حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 458-31
أهل الأثرالأرشيف العلمي

دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.

صفحات 458-31
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

الْحَرَامِ " وَالِاسْتِقْبَالُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا.
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَهُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

[حاشية البجيرمي]

وَأَرْبَعٌ تَكَرَّرَ النَّسْخُ لَهَا ... جَاءَتْ بِهَا النُّصُوصُ وَالْآثَارُ لِقِبْلَةٍ وَمُتْعَةٍ وَحُمُرِ كَذَا ... الْوُضُوءُ مِمَّا تَمَسُّ النَّارُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَخَمْرَةٍ بَدَلُ حُمُرِ، فَقَدْ قَالَ سَيِّدِي عَلِيُّ الَأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ: وَلَيْسَتْ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ مِمَّا تَكَرَّرَ نَسْخُهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَوْلُهُ: لِقِبْلَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِجَاءَتْ، أَمَّا الِاسْتِقْبَالُ فَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142] أَيْ أَوَّلًا وَهِيَ الْكَعْبَةُ، وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إلَيْهَا، فَلَمَّا هَاجَرَ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمُقَدَّسِ تَأْلِيفًا لِلْيَهُودِ وَصَلَّى إلَيْهِ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حُوِّلَ إلَى الْكَعْبَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] مُتَطَلِّعًا إلَى الْوَحْيِ مُتَشَوِّقًا لِلْأَمْرِ بِالِاسْتِقْبَالِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَكَانَ يَوَدُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا قِبْلَةُ إبْرَاهِيمَ؛ وَلِأَنَّهُ أَدْعَى إلَى الْإِسْلَامِ أَيْ إسْلَامِ الْعَرَبِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] تُحِبُّهَا ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] أَيْ الْكَعْبَةِ.
فَائِدَةٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ إلَّا قَوْلَهُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: 144] إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِالصَّدْرِ) حَقِيقَةً فِي الْوَاقِفِ وَالْجَالِسِ وَنَحْوِهِمَا وَحُكْمًا فِي الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ وَنَحْوِهِمَا.
قَالَ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ: وَلَوْ صَلَّى مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا، فَالِاسْتِقْبَالُ بِمُقَدَّمِ الْبَدَنِ أَيْ الصَّدْرِ وَالْوَجْهِ، وَالْمُسْتَلْقِي لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ أَخْمَصَاهُ مَعَ وَجْهِهِ لِلْقِبْلَةِ، فَتَقْيِيدُ الشَّارِحِ بِالصَّدْرِ بِالنَّظَرِ لِلْغَالِبِ، وَكَذَا قَوْلُهُ لَا بِالْوَجْهِ فَالِالْتِفَاتُ بِالْوَجْهِ غَيْرُ مُبْطِلٍ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (لَا بِالْوَجْهِ) أَيْ لَا يَكْفِي الْوَجْهُ وَحْدَهُ بِدُونِ الصَّدْرِ وَلَا يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ، نَعَمْ يَجِبُ مَعَ غَيْرِهِ فِي الْمُضْطَجِعِ فَيَجِبُ بِالْوَجْهِ وَمُقَدَّمِ الْبَدَنِ وَالْمُسْتَلْقِي كَذَلِكَ مَعَ أَخْمَصَيْهِ، وَيَجِبُ رَفْعُ رَأْسِهِ قَلِيلًا إنْ أَمْكَنَ، وَالْمُرَادُ بِالصَّدْرِ جَمِيعُ عَرْضِ الْبَدَنِ، فَلَوْ اسْتَقْبَلَ طَرَفَهَا فَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ الْعَرْضِ عَنْ مُحَاذَاتِهِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا قَالَهُ حَجّ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ لَا بِالْوَجْهِ أَيْ مَثَلًا أَيْ: وَلَا بِالْيَدِ مَثَلًا وَإِنَّمَا خَصَّ الْوَجْهَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّوَهُّمِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: 144] أَيْ ذَاتَك مِنْ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعَيُّنُ الِاسْتِقْبَالِ بِالْوَجْهِ اج.
وَالْمُرَادُ بِالذَّاتِ بَعْضُهَا كَالصَّدْرِ فَهُوَ مَجَازٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَجَازٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَيْ عَيْنِهِ.
وَفِي الْخَادِمِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الْجِدَارَ بَلْ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ، أَيْ: وَهُوَ سَمْتُ الْبَيْتِ وَهَوَاؤُهُ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ حَجّ شَوْبَرِيٌّ.
قَالَ ز ي: وَالْجِهَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْعَيْنِ وَإِطْلَاقُهَا عَلَى غَيْرِهَا مَجَازٌ، بَلْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْعَيْنِ اهـ أَيْ وَهُوَ الَّذِي نُقِلَ عَنْ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَالَ ق ل قَوْلُهُ: أَيْ نَحْوَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَقُلْ عَيْنَهُ مَعَ أَنَّهُ مَعْنَى الشَّطْرِ لُغَةً لِأَجْلِ الْإِجْمَاعِ الْآتِي اهـ. وَفِي ع ش عَلَى الْمَوَاهِبِ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى أَوَّلًا إلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ صُرِفَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ فَصَلَّى إلَيْهِ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ إلَى الْكَعْبَةِ وَلَيْسَتْ صَلَاتُهُ بِاجْتِهَادٍ بَلْ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِقْبَالُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ أَيْ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصَّلَاةُ، فَالْكَلَامُ فِيهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلٍ وَالِاسْتِقْبَالُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الْأَنْصَارِيُّ) النِّسْبَةُ إلَى الْجَمْعِ إنَّمَا تَصِحُّ بِاعْتِبَارِ الْفَرْدِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ النَّاصِرِيُّ شَوْبَرِيٌّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا الْجَمْعَ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَصَحَّتْ النِّسْبَةُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُفْرَدًا كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:

وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلِ الْكَعْبَةِ» أَيْ وَجْهَهَا.
«وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ» مَعَ خَبَرِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إجْمَاعًا وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إصَابَةُ الْعَيْنِ فِي الْقُرْبِ يَقِينًا وَفِي الْبُعْدِ ظَنًّا فَلَا تَكْفِي إصَابَةُ الْجِهَةِ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ، فَلَوْ خَرَجَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ بِأَنْ وَقَفَ بِطَرَفِهَا وَخَرَجَ عَنْهُ بِبَعْضِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ امْتَدَّ صَفٌّ طَوِيلٌ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُحَاذَاةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقْبِلًا لَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ إذَا بَعُدُوا عَنْهَا حَاذَوْهَا وَصَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، وَإِنْ طَالَ الصَّفُّ؛ لِأَنَّ صَغِيرَ الْحَجْمِ كُلَّمَا زَادَ بُعْدُهُ زَادَتْ مُحَاذَاتُهُ كَغَرَضِ الرُّمَاةِ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُحَصَّلُ مَعَ الِانْحِرَافِ وَلَوْ اسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ صَحَّ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِلْبِنَاءِ الْمُجَاوِرِ لِلرُّكْنِ، وَإِنْ

[حاشية البجيرمي]

وَالْوَاحِدُ اُذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ ... إنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ قَوْلُهُ: (إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ) أَيْ أَرَدْت الْقِيَامَ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَرُوِيَ إلَخْ) أَيْ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَأَتَى بِهَذَا لِيُبَيِّنْ الْمُرَادَ مِنْ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ عَامٌّ ز ي، فَيَكُونُ مِنْ إطْلَاقِ الْكُلِّ إرَادَةَ الْجُزْءِ وَقَوْلُهُ مَعَ خَبَرِ صَلُّوا إلَخْ.
أَتَى بِهَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ هَذِهِ الْقِبْلَةُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ لِعَدَمِ وُجُودِ صِيغَةِ أَمْرٍ فِيهِ، وَأَيْضًا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (قُبُلِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَعًا وَيَجُوزُ إسْكَانُ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مُقَابِلُهَا ق ل. قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إجْمَاعًا) فِيهِ أَنَّ إجْمَاعًا الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ إجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّوَجُّهَ لِلْعَيْنِ، بَلْ اكْتَفَى بِالتَّوَجُّهِ لِلْجِهَةِ وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَوْلٌ عِنْدَنَا حَكَاهُ فِي التَّنْبِيهِ وَالضَّمِيرُ فِي بِدُونِهِ رَاجِعٌ لِلتَّوَجُّهِ لِلْعَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ شِبْهَ اسْتِخْدَامٍ فَذَكَرَ التَّوَجُّهَ أَوَّلًا بِمَعْنَى، وَهُوَ الْعَيْنُ، وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ فِي بِدُونِهِ بِمَعْنًى آخَرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَوَجُّهًا لِلْعَيْنِ أَوْ لِلْجِهَةِ، وَحِينَئِذٍ فَصَحَّ قَوْلُهُ إجْمَاعًا بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ بِإِجْمَاعِ الْمَذَاهِبِ كُلِّهَا، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْجِهَةِ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ: بِأَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ إجْمَاعًا أَيْ مَذْهَبِيًّا وَهُوَ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ لَنَا قَوْلًا حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ أَنَّهُ يَكْفِي اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْضُ) بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ.
قَوْلُهُ: (يَقِينًا) أَيْ بِرُؤْيَةٍ أَوْ مَسٍّ ق ل. أَوْ لِعَرْصَتِهَا عِنْدَ انْهِدَامِهَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْبَيْتِ فِي حَقِّ الْخَارِجِ عَنْهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى أَعْلَى مِنْهُ كَجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ.
اهـ. ز ي. وَهُمَا أَعْنِي قَوْلَهُ يَقِينًا وَظَنَّا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ خَرَجَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ) أَيْ حَرَمِهَا أَوْ هَوَائِهَا ق ل. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الطَّرَفِ.
قَوْلُهُ: (بِبَعْضِهِ) أَيْ بِبَعْضِ بَدَنِهِ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ إنْ وَقَعَ فِي أَثْنَائِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي ابْتِدَائِهَا، فَلَا تَنْعَقِدُ فَمُرَادُهُ بِالْبُطْلَانِ مَا يَشْمَلُ عَدَمَ الِانْعِقَادِ كَمَا فِي اج.
قَوْلُهُ: (بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ) وَلَوْ بِأُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَكَّ إلَخْ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ أَمَّا إذَا بَعُدُوا.
قَوْلُهُ: (حَاذَوْهَا) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ طَالَ الصَّفُّ جِدًّا) . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا امْتَدَّ الصَّفُّ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ، لَكِنْ مَعَ انْحِرَافِ مَنْ بِطَرَفَيْهِ، أَمَّا إذَا بَعُدَ وَلَوْ كَثِيرًا وَلَمْ يَبْلُغْ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ قَدْرُ سَمْتِهَا أَيْ: الْكَعْبَةِ مِرَارًا مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ وَمِنْ جِهَةِ شِمَالِهِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ وَلَا يَنْحَرِفُ اهـ هَذَا مَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ م ر وَمُتَابَعِيهِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَاسْتُشْكِلَ) أَيْ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ مَعَ الْبُعْدِ وَإِنْ طَالَ الصَّفُّ، وَقَوْلُهُ: (بِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْمُحَاذَاةَ الْمَذْكُورَةَ وَالْمُسْتَشْكِلُ هُوَ الْفَارِقِيُّ، وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ الْخَارِجِينَ عَنْ سَمْتِهَا لَا يَكُونُونَ مُحَاذِينَ لَهَا إلَّا مَعَ الِانْحِرَافِ، فَإِذَا لَمْ يَنْحَرِفُوا لَمْ يَكُونُوا مُحَاذِينَ لَهَا فَمُقْتَضَاهُ بُطْلَانُ صَلَاتِهِمْ مَعَ حُكْمِهِمْ بِصِحَّتِهَا، وَالْإِشْكَالُ جَارٍ فِي الْخَارِجِينَ عَنْ سَمْتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَمْتَدُّوا إلَى الْمَشْرِقِ خِلَافًا لِلْأُجْهُورِيِّ.
وَأَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: بِأَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ، وَلَا بُطْلَانَ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْبُطْلِ م ر. وَالْمُرَادُ بِالْمُخْطِئِ غَيْرُ الْمُحَاذِي لَسَمْتِهَا.
وَقَوْلُهُ: غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُصَلِّينَ مَعَ الْبُعْدِ عَنْهَا يَظُنُّ أَنَّهُ مُحَاذٍ لَهَا لِعَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ لَهَا وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ مَكَّةَ وَسَطَ الْبِلَادِ

كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ خَارِجًا عَنْ الرُّكْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَقْبَلَ الْحِجْرَ بِكَسْرِ الْحَاءِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْبَيْتِ مَظْنُونٌ لَا مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْآحَادِ.

تَنْبِيهٌ: أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ شَرْطًا سَادِسًا وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَعْلَمَ فَرْضِيَّتَهَا وَيُمَيِّزَ فَرْضَهَا مِنْ سُنَنِهَا، نَعَمْ إنْ اعْتَقَدَهَا كُلَّهَا فَرْضًا أَوْ بَعْضَهَا وَلَمْ يُمَيِّزْ وَكَانَ عَامِّيًّا وَلَمْ يَقْصِدْ فَرْضًا بِنَفْلٍ صَحَّتْ.

(وَيَجُوزُ) لِلْمُصَلِّي (تَرْكُ) اسْتِقْبَالِ (الْقِبْلَةِ فِي حَالَتَيْنِ) الْحَالَةُ الْأُولَى (فِي) صَلَاةِ (شِدَّةِ الْخَوْفِ) فِيمَا يُبَاحُ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، فَلَيْسَ التَّوَجُّهُ بِشَرْطٍ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: " مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: نَعَمْ إنْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ وَجَبَ الِاسْتِقْبَالُ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ بِخِلَافِ

[حاشية البجيرمي]

فَالْخَارِجُ عَنْ الْوَسَطِ كَيْفَ يَكُونُ مُحَاذِيًا لِلْكَعْبَةِ.
قَوْلُهُ: (خَارِجًا عَنْ الرُّكْنِ) ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ الرُّكْنِ لَكِنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِبِنَائِهَا، وَالْمُضِرُّ إنَّمَا هُوَ خُرُوجُهُ عَنْ بِنَائِهَا، وَأَلْ فِي الرُّكْنِ لِلْجِنْسِ أَيْ أَيُّ رُكْنٍ كَانَ اهـ ع ش.

قَوْلُهُ: (أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ شَرْطًا سَادِسًا) لَوْ أَخَّرَ هَذَا التَّنْبِيهَ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا يُدْرِكُهُ أَهْلُ الذَّوْقِ وَالْكَمَالِ وَوَجْهُ إسْقَاطِهِ لَهُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ) كَيْفِيَّةُ الشَّيْءِ صِفَتُهُ فَكَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ صِفَتُهَا، وَهِيَ تَرْتِيبُ أَرْكَانِهَا فَقَوْلُهُ بِأَنْ يَعْلَمَ فَرْضِيَّتِهَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَيْفِيَّتِهَا لَا حَقِيقَةَ كَيْفِيَّتِهَا لَكِنَّهُ قَيَّدَ فِي الْعِلْمِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَكَانَ عَامِّيًّا فَسَّرَ الْعَامِّيَّ هُنَا بِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَالِمُ يُخَالِفُهُ قَالَهُ الرَّمْلِيُّ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ: وَكَانَ عَامِّيًّا ضَائِعًا بَعْدَ قَوْلِهِمْ وَلَمْ يُمَيِّزْ وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ، وَذَكَرَهُ م ر أَيْضًا بِمَنْ لَمْ يُحَصِّلْ مِنْ الْفِقْهِ طَرَفًا يَهْتَدِي بِهِ إلَى الْبَاقِي، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُنَا الْحَفْنَاوِيُّ وَارْتَضَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَامِّيِّ هُنَا مِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالْعِلْمِ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ مَعْرِفَةُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ، وَالْعَالِمُ بِخِلَافِهِ.
وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِعَدَمِ إيرَادِ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إنْ اعْتَقَدَهَا كُلَّهَا فَرْضًا) أَيْ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ، وَكَانَ عَامِّيًّا رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، كَمَا فِي ح ل عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقْصِدْ فَرْضًا بِنَفْلٍ) أَيْ لَمْ يَعْتَقِدْ فَرْضًا نَفْلًا فَالْبَاءُ زَائِدَةٌ وَلَوْ قَدَّمَ الْبَاءَ فَوَصَلَهَا بِلَفْظِ الْفَرْضِ كَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَقُولَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِفَرْضٍ نَفْلًا كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ.

قَوْلُهُ: (فِي حَالَتَيْنِ) وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الصُّوَرَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ سِتًّا فَقَالَ: الِاسْتِقْبَالُ شَرْطٌ إلَّا فِي شِدَّةِ خَوْفٍ، وَنَفْلِ سَفَرٍ وَغَرِيقٍ عَلَى لَوْحٍ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْبَالُ وَمَرْبُوطٍ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ وَعَاجِزٍ لَمْ يَجِدْ مُوَجِّهًا وَخَائِفٍ مِنْ نُزُولِهِ عَنْ رَاحِلَتِهِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَةٍ مُنَاوِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ) مِنْ الْخَوْفِ الْمُجَوِّزِ لِتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، وَخَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَوَجَّهَ لِلْخُرُوجِ وَيُصَلِّيَ بِالْإِيمَاءِ حِينَئِذٍ م ر. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيَنْبَغِي وُجُوبُ الْقَضَاءِ لِلتَّقْصِيرِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ النَّاشِرِيِّ اهـ خ ض. قَوْلُهُ: (فَمَا يُبَاحُ مِنْ قِتَالٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالْخَوْفِ.
وَفِي لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بِسَبَبِ مَا يُبَاحُ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ مِمَّا يُبَاحُ وَقَوْلُهُ مِنْ قِتَالٍ أَيْ: مِمَّا يُبَاحُ لَهُ فِعْلُهُ كَقِتَالٍ وَدَفْعِ صَائِلٍ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْفِرَارُ مِنْ سَبُعٍ أَوْ نَارٍ أَوْ سَيْلٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُبَاحُ الْفِرَارُ مِنْهُ كَمَا قَالَهُ ع ش. وَمِثْلُهُ مِنْ خُطِفَ نَعْلُهُ، فَلَهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ.
قَالَ سم: وَإِنَّمَا يُصَلِّي عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ كَمَا شَرَطَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ التَّوَجُّهُ بِشَرْطٍ فِيهَا) نَعَمْ إنْ أَمِنَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَ رَاكِبًا وَأَمِنَ، وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ اُشْتُرِطَ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ فِي نُزُولِهِ، فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ) زَائِدٌ عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي التَّفْسِيرِ) أَيْ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ فِي الْبُخَارِيِّ فَسَّرَ فِيهِ بَعْضَ آيَاتٍ.
قَوْلُهُ: (قَائِمًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ) أَيْ بِأَنْ كَانَ يَأْمَنُ الْعَدُوَّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ) أَيْ مَعَ الْقُعُودِ بِأَنْ كَانَ يَأْمَنُ الْعَدُوَّ حَالَةَ الرُّكُوبِ.

الِاسْتِقْبَالِ.

(وَ) الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ فِي (النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ) الْمُبَاحِ لِقَاصِدِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ كَجَوَازِهِ قَاعِدًا لِلْقَادِرِ فَلِلْمُسَافِرِ الْمَذْكُورِ التَّنَفُّلُ مَاشِيًا، وَكَذَا (عَلَى الرَّاحِلَةِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ» . أَيْ: فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ «فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَجَازَ لِلْمَاشِي قِيَاسًا عَلَى الرَّاكِبِ بَلْ أَوْلَى.
وَالْحِكْمَةُ فِي التَّخْفِيفِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُسَافِرِ أَنَّ النَّاس مُحْتَاجُونَ إلَى الْأَسْفَارِ، فَلَوْ شَرْطَ فِيهَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (النَّافِلَةِ) وَلَوْ عَمْدًا وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَفِي حُكْمِهَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ.
قَوْلُهُ: (فِي السَّفَرِ الْمُبَاحِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي النَّافِلَةِ بِشُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا يُسَمَّى سَفَرًا وَلَوْ قَصِيرًا.
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ مُبَاحًا.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَقْصِدَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ الْمُسَمَّى قَطْعُهَا سَفَرًا.
رَابِعُهَا: تَرْكُ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ كَرَكْضٍ وَعَدْوٍ بِلَا حَاجَةٍ.
خَامِسُهَا: دَوَامُ السَّفَرِ فَلَوْ صَارَ مُقِيمًا فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا.
سَادِسُهَا: دَوَامُ السَّيْرِ فَلَوْ نَزَلَ أَثْنَاءَ صَلَاتِهِ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا لِلْقِبْلَةِ قَبْلَ رُكُوبِهِ أَيْ إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَالْخُرُوجُ مِنْ النَّافِلَةِ لَا يَحْرُمُ.
سَابِعُهَا: عَدَمُ وَطْءِ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا عَمْدًا وَكَذَا نِسْيَانًا فِي نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا وَلَوْ وَقَفَ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ لِانْتِظَارِ رُفْقَةٍ لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ مَا دَامَ وَاقِفًا وَلَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْأَرْكَانِ.
اهـ. ح ل وَفِي شَرْحِ م ر. وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ لِاسْتِرَاحَةٍ أَوْ انْتِظَارِ رُفْقَةٍ لَزِمَهُ الِاسْتِقْبَالُ مَا دَامَ وَاقِفًا، فَإِنْ سَافَرَ لِأَجْلِ سَيْرِ الْقَافِلَةِ أَتَمَّهَا إلَى جِهَةِ سَفَرِهِ وَإِنْ سَارَ مُخْتَارًا لِلسَّيْرِ بِلَا ضَرُورَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسِيرَ حَتَّى تَنْتَهِيَ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ بِالْوُقُوفِ لَزِمَهُ التَّوَجُّهُ أَيْ إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (لِقَاصِدِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ) الْمُرَادُ بِهِ الْمَعْلُومُ مِنْ حَيْثُ الْمَسَافَةُ بِأَنْ يَقْصِدَ قَطْعَ مَسَافَةٍ يُسَمَّى فِيهَا مُسَافِرًا عُرْفًا كَالشَّامِ أَوْ الصَّعِيدِ لَا خُصُوصُ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ كَدِمَشْقَ مَثَلًا شَوْبَرِيٌّ، فَتَعَيُّنُ الْمَحَلِّ لَيْسَ شَرْطًا، بَلْ الشَّرْطُ أَنْ يَقْصِدَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا قَالَهُ ح ل عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَتَلَخَّصَ أَنْ جُمْلَةَ الشُّرُوطِ سَبْعَةٌ: أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ نَحْوَ مِيلٍ فَأَكْثَرَ بِأَنْ خَرَجَ إلَى مَحَلٍّ لَا يَسْمَعُ فِيهِ نِدَاءَ الْجُمُعَةِ وَأَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَأَنْ يَقْصِدَ مَحَلًّا مُعَيَّنًا وَدَوَامَ السَّيْرِ وَدَوَامَ السَّفَرِ وَتَرْكَ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ بِلَا حَاجَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَلِلْمُسَافِرِ الْمَذْكُورِ) أَيْ سَفَرًا مُبَاحًا قَوْلُهُ: (عَلَى الرَّاحِلَةِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمُرَادُ الدَّابَّةُ رَاحِلَةً أَوْ غَيْرَهَا، لِأَنَّ الرَّاحِلَةَ الْبَعِيرُ الَّذِي يُرْحَلُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهَا الْمُصَنِّفُ تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ) أَيْ فِي السَّفَرِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَعِبَارَةُ م ر وَشَرْحِ الْمَنْهَجِ فِي السَّفَرِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَزِيدَهَا الشَّارِحُ لِيَتِمَّ الِاسْتِدْلَال، وَقَدْ يُقَالُ تَرَكَهُ لِظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ) قِيلَ، وَهَذَا مَحْمَلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] قَالَ فِي الْخَصَائِصِ: اخْتَصَّ بِجَوَازِ صَلَاةِ الْوَتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ اهـ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ) أَيْ فَيَكْفِي اسْتِقْبَالُ جِهَةِ الْمَقْصِدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ فَتُوُسِّعَ فِيهِ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهَا أَصْلٌ.
اهـ. م د. وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ: أَيْ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ، وَالْقَرِينَةُ عَلَيْهِ أَنَّ تَرْكَ الدَّابَّةِ تَمُرُّ إلَى أَيِّ جِهَةٍ أَرَادَتْ لَا يَلِيقُ بِحَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ عَبَثًا، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا يُسَيِّرُهَا جِهَةَ مَقْصِدِهِ قَالَ م د عَلَى التَّحْرِيرِ، وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْبَالُ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ فَسَلَكَ الْآخَرَ لَا لِغَرَضٍ، فَلَهُ التَّنَفُّلُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ جِهَةَ مَقْصِدِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ تَوْسِعَةً فِي النَّوَافِلِ، وَتَكْثِيرًا لَهَا، وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْعَ الْقَصْرِ فِي نَظِيرِهِ، وَكَالنَّفْلِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ.
قَوْلُهُ: (وَجَازَ لِلْمَاشِي قِيَاسًا عَلَى الرَّاكِبِ) لِأَنَّ الْمَشْيَ أَحَدُ السَّفَرَيْنِ وَأَيْضًا اسْتَوَيَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَكَذَا فِي

الِاسْتِقْبَالَ لِلنَّفْلِ لَأَدَّى إلَى تَرْكِ أَوْرَادِهِمْ أَوْ مَصَالِحِ مَعَايِشِهِمْ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ النَّفَلُ فِي الْحَضَرِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ اُحْتِيجَ لِلتَّرَدُّدِ كَمَا فِي السَّفَرِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ.

تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ تَرْكُ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كَالرَّكْضِ وَالْعَدْوِ، وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ قِيَاسًا عَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ قَالَ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ: مِثْلُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكَان لَا تَلْزَمُهُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ سَمَاعِ النِّدَاءِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: مِثْلُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى ضَيْعَةٍ مَسِيرَتُهَا مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، فَإِنْ سَهُلَ تَوَجُّهُ رَاكِبٍ غَيْرِ مَلَّاحٍ بِمَرْقَدٍ كَهَوْدَجٍ وَسَفِينَةٍ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ وَإِتْمَامِ الْأَرْكَانِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَيَسُّرِهِ

[حاشية البجيرمي]

النَّافِلَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَى تَرْكِ أَوْرَادِهِمْ) أَيْ صَلَاةِ النَّفْلِ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ مَصَالِحِ مَعَايِشِهِمْ) أَيْ إنْ فُرِضَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا وَاسْتَقْبَلُوا، لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ تَعَطُّلٌ فِي السَّفَرِ حِينَئِذٍ، فَفِيهِ إعَانَةٌ لِلنَّاسِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ مَصْلَحَتَيْ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.
قَوْلُهُ: (مَعَايِشِهِمْ) بِالْيَاءِ لَا بِالْهَمْزَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ [الأعراف: 10] . قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ) أَيْ فِعْلُهُ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا.

قَوْلُهُ: (يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ تَرْكُ الْأَفْعَالِ إلَخْ) . قَدْ يُقَالُ: هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصَّلَاةِ الْآتِيَةِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ هُنَا.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ ذُكِرَ هُنَا لَدُفِعَ تَوَهُّمِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (كَالرَّكْضِ) أَيْ الْكَثِيرِ وَالرَّكْضُ تَحْرِيكُ الرِّجْلِ مِمَّنْ فَوْقَ الدَّابَّةِ، وَأَمَّا الْعَدْوُ فَهُوَ الْجَرْيُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ كَالرَّكْضِ وَالْعَدْوِ أَيْ: بِلَا حَاجَةٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَلَهُ الرَّكْضُ لِلدَّابَّةِ وَالْعَدْوُ لِحَاجَةِ السَّفَرِ لِخَوْفِ تَخَلُّفِهِ عَنْ الرُّفْقَةِ أَوْ غَيْرِهَا كَتَعَلُّقِهِ بِصَيْدٍ يُرِيدُ إمْسَاكَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (قِيَاسًا إلَخْ) عِبَارَةُ م ر وَقِيَاسًا بِالْوَاوِ وَهِيَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْقَاضِي وَالْبَغَوِيُّ) وَرُجِّحَ هَذَا فَبِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ السُّورِ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعُمْرَانِ الْمُلَاصِقِ لِلسُّورِ ح ل. كَمَا إذَا ذَهَبَ لِزِيَارَةِ قَبْرِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، أَوْ تَوَجَّهَ إلَى تُرْبَةِ الْمُجَاوِرِينَ مِنْ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ ع ش. عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إلَخْ) عِبَارَةُ م ر بَعْدَ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ: وَهَذَا ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ فَارَقَ حُكْمَ الْمُقِيمِينَ فِي الْبَلَدِ، وَلَعَلَّ كَلَامَ غَيْرِهِ رَاجِعٌ إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْبَغَوِيَّ اعْتَبَرَ الْحِكْمَةَ وَغَيْرُهُ اعْتَبَرَ الْمَظِنَّة اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ قَوْلُهُ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ وَالْمَظِنَّةُ أَيْ مَظِنَّةُ عَدَمِ سَمَاعِ النِّدَاءِ هِيَ الْمِيلُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَهُلَ إلَخْ) وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ فِي الْمَرْقَدِ أَوْ الْهَوْدَجِ أَوْ الْمِحَفَّةِ أَوْ الشُّقْدُفِ أَوْ نَحْوِهَا إنْ أَمْكَنَهُ الِاسْتِقْبَالُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ وَإِتْمَامُ جَمِيعِ الْأَرْكَانِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ فَيَجِبُ تَرْكُهَا، وَأَمَّا الرَّاكِبُ عَلَى نَحْوِ سَرْجٍ أَوْ بَرْذعَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ فِيمَا سَهُلَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ أَوْ بَعْضِهَا وَإِتْمَامُ مَا سَهُلَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَرْكَانِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا ق ل. وَقَوْلُهُ: أَوْ نَحْوِهَا كَالسَّفِينَةِ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: فَإِنْ سَهُلَ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِمَا أَجْمَلَهُ أَوَّلًا كَمَا قَالَهُ ح ل. وَهُوَ قَوْلُهُ فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً.
لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، أَوْ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، أَوْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ فِي التَّحَرُّمِ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ دُونَهُ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعِ إمَّا أَنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ إتْمَامُ كُلِّ الْأَرْكَانِ، أَوْ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، أَوْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ.
فَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ الثَّلَاثَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً فَفِي قَوْلِهِ: فَإِنْ سَهُلَ إلَخْ.
صُورَتَانِ هُمَا صُورَةُ التَّوَجُّهِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، سَوَاءٌ سَهُلَ عَلَيْهِ إتْمَامُ كُلِّ الْأَرْكَانِ أَوْ بَعْضِهَا وَتَحْتَ قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ إلَخْ عَشَرُ صُوَرٍ فَمَفْهُومُ الْقَيْدِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ سُهُولَةُ التَّوَجُّهِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ فِيهِ تِسْعُ صُوَرٍ، وَهِيَ أَنْ لَا يَسْهُلَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ يَسْهُلَ فِي التَّحَرُّمِ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ دُونَهُ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ إتْمَامُ كُلِّ الْأَرْكَانِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ لَا يَسْهُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، فَهَذِهِ تِسْعُ صُوَرٍ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ، وَمَفْهُومُ الْقَيْدِ الثَّانِي، وَهُوَ إتْمَامُ الْأَرْكَانِ فِيهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ سُهُولَةُ التَّوَجُّهِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ مَعَ عَدَمِ سُهُولَةِ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْكَانِ، وَالتَّوَجُّهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ لَا يَلْزَمُ إلَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ.

عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا تَوَجُّهٌ فِي تَحَرُّمِهِ إنْ سَهُلَ بِأَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ وَاقِفَةً وَأَمْكَنَ انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَحْرِيفُهَا

[حاشية البجيرمي]

وَأَمَّا التَّوَجُّهُ فِي بَعْضِهَا فَهُوَ فِي التَّحَرُّمِ فَقَطْ، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ أَرْبَعٍ دَاخِلَةٍ تَحْتَ قَوْلِهِ: إلَّا تَوَجَّهَ فِي تَحَرُّمِهِ وَهِيَ أَنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ فِي التَّحَرُّمِ سَوَاءٌ سَهُلَ عَلَيْهِ إتْمَامُ كُلِّ الْأَرْكَانِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ لَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَسْهُلَ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَلَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ إتْمَامُ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْكَانِ.
وَهَذَا مَفْهُومُ الْقَيْدِ الثَّانِي مَعَ مَنْطُوقِ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُهُ فِيهَا إلَّا التَّوَجُّهُ فِي التَّحَرُّمِ.
وَفِي الْمُدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ مَا نَصُّهُ: حَاصِلُ الْمُعْتَمَدِ فِيهِ أَنَّ الْمُسَافِرَ الْمَذْكُورَ، إمَّا أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا، وَالرَّاكِبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نَحْوِ هَوْدَجٍ كَسَفِينَةٍ لِغَيْرِ مَلَّاحٍ، أَوْ فِي غَيْرِهِ كَسَرْجٍ أَوْ يَكُونَ مَلَّاحًا، فَإِنْ كَانَ فِي نَحْوِ هَوْدَجٍ كَالسَّفِينَةِ لِغَيْرِ الْمَلَّاحِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ إتْمَامُ كُلِّ الْأَرْكَانِ وَالتَّوَجُّهُ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَعَلَهُ، وَإِلَّا بِأَنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَرَكَ التَّنَفُّلَ رَأْسًا، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ نَحْوِ هَوْدَجٍ كَالسَّرْجِ أَوْ كَانَ مَلَّاحًا وَهُوَ مَنْ لَهُ دَخْلٌ فِي تَسْيِيرِ السَّفِينَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ كُلُّ مَا يَسْهُلُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَكْفِيه الْإِيمَاءُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ مَاشِيًا، فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي أَرْبَعَةٍ يَسْتَقْبِلُ فِيهَا جِهَةَ مَقْصِدِهِ، وَلَا يَمْشِي فِي أَرْبَعَةٍ بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيُتِمُّ الْأَرْكَانَ، فَالْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَمْشِي فِيهَا الْقِيَامُ وَالِاعْتِدَالُ وَالتَّشَهُّدُ وَالسَّلَامُ، وَاَلَّتِي يَسْتَقْبِلُ فِيهَا وَلَا يَمْشِي تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ ق ل. قَوْلُهُ: (وَسَفِينَةٍ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ رَاكِبَ السَّفِينَةِ غَيْرَ الْمَلَّاحِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوَجُّهُ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ، وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَسْهُلَ أَوْ لَا.
فَقَوْلُهُ وَسَفِينَةٍ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ إلَخْ.
كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ قَوْلِهِ وَسَفِينَةٍ، لِأَنَّ ذِكْرَهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ، وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ لَا يَجِبُ إلَّا فِي التَّحَرُّمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا فِي س ل عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا) قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ سَهُلَ الِاسْتِقْبَالُ فِي الْجَمِيعِ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ سِوَى إتْمَامِ الرُّكُوعِ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ فِي الْجَمِيعِ، وَإِتْمَامُ ذَلِكَ الرُّكُوعِ وَهُوَ كَلَامٌ لَا وَجْهَ لَهُ عَمِيرَةٌ ع ش. لِأَنَّ حُكْمَهُ يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ إلَخْ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ مَعًا لَا أَحَدُهُمَا.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَيَسُّرِهِ عَلَيْهِ) وَشَمَلَ مَا لَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً أَيْ: فَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَا يَتَنَفَّلُ عَلَيْهَا لِعِصْيَانِهِ خ ض. قَوْلُهُ (فِي تَحَرُّمِهِ) فَلَا يَجِبُ فِيمَا سِوَاهُ لِوُقُوعِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ بِالشَّرْطِ وَهُوَ التَّوَجُّهُ، ثُمَّ يُجْعَلُ مَا بَعْدَهُ تَابِعًا لَهُ، «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَافَرَ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ» أَيْ مَرْكُوبُهُ إلَى صَوْبِ مَقْصِدِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلِيَدْخُلَ فِيهَا عَلَى أَتَمِّ كُلِّ الْأَحْوَالِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَمَا ذَكَرْته مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَخِيرِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ فِي غَيْرِ التَّحَرُّمِ، وَإِنْ سَهُلَ، وَيُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ الِانْعِقَادَ يُحْتَاطُ لَهُ مَا لَا يُحْتَاطُ لِغَيْرِهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْح م ر. وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا فِيمَا إذَا كَانَتْ سَهْلَةً أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ فِي غَيْرِ التَّحَرُّمِ وَإِنْ كَانَتْ وَاقِفَةً أَيْضًا.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَالْقِيَاسُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّهُ مَهْمَا دَامَ وَاقِفًا لَا يُصَلِّي إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ اهـ فَفَرْضُ كَلَامِهِ فِي الْوُقُوفِ، فَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ وَاقِفًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا التَّوَجُّهُ فِي التَّحَرُّمِ فَقَطْ.
اهـ. فَإِنْ أَحْرَمَ فِي نَفْلٍ مُطْلَقٍ مُقَيَّدٍ بِعَدَدٍ، ثُمَّ نَوَى الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ فَهَلْ يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ عِنْدَ النِّيَّةِ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا إنْشَاءٌ، وَلِهَذَا لَوْ رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ النَّافِلَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي النِّيَّةِ أَوْ لَا يَجِبُ نَظَرًا لِلدَّوَامِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُعْطُوهَا حُكْمَ الِابْتِدَاءِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ قَالَ م ر: هَذَا مِمَّا تَرَدَّدَ فِيهِ النَّظَرُ، وَالْوَجْهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ وَاقِفَةً) وَمَا دَامَتْ الدَّابَّةُ وَاقِفَةً لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْأَرْكَانِ،

أَوْ سَائِرَةً وَبِيَدِهِ زِمَامُهَا وَهِيَ سَهْلَةٌ فَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ ذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ صَعْبَةً أَوْ مَقْطُورَةً وَلَمْ يُمْكِنْهُ انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا وَلَا تَحْرِيفُهَا لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيفٌ لِلْمَشَقَّةِ وَاخْتِلَالِ أَمْرِ السَّيْرِ عَلَيْهِ، أَمَّا مَلَّاحُ السَّفِينَةِ وَهُوَ مُسَيِّرُهَا فَلَا يَلْزَمُهُ تَوَجُّهٌ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَهُ ذَلِكَ يَقْطَعُهُ عَنْ النَّفْلِ أَوْ عَمَلِهِ وَلَا يَنْحَرِفُ عَنْ صَوْبِ طَرِيقِهِ إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، فَإِنْ انْحَرَفَ إلَى غَيْرِهَا عَالِمًا مُخْتَارًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا النِّسْيَانُ أَوْ خَطَأُ طَرِيقٍ أَوْ جِمَاحُ دَابَّةٍ إنْ طَالَ الْفَصْلُ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَكِنْ يُسَنُّ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّ عَمْدَ ذَلِكَ يُبْطِلْ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ وَيَكْفِيهِ إيمَاءٌ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ لِلِاتِّبَاعِ وَالْمَاشِي يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَيَتَوَجَّهُ فِيهِمَا، وَفِي تَحَرُّمِهِ وَجُلُوسِهِ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَيْنِيًّا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى دَابَّةٍ وَاقِفَةٍ وَتَوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ وَأَتَمَّ الْفَرْضَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ سَيْرَ

[حاشية البجيرمي]

فَلَهُ أَنْ يُتِمَّهَا بِالْإِيمَاءِ كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، ثُمَّ إنْ سَارَ لِضَرُورَةٍ بِأَنْ سَارَ تَبَعًا لِلرُّفْقَةِ بَنَى وَأَتَمَّهَا لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ، وَإِنْ سَارَ مُخْتَارًا بِلَا ضَرُورَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسِيرَ حَتَّى تَنْتَهِيَ صَلَاتُهُ إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِلَّا فَالْخُرُوجُ مِنْ النَّافِلَةِ لَا يَحْرُمُ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لَمْ يَلْزَمْهُ تَحْرِيفٌ) الْمُنَاسِبُ لَمْ يَلْزَمْهُ تَوَجُّهٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُسَيِّرُهَا) أَيْ مَنْ لَهُ دَخْلٌ فِي تَسْيِيرِهَا بِحَيْثُ يَخْتَلُّ أَمْرُهُ لَوْ اشْتَغَلَ عَنْهَا ح ل قَالَ ع ش. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُعَدِّينَ لِتَسْيِيرِهَا، كَمَا لَوْ عَاوَنَتْ بَعْضُ الرُّكَّابِ أَهْلَ الْعَمَلِ فِيهَا فِي بَعْضِ أَعْمَالِهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَلْزَمُهُ تَوَجُّهٌ) أَيْ وَلَا إتْمَامٌ أَيْ: وَإِنْ سَهُلَ وَلَوْ فِي حَالَةِ التَّحَرُّمِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَاعْتَمَدَ الْعَنَانِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ فِي التَّحَرُّمِ فَقَطْ إنْ سَهُلَ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (يَقْطَعُهُ عَنْ النَّفْلِ) أَيْ إنْ اشْتَغَلَ بِعَمَلِهِ.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ عَمَلُهُ) أَيْ إنْ اشْتَغَلَ بِالنَّفْلِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْحَرِفُ إلَخْ) أَيْ: وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إنْ مَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَإِنْ انْحَرَفَ لِقَطْعِهَا جَازَ؛ لِأَنَّ لَهُ تَرْكَهَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا إلَى الْقِبْلَةِ) وَإِنْ كَانَتْ خَلْفَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ (عَالِمًا مُخْتَارًا) لَا يَتَقَيَّدُ الْبُطْلَانُ بِالِاخْتِيَارِ، وَعِبَارَةُ م ر: فَإِنْ انْحَرَفَ إلَى غَيْرِهَا عَامِدًا عَالِمًا وَلَوْ قَهْرًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ عَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ إلَى مَقْصِدِهِ فَقَوْلُهُ مُخْتَارًا لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ الْمُكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ طَالَ الْفَصْلُ) أَيْ الزَّمَنُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بِأَنْ عَادَ عَنْ قُرْبٍ، وَكَذَا لَوْ انْحَرَفَ الْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ عَنْ الْقِبْلَةِ نَاسِيًا وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ فَلَا يَضُرُّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَحْرَفَهُ غَيْرُهُ قَهْرًا وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ لِنُدُورِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ كَثِيرًا أَنْ يَنْفُذَ شَخْصٌ بَيْنَ مُصَلِّيَيْنِ فَيَحْرِفَهُمَا، أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ يَمُرَّ بِجَنْبِ مُصَلٍّ فَيَحْرِفَهُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَفِي ذَلِكَ) أَيْ فِي سَنِّ السُّجُودِ وَعَدَمِهِ وَالْمُعْتَمَدُ السَّنُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفِيهِ) أَيْ الرَّاكِبَ إيمَاءٌ إلَخْ.
وَلَا يَلْزَمُهُ وَضْعُ جَبْهَتِهِ عَلَى نَحْوِ عُرْفِ الدَّابَّةِ أَيْ شَعْرِ رَقَبَتِهَا أَوْ سَرْجِهَا، وَلَا بَذْلُ وُسْعِهِ فِي الِانْحِنَاءِ، وَإِنْ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهِ الْمَشَقَّةَ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ سُجُودُهُ إلَخْ) أَيْ يَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ وُجُوبًا حَيْثُ أَمْكَنَهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْحَنِيَ لِلسُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ أَكْمَلِ رُكُوعِ الْقَاعِدِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْأَكْمَلِ فَقَطْ لَمْ يَلْزَمْهُ جَعْلُهُ لِلسُّجُودِ، وَالْأَقَلُّ لِلرُّكُوعِ نَظِيرُ مَا يَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْقِيَامِ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ شَوْبَرِيٍّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَاشِي يُتِمُّ رُكُوعَهُ) أَيْ وُجُوبًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، نَعَمْ يَكْفِيهِ الْإِيمَاءُ حَيْثُ كَانَ يَمْشِي فِي وَحْلٍ وَنَحْوِهِ أَوْ مَاءٍ أَوْ ثَلْجٍ لِمَا فِي الْإِتْمَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ وَتَلْوِيثِ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ بِالطِّينِ وَنَحْوِهِ كَمَا قَالَهُ ق ل وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ) لِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الرَّاكِبِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَلَهُ الْمَشْيُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِيَامُ وَالتَّشَهُّدُ وَالِاعْتِدَالُ وَالسَّلَامُ لِطُولِ زَمَنِهِ أَوْ لِسُهُولَةِ الْمَشْيِ فِيهِ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ يَمْشِي فِي أَرْبَعٍ فِي قِيَامِهِ وَاعْتِدَالِهِ وَتَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ.
وَيَتْرُكُ الْمَشْيَ فِي أَرْبَعٍ فِي إحْرَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ، وَقَوْلُهُ وَتَشَهُّدُهُ وَلَوْ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (عَيْنِيًّا أَوْ غَيْرَهُ) بِحَسَبِ الْأَصْلِ أَوْ عَارِضًا، فَيَشْمَلُ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُعَادَةِ وَالْمَنْذُورَةِ، وَخَرَجَ النَّفَلُ وَإِنْ نَذَرَ إتْمَامَهُ لِجَوَازِهِ قَاعِدًا وَعَدَمِ وُجُوبِ قَضَائِهِ لَوْ فَسَدَ وَقَوْلُ شَيْخِنَا م ر. إنَّهُ كَالْفَرْضِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرَهُ) مِنْ مَنْذُورَةٍ أَوْ جِنَازَةٍ م ر. قَوْلُهُ: (وَاقِفَةٍ) أَيْ وَزِمَامُهَا بِيَدِ مُمَيِّزٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَأَتَمَّ الْفَرْضَ) هَذَا شَرْطٌ ثَالِثٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ سَائِرَةً أَوْ لَمْ يَتَوَجَّهْ، أَوْ لَمْ يَتِمَّ الْفَرْضُ.
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ إلَخْ عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ سَيْرَ الدَّابَّةِ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَتْ سَائِرَةً أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ

الدَّابَّةِ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ.

وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا وَتَوَجَّهَ شَاخِصًا مِنْهَا كَعَتَبَتِهَا ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا جَازَ مَا صَلَّاهُ.

وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ وَلَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لَمْ يَعْمَلْ

[حاشية البجيرمي]

زِمَامُهَا بِيَدِ غَيْرِهِ وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ أَوْ وَطِئَتْ نَجَاسَةً لَمْ يَضُرَّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ زِمَامُهَا بِيَدِهِ، وَلَوْ دَمِيَ فَمُهَا، وَفِي يَدِهِ لِجَامُهَا أَوْ اتَّصَلَتْ بِهَا نَجَاسَةٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ ضَرَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى وَبِيَدِهِ حَبْلٌ طَاهِرٌ مُتَّصِلٌ بِنَجَاسَةٍ وَلَا يُكَلَّفُ الْمَاشِي التَّحَفُّظَ وَالِاحْتِيَاطَ فِي مَشْيِهِ، فَلَوْ وَطِئَ نَجَاسَةً جَاهِلًا بِهَا، وَكَانَتْ يَابِسَةً وَفَارَقَهَا حَالًا لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ تَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهَا وَلَوْ يَابِسَةً، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَنْهَا مَعْدِلًا وَلَوْ فَارَقَهَا حَالًا ضَرّ.
اهـ. ح ل. وَقَالَ اج: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَ لَهَا قَائِدٌ يَلْزَمُ زِمَامَهَا يُسَيِّرُهَا بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِفُ الْجِهَةُ جَازَ ذَلِكَ كَالسَّرِيرِ وَالصَّلَاةِ فِي الْمِحَفَّةِ السَّائِرَةِ لِمُرَاعَاةِ مَنْ بِيَدِهِ زِمَامُ الدَّابَّةِ الْقِبْلَةَ شَرْحُ م ر. تَنْبِيهٌ: لَوْ مَشَتْ الدَّابَّةُ الْوَاقِفَةُ ثَلَاثَ خُطُوَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ أَوْ وَثَبَتَ وَثْبَةً فَاحِشَةً وَلَوْ سَهْوًا مِنْهُ بِأَنْ سَهَا فِي إحْكَامِ زِمَامِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ زِمَامُهَا بِيَدِهِ وَلَا يَضُرُّ تَحْرِيكُ أُذُنَيْهَا وَرَأْسِهَا وَرِجْلِهَا ق ل.

قَوْلُهُ: (وَتَوَجَّهَ شَاخِصًا) وَلَوْ كَانَ الشَّاخِصُ مَمْلُوكًا لِشَخْصٍ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ يُعَدُّ مِنْهَا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ، وَلَوْ زَالَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ بِخِلَافِ زَوَالِ الرَّابِطَةِ ز ي. لِأَنَّ أَمْرَ الِاسْتِقْبَالِ فَوْقَ أَمْرِ الرَّابِطَةِ سم، أَمَّا إذَا لَمْ يَتَوَجَّهْ الشَّاخِصُ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى فِيهِ أَيْ فِي الْبَيْتِ لَا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا جَازَ اسْتِقْبَالُ هَوَائِهَا لِمَنْ هُوَ خَارِجَهَا لِأَنَّهُ يُسَمَّى عُرْفًا مُسْتَقْبِلًا لَهَا، بِخِلَافِ مَنْ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ فِي هَوَائِهَا فَلَا يُسَمَّى عُرْفًا مُسْتَقْبِلًا لَهَا.
اهـ. حَجّ.
قَوْلُهُ: (كَعَتَبَتِهَا) أَوْ بَابِهَا وَهُوَ مَرْدُودٌ أَوْ خَشَبَةٍ مَبْنِيَّةٍ أَوْ مُسَمَّرَةٍ فِيهَا، أَوْ تُرَابٍ جُمِعَ مِنْهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: كَعَتَبَتِهَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ مُسَمَّرَةٍ لَوْ سَمَّرَهَا هُوَ لِيُصَلِّيَ إلَيْهَا ثُمَّ يَأْخُذَهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَمَالَ م ر إلَى هَذَا الْخِلَافِ وَارْتَضَاهُ سم.
وَفِي حَجّ أَنَّهُ يَكْفِي اسْتِقْبَالُ الْوَتَدِ الْمَغْرُوزِ فَتَقْيِيدُ الْخَشَبَةِ بِالْمُسَمَّرَةِ وَالْمَبْنِيَّةِ لَيْسَ لِلتَّخْصِيصِ، بَلْ يَكْفِي ثُبُوتُهَا وَلَوْ بِغَيْرِ بِنَاءٍ وَتَسْمِيرٍ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ح ل وز ي وَعِبَارَةُ م ر: وَلَا تَكْفِي الْعَصَا الْمَغْرُوزَةُ هُنَا وَلَا حَشِيشٌ نَبَتَ لِكَوْنِهِ لَا يُعَدّ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَيُخَالِفُ الْعَصَا الْأَوْتَادُ الْمَغْرُوزَةُ فِي الدَّارِ حَيْثُ تُعَدُّ مِنْهَا بِدَلِيلِ دُخُولِهَا فِي بَيْعِهَا لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِغَرْزِهَا لِلْمَصْلَحَةِ فَعُدَّتْ مِنْ الدَّارِ لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ تُرَابٍ جُمِعَ مِنْهَا أَيْ: دُونَ مَا يُلْقِيهِ الرِّيحُ، وَانْظُرْ لَوْ انْهَدَمَ بَعْضُهَا وَوَقَفَ خَارِجَهَا مُسْتَقْبِلًا هَوَاءَ الْمُنْهَدِمِ دُونَ شَيْءٍ مِنْ الْبَاقِي هَلْ يَكْفِي لَأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلًا كَمَا لَوْ انْهَدَمَتْ كُلُّهَا، أَوْ لَا؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِقْبَالِ الْبَاقِي.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ ارْتَفَعَ عَلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَاسْتَقْبَلَ هَوَاءَهَا مَعَ إمْكَانِ الِانْخِفَاضِ بِحَيْثُ يَسْتَقْبِلُ نَفْسَهَا سم ع ش. اط ف. قَوْلُهُ: (ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا) أَيْ فَأَكْثَرَ بِذِرَاعِ الْآدَمِيِّ، وَإِنْ بَعُدَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرَ، وَفَارَقَ نَظِيرَهُ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي وَقَاضِي الْحَاجَةِ بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ سَتْرُهُ عَنْ الْكَعْبَةِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا مَعَ الْقُرْبِ، وَهُنَا إصَابَةُ عَيْنِهَا، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي الْبُعْدِ كَالْقُرْبِ.
اهـ. شَرْحُ م ر.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ سَهُلَ عَلَيْهِ عِلْمُ الْقِبْلَةِ أَيْ الْكَعْبَةِ وَمِثْلُهَا مَحَارِيبُ الْمُسْلِمِينَ الْمُعْتَمَدَةُ، أَوْ الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِ الْأَعَمُّ، وَالْمُرَادُ أَمْكَنَهُ عِلْمُهَا بِلَا مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ قَالَ سم: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَعْمَى إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدًا مِحْرَابُهُ مُعْتَمَدٌ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَسُّ الْكَعْبَةِ فِي الْأَوَّلِ وَالْمِحْرَابِ فِي الثَّانِي لِامْتِلَاءِ الْمِحْرَابِ بِالنَّاسِ وَامْتِدَادِ الصُّفُوفِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ الْمَسِّ وَجَازَ لَهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ اهـ. وَفِي فَتَاوَى م ر: يَكْفِي مَسُّ بَعْضِ الْمُصَلِّينَ عِنْدَ عَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ مَسِّ الْقِبْلَةِ وَمَشَقَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ اهـ اج مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (عِلْمُ الْقِبْلَةِ) أَيْ وَمَا فِي مَعْنَاهَا كَالْقُطْبِ وَمَوْقِفُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أُثْبِتَ بِالتَّوَاتُرِ فَإِنْ ثَبَتَ بِالْآحَادِ فَكَالْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ قَالَهُ ح ل. وَقَوْلُ ح ل كَالْقُطْبِ أَيْ بَعْدَ الِاهْتِدَاءِ إلَيْهِ وَمَعْرِفَتِهِ يَقِينًا، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِقْبَالِ بِهِ فِي كُلِّ قُطْرٍ، وَأَمَّا إذَا فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي يَجْتَهِدُ مَعَهَا وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ أَيْ: كَلَامِ مَنْ جَعَلَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَهُوَ بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ فِي بَنَاتِ نَعْشِ الصُّغْرَى شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (وَلَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) الْوَاوُ لِلْحَالِ وَحَائِلُ اسْمُ لَا.
وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: مَوْجُودٌ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ

بِغَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اعْتَمَدَ ثِقَةً يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ كَقَوْلِهِ: أَنَا أُشَاهِدُ الْكَعْبَةَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ مَعَ وُجُودِ إخْبَارِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ رُؤْيَةُ مَحَارِيبَ الْمُسْلِمِينَ بِبَلَدٍ كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ يَكْثُرُ طَارِقُوهُ، فَإِنْ فَقَدَ الثِّقَةَ الْمَذْكُورَ وَأَمْكَنَهُ اجْتِهَادٌ اجْتَهَدَ لِكُلِّ فَرْضٍ إنْ لَمْ يَذْكُرْ الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ.

فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الِاجْتِهَادِ أَوْ تَحَيَّرَ صَلَّى إلَى أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ وَأَعَادَ وُجُوبًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَعَلُّمٌ كَأَعْمَى الْبَصَرِ أَوْ الْبَصِيرَةِ قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا بِأَدِلَّتِهَا وَمَنْ أَمْكَنَهُ تَعَلُّمُ أَدِلَّتِهَا لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا، وَتَعَلُّمُهَا

[حاشية البجيرمي]

الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ أَمْكَنَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي عِلْمِهَا بِخِلَافِ الْأَعْمَى مَثَلًا إذَا أَمْكَنَهُ التَّحْسِيسُ عَلَيْهَا لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ لِكَثْرَةِ الصُّفُوفِ وَالزِّحَامِ، فَيَكُونُ كَالْحَائِلِ فَيُقَلِّدُ مُخْبِرًا عَنْ عِلْمٍ، هَكَذَا ظَهَرَ وَعَرَضْته عَلَى شَيْخِنَا الطَّبَلَاوِيِّ، فَوَافَقَ سم، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَعْمَى مُسْتَفَادٌ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ الْإِمْكَانَ بِالسُّهُولَةِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَعْمَلْ بِغَيْرِهِ) أَيْ مِنْ قَبُولِ خَبَرٍ أَوْ اجْتِهَادٍ.
قَوْلُهُ: (اعْتَمَدَ ثِقَةً) أَيْ بَصِيرًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ مِمَّنْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ إذَا كَانَ مَنْ بِمَكَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ حَائِلٌ لَا يُكَلَّفُ الصُّعُودَ، لِأَنَّ السُّؤَالَ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ بِخِلَافِ الصُّعُودِ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ مَشَقَّةً لِبُعْدٍ الْمَكَانِ أَوْ نَحْوِهِ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا فِي تِلْكَ س ل. قَوْلُهُ: (كَقَوْلِهِ أَنَا أُشَاهِدُ الْكَعْبَةَ) أَوْ الْمِحْرَابَ الْمُعْتَمَدَ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ) أَيْ فِي الْجِهَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَاهُ رُؤْيَةُ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ تَقَدُّمُ ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا فَالْإِخْبَارُ الْمَذْكُورُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَحَارِيبِ إذَا تَعَارَضَا.
وَمِثْلُ ذَلِكَ بَيْتُ الْإِبْرَةِ الْمَعْرُوفُ لِعَارِفٍ بِهِ ق ل. وَعِبَارَتُهُ عَلَى الْجَلَالِ قَالَ السُّبْكِيُّ: مَحَلُّ جَوَازِ تَقْلِيدِ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهَا الْخَطَأُ بِاجْتِهَادِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهَا.
قَوْلُهُ: (يَكْثُرُ طَارِقُوهُ) أَيْ الْعَارِفُونَ حَيْثُ أَقَرُّوهُ وَأَخْبَرُوا بِصِحَّتِهِ ق ل أَيْ: وَسَلِمَتْ مِنْ الطَّعْنِ، بِخِلَافِ مَا لَمْ تَسْلَمْ مِنْهُ كَمَحَارِيبِ الْقَرَافَةِ وَأَرْيَافِ مِصْرَ، فَلَا يَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ مَعَ وُجُودِهَا، بَلْ يَجِبُ لِامْتِنَاعِ اعْتِمَادِهَا، وَيَكْفِي الطَّعْنُ مِنْ وَاحِدٍ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمِيقَاتِ أَوْ ذَكَرَ لَهُ مُسْتَنَدًا.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ فُقِدَ الثِّقَةُ) أَيْ حِسًّا وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ شَرْعًا بِأَنْ كَانَ فَوْقَ حَدِّ الْقُرْبِ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (لِكُلِّ فَرْضٍ) أَيْ عَيْنِيٍّ لَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَلَا نَفْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ مَوْضِعِهِ، بَلْ يَجِبُ الِاجْتِهَادُ لِلْفَرْضِ الْوَاحِدِ إذَا فَسَدَ وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ مَوْضِعِهِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ تَحَيَّرَ صَلَّى) أَيْ عِنْدَ ضِيقِهِ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَالَ ز ي: سَوَاءٌ أَضَاقَ الْوَقْتُ أَمْ لَا.
وَقَالَ الْحَلَبِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: أَوْ تَحَيَّرَ صَلَّى ظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَإِنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عَطْفِهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ إنْ جَوَّزَ زَوَالَ التَّحَيُّرِ صَبَرَ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَإِلَّا صَلَّى أَوَّلَهُ اهـ. وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا كَلَامَ ح ل إذْ لَوْلَا رُجْحَانُهُ لَمَا عَدَلَ عَنْ كَلَامِ شَيْخِهِ ز ي، فَلْيُحْفَظْ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (قَلَّدَ ثِقَةً) بَصِيرًا وَلَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً فَلَا يُقَلِّدُ أَعْمَى أَقْوَى إدْرَاكًا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَرَاتِبَ الْقِبْلَةِ أَرْبَعَةٌ: الْأُولَى الْمُشَاهَدَةُ.
الثَّانِيَةُ اعْتِمَادُ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ وَاعْتِمَادُ الْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ لَيْسَ تَقْلِيدًا لَهُ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ إنَّمَا يَكُونُ لِإِخْبَارِ الْمُجْتَهِدِ، وَفِي مَعْنَاهُ بَيْتُ الْإِبْرَةِ الصَّحِيحُ.
الثَّالِثَةُ: الِاجْتِهَادُ، الرَّابِعَةُ التَّقْلِيدُ فَلَا يَنْتَقِلُ لِلْمُتَأَخِّرَةِ إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ الَّتِي قَبْلَهَا، وَكُلُّهَا فِي الشَّرْحِ، وَيَكْفِي إخْبَارُ رَبِّ الْمَنْزِلِ الثِّقَةِ حَيْثُ عُلِمَ أَنَّ إخْبَارَهُ عَنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَإِلَّا لَمْ يُقَلِّدْهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر أَيْ بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ اجْتِهَادٍ أَوْ شَكَّ فِي أَمْرِهِ ع ش، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سُؤَالُهُ عَنْ مُسْتَنَدِهِ كَمَا قَالَهُ ح ل. فَإِخْبَارُهُ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَدِلَّتِهَا) وَهِيَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا هُوَ لَيْلِيٌّ كَالْقَمَرِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ نَهَارِيٌّ كَالشَّمْسِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَرْضِيٌّ كَالْجِبَالِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ هَوَائِيٌّ كَالرِّيَاحِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ سَمَاوِيٌّ كَالنُّجُومِ، وَكُلُّ نَجْمَةٍ قَدْرُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ لِأَنَّهَا لَوْ صَغَرَتْ لَمْ تُرَ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُعَلَّقَةٌ فِي الْكُرْسِيِّ بِسِلْسِلَةٍ مِنْ ذَهَبٍ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ خ ض عَنْ مَشَايِخِهِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5] لِأَنَّ نُورَهَا وَصَلَ إلَيْهَا.
وَأَقْوَى أَدِلَّتِهَا الْقُطْبُ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقَالِيمِ، فَفِي الْعِرَاقِ يَجْعَلُهُ

