْقَى الْخَشَبُ الْمَوْجُودُ عَلَى الْجِدَارِ بِحَالِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا فِي صُورَتَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا فِي صُورَتَيْنِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت وَجَدْته لِأَحَدِهِمَا فِي صُوَرٍ وَلَهُمَا فِي صُوَرٍ اهـ م د. وَهُوَ مَا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ بَنَى عَلَى بِنَائِهِ أَوْ حَلَفَ وَنَكَلَ الْآخَرُ أَوْ أَقَامَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ لَهُ
[فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِ] ِ ذَكَرَهَا بَعْدَ الصُّلْحِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النِّزَاعِ، وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ لِتَحَوَّلَ وَهِيَ رُخْصَةٌ جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ كَمَا يَأْتِي.
أُخْرَى وَتُطْلَقُ عَلَى انْتِقَالِهِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى وَالْأَوَّلُ هُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ فَلْيَحْتَلْ كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَيُسَنُّ قَبُولُهَا عَلَى مَلِيءٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَلِيءُ وَفِيًّا وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ رِبَوِيَّيْنِ.
وَأَرْكَانُهَا سِتَّةٌ: مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ وَمُحَالٌ عَلَيْهِ وَدَيْنٌ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ، وَكُلُّهَا تُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي وَإِنْ سُمِّيَ بَعْضُهَا شَرْطًا كَمَا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالِانْتِقَالُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ع ش. قَوْلُهُ: (نَقْلٌ) الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ انْتِقَالٌ.
وَقَوْلُهُ " دَيْنٌ " أَيْ نَظِيرُهُ وَالْمُرَادُ أَنْ يَصِيرَ مِثْلَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى انْتِقَالِهِ) أَيْ الْأَثَرُ النَّاشِئُ عَنْ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ» مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَالْمَحْذُوفُ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالتَّقْدِيرُ: مَطْلُ الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الدَّائِنَ فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ قَدَرَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: «ظُلْمٌ» أَيْ كَبِيرَةٌ مُفَسِّقٌ لِأَنَّ الْمَطْلَ كَمَا قَالَهُ م ر إطَالَةُ الْمُدَافَعَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً إلَّا إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اهـ. وَإِذَا كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ فَهُوَ صَغِيرَةٌ، خِلَافًا لحج الْقَائِلِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ مُطْلَقًا.
قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: وَكَثِيرًا مَا يَصْدُرُ مِنْ الْعَامَّةِ أَنْ يَقُولَ لَا أُوَفِّيهِ إلَّا بِالْحَاكِمِ، وَهُوَ حَرَامٌ وَإِنَّهُ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ الْمَطْلِ الْمُجَرَّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الْمُدَّعِي بِانْطِلَاقِهِ عَلَى الْحَاكِمِ وَوُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا يَغْرَمُهُ لِلْمُعِينِ عَلَى الْإِحْضَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «عَلَى مَلِيءٍ» بِالْهَمْزِ مَأْخُوذٌ مِنْ الِامْتِلَاءِ يُقَالُ مَلُؤَ الرَّجُلُ بِضَمِّ اللَّامِ مَرْحُومِيٌّ وَعِبَارَةُ ع ش مَلِيءٌ بِالْهَمْزِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَيْ مُوسِرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَلَاءَةِ وَهِيَ الْيَسَارُ يُقَالُ مَلُؤَ الرَّجُلُ مَلَاءَةً كَظَرُفَ ظَرَافَةً خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الِامْتِلَاءِ؛ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) وَتَشْدِيدِهَا فِي الثَّانِي، حَجّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ) الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: «وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» كَذَا فِي شَرْحِ م ر، فَفِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ رِوَايَتَهُ: «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» . وَقَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ «فَلْيَحْتَلْ» وَغَرَضُهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَخَيْرُ مَا فَسَّرْته بِالْوَارِدِ.
قَوْلُهُ: (وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ إلَخْ) أَيْ فَقَدْ صَرَفَ الْقِيَاسُ النَّصَّ عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ خُرُوجَهَا عَنْ الْقِيَاسِ يَقْتَضِي فِيهَا عَدَمَ الْقِيَاسِ اهـ؛ لَكِنَّ الْجِهَةَ مُنْفَكَّةٌ فَلَا اعْتِرَاضَ، لِأَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ وَخُرُوجَهَا عَنْ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
وَقَوْلُهُ " عَنْ الْوُجُوبِ " أَيْ الَّذِي قَالَ بِهِ أَحْمَدُ، وَمَحِلُّ النَّدْبِ فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي مَالِهِ حَرَامًا وَيُكْرَهُ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَالنَّدْبُ لَهُ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيًّا وَفِيًّا وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِيًّا) أَيْ يُوَفِّي مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِهِ) وَإِلَّا كُرِهَتْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا بَيْعٌ) لَكِنْ لَا تَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَلَا تَدْخُلُهَا الْإِقَالَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ إنَّهَا اسْتِيفَاءٌ لِاعْتِبَارِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا كَمَا يَأْتِي ق ل. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهَا بَيْعًا تَوَقُّفُهَا عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ، وَيَتَرَتَّبُ أَيْضًا الْحَلِفُ وَالتَّعَالِيقُ كَأَنْ قَالَ: إنْ صَدَرَ مِنِّي بَيْعٌ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ أَوْ فَعَبْدِي حُرٌّ، ثُمَّ أَحَالَ وَقَعَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَيْعٌ دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ أَنَّ الْمُحِيلَ بَاعَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ لِلْمُحْتَالِ وَالْمُحْتَالَ بَاعَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَالْبَائِعُ الْمُحِيلُ وَالْمُشْتَرِي الْمُحْتَالُ وَالْمَبِيعُ دَيْنُ الْمُحِيلِ وَالثَّمَنُ دَيْنُ الْمُحْتَالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَيْعِ الدَّيْنِ أَنَّ الْبَائِعَ هُنَا لَهُ وَعَلَيْهِ بِخِلَافِهِ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَهُ لَا عَلَيْهِ اهـ عُمَيْرَةُ.
قَوْلُهُ: (جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ) يُرِيدُ أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ كَمَا جُوِّزَ الْقَرْضُ مَعَ كَوْنِهِ بَيْعَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ، أَيْ لِوُجُودِهَا.
فَالتَّشْبِيهُ إنَّمَا هُوَ فِي خُرُوجِ كُلٍّ عَنْ الْقَوَاعِدِ مَعَ جَوَازِهِ لِلْحَاجَةِ، أَوْ التَّشْبِيهُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدُ إرْفَاقٍ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ زَائِدٌ فِي الْقَرْضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ لِلْحَاجَةِ وَقَوْلُهُ التَّقَابُضُ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ، فَفِي التَّعْبِيرِ بِالتَّقَابُضِ مُسَامَحَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَدَيْنٌ لِلْمُحْتَالِ عَلَى
قَالَ.
: (وَشَرَائِطُ) صِحَّةِ (الْحَوَالَةِ) (أَرْبَعَةٌ) بَلْ خَمْسَةٌ كَمَا سَتَعْرِفُهُ الْأَوَّلُ: (رِضَا الْمُحِيلِ.
وَ) الثَّانِي: (قَبُولُ الْمُحْتَالِ) لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ إيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، فَلَا يُلْزَمُ بِجِهَةٍ وَحَقُّ الْمُحْتَالِ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ لِأَنَّ الذِّمَمَ تَتَفَاوَتُ وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ لِلنَّدْبِ كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا عَبَّرَ بِالْقَبُولِ الْمُسْتَدْعِي لِلْإِيجَابِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إيجَابِ الْمُحِيلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
وَهِيَ دَقِيقَةٌ حَسَنَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحِلُّ الْحَقِّ وَالتَّصَرُّفِ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِيفَاءِ.
(وَ) الثَّالِثُ (كَوْنُ الْحَقِّ) أَيْ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ وَعَلَيْهِ لَازِمًا وَهُوَ مَا لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَجُوزَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ
[حاشية البجيرمي]
الْمُحِيلِ إلَخْ) لَوْ قَالَ وَدَيْنَانِ لَكَانَ أَخْصَرَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي التَّحْرِيرِ، وَشُرِطَ فِي الدَّيْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: ثُبُوتُهُمَا وَلُزُومُهُمَا وَصِحَّةُ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُمَا وَتَسَاوِيهِمَا وَالْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ) لَوْ بِاعْتِرَافِ الْمُحْتَالِ أَوْ بِقَبُولِهِ الْحَوَالَةَ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اسْتِيفَاءَ شُرُوطِهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ اهـ ق ل. قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: لَوْ قَبِلَ الْمُحْتَالُ الْحَوَالَةَ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ بِالدَّيْنِ كَانَ قَبُولُهُ مُتَضَمَّنًا لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، فَلَا أَثَرَ لِتَبَيُّنِ أَنْ لَا دَيْنَ.
نَعَمْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُحِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَرَاءَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُحْتَالُ فِيمَا يَظْهَرُ وَبَانَ بُطْلَانُ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ الْإِقْرَارَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَفَّى الْمُحِيلَ فَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ إذْ التَّقْصِيرُ حِينَئِذٍ وَالتَّدْلِيسُ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمُحِيلِ اهـ م ر وع ش.
فَائِدَةٌ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا أَنْكَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَحَلَفَ رَجَعَ الْمُحْتَالُ، ع ش.
قَوْلُهُ: (وَصِيغَةٌ) وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَوَالَةِ بَلْ هُوَ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، كَنَقَلْتُ حَقَّك إلَى فُلَانٍ أَوْ جَعَلْت مَا اسْتَحَقَّهُ عَلَى فُلَانٍ لَك أَوْ مَلَّكْتُك الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّك؛ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَمَّى بَعْضَهَا شَرْطًا) وَهُوَ الصِّيغَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ رِضَا الْمُحِيلِ وَقَبُولُ الْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (صِحَّةِ) إنَّمَا زَادَ الشَّارِحُ لَفْظَ صِحَّةٍ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِكَمَالِ الشَّيْءِ وَقَدْ يَكُونُ لِصِحَّتِهِ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (رِضَا الْمُحِيلِ) هَذَا إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الصِّيغَةِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِيجَابُ فَهُوَ شَرْطٌ لَكِنْ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ فَتَأَمَّلْ ق ل؛ أَيْ فَيَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْإِيجَابَ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ لَا مِنْ الشُّرُوطِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الرِّضَا الْقَلْبِيَّ فَهَذَا لَا يُشْتَرَطُ.
وَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَدَخَلَ الرُّكْنُ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَيْسَ ذِكْرُ الرِّضَا بِهَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودًا لِذَاتِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً وَتَوْطِئَةً لِلْإِيجَابِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الرِّضَا إلَّا بِهِ، فَيَكُونُ عَبَّرَ بِالْمَلْزُومِ وَأَرَادَ اللَّازِمَ فَرَجَعَ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّضَا عَدَمُ الْإِلْزَامِ أَيْ إلْزَامِ الْمُحِيلِ بِالْحَوَالَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ الشُّرُوطِ وَيَكُونُ اسْتِفَادَةُ الْإِيجَابِ مِنْ ذِكْرِ الْقَبُولِ كَمَا فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ رِضَا الْمُحِيلِ، وَقَوْلُهُ: " وَحَقُّ الْمُحْتَالِ إلَخْ " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَقَبُولُ ". قَوْلِهِ: (إلَّا بِرِضَاهُ) أَيْ الْمُحْتَالِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى قَوْلِهِ: فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِهَا.
وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ " لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَبُولِ، وَقَوْلُهُ: " فِي الْحَدِيثِ فَلْيَتْبَعْ " يَقْتَضِي ذَلِكَ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَدْعِي) أَيْ الْمُسْتَلْزِمِ.
قَوْلُهُ: (لَا بُدَّ مِنْ إيجَابِ الْمُحِيلِ) هُوَ كَذَلِكَ، وَإِمَّا عَبَّرَ فِيهِ بِالرِّضَا إشَارَةً إلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا الْمَفْهُومِ مِنْ الْحَدِيثِ ق ل. وَقَوْلُهُ " لِإِفَادَتِهِ إلَخْ " لَوْ قَالَ لِإِفَادَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّضَا الْإِيجَابُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْإِفَادَةُ الْمَذْكُورَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّصَرُّفُ) أَيْ فِي الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِالْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (كَوْنُ الْحَقِّ مُسْتَقِرًّا إلَخْ) إعْرَابُ الْمَتْنِ أَنَّ مُسْتَقِرًّا خَبَرٌ عَنْ الْكَوْنِ الْمُثْبَتِ، وَالشَّارِحُ غَيَّرَ إعْرَابَهُ وَجَعَلَ خَبَرَهُ مَحْذُوفًا قَدَّرَهُ
كَالثَّمَنِ بَعْدَ زَمَنِ الْخِيَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (مُسْتَقِرًّا فِي الذِّمَّةِ) كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْمَوْتِ وَالْأُجْرَةِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ بِأَنْ يُحِيلَ بِهِ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى ثَالِثٍ وَعَلَيْهِ كَذَلِكَ بِأَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ غَيْرَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي سَوَاءً اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ أَمْ اخْتَلَفَا، كَأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ثَمَنًا وَالْآخَرُ أُجْرَةً أَوْ قَرْضًا فَلَا تَصِحُّ بِالْعَيْنِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَا بِمَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَدَيْنِ السَّلَمِ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا، وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ لِلسَّاعِي وَلَا لِلْمُسْتَحِقِّ بِالزَّكَاةِ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَكْسُهُ وَإِنْ تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا وَتَصِحُّ
[حاشية البجيرمي]
بِقَوْلِهِ لَازِمًا، وَجَعَلَ مُسْتَقِرًّا خَبَرًا لِيَكُنْ الْمَنْفِيِّ قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا.
وَهَذَا مَعِيبٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ عُذْرُ الشَّارِحِ أَنَّ إبْقَاءَ الْمَتْنِ عَلَى إعْرَابِهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ خَلَلٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الِاسْتِقْرَارِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فَلِذَلِكَ غَيَّرَ الْإِعْرَابَ بِمَا ذَكَرَهُ.
وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الرَّهْنِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ مَا اسْتَوْفَى مُقَابِلَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ لَهُ مَعْنًى آخَرَ تَصِحُّ إرَادَتُهُ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللَّازِمُ، فَلَوْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ لَسَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَاسْتَغْنَى عَمَّا قَدَّرَهُ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: لَمْ يُنَبِّهْ الشَّارِحُ عَلَى ضَعْفِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى نَظِيرِ مَا فَعَلَهُ فِي الرَّهْنِ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الشُّرَّاحِ، تَأَمَّلْ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: أَشَارَ إلَى ضَعْفِهِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ جَعَلَهُ مَنْفِيًّا، تَأَمَّلْ.