فَرْضُ عَيْنٍ لِسَفَرٍ فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَعَلُّمِهَا صَلَّى كَيْفَ كَانَ وَأَعَادَ وُجُوبًا وَفَرْضُ كِفَايَةٍ لِحَضَرٍ وَقَيَّدَ السُّبْكِيُّ السَّفَرَ بِمَا يَقِلُّ فِيهِ الْعَارِفُ بِالْأَدِلَّةِ فَإِنْ كَثُرَ كَرَكْبِ الْحَاجِّ فَكَالْحَضَرِ

وَمَنْ صَلَّى بِاجْتِهَادٍ فَتَيَقَّنَ خَطَأً مُعَيَّنًا أَعَادَ صَلَاتَهُ وُجُوبًا فَإِنْ

[حاشية البجيرمي]

الْمُصَلِّي خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى، وَفِي مِصْرَ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى، وَفِي الْيَمَنِ قُبَالَتَهُ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ.
وَفِي الشَّامِ وَرَاءَهُ مِمَّا يَلِي جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ، وَفِي نَجْرَانَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ اهـ ح ل. وَقَدْ نَظَمَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ أَمَاكِنَ اخْتِلَافِهَا فَقَالَ: بِمِصْرِنَا الْقُطْبُ الْمُصَلِّي جُعِلَا ... لِأُذُنِهِ الْيُسْرَى حَقِيقًا نَقْلَا وَلِآذَانِهِ الْيُمْنَى فَفِي الْعِرَاقِ ... وَالشَّامِ خَلْفَ الظَّهْرِ بِاتِّفَاقِ وَبِالْيَمَنِ تُجَاهَ وَجْهٍ جُعِلَا ... فَخُذْ هُدِيت مُحْكَمًا مُفَصَّلَا وَنَظَمَهَا أَيْضًا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: مَنْ وَاجَهَ الْقُطْبَ بِأَرْضِ الْيَمَنِ ... وَعَكْسُهُ الشَّامُ وَخَلْفَ الْأُذُنِ يُمْنَى عِرَاقٍ ثُمَّ يُسْرَى مِصْر ... قَدْ صَحَّحُوا اسْتِقْبَالَهُ فِي الْعُمْر وَاعْلَمْ أَنَّ تَعَلُّمَ الْقِبْلَةِ فَرْضُ عَيْنٍ لِمُنْفَرِدٍ سَفَرًا أَوْ حَضَرًا وَكِفَايَةٍ لِغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ م ر: وَيَحْرُمُ تَعَلُّمُهَا مِنْ كَافِرٍ وَلَا يَعْتَمِدُهَا مِنْهُ وَإِنْ وَافَقَ عَلَيْهَا مُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُ عَيْنٍ لِسَفَرٍ) أَيْ لِإِرَادَتِهِ.
لَا يُقَالُ حَيْثُ اكْتَفَوْا بِتَعَلُّمٍ وَاحِدٍ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ عَنْ الْبَاقِي لَمْ يَظْهَرْ كَوْنُهُ فَرْضَ عَيْنٍ، إذْ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ طَلَبًا حَازِمًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ عَدَمُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ كُلُّ فَرْدٍ مُخَاطَبٌ بِالتَّعْلِيمِ حَيْثُ كَانَ أَهْلًا لَهُ وَيُرْشِدُ لِذَلِكَ قَوْلُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَلَا يُقَلِّدُ إلَخْ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِفَرْصِ الْعَيْنِ مَعْنَاهُ الْأُصُولِيُّ الْمَذْكُورُ بَلْ هُوَ كَفَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ الْكُلُّ فَتَسْمِيَتُهُ فَرْضَ عَيْنٍ فِيهِ تَجَوُّزٌ لِمُشَابَهَتِهِ لَهُ فِي إثْمِ الْجَمِيعِ بِتَرْكِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْعَارِفِ أَنْ يُقَلِّدَهُ، وَلَا يُكَلَّفُ التَّعَلُّمَ لِيَجْتَهِدَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّقْلِيدِ وَالتَّعَلُّمِ لِيَجْتَهِدَ، فَيَكُونُ الْمُخَاطَبُ بِهِ عَلَى هَذَا الْبَعْضِ، فَيَكُونُ التَّقَابُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ هُوَ تَقَابُلُ الْقَوْلَيْنِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ.
أَعْنِي كَوْنَ الْمُخَاطَبِ بِهِ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (وَأَعَادَ وُجُوبًا) فَلَا يُقَلِّدُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلِجَوَازِ زَوَالِ التَّحَيُّرِ فِي صُورَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفَرْضُ كِفَايَةٍ لِحَضَرٍ) أَيْ يَكْثُرُ فِيهِ الْعَارِفُونَ.

: (فَتَيَقَّنَ) أَخْرَجَ الظَّنَّ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَالْمُرَادُ بِتَيَقُّنِهِ مَا يُمْنَعُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ فَيَدْخُلُ فِيهِ خَبَرُ الثِّقَةِ عَنْ مُعَايَنَةٍ اهـ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَإِذَا كَانَ قَبْلَهَا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يَتَقَيَّنَ الْخَطَأَ وَيَظْهَرَ لَهُ الصَّوَابُ يَقِينًا، أَوْ ظَنًّا فَيَعْمَلُ بِالثَّانِي وَأَنْ يَظُنَّ الْخَطَأَ فِي مَحَلٍّ وَالصَّوَابُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَيَعْمَلُ بِالثَّانِي أَيْضًا إنْ كَانَ أَرْجَحَ، وَإِلَّا تَخَيَّرَ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ، وَظَنَّ الصَّوَابَ اسْتَأْنَفَ وَإِنْ ظَنَّ الْخَطَأَ وَالصَّوَابَ قِيلَ يَتَحَوَّلُ، وَالْمُعْتَمَدُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ الثَّانِي أَرْجَحَ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْبَغَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ وَظَنَّ الصَّوَابَ أَعَادَ وَإِنْ ظَنَّ الْخَطَأَ وَالصَّوَابَ لَمْ يُؤَثِّرْ.
اهـ. ز ي. فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنْ تَيَقَّنَ أَوْ ظَنَّ، وَكَانَ الثَّانِي أَرْجَحَ عَمِلَ بِالثَّانِي فِيهِمَا، وَإِنْ اسْتَوَيَا تَخَيَّرَ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنْ تَيَقَّنَ عَمِلَ بِالثَّانِي أَوْ ظَنَّ، وَكَانَ الثَّانِي أَرْجَحَ، فَإِنْ اسْتَوَيَا اسْتَمَرَّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْأَوَّلِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْيَقِينِ دُونَ مَسْأَلَتَيْ الظَّنِّ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا فَالْجُمْلَةُ تِسْعَةٌ.
اهـ. م د. وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً، لِأَنَّ الْخَطَأَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا فِي الْجِهَةِ أَوْ التَّيَامُنِ أَوْ التَّيَاسُرِ، فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَكُونَ قَلَّدَ غَيْرَهُ أَوْ لَا.
فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا فِي الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ قَبْلَهَا، فَهَذِهِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً.
وَقَوْلُهُ: (فَتَيَقَّنَ خَطَأً مُعَيَّنًا) إلَخْ التَّعْقِيبُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْفَاءِ لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَأَمَّا التَّرْتِيبُ فَهُوَ قَيْدٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.

تَيَقَّنَ فِيهَا اسْتَأْنَفَهَا وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ ثَانِيًا عَمِلَ بِالثَّانِي وُجُوبًا إنْ تَرَجَّحَ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِمَا فَعَلَهُ بِالْأَوَّلِ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ مُؤَدَّاةٌ بِاجْتِهَادٍ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهَا الْخَطَأُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا وَلَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا عَمِلَ بِالْأَوَّلِ وُجُوبًا كَمَا نَقَلَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَفَارَقَ حُكْمَ التَّسَاوِي قَبْلَهَا بِأَنَّهُ هُنَا الْتَزَمَ بِدُخُولِهِ فِيهَا جِهَةً فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَّا بِأَرْجَحَ وَشَرْطُ الْعَمَلِ بِالثَّانِي فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَظُنَّ الصَّوَابَ مُقَارِنًا لِظُهُورِ الْخَطَأِ فَإِنْ لَمْ يَظُنَّهُ مُقَارِنًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّوَابِ عَلَى قُرْبٍ لِمُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ إلَى غَيْرِ قِبْلَةٍ وَلَا يَجْتَهِدُ فِي مَحَارِيبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جِهَةً وَلَا يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً وَلَا فِي مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ جِهَةً.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا) خَرَجَ بِتَيَقُّنِ الْخَطَأِ ظَنُّهُ، وَالْمُرَادُ بِتَيَقُّنِهِ مَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ فَيَدْخُلُ فِيهِ خَبَرُ الثِّقَةِ عَنْ مُعَايَنَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ ثَانِيًا) أَيْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا أَوْ فِيهَا بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ فِي جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْجِهَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (إنْ تَرَجَّحَ) فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْأَوَّلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ز ي. قَوْلُهُ: (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِمَا فَعَلَهُ بِالْأَوَّلِ) لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَالْخَطَأُ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أَيْ: فَقَدْ عَمِلَ هُنَا بِالِاجْتِهَادَيْنِ، وَفَارَقَ مَا فِي الْمِيَاهِ مِنْ عَدَمِ عَمَلِهِ فِيهَا بِالثَّانِي بِلُزُومِ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ، إنْ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ، وَالصَّلَاةُ بِنَجِسٍ إنْ لَمْ يَغْسِلْهُ، وَهُنَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الصَّلَاةُ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَقِينًا؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ هُنَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَالْخَطَأُ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ) وَكَذَا أَكْثَرُ فِي أَكْثَرَ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ خَطَأٌ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا فِي جِهَةٍ مِنْهَا، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى مَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَيَتَيَقَّنُ خَطَأً مُعَيَّنًا أَيْ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ هُنَا لَيْسَ مُعَيَّنًا بَلْ هُوَ مُبْهَمٌ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْفَاءِ وَقَالَ كَغَيْرِهِ: فَلَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ إلَخْ.
لَكَانَ أَظْهَرَ، لَكِنَّهُ مُوَافِقٌ فِي ذَلِكَ لِمَتْنِ الْمِنْهَاجِ.
قَالَ حَجّ: وَصَلَّى الْأَرْبَعَ إلَى الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِمَا إذَا صَلَّى كُلَّ رَكْعَةٍ لِجِهَةٍ بِنِيَّةٍ وَلَيْسَ مُرَادًا اهـ. قَوْلُهُ: (فَلَا إعَادَةَ) أَيْ لِكَوْنِ الْخَطَأِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (مُقَارِنًا) الْمُرَادُ بِالْمُقَارَنَةِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَهُ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجْتَهِدُ فِي مَحَارِيبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى فِيهَا بِإِخْبَارِ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا ح ل. وَقَالَ سم: مَحَارِيبُ النَّبِيِّ أَيْ الَّتِي ثَبَتَتْ صَلَاتُهُ فِيهَا وَلَوْ بِإِخْبَارٍ وَاحِدٍ اهـ. وَأَقَرَّهُ اج وَلَا يُلْحَقُ بِهِ مَحَارِيبُ الصَّحَابَةِ وَعِبَارَةُ ق ل مِحْرَابُ النَّبِيِّ مَا صَلَّى فِيهِ أَوْ طَلَعَ عَلَيْهِ اهـ. وَالْمِحْرَابُ لُغَةً صَدْرُ الْمَجْلِسِ وَاصْطِلَاحًا مَقَامُ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُحَارِبُ فِيهِ الشَّيْطَانَ، وَلَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا بِمَنْ فِيهِ خِلَافًا لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيّ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمِحْرَابَ الْمُعْتَادَ الْآنَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا زَمَنِ أَصْحَابِهِ؛ وَمَا يُوجَدُ مِنْ ذَلِكَ فِي جَامِعِ عَمْرٍو وَنَحْوِهِ، فَهُوَ حَادِثٌ بَعْدَهُمْ، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: 13] لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا هَذَا الْمِحْرَابَ الْمَعْرُوفَ، وَإِنَّمَا هِيَ الْغُرَفُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا أَيْ جِهَةَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا عَنْ شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِي مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ الْمَوْثُوقِ بِهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَمَحَارِيبِ الْقَرَافَةِ وَأَرْيَافِ مِصْرَ، فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُهَا وَلَا يَلْحَقُ بِهَا مَحَارِيبُ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي م ر. قَوْلُهُ: (جِهَةً) أَيْ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْجِهَةِ بِخِلَافِ التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ فَيَجْتَهِدُ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ فِي الْجِهَةِ دُونَهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ فِي نَحْوِ قِبْلَةِ الْكُوفَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالشَّامِ وَجَامِعِ مِصْرَ الْعَتِيقِ جَائِزًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُنَصِّبُوهَا إلَّا عَنْ اجْتِهَادٍ.
اهـ. اج.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرُّكْنِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ (وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رُكْنًا) وَهَذَا مَا فِي التَّنْبِيهِ بِجَعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَفِي السَّجْدَتَيْنِ وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ أَرْكَانًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ وَالتَّحْقِيقِ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ نِيَّةَ الْخُرُوجِ لَا تَجِبُ، وَجَعَلَهَا فِي الْمِنْهَاجِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ بِجَعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ كَالْهَيْئَةِ التَّابِعَةِ، وَجَعَلَهَا فِي الْحَاوِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَزَادَ الطُّمَأْنِينَةَ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا فِي الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ رُكْنًا وَاحِدًا، وَالْخُلْفُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ، فَمَنْ لَمْ يَعُدَّ الطُّمَأْنِينَةَ رُكْنًا جَعَلَهَا فِي كُلِّ رُكْنٍ كَالْجُزْءِ مِنْهُ وَكَالْهَيْئَةِ

[حاشية البجيرمي]

[فَصَلِّ فِي أَرْكَان الصَّلَاة]

عَبَّرَ هُنَا بِالْأَرْكَانِ، وَفِي الْوُضُوءِ بِالْفُرُوضِ لِأَنَّ الْفُرُوضَ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الرُّكْنِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَعْنَى الرُّكْنِ لُغَةً وَفِي الْمِصْبَاحِ رُكْنُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ فَأَرْكَانُ الشَّيْءِ أَجْزَاءُ مَاهِيَّتِه وَالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ فُهِمَ مِنْ الْفَرْقِ وَهُوَ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَكَانَ جُزْءًا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْنًى، أَيْ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الَّذِي قَدَّمَهُ قَوْلُهُ وَالرُّكْنُ كَالشَّرْطِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيُفَارِقُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ فِيهَا كَالطُّهْرِ وَالسِّتْرِ.
وَالرُّكْنُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَكَانَ جُزْءًا مِنْهَا، وَلَا يَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ اهـ. فَفِيهِ الْفَرْقُ دُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، يَعْنِي أَنَّ مَا ذَكَرَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ صَحِيحٌ، وَكَذَا تَقَدَّمَ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ لِفَهْمِهِ مِنْ الْفَرْقِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ) مِنْ إضَافَةِ الْأَجْزَاءِ لِلْكُلِّ.
قَوْلُهُ: (رُكْنًا) تَمْيِيزٌ غَيْرُ مُحَوَّلٍ لِأَنَّهُ تَمْيِيزٌ مُفْرَدٌ، وَهُوَ تَمْيِيزٌ مُؤَكِّدٌ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ الْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ " قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ لَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ الْخُرُوجِ.
قَوْلُهُ: (وَجَعَلَهَا فِي الْمِنْهَاجِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ) وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُنَاسِبُ لِأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْهَيْئَةِ أَلْيَقُ، وَمِثْلُهَا فَقْدُ الصَّارِفِ وَكَذَا الْمُصَلِّي، وَفَارَقَ نَحْوَ الْبَيْعِ وَالصَّوْمِ حَيْثُ عَدُّوا الْبَائِعَ وَالصَّائِمَ رُكْنَيْنِ بِعَدَمِ وُجُودِ صُورَةٍ مَحْسُوسَةٍ فِي الْخَارِجِ فِيهِمَا، وَعَلَى عَدِّهِمَا أَيْ فَقْدِ الصَّارِفِ وَالْمُصَلِّي رُكْنَيْنِ تَكُونُ الْأَرْكَانُ عِشْرِينَ، وَعَلَى عَدِّ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ تَكُونُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (بِجَعْلِ الطُّمَأْنِينَةِ كَالْهَيْئَةِ) أَيْ الصِّفَةِ، وَانْظُرْ لِمَ أَتَى بِالْكَافِ مَعَ أَنَّهَا هَيْئَةٌ وَجَعَلَهَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ هَيْئَةً تَابِعَةً لِلرُّكْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُلْفُ بَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَعَدَمُهُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهَذَا فِي غَيْرِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ، أَمَّا الْخِلَافُ فِيهَا فَمَعْنَوِيٌّ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ فِي السُّجُودِ فِي طُمَأْنِينَةِ الِاعْتِدَالِ مَثَلًا، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا تَابِعَةً لَمْ يُؤَثِّرْ شَكُّهُ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا مَقْصُودَةً لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِلِاعْتِدَالِ فَوْرًا كَمَا فِي أَصْلِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَعُودُ كَمَا يَأْتِي اهـ اج.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ شَكُّهُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً فَلَا بُدَّ مِنْ تَدَارُكِهَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّكِّ فِي بَعْضِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا بِأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا ذَلِكَ فِيهَا لِكَثْرَةِ حُرُوفِهَا وَغَلَبَةِ الشَّكِّ فِيهَا، وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْعَوْدِ لِلطُّمَأْنِينَةِ إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمُتَابَعَةُ وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ، وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ السَّلَامِ رَكْعَةً.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ لَمْ يَعُدَّ الطُّمَأْنِينَةَ) تَفْرِيعٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ وَلَيْسَ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ وَالْخُلْفُ بَيْنَهُمْ

التَّابِعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُهُمْ فِي التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ بِرُكْنٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَبِهِ يُشْعِرُ خَبَرُ: «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ» الْآتِي.
وَمَنْ عَدَّهَا أَرْكَانًا فَذَاكَ لِاسْتِقْلَالِهَا، وَصِدْقِ اسْمِ السُّجُودِ وَنَحْوِهِ بِدُونِهَا، وَجُعِلَتْ أَرْكَانًا لِتَغَايُرِهَا بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا، وَمَنْ جَعَلَهَا رُكْنًا وَاحِدًا فَلِكَوْنِهَا جِنْسًا وَاحِدًا كَمَا عَدُّوا السَّجْدَتَيْنِ رُكْنًا لِذَلِكَ.
الْأَوَّلُ (النِّيَّةُ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ أَوَّلُهَا لَا فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَتْ رُكْنًا كَالتَّكْبِيرِ وَالرُّكُوعِ.
وَقِيلَ: هِيَ شَرْطٌ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ فَتَكُونُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: هِيَ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5] قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَالْإِخْلَاصُ فِي كَلَامِهِمْ النِّيَّةُ.

[حاشية البجيرمي]

لَفْظِيٌّ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ.
قَوْلُهُ: (وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُهُمْ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا التَّقَدُّمَ بِالرُّكُوعِ مَثَلًا تَقَدُّمًا بِرُكْنَيْنِ بَلْ بِرُكْنٍ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ لِأَنَّهَا هَيْئَةٌ تَابِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (الْآتِي) لِأَنَّهُ قَالَ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، وَلَمْ يَقُلْ وَاطْمَئِنَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَابِعَةٌ قَوْلُهُ: (وَصِدْقِ اسْمِ السُّجُودِ) عَطْفُ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ اسْتِقْلَالِهَا صِدْقُ اسْمِ السُّجُودِ بِدُونِهَا قَوْلُهُ: (وَمَنْ جَعَلَهَا رُكْنًا وَاحِدًا إلَخْ) يُقَالُ عَلَيْهِ فَمَا بَالُ الْمُصَنِّفِ عَدَّهَا أَرْكَانًا لِتَغَايُرِهَا بِاخْتِلَافِ مَحَالِّهَا وَلَمْ يُجْرِ عَلَى ذَلِكَ فِي السَّجْدَتَيْنِ، فَعَدَّهُمَا رُكْنًا وَاحِدًا، فَمَا وَجَّهَ بِهِ صَنِيعَهُ فِي الطُّمَأْنِينَةِ يَخْدِشُهُ صَنِيعُهُ فِي السَّجْدَتَيْنِ قَوْلُهُ: (رُكْنًا لِذَلِكَ) لِكَوْنِهِمَا جِنْسًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: (لَا فِي جَمِيعِهَا) قَصْدُهُ الرَّدُّ عَلَى الْقَائِلِ بِالشَّرْطِيَّةِ قَوْلُهُ: (عَنْ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ) قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ فِي شَرْحِهِ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ خُرُوجَ الْقَصْدِ عَنْ الْفِعْلِ لَا يَمْنَعُ أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا هُوَ مُسَمَّى الصَّلَاةِ شَرْعًا وَهُوَ الْمُدَّعَى اهـ. عَلَى أَنَّهَا مُقَارِنَةٌ بِالتَّكْبِيرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ رُكْنُ تَأَمُّلٍ ق ل. قَوْلُهُ: (هِيَ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ) أَيْ لِأَنَّهُ يَجِبُ اسْتِمْرَارُهَا حُكْمًا بِأَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يُنَافِيهَا، فَلَوْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهَا حَالًا أَوْ بَعْدَ نَحْوِ رُكُوعِهِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي الْخُرُوجِ وَالِاسْتِمْرَارِ أَوْ عَلَّقَ الْخُرُوجَ بِشَيْءٍ وَإِنْ قَطَعَ بِحُصُولِهِ أَوْ جَوَّزَ حُصُولَهُ وَعَدَمَ حُصُولِهِ ضَرَّ، وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوُضُوءِ وَالِاعْتِكَافِ لَمْ يَضُرَّ سم.
وَقَوْلُهُ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ افْتَتَحَهَا مَعَ مُقَارَنَةِ مُفْسِدٍ مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ اسْتِدْبَارٍ وَتَمَّتْ النِّيَّةُ وَلَا مَانِعَ لَمْ تَصِحَّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ وَصَحَّتْ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ أَيْ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمَاهِيَّةِ.
قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهَا شَرْطٌ أَوْ رُكْنٌ لِمُقَارَنَةِ الْمُفْسِدِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ رُكْنِيَّتُهَا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّلَاةِ وَتَتَعَلَّقُ بِمَا عَدَاهَا مِنْ الْأَرْكَانِ وَلَا تَفْتَقِرُ إلَيَّ نِيَّةٍ وَلَك أَنْ تَقُولَ: يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا بِنَفْسِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ صِفَةٍ تَتَعَلَّقُ وَلَا تُؤَثِّرُ يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا بِنَفْسِهَا وَبِغَيْرِهَا كَالْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ أَنَّ لَهُ عِلْمًا وَإِنَّمَا لَمْ تَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ لِأَنَّهَا شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الصَّلَاةِ فَتُحَصِّلُ نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا كَالشَّاةِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا شَرْحُ م ر. وَقَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: أَرْكَانُهَا نِيَّةٌ بِقَلْبٍ لِفِعْلِهَا أَيْ الصَّلَاةِ وَلَوْ نَفْلًا وَهِيَ هُنَا مَا عَدَا النِّيَّةَ لِأَنَّهَا لَا تُنْوَى اهـ. وَقَوْلُهُ: وَهِيَ هُنَا أَيْ الصَّلَاةُ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهَا لَا تُنْوَى وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ لِأَنَّ كُلَّ نِيَّةٍ تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَهَذَا لَا يَأْتِي إلَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَنْوِي كُلَّ فَرْدٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَنْوِي الْمَجْمُوعَ أَيْ يُلَاحِظُ مَجْمُوعَ الصَّلَاةِ بِالنِّيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَيُمْكِنُ أَنْ تُنْوَى بِأَنْ تُلَاحَظَ مِنْ جُمْلَةِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا تُنْوَى أَيْ لَا تَجِبُ نِيَّتُهَا أَيْ وَحْدَهَا، فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُلَاحِظَ النِّيَّةَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُلَاحِظَ النِّيَّةَ أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلَاحِظَ أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ [البينة: 5] أَيْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا إذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ.
وَاسْتُشْكِلَ تَفْسِيرُ الْإِخْلَاصِ بِالنِّيَّةِ بِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى نَاوِينَ لَهُ الدِّينَ وَالدِّينُ لَا يُنْوَى إذْ هُوَ الْأَحْكَامُ وَلَا مَعْنَى لِنِيَّتِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ مُتَعَلِّقَاتِ الدِّينِ.
وَهِيَ الْأَفْعَالُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ قَوْلُهُ: (قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ) لَعَلَّ وَجْهَ إسْنَادِهِ لِلْمَاوَرْدِيِّ إشَارَةٌ إلَى الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَتِهِ، فَقَدْ فَسَّرَ الْبَيْضَاوِيُّ الْإِخْلَاصَ بِعَدَمِ الْإِشْرَاكِ.
قَوْلُهُ: (فِي كَلَامِهِمْ) أَيْ الْمُفَسِّرِينَ

وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَدَأَ بِهَا لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضًا وَلَوْ نَذْرًا أَوْ قَضَاءً أَوْ كِفَايَةً وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهَا لِتَتَمَيَّزَ عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَتَعْيِينُهَا لِتَتَمَيَّزَ عَنْ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَتَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ النَّفْلِ، وَلَا تَجِبُ فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَصَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، لِأَنَّ صَلَاتَهُ تَقَعُ نَفْلًا، فَكَيْفَ يَنْوِي الْفَرْضِيَّةَ؟ وَلَا تَجِبُ الْإِضَافَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لَهُ تَعَالَى وَتُسْتَحَبُّ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْإِخْلَاصِ.

وَتُسْتَحَبُّ نِيَّةُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَلَوْ غَيَّرَ الْعَدَدَ كَأَنْ نَوَى الظُّهْرَ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا لَمْ تَنْعَقِدْ.

وَتَصِحُّ نِيَّةُ الْأَدَاءِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ عِنْدَ جَهْلِ الْوَقْتِ لِغَيْمٍ أَوْ نَحْوِهِ كَأَنْ ظَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَصَلَّاهَا قَضَاءً فَبَانَ وَقْتُهُ، أَوْ ظَنَّ بَقَاءَ الْوَقْتِ فَصَلَّاهَا أَدَاءً فَبَانَ خُرُوجُهُ لِاسْتِعْمَالِ كُلٍّ بِمَعْنَى الْآخَرِ تَقُولُ: قَضَيْت الدَّيْنِ وَأَدَّيْته بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] أَيْ أَدَّيْتُمْ أَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَالِمًا فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ تَصْرِيحِهِمْ.
نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لَمْ يَضُرَّهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَنْوَارِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِلْوَقْتِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضًا إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ مَرَاتِبَ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: الْفَرْضُ بِأَقْسَامِهِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْقَصْدُ، وَالتَّعْيِينُ، وَنِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ.
الثَّانِي: النَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ وَالسَّبَبِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرَانِ: الْقَصْدُ وَالتَّعْيِينُ.
وَلَا حَاجَةَ لِنِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ لِلُزُومِ النَّفْلِيَّةِ لَهُ بِخِلَافِ الْعَصْرِ وَنَحْوِهَا أَيْ إذَا نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ وَلَمْ يَقُلْ فَرْضًا فَلَا تَكْفِي لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ نَفْلًا كَالْمُعَادَةِ.
الثَّالِثُ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فَيَكْفِي فِيهِ قَصْدُ الصَّلَاةِ وَلَا حَاجَةَ لِلتَّعْيِينِ وَلَا النَّفْلِ لِمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (قَصْدُ فِعْلِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، الْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ الْإِضَافَةِ بَيَانِيَّةً قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ) أَيْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ، وَفَارَقَتْ الْمُعَادَةَ بِأَنَّ صَلَاتَهُ تَقَعُ نَفْلًا اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْمُعَادَةِ فَقِيلَ فِيهَا إنَّ الْفَرْضَ هُوَ الثَّانِيَةُ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى مَا فَاتَهُ فِي زَمَنِ التَّمْيِيزِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعَادَةَ كَالْأَصْلِيَّةِ إلَّا فِي جَوَازِ تَرْكِهَا ابْتِدَاءً.
قَوْلُهُ: (فَكَيْفَ يَنْوِي الْفَرْضِيَّةَ) فَإِيجَابُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَيْهِ إيجَابُ نِيَّةٍ خِلَافِ الْوَاقِعِ.
قَالَ سم: لَكِنْ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِهَا فِي حَقِّهِ نِيَّةُ مَا هُوَ فَرْضٌ فِي نَفْسِهِ.
وَفِي ع ش أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةٍ مِنْ النِّيَّاتِ الْمُجْزِئَةِ فَلَا تَكْفِي نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ إذْ الْقِيَامُ فِيهَا لَا بُدَّ مِنْهُ

قَوْلُهُ: (لَمْ تَنْعَقِدْ) سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا لِتَلَاعُبِهِ أَوْ غَالِطًا عَلَى الرَّاجِحِ أَخْذًا مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ مَا وَجَبَ التَّعَرُّضُ لَهُ جُمْلَةً أَوْ تَفْصِيلًا يَضُرُّ الْخَطَأُ فِيهِ شَرْحُ م ر: وَعَدَدُ الرَّكَعَاتِ يَتَعَرَّضُ لَهَا جُمْلَةً فِي ضِمْنِ التَّعْيِينِ.