وَقَالَ ق ل: تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِقْرَارَ اللُّزُومُ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَلَا تَغْفُلْ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَبْقَى الْمَتْنُ عَلَى حَالِهِ مِنْ الْإِثْبَاتِ وَيُنَبِّهَ عَلَى ضَعْفِهِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (لَازِمًا) وَلَوْ مَآلًا بِثَمَنٍ بَعْدَ اللُّزُومِ أَوْ قَبْلَهُ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ، وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ قَبْلَهُ " أَيْ وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَتَكُونُ إجَازَةً مِنْهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ كَيْفَ يَصِحُّ بَيْعُ الثَّمَنِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا جَوَّزُوا بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ تَوَسُّعًا وُسِّعَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا م ر.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا لَا خِيَارَ فِيهِ) مِثْلُهُ الْآيِلُ إلَى اللُّزُومِ وَهُوَ مَا فِيهِ خِيَارٌ كَمَا عُلِمَ.
وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ هُنَا عَلَى اللَّازِمِ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِالثَّمَنِ أَوْ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ تَأَمَّلْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا قُيِّدَ هُنَا بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَمَا سَيَأْتِي مِمَّا فِيهِ اللُّزُومُ مَآلًا فِيهِ خِلَافٌ، فَالشَّارِحُ إنَّمَا ذَكَرَ اللُّزُومَ هُنَا لِعَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ مِثْلَهُ الْآيِلُ إلَى اللُّزُومِ؛ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ اعْتِرَاضُ بَعْضِ الْحَوَاشِي،.
اهـ. ح ف وَعَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَجُوزَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِمَا لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ وَلَا عَلَيْهِ كَدَيْنِ السَّلَمِ وَدَيْنِ الْجِعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ نُجُومُ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا عَلَى الرَّاجِحِ، وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا مِنْ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ عَلَى ثَالِثٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ لِلُزُومِهِ أَيْ الدَّيْنِ الْمُحَالَ بِهِ وَعَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ) إنَّمَا قُيِّدَ بِهِ لِيَكُونَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ لِسُقُوطِهِ بِتَلَفِ الْبَيْعِ عِنْدَ الْبَائِعِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِهِ أَيْ وَالْحَوَالَةُ عَلَيْهِ كَالْحَوَالَةِ بِهِ، وَقَوْلُهُ " كَذَلِكَ " أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ) وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ فِي هَذِهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ فِيهَا بِثَالِثٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (سَوَاءً اتَّفَقَ) تَعْمِيمٌ فِي الْحَقِّ الَّذِي فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ بِالْعَيْنِ) لِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ دَيْنًا وَالْحَوَالَةُ بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ " كَوْنُ الْحَقِّ أَيْ الدَّيْنِ إلَخْ " وَيُصَوَّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا أَحَالَ بِعَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مُودَعَةٍ أَوْ عَلَيْهَا كَأَنْ غَصَبَ مِنْ زَيْدٍ كِتَابًا " وَلَهُ كِتَابٌ عَلَى آخَرَ نَظِيرُهُ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِهِ اهـ، وَكَأَنْ اشْتَرَى كِتَابًا بِدِينَارٍ مُعَيَّنٍ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى الدِّينَارِ الْمُعَيَّنِ وَلَا بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) مُحْتَرَزُ جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ وَاَلَّذِي لَا يَجُوزُ عَنْهُ الِاعْتِيَاضُ دَيْنُ السَّلَمِ مُسَلَّمًا فِيهِ وَرَأْسُ مَالٍ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَالْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ وَالثَّمَنُ فِي الرِّبَوِيِّ الْمَبِيعِ بِرِبَوِيٍّ آخَرَ وَالْأُجْرَةُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَالزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ لِلسَّاعِي) عِبَارَةُ سم: فَرْعٌ: اعْتَمَدَ م ر امْتِنَاعَ الْحَوَالَةِ بِالزَّكَاةِ وَعَلَيْهَا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَلَا يَدْخُلُهَا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا) عِلَّةٌ لِلْغَايَةِ، وَأَمَّا عِلَّةُ الْمَطْوِيِّ
عَلَى الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ عَلَيْهِ مَعَ خَرَابِ ذِمَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ لَمْ تَقْبَلْ ذِمَّتُهُ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِلَّا فَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يَقْضِيَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَرِكَةٌ أَوْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِي خِلَافٌ، وَلَا تَصِحُّ عَلَى التَّرِكَةِ لِعَدَمِ الشَّخْصِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَتَصِحُّ بِالدَّيْنِ الْمِثْلِيِّ كَالنُّقُودِ وَالْحُبُوبِ وَبِالْمُتَقَوِّمِ كَالْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ، وَبِالثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بِأَنْ يُحِيلَ بِهِ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى إنْسَانٍ وَعَلَيْهِ بِأَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ إنْسَانًا عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ بِنَفْسِهِ وَالْجَوَازُ عَارِضٌ فِيهِ.
وَيَبْطُلُ الْخِيَارُ بِالْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ لِتُرَاضِي عَاقِدَيْهَا، وَلِأَنَّ مُقْتَضَاهَا اللُّزُومُ فَلَوْ بَقِيَ الْخِيَارُ فَاتَ مُقْتَضَاهَا، وَفِي الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ يَبْطُلُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ لِرِضَاهُ بِهَا لَا فِي حَقِّ مُشْتَرٍ لَمْ يَرْضَ، فَإِنْ رَضِيَ بِهَا بَطَلَ فِي حَقِّهِ أَيْضًا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ،
[حاشية البجيرمي]
تَحْتَ الْغَايَةِ فَلِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَعْيَانٌ مُشْتَرَكَةٌ.
وَمِثَالُ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا كَأَنْ كَانَ وَاجِبُهَا فِضَّةً فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا بِذَهَبٍ وَعَكْسُهُ.
وَعِبَارَةُ م د: لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ أَصْلَهَا أَعْيَانٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَالْمَالِكِ، فَغَلَبَ فِيهَا ذَلِكَ دُونَ الِانْتِقَالِ لِلذِّمَّةِ بِالتَّقْصِيرِ بِأَنْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ دَفْعِهِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ عَلَى الْمَيِّتِ إلَخْ) بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَلَا فَرْقَ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ.
وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَلَوْ أَحَالَ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَيِّتٍ صَحَّتْ وَيَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالتَّرِكَةِ إنْ كَانَتْ وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدٌ عَنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَفِي سم عَلَى الْمَنْهَجِ: قَالَ طب: وَحَوَالَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ أَحَدَ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي الْوَقْفِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ مَالٌ فِي جِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِجِهَةِ الْوَقْفِ لَا تَصِحُّ، وَمَا وَقَعَ مِنْ النَّاظِرِ مِنْ التَّسْوِيغِ لَيْسَ حَوَالَةً بَلْ إذْنٌ فِي الْقَبْضِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ قَبْضِهِ؛ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ م ر وَقَالَ: لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ مَدِينًا وَالنَّاظِرُ ذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ، وَلَوْ أَحَالَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى النَّاظِرِ بِمَعْلُومِهِ لَمْ تَصِحَّ أَيْضًا لِعَدَمِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَوْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَحَالَ عَلَى التَّرِكَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الْحَوَالَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى شَخْصٍ مَدِينٍ، إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ اهـ. وَقَوْلُهُ " بِلَا إذْنٍ فِي الْقَبْضِ " قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْوَظِيفَةِ مُخَاصَمَةُ السَّاكِنِ الْمَتْبُوعِ عَلَيْهِ وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَقَوْلُهُ " وَالنَّاظِرُ ذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ " يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ النَّاظِرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْتَحَقَّ فِي الْوَقْفِ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ خَرَابَ ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ تُقْبَلْ ذِمَّتُهُ) الْمُرَادُ بِهَا مَعْنًى صَالِحٌ لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ، وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا فَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ " فِيهِ أَنَّ الْمَرْهُونَ لَيْسَ نَفْسَ الذِّمَّةِ بَلْ النَّفْسُ بِمَعْنَى الرُّوحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ هُنَا النَّفْسَ؛ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ؛ لَكِنْ عَلَى هَذَا لَا تَحْسُنُ الْمُقَابَلَةُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرُهُ) أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَتَصِحُّ عَلَى الْمَيِّتِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ م ر.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذَلِكَ) مُعْتَمَدٌ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ مَعَ عَدَمِ التَّرِكَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقْضِي عَنْهُ مُتَبَرِّعٌ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْمُتَقَوِّمِ) كَأَنْ اشْتَرَى عَيْنًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ مُتَقَوِّمٌ مَوْصُوفٍ بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهُ، أَيْ بِمَا يُعَيِّنُهُ وَيُمَيِّزُهُ مِنْ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَصِفَتِهِ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ.
وَكَأَنْ اقْتَرَضَ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا فَيَصِحُّ أَنْ يُحِيلَ الْمُقْرِضُ بِهِ عَلَى آخَرَ، كَأَنْ يَقْتَرِضَ عَمْرٌو حَيَوَانًا مِنْ زَيْدٍ وَلِعَمْرٍو عَلَى بَكْرٍ حَيَوَانٌ فَأَحَالَ عَمْرٌو زَيْدًا بِهِ عَلَى بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ دَيْنٌ، وَلَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ لَهُ بِالْمُسَلَّمِ فِيهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِالثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ) لَيْسَ هَذَا مُكَرَّرًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ بِخِلَافِ مَا هُنَا، أَوْ مَا تَقَدَّمَ كَانَ لَا خِيَارَ فِيهِ بِخِلَافِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " بِالثَّمَنِ ".
قَوْلُهُ: (وَلَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِالْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ) أَيْ خِيَارُ كُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ لِمَا ذَكَرَهُ، فَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَأَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى آخَرَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ سَقَطَ خِيَارُهُ، فَالْمُرَادُ بِبُطْلَانِهِ سُقُوطُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ مُقْتَضَاهَا اللُّزُومُ) أَيْ فَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، أَيْ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمهُ بِهَا أَيْ أَلْزَمَ الْعَقْدَ بِالْحَوَالَةِ.
قَوْلُهُ: (لَا فِي حَقِّ مُشْتَرٍ) أَيْ فَإِذَا أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فِي زَمَنِ خِيَارِهِمَا بَطَلَ خِيَارُ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ وَفَسَخَ الْبَيْعَ بَطَلَتْ.
لَا يُقَالُ هَذَا مُخَالِفٌ
وَتَصِحُّ حَوَالَةُ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بِالنُّجُومِ لِوُجُودِ اللُّزُومِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَيَتِمُّ الْغَرَضُ مِنْهُمَا دُونَ حَوَالَةِ السَّيِّدِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، فَلَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ جَائِزَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُحْتَالُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ وَإِلْزَامِهِ.
وَخَرَجَ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ وَلَوْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنُ مُعَامَلَةٍ وَأُحَال عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ.
وَلَا نَظَرَ إلَى سُقُوطِهِ بِالتَّعْجِيزِ لِأَنَّ دَيْنَ الْمُعَامَلَةِ لَازِمٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا تَصِحُّ بِجَعْلِ الْجِعَالَةِ وَلَا عَلَيْهِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ وَلَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ دَيْنِهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِهِ بَعْدَ التَّمَامِ.
(وَ) الرَّابِعُ (اتِّفَاقُ) أَيْ مُوَافَقَةُ (مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ) لِلْمُحْتَالِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ (وَ) مَا فِي ذِمَّةِ (الْمُحَالِ عَلَيْهِ) لِلْمُحِيلِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (فِي الْجِنْسِ) فَلَا يَصِحُّ بِالدَّرَاهِمِ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَعَكْسُهُ، وَفِي الْقَدْرِ فَلَا يَصِحُّ بِخَمْسَةٍ عَلَى عَشْرَةٍ وَعَكْسُهُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُعَاوَضَةُ إرْفَاقٍ جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الِاتِّفَاقُ فِيمَا ذُكِرَ كَالْقَرْضِ.
(وَ) فِي (النَّوْعِ وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ) وَفِي قَدْرِ الْأَجَلِ وَفِي الصِّحَّةِ وَالتَّكْسِيرِ إلْحَاقًا لِتَفَاوُتِ الْوَصْفِ بِتَفَاوُتِ الْقَدْرِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُهُمَا فِي الرَّهْنِ وَلَا فِي الضَّمَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ أَحَالَ بِدَيْنٍ أَوْ عَلَى دَيْنٍ بِهِ رَهْنٌ أَوْ ضَامِنٌ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَبَرِئَ الضَّامِنُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَبْضِ، وَالْخَامِسُ الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي السَّلَمِ.
[حاشية البجيرمي]
لِعُمُومِ مَا قَالُوهُ مِنْ كَوْنِ الْحَوَالَةِ عَلَى الثَّمَنِ لَا تَبْطُلُ بِالْفَسْخِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْفَسْخُ بِالْخِيَارِ مُسْتَثْنًى، وَلَا بُعْدَ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ وَإِنْ اسْتَبْعَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ إلَخْ) هَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَكَتَبَ الَأُجْهُورِيُّ عَلَى قَوْلِهِ " وَتَصِحُّ حَوَالَةُ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ إلَخْ " قَضِيَّتُهُ صِحَّةُ الِاعْتِيَاضِ عَنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ وَجْهٌ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ عَدَمُ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْحَوَالَةُ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنْ يُشْكِلُ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ بِالنُّجُومِ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدَيْنِ السَّلَمِ.
وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ لِلْعِتْقِ، وَفَرَّقَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا احْتَالَ بِالنَّجْمِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ الدَّيْنُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ التَّعْجِيزِ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ الْمُكَاتَبِ وَيَصِيرُ بِالتَّعْجِيزِ لِلسَّيِّدِ، بِخِلَافِ دَيْنِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَصِلَ الْمُحْتَالُ إلَى حَقِّهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُودِ اللُّزُومِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ إنَّمَا هُوَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهَا، وَكَلَامُنَا إنَّمَا هُوَ فِي لُزُومِ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ عَلَيْهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ أَنْ يَكُونَ دَيْنُهَا وَهُوَ النُّجُومُ لَازِمًا مِنْ جِهَتِهِ أَيْضًا، أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُهُ بِالْفَسْخِ أَوْ التَّعْجِيزِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا نَظَرَ إلَى سُقُوطِهِ بِالتَّعْجِيزِ) فَلَوْ عَجَّزَ نَفْسَهُ تَعَلَّقَ الْمُحْتَالُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ دَيْنِ الْمُعَامَلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْيَسَارِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دَيْنَ الْمُعَامَلَةِ لَازِمٌ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، أَيْ إذَا لَمْ يَحْصُلْ تَعْجِيزٌ أَوْ كَانَ السَّيِّدُ أَحَالَ عَلَى الْمُكَاتَبِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الدَّيْنِ) بَيَانُ " مَا ".