قَوْلُهُ: (بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ) أَيْ بَدَلِ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى بَدَلٍ لِتَوَافُقِ عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ وَهِيَ وَصَحَّ أَدَاءٌ بِنِيَّةِ قَضَاءٍ وَعَكْسِهِ وَهِيَ أَظْهَرُ قَوْلُهُ: (كَأَنْ ظَنَّ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوِّشٌ قَوْلُهُ: (فَبَانَ وَقْتُهُ) أَيْ بَقَاءُ وَقْتِهِ قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ قَصَدَ حَقِيقَةَ أَحَدِهِمَا الشَّرْعِيَّةِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ عَامِدًا كَمَا قَالَهُ ق ل. وَيَدُلُّ لَهُ مَا بَعْدَهُ بِأَنْ قَصَدَ أَنَّ الْأَدَاءَ مَا كَانَ دَاخِلَ الْوَقْتِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ فَاتَ أَوْ قَصَدَ أَنَّ الْقَضَاءَ مَا كَانَ خَارِجَهُ وَالْحَالُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ م د. قَوْلُهُ: (إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ) أَيْ أَوْ أَطْلَقَ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَفِي ع ش أَنَّ الْإِطْلَاقَ يَضُرُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (لَمْ يَضُرَّ) سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً.
وَفِي فَتَاوَى الْبَارِزِيِّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي مَوْضِعٍ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً يَتَرَاءَى لَهُ الْفَجْرُ فَيُصَلِّي ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ صَلَاةَ كُلِّ يَوْمٍ تَكُونُ قَضَاءً عَنْ صَلَاةِ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُمْ لَوْ أَحْرَمَ بِفَرِيضَةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا ظَانًّا دُخُولَهُ انْعَقَدَتْ نَفْلًا مَحَلُّهُ فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَقْضِيَّةٌ نَظِيرُ مَا نَوَاهُ شَرْحُ م ر. وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قَصَدَ فَرْضَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ دُخُولَهُ أَمْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لسم هُنَا.
وَعِبَارَتُهُ فِي

فَلَوْ عَيَّنَ الْيَوْمَ وَأَخْطَأَ لَمْ يَضُرَّ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ أَصْلِ الرَّوْضَةِ.
وَمَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ ظُهْرَ يَوْمِ كَذَا بَلْ يَكْفِيهِ نِيَّةُ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، وَالنَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ أَوْ ذُو السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِي اشْتِرَاطِ قَصْدِ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَتَعْيِينِهَا كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَرَاتِبَةِ الْعِشَاءِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَسُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ الَّتِي بَعْدَهَا، وَالْوِتْرُ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلَا يُضَافُ إلَى الْعِشَاءِ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ أَوْ بِأَكْثَرَ وَوَصَلَ نَوَى الْوِتْرَ، وَإِنْ فَصَلَ نَوَى بِالْوَاحِدَةِ الْوِتْرَ.
وَيَتَخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا بَيْنَ نِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ أَوْ مُقَدَّمَةِ الْوِتْرِ وَسُنَّتِهِ وَهِيَ أَوْلَى أَوْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْوِتْرِ عَلَى الْأَصَحِّ هَذَا إذَا نَوَى عَدَدًا فَإِنْ قَالَ: أُصَلِّي الْوِتْرَ وَأَطْلَقَ صَحَّ وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ رَكْعَةٍ إلَى إحْدَى عَشْرَةَ وِتْرًا، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ

[حاشية البجيرمي]

حَوَاشِي حَجّ الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنْ قَصَدَ بِالصَّلَاةِ فَرْضَ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ دُخُولَهُ بِخُصُوصِهِ فَالْوَجْهُ عَدَمُ وُقُوعِهَا عَنْ الْفَائِتَةِ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْمَذْكُورَ صَارِفٌ عَنْ الْفَائِتَةِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ مَا ذَكَرَ فَالْوَجْهُ الْوُقُوعُ عَنْ الْفَائِتَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ لَكِنَّ فِي فَتَاوَى م ر نَحْوَ مَا قَالَهُ سم لَكِنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِهِ وَإِفْتَاءُ وَالِدِهِ هُوَ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا.
اهـ. أُجْهُورِيٌّ قَوْلُهُ: (بَلْ يَكْفِيهِ نِيَّةُ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ) وَسُئِلَ الْوَالِدُ عَمَّنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ ظُهْرِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ فَقَطْ فَصَلَّى ظُهْرًا نَوَى بِهِ قَضَاءَ ظُهْرِ يَوْمِ الْخَمِيسِ غَالِطًا هَلْ يَقَعُ عَمَّا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَيَّنَ مَا لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا وَأَخْطَأَ فِيهِ أَوْ لَا كَمَا فِي الْإِمَامِ؟ وَالْجِنَازَةِ أَيْ إذَا نَوَى الِاقْتِدَاءَ بِزَيْدٍ فَبَانَ عَمْرًا وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَكَذَا إذَا نَوَى فِي الْجِنَازَةِ الصَّلَاةَ عَلَى زَيْدٍ فَبَانَ عَمْرًا وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لِمَا ذُكِرَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ اهـ م د. قَوْلُهُ: (وَالنَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ إلَخْ) هَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ السَّابِقِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ فَرْضًا فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَوْ أَرَادَ نَفْلًا ذَا وَقْتٍ إلَخْ قَوْلُهُ: (وَكَسُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا إلَخْ) فَإِنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ نَوَى سُنَّةَ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةَ مَثَلًا وَأَطْلَقَ قَالَ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعٍ.
وَقَالَ زي وَنُقِلَ عَنْ م ر: إنَّهَا تَنْصَرِفُ لِرَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الضُّحَى.
وَقَوْلُهُ الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ قَدَّمَهَا قَالَ سم: وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ لَهَا قَبْلِيَّةٌ وَبَعْدِيَّةٌ اهـ فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْعَصْرُ وَالْفَجْرُ فَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ صَلَاةِ سُنَّتِهِمَا عَلَى نِيَّةِ الْقَبْلِيَّةِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُضَافُ إلَى الْعِشَاءِ) أَيْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ فِيهِ سُنَّةَ الْعِشَاءِ أَوْ رَاتِبَهَا ق ل وَأَمَّا إذَا قَالَ: نَوَيْت وِتْرَ سُنَّةِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ م د. وَعِبَارَةُ الْمُدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ قَوْلُهُ وَمِنْهُ الْوِتْرُ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ رَوَاتِبِ الْعِشَاءِ.
وَفِي الرَّوْضَةِ عَدَّةُ مِنْهَا وَتَقَدَّمَ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ إضَافَتِهِ إلَيْهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ فِي سُنَّةِ الْعِشَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى تَوَقُّفِ فِعْلِهِ عَلَيْهَا كَسُنَّتِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهَا اهـ قَوْلُهُ: (وَوَصَلَ نَوَى الْوِتْرَ) أَوْ سُنَّةَ الْوِتْرِ أَوْ رَاتِبَةَ الْوِتْرِ أَوْ مِنْ سُنَّةِ الْوِتْرِ أَوْ مِنْ رَاتِبَةِ الْوِتْرِ أَوْ مِنْ الْوِتْرِ، وَتَقَعُ مِنْ لِلِابْتِدَاءِ لَا لِلتَّبْعِيضِ كَمَا أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي نَحْوِ رَاتِبَةِ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّةِ الْوِتْرِ لِلْبَيَانِ ق ل قَوْلُهُ: (نَوَى بِالْوَاحِدَةِ الْوِتْرَ) أَوْ مِنْ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّةَ الْوِتْرِ ق ل قَوْلُهُ: (وَيَتَخَيَّرُ فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْوَاحِدَةِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ مِنْ الْوِتْرِ أَوْ سُنَّةِ الْوِتْرِ أَيْضًا عَلَى الْمُتَّجَهِ ق ل قَوْلُهُ: (بَيْنَ نِيَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ) هَكَذَا ذَكَرَ هَذِهِ الشَّارِحُ، وَيُتَّجَهُ فِيهَا عَدَمُ صِحَّتِهَا لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْوِتْرِ ق ل لَكِنَّ الَّذِي فِي شَرْحِ م ر مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ الْبَحْثُ فِيهِ مُنْقَدِحًا م د قَوْلُهُ: (أَوْ مُقَدِّمَةِ الْوِتْرِ) أَوْ الْوِتْرِ أَيْضًا عَلَى الْمُتَّجَهِ ق ل قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ قَوْلُهُ فَإِنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ إلَخْ قَوْلُهُ (وَيُحْمَلُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ مِنْ رَكْعَةٍ) الَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر أَنَّ نِيَّتَهُ تُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا أَدْنَى الْكَمَالِ فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَلَا النَّقْصُ عَنْهَا، وَيُقَالُ مِثْلُهُ فِيمَنْ نَذَرَ الْوِتْرَ وَأَطْلَقَ فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَعِبَارَتُهُ، وَرَجَّحَ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحَمْلَ عَلَى ثَلَاثٍ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَطْلُبُهُ الشَّارِعُ فِيهِ فَصَارَ بِمَثَابَةِ أَقَلِّهِ إذْ الرَّكْعَةُ قِيلَ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً بِنَفْسِهَا.
اهـ. أُجْهُورِيٌّ قَوْلُهُ: (وِتْرًا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ) أَيْ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ بِأَنْوَاعِهِ ق ل فَهَذَا رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ: (وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ الْمُطْلَقِ) أَيْ أَقَلُّ مَا يَكْفِي فِيهِ ذَلِكَ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكْفِيهِ غَيْرُهُ م د وَهَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ سَابِقًا، فَإِنْ أَرَادَ فَرْضًا مَعَ قَوْلِهِ وَالنَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ إلَخْ

الَّذِي لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ.

(وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهَا الْقَصْدُ، فَلَا يَكْفِي النُّطْقُ مَعَ غَفْلَةِ الْقَلْبِ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ كَذَلِكَ، وَلَا يَضُرُّ النُّطْقُ بِخِلَافِ مَا فِي الْقَلْبِ كَأَنْ قَصَدَ الصُّبْحَ وَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الظُّهْرِ، وَيُنْدَبُ النُّطْقُ بِالْمَنْوِيِّ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ لِيُسَاعِدَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ الْوِسْوَاسِ، وَلَوْ عَقَّبَ النِّيَّةَ بِلَفْظِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ نَوَاهَا وَقَصَدَ بِذَلِكَ التَّبَرُّكَ أَوْ أَنَّ الْفِعْلَ وَاقِعٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَمْ يَضُرَّ أَوْ التَّعْلِيقَ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ لِلْمُنَافَاةِ.

(فَائِدَةٌ) لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: صَلِّ فَرْضَك وَلَك عَلَيَّ دِينَارٌ فَصَلَّى بِهَذِهِ النِّيَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الدِّينَارَ وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، وَلَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَدَفْعَ الْغَرِيمِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ دَفْعَهُ حَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِصَلَاتِهِ فَرْضًا وَنَفْلًا غَيْرَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (نِيَّةِ فِعْلِ الصَّلَاةِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ، وَبِالصَّلَاةِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ وَهِيَ الْهَيْئَةُ الْمُجْتَمِعَةُ مِنْ الْأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ وَالْمُكَلَّفُ بِهِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ تَأَمَّلْ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا الْقَصْدُ) أَيْ وَالْقَصْدُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَلْبِ قَوْلُهُ: (وَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الظُّهْرِ) أَيْ وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدَهُ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ وَقَصَدَ مَا نَوَاهُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ع ش عَلَى م ر أَيْ لِأَنَّ التَّلَاعُبَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ، أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إلَّا بِالتَّكْبِيرَةِ أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ لَمْ تُوجَدْ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: (عَنْ الْوِسْوَاسِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِكَسْرِ الْوَاوِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَسْوَسَةُ.
وَأَمَّا الْمَفْتُوحُ فَاسْمٌ لِلشَّيْطَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: 4] قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَقَّبَ النِّيَّةَ إلَخْ) وَ " إنْ شَاءَ اللَّهُ " لَيْسَ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَبْلَ انْعِقَادِهَا لِأَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُهُ: (أَوْ نَوَاهَا) أَيْ الْمَشِيئَةَ قَوْلُهُ: (أَوْ التَّعْلِيقَ إلَخْ) وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ وَالتَّرَدُّدِ فِيهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَظَاهِرُهُ الْبُطْلَانُ فِيمَا لَوْ عَلَّقَ خُرُوجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى أَمْرٍ لَا يُوجَدُ عَادَةً أَوْ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ وَلَوْ عَقْلًا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ سم عَلَى الْبَهْجَةِ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ شَارِحُ الْكِتَابِ مِنْ عَدَمِ الْبُطْلَانِ بِالتَّعْلِيقِ بِمَا يَقْطَعُ عَقْلًا بِعَدَمِ حُصُولِهِ اج قَوْلُهُ: (أَوْ أَطْلَقَ لَمْ يَصِحَّ) أَيْ حَمْلًا لِلْإِطْلَاقِ عَلَى التَّعْلِيقِ لِأَنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ وَهُوَ " إنْ " صَرِيحٌ فِيهِ فَلَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِقَصْدِ التَّبَرُّكِ وَنَحْوِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْمَلْ الْإِطْلَاقُ عَلَى التَّعْلِيقِ فِي نَحْوِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ طَلَّقْتُك إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَطْلَقَ وَقَعَ لِأَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوَهُ صَرِيحٌ فِي الْوُقُوعِ فَلَا يُقَوِّي صَرْفَهُ عَنْ الْوُقُوعِ إلَّا قَصْدُ التَّعْلِيقِ بِخِلَافِ حَالَةِ الْإِطْلَاقِ لِضَعْفِهَا، وَلَوْ فَرَّقَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْبَابَيْنِ لَكَانَ أَوْضَحَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي صُورَةِ نِيَّةِ الْمَشِيئَةِ بِخِلَافِ التَّلَفُّظِ بِالْمَشِيئَةِ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ وَقَعَ بَعْدَ التَّحَرُّمِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ ع ش، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ ضَرَّ بَدَلَ قَوْلِهِ لَمْ يَصِحَّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَسَائِلَ الْمَشِيئَةِ صُوَرُهَا ثَمَانِيَةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ، وَهُمَا قَوْلُهُ: عَلَّقَ النِّيَّةَ بِلَفْظِ الْمَشِيئَةِ أَوْ نَوَاهَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدُ وَكُلُّهَا فِي الشَّارِحِ قَوْلُهُ: (لِلْمُنَافَاةِ) أَيْ بَيْنَ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ الْمُشْتَرَطِ وَالتَّعْلِيقِ.

قَوْلُهُ: (فَرْضَك) أَيْ مَثَلًا إذْ مِثْلُهُ الضُّحَى وَالْعِيدُ مَثَلًا قَوْلُهُ: (فَصَلَّى بِهَذِهِ النِّيَّةِ) أَيْ مُنْضَمَّةٌ إلَى النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ ق ل كَأَنْ قَالَ: أُصَلِّي فَرْضَ الظُّهْرِ وَلِي عَلَى فُلَانٍ دِينَارٌ.
اهـ. م د. وَكَيْفَ تُجْزِيهِ صَلَاتُهُ مَعَ قَوْلِهِ وَلِي عَلَى فُلَانٍ دِينَارٌ مَعَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ لَهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَتَى بِهِ فِي قَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّلَفُّظَ لَا يَضُرُّ لِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْعِقَادِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُهُ: (لَمْ يَسْتَحِقَّ) أَيْ لِأَنَّهَا جَعَالَةٌ لَمْ تَعُدْ الْمَنْفَعَةُ فِيهَا عَلَى الْمُجَاعِلِ، وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ قَوْلُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ الدِّينَارَ أَيْ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ أَوْ يُطْلَبُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ أَدِّ دَيْنِي وَأَنَا أُوَفِّيك، أَمَّا مَا يَلْزَمُ الْمُخَاطَبَ إذَا جَعَلَ الْآمِرُ لَهُ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلُهُ: (صَحَّتْ صَلَاتُهُ) بِخِلَافِ نِيَّةِ الطَّوَافِ وَدَفْعِ الْغَرِيمِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُدْفَعُ بِهِ الْغَرِيمُ عَادَةً

تَحِيَّةٍ وَسُنَّةِ وُضُوءٍ لِتَشْرِيكِهِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ لَا تَنْدَرِجُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى.

وَلَوْ قَالَ: أُصَلِّي لِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْهَرَبِ مِنْ عِقَابِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ.

(وَ) الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (الْقِيَامُ) فِي الْفَرْضِ (مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ وَلَوْ بِمُعِينٍ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ

[حاشية البجيرمي]

بِخِلَافِ الصَّلَاةِ اهـ م د قَوْلُهُ: (وَنَفْلًا) أَيْ مَقْصُودًا مِمَّا لَا يَحْصُلُ مَعَ غَيْرِهِ، فَاسْتِثْنَاءُ التَّحِيَّةِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ لَيْسَ قَيْدًا كَمَا يَدُلُّ لَهُ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ، بَلْ مِثْلُهُمَا سُنَّةُ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافُ وَالِاسْتِخَارَةُ ق ل بِزِيَادَةٍ وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ تَنْبِيهٌ: يَمْتَنِعُ جَمْعُ صَلَاتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَلَوْ نَفْلًا مَقْصُودًا أَمَّا غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَتَحِيَّةٍ وَاسْتِخَارَةٍ وَإِحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسُنَّةِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَسُنَّةِ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ وَالْخُرُوجِ لَهُ وَرَكْعَتَيْ الْحَاجَةِ وَالزِّفَافِ فَهَذِهِ الْعَشَرَةُ نَصَّ عَلَيْهَا الرَّمْلِيُّ فَيَجُوزُ جَمْعُهَا مَعَ فَرْضٍ أَوْ نَفْلِ غَيْرِهَا

قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ أُصَلِّي إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لِأَجْلِ الْخَوْفِ مِنْ عَذَابِهِ أَوْ لِأَجْلِ رَجَاءِ ثَوَابِهِ لَمْ يَضُرَّ فِي صِحَّةِ عِبَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَوْلَا الْخَوْفُ أَوْ الرَّجَاءُ لَمَا عَبَدَهُ حَيْثُ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقٌّ لَهَا بِذَاتِهِ وَأَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الرَّاجِحِ الْمَفْهُومِ مِنْ تَرْغِيبَاتِ الشَّرْعِ وَتَرْهِيبَاتِهِ، فَإِنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى لَهَا فَلَا خِلَافَ فِي كُفْرِهِ ق ل، فَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ اسْتِحْقَاقَهُ تَعَالَى بِأَنْ كَانَ غَافِلًا كَبَعْضِ الْعَوَامّ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ بَلْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، وَلِلْإِمَامِ الْجُنَيْدِ: كُلُّهُمْ يَعْبُدُونَك مِنْ خَوْفِ نَارٍ ... وَيَرَوْنَ النَّجَاةَ حَظًّا جَزِيلًا أَوْ بِأَنْ يَسْكُنُوا الْجِنَانَ ... فَيَحْظَوْا بِقُصُورٍ وَيَشْرَبُوا سَلْسَبِيلَا لَيْسَ لِي بِالْجِنَانِ وَالنَّارِ حَظٌّ ... أَنَا لَا أَبْتَغِي بِحِبِّي بَدِيلًا بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ مَحْبُوبِي.
وَهَذِهِ حَالَةُ الْكَمَالِ، وَالْوُسْطَى أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ خَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ وَطَمَعًا فِي ثَوَابِهِ، وَالدُّنْيَا أَنْ يَعْبُدَهُ حَيَاءً مِنْ النَّاسِ قَوْلُهُ: (الرَّازِيِّ) نِسْبَةٌ إلَى الرَّيِّ بِالْفَتْحِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَهِيَ مِنْ عِرَاقِ الْعَجَمِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
وَقَوْلُهُ خِلَافًا لِلْفَخْرِ الرَّازِيِّ أَيْ حَيْثُ نَقَلَ إجْمَاعَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَعَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْ أَئِمَّتِنَا، عَلَى أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ أَوْ صَلَّى لِأَجْلِ خَوْفِ الْعِقَابِ وَطَلَبِ الثَّوَابِ لَمْ تَصِحَّ عِبَادَتُهُ.
قَالَ م ر وَمِثْلُهُ ابْنُ حَجَرٍ وسم: يُمْكِنُ لِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى مَنْ مَحَضَ عِبَادَتَهُ لِذَلِكَ وَحْدَهُ، وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي بَقَاءِ إسْلَامِهِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ مَحَطُّ نَظَرِهِمْ لِمُنَافَاتِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى الْعِبَادَةَ مِنْ الْخَلْقِ لِذَاتِهِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يُمْحِضْهَا فَلَا شُبْهَةَ فِي صِحَّةِ عِبَادَتِهِ.
زَادَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى ذَلِكَ قَوْلَهُ: بِأَنَّ عَمَلَ الْعِبَادَةِ لَهُ تَعَالَى مَعَ الطَّمَعِ فِي ذَلِكَ وَطَلَبِهِ فَتَصِحُّ جَزْمًا وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ تَجْرِيدَ الْعِبَادَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا مَحْمَلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: 16] بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ يَدْعُونَ بِيَعْبُدُونَ، وَإِلَّا لَمْ يَرِدْ إذْ شَرْطُ قَبُولِ الدُّعَاءِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ اهـ. فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: 56] يَقْتَضِي الْأَمْرَ بِالدُّعَاءِ لِهَذَا الْغَرَضِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ فَسَادُهُ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا يُقَرَّرُ مِنْ طَلَبِ الْعِبَادَةِ مُطْلَقًا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ وَادْعُوهُ مَعَ الْخَوْفِ مِنْ وُقُوعِ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي قَبُولِ ذَلِكَ الدُّعَاءِ، وَمَعَ الطَّمَعِ فِي حُصُولِ تِلْكَ الشَّرَائِطِ بِأَسْرِهَا.
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ فَالسُّؤَالُ زَائِلٌ اهـ اج.

قَوْلُهُ: (الْقِيَامُ) وَهُوَ أَفْضَلُ الْأَرْكَانِ ثُمَّ السُّجُودُ ثُمَّ الرُّكُوعُ.
اهـ. ق ل. ثُمَّ الِاعْتِدَالُ وَعِبَارَةُ تِلْمِيذِهِ الرَّحْمَانِيِّ: وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ الْأَرْكَانِ فِيمَا إذَا اسْتَوَى الزَّمَانُ.
قُلْت: وَلِي نَظَرٌ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَى النِّيَّةِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ فِعْلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِأَفْعَالِ غَيْرِ الْقَلْبِ.

مُمَوِّنِهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ فَيَجِبُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ بِهِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ: صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» زَادَ النَّسَائِيُّ «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا» . وَأَجْمَعَ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ وَبِالْقَادِرِ الْعَاجِزُ.
وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ الْفَرْضَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ خِلَافُهُ.
وَمِثْلُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ الصَّلَاةُ الْمُعَادَةُ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ: الْأُولَى: مَا لَوْ خَافَ رَاكِبُ السَّفِينَةِ غَرَقًا أَوْ دَوَرَانَ رَأْسٍ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: مَا لَوْ كَانَ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ لَوْ قَامَ سَالَ بَوْلُهُ وَإِنْ قَعَدَ لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ عَلَى الْأَصَحِّ بِلَا إعَادَةٍ، وَمِنْهَا مَا لَوْ قَالَ طَبِيبٌ ثِقَةٌ لِمَنْ بِعَيْنِهِ مَاءٌ: إنْ صَلَّيْت مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُك، فَلَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ أَمْكَنَ الْمَرِيضُ الْقِيَامَ مُنْفَرِدًا بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا بِأَنْ يُصَلِّيَ بَعْضَهَا

[حاشية البجيرمي]

فَرْعٌ: التَّطْوِيلُ فِي الْقِيَامِ أَفْضَلُ ثُمَّ فِي السُّجُودِ ثُمَّ فِي الِاعْتِدَالِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِمُعِينٍ إلَخْ) عِبَارَةُ ر م أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ إلَّا بِمُعِينٍ إلَخْ اهـ. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْغَايَةَ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ وَلَوْ بِمُعِينٍ لِلتَّعْمِيمِ لَا لِلرَّدِّ عَلَى أَحَدٍ بِدَلِيلِ عِبَارَةِ م ر. قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ بِهِ) قَالَ ق ل: وَكَذَا فِي دَوَامِ الْقِيَامِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى احْتَاجَ لِلْمُعِينِ فِي دَوَامِ قِيَامِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ.
وَعِبَارَةُ سم حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْمُعِينِ وَالْعُكَّازَةُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي النُّهُوضِ فَقَطْ أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي دَوَامِ قِيَامِهِ لَزِمَهُ وَإِلَّا بِأَنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ فِي النُّهُوضِ وَدَوَامِ الْقِيَامِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ عَاجِزٌ الْآنَ، أَيْ فَيُصَلِّي مِنْ قُعُودٍ اهـ. وَفَرَّقَ ع ش بَيْنَ الْمُعِينِ وَالْعُكَّازَةِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَجِبُ إلَّا فِي الِابْتِدَاءِ وَالثَّانِي يَجِبُ فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ لِلْمَشَقَّةِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ قَوْلَهُ: (لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) وَكَانَ عِمْرَانُ مِنْ أَكَابِرِ أَعْيَانِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قِيلَ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ جِهَارًا، فَلَمَّا شُفِيَ مِنْ مَرَضِهِ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَبَتْ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ فَشَكَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتِجَابَ الْمَلَائِكَةِ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ: «احْتِجَابُهُمْ عَنْك بِسَبَبِ شِفَائِك فَقَالَ لَهُ: اُدْعُ اللَّهَ بِعَوْدِ الْمَرَضِ» . فَلَمَّا عَادَ لَهُ مَرَضُهُ عَادَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ فَيُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ كَرَامَةً لَهُ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: وَاخْتُصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَوَازِ صَلَاةِ الْفَرْضِ قَاعِدًا وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي الْخَادِمِ قَوْلُهُ: (وَأَجْمَعَ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى رُكْنِيَّةِ الْقِيَامِ لِلْقَادِرِ قَوْلُهُ: (وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ، وَخَرَجَ بِالْفَرْضِ النَّفَلُ، وَوَجْهُ إفْهَامِهِ أَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ تَقَعُ نَافِلَةً لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالْفَرْضِ مَا يُسَمَّى فَرْضًا عَلَى الْمُكَلَّفِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَاعِلِهِ، فَلَا إفْهَامَ فِيهِ لِمَا قَالَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ م ر وَابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ الْقِيَامُ فِي فَرْضٍ شَمِلَ فَرْضَ الصَّبِيِّ وَالْعَارِي، وَالْفَرِيضَةَ الْمُعَادَةَ وَالْمَنْذُورَةَ فَجَعَلَا الْفَرْضَ شَامِلًا لِصَلَاةِ الصَّبِيِّ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِيهِ وَفِي الْمُعَادَةِ ق ل قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ وُجُوبِ الْقِيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
قَالَ ق ل: لَا حَاجَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعَجْزِ كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُهُ: (وَلَا إعَادَةَ) بِخِلَافِ مَا لَوْ مَنَعَهُ مِنْ الْقِيَامِ الزَّحْمَةُ فَإِنَّهُ يُعِيدُ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ اهـ م د. زَادَ فِي الْكِفَايَةِ: وَإِنْ أَمْكَنَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ بِأَنْ كَانَتْ السَّفِينَةُ رَاسِيَةً عَلَى الْبَرِّ فَلَا يُكَلَّفُ الْخُرُوجَ لِيُصَلِّيَ عَلَى الْأَرْضِ قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَالْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ الْأُولَى إلَخْ أَنْ يَقُولَ هُنَا الثَّالِثَةُ مَا لَوْ قَالَ إلَخْ.
وَيَقُولُ بَدَلَ قَوْلِهِ الْآتِي الثَّالِثَةُ الرَّابِعَةُ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِعِبَارَةِ غَيْرِهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ عَدَدٍ بَلْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ مِنْهَا فِي جَمِيعِهَا، وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ كَلَامِهِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي مِنْهَا رَاجِعٌ لِلثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يُشْبِهُهَا جَعَلَهُ مِنْهَا تَأَمَّلْ قَوْلُهُ: (فَلَهُ تَرْكُ الْقِيَامِ عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ لَهُ عَدْلَ رِوَايَةٍ فِيمَا يَظْهَرُ، أَوْ كَانَ عَارِفًا م ر وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عُذْرٌ عَامٌّ أَيْ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، قَالَ الْمَدَابِغِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ: يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ الْعُذْرَ الْعَامَّ مَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِالنَّادِرِ دَامَ أَوْ لَا، وَأَنَّ الْعُذْرَ الدَّائِمَ مَا لَا يَزُولُ بِسُرْعَةٍ غَالِبًا أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ عَمَّ أَوْ لَا.
وَنُقِلَ عَنْ

قَاعِدًا فَالْأَفْضَلُ الِانْفِرَادُ، وَتَصِحُّ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ قَعَدَ فِي بَعْضِهَا كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ.
الثَّالِثَةُ: مَا لَوْ كَانَ لِلْغُزَاةِ رَقِيبٌ يَرْقُبُ الْعَدُوَّ وَلَوْ قَامَ لَرَآهُ الْعَدُوُّ، أَوْ جَلَسَ الْغُزَاةُ فِي مَكْمَنٍ وَلَوْ قَامُوا لَرَآهُمْ الْعَدُوُّ وَفَسَدَ تَدْبِيرُ الْحَرْبِ صَلَّوْا قُعُودًا، وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ لَا إنْ خَافُوا قَصْدَ الْعَدُوِّ لَهُمْ فَلَا تَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ مَا مَرَّ أَنَّ الْعُذْرَ هُنَا أَعْظَمُ مِنْهُ ثَمَّ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ مَنْ ذُكِرَ عَاجِزٌ إمَّا لِضَرُورَةِ التَّدَاوِي أَوْ خَوْفِ الْغَرَقِ أَوْ الْخَوْفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَخَّرَ الْقِيَامَ عَنْ النِّيَّةِ مَعَ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَهُوَ رُكْنٌ فِي الْفَرِيضَةِ

[حاشية البجيرمي]

الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوْ زَالَ مَا يَدُومُ بِسُرْعَةٍ أَوْ دَامَ غَيْرُهُ اُعْتُبِرَ الْجِنْسُ إلْحَاقًا لِشَاذِّهِ بِهِ، فَالْعَامُّ لِعَامٍّ كَالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، وَالْعُذْرُ الدَّائِمُ كَالسَّلَسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ، وَالْمُتَرَدِّدُ بَيْنَهُمَا كَفَقْدِ السُّتْرَةِ فَهُوَ عُذْرٌ عَامٌّ أَيْ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ أَوْ نَادِرٌ إذَا وَقَعَ دَامَ أَيْ لَا يَزُولُ بِسُرْعَةٍ، وَالنَّادِرُ الْغَيْرُ الدَّائِمِ كَفَقْدِ الطَّهُورَيْنِ وَالْعَجْزِ عَمَّا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءُ، فَإِنَّ كُلًّا نَادِرٌ لَا يَدُومُ اهـ فَلْيُحْفَظْ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَفْضَلُ الِانْفِرَادُ) هَذَا مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ: وَلَوْ أَمْكَنَ الْمَرِيضَ الْقِيَامُ بِلَا مَشَقَّةٍ يَقْتَضِي فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي النَّافِلَةِ حَتَّى يُقَالَ: الِانْفِرَادُ الْمُحَصِّلُ لِلْقِيَامِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُحَصِّلَةِ لَهُ فِي بَعْضِهَا فَقَطْ وَإِلَّا لَكَانَ الِانْفِرَادُ وَاجِبًا لِتَحْصِيلِ الْقِيَامِ فِي جَمِيعِهَا، لَكِنَّ عِبَارَةَ الرَّمْلِيِّ تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ أَيْضًا فِي الْفَرْضِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ الْآنَ فِي الْفَرْضِ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ فَالْأَفْضَلُ الِانْفِرَادُ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي نَفْلٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ فِي فَرْضٍ، وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَامَ فِي الْفَرْضِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا قَصَدَ حُصُولَ الثَّوَابِ بِالْجَمَاعَةِ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي جَوَازِ تَرْكِ الْقِيَامِ وَلَوْ كَانَ فَرْضًا قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ مَعَ الْجَمَاعَةِ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ لَمَّا أَشْغَلَ نَفْسَهُ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي عَدَمِ وُجُوبِ صَلَاتِهِ الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا م ر. وَقَوْلُهُ: وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَيْ وَجْهَ صِحَّةِ صَلَاتِهِ الْفَرْضَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ فَقَعَدَ فِي أَثْنَائِهَا، وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى هَذَا الْفَرْضَ مُنْفَرِدًا لَمْ يَقْعُدْ فِيهِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا مِنْ أَنَّهُ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَعَدَ فِي بَعْضِهَا) وَلَوْ شَرَعَ فِي السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ عَجَزَ فِي أَثْنَائِهَا قَعَدَ وَكَمَّلَهَا وَلَا يُكَلَّفُ قَطْعَهَا لِيَرْكَعَ، وَإِنْ كَانَ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ أَحَبَّ وَإِذَا قَعَدَ لِإِكْمَالِ السُّورَةِ ثُمَّ أَرَادَ الرُّكُوعَ وَأَمْكَنَهُ مِنْ قِيَامٍ لَزِمَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ش م ر. وَلَوْ كَانَ لَوْ صَلَّى قَائِمًا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ لِعَدَمِ حِفْظِهِ إيَّاهَا وَعَدَمِ مُلَقِّنٍ أَوْ نَحْوِ مُصْحَفٍ، وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا نَظَرَ فِي أَصْلِ جِدَارٍ كُتِبَتْ فِيهِ لَا يُمْكِنُ مُشَاهَدَتُهَا عَلَيْهِ إلَّا لِلْقَاعِدِ وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا لِأَنَّ فَرْضَ الْفَاتِحَةِ آكَدُ إذْ لَا تَسْقُطُ فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ بِخِلَافِ الْقِيَامِ سم عَلَى الْمَتْنِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَتَمَّ الْقِرَاءَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لِيَرْكَعَ مِنْهُ كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ الرَّقِيبُ وَالْكَمِينُ قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا) أَيْ مِنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ فِي حَقِّ قَصْدِ الْعَدُوِّ وَبَيْنَ مَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي حَقِّ رُؤْيَةِ الْعَدُوِّ وَفَسَادِ التَّدْبِيرِ قَوْلُهُ: (أَنَّ الْعُذْرَ هُنَا) فِي نُسْخَةٍ أَنَّ الْعَدُوَّ إلَخْ.
وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ ضَرَرُ الْعَدُوِّ لِأَجْلِ الْإِخْبَارِ، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ عَظَمَةَ الْعَدُوِّ بَلْ الْمُرَادُ عَظَمَةُ الضَّرَرِ النَّاشِئِ عَنْهُ، وَعِبَارَةُ م ر وَالْفَرْقُ عَنْ الْأَوَّلِ شِدَّةُ الضَّرَرِ فِي قَصْدِ الْعَدُوِّ اهـ. قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ) أَيْ خَوْفَ الْبَوْلِ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَائِمًا حَصَلَ لَهُ ثَلَاثُ حَرَكَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ الْقِيَامَ لِأَنَّهَا صَارَتْ طَبِيعَتَهُ كَمَا قَالَهُ سم.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الْقِيَامَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ رُكْنًا.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ رُكْنٌ فِي الْفَرِيضَةِ أَيْ الْقِيَامُ بِقَيْدِ كَوْنِهِ رُكْنًا فِي الصَّلَاةِ فَفِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامُ قَوْلِهِ: (أُجِيبَ بِأَنَّهَا رُكْنٌ إلَخْ) نَازَعَ فِيهِ ق ل بِأَنَّ الْقِيَامَ قَبْلَ النِّيَّةِ شَرْطٌ لِلِاعْتِدَادِ بِهَا لَا رُكْنٌ حَتَّى لَوْ فُرِضَ مُقَارَنَتُهُ لَهَا كَفَى.
قَالَ: وَكَانَ الظَّاهِرُ فِي الْإِشْكَالِ أَنْ يَقُولَ: لِمَ أَخَّرَ التَّكْبِيرَةَ عَنْ الْقِيَامِ مَعَ أَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلنِّيَّةِ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ

فَقَطْ فَلِذَا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ

وَشَرْطُ الْقِيَامِ نَصْبُ ظَهْرِ الْمُصَلِّي لِأَنَّ اسْمَ الْقِيَامِ دَائِرٌ مَعَهُ، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا إلَى قُدَّامِهِ أَوْ خَلْفِهِ أَوْ مَائِلًا إلَى يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا لَمْ يَصِحَّ قِيَامُهُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ بِلَا عُذْرٍ، وَالِانْحِنَاءُ السَّالِبُ لِلِاسْمِ أَنْ يَصِيرَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ

. وَلَوْ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ كَجِدَارٍ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَوْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ لَسَقَطَ لِوُجُودِ اسْمِ الْقِيَامِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ إنْ شَاءَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا بَلْ مُعَلِّقٌ نَفْسَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وَصَارَ كَرَاكِعٍ لِكِبَرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَفَ وُجُوبًا كَذَلِكَ لِقُرْبِهِ مِنْ الِانْتِصَابِ، وَزَادَ وُجُوبًا انْحِنَاءً لِرُكُوعِهِ إنْ قَدَرَ عَلَى الزِّيَادَةِ لِيَتَمَيَّزَ الرُّكْنَانِ.

وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ مُتَّكِئًا عَلَى شَيْءٍ أَوْ الْقِيَامُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَيْسُورُهُ.

وَلَوْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ دُونَ قِيَامٍ قَامَ وُجُوبًا وَفَعَلَ مَا أَمْكَنَهُ فِي انْحِنَائِهِ لَهُمَا بِصُلْبِهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِرَقَبَتِهِ وَرَأْسِهِ، فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ إلَيْهِمَا أَوْ عَجَزَ عَنْ قِيَامٍ بِلُحُوقِ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ قُعُودُ عِبَادَةٍ.

[حاشية البجيرمي]

الَّذِي ذَكَرَهُ يَرُدُّهُ تَأْخِيرُ التَّكْبِيرَةِ عَنْ الْقِيَامِ، وَوَجْهُ الرَّدِّ أَنَّ التَّكْبِيرَةَ رُكْنٌ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا مَعَ تَأْخِيرِهِ لَهَا عَنْ الْقِيَامِ، فَمَا وُجِّهَ بِهِ النِّيَّةُ مَنْقُوضٌ بِالتَّكْبِيرَةِ حَيْثُ أَخَّرَهَا عَنْ الْقِيَامِ مَعَ أَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلنِّيَّةِ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمَهَا أَيْضًا عَلَى الْقِيَامِ

قَوْلُهُ: (أَوْ خَلْفِهِ) فَإِنْ قُلْت هَذَا لَيْسَ فِيهِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ وَاقِفٌ إلَى الْقِبْلَةِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْخَلَلَ هُنَا مِنْ جِهَتَيْنِ، مِنْ جِهَةِ عَدَمِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ قِيَامًا، وَمِنْ جِهَةِ عَدَمِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إذَا لَمْ يَسْتَقْبِلْهَا بِالصَّدْرِ بِأَنْ كَانَ انْحِنَاؤُهُ كَثِيرًا، فَإِنْ اسْتَقْبَلَهَا بِالصَّدْرِ بِأَنْ كَانَ انْحِنَاؤُهُ يَسِيرًا كَفَى أَوْ يُقَالُ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ بِمَا إذَا كَانَ فِي الْكَعْبَةِ وَهِيَ مُسَقَّفَةٌ، أَيْ فَصَلَاتُهُ فِي.
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَاطِلَةٌ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ كَوْنُهُ لَا يُسَمَّى وَاقِفًا شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا) بِأَنْ صَارَ إلَى الرُّكُوعِ أَقْرَبَ كَمَا سَيَذْكُرُهُ قَرِيبًا عَنْ الْمَجْمُوعِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ أَوْ لَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَيَصِحُّ قِيَامُهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى الرُّكُوعِ) أَيْ أَقَلِّهِ

قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ) غَايَةٌ قَوْلُهُ: (اسْمَ الْقِيَامِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ وَإِنْ أَطْرَقَ رَأْسَهُ أَيْ أَمَالَهَا إلَى صَدْرِهِ، بَلْ يُسَنُّ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ لِيَنْظُرَ إلَى مَحَلِّ سُجُودِهِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) وَمِنْهُ يُؤْخَذُ صِحَّةُ قَوْلِ سم.
يَجِبُ وَضْعُ الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَوْ أَخَذَ اثْنَانِ بِعَضُدِهِ وَرَفَعَاهُ فِي الْهَوَاءِ وَرَكَعَ وَسَجَدَ بِالْإِيمَاءِ حَتَّى صَلَّى لَمْ يَصِحَّ اهـ. قَالَ م ر: وَلَا يَضُرُّ قِيَامُهُ عَلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي اسْمَ الْقِيَامِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ نَظِيرُهُ فِي السُّجُودِ لِأَنَّ اسْمَهُ يُنَافِي وَضْعَ الْقَدَمَيْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ ثَمَّ اهـ قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ الِانْتِصَابِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ وَشَرْطُ الْقِيَامِ نَصْبُ ظَهْرِ الْمُصَلِّي إلَخْ قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ كَمَرَضٍ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) أَيْ كَرَاكِعٍ قَوْلُهُ: (إنْ قَدَرَ عَلَى الزِّيَادَةِ) فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الزِّيَادَةِ فَهَلْ يَسْقُطُ الرُّكُوعُ لِتَعَذُّرِهِ كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الِاعْتِدَالِ، أَوْ يَلْزَمُهُ الْمُكْثُ زِيَادَةً عَلَى وَاجِبِ الْقِيَامِ لِيَجْعَلَهَا عَنْ الرُّكُوعِ وَكَذَلِكَ زِيَادَةٌ يَجْعَلُهَا عَنْ الِاعْتِدَالِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي اسْتَوْجَهَهُ ابْنُ حَجَرٍ الثَّانِي وَنَقَلَهُ ع ش عَلَى م ر، وَأَقَرَّهُ وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ لَزِمَهُ الْمُكْثُ زِيَادَةً عَلَى وَاجِبِ الْقِيَامِ وَيَصْرِفُهَا لِلرُّكُوعِ بِطُمَأْنِينَتِهِ ثُمَّ لِلِاعْتِدَالِ كَذَلِكَ اهـ: وَقَالَ الْقَلْيُوبِيُّ عَلَى الْجَلَالِ: وَيُتَّجَهُ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِطَرَفِهِ ثُمَّ الْإِجْرَاءِ عَلَى قَلْبِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرْحِ

قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ مُتَّكِئًا عَلَى شَيْءٍ) أَيْ كَعُكَّازَةٍ لَا رَجُلٍ فَهَذَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُعِينِ لِأَنَّ الْمُعِينَ هُنَاكَ رَجُلٌ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ق ل هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ ذَلِكَ) أَيْ مَا أَمْكَنَهُ

: قَوْلُهُ (وَلَوْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ إلَخْ) أَيْ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ مَثَلًا تَمْنَعُهُ مِنْ الِانْحِنَاءِ ش م ر قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ أَوْمَأَ إلَيْهِمَا) أَيْ بِرَأْسِهِ فَقَطْ، فَإِنْ عَجَزَ فَبِأَجْفَانِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَالَ الْحَلَبِيُّ: فَبَعْدَ الْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ الْأَوَّلِ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ وَيُومِئُ لِلسُّجُودِ الثَّانِي حَيْثُ أَمْكَنَهُ الْجُلُوسُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قِيَامَهُ لِلْإِيمَاءِ لِلسُّجُودِ الثَّانِي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَكْفِي إيمَاؤُهُ لَهُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِمَحَلِّ السُّجُودِ قَوْلُهُ: (أَوْ عَجَزَ عَنْ قِيَامٍ بِلُحُوقِ

وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ فِي قَعَدَاتِ الصَّلَاةِ أَنْ يَجْلِسَ الْمُصَلِّي عَلَى وِرْكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
وَمِنْ الْإِقْعَاءِ نَوْعٌ مَسْنُونٌ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ الِافْتِرَاشُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ وَيَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، ثُمَّ يَنْحَنِي الْمُصَلِّي قَاعِدًا لِرُكُوعِهِ إنْ قَدَرَ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ إلَى أَنْ تُحَاذِيَ جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ، وَأَكْمَلُهُ أَنْ تُحَاذِيَ جَبْهَتُهُ مَحَلَّ سُجُودِهِ وَرُكُوعُ الْقَاعِدِ فِي النَّفْلِ كَذَلِكَ.

فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ اضْطَجَعَ عَلَى جَنْبِهِ وُجُوبًا لِخَبَرِ عِمْرَانَ السَّابِقِ وَسُنَّ عَلَى الْأَيْمَنِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْجَنْبِ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ رَافِعًا رَأْسَهُ بِأَنْ يَرْفَعَهُ قَلِيلًا بِشَيْءٍ لِيَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ وَمُقَدَّمِ بَدَنِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْكَعْبَةِ وَهِيَ مَسْقُوفَةٌ، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِقَدْرِ إمْكَانِهِ فَإِنْ قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى الرُّكُوعِ فَقَطْ كَرَّرَهُ لِلسُّجُودِ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى أَكْمَلِ الرُّكُوعِ تَعَيَّنَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ لِلسُّجُودِ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْمُتَمَكِّنِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ إلَّا أَنْ يَسْجُدَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ أَوْ صُدْغِهِ وَكَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ وَجَبَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ.
وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِبَصَرِهِ، فَإِنْ عَجَزَ أَجْرَى أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِسُنَنِهَا عَلَى قَلْبِهِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَعَقْلُهُ ثَابِتٌ لِوُجُودِ مَنَاطِ التَّكْلِيفِ، وَلِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ النَّفَلُ قَاعِدًا سَوَاءٌ الرَّوَاتِبُ وَغَيْرُهَا، وَمَا تُسَنُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدِ وَمَا لَا تُسَنُّ فِيهِ، وَمُضْطَجِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ

[حاشية البجيرمي]

مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ) الْمُرَادُ بِهَا مَا يُذْهِبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ ق ل

قَوْلُهُ: (عَلَى وَرِكَيْهِ) أَيْ أَصْلِ فَخِذَيْهِ وَهُوَ الْأَلْيَانِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (لِلنَّهْيِ عَنْ الْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ) وَجْهُ النَّهْيِ مَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْكَلْبِ وَالْقِرْدِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ م ر. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالنَّقْرُ فِي الصَّلَاةِ كَالْغُرَابِ ... وَجِلْسَةُ الْإِقْعَاءِ كَالْكِلَابِ قَوْلُهُ: (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) أَيْ وَفِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَكَذَا فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ م ر قَوْلُهُ: (أَطْرَافَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) أَيْ بُطُونِهَا قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَنْحَنِيَ) عَطْفٌ عَلَى قَعَدَ

قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمُصَلِّي مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا أَوْ قَاعِدًا كَذَلِكَ لَا أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمُصَلِّي قَائِمًا لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْمُصَلِّيَ قَائِمًا إذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ الْإِيمَاءُ بَلْ لَهُ مَرْتَبَةٌ قَبْلَ الْإِيمَاءِ، وَهِيَ أَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ وَعُنُقَهُ.
وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا مِنْ أَنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ عَجَزَ أَيْ فِي الْفَرْضِ بِأَنْ نَالَهُ مِنْهُ الْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ بِالْقِيَامِ شَرْحُ م ر قَوْلُهُ: (عَنْ الْجَنْبِ) أَيْ عَنْ الِاضْطِجَاعِ عَلَى الْجَنْبِ قَوْلُهُ: (اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ) أَيْ وَأَخْمَصَاهُ لِلْقِبْلَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (وَمُقَدَّمِ بَدَنِهِ) عَطْفٌ عَامٌّ قَوْلُهُ: (وَهِيَ مَسْقُوفَةٌ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَقْفٌ اُتُّجِهَ مَنْعُ الِاسْتِلْقَاءِ عَلَى ظَهْرِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَأَفْهَمَ أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَنَامَ عَلَى وَجْهِهِ إذَا كَانَ بِهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُسْتَقْبِلٌ أَرْضَهَا، وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ، وَنَقَلَهُ الْحَلَبِيُّ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ قَوْلُهُ: (وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) فَيَجِبُ الْقُعُودُ لَهُمَا إنْ أَمْكَنَ ق ل قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي حَالَةِ الِاضْطِجَاعِ وَالِاسْتِلْقَاءِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (فَبِبَصَرِهِ) أَيْ أَجْفَانِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ مَحْسُوسٌ بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ بِالْبَصَرِ، وَقَدْ يُقَالُ: أَطْلَقَ الْمَلْزُومَ وَأَرَادَ اللَّازِمَ إذْ الْإِيمَاءُ بِالْبَصَرِ يَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِالْأَجْفَانِ م د. قَوْلُهُ: (أَفْعَالَ الصَّلَاةِ) أَيْ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً بِأَنْ يُمَثِّلَ نَفْسَهُ قَائِمًا وَقَارِئًا وَرَاكِعًا إلَخْ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ بِنُدْرَتِهِ مَمْنُوعٌ وَيُعْلَمُ مِنْ صَنِيعِهِ أَنَّ الْمُومِئَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجْرَاءُ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (مَنَاطِ التَّكْلِيفِ) أَيْ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الْعَقْلُ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعَقْلِ قَوْلُهُ: (وَلِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ النَّفَلُ قَاعِدًا إلَخْ) وَإِذَا نَوَى النَّفَلَ فِي حَالِ قِيَامِهِ فَلَهُ أَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ قَبْلَ انْتِصَابِهِ وَتَنْعَقِدُ بِهِ صَلَاتُهُ، وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ وَلَوْ فِي حَالِ اضْطِجَاعِهِ ثُمَّ يَقُومَ وَيُصَلِّيَ قَائِمًا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ احْتَاجَ فِي الْفَرْضِ إلَى الْقُعُودِ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِعَدَمِ حِفْظِهِ لَهَا وَهِيَ مَكْتُوبَةٌ بِالْأَرْضِ، وَإِلَى اسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ لِذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ مَكْتُوبَةً خَلْفَ ظَهْرِهِ فِي جِدَارٍ، أَوْ لَهُمَا مَعًا كَالْمَكْتُوبَةِ خَلْفَهُ فِي الْأَرْضِ فَعَلَ مَا يُمَكِّنُهُ قِرَاءَتَهَا فِيهِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِبْلَةِ ق ل. وَفِي ع ش عَلَى م ر: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالسِّتْرُ، هَلْ يُقَدِّمُ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِي؟

وَعَلَى الْقُعُودِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: «وَمَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا أَيْ مُضْطَجِعًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ» وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْعُدَ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ اسْتَلْقَى مَعَ إمْكَانِ الِاضْطِجَاعِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَمَحَلُّ نُقْصَانِ أَجْرِ الْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَإِلَّا لَمْ يَنْقُصْ مِنْ أَجْرِهِمَا شَيْءٌ.

وَالثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) بِشُرُوطِهَا، وَهِيَ إيقَاعُهَا بَعْدَ الِانْتِصَابِ فِي الْفَرْضِ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا، وَلَفْظُ الْجَلَالَةِ وَلَفْظُ أَكْبَرُ، وَتَقْدِيمُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ عَلَى أَكْبَرُ، وَعَدَمُ مَدِّ هَمْزَةِ الْجَلَالَةِ، وَعَدَمُ مَدِّ بَاءِ أَكْبَرُ

[حاشية البجيرمي]

فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الظَّاهِرَ مُرَاعَاةُ السَّتْرِ.
وَنُقِلَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ فَرَاجِعْهُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ يَعْنِي م ر مِنْ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالِاسْتِقْبَالُ يُقَدِّمُ الِاسْتِقْبَالَ.
قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ فِي الصَّلَاةِ بِحَالٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنَّ السَّتْرَ لَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِحَالٍ بِخِلَافِ الْقِيَامِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ) قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: إنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ لَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُكَلَّفِ مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا وَلَوْ بِإِجْرَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى قَلْبِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ مَنْ عَايَنَ الْمَوْتَ وَعَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَمَرَ الْمُحْتَضَرَ بِالصَّلَاةِ، وَوَجْهُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ صَارَ قَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمَ مِنْ اشْتِغَالِهِ بِمُرَاعَاةِ الْأَفْعَالِ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ الَّتِي أَمَرَنَا الشَّارِعُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا أَمَرَنَا بِهَا وَسِيلَةً إلَى الْحُضُورِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا، وَالْمُحْتَضَرُ انْتَهَى سَيْرُهُ إلَى الْحَضْرَةِ وَتَمَكَّنَ فِيهَا فَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَلِيِّ الْمَجْذُوبِ، وَهُنَا أَسْرَارٌ لَا تُسَطَّرُ فِي كِتَابٍ فَافْهَمْ انْتَهَى مِيزَانٌ.
قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْإِبَاحِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا بَلَغَ غَايَةَ الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ وَصَفَا قَلْبُهُ وَاخْتَارَ الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ نِفَاقٍ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ فَرَدَّهُ التَّفْتَازَانِيُّ بِأَنَّهُ كُفْرٌ وَضَلَالٌ، فَإِنَّ أَكْمَلَ النَّاسِ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ الْأَنْبِيَاءُ خُصُوصًا حَبِيبَ اللَّهِ مَعَ أَنَّ التَّكَالِيفَ فِي حَقِّهِمْ أَتَمُّ اهـ قَوْلُهُ: (وَمُضْطَجِعًا) وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِتْمَامُهُمَا وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا ق ل قَوْلُهُ: (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقُعُودِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِيَامِ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ بَلْ هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: (فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ) قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْمُعْتَمَدُ تَفْضِيلُ الْعَشْرِ رَكَعَاتٍ مِنْ قِيَامٍ عَلَى عِشْرِينَ مِنْ قُعُودٍ لِأَنَّهَا أَشَقُّ.
ثُمَّ قَالَ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا اسْتَوَى الزَّمَانُ إلَخْ خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ ق ل مِنْ عَكْسِ ذَلِكَ.
وَمَحَلُّ نُقْصَانِ الْأَجْرِ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَّا هُوَ فَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّ تَطَوُّعَهُ قَاعِدًا مَعَ قُدْرَتِهِ كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا وَمِثْلُهُ بَقِيَّةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَا يُنْقَصُ أَجْرُهُمْ بِالْقُعُودِ أَوْ الِاضْطِجَاعِ عَنْ أَجْرِ الْقَائِمِ.

قَوْلُهُ: (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا الْأُمَمُ السَّابِقَةُ فَكَانُوا يَدْخُلُونَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ ع ش. وَالْحِكْمَةُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ اسْتِحْضَارُ الْمُصَلِّي عَظَمَةَ مَنْ تَهَيَّأَ لِخِدْمَتِهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَمْتَلِئَ إيمَانًا فَيَحْضُرُ قَلْبُهُ وَيَخْشَعُ وَلَا يَعْبَثُ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ دُونَ التَّعْظِيمِ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَدُلُّ عَلَى الْقِدَمِ وَالتَّعْظِيمَ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْأَعْظَمُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْقِدَمِ وَكُلُّهَا تَقْتَضِي التَّفْخِيمَ لَكِنَّهَا تَتَفَاوَتُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُبْحَانَ اللَّهِ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ» شَرْحُ م ر. وَفِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ وَجَّهَ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ شَرْطٌ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِفَرَاغِهَا فَلَيْسَتْ دَاخِلَةً الْمَاهِيَّةَ.
ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ بِفَرَاغِهِ مِنْهَا يَتَبَيَّنُ دُخُولُهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا فَإِذَا أَتَى بِمُبْطِلٍ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ قَوْلُهُ: (بِلُغَةِ الْعَرَبِيَّةِ) وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إنَّهُ إذَا كَانَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ وَكَبَّرَ بِغَيْرِهَا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْعَقِدُ بِذَلِكَ.
وَوَجْهُ الثَّانِي كَوْنُ الْحَقِّ تَعَالَى عَالِمًا بِجَمِيعِ اللُّغَاتِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا بَيْنَ غَيْرِهَا، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ التَّعَبُّدُ بِمَا صَحَّ عَنْ الشَّارِعِ مِنْ لَفْظِ التَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَهُوَ أَوْلَى قَوْلُهُ: (لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ قَوْلُهُ: (وَتَقْدِيمُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ إلَخْ) فَلَوْ قَدَّمَ لَفْظَ أَكْبَرُ بِأَنْ قَالَ: أَكْبَرُ اللَّهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِلَفْظِ أَكْبَرُ، فَإِنْ أَتَى بِهِ بَعْدَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ اعْتَدَّ بِهِ إنْ قَصَدَ بِالْجَلَالَةِ الِابْتِدَاءَ.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ

وَعَدَمُ تَشْدِيدِهَا، وَعَدَمُ زِيَادَةِ وَاوٍ سَاكِنَةٍ أَوْ مُتَحَرِّكَةٍ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَدَمُ وَاوٍ قَبْلَ الْجَلَالَةِ، وَعَدَمُ وَقْفَةٍ طَوِيلَةٍ بَيْنَ كَلِمَتَيْهِ كَمَا قَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْيَسِيرَةَ لَا تَضُرُّ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ، وَأَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ جَمِيعَ حُرُوفِهَا إنْ كَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ لَغَطٍ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَصَمَّ وَدُخُولُ وَقْتِ الْفَرْضِ لِتَكْبِيرَةِ الْفَرَائِضِ وَالنَّفَلِ الْمُؤَقَّتِ وَذِي السَّبَبِ، وَإِيقَاعُهَا حَالَ الِاسْتِقْبَالِ حَيْثُ شَرَطْنَاهُ، وَتَأْخِيرُهَا عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ شَرْطًا إنْ اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا لَمْ

[حاشية البجيرمي]

يَكْفِي عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فِي التَّحَلُّلِ مَعَ الْكَرَاهَةِ؟ قُلْت إنَّ عَكْسَ السَّلَامِ لَيْسَ بِمُلْبِسٍ بِخِلَافِ عَكْسِ التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَصًّا فِي دَلَالَتِهِ عَلَى الْعِظَمِ لِأَنَّهُ إذَا قَدَّمَ أَكْبَرَ رُبَّمَا حُمِلَ عَلَى الْأَبْلَغِيَّةِ فِي الْجِسْمِ وَنَحْوِهِ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ انْتَهَى ابْنُ حَجَرٍ.
وَأَيْضًا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ يُؤَدِّي مَعْنَى السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِخِلَافِ أَكْبَرُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ مَدِّ هَمْزَةِ الْجَلَالَةِ) وَيَجُوزُ إسْقَاطُهَا إذَا وَصَلَهَا بِمَا قَبْلَهَا نَحْوَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا اللَّهُ أَكْبَرُ ق ل. لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأُولَى كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَاقْتِصَارُهُ عَلَى هَمْزَةِ اللَّهِ يُفِيدُ الضَّرَرَ فِي هَمْزَةِ أَكْبَرُ إذَا وَصَلَهَا لِأَنَّهَا هَمْزَةُ قَطْعٍ وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
وَيُغْتَفَرُ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ إبْدَالُ هَمْزَةِ أَكْبَرُ وَاوًا، وَفِي حَقِّ الْعَامِّيِّ إبْدَالُ كَافِ أَكْبَرُ هَمْزَةً لِعَجْزِهِ كَمَا فِي الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ مَدِّ بَاءِ أَكْبَرُ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَمْعَ كِبَرٍ بِالْفَتْحِ وَهُوَ اسْمُ طَبْلٍ لَهُ وَجْهٌ وَاحِدٌ قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ تَشْدِيدِهَا) أَيْ الْبَاءِ بِخِلَافِ الرَّاءِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ تَشْدِيدُهَا قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ زِيَادَةِ وَاوٍ سَاكِنَةٍ) وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ الْجَاهِلَ إذَا أَتَى بِالْوَاوِ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ لَا يَضُرُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا بِخِلَافِ الْعَالِمِ بِذَلِكَ اهـ م د قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ وَاوٍ إلَخْ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِأَنَّهُ تَقَدَّمَهُ مُنَاجَاةٌ تُؤْذِنُ بِسَلَامَةِ صَاحِبِهَا، وَيُعْطَفُ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَضَمَّنُ وَهُوَ سَلَامَةُ صَاحِبِهَا سَلَامًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ اهـ م د قَوْلُهُ: (وَعَدَمُ وَقْفَةٍ طَوِيلَةٍ) بِأَنْ زَادَتْ عَلَى سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ وَالْعِيِّ كَمَا فِي الْعُبَابِ قَوْلُهُ: (وَمُقْتَضَاهُ) أَيْ التَّقْيِيدِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ الْيَسِيرَةَ أَيْ بِأَنْ تَكُونَ بِقَدْرِ ثَلَاثَةِ أَسْمَاءٍ يَفْصِلُ بِهَا قَوْلُهُ: (مِنْ لَغَطٍ وَغَيْرِهِ) كَصَمَمٍ قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحَ السَّمْعِ أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ قَوْلُهُ: (لَوْ لَمْ يَكُنْ أَصَمَّ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ قَوْلِهِ أَصَمَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ إذَا كَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ وَلَا مَانِعَ.
قَوْلُهُ: (وَدُخُولُ وَقْتِ الْفَرْضِ) كَانَ يَنْبَغِي إسْقَاطُهُ لِأَنَّ شَرْطَ الصَّلَاةِ دُخُولُ وَقْتِهَا فَلَا يَخْتَصُّ بِالتَّكْبِيرِ قَوْلُهُ: (وَتَأْخِيرُهَا عَنْ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ) أَيْ جَمِيعِهَا، فَلَوْ قَارَنَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ الْقُدْوَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ ق ل إلَّا فِي صُورَتَيْنِ، فَيَجُوزُ فِيهِمَا تَقَدُّمُ تَحَرُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى الْإِمَامِ مَا لَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا وَأَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي الْجَمَاعَةِ، الثَّانِيَةِ لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ وَأَحْرَمَ الْقَوْمُ خَلْفَهُ، ثُمَّ شَكَّ فِي نِيَّتِهِ هُوَ أَعَادَ التَّكْبِيرَةَ مَعَ النِّيَّةِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى الْإِمَامَةِ قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ) وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا تُبَدَّلَ هَمْزَةُ أَكْبَرُ وَاوًا وَلَا كَافُهَا هَمْزَةً، فَلَا يَصِحُّ مِنْ الْعَالِمِ فِي الْأُولَى وَلَا مِنْ الْعَالِمِ الْعَامِدِ الْقَادِرِ فِي الثَّانِيَةِ.
وَسَيَأْتِي اشْتِرَاطُ اقْتِرَانِهَا بِالنِّيَّةِ.
وَيَضُمُّ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنْ لَا يَزِيدَ فِي الْمَدِّ عَلَى الْأَلِفِ الَّتِي بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ إلَى حَدٍّ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ الْقُرَّاءِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْحَالِ ق ل، بِأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَرَكَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا ضَرَّ كَمَا قَالَهُ الْمَدَابِغِيُّ.
وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ عَدَمُ الصَّارِفِ، فَلَوْ نَوَى بِهَا التَّحَرُّمَ وَالِانْتِقَالَ مِنْ الْقِيَامِ إلَى الرُّكُوعِ إذَا نَوَى وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ ضَرَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِهَا الْإِحْرَامَ وَالْإِعْلَامَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، أَمَّا لَوْ قَصَدَ الْإِعْلَامَ فَقَطْ أَوْ أَطْلَقَ فَيَضُرُّ.
وَنَقَلَ الرَّحْمَانِيُّ عَنْ م ر كَلَامًا ثُمَّ قَالَ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَهَا أَحْوَالٌ سِتَّةٌ لِمَسْبُوقٍ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَاحِدَةٌ تَنْعَقِدُ فِيهَا الصَّلَاةُ، وَهِيَ مَا إذَا قَصَدَ بِهَا الْإِحْرَامَ وَحْدَهُ وَأَوْقَعَ جَمِيعَهَا فِي مَحَلٍّ تُجْزِئُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ وَالْخَمْسَةُ الْبَاقِي لَا تَنْعَقِدُ فِيهَا، وَهِيَ مَا إذَا شَرَكَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَةِ الِانْتِقَالِ أَوْ قَصَدَ الِانْتِقَالَ فَقَطْ أَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا مُبْهَمًا، أَوْ أَطْلَقَ، أَوْ شَكَّ هَلْ نَوَى التَّحَرُّمَ وَحْدَهُ أَمْ لَا اهـ بِحُرُوفِهِ.

تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ.
وَدَلِيلُ وُجُوبِ التَّكْبِيرِ «خَبَرُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ: إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالِاتِّبَاعُ مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ اسْمَ التَّكْبِيرِ كَاللَّهُ الْأَكْبَرُ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةٍ مُبَالِغَةٍ فِي التَّعْظِيمِ وَهُوَ الْإِشْعَارُ بِالتَّخْصِيصِ، وَكَذَا اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، أَوْ اللَّهُ الْجَلِيلُ أَكْبَرُ وَكَذَا كُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى إنْ لَمْ يَطُلْ بِهَا الْفَصْلُ، فَإِنْ طَالَ كَاللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ أَكْبَرُ ضَرَّ.
وَلَوْ لَمْ يَجْزِمْ الرَّاءَ مِنْ أَكْبَرُ لَمْ يَضُرَّ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الدَّمِيرِيُّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّكْبِيرُ جَزْمٌ» اهـ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ فَمَعْنَاهُ عَدَمُ التَّرَدُّدِ فِيهِ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَقْصِرَ التَّكْبِيرَ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ، وَأَنْ لَا يُمَطِّطَهُ بِأَنْ يُبَالِغَ فِي مَدِّهِ بَلْ يَأْتِي بِهِ مُبَيَّنًا، وَالْإِسْرَاعُ بِهِ أَوْلَى مِنْ مَدِّهِ لِئَلَّا تَزُولَ النِّيَّةُ، وَأَنْ يَجْهَرَ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَتَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ لِلْإِمَامِ لِيُسْمِعَ الْمَأْمُومِينَ فَيَعْلَمُوا صَلَاتَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ مَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ الْإِسْرَارُ، نَعَمْ إنْ لَمْ يَبْلُغْ صَوْتُ الْإِمَامِ جَمِيعَ الْمَأْمُومِينَ جَهَرَ بَعْضُهُمْ نَدْبًا وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ بِالنَّاسِ وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُسْمِعُهُمْ التَّكْبِيرَ»

وَلَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ تَكْبِيرَاتٍ نَاوِيًا بِكُلٍّ مِنْهَا الِافْتِتَاحَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، بِالْأَوْتَارِ وَخَرَجَ مِنْهَا بِالْأَشْفَاعِ، لِأَنَّ مَنْ افْتَتَحَ صَلَاةً ثُمَّ نَوَى افْتِتَاحَ صَلَاةٍ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ هَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ بَيْنَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (ثُمَّ اقْرَأْ إلَخْ) هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْفَاتِحَةِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ «كَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ» اهـ. قَوْلُهُ: «حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» فِيهِ إشَارَةٌ لِلطُّمَأْنِينَةِ قَوْلُهُ: «ثُمَّ ارْفَعْ» أَيْ مِنْ السُّجُودِ قَوْلُهُ: «كَمَا رَأَيْتُمُونِي» أَيْ عَلِمْتُمُونِي لِأَنَّ الْأَقْوَالَ لَا تُرَى وَأَيْضًا نَحْنُ لَمْ نَرَهُ قَوْلُهُ: (كَاللَّهُ الْأَكْبَرُ) وَوَصْلُ هَمْزَةِ اللَّهُ أَكْبَرُ بِمَا قَبْلَهَا خِلَافُ الْأَوْلَى، وَذَهَبَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى الْكَرَاهَةِ وَإِنَّمَا لَمْ تَبْطُلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ حَرْفًا ثَابِتًا فِي الدَّرْجِ.
اهـ. م ر قَوْلُهُ: (وَكَذَا كُلُّ صِفَةٍ إلَخْ) خَرَجَ بِالصِّفَةِ غَيْرُهَا كَالضَّمِيرِ وَالنِّدَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ نَحْوَ اللَّهُ هُوَ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ يَا رَحِيمُ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَكْبَرُ وَاَللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَكْبَرُ بِخِلَافِ مَنْ أَخَّرَ هَذِهِ عَنْ أَكْبَرُ كَاللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَضُرُّ ق ل قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَطُلْ بِهَا الْفَصْلُ) بِأَنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ قَوْلُهُ: (فَإِنْ طَالَ) بِأَنْ زَادَ عَلَى ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ كَاللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَكْبَرُ فَإِنَّهُ يَضُرُّ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ زَادَ " الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ "، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِقَيْدٍ فِي الْبُطْلَانِ بَلْ تَبْطُلُ مَعَ عَدَمِ ذِكْرِهِمَا كَمَا قَالَهُ ع ش، فَلَا يَتَقَيَّدُ الْبُطْلَانُ بِمَا قَالَ الشَّارِحُ ق ل وسم.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لَمْ يَجْزِمْ الرَّاءَ مِنْ أَكْبَرُ إلَخْ) وَكَذَا لَوْ كَرَّرَهَا أَوْ شَدَّدَهَا، وَلَوْ فَتَحَ الْهَاءَ مِنْ اللَّهُ أَوْ كَسَرَهَا أَوْ ضَمَّهَا لَمْ يَضُرَّ اهـ إ ط ف قَوْلُهُ: النَّخَعِيُّ نِسْبَةً إلَى نَخَعٍ بِنُونٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَتَانِ قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ اسْمَهُ إبْرَاهِيمُ قَوْلُهُ: (وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ) أَيْ وُرُودِهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَقْصِرَ التَّكْبِيرَ) هَذِهِ سُنَنُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الْقَوْلِيَّةِ وَسَيَأْتِي سُنَنُهَا الْفِعْلِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ: وَسُنَّ رَفْعُ يَدَيْهِ إلَخْ.
وَالتَّقْصِيرُ الْمَنْفِيُّ أَنْ يَمُدَّهُ بِقَدْرِ الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ وَعَدَمُ تَقْصِيرِهِ بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ وَهَذَا هُوَ الْمَسْنُونُ قَوْلُهُ: (بَلْ يَأْتِي بِهِ مُبَيَّنًا) أَيْ مَفْهُومًا قَوْلُهُ: (وَالْإِسْرَاعُ) أَيْ مَعَ عَدَمِ التَّقْصِيرِ قَوْلُهُ: (لِئَلَّا تَزُولَ النِّيَّةُ) أَيْ تَعَزَّبَ فِي مَدِّهِ بِخِلَافِ تَكْبِيرِ الِانْتِقَالَاتِ لَا يُسْرِعُ بِهِ لِئَلَّا يَخْلُوَ تَمَامُ الِانْتِقَالِ عَنْ التَّكْبِيرِ إذْ يُنْدَبُ تَطْوِيلُهُ إلَى كَمَالِ الرُّكْنِ الَّذِي يَلِيهِ قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَجْهَرَ) أَيْ لَا بِقَصْدِ الْإِعْلَامِ فَقَطْ وَلَا مُطْلَقًا بَلْ بِقَصْدِ الذِّكْرِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْإِعْلَامِ قَوْلُهُ: (لِيُسْمِعَ الْمَأْمُومِينَ) عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ، حَتَّى لَوْ قَصَدَ بِهَا إسْمَاعَهُمْ فَقَطْ ضَرّ وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ كَمَا فِي الْمُبَلِّغِ فِي تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ مَعَ إسْمَاعِهِمْ التَّحَرُّمَ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ جَزْمًا اهـ ح ل قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) صَرِيحَةٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ لَا يُطْلَبُ.
قَالَ ق ل: هَلْ يَشْمَلُ مَا إذَا تَرَتَّبُوا فِي التَّبْلِيغِ وَاحِدًا خَلْفَ وَاحِدٍ لِكَثْرَةِ الْقَوْمِ وَمَا إذَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ؟ فَرَاجِعْهُ قَوْلُهُ: «وَأَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُسْمِعُهُمْ» أَيْ يُبَلِّغُ خَلْفَهُ ق ل

قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ مِنْهَا) أَيْ وَحَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي فَرِيضَةٍ إذْ قَطْعُ الْفَرْضِ حَرَامٌ، فَإِنْ كَانَ فِي نَافِلَةٍ وَاسْتَدَامَ

كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ خُرُوجًا أَوْ افْتِتَاحًا وَإِلَّا فَيَخْرُجُ بِالنِّيَّةِ وَيَدْخُلُ بِالتَّكْبِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِغَيْرِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى شَيْئًا لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ، وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَ مَعَ الْعَمْدِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، أَمَّا مَعَ السَّهْوِ فَلَا بُطْلَانَ.

وَمَنْ عَجَزَ وَهُوَ نَاطِقٌ عَنْ النُّطْقِ بِالتَّكْبِيرِ بِالْعَرَبِيَّةِ تَرْجَمَ عَنْهَا بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ، وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِسَفَرٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

فَائِدَةٌ: إنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ التَّكْبِيرَةُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِهَا عَلَى الْمُصَلِّي مَا كَانَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَهَا مِنْ مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْكَلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ

، وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بِالْإِجْمَاعِ، مُسْتَقْبِلًا بِكَفَّيْهِ الْقِبْلَةَ، مُمِيلًا أَطْرَافَ أَصَابِعِهِمَا نَحْوَهَا، مُفَرِّقًا أَصَابِعَهُمَا تَفْرِيقًا وَسَطًا كَاشِفًا لَهُمَا، وَيَرْفَعُهُمَا مُقَابِلَ مَنْكِبَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ

[حاشية البجيرمي]

الصَّلَاةَ مَعَ الْخُرُوجِ بِالشَّفْعِ حَرُمَ أَيْضًا لِتَعَاطِيهِ عِبَادَةً فَاسِدَةً وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ يُكْرَهُ اهـ. قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ وَجِيهٌ اهـ اج وَفِي الْقَوْلُ التَّامُّ لِابْنِ الْعِمَادِ: يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُوَسْوِسِينَ أَنَّهُ يُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ يَتَوَسْوَسُ فِي صِحَّتِهَا فَيُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنْ الصَّلَاةِ بِالتَّسْلِيمِ، ثُمَّ يَنْوِي الصَّلَاةَ ثَانِيًا وَهُوَ آثِمٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى إنْ لَمْ تَكُنْ انْعَقَدَتْ فَلَا حَاجَةَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا إلَى التَّسْلِيمِ، وَالْإِتْيَانَ بِالْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ انْعَقَدَتْ حُرِّمَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا خِلَافًا لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ فَإِنَّهُمَا جَوَّزَا قَطْعَ الْفَرِيضَةِ إذَا كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا وَلِهَذَا الْوَجْهِ يَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا الْجُمُعَةُ فَالْخُرُوجُ مِنْهَا حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ.
قَوْلُهُ: (أُخْرَى) التَّعْبِيرُ بِأُخْرَى غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ نَوَى افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا لَا غَيْرَهَا قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْأَرْكَانِ عَدَمُ الصَّارِفِ وَقَصْدُهُ الِافْتِتَاحَ بِالثَّانِيَةِ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ الْأُولَى فَصَارَ ذَلِكَ صَارِفًا عَنْ الدُّخُولِ بِهَا لِضَعْفِهَا عَنْ تَحْصِيلِ أَمْرَيْنِ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ مَعًا، فَيَخْرُجُ بِالْأَشْفَاعِ لِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ افْتِتَاحًا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ نَاوِيًا بِكُلٍّ مِنْهَا الِافْتِتَاحَ لِأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا نَوَى الِافْتِتَاحَ بَيْنَهُمَا، وَمَا سَبَقَ فِيمَا إذَا نَوَى الِافْتِتَاحَ بِالتَّكْبِيرِ اهـ م د فَرْعٌ: لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ أَحْرَمَ أَوْ لَا فَأَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ تَنْعَقِدْ لِأَنَّا نَشُكُّ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَةِ أَنَّهَا شَفْعٌ أَوْ وِتْرٌ فَلَا تَنْعَقِدُ مَعَ الشَّكِّ وَهَذَا مِنْ الْفُرُوعِ النَّفِيسَةِ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِغَيْرِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى) مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ نَاوِيًا بِكُلٍّ مِنْهَا إلَخْ قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ دُخُولِهِ بِالْأَوْتَارِ وَخُرُوجِهِ بِالْأَشْفَاعِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: (أَمَّا مَعَ السَّهْوِ) كَأَنْ نَسِيَ أَنَّهُ كَبَّرَ أَوْ لَا فَكَبَّرَ ثَانِيًا قَاصِدًا الِافْتِتَاحَ فَلَا تَبْطُلُ بِالثَّانِيَةِ

قَوْلُهُ: (بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ) فَارِسِيَّةٍ أَوْ عِبْرَانِيَّةٍ أَوْ سُرْيَانِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَيَأْتِي بِمَدْلُولِ التَّكْبِيرِ بِتِلْكَ اللُّغَةِ.
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَتَرْجَمَتُهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: خُدَايْ بُزُرْكْ تر بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالْكَافِ بِمَعْنَى اللَّهُ كَبِيرٌ، وَتَر بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ أَدَاةُ تَفْضِيلٍ، فَهُوَ أَيْ كَبِيرٌ مَعَهَا بِمَعْنَى أَكْبَرُ فَلَا يَكْفِي خُدَايْ بُزُرْكْ لِتَرْكِهِ التَّفْضِيلَ كَاللَّهُ كَبِيرٌ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الضَّبْطِ تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ كِتَابِ نِعْمَةِ اللَّهِ فِي اللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ اهـ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْحَفْنَاوِيُّ أَيْضًا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّرْجَمَةِ هَلْ يَجِبُ ذِكْرُ بَدَلِهَا كَالْقِرَاءَةِ أَوْ تَكْفِي النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ؟ قَالَ ع ش: قِيَاسُ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَأْتِيَ بِذِكْرِ بَدَلِهَا كَمَا قَالَهُ الَأُجْهُورِيُّ وَالْفَارِسِيَّةُ أَوْلَى إنْ أَحْسَنَهَا قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِسَفَرٍ) أَيْ أَطَاقَهُ بِأَنْ وَجَدَ الْمُؤَنَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْحَجِّ.
نَعَمْ اسْتَقْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وُجُوبَ الْمَشْيِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ وَإِنْ طَالَ، كَمَنْ لَزِمَهُ الْحَجُّ فَوْرًا فَرَاجِعْهُ، قَالَ الْمَدَابِغِيُّ: فَلَوْ قَصَّرَ فِي التَّعَلُّمِ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِمَا قَصَّرَ بِالتَّعَلُّمِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ التَّعَلُّمِ صَلَّى وَأَعَادَ، وَإِمْكَانُ التَّعَلُّمِ مِنْ الْإِسْلَامِ إنْ طَرَأَ وَإِلَّا فَمِنْ الْبُلُوغِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْأَخْرَسُ وَنَحْوُهُ إنْ طَرَأَ خَرَسُهُ أَوْ نَحْوُهُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ

  • رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ» . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ أَنْ تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أَعْلَى أُذُنَيْهِ، وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَرَاحَتَاهُ مَنْكِبَيْهِ

وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْكَانِ بِأَنْ يَقْرُنَهَا بِأَوَّلِهِ وَيَسْتَصْحِبَهَا إلَى آخِرِهِ.
وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحَيْ الْمُهَذَّبِ وَالْوَسِيطِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ الِاكْتِفَاءَ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ عِنْدَ الْعَوَامّ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ اقْتِدَاءً بِالْأَوَّلِينَ فِي تَسَامُحِهِمْ بِذَلِكَ،

[حاشية البجيرمي]

يَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَشَفَتَيْهِ وَلَهَاتِهِ قَدْرَ إمْكَانِهِ بِخِلَافِ الْخِلْقِيِّ، وَيَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ تَعْلِيمُ غُلَامِهِ الْعَرَبِيَّةَ لِأَجْلِ التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَخْلِيَتُهُ لِيَكْتَسِبَ أُجْرَةَ تَعَلُّمِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعَلِّمْهُ وَاسْتَكْسَبَهُ عَصَى بِذَلِكَ اهـ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّكْبِيرَةِ بِكُلِّ وَجْهٍ فَيَدْخُلُ بِالصَّلَاةِ بِدُونِهَا كَالْأَخْرَسِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ شَرَفٍ

قَوْلُهُ: (مَنْكِبَيْهِ) الْمَنْكِبُ مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ وَالْعَضُدُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقِ إلَى الْكَتِفِ وَفِيهِ خَمْسُ لُغَاتٍ وِزَانُ رَجُلٍ وَبِضَمَّتَيْنِ فِي لُغَةِ الْحِجَازِ، وَقَرَأَ بِهَا الْحَسَنُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51] وَمِثَالُ كَبِدٍ فِي لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ، وَمِثَالُ فَلَسٍ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ، وَالْخَامِسَةُ مِثَالُ قُفْلٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ: أَهْلُ تِهَامَةَ يُؤَنِّثُونَ الْعَضُدَ، وَبَنُو تَمِيمٍ يُذَكِّرُونَ وَالْجَمْعُ أَعْضُدُ وَأَعْضَادٌ مِثْلُ أَفْلُسٍ وَأَقْفَالٍ.
اهـ. مِصْبَاحُ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (وَرَاحَتَاهُ) أَيْ ظَهْرُهُمَا

قَوْلُهُ: (قَرْنُ النِّيَّةِ) أَيْ قَرْنُ الْمَنْوِيِّ وَهُوَ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ تَفْصِيلًا مَعَ التَّعْيِينِ وَنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، وَيَقْصِدُ فِعْلَ ذَلِكَ وَإِيقَاعَهُ فِي الْخَارِجِ مِنْ أَوَّلِ التَّكْبِيرِ إلَخْ قَوْلُهُ: (بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) أَيْ بِجَمِيعِهَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهَا لِلزِّيَادَةِ الْفَاصِلَةِ الْمُغْتَفَرَةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الِاشْتِرَاطُ كَمَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ صَالِحٍ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ كَمَا فِي فَتَاوَى شَيْخِنَا الشِّهَابِ م ر. ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدِي لَا يَجِبُ لِاغْتِفَارِ الْفَصْلِ وَكَلَامُهُمْ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ عَدَمُ الْفَصْلِ ابْنُ قَاسِمٍ شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْكَانِ) أَيْ فَوَجَبَ مُقَارَنَتُهَا لِذَلِكَ كَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقْرُنَهَا) هُوَ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ كَقَتَلَ يَقْتُلُ، وَفِيهِ لُغَةٌ مِنْ بَابِ ضَرَبَ مِصْبَاحٌ وَالْمُرَادُ بِقَرْنِهَا تَفْصِيلًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي التُّحْفَةِ وَمَا يَدُلُّ لَهُ الْمُقَابَلَةُ بِمَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالنَّوَوِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ الْمُقَارَنَةُ الْإِجْمَالِيَّةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقَوْمِ هُنَا أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: اسْتِحْضَارٌ حَقِيقِيٌّ بِأَنْ يَسْتَحْضِرَ جَمِيعَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ تَفْصِيلًا وَمُقَارَنَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِأَنْ يَقْرُنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحْضَرَ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرَةِ، وَاسْتِحْضَارٌ عُرْفِيٌّ بِأَنْ يَسْتَحْضِرَ الْأَرْكَانَ إجْمَالًا وَمُقَارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ بِأَنْ يَقْرُنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحْضِرُ بِجُزْءٍ مَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ عِنْدَ م ر. وَإِنْ اكْتَفَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْأَخِيرَيْنِ لِمَا قِيلَ إنَّ الِاسْتِحْضَارَ الْحَقِيقِيَّ مَعَ الْقَرْنِ الْحَقِيقِيِّ لَا تُطِيقُهُ الطَّبِيعَةُ الْبَشَرِيَّةُ، بَلْ يَكْفِي الِاسْتِحْضَارُ الْعُرْفِيُّ مَعَ الْقَرْنِ الْعُرْفِيِّ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ بِحَيْثُ يُعَدُّ إلَخْ لَيْسَ بَيَانًا لِلْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الِاسْتِحْضَارَ الْعُرْفِيَّ وَالْمُقَارَنَةَ الْعُرْفِيَّةَ مُتَغَايِرَانِ بَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ كَمَا اكْتَفَى بِالِاسْتِحْضَارِ الْعُرْفِيِّ بِحَيْثُ يُعَدُّ إلَخْ فَالْحَيْثِيَّةُ بَيَانٌ لِلِاسْتِحْضَارِ الْعُرْفِيِّ.
وَاعْتَمَدَ الْحِفْنِيُّ وَالْعَشْمَاوِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِالِاسْتِحْضَارِ الْعُرْفِيِّ وَالْمُقَارَنَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَمَعْنَى عَدَّهُ مُسْتَحْضِرًا اسْتِحْضَارُهُ الْأَرْكَانَ إجْمَالًا كَمَا مَرَّ قَوْلُهُ: (وَيَسْتَصْحِبُهَا) بِأَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي ذِهْنِهِ ذَاتَ الصَّلَاةِ تَفْصِيلًا وَمَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ مِنْ كَوْنِهَا ظُهْرًا وَفَرْضًا، ثُمَّ يَقْصِدُ فِعْلَ هَذَا الْمَعْلُومِ وَيَجْعَلُ قَصْدَهُ هَذَا مُقَارِنًا لِأَوَّلِ التَّكْبِيرِ، وَلَا يَغْفُلُ عَنْ تَذَكُّرِهِ حَتَّى يَتِمَّ التَّكْبِيرُ فَلَا يَكْفِي تَوْزِيعُهَا عَلَيْهِ، وَنَازَعَ فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ لَا تَحْوِيه الْقُدْرَةُ الْبَشَرِيَّةُ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ إلَخْ زِيَادِيٌّ.
لَا يُقَالُ اسْتِحْضَارُهُ الْكُلَّ مُمْكِنٌ فِي أَدْنَى لَحْظَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ نَفْسُهُ.
لِأَنَّا نَقُولُ ذَاكَ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (عِنْد الْعَوَامّ) هَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالِاكْتِفَاءِ أَيْ يَكْفِي لِلْعَوَامِّ الْمُقَارَنَةُ الْعُرْفِيَّةُ أَوْ بِالْعُرْفِيَّةِ أَيْ الْعُرْفِيَّةُ عِنْدَ الْعَوَامّ، وَحِينَئِذٍ مَا الْمُرَادُ بِهِمْ؟ وَقَدْ أَسْقَطَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَلْيُحَرَّرْ

وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: إنَّهُ الْحَقُّ وَصَوَّبَهُ السُّبْكِيُّ

وَالْوَسْوَسَةُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ،

[حاشية البجيرمي]

شَوْبَرِيٌّ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ بِالْعَوَامِّ الْعَامِّيُّونَ، وَعَلَى الثَّانِي فَالْمُرَادُ بِهِمْ عَامَّةُ النَّاسِ.
وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلْيُتَأَمَّلْ مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَالَ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ: الْمُرَادُ بِالِاسْتِحْضَارِ الْعُرْفِيِّ الْقَصْدُ وَالتَّعْيِينُ وَنِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ كَمَا تَلَقَّيْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا الْخَلِيفِيِّ، وَهُوَ عَنْ شَيْخِهِ مَنْصُورٍ الطُّوخِيِّ عَنْ شَيْخِهِ الشَّيْخِ سُلْطَانٍ الْمُزَاحِيِّ عَنْ شَيْخِهِ الشَّوْبَرِيِّ عَنْ الرَّمْلِيِّ الصَّغِيرِ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ الطُّوخِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَوْلُهُ عَنْ الرَّمْلِيِّ الصَّغِيرِ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِهِ مِنْ الْمُقَارَنَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ وَلَوْ تَخَلَّلَ التَّكْبِيرَ مَا لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ لَمْ يُشْتَرَطْ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لَهُ هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ م ر. وَلَا تَكْفِي مُقَارَنَتُهَا لَهُ فِي الْمُقَارَنَةِ الْإِجْمَالِيَّةِ قَوْلُهُ: (وَلِي بِهِمَا أُسْوَةٌ) هُوَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إلَى الِاكْتِفَاءِ بِوُجُودِ النِّيَّةِ قَبْلَ التَّكْبِيرِ.
اهـ. عَمِيرَةُ.

قَوْلُهُ: (وَالْوَسْوَسَةُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إلَخْ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْوَسْوَسَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلْكَامِلِينَ، وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِقَوْلِ الشَّارِحِ الْوَسْوَسَةُ خَبَلٌ فِي الْعَقْلِ أَوْ جَهْلٌ فِي الدِّينِ لِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الْوَسْوَسَةِ، وَهُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ الْوِسْوَاسِ.
وَكَلَامُ الْأَوَّلِ يُحْمَلُ عَلَى مَنْ يُجَاهِدُ الشَّيْطَانَ فِي وَسْوَسَتِهِ لِيُثَابَ الثَّوَابَ الْكَامِلَ، قَالَهُ شَيْخُنَا الْمَلَوِيِّ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُبَيْدَةَ الْعَدَوِيُّ: شَكَوْت إلَى الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ مَا أَجِدُ فِي صَدْرِي مِنْ الْوَسْوَسَةِ.
فَقَالَ: إنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الْبَيْتِ الَّذِي تَمُرُّ فِيهِ اللُّصُوصُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ عَالَجُوهُ وَإِلَّا مَضَوْا وَتَرَكُوهُ.
يَعْنِي أَنَّ الْقَلْبَ إذَا اشْتَغَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَبْقَى لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَلَكِنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ الْوَسْوَسَةُ وَقْتَ فُتُورِهِ عَنْ الذِّكْرِ لِيُلْهِيَهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَالْعَبْدُ مُبْتَلًى بِالشَّيْطَانِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُفَارِقُهُ وَلَكِنَّهُ يَخْنِسُ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ قَيْسُ بْنُ الْحَجَّاجِ: قَالَ لِي شَيْطَانِي: دَخَلْت فِيك وَأَنَا مِثْلُ الْجَزُورِ وَأَنَا الْيَوْمَ مِثْلُ الْعُصْفُورِ.
فَقُلْت: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّك تُذِيبُنِي بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى «وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّيْطَانُ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي فَقَالَ ذَلِكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ إذَا حَسَسْته فَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْهُ وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِك ثَلَاثًا قَالَ: فَفَعَلْت ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي» . فَمَنْ كَثُرَتْ وَسْوَسَتُهُ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَيْطَانِ الْوَسْوَسَةِ خَنْزَبٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ.
وَكَانَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ وَالْخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ: مَنْ أَحَسَّ بِذَلِكَ فَلْيَضَعْ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهِ وَيَقُلْ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْخَلَّاقِ الْفَعَّالِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: 20] وَيَقُولُ ذَلِكَ الْمُصَلِّي قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
وَفِي الْخَبَرِ «إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ، فَاسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَأْتِي إلَى الْمُتَوَضِّئِ فَيَقُولُ لَهُ: مَا أَسْبَغْت وُضُوءَك، مَا غَسَلْت وَجْهَك، مَا مَسَحْت رَأْسَك، وَيُذَكِّرُهُ بِأَشْيَاءَ يَكُونُ فَعَلَهَا، فَمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الْوَلْهَانِ فَإِنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهُ عَنْهُ» قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: خَنْزَبٌ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَبْطِ الْخَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ فَتَحَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ كَسَرَهَا، وَهَذَا مَشْهُورٌ وَمِنْهُمْ مَنْ ضَمَّهَا حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَةِ الْغَرِيبِ وَالْمَعْرُوفُ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُسْتَحَبُّ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِالْوَسْوَسَةِ فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَشَبَهِهِمَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ الذِّكْرَ خَنَسَ أَيْ تَأَخَّرَ، وَيُعِيدُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِأَنَّهَا رَأْسُ الذِّكْرِ.
وَقَالَ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ أَحْمَدُ بْنُ الْجَوْزِيِّ: شَكَوْت إلَى أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْوِسْوَاسَ فَقَالَ: إذَا أَرَدْت أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْك فِي أَيِّ وَقْتٍ أَحْسَسْت بِهِ فَافْرَحْ، فَإِذَا فَرِحْت بِهِ انْقَطَعَ عَنْك فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَى الشَّيْطَانِ مِنْ سُرُورِ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا اغْتَمَمْت بِهِ زَادَك.
قَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ

وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى خَبَلٍ فِي الْعَقْلِ أَوْ جَهْلٍ فِي الدِّينِ.

وَلَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لِلْعُسْرِ لَكِنْ يُسَنُّ، وَيُعْتَبَرُ عَدَمُ الْمُنَافِي كَمَا فِي عَقْدِ الْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي أَنْ يَخْرُجَ أَوْ يَسْتَمِرَّ بَطَلَتْ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ لِأَنَّهَا أَضْيَقُ بَابًا مِنْ الْأَرْبَعَةِ، فَكَانَ تَأْثِيرُهَا بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ أَشَدَّ.