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ بِخَمْسَةٍ) أَيْ بِأَنْ يَأْخُذَ الْعَشَرَةَ بِتَمَامِهَا فِي مُقَابَلَةِ الْخَمْسَةِ وَقَوْلُهُ عَلَى عَشْرَةٍ، أَيْ وَتَصِحُّ عَلَى خَمْسَةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَ دَيْنِ الْمُحِيلِ وَدَيْنِ الْمُحْتَالِ مِنْ حَيْثُ هُمَا بَلْ الْمَدَارُ عَلَى التَّسَاوِي بَيْنَ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ وَعَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ دَيْنُ الْمُحِيلِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُحَالِ بِهِ؛ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أَحَالَ عَلَى بَعْضِ دَيْنِهِ لَا عَلَى كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (إلْحَاقًا) عِلَّةٌ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، أَيْ فَلَا تَصِحُّ بِالصَّحِيحَةِ عَلَى الْمُكَسَّرَةِ وَعَكْسُهُ إلْحَاقًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَفْهَمَ) حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَهْنٍ وَلَا ضَمَانٍ.
قَوْلُهُ: (بِهِ رَهْنٌ) رَاجِعٌ لِلِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (انْفَكَّ) فَإِنْ شَرَطَ بَقَاءَ الرَّهْنِ وَنَحْوَهُ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَالْخَامِسُ الْعِلْمُ) أَيْ الظَّنُّ، أَيْ أَنْ يَظُنَّ الْعَاقِدَانِ تُسَاوِيَ الدَّيْنَيْنِ.
وَزَادَهُ الشَّارِحُ: كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ، وَلَا
(وَتَبْرَأُ بِهَا) أَيْ بِالْحَوَالَةِ الصَّحِيحَةِ (ذِمَّةُ الْمُحِيلِ) عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَيَسْقُطُ دَيْنُهُ عَنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ دَيْنُ مُحْتَالٍ مُحَالًا عَلَيْهِ، أَيْ يَصِيرُ نَظِيرَهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنْهُ بِفَلَسٍ أَوْ غَيْرِهِ كَجَحْدٍ وَمَوْتٍ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا لَوْ أَخَذَ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، وَإِنْ شَرَطَ يَسَارَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ جَهْلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا هُوَ مَغْبُونٌ فِيهِ.
وَلَا عِبْرَةَ لِلشَّرْطِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْفَحْصِ عَنْهُ، وَلَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ عِنْدَ التَّعَذُّرِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، وَلَوْ شَرَطَ الْعَاقِدُ فِي الْحَوَالَةِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ رَجَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي الْأَوَّلَ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ الثَّانِيَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَلَا يَثْبُتُ فِي عَقْدِهَا خِيَارُ شَرْطٍ لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُعَايَنَةِ وَلَا خِيَارُ مَجْلِسٍ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لِأَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ فُسِخَ بَيْعٌ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ كَإِقَالَةٍ وَقَدْ أَحَالَ مُشْتَرٍ بَائِعًا بِثَمَنٍ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ لِارْتِفَاعِ الثَّمَنِ بِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ، لَا إنْ أَحَالَ بَائِعٌ بِهِ ثَالِثًا عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى.
وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا الْعَبْدُ، أَوْ شَهِدَتْ حِسْبَةٌ بَطَلَتْ
[حاشية البجيرمي]
حَاجَةَ إلَيْهِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ الرَّابِعُ.
وَفِي إغْنَائِهِ عَنْهُ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِقَدْرِ الدَّيْنَيْنِ لَمْ يُعْلَمْ مِمَّا قَبْلَهُ، وَكَذَا عُلِمَ اتِّفَاقُهُمَا فِيمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِاتِّفَاقِهِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَتَبْرَأُ بِهَا) شُرُوعٌ فِي ثَمَرَةِ الْحَوَالَةِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَسْقُطُ دَيْنُهُ) أَيْ الْمُحِيلِ.
قَوْلُهُ: (كَجَحْدٍ) أَيْ لِلدَّيْنِ، أَيْ فَلَا يَرْجِعُ الْمُحْتَالُ لَكِنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُحِيلَ بِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ) وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ مِنْ شَرْطِ الْيَسَارِ بِأَنَّ شَرْطَ الرُّجُوعِ مُنَافٍ صَرِيحٌ فَأَبْطَلَهَا، بِخِلَافِ شَرْطِ الْيَسَارِ فَإِنَّهُ مُنَافٍ غَيْرُ صَرِيحٍ فَبَطَلَ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَرَطَ الْعَاقِدُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمُحِيلِ أَوْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ضَمِينًا) أَيْ ضَامِنًا.
قَوْلُهُ: (هَلْ يَصِحُّ) أَيْ الشَّرْطُ أَوْ لَا؟ أَمَّا الْحَوَالَةُ فَصَحِيحَةٌ وَالشَّرْطُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الشَّرْطِ اُنْظُرْ م ر. وَمَحِلُّ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ دُونَ الشَّرْطِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُحِيلِ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ فَاسِدَةٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (رَجَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي الْأَوَّلَ) أَيْ الصِّحَّةَ.
قَالَ م ر: حَمَلَهُ الْوَالِدُ عَلَى مَا إذَا شَرَطَ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِذَلِكَ فَتَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ، وَحُمِلَ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا شَرَطَهُ أَعْنِي الرَّهْنَ أَوْ الضَّمَانَ عَلَى الْمُحِيلِ فَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ بِالْحَوَالَةِ وَالشَّرْطُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ شَرْحُ م ر بِإِيضَاحٍ.
وَلَا خَلَلَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ لِأَنَّ كُلَّ قَوْلٍ يُحْمَلُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَمْعِ لِتَرْجِيحِهِ أَحَدَهُمَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) أَيْ مُعَايَنَةِ الْعِوَضِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّمَا دَخَلَهُ الْخِيَارُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ أَيْ الْوَصْفِ الْقَائِمِ مَقَامَهَا فِي الْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ اهـ م د. وَفِي نُسْخَةٍ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ الْمُغَابَنَةُ، أَيْ لَمْ تُبْنَ عَلَى الْغَبْنِ لِاتِّفَاقِ الدِّينَيْنِ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، أَيْ لِأَنَّهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الِاتِّفَاقُ جِنْسًا وَقَدْرًا إلَخْ، فَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (كَإِقَالَةٍ) أَوْ تَحَالُفٍ لَا بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ مَجْلِسٍ؛ لِأَنَّ بِالْحَوَالَةِ يَبْطُلُ الْخِيَارُ وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَحَالَ مُشْتَرٍ بَائِعًا بِثَمَنٍ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّدَاقِ إذَا أَحَالَهَا بِهِ ثُمَّ فَسَخَ النِّكَاحَ حَيْثُ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ أَنَّ الصَّدَاقَ أَثْبَتُ وَأَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأُولَى كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ثَلَاثَةٍ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ ثَالِثٌ لَهُ الْحَقُّ غَيْرُ الْعَاقِدَيْنِ فَلَا يَضِيعُ عَلَيْهِ حَقُّهُ، بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْبَائِعُ، وَأَنَّ الثَّالِثَ عَلَيْهِ الْحَقُّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ أَيْ غَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْمُحْتَالُ، أَيْ سَوَاءً قَبَضَ الْمُحْتَالُ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَإِلَّا فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ أَوْ لَا يَرْجِعُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، مُعْتَمَدٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حُرِّيَّتِهِ) أَوْ وَقْفِهِ أَوْ إيلَادِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ مَثَلًا لَا لِكَوْنِهِ مُدَبَّرًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ
الْحَوَالَةُ لِأَنَّهُ بَانَ أَنْ لَا ثَمَنَ حَتَّى يُحَالَ بِهِ فَيَرُدُّ الْمُحْتَالُ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَبْقَى حَقُّهُ كَمَا كَانَ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَلَا بَيِّنَةَ حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِهَا، ثُمَّ بَعْدَ حَلِفِهِ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِبَقَاءِ الْحَوَالَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْحَوَالَةُ.
وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِ لِلْمُسْتَحِقِّ: وَكَّلْتُك لِتَقْبِضَ لِي دَيْنِي مِنْ فُلَانٍ.
وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ أَحَلْتنِي بِهِ.
أَوْ قَالَ الْأَوَّلُ أَرَدْت بِقَوْلِي أُحِلُّك بِهِ الْوَكَالَةَ.
وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: بَلْ أَرَدْت بِذَلِكَ الْحَوَالَةَ صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِإِرَادَتِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَقَّيْنِ وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَحَلْتُك فَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ وَكَّلْتنِي، أَوْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي أُحِلْتُك الْوَكَالَةَ صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَقِّهِ.
نَعَمْ لَوْ قَالَ أُحِلْتُك بِالْمِائَةِ الَّتِي لَك عَلَيَّ عَلَى عَمْرٍو فَلَا يَحْلِفُ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا حَقِيقَتَهَا فَيَحْلِفُ مُدَّعِيهَا، وَلِلْمُحْتَالِ أَنْ يُحِيلَ وَأَنْ يَحْتَالَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى مَدِينِهِ.
[حاشية البجيرمي]
بِصِفَةٍ فَإِنَّ كُلًّا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَوْلُهُ: (يُقِيمُهَا) الْأَوْلَى أَقَامَهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالرِّقِّ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَصْرِيحَهُ بِهِ يُكَذِّبُهَا.
قَوْلُهُ: (حِسْبَةً) أَيْ بِلَا سَبْقِ دَعْوَى.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَالُ وَالشَّأْنُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ بَانَ) أَيْ ظَهَرَ أَنْ لَا ثَمَنَ تُشْكِلُ بِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنْ لَا ثَمَنَ أَيْضًا؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْصِيرُ هُنَا مِنْ الْمُحْتَالِ حَيْثُ وَافَقَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَأَمَّا فِيمَا قَبْلَهَا فَالتَّقْصِيرُ مِنْ الْبَائِعِ حَيْثُ أَقَالَ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ بَاعَ الْمَعِيبَ وَلَمْ يُخْبِرْ بِعَيْبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَبْقَى حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُحْتَالِ كَمَا كَانَ أَيْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، أَيْ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (حَلَّفَاهُ) وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا بَلْ يَحْلِفُ لِمَنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْهُمَا، نَعَمْ لَوْ حَلَّفَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي تَحْلِيفُهُ فِي أَوْجَهِ احْتِمَالَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إذْ خُصُومَتُهُمَا مُتَّحِدَةٌ، شَرْحُ م ر. فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَا وَانْفَسَخَتْ الْحَوَالَةُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِهَا) قَوْلُهُ: أَيْ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حُرٌّ مَثَلًا، فَإِنْ نَكَلَ كَانَ مُقِرًّا بَحَرِيَّةِ الْعَبْدِ وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمُحِيلُ لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " لِلْمُسْتَحِقِّ " وَهُوَ الْمُحْتَالُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا بِلَفْظِ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ لِإِنْكَارِ الْحَوَالَةِ ق ل. وَقَالَ ح ف: إنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ يَكُونُ مُوَكِّلًا وَالثَّانِي وَكِيلًا.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ) وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، أَيْ وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ وَبِإِنْكَارِ الْمُحْتَالِ الْوَكَالَةَ انْعَزَلَ، وَحِينَئِذٍ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقَبْضُ لِأَنَّهُ لَا مُحْتَالَ وَلَا وَكِيلَ فِي ظَنِّهِ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَ رَدَّ مَا قَبَضَهُ عَلَى الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي ظَنِّهِ وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ) أَيْ الْمُسْتَحِقُّ أَرَدْت بِقَوْلِي، صَوَابُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: أَرَدْت بِفَتْحِ التَّاءِ بِقَوْلِك أَحَلْتُك الْوَكَالَةَ.
وَعِبَارَةُ أج: قَوْلُهُ: " أَوْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي إلَخْ " هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِيهَا مُسَامَحَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، إذْ قَوْلُهُ أَرَدْت بِقَوْلِي أَحَلْتُك الْوَكَالَةَ هِيَ بِعَيْنِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَهِيَ مُكَرَّرَةٌ، وَأَيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَدَّقَ فِيهَا الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، وَعِبَارَةُ الْمُؤَلَّفِ صَرِيحَةٌ فِي تَصْدِيقِ الْمُسْتَحِقِّ فِيهَا فَكَلَامُهُ فِيهِ تَنَاقُضٌ، فَالصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِهِ أَوْ أَرَدْت بِقَوْلِي إلَخْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: " أَوْ قَالَ أَرَدْت " بِفَتْحِ التَّاءِ " بِقَوْلِك " بِكَافٍ الْخِطَابِ، وَالضَّمِيرُ فِي " قَالَ " لِلْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ.
وَهُنَاكَ نُسْخَةٌ أُخْرَى بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ " أَرَدْت " وَبِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ فِي قَوْلِهِ " بِقَوْلِي " وَتَقْدِيرُهَا: أَوْ قَالَ أَرَدْت بِضَمِّ التَّاءِ بِقَوْلِي أَحَلْتُك الْوَكَالَةَ.
وَفِيهَا مُسَامَحَةٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُنَاسِبُ الْمُسْتَحِقَّ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ الْمُحِيلَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ عَيْنَ الثَّانِيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْقَسَمِ الْأَوَّلِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ الشَّارِحَ نَصَّ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُسْتَحِقِّ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ نَصٌّ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ، أَيْ مَحِلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ مُنْكِرِ الْحَوَالَةِ إذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَهَا وَلِلْوَكَالَةِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ وَكَالَةً صُدِّقَ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَدِينِهِ) أَيْ مَدِينِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ فِي الضَّمَانِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الِالْتِزَامُ وَشَرْعًا يُقَالُ لِالْتِزَامِ حَقٍّ ثَابِتٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ أَوْ إحْضَارُ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ أَوْ بَدَنِ مَنْ يُسْتَحَقُّ حُضُورُهُ وَيُقَالُ لِلْعَقْدِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ وَيُسَمَّى الْمُلْتَزِمُ لِذَلِكَ ضَامِنًا وَزَعِيمًا وَكَفِيلًا وَغَيْرَ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ أَخْبَارٌ كَخَبَرِ «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَخَبَرِ الْحَاكِمِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحَمَّلَ عَنْ رَجُلٍ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ» وَأَرْكَانُ ضَمَانِ الْمَالِ خَمْسَةٌ ضَامِنٌ وَمَضْمُونٌ لَهُ وَمَضْمُونٌ عَنْهُ وَمَضْمُونٌ بِهِ وَصِيغَةٌ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَنَبْدَأُ بِشَرْطِ الضَّامِنِ فَنَقُولُ (وَيَصِحُّ ضَمَانُ) مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ وَيَكُونُ مُخْتَارًا فَيَصِحُّ الضَّمَانُ مِنْ سَكْرَانَ وَسَفِيهٍ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي الضَّمَانِ]
ذَكَرَهُ بَعْدَ الْحَوَالَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَلِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا شَغْلُ ذِمَّةٍ بِدَيْنٍ لَمْ تَكُنْ مَشْغُولَةً بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَالنُّونُ فِي الضَّمَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً إنْ أُخِذَ مِنْ الضَّمِّ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَمِّ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ إنْ أُخِذَ مِنْ الضِّمْنِ لِأَنَّ الْمَالَ فِي ضِمْنِ ذِمَّةِ الضَّامِنِ، وَعِبَارَةُ ق ل: مِنْ الضِّمْنِ لِأَنَّ الْمَالَ فِي ضِمْنِ ذِمَّةِ الضَّامِنِ لَا مِنْ الضَّمِّ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَمِّ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى لِأَنَّ نُونَهُ أَصْلِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لِالْتِزَامِ) أَيْ مُطْلَقًا سَوَاءً كَانَ لِمَالٍ أَوْ لَا، وَسَوَاءً كَانَ بِعَقْدٍ أَوْ لَا.
وَالِالْتِزَامُ أَثَرُ الْعَقْدِ وَثَمَرَتُهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْتِزَامُ الْمَالِ ضَمَانًا لِأَنَّ الْمُتَكَفِّلَ بِدَيْنِ غَيْرِهِ يَجْعَلُهُ فِي ذِمَّتِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ فِي شَيْءٍ فَقَدْ ضَمَّنْتَهُ إيَّاهُ، فَالضَّمَانُ مِنْ الضِّمْنِ عَلَى هَذَا.
وَذَكَرَ أَقْسَامَ الضَّمَانِ الثَّلَاثَةَ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ أَشَارَ لِضَمَانِ الْمَالِ بِالْأَوَّلِ وَأَشَارَ لِضَمَانِ رَدِّ الْعَيْنِ بِقَوْلِهِ أَوْ إحْضَارِ عَيْنٍ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى حَقٍّ وَالِالْتِزَامُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ لِلْكَفَالَةِ بِقَوْلِهِ: أَوْ بَدَنٍ، فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى عَيْنٍ وَالْإِحْضَارُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَطْفَ ب " أَوْ " فَكُلُّ وَاحِدٍ عُطِفَ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَأَدْخَلَ " أَوْ " فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّهَا لِلتَّنْوِيعِ وَالتَّقْسِيمِ أَوْ أَنَّهُ رَسْمٌ لَا حَدٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَالُ لِلْعَقْدِ) الْمُرَادُ بِالْعَقْدِ قَوْلُهُ: ضَمِنْت أَوْ كَفَلْت، وَهَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْعَقْدَ مُرَكَّبٌ مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَحَمِيلًا وَصَبِيرًا وَقَبِيلًا؛ لَكِنَّ الْعُرْفَ خَصَّ الضَّامِنَ بِالْمَالِ مُطْلَقًا وَالزَّعِيمَ بِالْمَالِ الْعَظِيمِ وَالْكَفِيلَ بِالنَّفْسِ وَالْحَمِيلَ بِالدِّيَةِ وَالصَّبِيرُ وَالْقَبِيلُ يَعُمَّانِ الْكُلَّ ح ل. وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
ضَمَانٌ بِمَالٍ وَالزَّعِيمُ بِهِ إذَا ... يَكُونُ عَظِيمًا وَالْكَفِيلُ بِأَبْدَانِ
حَمِيلٌ بِدِيَاتٍ صَبِيرٌ يَعُمُّهَا ... كَذَاك قَبِيلٌ قَدْ أَتَاك بِإِتْقَانِ
قَوْلُهُ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» هَذَا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ» أَيْ مُوَفًّى اهـ. وَيُسَمَّى زَعِيمًا لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَعْمَى فِي أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا أَمَامَهُ، فَالْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ مَا أَمَامَهُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ أَنَّهَا سَالِكَةٌ أَوْ لَا أَوْ أَنَّ قُدَّامَهُ بِئْرٌ يَقَعُ فِيهَا أَوْ لَا، فَكَذَلِكَ الزَّعِيمُ لَا يَدْرِي هَلْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ يَدْفَعُ الدَّيْنَ أَوْ لَا أَوْ أَنَّهُ هُوَ يَسْلَمُ مِنْ الْغُرْمِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (تُحْمَلُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ مَنْعُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ سُنَّةٌ.
وَيَتَّجِهُ أَنَّ مَحِلَّهُ فِي قَادِرٍ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ يَأْمَنُ غَائِلَتَهُ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَأَرْكَانُ ضَمَانِ الْمَالِ) أَمَّا ضَمَانُ إحْضَارِ الْبَدَنِ أَوْ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ فَأَرْبَعَةٌ لِسُقُوطِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ الشَّخْصُ م د، وَفِي ع ش عَلَى م ر: أَنَّ الْخَمْسَةَ آتِيَةٌ فِي ضَمَانِ الْعَيْنِ وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ هُوَ مَنْ تَحْتَ يَدِهِ الْعَيْنُ.
قَوْلُهُ: (وَمَضْمُونٌ لَهُ) وَهُوَ صَاحِبُ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَضْمُونٌ عَنْهُ) وَهُوَ الْمَدِينُ أَيْ ضَمِنَ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَضْمُونٌ بِهِ) أَيْ الَّذِي وَقَعَ الضَّمَانُ بِسَبَبِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ وَالْأَوْلَى حَذْفُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَضْمُونٌ.
وَمَحْجُورٌ فَلَّسَ كَشِرَائِهِ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْ إلَّا بَعْدَ فَكَّ الْحَجَرِ لَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورِ سَفَهٍ وَمَرِيضٍ مَرَضَ الْمَوْتِ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَالِهِ وَمُكْرَهٌ وَلَوْ بِإِكْرَاهِ سَيِّدِهِ وَصَحَّ ضَمَانُ رَقِيقٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لَا ضَمَانُهُ لِسَيِّدِهِ وَكَالرَّقِيقِ الْمُبَعَّضِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةٌ أَوْ كَانَتْ وَضَمِنَ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ فَإِنْ عَيَّنَ لِلْأَدَاءِ جِهَةً فَذَاكَ وَإِلَّا فَمِمَّا يَكْسِبُهُ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الضَّمَانِ وَمِمَّا بِيَدِ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَضْمُونِ كَوْنُهُ حَقًّا ثَابِتًا حَالَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ كَنَفَقَةِ مَا بَعْدَ الْيَوْمِ لِلزَّوْجَةِ
وَيُشْتَرَطُ فِي (الدُّيُونِ) الْمَضْمُونَةِ أَنْ تَكُونَ لَازِمَةً.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ (الْمُسْتَقِرَّةُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ (فَيَصِحُّ الضَّمَانُ مِنْ سَكْرَانَ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَنْطُوقِ، وَالْمُرَادُ السَّكْرَانُ الْمُتَعَدِّي وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ صُدِّقَ مُدَّعِي عَدَمِ التَّعَدِّي لِأَنَّهُ الْأَصْلُ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَسَفِيهٍ) أَيْ سَفِيهٍ بَعْدَ رُشْدِهِ وَهُوَ السَّفِيهُ الْمُهْمَلُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُطَالَبْ) الْوَاوُ لِلْحَالِ.
قَوْلُهُ: (لَا مِنْ صَبِيٍّ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: (وَمَحْجُورِ سَفَهٍ) وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فَلَوْ ادَّعَى الضَّامِنُ الصِّبَا أَوْ الْجُنُونَ وَقْتَ الضَّمَانِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ أَمْكَنَ الصِّبَا وَعَهْدُ الْجُنُونُ، وَمِثْلُهُ السَّفِيهُ إنْ عُهِدَ لَهُ سَفَهٌ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى الصِّبَا أَوْ الْجُنُونَ أَوْ السَّفَهَ بَعْدَ صُدُورِ الْبَيْعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ فَاحْتِيطَ لَهُ، ز ي. قَوْلُهُ: (عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ) مَحِلُّهُ مَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ أَوْ يُوسِرُ بَعْدُ، وَإِلَّا تَبَيَّنَ صِحَّةُ ضَمَانِهِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِإِكْرَاهِ سَيِّدِهِ) أَيْ وَلَمْ يَرْضَ هُوَ بِهِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُهُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَالْإِكْرَاهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ لِأَنَّ هَذَا مَحِلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّقِيقُ رَاضِيًا بِهِ اهـ. وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَوْ بِإِكْرَاهِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ لَا تَسْلِيطَ لَهُ عَلَى ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّ ضَمَانُ رَقِيقٍ) مُكَاتَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ أَيْ أَجْنَبِيًّا لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ سَيِّدِهِ لِأَجْنَبِيٍّ.
وَلَمْ يُفَرِّعْهُ.
لِأَنَّ الْعَبْدَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لَا يُقَالُ لَهُ أَهْلُ تَبَرُّعٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ ح ل مَعَ زِيَادَةٍ.
وَقَالَ سُلْطَانٌ: أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ الْإِذْنُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا سَلْطَنَةَ لَهُ عَلَى ذِمَّةِ عَبْدِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ السَّيِّدِ بِالْقَدْرِ الْمَضْمُونِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَتُهُ الْمَضْمُونَ لَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ز ي.
قَوْلُهُ: (لَا ضَمَانُهُ لِسَيِّدِهِ) أَيْ لِأَنَّ مَا يُؤَدِّي مِنْهُ مَالُ السَّيِّدِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ ضَمَانَ السَّيِّدِ مَالَ نَفْسِهِ.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنْ يَكُونَ لِلسَّيِّدِ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَضَمِنَهُ لَهُ عَبْدُهُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: لَا ضَمَانُهُ شَخْصًا لِسَيِّدِهِ، أَمَّا ضَمَانُ دَيْنٍ عَلَى سَيِّدِهِ لِأَجْنَبِيٍّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَيَصِحُّ.
وَقَالَ الشَّارِحُ: لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَكَالرَّقِيقِ الْمُبَعَّضِ) أَيْ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ سَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَيْنَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَصَحَّ ضَمَانُ رَقِيقٍ إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يَفِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ كَسْبِهِ وَمَا بِيَدِهِ اُتُّبِعَ الرَّقِيقُ بِالْبَاقِي بَعْدَ عِتْقِهِ لِأَنَّ التَّعْيِينَ قَصْرُ الطَّمَعِ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِكَسْبِهِ وَبِمَا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ ح ل.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْإِذْنِ) أَيْ وَلَوْ قَبْلَ وُجُودِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَضْمُونَ هُنَا ثَابِتٌ وَقْتَ الْإِذْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ فَلَا يُؤَدِّي إلَّا مِمَّا يَكْسِبُهُ بَعْدَ النِّكَاحِ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَهْرِ وَالْمُؤَنِ وَقْتَ الْإِذْنِ.
قَوْلُهُ: (وَمِمَّا بِيَدِ مَأْذُونٍ لَهُ) أَيْ رِبْحًا وَرَأْسَ مَالٍ.
قَوْلُهُ: (ثَابِتًا) أَيْ مَوْجُودًا لِئَلَّا يَضِيعَ قَوْلُهُ بَعْدُ لَازِمَةً وَلَوْ بِاعْتِرَافِ الضَّامِنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمَضْمُونِ شَيْءٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مُتَضَمِّنٌ لِاعْتِرَافِهِ بِوُجُودِ شَرَائِطِهِ، فَيَلْزَمُ الضَّامِنَ الْمَالُ الَّذِي ضَمِنَهُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمَضْمُونِ لِاعْتِرَافِ الضَّامِنِ بِهِ بِسَبَبِ ضَمَانِهِ، وَكَذَا قَبُولُهُ الْحَوَالَةَ مُتَضَمِّنٌ لِاعْتِرَافِهِ بِوُجُودِ شَرَائِطِهَا.
قَوْلُهُ: (مَا بَعْدَ الْيَوْمِ) أَمَّا نَفَقَةُ الْيَوْمِ وَمَا قَبْلَهُ فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا لِوُجُوبِهَا.
قَوْلُهُ: (لِلزَّوْجَةِ) خَرَجَ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ، فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا مُطْلَقًا لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ وَلِسُقُوطِهَا بِمُضِيِّ الزَّمَانِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ نَفَقَةِ الْقَرِيبِ سَبِيلُ الْبَرِّ أَيْ الْإِحْسَانِ، أَيْ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَيْضًا، بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فَسَبِيلُهَا الْوُجُوبُ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي مُقَابَلَةِ التَّمَتُّعِ، فَنَفَقَتُهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ س ل.
قَوْلُهُ: (فِي الدُّيُونِ) لَا يَخْفَى أَنَّهَا هِيَ الْمَضْمُونُ الْمَذْكُورُ قَبْلَهَا، فَهُوَ مُكَرَّرٌ فَتَأَمَّلْهُ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ: الْمُتَقَدِّمُ كَوْنُ الْمَضْمُونِ ثَابِتًا وَهَذَا كَوْنُهُ لَازِمًا وَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الثُّبُوتِ الْوُجُودُ لِإِخْرَاجِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ فِي الْغَدِ وَمَفْهُومُ اللُّزُومِ أَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ الْإِبْطَالُ لِإِخْرَاجِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَجَعْلِ الْجِعَالَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ م د.
قَوْلُهُ: (لَازِمَةً) وَلَوْ مَآلًا.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَقِرَّةُ إلَخْ) تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ اللُّزُومُ فَلَا تَغْفُلْ ق ل. وَقِيلَ: الْمُرَادُ
فِي الذِّمَّةِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ يَصِحُّ ضَمَانُهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِرَّةً، كَالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى الِاسْتِقْرَارِ لَا كَنُجُومِ كِتَابَةٍ لِأَنَّ لِلْمُكَاتَبِ إسْقَاطَهَا بِالْفَسْخِ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّوَثُّقِ عَلَيْهِ.