(وَ) الرَّابِعُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (قِرَاءَةُ) سُورَةِ (الْفَاتِحَةِ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي قِيَامِهَا أَوْ بَدَلِهِ، لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ: «لَا صَلَاةَ

[حاشية البجيرمي]

وَهَذَا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الْوَسْوَاسَ إنَّمَا يُبْتَلَى بِهِ مَنْ كَمُلَ إيمَانُهُ، فَإِنَّ اللِّصَّ لَا يَقْصِدُ بَيْتًا خَرَابًا كَمَا ذَكَرَهُ الْيَافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الدُّرُّ النَّظِيمُ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشَّيْطَانِ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَرَأَى فِي النَّوْمِ جَسَدَ رَجُلٍ شَبَهَ الْبَلُّورِ يُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ، وَرَأَى الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ ضُفْدَعٍ قَاعِدًا عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ إلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ.
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ يَقُولُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ كُلَّ يَوْمٍ: اللَّهُمَّ إنَّك سَلَّطْت عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا عَدُوًّا بَصِيرًا بِعُيُوبِنَا، يَرَانَا هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَرَاهُمْ، فَآيِسْهُ مِنَّا كَمَا آيَسْتَهُ مِنْ رَحْمَتِك، وَقَنِّطْهُ مِنَّا كَمَا قَنَّطْتَهُ مِنْ عَفْوِك، وَبَعِّدْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ كَمَا بَاعَدَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَنَّتِك إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
فَتَمَثَّلَ لَهُ إبْلِيسُ يَوْمًا فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: يَا ابْنَ وَاسِعٍ هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: إبْلِيسُ.
قَالَ: وَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ لَا تُعَلِّمَ أَحَدًا هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةَ.
فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَا مَنَعْتهَا مِمَّنْ أَرَادَهَا فَاصْنَعْ الْآنَ مَا شِئْت.
وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْجَانَّ يَرَوْنَا وَنَحْنُ لَا نَرَاهُمْ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقُوا مِنْ الرِّيحِ، وَأَصْلُ الرِّيحِ لَا يُرَى فَكَذَلِكَ مَا خُلِقَ مِنْهُ.
وَقِيلَ: إنَّ الْمُؤْمِنَ فِي ضَوْءِ الْإِيمَانِ وَالْكَافِرَ مِنْهُمْ فِي ظُلْمَةِ الْكُفْرِ، وَاَلَّذِي فِي الظُّلْمَةِ يَرَى مَنْ فِي النُّورِ وَاَلَّذِي فِي النُّورِ لَا يَرَى مَنْ فِي الظُّلْمَةِ وَهَذَا مَخْدُوشٌ بِمُؤْمِنِهِمْ فَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقُوا مِنْ الرِّيحِ اهـ. كَذَا فِي تُحْفَةِ السَّائِلِ

قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ اسْتِصْحَابُ إلَخْ) أَيْ ذِكْرًا بِكَسْرِ الذَّالِ أَيْ بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا حُكْمًا فَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: (كَمَا فِي عَقْدِ الْأَيْمَانِ) أَيْ الْجَزْمِ بِهِ قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْوُضُوءِ) أَيْ فَلَا يُبْطِلُ مَا مَضَى مِنْهُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لَكِنْ يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لِمَا بَقِيَ.
قَالَ أَئِمَّتُنَا فِي الْعِبَادَاتِ: فِي قَطْعِ النِّيَّةِ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ وَالصَّلَاةُ فَيَبْطُلَانِ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهُمَا بِلَا خِلَافٍ.
الثَّانِي: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لَا يَبْطُلَانِ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا بِالْإِفْسَادِ.
الثَّالِثُ: الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ لَا يَبْطُلَانِ بِذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ كَالْحَجِّ.
الرَّابِعُ: الْوُضُوءُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ مَا مَضَى مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِمَا يَبْقَى.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.

قَوْلُهُ: (سُورَةِ الْفَاتِحَةِ) كَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطُ لَفْظِ سُورَةٍ وَإِبْقَاءِ الْمَتْنِ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهَا الْفَاتِحَةَ لَا سُورَةَ الْفَاتِحَةِ، أَوْ هُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَمَّى إلَى الِاسْمِ أَيْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ الْمُسَمَّاةِ بِالْفَاتِحَةِ، وَهِيَ مِمَّا نَزَلَ قَدِيمًا فَكَانَ النَّبِيُّ يَقْرَؤُهَا فِي صَلَاتِهِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَرَكْعَتَيْ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى خَمْسَةً: اللَّهُ وَالرَّبُّ وَالرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ وَالْمَلِكُ، وَسِرُّهُ أَنْ يَقُولَ خَلَقْتُك أَوَّلًا فَأَنَا إلَهٌ، ثُمَّ رَبَّيْتُك فَأَنَا رَبٌّ، ثُمَّ عَصَيْتنِي فَسَتَرْت فَأَنَا رَحْمَنٌ، ثُمَّ تُبْت فَغَفَرْتُ فَأَنَا رَحِيمٌ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ اتِّصَالِ الْجَزَاءِ فَأَنَا مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ.
وَكَرَّرَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَسْمَاءِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْعِنَايَةَ بِالرَّحْمَةِ أَكْثَرُ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْبَيْضَاوِيُّ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ وَقَدْ اسْتَخْرَجَ أَخِي أَفْضَلُ الدِّينِ مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مِائَتَيْ أَلْفِ عِلْمٍ؛ وَسَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَتِسْعَمِائَةٍ، وَسَبْعَةً وَسَبْعِينَ عِلْمًا.
وَقَالَ: هَذِهِ أُمَّهَاتُ عُلُومِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ثُمَّ رَدَّهَا كُلَّهَا إلَى الْبَسْمَلَةِ ثُمَّ إلَى

لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» أَيْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِمَا مَرَّ فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، إلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ فَلَا تَجِبُ فِيهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ لَهَا عَنْهُ.

[حاشية البجيرمي]

النُّقْطَةِ الَّتِي تَحْتَ الْبَاءِ.
كَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَا يَكْمُلُ الرَّجُلُ عِنْدَنَا فِي مَقَامِ الْمَعْرِفَةِ بِالْقُرْآنِ حَتَّى يَصِيرَ يَسْتَخْرِجُ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ وَجَمِيعَ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهَا مِنْ أَيِّ حَرْفٍ شَاءَ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْإِمَامِ عَلِيٍّ: لَوْ شِئْت لَأَوْقَرْتُ لَكُمْ ثَمَانِينَ بَعِيرًا مِنْ عُلُومِ النُّقْطَةِ الَّتِي تَحْتَ الْبَاءِ، وَمَا مِنْ عَبْدٍ يَقْرَؤُهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا وَيَدْعُو اللَّهَ بِمَا شَاءَ إلَّا اُسْتُجِيبَ لَهُ دُعَاؤُهُ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى قِرَاءَتِهَا رَأَى الْعَجَبَ وَنَالَ مَا يَرْجُوهُ مِنْ كُلِّ أَرَبٍ، وَمَنْ وَاظَبَ عَلَى قِرَاءَتِهَا إحْدَى وَأَرْبَعِينَ مَرَّةً إلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِلَا تَعَبٍ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) وَقَدْ تَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كَمَا إذَا نَذَرَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ كُلَّمَا عَطَسَ فَإِنَّهُ إنْ عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ وَكَانَ فِي الْقِيَامِ وَجَبَ قِرَاءَتُهَا، أَوْ غَيْرِهِ كَالرُّكُوعِ.
وَالسُّجُودِ أَخَّرَهَا إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَرَأَهَا لِأَنَّ غَيْرَ الْقِيَامِ لَيْسَ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ كَذَا قَرَّرَهُ م ر. فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ شَرْطَ نَذْرِ التَّبَرُّرِ أَنْ يَكُونَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مَرْغُوبًا فِيهِ وَالْعُطَاسُ لَيْسَ مَرْغُوبًا فِيهِ.
فَقَالَ: بَلْ مَرْغُوبٌ فِيهِ لِأَنَّ فِيهِ رَاحَةً لِلْبَدَنِ.
وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْعَاطِسَ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ رَاحَةً لِأَنَّ الرُّوحَ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ هَارِبَةً مِنْ الْجَسَدِ، وَتَقُولُ: اسْتَخْبَيْت هُنَا فَتَجِيءُ إلَى كُلِّ عُضْوٍ رَجَاءَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ، فَيَصِيحُ رِيحٌ مِنْ الدِّمَاغِ فَيَقُولُ لَهَا: لَمْ يَجِئْ وَقْتُ خُرُوجِك فَتَسْتَقِرُّ فِيهِ وَلِهَذَا يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ لِأَنَّ رُوحَهُ اسْتَقَرَّتْ فِي بَدَنِهِ، فَأَمَرَ الشَّارِعُ الْعَاطِسَ بِالْحَمْدِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بِخُرُوجِ مَا احْتَقَنَ فِي دِمَاغِهِ مِنْ الْأَبْخِرَةِ، فَسُنَّ التَّشْمِيتُ وَمَعْنَاهُ هَدَاكَ اللَّهُ إلَى الشَّمْتِ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْعُطَاسِ مِنْ الِانْزِعَاجِ وَالْقَلَقِ.
اهـ. . وَالتَّشْمِيتُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَالْأَوَّلُ إشَارَةٌ إلَى جَمْعِ الشَّمْلِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: شَمِتَتْ الْإِبِلُ إذَا اجْتَمَعَتْ فِي الْمَرْعَى.
وَالثَّانِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مُرُوقُ السَّمْتِ الْحَسَنِ.
وَقَدْ يُسْتَحَبُّ تَكْرِيرُ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ، وَذَلِكَ إذَا قَرَأَهَا وَقَدْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الِاضْطِجَاعِ ثُمَّ الْقُعُودِ ثُمَّ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا فِي الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ مِمَّا قَبْلَهَا كَمَا فِي الْحَلَبِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (فِي قِيَامِهَا) أَيْ الرَّكْعَةِ، وَمِنْهُ الْقِيَامُ الثَّانِي مِنْ رَكْعَتَيْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقِيَامِهَا لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ تَشْمَلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرُّكُوعِ أَوْ فِي السُّجُودِ.
فَرْعٌ: لَوْ صَلَّى النَّافِلَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ وَهُوَ هَاوٍ لِلرُّكُوعِ فَلَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَهَضَ مِنْ السُّجُودِ إلَى الْقِيَامِ وَأَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ حَالَ نُهُوضِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ لِأَنَّ الْقِيَامَ أَكْمَلُ مِنْ النُّهُوضِ، هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ م ر قِيَاسًا عَلَى مَا قَرَّرَهُ فِي الْفَرْضِ أَنَّهُ يَقْرَأُ حَالَ هَوِيِّهِ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَدَلَهَا لَا حَالَ نُهُوضِهِ لِأَنَّ الْمَقْدُورَ أَكْمَلُ مِنْهُ، فَوَجَبَ تَأْخِيرُ الْفَاتِحَةِ إلَيْهِ اهـ خ ض. وَقَوْلُهُ فِي الْفَرْعِ: يَمْتَنِعُ وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ لِأَنَّ النَّفَلَ يَجُوزُ مِنْ قُعُودٍ مَعَ الْقُدْرَةِ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا وَجَبَ لِلْقِيَامِ قِرَاءَةٌ وَلِلْجُلُوسِ الْأَخِيرِ تَشَهُّدٌ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَا يَجِبُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْأَذْكَارِ لِالْتِبَاسِ الْأَوَّلَيْنِ بِالْعَادَةِ، فَوَجَبَ تَمْيِيزُهُمَا عَنْهَا بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ إلَّا عِبَادَةً بِذَاتِهِمَا، فَلَمْ يَحْتَاجَا إلَى مُمَيِّزٍ آخَرَ.
وَأَمَّا الْأَخِيرَانِ فَغَيْرُ مَقْصُودَيْنِ لِذَاتِهِمَا بَلْ لِلْفَصْلِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَا قَصِيرَيْنِ فَلَمْ يُنَاسِبْهُمَا إيجَابُ شَيْءٍ فِيهِمَا إعْلَامًا بِذَلِكَ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَدَلِهِ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْبَدَلُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَذَلِكَ فِي النَّفْلِ وَهُوَ الْقُعُودُ وَالِاضْطِجَاعُ، أَوْ مَعَ الْعَجْزِ وَذَلِكَ فِي الْفَرْضِ وَهُوَ الْقُعُودُ وَالِاضْطِجَاعُ وَالِاسْتِلْقَاءُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا اهـ. قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الدَّعَاوَى ثَلَاثَةٌ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَكَوْنُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَكَوْنُهَا فِي الْقِيَامِ أَوْ بَدَلِهِ.
وَذَكَرَ دَلِيلَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: لَا صَلَاةَ، وَدَلِيلَ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ كَمَا مَرَّ فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَ دَلِيلَ الدَّعْوَى الثَّالِثَةِ لِظُهُورِهِ وَلَوْ قَالَ فِي قِيَامِ كُلِّ رَكْعَةٍ لَأَتَى بِدَلِيلِهَا قَوْلُهُ: (لَا صَلَاةَ) أَيْ صَحِيحَةً لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِلصِّحَّةِ لَا لِلْكَمَالِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ قَالَهُ شَيْخُنَا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية البجيرمي]

وَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ مَا نَقَلَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ عَنْ الْحَقِيقَةِ أَقْرَبُ إلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ مِنْ نَفْيِ الْكَمَالِ عَنْهَا كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْمَأْمُومَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ وَضَعَّفَ الْحَافِظُ خَبَرَ «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ» فَيَقْرَؤُهَا الْمُقْتَدِي وَلَوْ فِي الْجَهْرِيَّةِ كَمَا جَاءَ عَنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ صَحَابِيًّا، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ بِقَصْدِ الذِّكْرِ لَمْ تُجْزِهِ عَنْ قِرَاءَتِهَا لِوُجُودِ الصَّارِفِ، وَقَدْ يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ الْآتِي وَيَجِبُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالرُّكْنِ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ فِي خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ) وَهُوَ قَوْلُهُ: «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا» وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِخَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ لِأَنَّ خَبَرَ الشَّيْخَيْنِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا لَا يُعَيِّنُ الْقِرَاءَةَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بَلْ يَشْمَلُ تَوْزِيعَ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُلِّ الرَّكَعَاتِ، فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِدَلِيلِ خَبَرِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ) يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا إنْ قُدِّرَ فِي قَوْلِهِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، أَيْ فَتَجِبُ وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا، وَأَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا إنْ قُدِّرَ فَتَجِبُ فَقَطْ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى نَفْيُ الِاسْتِقْرَارِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْوُجُوبِ.
وَعِبَارَةُ ع ش الِاسْتِثْنَاءُ بِالنَّظْرِ لِمُجَرَّدِ الْوُجُوبِ مُنْقَطِعٌ، وَبِالنَّظَرِ لِكَوْنِ الْمُرَادِ بِالْوُجُوبِ الِاسْتِقْرَارَ مُتَّصِلٌ، وَالْمُرَادِ بِالْمَسْبُوقِ بِهَا حَقِيقَةً كَأَنْ وَجَدَهُ رَاكِعًا أَوْ حُكْمًا كَأَنْ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَسْبُوقِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا قَامَ بَعْدَ سُجُودِهِ وَوَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ، أَوْ كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ أَوْ الْحَرَكَةِ أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَتَخَلَّفَ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يُغْتَفَرُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ، فَإِذَا قَرَأَهَا وَلَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا وَمَشَى عَلَى نَظْمِ صَلَاتِهِ ثُمَّ قَامَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ هَاوِيًا لِلرُّكُوعِ رَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْفَاتِحَةُ اهـ حَلَبِيٌّ.
وَكَوْنُ هَذَا فِي حُكْمِ الْمَسْبُوقِ ظَاهِرٌ إذَا فَسَّرْنَاهُ بِاَلَّذِي لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا إذَا فُسِّرَ بِمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ بِأَيِّ رَكْعَةٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الصُّوَرُ مِنْهُ حَقِيقَةً.
وَقَالَ الَأُجْهُورِيُّ.
الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ خَلْفَ إمَامِهِ زَمَنًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ بِالنِّسْبَةِ لِقِرَاءَةِ الْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ لَا لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ) أَيْ فَقَدْ وَجَبَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ قَوْلُهُ: (لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ لَهَا عَنْهُ) بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا أَوْ فِي رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ.
اهـ. عَنَانِيٌّ.
فَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْأَهْلُ لِلتَّحَمُّلِ، فَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ بِإِدْرَاكِهِ مَعَهُ رُكُوعَهُ الْمَحْسُوبَ لَهُ، وَلَوْ نَوَى مُفَارَقَةَ إمَامِهِ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى ثُمَّ اقْتَدَى بِإِمَامٍ رَاكِعٍ وَقَصَدَ بِذَلِكَ إسْقَاطَ الْفَاتِحَةِ صَحَّتْ فِي أَوْجَهِ احْتِمَالَيْنِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ وَاسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلَيْهِ آخِرًا اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُومَ إمَّا مُوَافِقٌ، وَإِمَّا مَسْبُوقٌ وَالْأَوَّلُ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ قِيَامِ الْإِمَامِ قَدْرًا يَسَعُ الْفَاتِحَةَ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ لَا لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَالْمَسْبُوقُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الشَّاكِّ حُكْمُ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَالْمُوَافِقُ بَيَّنَهُ فِي الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: الْعُذْرُ كَأَنْ أَسْرَعَ إمَامٌ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ قَبْلَ إتْمَامٍ مُوَافِقٍ الْفَاتِحَةَ فَيُتِمُّهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ، وَإِلَّا تَبِعَهُ ثُمَّ تَدَارَكَ بَعْدَ سَلَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُتِمَّهَا الْمُوَافِقُ لِشُغْلِهِ بِسُنَّةٍ كَدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ فَمَعْذُورٌ أَيْ يَتَخَلَّفُ وَيُتِمُّهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ كَمَا مَرَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَطِيءِ الْقِرَاءَةِ السَّابِقِ، كَمَأْمُومٍ عَلِمَ أَوْ شَكَّ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَبَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ أَنَّهُ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ فَيَقْرَؤُهَا وَيَسْعَى كَمَا مَرَّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُمَا أَيْ بَعْدَ رُكُوعِهِمَا لَمْ يَعُدْ إلَيْهَا بَلْ يَتْبَعُ إمَامَهُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوَافِقَ يُعْذَرُ فِيمَا إذَا كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الِاشْتِغَالِ بِسُنَّةٍ وَفِي الشَّكِّ فَيُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ لِلْقِرَاءَةِ وَيُغْتَفَرُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ، فَإِنْ فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ الثَّانِي وَانْتَصَبَ وَوَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْإِمَامُ الْفَاتِحَةَ وَمِثْلُهُ مَسْأَلَةُ الزِّحَامِ وَالنِّسْيَانِ.
وَحَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْمَسْبُوقِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِسُنَّةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِنْ لَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ.
وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا إذَا تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ اشْتَغَلَ بِسُنَّةٍ وَظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ تَخَلَّفَ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ بَعْدَ تَكْمِيلِهَا إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَإِلَّا فَاتَتْهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ بَعْدَ رَفْعِ الْإِمَامِ أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ تَكْمِيلُ مَا فَاتَهُ حَتَّى يُرِيدَ الْإِمَامُ الْهَوِيَّ لِلسُّجُودِ وَإِلَّا فَارَقَهُ أَيْ، وَإِلَّا بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَهْوِيَ لِلسُّجُودِ فَارَقَهُ فَإِنَّهُ تَعَارَضَ عَلَيْهِ لُزُومُ وَفَاءِ مَا عَلَيْهِ وَبُطْلَانُ صَلَاتِهِ بِتَخَلُّفِهِ بِرُكْنَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ إدْرَاكَهُ فِي الرُّكُوعِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ، فَإِنْ تَرَكَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عِنْدَ شَيْخِنَا ابْنِ قَاسِمٍ.
وَقَالَ شَيْخُنَا م ر: لَا تَبْطُلُ إلَّا إنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ بِلَا مُفَارَقَةٍ، وَأَمَّا إثْمُهُ فَمَحَلُّ وِفَاقٍ.
اهـ. سِبْطٌ الطَّبَلَاوِيُّ وَالْوَسْوَسَةُ لَيْسَتْ عُذْرًا كَمَا قَالَهُ ع ش.

تَنْبِيهٌ: يُتَصَوَّرُ سُقُوطُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ حَصَلَ لِلْمَأْمُومِ فِيهِ عُذْرُ تَخَلَّفَ بِسَبَبِهِ عَنْ الْإِمَامِ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَزَالَ عُذْرُهُ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ، كَمَا لَوْ كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ أَوْ نَسِيَ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ السُّجُودِ بِسَبَبِ زَحْمَةٍ، أَوْ شَكَّ بَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ فِي قِرَاءَتِهِ الْفَاتِحَةَ فَتَخَلَّفَ لَهَا.
نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْإِسْنَوِيُّ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ مَوْضِعٍ) أَيْ فِي كُلِّ صُورَةٍ فَلَيْسَ الْمَوْضِعُ شَامِلًا لِمَوْضِعِ الْعُذْرِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى إذْ الْفَاتِحَةُ لَا تَسْقُطُ فِيهَا لِأَنَّهُ قَرَأَهَا فِيهَا، وَسُقُوطُ الْفَاتِحَةِ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي الثَّانِيَةِ فَظَاهِرُ إطْلَاقِ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَيْسَ مُرَادًا عَلَى إطْلَاقِهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْمَوْضِعِ الصُّورَةُ كَمَا عَلِمْت قَوْلُهُ: (تَخَلَّفَ إلَخْ) الْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِعُذْرٍ لِأَنَّ الْجُمَلَ بَعْدَ النَّكِرَاتِ صِفَاتٌ، وَجُمْلَةُ الصُّوَرِ الَّتِي اسْتَثْنَوْهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْقُدْوَةِ قَوْلُهُ: (بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ) صَوَابُهُ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ لِأَنَّ الرَّابِعَ يَجِبُ تَبَعِيَّةُ الْإِمَامِ فِيهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ الْخَلَلِ إذْ الرَّكْعَةُ الَّتِي زَالَ الْعُذْرُ فِيهَا لَمْ تَسْقُطْ الْفَاتِحَةُ فِيهَا، فَالْمُرَادُ الرَّكْعَةُ الَّتِي بَعْدَهَا بِأَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي رَكْعَةِ الْعُذْرِ وَجَرَى عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا قَامَ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا رَأَى الْإِمَامَ رَاكِعًا فَإِنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْفَاتِحَةُ ق ل. وَقَوْلُهُ صَوَابُهُ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ بِأَنْ رَكَعَ قَبْلَ وُصُولِ إمَامِهِ لِمَحَلٍّ يُجْزِئُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ، أَوْ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلٍّ يُجْزِئُ فِيهِ التَّشَهُّدُ إنْ كَانَ يَقْعُدُ م ر. قَالَ اج: يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُؤَلِّفِ بِأَنَّ الْإِمَامَ لَمَّا سَبَقَهُ بِالْقِيَامِ زِيَادَةً عَلَى الثَّلَاثَةِ عَدَّهُ رَابِعًا إذْ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَأْمُومَ حِينَ قَامَ رَأَى الْإِمَامَ رَاكِعًا تَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ تَسْقُطْ الْفَاتِحَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي سُقُوطَ فَاتِحَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (وَزَالَ عُذْرُهُ) أَيْ وَأَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ، فَلَا يُقَالُ إنَّ زَوَالَ الْعُذْرِ كَالزَّحْمَةِ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ، بَلْ الْمُرَادُ بِزَوَالِ الْعُذْرِ إتْيَانُهُ بِمَا عَلَيْهِ وَهُوَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزُلْ عُذْرُهُ قَوْلُهُ: (وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ) أَوْ هَاوٍ لِلرُّكُوعِ، وَحِينَئِذٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمَأْمُومِ الْمُتَابَعَةُ، فَلَوْ تَخَلَّفَ عَنْ ذَلِكَ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إذَا لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ إذَا كَانَ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ وَالْإِمَامُ مُعْتَدِلُ الْقِرَاءَةِ يَتَخَلَّفُ لِقِرَاءَتِهَا وُجُوبًا وَلَوْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ، ثُمَّ إنْ كَمَّلَهَا قَبْلَ انْتِصَابِ الْإِمَامِ لِمَحَلٍّ تُجْزِئُ فِيهِ الْقِرَاءَةُ جَرَى عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَامَ مِنْ سَجْدَتَيْهِ فَإِنْ وَجَدَ الْإِمَامَ قَائِمًا وَقَفَ مَعَهُ وَقَرَأَ مَا أَمْكَنَهُ مَعَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْفَاتِحَةُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الِاعْتِدَالِ فَمَا بَعْدَهُ وَافَقَهُ فِيهِ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ فَيَتَدَارَكُهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ إلَّا بَعْدَ أَنْ وَقَفَ الْإِمَامُ وَقَفَ مَعَهُ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى وَأَجْزَأَتْهُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ لَمْ يُتِمَّهَا وَرَكَعَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا فَلَا تَبْطُلُ لَكِنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ كَالْأُولَى.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِي نِسْيَانِ الصَّلَاةِ، وَفِيمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَقَبْلَ رُكُوعِهِ هُوَ حَرْفًا بِحَرْفٍ.
وَأَمَّا إذَا زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ فَحَاصِلُهَا أَنَّهُ إذَا قَرَأَ مَعَ الْإِمَامِ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ فَمُنِعَ مِنْ السُّجُودِ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ تَمَكُّنَهُ مِنْهُ، فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ جَرَى عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَكَمَّلَ رَكْعَتَهُ، فَإِنْ قَامَ وَوَجَدَ الْإِمَامَ قَائِمًا وَقَفَ مَعَهُ وَقَرَأَ مَا يُمْكِنُهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ رَاكِعًا رَكَعَ مَعَهُ وَتَحَمَّلَ عَنْهُ الْفَاتِحَةَ، وَإِنْ وَجَدَهُ اعْتَدَلَ تَبِعَهُ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ، وَأَمَّا إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي رُكُوعِ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ رَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ وَلَا يَجْرِي عَلَى نَظْمِ صَلَاةِ نَفْسِهِ وَفَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى وَتُحْسَبُ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الرُّكُوعُ وَالِاعْتِدَالُ الَّذِي تَبِعَ الْإِمَامَ فِيهِمَا فَلِلْمُتَابَعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ السُّجُودِ إلَّا بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الِاعْتِدَالِ بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَزْحُومِ وَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهُ سُبِقَ بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ طَوِيلَةٍ وَقَدْ شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْخَامِسِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ رُكُوعِ إمَامِهِ) أَيْ وَقَبْلَ رُكُوعِهِ هُوَ، وَتَسْقُطُ أَيْضًا فِيمَا إذَا اقْتَدَى بِإِمَامٍ رَاكِعٍ فَلَمَّا تَمَّتْ رَكْعَتُهُ وَقَامَ رَأَى إمَامًا رَاكِعًا فَفَارَقَ إمَامَهُ وَاقْتَدَى بِهِ، وَهَكَذَا إلَى آخِرِ

وَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] آيَةٌ مِنْهَا أَيْ مِنْ الْفَاتِحَةِ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعَ آيَاتٍ، وَعَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] آيَةً مِنْهَا» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَرَأْتُمْ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] فَاقْرَءُوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] إنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، و ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] إحْدَى آيَاتِهَا» . وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] آيَةً، وَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] إلَى آخِرِهَا سِتَّ آيَاتٍ» . وَهِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إلَّا بَرَاءَةَ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى إثْبَاتِهَا فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّهِ أَوَائِلَ السُّوَرِ سِوَى بَرَاءَةٍ دُونَ الْأَعْشَارِ وَتَرَاجِمِ السُّوَرِ وَالتَّعَوُّذِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَمَا أَجَازُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ

[حاشية البجيرمي]

صَلَاتِهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ م ر سَوَاءٌ كَانَ لِغَرَضٍ أَمْ لَا خِلَافًا لسم.
قَوْلُهُ: (وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ آيَةٌ مِنْهَا خَبَرُهُ، وَالْمُرَادُ آيَةٌ مِنْهَا عَمَلًا مِنْ جِهَةِ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي الْفَاتِحَةِ هَذَا هُوَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ فَقَوْلُهُ آيَةٌ مِنْهَا عَمَلًا كَمَا تَقَدَّمَ لَا اعْتِقَادًا أَيْ لَا يَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهَا آيَةً مِنْهَا وَكَذَا مِنْ غَيْرِهَا، بَلْ لَوْ جَحَدَ ذَلِكَ لَا يُكَفَّرُ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا اعْتِقَادُ كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَهُوَ وَاجِبٌ يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَبِسْمِ اللَّهِ إلَخْ اسْتِئْنَافٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّ مُسَمَّاهَا هَذِهِ الْأَلْفَاظُ الشَّامِلَةُ لِلْبَسْمَلَةِ كَمَا قَالَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (سَبْعَ آيَاتٍ) بَيَانُ عَدِّهَا أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ، وَصِرَاطَ الَّذِينَ إلَخْ آيَةٌ، وَالْبَاقِي خَمْسَةٌ وَعَدُّهَا ظَاهِرٌ وَهِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] آيَةٌ وَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1] آيَةٌ وَ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] آيَةٌ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا صِفَةً لِلَّهِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ وَقْفًا كَافِيًا غَيْرَ تَامٍّ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاللَّفْظُ إنْ تَمَّ وَلَا تَعَلُّقًا ... تَامٌّ وَكَافٍ إنْ بِمَعْنًى عُلِّقَا فَالْآيَةُ الْأُولَى لَهَا تَعَلُّقٌ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صِفَةٌ لِلَّهِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْبَسْمَلَةَ فَبَيَانُ السَّبْعَةِ أَنَّ صِرَاطَ الَّذِينَ إلَى عَلَيْهِمْ آيَةٌ، وَمِنْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ إلَخْ آيَةٌ، وَالْبَاقِي خَمْسَةٌ عَدُّهَا ظَاهِرٌ قَوْلُهُ: «إذَا قَرَأْتُمْ» أَيْ أَرَدْتُمْ قِرَاءَتَهَا قَوْلُهُ: (وَهِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْبَيَانِ: يَنْبَغِي لِكُلِّ قَارِئٍ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا خُصُوصًا أَرْبَابَ الْوَظَائِفِ وَالْأَسْبَاعِ وَالْأَجْزَاءِ لِيَسْتَحِقَّ مَا يَأْخُذُهُ يَقِينًا، فَإِنَّهُ إذَا أَخَلَّ بِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْجَعْلِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ الْبَسْمَلَةُ مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ يَتَأَكَّدُ الِاعْتِنَاءُ بِهَا وَإِشَاعَتُهَا اهـ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ وَلَا الْقِسْطَ، غَيْرَ أَنَّ م ر قَالَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ: إنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقِسْطَ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَأَسْقَطَ الْبَسْمَلَةَ.
قَالَ شَيْخُنَا: يُمْكِنُ الْفَرْقُ بِأَنَّ هَذَا مُخِلٌّ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَا كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ اهـ اج.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الْمَدَابِغِيِّ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْقَارِئُ شَيْئًا مِنْ الْمَعْلُومِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا أَوَائِلَ السُّوَرِ فِي الْوَظَائِفِ حَيْثُ كَانَ الْوَاقِفُ يَرَى أَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ لِمُخَالَفَتِهِ شَرْطَ الْوَاقِفِ لِنَصِّهِ عَلَى السُّورَةِ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ مِنْهَا الْبَسْمَلَةَ، وَأَمَّا مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَثَلًا فَلَمْ يَقْرَأْ الْبَسْمَلَةَ فَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْقِسْطَ أَيْ فَيَنْقُصُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ أُجْرَةِ مِثْلِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فَاحْفَظْهُ قَوْلُهُ: (إلَّا بَرَاءَةً) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْقُرْآنِ فِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ أَوَّلَ بَرَاءَةٍ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ بِهَا الْقَارِئُ أَوْ قَرَأَهَا بَعْدَ الْأَنْفَالِ.
وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ فَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمَا سُورَتَانِ بَلْ جَعَلُوهُمَا سُورَةً وَاحِدَةً، وَجُعِلَتْ أَيْ بَرَاءَةٌ مَعَ الْأَنْفَالِ بِجَعْلِهِمَا سُورَةً وَاحِدَةً مِنْ السَّبْعِ الطِّوَالِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّبْعِ الطِّوَالِ الْبَقَرَةُ وَآخِرُهَا بَرَاءَةٌ.
وَقِيلَ: وَهُوَ الْأَقْوَى إنَّمَا لَمْ يُفْعَلْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلْت عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَ لَمْ تُكْتَبْ فِي بَرَاءَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ قَالَ: لِأَنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَانٌ، وَبَرَاءَةً لَيْسَ فِيهَا أَمَانٌ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بِالسَّيْفِ.
قَالَ شَيْخُنَا الْمَدَابِغِيِّ: فَتُكْرَهُ فِي أَوَّلِهَا.
نَعَمْ إنْ قَصَدَ أَنَّهَا مِنْهَا مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ حُرِّمَ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى الْمَتْنِ، وَتُنْدَبُ فِي أَثْنَائِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ وَابْنِ حَجَرٍ كَمَا فِي ق ل. قَوْلُهُ: (لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ) دَلِيلٌ لِلْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قَوْلُهُ: (بِخَطِّهِ) أَيْ الْمُصْحَفِ، أَيْ بِخَطٍّ مُمَاثِلٍ لِخَطِّهِ أَيْ بِمِدَادِهِ وَهِيَ الْمِدَادُ الْأَسْوَدُ لَا بِخَطٍّ آخَرَ قَوْلُهُ: (دُونَ الْأَعْشَارِ) أَيْ دُونَ مَا يُكْتَبُ عَلَى هَامِشِ الْمُصْحَفِ مِنْ لَفْظِ عُشْرِ حِزْبٍ.