وَيَصِحُّ الضَّمَانُ عَنْ الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِهَا لِأَجْنَبِيٍّ لَا لِلسَّيِّدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا يَسْقُطُ أَيْضًا عَنْ الْمُكَاتَبِ بِعَجْزِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَيَصِحُّ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ بِنَفْسِهِ، فَأُلْحِقَ بِاللَّازِمِ وَصِحَّةُ الضَّمَانِ فِي الدُّيُونِ مَشْرُوطَةٌ بِمَا (إذَا عَلِمَ) الضَّامِنُ (قَدْرَهَا) وَجِنْسَهَا وَصِفَتَهَا لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ لِآدَمِيٍّ بِعَقْدٍ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا فَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَأَحَدِ الدَّيْنَيْنِ وَالْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ الْمَجْهُولِ جِنْسًا أَوْ قَدْرًا أَوْ صِفَةً بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الرِّضَا وَلَا يُعْقَلُ
[حاشية البجيرمي]
بِالْمُسْتَقِرِّ الَّتِي أُمِنَ مِنْ سُقُوطِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمُؤَنُ) أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ الضَّمَانُ عَنْ الْمُكَاتَبِ) أَيْ يَصِحُّ أَنْ يَضْمَنَ أَجْنَبِيٌّ مُكَاتَبًا فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ لِأَجْنَبِيٍّ لَا لِسَيِّدِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ نُجُومِ الْكِتَابَةِ إذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ سَقَطَ أَيْضًا، أَيْ فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ ضَمَانُهَا لِلسَّيِّدِ.
وَحِينَئِذٍ يُسْأَلُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانِهِ لَهُ فَلَا يَصِحُّ وَالْحَوَالَةِ مِنْ السَّيِّدِ بِهَا أَيْ بِدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ غَيْرِ النُّجُومِ عَلَيْهِ أَوْ الْحَوَالَةِ مِنْهُ لِلسَّيِّدِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِمْ دُيُونُ مُعَامَلَةٍ حَيْثُ صَحَّ؟ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الضَّمَانَ لِلْأَمْنِ مِنْ سُقُوطِ الْمَالِ وَهَذَا مَأْمُونٌ بِالتَّعْجِيزِ لِرُجُوعِ مَالِ الْمُكَاتَبِ لِلسَّيِّدِ؟ وَأَمَّا الْحَوَالَةُ فَإِنَّهَا مِنْ السَّيِّدِ رِضًا بِوَفَاءِ دَيْنِهِ مِمَّا فِي.
يَدِ عَبْدِهِ فَلَمْ يَمْتَنِعْ.
وَقَالَ م ر: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْحَوَالَةِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ كَمَا بَيَّنَّاهُ ثَمَّ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَقَّ هُنَاكَ لِثَالِثٍ فَقَوِيَ وَأَفَادَ، وَهُنَا لِلسَّيِّدِ؛ لَكِنَّ هَذَا لَا يَجْرِي فِي حَوَالَةِ الْمُكَاتَبِ لِلسَّيِّدِ وَإِنَّمَا يَجْرِي فِي حَوَالَةِ السَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَائِزٌ اهـ. وَفَرَّقَ ابْنُ الْفَقِيهِ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ رُخْصَةٌ دُونَ الضَّمَانِ فَاغْتُفِرَ فِيهَا مَا لَمْ يُغْتَفَرْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي لِتَمَلُّكِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ، ز ي.
قَوْلُهُ: (إذَا عُلِمَ) هُوَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، وَخَالَفَهُ الشَّارِحُ وَلَزِمَ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ الْإِعْرَابِ الظَّاهِرِ وَهُوَ مَعِيبٌ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ: لَا مَانِعَ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَتْنِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ لِلْعِلْمِ بِهِ، فَيَكُونُ مِنْ حَذْفِ الْفَاعِلِ عَلَى الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ لِإِفَادَةِ أَنَّ عِلْمَهُ كَافٍ عَنْ عِلْمِ الْمَضْمُونِ لَهُ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ عُلِمَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِإِيهَامِهِ بِذَلِكَ الِاكْتِفَاءَ بِعِلْمِ غَيْرِ الضَّامِنِ كَالْمَضْمُونِ لَهُ أَوْ وَكِيلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ق ل فِي قَوْلَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً؛ لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِلدُّيُونِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَالْإِبْرَاءُ إلَخْ) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ لِمُنَاسَبَةِ عَدَمِ صِحَّةِ ضَمَانِ الْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الدَّيْنِ) لَوْ سَكَتَ عَنْ الدَّيْنِ لِيَدْخُلَ نَحْوُ الْغِيبَةِ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ مَنْ اغْتَابَ إنْسَانًا وَطَلَبَ مِنْهُ الْإِبْرَاءَ فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ مَا اغْتَابَهُ بِهِ وَمَنْ حَضَرَهُ صَحَّتْ بَرَاءَتُهُ وَإِلَّا فَلَا ق ل. قَالَ أج: وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: وَلَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ كَذَا هَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي الْبَرَاءَةِ أَوْ كِنَايَةٌ فِيهِ؟ وَجْهَانِ اهـ دَمِيرِيٌّ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغِيبَةَ إذَا لَمْ تَصِلْ لِلْمُغْتَابِ تُكَفَّرُ بِالِاسْتِغْفَارِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَصَلَتْ إلَيْهِ وَلَوْ بِقَوْلِهِ أَبْرِئْنِي لَا بُدَّ مِنْ الْإِبْرَاءِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ إلَّا بِعِلْمِهِ بِهَا تَفْصِيلًا، وَلَا يَتَوَقَّفُ الْإِبْرَاءُ عَلَى لَفْظِ الْإِبْرَاءِ بَلْ يَكْفِي: سَامَحَك اللَّهُ، أَوْ.
أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَك مِنْ الْعُثُورِ وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْغِيبَةِ.
وَإِذَا أَبْرَأَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ الْمُبَرَّأُ عَلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يُبْرِئْهُ فِي الدُّنْيَا.
فَإِنْ أَبْرَأَهُ فِي الْآخِرَةِ كَفَى بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقَعْ إبْرَاءٌ أَصْلًا.
وَلَوْ أَبْرَأَ ثُمَّ ادَّعَى الْجَهْلَ قُبِلَ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا؛ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِي الْأَنْوَارِ أَنَّهُ إنْ بَاشَرَ سَبَبَ الدَّيْنِ لَمْ يُقْبَلْ وَإِلَّا كَدَيْنٍ وَرِثَهُ قَبْلُ.
وَفِي الْجَوَاهِرِ نَحْوُهُ، وَفِيهَا عَنْ الزَّبِيلِيَّ تَصْدِيقُ الصَّغِيرَةِ الْمُزَوَّجَةِ إجْبَارًا بِيَمِينِهَا فِي جَهْلِهَا بِمَهْرِهَا؛ قَالَ الْغَزِّيُّ: وَكَذَا الْكَبِيرَةُ الْمُجْبَرَةُ إنْ دَلَّ الْحَالُ عَلَى جَهْلِهَا.
وَيَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاءِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ فَيَمْلِكُ الدَّائِنُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
الْعِوَضَ الْمَبْذُولَ لَهُ بِالْإِبْرَاءِ وَيَبْرَأُ الْمَدِينُ، وَطَرِيقُ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ قَدْرٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْقُصُ عَنْ دَيْنِهِ كَأَلْفٍ شَكَّ هَلْ يَبْلُغُهَا أَوْ يَنْقُصُ عَنْهَا وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ مُعْتَقِدًا عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ فَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ بَرِئَ اهـ شَرْحُ م ر. وَكَتَبَ عَلَيْهِ ع ش: قَوْلُهُ: " وَيَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ " أَيْ كَأَنْ يُعْطِيَهُ " ثَوْبًا مَثَلًا فِي مُقَابَلَةِ الْإِبْرَاءِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، أَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ بَعْضَ الدَّيْنِ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ الْبَاقِي فَلَيْسَ مِنْ التَّعْوِيضِ فِي شَيْءٍ بَلْ مَا قَبَضَهُ بَعْضُ حَقِّهِ وَالْبَاقِي مَا عَدَاهُ اهـ. وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَيْهِ فَيَمْلِكُ الدَّائِنُ عِبَارَةُ الشَّارِحِ قُبَيْلَ فَصْلِ الطَّرِيقِ النَّافِذِ نَصُّهَا وَإِنْكَارُ حَقِّ الْغَيْرِ حَرَامٌ، فَلَوْ بَذَلَ لِلْمُنْكِرِ مَالًا لِيُقِرَّ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ بَلْ يَحْرُمُ بَذْلُهُ وَأَخْذُهُ لِذَلِكَ وَلَا يَكُونُ بِهِ مُقِرًّا كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْأَنْوَارِ؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ بِشَرْطٍ.
قَالَ فِي الْخَادِمِ: يَنْبَغِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَعْتَقِدَ فَسَادَ الصُّلْحِ فَيَصِحَّ أَوْ يَجْهَلَهُ، فَلَا كَمَا فِي نَظَائِرِهِ مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ عَلَى الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ اهـ.
أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُصَوَّرَ مَا هُنَا بِمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِالْمُوَاطَأَةِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ ثُمَّ دَفَعَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُك عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا، كَانَ كَمَا لَوْ قَالَ: صَالَحْتُك عَلَى أَنْ تُقِرَّ لِي عَلَى أَنَّ لَك عَلَيَّ كَذَا؛ فَكَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ بِالْبُطْلَانِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الشَّرْطِ يُقَالُ هُنَا كَذَلِكَ لِاشْتِمَالِ الْبَرَاءَةِ عَلَى الشَّرْطِ.
وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ وَالِاسْتِغْفَارُ أَيْ لِلْمُغْتَابِ حَجّ: كَأَنْ يَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِفُلَانٍ، أَوْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي غِيبَةِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَأَمَّا غِيبَةُ الصَّبِيِّ فَهَلْ يُقَالُ فِيهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ؟ وَهُوَ أَنَّهَا إذَا بَلَغَتْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ وَذِكْرِهَا لَهُ وَذَكَرَ مَنْ ذَكَرْت مَنْ عِنْدَهُ أَيْضًا بَعْدَ الْبُلُوغِ لِأَنَّ بَرَاءَتَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، أَوْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاسْتِغْفَارِ حَالًا مُطْلَقًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِحْلَالِ مِنْهُ الْآنَ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: أَطْلَقَ السُّيُوطِيّ فِيمَنْ خَانَ رَجُلًا فِي أَهْلِهِ بِزِنًا أَوْ غَيْرِهِ لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْهُ إلَّا بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ، وَمِنْهَا اسْتِحْلَالُهُ بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ لَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِأَنْ أَكْرَهَهَا فَهَذَا كَمَا وَصَفْنَا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِأَنْ تَكُونَ مُطَاوِعَةً فَهَذَا قَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي إزَالَةِ ضَرَرِهِ فِي الْآخِرَةِ بِضَرَرِ الْمَرْأَةِ فِي الدُّنْيَا وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسُوغَ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إخْبَارُهُ بِهِ وَإِنْ أَدَّى إلَى بَقَاءِ ضَرَرِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا وَنَحْكُمُ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ إذَا عَلِمَ اللَّهُ حُسْنَ النِّيَّةِ، وَيَحْتَمِل أَنْ يُكَلَّفَ الْإِخْبَارَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَكِنْ يَذْكُرُ مَعَهُ مَا يَنْفِي الضَّرَرَ عَنْهَا بِأَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ أَكْرَهَهَا؛ وَيَجُوزُ الْكَذِبُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَهَذَا فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي وَلَوْ خَافَ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ عُذْرًا لِأَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ بِضَرَرِ الدُّنْيَا مَطْلُوبٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُعْذَرُ بِذَلِكَ وَيُرْجَى مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَرْضَى عَنْهُ خَصْمُهُ إذَا عَلِمَ مِنْهُ حُسْنَ نِيَّتِهِ وَلَوْ لَمْ يَرْضَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي الْغِيبَةِ وَالزِّنَا وَنَحْوِهِمَا أَنْ يَعْفُوَ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ، فَلَهُ بَذْلُهُ سَبَبًا فِي خَلَاصِ ذِمَّتِهِ.
ثُمَّ رَأَيْت الْغَزَالِيَّ قَالَ فِيمَنْ خَانَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ: لَا وَجْهَ لِلِاسْتِحْلَالِ وَالْإِظْهَارِ، فَإِنَّهُ يُولِدُ فِتْنَةً وَغَيْظًا، بَلْ تَفْزَعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتُرْضِيَهُ عَنْك اهـ: أَقُولُ: الْأَقْرَبُ مَا اقْتَضَاهُ.
كَلَامُ الْغَزَالِيِّ، حَتَّى لَوْ أَكْرَهَ الْمَرْأَةَ عَلَى الزِّنَا لَا يَسُوغُ لَهُ ذِكْرُ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا إذَا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ غَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ عِرْضِهَا وَيَجِبُ عَلَيْهَا الِاسْتِغَاثَةُ وَلَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، وَحِينَئِذٍ تَمُوتُ شَهِيدَةً وَيَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِكْرًا وَثَيِّبًا وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا إثْمَ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْمُكْرَهَةُ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ وَلَا إثْمَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهُ يُحَدُّ الذَّكَرُ دُونَ الْأُنْثَى؛ وَالْفَرْقُ أَنَّ الذَّكَرَ لَهُ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ بِانْتِشَارِ الذَّكَرِ دُونَ الْأُنْثَى اهـ. وَبَقِيَ مَا لَوْ اغْتَابَ ذِمِّيًّا فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ لِيَتَخَلَّصَ هُوَ مِنْ إثْمِ الْغِيبَةِ أَوْ لَا وَيَكْتَفِي بِالنَّدَمِ لِامْتِنَاعِ الدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ لِلْكَافِرِ؛ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِمَغْفِرَةِ غَيْرِ الشِّرْكِ أَوْ كَثْرَةِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ مَعَ النَّدَمِ؛ وَأَمَّا دُعَاءُ الْخَلِيلِ لِأَبِيهِ: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: 4] فَكَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ الدُّعَاءِ بِدَلِيلِ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ﴾ [التوبة: 114]
مَعَ الْجَهَالَةِ، وَلَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْأَعْيَانِ.
وَيَصِحُّ ضَمَانُ رَدِّ كُلِّ عَيْنٍ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَغْصُوبَةٍ وَمُسْتَعَارَةٍ، كَمَا يَصِحُّ بِالْبَدَنِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الْمَالُ، وَيَبْرَأُ الضَّامِنُ بِرَدِّهَا لِلْمَضْمُونِ لَهُ وَيَبْرَأُ أَيْضًا بِتَلَفِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ بِبَدَنِهِ لَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ الدَّيْنُ.
وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْت مِمَّا لَك عَلَى زَيْدٍ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ صَحَّ وَكَانَ ضَامِنًا تِسْعَةً إدْخَالًا لِلطَّرَفِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مَبْدَأُ الِالْتِزَامِ، وَقِيلَ عَشْرَةٌ إدْخَالًا لِلطَّرَفَيْنِ فِي الِالْتِزَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: رَجَّحَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثٍ وُقُوعَ الثَّلَاثِ، وَقِيَاسُهُ تَعَيُّنُ الْعَشَرَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ مَحْصُورٌ فِي عَدَدٍ فَالظَّاهِرُ اسْتِيفَاؤُهُ بِخِلَافِ الدَّيْنِ.
وَلَوْ ضَمِنَ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةٍ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ.
وَشُرِطَ فِي الصِّيغَةِ لِلضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ الْآتِيَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ كَضَمِنْتُ دَيْنَك الَّذِي عَلَى فُلَانٍ، أَوْ تَكَفَّلْت بِبَدَنِهِ وَلَا يَصِحَّانِ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ أَصِيلٍ لِمُخَالَفَتِهِ مُقْتَضَاهُمَا، وَلَا بِتَعْلِيقٍ وَلَا بِتَوْقِيتٍ.
وَلَوْ كَفَلَ بَدَنَ غَيْرِهِ وَأَجَّلَ إحْضَارَهُ
[حاشية البجيرمي]
إلَخْ.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ أَتَى بَهِيمَةَ غَيْرِهِ.
فَهَلْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إظْهَارٌ لِقُبْحِ مَا صَنَعَهُ أَوْ لَا وَيَكْفِي النَّدَمُ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي، وَيُفَارِقُ مَا لَوْ أَتَى أَهْلَ غَيْرِهِ حَيْثُ امْتَنَعَ الْإِخْبَارُ بِمَا وَقَعَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ وَلِأَهْلِهَا فَامْتَنَعَ لِذَلِكَ وَلَا كَذَلِكَ الْبَهِيمَةُ اهـ. وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ " وَتَعْيِينُ حَاضِرِيهَا ": هَذَا مِمَّا لَا مَحِيصَ عَنْهُ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَتْهُ وَقَبْلَ الْإِبْرَاءِ لَمْ يَصِحَّ إبْرَاءُ وَارِثِهِ بِخِلَافِهِ فِي الْمَالِ: م ر سم عَلَى حَجّ.
قَوْلُهُ: (الْمَجْهُولُ) أَيْ الَّذِي، لَا تُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ، بِخِلَافِ مَا تُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ كَإِبْرَائِهِ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ تَرِكَةِ مُورَثِهِ التَّالِفَةِ حَتَّى يَصِحَّ الْإِبْرَاءُ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْأَعْيَانِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَ حِصَّتِهِ لَكِنَّهُ يَعْلَمُ قَدْرَ التَّرِكَةِ ح ل، فَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِالتَّرِكَةِ كَمَا فِي م ر وَلَوْ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَاطِلٌ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْمُبَرِّئِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْمَدِينُ فَإِنْ كَانَ الْإِبْرَاءُ فِي مُعَاوَضَةٍ كَالْخُلْعِ بِأَنْ أَبْرَأَتْهُ مِمَّا عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ أَيْضًا حَتَّى يَصِحَّ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ز ي. وَمَحِلُّ الْبُطْلَانِ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَا مُطَالَبَةَ بِهِ لِرِضَا صَاحِبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعْقَلُ) أَيْ الرِّضَا.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ ضَمَانُ رَدِّ كُلِّ عَيْنٍ إلَخْ) فَالدُّيُونُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ، وَقَوْلُهُ: " مِمَّنْ هِيَ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " رَدُّ " وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَتِمَّ الْكَلَامُ عَلَى ضَمَانِ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ عَيْنٍ) أَيْ بِشَرْطِ إذْنِ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ عَلَى انْتِزَاعِهَا مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا لِنَحْوِ تَلَفٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيَصِحُّ ضَمَانُ رَدِّ الْأَعْيَانِ إنْ قَدَرَ الضَّامِنُ عَلَى الِانْتِزَاعِ أَوْ أَذِنَ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ.
فَضَمَانُ رَدِّ الْأَعْيَانِ مَشْرُوطٌ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ مَضْمُونَةً، وَالثَّانِي: أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ وَاضِعُ الْيَدِ أَوْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الِانْتِزَاعِ؛ فَلَوْ ظَنَّ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الِانْتِزَاعِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ لَمْ يَصِحَّ الضَّمَانُ؛ وَفِي صُورَةِ الصِّحَّةِ يُطَالَبُ بِرَدِّ الْعَيْنِ فَإِنْ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَكَفَّلَ بِبَدَنِ شَخْصٍ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ حُضُورُهُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْمَالَ أَيْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُغَرِّمَهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (مَضْمُونَةٍ) بِالْجَرِّ نَعْتُ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا) أَيْ فِي ضَمَانِ رَدِّ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ قَبْلَ الْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي قَالَهُ؛ لِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْمَتْنِ.
وَقَوْلُهُ: (وَشَرْطٌ فِي الصِّيغَةِ) كَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَيَصِحُّ ضَمَانُ رَدِّ كُلِّ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ إلَخْ) وَسَيَأْتِي فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ أَنَّهُ يُحِيلُ عَلَى مَا هُنَا وَيَقُولُ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ؛ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ وَنَحْوَ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَمُرَّ هُنَا ذَلِكَ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُرِيدُ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ لَا فِي كَلَامِهِ هَذَا، وَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَذْكُرَ هُنَا الَّذِي يُحِيلُ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَوْ يَسْكُتَ هُنَاكَ عَنْ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْ الْحَوَالَةِ أَنَّهُ مَرَّ فِي كَلَامِهِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: خَرَجَ مَا لَا يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ نَحْوُ دَيْنُ فُلَانٍ إلَيَّ أَوْ أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ إذَا خَلَا عَنْ النِّيَّةِ فَلَيْسَ بِضَمَانٍ بَلْ وَعْدٌ أَيْ فَيَكُونُ كِنَايَةً.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ بَرَاءَةِ أَصِيلٍ إلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمَضْمُونِ عَنْهُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى أَصِيلًا، وَأَمَّا الْمَكْفُولُ فَلَا يُسَمَّى أَصِيلًا.
قَالَ ع ش: هَذَا ظَاهِرٌ فِي الضَّمَانِ، وَمَعْنَاهُ فِي الْكَفَالَةِ إبْرَاءُ الْكَفِيلِ بِأَنْ يَقُولَ: تَكَفَّلْت بِإِحْضَارِ
لَهُ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ صَحَّ لِلْحَاجَةِ كَضَمَانِ حَالٍ مُؤَجَّلًا بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ.
وَيَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّ الضَّامِنِ وَيَصِحُّ ضَمَانُ الْمُؤَجَّلِ حَالًا، وَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ تَعْجِيلُ الْمَضْمُونِ وَإِنْ الْتَزَمَهُ حَالًا كَمَا الْتَزَمَهُ الْأَصِيلُ.
(وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ) وَلَوْ وَارِثًا (مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْ الضَّامِنِ) وَلَوْ مُتَبَرِّعًا (وَالْمَضْمُونُ عَنْهُ) بِأَنْ يُطَالِبَهُمَا جَمِيعًا أَوْ يُطَالِبَ أَيَّهمَا شَاءَ بِالْجَمِيعِ، أَوْ يُطَالِبَ أَحَدَهُمَا بِبَعْضِهِ وَالْآخَرَ بِبَاقِيهِ أَمَّا الضَّامِنُ فَلِخَبَرِ: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» وَأَمَّا الْأَصِيلُ فَلِأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ عَلَيْهِ.
وَلَوْ بَرِئَ الْأَصِيلُ مِنْ الدَّيْنِ بَرِئَ الضَّامِنُ مِنْهُ، وَلَا عَكْسَ فِي إبْرَاءٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرِئَ بِغَيْرِ إبْرَاءٍ كَأَدَاءٍ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلٌ حَلَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ خَرِبَتْ بِخِلَافِ الْحَيِّ فَلَا يَحِلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِالْأَجَلِ.
وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ فِي الْمُطَالَبَةِ (إذَا كَانَ الضَّمَانُ) صَحِيحًا (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الدِّينِ لَازِمًا مَعْلُومَ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ
[حاشية البجيرمي]
مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَكَفَّلَ بِهِ قَبْلُ بَرِئَ بِأَنْ تَكَفَّلَ بِهِ إنْسَانٌ قَبْلُ اهـ. وَفِي كَوْنِ هَذَا يُسَمَّى أَصِيلًا نَظَرٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَصِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِي.
قَوْلُهُ: (لِمُخَالَفَتِهِ مُقْتَضَاهُمَا) يُؤْخَذُ مِنْهُ الْبُطْلَانُ أَيْضًا بِشَرْطِ عَدَمِ مُطَالَبَتِهِ، سم.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِتَعْلِيقٍ) نَحْوُ إذَا جَاءَ الْغَدُ فَقَدْ ضَمِنْت مَا عَلَى فُلَانٍ أَوْ تَكَفَّلْت بِبَدَنِهِ وَأَعَادَ الْبَاءَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَى بَرَاءَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِتَوْقِيتٍ) نَحْوُ: أَنَا ضَامِنٌ مَا عَلَى فُلَانٍ أَوْ كَفِيلٌ بِبَدَنِهِ إلَى شَهْرٍ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَأَجَلُ إحْضَارِهِ لَهُ بِأَجَلٍ) نَحْوُ: أَنَا كَفِيلٌ بِفُلَانٍ أُحْضِرُهُ بَعْدَ شَهْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ تَعْجِيلٌ) لِأَنَّ الْأَجَلَ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لِلْأَصِيلِ، وَعَلَيْهِ إذَا مَاتَ الْأَصِيلُ حَلَّ عَلَيْهِمَا أَوْ مَاتَ الضَّامِنُ حَلَّ عَلَيْهِ، اهـ م ر أج.
قَوْلُهُ: (وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ إلَخْ) هَذَا ثَمَرَةُ الضَّمَانِ وَفَائِدَتُهُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الذِّمَّتَيْنِ إنَّمَا اُشْتُغِلَتَا بِدَيْنٍ وَاحِدٍ كَالرَّهْنَيْنِ بِدَيْنٍ فَهُوَ كَفَرْضِ الْكِفَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْكُلِّ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، فَالتَّعَدُّدُ فِيهِ لَيْسَ فِي ذَاتِهِ بَلْ بِحَسَبِ ذَاتَيْهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ حَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَتَأَجَّلَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا فَقَطْ.
وَلَوْ أَفْلَسَ الْأَصِيلُ وَطَلَبَ الضَّامِنُ بَيْعَ مَالِهِ أَوَّلًا أُجِيبَ إنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ اهـ حَجّ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُتَبَرِّعًا) أَيْ بِالضَّمَانِ بِأَنْ ضَمِنَ بِلَا إذْنٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَرِئَ الْأَصِيلُ) أَيْ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ أَوْ حَوَالَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَكْسَ فِي إبْرَاءٍ) أَيْ لَوْ بَرِئَ الضَّامِنُ بِإِبْرَاءٍ لَمْ يَبْرَأْ الْأَصِيلُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْوَثِيقَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الدَّيْنُ كَفَكِّ الرَّهْنِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
فَيَكُونُ مَحِلُّ ذَلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ الضَّمَانِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ، فَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّيْنِ بَرِئَا لِاتِّحَادِهِ.
وَفِيمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ نَظَرٌ لِأَنَّ صُورَةَ كَلَامِ الشَّارِحِ فِيمَا إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ.
الدَّيْنِ لِأَنَّهُ الَّذِي قُيِّدَ بِهِ فِي جَانِبِ الْأَصِيلِ، وَجُعِلَ إبْرَاءُ الضَّامِنِ عَكْسًا لَهُ، فَالْعَكْسُ لَا يَأْتِي، لَا فِي الْإِبْرَاءِ مِنْ الدَّيْنِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَشَمِلَ كَلَامُهُ، أَيْ قَوْلُهُ: " وَلَا عَكْسَ فِي إبْرَاءِ " مَا لَوْ أَبْرَأَ الضَّامِنُ مِنْ الدَّيْنِ، فَلَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ إلَّا إنْ قَصَدَ إسْقَاطَهُ عَنْ الْمَضْمُونِ اهـ. فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِلضَّامِنِ: أَبْرَأْتُك مِنْ الضَّمَانِ لَمْ يَبْرَأْ الْأَصِيلُ، وَإِنْ قَالَ لَهُ: أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إسْقَاطَهُ عَنْ الْمَضْمُونِ لَمْ يَبْرَأْ أَيْضًا وَإِلَّا بَرِئَ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ بَرِئَ) أَيْ الضَّامِنُ بِغَيْرِ إبْرَاءٍ، أَيْ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ الْأَصِيلُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا) وَمِثْلُهُ اسْتِرْقَاقُ الْحَرْبِيِّ وَالرِّدَّةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْمَوْتِ، ز ي. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذِمَّتَهُ خَرِبَتْ) الْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْعُهْدَةُ وَالِالْتِزَامُ، وَقَوْلُهُ: " خَرِبَتْ " أَيْ خَرِبَ مَحِلُّهَا اهـ عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْحَيِّ) مَا لَمْ يَكُنْ الْأَجَلُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لِلْمَيِّتِ، قَالَهُ ق ل. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا مَاتَ الْأَصِيلُ حَلَّ عَلَى الضَّامِنِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حَالًا فَإِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَثْبُتُ الْأَجَلُ فِي حَقِّهِ تَبَعًا كَمَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَابْنُ الْمُقْرِي.
وَعَلَيْهِ إذَا مَاتَ الْأَصِيلُ حَلَّ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ مَاتَ الضَّامِنُ حَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا م ر ز ي. وَقَوْلُهُ: " حَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا " أَيْ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي حَقِّهِ يَكُونُ تَبَعًا كَمَا عُرِفَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يُرْتَفَقُ) أَيْ يُنْتَفَعُ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ الضَّمَانُ إلَخْ) هَذَا مَعْلُومٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ ضَامِنٌ إلَّا إذَا كَانَ
وَالصِّفَةِ وَشَرَطَ فِي الْمَضْمُونِ لَهُ.
هُوَ الدَّائِنُ مَعْرِفَةَ الضَّامِنِ عَيْنِهِ لِتَفَاوُتِ النَّاسِ فِي اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ تَشْدِيدًا وَتَسْهِيلًا، وَمَعْرِفَةُ وَكِيلِهِ كَمَعْرِفَتِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَإِنْ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يُوَكِّلُ إلَّا مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ لِأَنَّ الضَّمَانَ مَحْضُ الْتِزَامٍ لَمْ يُوضَعْ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعَاقَدَاتِ وَلَا رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَدِينُ، وَلَا مَعْرِفَتُهُ لِجَوَازِ التَّبَرُّعِ بِأَدَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
(وَإِذَا غَرِمَ الضَّامِنُ) الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ (رَجَعَ) بِمَا غَرِمَهُ (عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إذَا كَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ) لِلدَّيْنِ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الْمَضْمُونُ عَنْهُ لَهُ فِيهِمَا لِأَنَّهُ صَرَفَ مَالَهُ إلَى مَنْفَعَةِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ، هَذَا إذَا أَدَّى مِنْ مَالِهِ.
أَمَّا لَوْ أَخَذَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ فَأَدَّى بِهِ الدَّيْنَ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ وَإِنْ انْتَفَى إذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالْأَدَاءِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِتَبَرُّعِهِ، فَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ وَسَكَتَ عَنْ الْأَدَاءِ رَجَعَ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي سَبَبِ الْأَدَاءِ، وَلَا يَرْجِعُ إذَا ضَمِنَ بِغَيْرِ الْإِذْنِ وَأَدَّى بِالْإِذْنِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ بِسَبَبِ الضَّمَانِ وَلَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ.
نَعَمْ لَوْ أَدَّى بِشَرْطِ الرُّجُوعِ رَجَعَ كَغَيْرِ الضَّامِنِ، وَحَيْثُ ثَبَتَ الرُّجُوعُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَرْضِ حَتَّى يَرْجِعَ فِي الْمُتَقَوِّمِ بِمِثْلِهِ صُورَةً كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
وَمَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِإِذْنٍ وَلَا ضَمَانَ رَجَعَ وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ الرُّجُوعَ لِلْعُرْفِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَدَّاهُ بِلَا إذْنٍ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ مُؤَدٍّ وَلَوْ ضَامِنًا إذَا أَشْهَدَ بِذَلِكَ وَلَوْ رَجُلًا لِيَحْلِفَ
[حاشية البجيرمي]
مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ فَهُوَ شَرْطٌ فِي أَصْلِ الضَّمَانِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطٌ فِي الْمَضْمُونِ لَهُ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُهَا عَلَى الْمَتْنِ لِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ: (مَعْرِفَةُ الضَّامِنِ إلَخْ) وَكَذَا مَعْرِفَةُ السَّيِّدِ إنْ كَانَ الضَّامِنُ عَبْدَهُ بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ يُطَالِبُ كُلًّا مِنْ الْعَبْدِ وَالسَّيِّدِ الْآذِنِ اهـ حَجّ.
وَإِنَّمَا كَفَتْ مَعْرِفَةُ عَيْنِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عِنْوَانُ الْبَاطِنِ ح ل. قَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةُ وَكِيلِهِ) أَيْ وَكِيلِهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْغَالِبَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ كَمَعْرِفَتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُوضَعْ عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعَاقَدَاتِ) وَجْهُ ذَلِكَ كَوْنُهُ لَا مُقَابِلَ لَهُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْجِعَالَةِ وَالْهِبَةِ الَّتِي بِثَوَابٍ وَمَا شَاكَلَهَا مِمَّا لَهُ مُقَابِلٌ.
قَوْلُهُ: (رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ ضَمِنَ بِالْإِذْنِ رَجَعَ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءً أَدَّى بِالْإِذْنِ أَمْ لَا.
وَإِنْ ضَمِنَ بِغَيْرِ الْإِذْنِ فَلَا رُجُوعَ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءً أَدَّى بِغَيْرِ الْإِذْنِ أَيْضًا أَوْ بِالْإِذْنِ إنْ لَمْ يَشْرُطْ الرُّجُوعَ فِي الْأَخِيرَةِ، أَعْنِي فِيمَا إذَا أَدَّى بِالْإِذْنِ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ بِالْأَدَاءِ ثُمَّ ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ ثُمَّ أَدَّى، فَقَالَ الطَّبَلَاوِيُّ: لَا رُجُوعَ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ يَقَعُ عَنْ جِهَةِ الضَّمَانِ بِوُجُوبِ الْأَدَاءِ بِهِ وَهُوَ بِغَيْرِ الْإِذْنِ، وَقَالَ ابْنُ الرَّمْلِيِّ: إنْ أَدَّى عَنْ جِهَةِ الْإِذْنِ السَّابِقِ رَجَعَ أَوْ عَنْ الضَّمَانِ فَلَا، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ؛ وَقَرَّرَ فِي الْعَكْسِ كَذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ضَمِنَ بِلَا إذْنٍ ثُمَّ أَدَّى بِإِذْنٍ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ رَجَعَ إنْ أَدَّى عَنْ جِهَةِ الْإِذْنِ وَإِلَّا فَلَا، فَرَاجِعْهُ سم، وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ أَرْبَعُ صُوَرٍ: الْأُولَى: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الضَّمَانِ وَفِي الْقَضَاءِ، الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْتَفِيَ الْأَمْرَانِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَدَاءِ فَقَطْ؛ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ يَرْجِعُ وَفِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ لَا يَرْجِعُ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَضَاءُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ لِلضَّامِنِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِإِذْنِهِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ أَخَذَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ) وَمَحِلُّ جَوَازِ أَخْذِهِ إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ أَدَّى) أَيْ فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِ الضَّامِنِ) التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَمَانٌ وَأَدَّى بِالْإِذْنِ يَرْجِعُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إذَا ضَمِنَ بِغَيْرِ الْإِذْنِ وَأَدَّى بِالْإِذْنِ إنْ شَرَطَ الرُّجُوعَ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَحَيْثُ ثَبَتَ الرُّجُوعُ) بِأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الضَّمَانِ أَوْ فِي الْأَدَاءِ وَأَدَّى بِشَرْطِ الرُّجُوعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا ضَمَانَ) أَيْ مَوْجُودٌ، وَتَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْجَرِّ أَيْ وَبِلَا ضَمَانٍ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ الرُّجُوعَ) لَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ سَابِقًا، نَعَمْ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْأَدَاءِ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ رَجَعَ لِأَنَّهُ هُنَاكَ ضَامِنٌ بِلَا إذْنٍ، فَلَمَّا وُجِدَ هُنَاكَ سَبَبُ الْأَدَاءِ غَيْرَ الْإِذْنِ فِيهِ وَهُوَ كَوْنُ الْأَدَاءِ عَنْ جِهَةِ الضَّمَانِ الَّذِي بِلَا إذْنٍ اُعْتُبِرَ شَرْطُ الرُّجُوعِ وَمِنْ ثَمَّ اُشْتُرِطَ فِي رُجُوعِهِ أَيْضًا الْأَدَاءُ عَنْ جِهَةِ الْإِذْنِ لَا عَنْ الضَّمَانِ، قَوْلُهُ: (إذَا أَشْهَدَ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْأَدَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِيَحْلِفَ مَعَهُ) عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ لَا بَاعِثَةٌ
مَعَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ، أَوْ أَدَّى بِحَضْرَةِ مَدِينٍ وَلَوْ مَعَ تَكْذِيبِ الدَّائِنِ أَوْ غِيبَتِهِ لَكِنْ صَدَّقَهُ الدَّائِنُ لِسُقُوطِ الطَّلَبِ بِإِقْرَارِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ) الدَّيْنِ (الْمَجْهُولِ) قَدْرُهُ أَوْ قِيمَتُهُ أَوْ صِفَتُهُ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِنَقْدٍ، فَأَشْبَهَ الْبَيْعَ إلَّا فِي إبِلِ دِيَةٍ فَيَصِحُّ ضَمَانُهَا مَعَ الْجَهْلِ بِصِفَتِهَا لِأَنَّهَا مَعْلُومَةُ السِّنِّ وَالْعَدَدِ وَلِأَنَّهُ قَدْ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ فِي إثْبَاتِهَا فِي ذِمَّةِ الْجَانِي فَيُغْتَفَرُ فِي الضَّمَانِ وَيُرْجَعُ فِي صِفَتِهَا إلَى غَالِبِ إبِلِ الْبَلَدِ.
(وَ) لَا يَصِحُّ ضَمَانُ (مَا لَمْ يَجِبْ) كَضَمَانِ مَا سَيُقْرِضُهُ زَيْدٌ، وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، وَتَسْلِيمِ ثَوْبٍ رَهَنَهُ شَخْصٌ وَلَمْ يَتَسَلَّمْهُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ (إلَّا) ضَمَانَ (دَرْكِ الْمَبِيعِ) أَوْ الثَّمَنِ بَعْدَ قَبْضِ مَا يُضْمَنُ كَأَنْ يَضْمَنَ لِمُشْتَرٍ الثَّمَنَ أَوْ لِبَائِعٍ الْمَبِيعَ.
إنْ خَرَجَ مُقَابِلُهُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا وَرُدَّ أَوْ نَاقِصًا، لِنَقْصِ صِفَةٍ شُرِطَتْ أَوْ صَنْجَةٍ وَرُدَّ وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَمَا وُجِّهَ بِهِ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِهِ مِنْ أَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ.
أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنْ خَرَجَ الْمُقَابِلُ كَمَا ذَكَرَ تَبَيَّنَ وُجُوبُ رَدِّ الْمَضْمُونِ، وَلَا يَصِحُّ قَبْلَ قَبْضِ الْمَضْمُونِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ مَا دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي.
[حاشية البجيرمي]
عَلَى الْإِشْهَادِ، فَلَا يُشْتَرَطُ عَزْمُهُ عَلَى الْحَلِفِ حِينَ الْإِشْهَادِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ) عِبَارَةُ م ر: لِأَنَّهُ كَافٍ فِي إثْبَاتِ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ حَاكِمُ الْبَلَدِ حَنَفِيًّا كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، نَعَمْ لَوْ كَانَ كُلُّ الْإِقْلِيمِ كَذَلِكَ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِهِ اهـ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ لَا يَكْفِي عِنْدَهُمْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي غَيْبَتِهِ) أَيْ الْمَدِينِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الدَّيْنِ إلَخْ) هَذَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (قَدْ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ) أَيْ الْجَهْلُ.
قَوْلُهُ: (وَتَسْلِيمِ ثَوْبٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: مَا سَيُقْرِضُهُ زَيْدٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَسَلَّمْهُ) أَيْ الْمُرْتَهِنُ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ.
قَوْلُهُ: (إلَّا دَرَكِ الْمَبِيعِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا، وَهُوَ بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ " مَا " أَوْ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
وَأَصْلُ الدَّرَكِ التَّبَعَةُ أَيْ الْمُطَالَبَةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِالْتِزَامِهِ الْغَرَامَةَ عِنْدَ إدْرَاكِ الْمُسْتَحِقِّ لِعَيْنِ مَالِهِ اهـ حَجّ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَضْمُونَ هُوَ الثَّمَنُ أَوْ الْمَبِيعُ لَا نَفْسُ التَّبَعَةِ، فَالدَّرَكُ هُنَا إمَّا بِمَعْنَى الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ذَا دَرَكٍ، وَهُوَ الْحَقُّ الْوَاجِبُ لِلْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ عِنْدَ إدْرَاكِ الْمَبِيعِ، أَوْ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا وَهُوَ الثَّمَنُ أَوْ الْمَبِيعُ.
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بِالدَّرَكِ كَوْنُهُ مَضْمُونًا بِتَقْدِيرِ الدَّرَكِ، أَيْ إدْرَاكُ الْمُسْتَحِقِّ عَيْنَ مَالِهِ وَمُطَالَبَتُهُ بِهِ؛ سم عَلَى الْمَتْنِ مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ قَبْضِ مَا يُضْمَنُ) أَيْ مَا يُرَادُ تَضْمِينُهُ، وَهُوَ الْمَبِيعُ لِلْبَائِعِ أَوْ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: (مُسْتَحَقًّا إلَخْ) ثُمَّ إنْ عَيَّنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ إلَّا بِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى خُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا.
وَكَيْفِيَّةُ الضَّمَانِ أَنَّ الضَّامِنَ إذَا ضَمِنَ الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ ثُمَّ خَرَجَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا يُطَالَبُ بِرَدِّ الْبَقَرَةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً وَسَهُلَ رَدُّهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ ضَمِنَ قِيمَتَهَا لِلْحَيْلُولَةِ، فَإِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ ضَمِنَ الضَّامِنُ بَدَلَهُ مِنْ مِثْلٍ فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةٍ فِي الْمُتَقَوِّمِ لِلْفَيْصُولَةِ، وَفِي الرُّجُوعِ عَلَى الْمُشْتَرِي التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي ضَمَانِ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي وَهَذَا الضَّمَانُ خَارِجٌ عَنْ حُكْمِ ضَمَانِ الْأَعْيَانِ الَّذِي تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ صَنْجَةٍ) أَيْ وَزْنٍ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي نَقْصِ صَنْجَةِ الثَّمَنِ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ فَإِذَا حَلَفَ طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ بِالنَّقْصِ وَلَا يُطَالَبُ الضَّامِنُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، إلَّا إذَا اعْتَرَفَ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالضَّامِنُ صُدِّقَ الضَّامِنُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّ ذِمَّتَهُ كَانَتْ مَشْغُولَةً؛ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ سم.
قَوْلُهُ: (وَمَا وُجِّهَ بِهِ إلَخْ) حَاصِلُ الْجَوَابِ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: تَسْلِيمُ الِاعْتِرَاضِ وَأَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى، وَالثَّانِي: جَوَابٌ بِالْمَنْعِ وَأَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ مَا وَجَبَ وَثَبَتَ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ آخِرِ الْأَمْرِ عِنْدَ خُرُوجِ مُقَابِلِ الْمَضْمُونِ مُسْتَحَقًّا؛ فَالِاعْتِرَاضُ نَاظِرٌ لِلِابْتِدَاءِ، وَالظَّاهِرُ وَالْجَوَابُ نَاظِرٌ لِلِانْتِهَاءِ وَنَفْسِ الْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ) لَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَا يُرَدُّ نَقْضًا، سم وَقِ ل. وَقَالَ ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ: قَوْلُهُ: " أُجِيبَ عَنْهُ " هَذَا الْجَوَابُ لَا يَأْتِي فِي غَيْرِ الْخُرُوجِ مُسْتَحَقًّا إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ قَبْضِ الْمَضْمُونِ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: بَعْدَ قَبْضِ مَا يُضْمَنُ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ صَالَحَ الضَّامِنُ عَنْ الدَّيْنِ الْمَضْمُونِ بِمَا دُونَهُ كَأَنْ صَالَحَ عَنْ مِائَةٍ بِبَعْضِهَا أَوْ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ دُونَهَا لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِمَا غَرِمَ لِأَنَّهُ الَّذِي بَذَلَهُ.
نَعَمْ لَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ دَيْنًا عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَى خَمْرٍ لَمْ يَرْجِعْ لِتَعَلُّقِهَا بِالْمُسَلَّمِ وَلَا قِيمَةَ لِلْخَمْرِ عِنْدَهُ، وَحَوَالَةُ الضَّامِنِ الْمَضْمُونِ لَهُ كَالْأَدَاءِ فِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ، وَلَوْ ضَمِنَ اثْنَانِ أَلْفًا لِشَخْصٍ كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْأَلْفِ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ فِي جَمِيعِهَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لَوْ صَالَحَ الضَّامِنُ) خَرَجَ بِ " بِصَالَحَ " مَا لَوْ بَاعَهُ الثَّوْبَ بِمِائَةٍ أَوْ بِالْمِائَةِ الْمَضْمُونَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهَا لَا بِقِيمَةِ الثَّوْبِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَرْجِعْ) ظَاهِرُهُ صِحَّةُ الصُّلْحِ عَلَى خَمْرٍ وَسُقُوطُ الدَّيْنِ عَنْ الْمُسَلَّمِ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْخَمْرِ بَاطِلٌ وَالدَّيْنُ بَاقٍ ع ش. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَوْ ضَمِنَ ذِمِّيٌّ لِذِمِّيٍّ عَنْ مُسْلِمٍ دَيْنًا فَصَالَحَ صَاحِبَهُ عَلَى خَمْرٍ لَغَا الصُّلْحُ، لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ أَدَاءَ الضَّامِنِ لِلْمُسْتَحَقِّ يَتَضَمَّنُ إقْرَاضَ الْأَصِيلِ مَا أَدَّاهُ وَتَمْلِيكَهُ إيَّاهُ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ هُنَا، فَلَا يَبْرَأُ الْمُسْلِمُ كَمَا لَوْ دَفَعَ الْخَمْرَ بِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِهَا) أَيْ الْمُصَالَحَةِ.
قَوْلُهُ: (وَحَوَالَةُ الضَّامِنِ إلَخْ) وَمِثْلُهُ عَكْسُهُ وَهُوَ الْحَوَالَةُ عَلَى الضَّامِنِ مِنْ مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ.
وَظَاهِرُ جَعْلِ الْحَوَالَةِ كَالْأَدَاءِ ثُبُوتُ الرُّجُوعِ قَبْلَ دَفْعِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِلْمُحْتَالِ، وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَقْتَضِي انْتِقَالَ الْحَقِّ وَفَرَاغَ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ؛ نَعَمْ تَرَدَّدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا لَوْ أَحَالَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الضَّامِنِ فَأَبْرَأَ الْمُحْتَالُ الضَّامِنَ وَمَالَ إلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ سم.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ضَمِنَ إلَخْ) عِبَارَةُ سم: فَرْعٌ: ضَمِنَ اثْنَانِ دَيْنًا كَانَ كُلٌّ ضَامِنًا لِنِصْفِهِ، كَمَا لَوْ رَهَنَاهُ عَلَيْهِ شَيْئًا يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا رَاهِنًا عَلَى النِّصْفِ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كُلًّا ضَامِنٌ لِلْجَمِيعِ كَمَسْأَلَةِ الرَّهْنِ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ م ر سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: فَرْعٌ: بَاعَ شَيْئًا لِاثْنَيْنِ وَشَرَطَ أَنْ يَكُونَا مُتَضَامِنَيْنِ، أَيْ يَضْمَنُ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، لَمْ يَصِحَّ بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا مِنْ اثْنَيْنِ وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ سَالِمًا وَإِنْ عُلِمَ قَدْرُ الدَّلَالَةِ، أَيْ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا م ر الصِّحَّةُ فِي الْعِلْمِ وَكَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ الْحَلَبِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ وَاعْتَمَدَهُ وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا؛ وَلَوْ قَالَا ضَمِنَا الْعَشَرَةَ الَّتِي لَك عَلَى زَيْدٍ فَكُلٌّ ضَامِنٌ لِنِصْفِهَا فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ ضَمَّنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَدَّى الْعَشَرَةَ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْأَصْلِ إلَّا بِخَمْسَةٍ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (كَانَ لَهُ مُطَالَبَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا) لِأَنَّ قَوْلَهُمَا ضَمِنَا مَالَك عَلَى زَيْدٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُوَزَّعُ عَلَيْنَا بَلْ كُلٌّ مِنَّا ضَامِنٌ جَمِيعَهُ، فَلَوْ أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا هَلْ يُغَرِّمُ رَفِيقَهُ نِصْفَهُ الظَّاهِرُ؟ لَا.
وَكَلَامُ الْمُتَوَلِّي أَحَدُ وَجْهَيْنِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ م ر خِلَافُهُ، فَيُطَالَبُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ فَقَطْ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَشَغْلُ كُلِّ وَاحِدٍ بِالزَّائِدِ مَشْكُوكٌ فِيهِ؛ نَعَمْ إنْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَمِنْت الْأَلْفَ اتَّجَهَ كَلَامُ الْمُتَوَلِّي اهـ م ر. وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى هَذَا.
فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا فِي قُرَى الرِّيفِ مِنْ ضَمَانِ دَوَابِّ اللَّبَنِ كَالْجَامُوسِ وَالْبَقَرِ مَا حُكْمُهُ وَمَا يَجِبُ فِيهِ عَلَى الْآخِذِ وَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّ اللَّبَنَ مَقْبُوضٌ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ وَذَاتُ اللَّبَنِ مَقْبُوضَةٌ هِيَ وَوَلَدُهَا بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّ مَا يَدْفَعُهُ الْآخِذُ لِلدَّابَّةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالْعَلَفِ فِي مُقَابَلَةِ اللَّبَنِ وَالِانْتِفَاعِ بِالْبَهِيمَةِ فِي الْوُصُولِ إلَى اللَّبَنِ، فَاللَّبَنُ مَضْمُونٌ عَلَى الْآخِذِ بِمِثْلِهِ وَالْبَهِيمَةُ وَوَلَدُهَا أَمَانَتَانِ كَسَائِرِ الْأَعْيَانِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَإِنْ تَلِفَتْ هِيَ أَوْ وَلَدُهَا بِلَا تَقْصِيرٍ لَمْ يَضْمَنُ أَوْ بِتَقْصِيرٍ ضَمِنَ ع ش عَلَى م ر.
فَصْلٌ: فِي كَفَالَةِ الْبَدَنِ وَتُسَمَّى أَيْضًا كَفَالَةَ الْوَجْهِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْكَافِ اسْمٌ لِضَمَانِ الْإِحْضَارِ دُونَ الْمَالِ وَالْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ أَيْ بِبَدَنِ مَنْ يَسْتَحِقُّ حُضُورُهُ مَجْلِسَ الْحُكْمِ عِنْدَ الِاسْتِدْعَاءِ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ لِلْمَكْفُولِ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَاسْتُؤْنِسَ لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: 66] بِخِلَافِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا تَصِحُّ كَفَالَةُ بَدَنِ مَنْ ذُكِرَ بِإِذْنِهِ وَلَوْ بِنَائِبِهِ وَلَوْ كَانَ مَنْ ذُكِرَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ مَحْبُوسًا وَإِنْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْغَرَضِ فِي الْحَالِ أَوْ مَيِّتًا قَبْلَ دَفْنِهِ لِيَشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ إذَا تَحَمَّلَ الشَّاهِدُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَلَمْ يُعْرَفْ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ وَيَظْهَرُ اشْتِرَاطُ إذْنِ الْوَارِثِ إذَا اشْتَرَطْنَا إذْنَ الْمَكْفُولِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحِلَّهُ فِيمَنْ يُعْتَبَرُ إذْنُهُ وَإِلَّا فَالْمُعْتَبَرُ إذْنُ وَلِيِّهِ فَإِنْ كَفَلَ بَدَنَ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ شَرَطَ لُزُومَهُ لَا عِلْمَ بِهِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ لِلْكَفِيلِ وَكَالْبَدَنِ الْجُزْءُ الشَّائِعُ كَثُلُثِهِ وَالْجُزْءُ الَّذِي لَا يَعِيشُ بِدُونِهِ كَرَأْسِهِ ثُمَّ إنْ عَيَّنَ مَحِلَّ تَسْلِيمٍ فِي الْكَفَالَةِ فَذَاكَ وَإِلَّا تَعَيَّنَ مَحِلُّهَا كَمَا فِي السَّلَمِ فِيهِمَا وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ فِي مَحِلِّ التَّسْلِيمِ الْمَذْكُورِ بِلَا حَائِلٍ كَتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ عَنْ الْكَفِيلِ فَإِنْ
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي كَفَالَةِ الْبَدَنِ]
قَوْلُهُ: (وَتُسَمَّى أَيْضًا كَفَالَةُ الْوَجْهِ) لَعَلَّ وَجْهَ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَنَّى بِالْوَجْهِ عَنْ الذَّاتِ.
قَوْلُهُ: (بِالْبَدَنِ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ، أَيْ كَفَالَةُ الْبَدَنِ أَيْ الْتِزَامُ إحْضَارِ الْبَدَنِ، أَوْ بِمَعْنَى اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ) أَيْ الطَّلَبِ، وَفِي نُسْخَةٍ: " الِاسْتِعْدَاءِ " أَيْ الطَّلَبِ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى.
قَوْلُهُ: (جَائِزَةٌ) أَيْ صَحِيحَةٌ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمَكْفُولِ وَالْمَكْفُولِ لَهُ وَتَعْيِينِ الْمَكْفُولِ رِضَاهُ أَوْ إذْنِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ لِلْمَكْفُولِ) أَيْ عَلَيْهِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ.
قَوْلُهُ: (بِهِ) هَلَّا حَذَفَهَا لِأَنَّ الْمَعْنَى يَتِمُّ بِدُونِهَا.
قَوْلُهُ: (حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ مَالِيٌّ كَزَكَاةٍ وَفِي كَفَّارَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: بِخِلَافِ عُقُوبَةِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ) وَلَوْ عُقُوبَةً كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَتَعْزِيرٍ، وَسَوَاءً كَانَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا مَضْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ) فِيهِ أَنَّهَا كَفَالَةُ بَدَنٍ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ عَلَى الْمَكْفُولِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَكْفُولِ حَقٌّ، وَأَيْضًا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: وَاسْتُؤْنِسَ.
قَوْلُهُ: (صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَحَقُّ إحْضَارُهُمَا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى صُورَتِهِمَا فِي الْإِتْلَافِ وَغَيْرِهِ كَالْغَصْبِ، وَيُطَالَبُ الْكَفِيلُ وَلِيَّهُمَا بِإِحْضَارِهِمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) أَيْ الْأَحَدِ، وَأَمَّا السَّفِيهُ الَّذِي يُرَادُ كَفَالَتُهُ فَإِنَّهُ إنْ خَلَا عَنْ تَفْوِيتِ مَالٍ فَيُعْتَبَرُ إذْنُهُ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ فِيهِ تَفْوِيتُ مَالٍ كَأَنْ احْتَاجَ إلَى مُؤْنَةِ سَفَرٍ لِإِحْضَارِهِ فَالْمُعْتَبَرُ حِينَئِذٍ إذْنُ الْوَلِيِّ.
وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ: اعْتِبَارُ إذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ اعْتِبَارُ إذْنِهِ، ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ وَإِلَى الثَّانِي جَمَاعَةٌ وَجُمِعَ بِمَا تَقَدَّمَ اهـ م ر.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ دَفْنِهِ) أَيْ وَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ وَإِنْ لَمْ يُهَلْ عَلَيْهِ التُّرَابُ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَمَحِلُّهُ قَبْلَ الدَّفْنِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي مُدَّةِ الْإِحْضَارِ ح ل.
قَوْلُهُ: (لِيَشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ) كَأَنْ كَانَ عَلَيْهِ لِشَخْصٍ دَيْنٌ وَهُنَاكَ شُهُودٌ تَشْهَدُ عَلَى صُورَتِهِ وَلَمْ تَعْرِفْ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، ثُمَّ مَاتَ فَأَرَادَ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنْ يُحْضِرَهُ لِلْقَاضِي لِيَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى صُورَتِهِ خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِ حَقِّهِ فَيَكْفُلُ الْمَيِّتَ شَخْصٌ، اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى صُورَتِهِ.
قَوْلُهُ: (إذْنِ الْوَارِثِ) أَيْ كُلُّ الْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (لُزُومُهُ) أَيْ الْمَالِ وَقَوْلُهُ لَا عِلْمَ بِهِ أَيْ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَكَالْبَدَنِ إلَخْ) تَكْمِيلٌ لِلْمَتْنِ، وَهَذَا فِي الْحَيِّ أَمَّا الْمَيِّتُ فَلَا بُدَّ مِنْ كَفَالَتِهِ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ عَيَّنَ إلَخْ) أَيْ وَالتَّعْيِينُ وَاجِبٌ إنْ لَمْ يَصْلُحْ مَكَانُهَا لِلتَّسْلِيمِ وَإِلَّا فَجَائِزٌ وَيَتَعَيَّنُ الْمُعَيَّنُ، وَمَحِلُّهُ إذَا كَانَ الْمَحِلُّ صَالِحًا وَإِلَّا تَعَيَّنَ أَقْرَبُ الْمُحَالِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا تَعَيَّنَ) أَيْ إنْ صَلَحَ ق ل. قَوْلُهُ: (بِلَا حَائِلٍ) كَمُتَغَلِّبٍ يَمْنَعُ الْمَكْفُولَ لَهُ مِنْ التَّسْلِيمِ، فَمَعَ وُجُودِهِ لَا يَبْرَأُ
غَابَ لَزِمَهُ إحْضَارُهُ إنْ أَمْكَنَ بِأَنْ عَرَفَ مَحِلَّهُ وَأَمِنَ الطَّرِيقَ وَلَا حَائِلَ وَلَوْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ وَيُمْهَلُ مُدَّةَ إحْضَارِهِ بِأَنْ يُمْهَلَ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ عَلَى الْعَادَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أُمْهِلَ مُدَّةَ إقَامَةِ الْمَسَافَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ غَيْرَ يَوْمَيْ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ثُمَّ إنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حُبِسَ إلَى أَنْ يَتَعَذَّرَ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يُوَفِّي الدَّيْنَ فَإِنْ وَفَّاهُ ثُمَّ حَضَرَ الْمَكْفُولُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فَالْمُتَّجِهُ أَنَّ لَهُ الِاسْتِرْدَادَ وَلَا يُطَالَبُ كَفِيلٌ بِمَالٍ وَلَا عُقُوبَةٍ وَإِنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَلَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْمَالَ وَلَوْ مَعَ قَوْلِهِ إنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ لِلْمَكْفُولِ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مُقْتَضَاهَا