يَحْمِلُ عَلَى اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ قُرْآنًا، وَلَوْ كَانَتْ لِلْفَصْلِ كَمَا قِيلَ لَثَبَتَتْ فِي أَوَّلِ بَرَاءَةٍ وَلَمْ تَثْبُتْ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقُرْآنُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا يَثْبُتُ قُرْآنًا قَطْعًا، أَمَّا مَا يَثْبُتُ قُرْآنًا حُكْمًا فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ كَمَا يَكْفِي فِي كُلِّ ظَنِّيٍّ، وَأَيْضًا إثْبَاتُهَا فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فِي مَعْنَى التَّوَاتُرِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ قُرْآنًا لَكُفِّرَ جَاحِدُهَا.
أُجِيبَ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَكُفِّرَ مُثْبِتُهَا، وَأَيْضًا التَّكْفِيرُ لَا يَكُونُ بِالظَّنِّيَّاتِ وَهِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ قَطْعًا وَكَذَا فِيمَا عَدَا بَرَاءَةً مِنْ بَاقِي السُّوَرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَأَنْ يَجْهَرَ بِهَا حَيْثُ يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ.
فَائِدَةٌ: مَا أُثْبِتَ فِي الْمُصْحَفِ الْآنَ مِنْ أَسْمَاءِ السُّوَرِ وَالْأَعْشَارِ شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ الْحَجَّاجُ فِي زَمَنِهِ

[حاشية البجيرمي]

لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَطِّهِ، وَإِنَّمَا يُكْتَبُ بِمِدَادٍ أَحْمَرَ وَهَذَا مِنْ ابْتِدَاعِ الْحَجَّاجِ، وَأَمَّا أَسْمَاءُ السُّوَرِ فَهُوَ تَوْقِيفٌ وَمَعَ كَوْنِ ذَلِكَ بِدْعَةً فَلَيْسَ مُحَرَّمًا وَلَا مَكْرُوهًا بِخِلَافِ نَقْطِ الْمُصْحَفِ وَشَكْلِهِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ سُنَّةٌ قَوْلُهُ: (وَالتَّعَوُّذِ) أَيْ وَدُونَ التَّعَوُّذِ فَإِنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ أَصْلًا لَا بِخَطِّ الْمُصْحَفِ وَلَا بِمِدَادٍ أَحْمَرَ قَوْلُهُ: (فَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا) أَيْ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ هَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ، أَمَّا كَوْنُهَا قُرْآنًا فِي ذَاتِهَا فَلَا خِلَافَ فِيهِ قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ الْقُرْآنُ إلَخْ) هَذَا سُؤَالٌ مِنْ قِبَلِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ قَوْلُهُ: (حُكْمًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَمَلُ بِهِ كَمَا مَرَّ ق ل أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَتْ قُرْآنًا) أَيْ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا وَقَعَ فِيهِ وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا قُرْآنًا اط ف. وَمَا يَقَعُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ مَنْ يُنْكِرُ الْبَسْمَلَةَ يُكَفَّرُ لَيْسَ مُسَلَّمًا عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا قُرْآنًا يُكَفَّرُ لِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا يُكَفَّرُ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا لَكُفِّرَ مُثْبِتُهَا فَجَوَابُنَا مُعَارَضَةٌ بِالْمِثْلِ.
وَقَوْلُهُ وَأَيْضًا إلَخْ جَوَابٌ آخَرُ لَكِنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ بِالْمَنْعِ وَالثَّانِي بِالتَّسْلِيمِ قَوْلُهُ: (وَهِيَ آيَةٌ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ قَطْعًا) هُوَ مُنْتَقَدٌ فَإِنَّ مَنْ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ أَيْ أَوْ بَيْنَ تَمَامِ الْخَتْمَةِ وَالشُّرُوعِ فِي أُخْرَى لَا يَرَى أَنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ مُرَادُهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ.
اهـ. م د فَهُوَ اتِّفَاقٌ مَذْهَبِيٌّ قَوْلُهُ: (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَصِلَهَا بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) وَجْهُ ذَلِكَ دَفْعُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّهَا فَاصِلَةٌ ق ل. فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ كُلَّ آيَةٍ كَامِلَةٍ يُنْدَبُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقِفُ عَلَى رُءُوسِ الْآيِ، وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا قَرَّرَهُ الطُّوخِيُّ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوَصْلُ، وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَالسُّنَّةُ إلَخْ ضَعِيفٌ.
وَالْمُعْتَمَدُ سَنُّ الْوَقْفِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا آيَةٌ كَامِلَةٌ وَالْآيَةُ الْكَامِلَةُ يُسَنُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلُهُ: (وَالْأَعْشَارِ) وَكَذَا الْأَحْزَابُ وَأَنْصَافُهَا وَأَرْبَاعُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ ابْتَدَعَهُ الْحَجَّاجُ، وَهُوَ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ وَلَا مَكْرُوهَةٍ، وَهِيَ مِثْلُ نَقْطِ الْمُصْحَفِ وَشَكْلِهِ فَهُوَ بِدْعَةٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَعَهُ الْحَجَّاجُ بِالنِّسْبَةِ لِأَسْمَاءِ السُّوَرِ إنَّمَا هُوَ الْإِثْبَاتُ فَقَطْ، أَيْ إثْبَاتُهَا فِي الْمُصْحَفِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ.
وَأَمَّا أَسْمَاءُ السُّوَرِ فَلَمْ يَبْتَدِعْهُ بَلْ هُوَ بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ أَسْمَاءَ السُّوَرِ وَتَرْتِيبَهَا وَتَرْتِيبَ الْآيَاتِ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنَّهَا هَكَذَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَأَمَّا عَدَدُ الْآيَاتِ فَلَيْسَ بِتَوْقِيفٍ مِنْ النَّبِيِّ إلَى آخِرِهِ وَلِذَا وَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي عَدِّهَا بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ، وَلِذَا يَتَّفِقُ أَنْ يَقُولَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ السُّورَةُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ آيَةً مَثَلًا أَوْ مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَخَمْسُونَ آيَةً مَثَلًا فَتَأَمَّلْ.
ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّحْبِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ.
فَأَسْمَاءُ السُّوَرِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ الْحَجَّاجُ كِتَابَتَهَا فِي الْمَصَاحِفِ كَانَ النَّاسُ يَعْرِفُونَهَا مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ فَائِدَةٌ نَقَلَهَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خَمْسُ مَسَائِلَ يَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَعْلَمَهَا: الْأُولَى إذَا شَكَّ فِي حَرْفٍ هَلْ هُوَ بِالْيَاءِ أَوْ بِالتَّاءِ فَلْيَقْرَأْ بِالْيَاءِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ مُذَكَّرٌ.
الثَّانِيَةُ: إذَا شَكَّ فِي حَرْفٍ لَمْ يَعْلَمْ أَمَهْمُوزٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَهْمُوزٍ

وَيَجِبُ رِعَايَةُ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ، فَلَوْ أَتَى قَادِرٌ أَوْ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ بَدَلَ حَرْفٍ مِنْهَا بِآخَرَ لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ لِتَغْيِيرِهِ النَّظْمَ، وَلَوْ أَبْدَلَ ذَالَ الَّذِينَ الْمُعْجَمَةِ بِالْمُهْمَلَةِ لَمْ تَصِحَّ كَمَا اقْتَضَى إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ الْجَزْمَ بِهِ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَكَذَا لَوْ أَبْدَلَ حَاءَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] بِالْهَاءِ، وَلَوْ نَطَقَ بِالْقَافِ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَافِ كَمَا تَنْطِقُ بِهِ الْعَرَبُ صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ فِيهِ نَظَرٌ وَيَجِبُ رِعَايَةُ تَشْدِيدَاتِهَا الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْبَسْمَلَةِ، فَلَوْ خَفَّفَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً بَطَلَتْ قِرَاءَةُ تِلْكَ الْكَلِمَةِ لِتَغْيِيرِهِ النَّظْمَ، وَلَوْ شَدَّدَ الْمُخَفَّفَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَيَجِبُ رِعَايَةُ تَرْتِيبِهَا بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى نَظْمِهَا الْمَعْرُوفِ لِأَنَّهُ مَنَاطُ الْبَلَاغَةِ وَالْإِعْجَازِ، فَلَوْ بَدَأَ بِنِصْفِهَا الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَيَبْنِي عَلَى الْأَوَّلِ إنْ سَهَا بِتَأْخِيرِهِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، يَسْتَأْنِفُ إنْ تَعَمَّدَ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ وَيَجِبُ رِعَايَةُ

[حاشية البجيرمي]

فَإِنْ تَرَكَ الْهَمْزَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ لَمْ يَلْحَنْ، وَإِنْ هَمَزَ مَا لَيْسَ بِمَهْمُوزٍ لَحَنَ.
الثَّالِثَةُ: إذَا شَكَّ فِي حَرْفٍ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ أَوْ مَوْصُولٌ فَلْيَقْرَأْ بِالْوَصْلِ، فَإِنَّهُ إنْ قَرَأَ كُلَّ مَقْطُوعٍ فِي الْقُرْآنِ بِالْوَصْلِ لَمْ يَلْحَنْ، وَإِنْ قَطَعَ مَوْصُولًا لَحَنَ.
الرَّابِعَةُ: إذَا شَكَّ فِي حَرْفٍ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ مَمْدُودٌ أَوْ مَقْصُورٌ فَلْيَقْرَأْ بِالْقَصْرِ، فَلَوْ أَنَّهُ قَصَرَ كُلَّ مَمْدُودٍ فِي الْقُرْآنِ لَمْ يَلْحَنْ، وَإِنْ مَدَّ مَقْصُورًا لَحَنَ.
الْخَامِسَةُ: إذَا شَكَّ فِي حَرْفٍ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ هُوَ مَفْتُوحٌ أَوْ مَكْسُورٌ فَلْيَقْرَأْ بِالْفَتْحِ، فَلَوْ أَنَّهُ فَتَحَ كُلَّ مَكْسُورٍ فِي الْقُرْآنِ لَمْ يَلْحَنْ، وَإِنْ كَسَرَ مَفْتُوحًا لَحَنَ فَمَدَارُ الْقُرْآنِ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْأَحْرُفِ اهـ

قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ رِعَايَةُ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ، وَلَهَا شُرُوطٌ غَيْرُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ: (أَوْ مَنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ عَاجِزٌ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ إلَخْ قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ قِرَاءَتُهُ) أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الْقِرَاءَةِ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إلَّا إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى وَكَانَ عَامِدًا عَالِمًا ق ل كَالْهَمْدُ بِالْهَاءِ بَدَلَ الْحَاءِ، وَالدِّينَ بِالْمُهْمَلَةِ أَوْ الزَّايِ، وَمِثَالُ مَا لَا يُغَيِّرُ كَالْعَالَمُونَ بَدَلَ الْعَالَمِينَ، وَمِثْلُهُ رَفْعُ هَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَفَتْحُ دَالِ نَعْبُدُ وَكَسْرُ بَائِهَا وَنُونِهَا لِبَقَاءِ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ الْمُتَعَمِّدُ لِذَلِكَ آثِمًا، وَضَمُّ صَادِ الصِّرَاطِ وَهَمْزَةِ اهْدِنَا وَإِنْ لَمْ تُسَمِّهِ النُّحَاةُ لَحْنًا، فَإِنَّ اللَّحْنَ عِنْدَهُمْ كَاللُّغَوِيِّينَ تَغْيِيرُ الْإِعْرَابِ وَالْخَطَأُ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْأَعَمُّ فَيَشْمَلُ إبْدَالَ حَرْفٍ بِآخَرَ، وَالْمُرَادُ بِتَغْيِيرِ الْمَعْنَى أَنْ يَنْقُلَ مَعْنَى الْكَلِمَةِ إلَى مَعْنًى آخَرَ كَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ وَكَسْرِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَعْنًى أَصْلًا كَالدِّينَ بِالدَّالِ.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَقَوْلُهُ: كَالْعَالَمُونَ قَالَ سم فِي حَوَاشِي ابْنِ حَجَرٍ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ إبْدَالٌ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، كَالْعَالَمُونَ بِالْوَاوِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالتَّعَمُّدِ وَالْعِلْمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ كَانَ نَظِيرَ مَا أَفَادَهُ كَلَامُهُمْ فِي اللَّحْنِ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى مِنْ عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَقَدْ قَالَ م ر بِالْبُطْلَانِ انْتَهَى.
أَيْ إنْ تَعَمَّدَ قَالَ شَيْخُنَا: وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بِأَنَّ " الْعَالَمُونَ " وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ الْمَعْنَى إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ كَلِمَةً أَجْنَبِيَّةً انْتَهَى أُجْهُورِيٌّ وَفِيهِ إبْدَالُ حَرْفٍ بِآخَرَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَبْدَلَ ذَالَ الَّذِينَ إلَخْ) الْأَوْلَى التَّفْرِيعُ قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَطَقَ) أَيْ الْقَادِرُ بِالْقَافِ إلَخْ وَقَوْلُهُ كَمَا نَطَقَ بِهَا الْعَرَبُ أَيْ أَجْلَافُهُمْ، أَمَّا الْفُصَحَاءُ مِنْهُمْ فَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ بَابِلِيٌّ قَوْلُهُ: (صَحَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ) وَوَجْهُ الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِبْدَالِ حَرْفٍ بَلْ هِيَ قَافٌ غَيْرُ خَالِصَةٍ كَمَا اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لحج فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ نَطَقَ بِقَافِ الْعَرَبِ الْمُتَرَدِّدَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَافِ بَطَلَتْ إلَّا إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّعَلُّمُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: (الْأَرْبَعَ عَشَرَةَ) فَلَوْ زَادَ فِيهَا بِأَنْ أَدْغَمَ مِيمَ الرَّحِيمِ فِي مِيمِ مَالِكِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا فِي الْحَلَبِيِّ، لَكِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِنَاءً عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر مِنْ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعَةِ شَاذٌّ كَمَا عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ إنْ غُيِّرَ الْمَعْنَى، وَأَمَّا الْإِدْغَامُ مَعَ إسْقَاطِ أَلِفِ مَالِكِ فَسَبُعِيَّةٌ أَفَادَهُ الشَّمْسُ الْحِفْنِيُّ قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ قِرَاءَةُ تِلْكَ الْكَلِمَةِ) وَكَذَا صَلَاتُهُ إنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى وَعَلِمَ وَتَعَمَّدَ كَتَخْفِيفِ إيَّاكَ بَلْ إنْ اعْتَقَدَ مَعْنَاهُ كَفَرَ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ ق ل. فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَعَادَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الصَّوَابِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ كَمَا قَالَهُ م ر. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الصَّوَابِ، فَإِنْ رَكَعَ عَامِدًا عَالِمًا قَبْلَ إعَادَتِهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَدَّدَ الْمُخَفَّفَ أَسَاءَ وَأَجْزَأَهُ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اللَّحْنَ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَلَيْسَ فِيهِ إبْدَالُ حَرْفٍ بِآخَرَ لَا يَضُرُّ قَوْلُهُ: (وَالْإِعْجَازِ) عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبِّبٍ قَوْلُهُ: (لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) أَيْ مُطْلَقًا قَوْلُهُ: (إنْ سَهَا بِتَأْخِيرِهِ) أَيْ بِتَأْخِيرِ الْأَوَّلِ أَيْ وَقَصَدَ بِهِ أَيْ بِالْأَوَّلِ الِاسْتِئْنَافَ أَوْ أَطْلَقَ لَا التَّكْمِيلَ كَمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ) أَيْ بَيْنَ الْإِتْيَانِ

مُوَالَاتِهَا بِأَنْ يَأْتِيَ بِكَلِمَاتِهَا عَلَى الْوَلَاءِ لِلِاتِّبَاعِ مَعَ خَبَرِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَيَقْطَعُهَا تَخَلُّلُ ذِكْرٍ وَإِنْ قَلَّ، وَسُكُوتٌ طَالَ عُرْفًا بِلَا عُذْرٍ فِيهِمَا، أَوْ سُكُوتٌ قُصِدَ بِهِ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِإِشْعَارِ ذَلِكَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْقِرَاءَةِ بِخِلَافِ سُكُوتٍ قَصِيرٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقَطْعَ أَوْ طَوِيلٍ، أَوْ تَخَلُّلِ ذِكْرٍ بِعُذْرٍ مِنْ جَهْلٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ إعْيَاءٍ، أَوْ تَعَلُّقِ ذِكْرٍ بِالصَّلَاةِ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ إذَا تَوَقَّفَ فِيهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِ الْفَاتِحَةِ لِعَدَمِ مُعَلِّمٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَسَبْعُ آيَاتٍ عَدَدُ آيَاتِهَا

[حاشية البجيرمي]

بِهِ وَالتَّكْمِيلِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (إنْ تَعَمَّدَ) أَيْ بِالتَّأْخِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا قَصَدَ التَّكْمِيلَ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَوْلُهُ: (أَوْ طَالَ الْفَصْلُ) أَيْ بَيْنَ فَرَاغِهِ وَالتَّكْمِيلِ، أَيْ وَلَوْ بِعُذْرٍ وَفَارَقَ مَا يَأْتِي فِي الْمُوَالَاةِ بِأَنَّ نَظَرَ الشَّارِعِ إلَى التَّرْتِيبِ أَكْمَلُ مِنْ نَظَرِهِ إلَى الْمُوَالَاةِ لِأَنَّهُ مَنَاطُ الْإِعْجَازِ فَاحْتِيطَ لَهُ أَكْثَرَ اهـ حَجّ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ قَوْلُهُ: أَوْ طَالَ الْفَصْلُ بِأَنْ تَعَمَّدَ السُّكُوتَ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ سَهْوٌ لَا يَضُرُّ وَإِنْ طَالَ حَجّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ التَّكْمِيلَ ضَرَّ سَوَاءٌ سَهَا بِالتَّأْخِيرِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّكْمِيلَ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ أَيْ بِلَا عُذْرٍ عَامِدًا عَالِمًا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ لَمْ يَسْهُ بِالتَّأْخِيرِ اهـ. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ عَدَمِ تَرْتِيبِهَا، هُوَ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا قَرَأَ نِصْفَهَا الثَّانِيَ أَوَّلَ مَرَّةٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُتَعَمِّدًا أَوْ مُطْلَقًا فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ، وَإِذَا قَرَأَ النِّصْفَ الْأَوَّلَ ثَانِيًا إمَّا أَنْ يَقْصِدَ التَّكْمِيلَ أَوْ الِاسْتِئْنَافَ أَوْ يُطْلِقَ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ تُضْرَبُ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَبْلُغُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً.
وَإِذَا قَرَأَ النِّصْفَ الْأَخِيرَ ثَالِثًا إمَّا أَنْ يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ بِعُذْرٍ أَوْ بِلَا عُذْرٍ أَوْ لَمْ يَطُلْ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ تُضْرَبُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ تَبْلُغُ الصُّوَرُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ وَكُلُّهَا غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهَا إلَّا إذَا قَصَدَ بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ الِاسْتِئْنَافَ أَوْ أَطْلَقَ، وَوَصَلَ النِّصْفَ الْأَوَّلَ بِالْأَخِيرِ الَّذِي قَرَأَهُ ثَالِثًا أَوْ فَصَلَ وَطَالَ الْفَصْلُ بِعُذْرٍ اهـ. وَفِي الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ مَا نَصُّهُ: وَالْحَاصِلُ إذًا أَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ فَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى ضَرَّ مُطْلَقًا وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ مَعَ التَّعَمُّدِ وَالْعِلْمِ، وَإِنْ لَمْ يُغَيَّرْ الْمَعْنَى فَلَا يُعْتَدُّ بِالْمُقَدَّمِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْمُؤَخَّرُ فَلَا يُبْنَى عَلَيْهِ إنْ قَصَدَ التَّكْمِيلَ مُطْلَقًا أَيْ إنْ قَصَدَ أَنَّ الْمُؤَخَّرَ تَكْمِيلٌ لِمَا قَدَّمَهُ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ التَّكْمِيلَ فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ عَمْدًا ضَرَّ وَإِلَّا بَنَى.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وخ ط: فَلَوْ بَدَأَ بِنِصْفِهَا الثَّانِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَيَبْنِي عَلَى الْأَوَّلِ إنْ سَهَا بِتَأْخِيرِهِ، أَيْ إنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّكْمِيلَ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَيَسْتَأْنِفُ إنْ تَعَمَّدَ أَيْ قَصَدَ التَّكْمِيلَ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ أَيْ عَمْدًا.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ رِعَايَةُ مُوَالَاتِهَا) وَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْبَدَلِ.
قَالَ شَيْخُنَا: الْبَدَلُ يُعْطَى حُكْمَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ اهـ اج قَوْلُهُ: (بِلَا عُذْرٍ فِيهِمَا) وَالذِّكْرُ الَّذِي بِلَا عُذْرٍ كَتَحْمِيدِ عَاطِسٍ أَيْ كَقَوْلِ الْعَاطِسِ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَإِجَابَةِ مُؤَذِّنٍ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْنُونٍ فِيهَا، فَكَانَ مُشْعِرًا بِالْإِعْرَاضِ حَلَبِيٌّ.
وَعِبَارَةُ م ر: فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرُ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّلَاةِ قَطَعَ الْمُوَالَاةَ فَيُعِيدُهَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كَحَمْدِ عَاطِسٍ وَإِنْ سُنَّ خَارِجُهَا، وَكَإِجَابَةِ مُؤَذِّنٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا فَكَانَ مُشْعِرًا بِالْإِعْرَاضِ، وَلِتَغْيِيرِهِ النَّظْمَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِخِلَافِهِ مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا يَقْطَعُهَا بَلْ يَبْنِي قَوْلُهُ: (أَوْ سُكُوتٌ قُصِدَ بِهِ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ) وَإِنْ قَصَرَ قَوْلُهُ: (وَإِعْيَاءٍ) هَذَا خَاصٌّ بِالسُّكُوتِ الطَّوِيلِ دُونَ تَخَلُّلِ الذِّكْرِ إذْ لَا يَحْسُنُ جَعْلُ الْإِعْيَاءِ مِثَالًا لِتَخَلُّلِ الذِّكْرِ بِعُذْرٍ.
وَقَوْلُهُ كَتَأْمِينِهِ أَيْ وَسُؤَالِ الْجَنَّةِ إذَا سَمِعَ مِنْ إمَامِهِ آيَتَهَا، وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ النَّارِ كَذَلِكَ، وَصَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَمِعَ مِنْ إمَامِهِ آيَةَ اسْمِهِ.
وَقَيَّدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بِالضَّمِيرِ فَبِالظَّاهِرِ كَاللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ تَبْطُلُ الْمُوَالَاةُ لِشَبَهِهِ بِالرُّكْنِ، وَبِهِ جُمِعَ التَّنَاقُضُ بَيْنَ كَلَامَيْ الْبَجَلِيِّ وَالنَّوَوِيِّ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ) وَكَذَا سُجُودُ تِلَاوَةٍ مَعَ الْإِمَامِ، وَخَرَجَ بِإِمَامِهِ غَيْرُهُ وَلَوْ مَأْمُومًا آخَرَ فَتُقْطَعُ الْمُوَالَاةُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ فِي صُورَةِ السُّجُودِ إنْ عَلِمَ وَتَعَمَّدَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
وَمِمَّا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ أَنْ يُسَبِّحَ لِمُسْتَأْذِنٍ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ) أَيْ بِقَصْدِ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ مَعَ الْفَتْحِ وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ زِيَادِيٌّ بِأَنْ قَصَدَ الْفَتْحَ أَوْ أَطْلَقَ،

يَأْتِي بِهَا وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً لَا تَنْقُصُ حُرُوفُهَا عَنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُفِيدَ الْمُتَفَرِّقَةُ مَعْنًى مَنْظُومًا أَمْ لَا كَ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] . قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهُوَ أَيْ الثَّانِي الْمُخْتَارُ كَمَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ الْأَوَّلَ وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالثَّانِي هُوَ الْقِيَاسُ.
وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: الْمُخْتَارُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَإِطْلَاقُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، ثُمَّ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَيْ النَّوَوِيُّ إنَّمَا يَنْقَدِحُ إذَا لَمْ يُحْسِنْ غَيْرَ ذَلِكَ، أَمَّا مَعَ حِفْظِهِ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً مُنْتَظِمَةَ الْمَعْنَى فَلَا وَجْهَ لَهُ وَإِنْ شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ انْتَهَى.

[حاشية البجيرمي]

وَالْمُرَادُ بِفَتْحِهِ عَلَيْهِ تَلْقِينُهُ الَّذِي تَوَقَّفَ فِيهِ قَوْلُهُ: (إذَا تَوَقَّفَ فِيهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ وَهَذَا قَيْدٌ خَرَجَ بِهِ مَا إذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ فَفَتَحَ عَلَيْهِ فَتَنْقَطِعُ الْمُوَالَاةُ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا كَرَّرَ آيَةً مِنْ نَفْسِ الْفَاتِحَةِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْفَتَاوَى: إنْ كَثُرَ تَكْرَارُهَا بِحَيْثُ طَالَ الْفَصْلُ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ.
وَقَالَ فِي الْبَيَانِ: إنْ كَانَتْ أَوَّلَ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ آخِرَ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَسَطِهَا فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّهُ كَمَا لَوْ قَرَأَ فِي خِلَالِهَا غَيْرَهَا، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا بَطَلَتْ قِرَاءَتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا بَنَى عَلَيْهَا.
وَقَالَ فِي التَّتِمَّةِ: إذَا رَدَّدَ آيَةً مِنْ الْفَاتِحَةِ فَإِنْ رَدَّدَ الْآيَةَ الَّتِي هُوَ فِي تِلَاوَتِهَا وَتَلَا الْبَاقِيَ فَالْقِرَاءَةُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ أَعَادَ بَعْضَ الْآيَاتِ الَّتِي فَرَغَ مِنْ تِلَاوَتِهَا مِثْلُ أَنْ وَصَلَ إلَى قَوْلِهِ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] فَعَادَ إلَى قَوْلِهِ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] إنْ أَعَادَ الْقِرَاءَةَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَادَ إلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ كَانَتْ الْقِرَاءَةُ مَحْسُوبَةً، وَإِنْ أَعَادَ قِرَاءَةَ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ لَمْ تُحْسَبْ لَهُ الْقِرَاءَةُ وَعَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ، وَقَالَ فِي الْبَسِيطِ: إذَا كَرَّرَهَا لِشَكِّهِ فِي إتْيَانِهِ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَلَوْ كَرَّرَ قَصْدًا مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ تَرَدَّدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إلْحَاقِهِ بِالرُّكْنِ الْيَسِيرِ فِي انْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ وَلَاءَ الْفَاتِحَةِ لَا يَنْقَطِعُ بِتَكْرَارِ كَلِمَةٍ مِنْهَا كَيْفَ فُرِضَ الْأَمْرُ اهـ ابْنُ الْعِمَادِ فِي الْقَوْلُ التَّامُّ فِي الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَبَلَادَةٍ وَضِيقِ وَقْتٍ قَوْلُهُ: (عَنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ) وَهِيَ بِالْبَسْمَلَةِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ حَرْفًا بِإِثْبَاتِ أَلِفِ مَالِكِ، وَعَدِّ الْمُشَدَّدِ بِحَرْفَيْنِ، وَيُغْنِي عَنْ الْمُشَدَّدِ مِنْ الْفَاتِحَةِ حَرْفَانِ مِنْ الْبَدَلِ لَا عَكْسُهُ فَلَا يُقَامُ الْمُشَدَّدُ مِنْ الْبَدَلِ مَقَامَ حَرْفَيْنِ مِنْ الْفَاتِحَةِ كَمَا قَالَهُ ح ل. وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَجْمُوعَ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْمَجْمُوعِ لَا أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْ الْبَدَلِ قَدْرُ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لَا فَرْقَ) مُعْتَمَدٌ قَوْلُهُ (كَثُمَّ نَظَرَ) أَيْ مَعَ سِتَّةٍ قَبْلَهَا لَا تُفِيدُ مَعْنًى مَنْظُومًا.
وَكَانَ الْأَوْلَى التَّمْثِيلَ بِفَوَاتِحِ السُّوَرِ لِأَنَّ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] جُمْلَةٌ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ فَيُقَالُ: إنَّهَا تُفِيدُ مَعْنًى مَنْظُومًا لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: 21] أَيْ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَعَدَمُ إفَادَتِهِ الْمَعْنَى الْمَنْظُومَ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ ك الم والمر وحم، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْجَلَالُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
وَقَوْلُهُ كَثُمَّ نَظَرَ أَيْ فِي أَمْرِ الْقُرْآنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ [المدثر: 22] قَطَّبَ وَجْهَهُ أَيْ قَلَّصَهُ وَكَمَشَهُ وَجَمَعَهُ بِعَرْقَصَةٍ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِيهِ طَعْنًا وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ قَوْلُهُ: (قَالَ) أَيْ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَيْ الثَّانِي) فِيهِ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا شِقًّا وَاحِدًا وَهُوَ عَدَمُ الْفَرْقِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تُفِيدَ الْمُتَفَرِّقَةُ مَعْنًى مَنْظُومًا أَوْ لَا إلَخْ تَأَمَّلْ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ قَوْلُهُ: أَيْ الثَّانِي مُرَادُهُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمَجْمُوعِ وَهُوَ عَدَمُ الْفَرْقِ، وَالْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ الْفَرْقُ قَوْلُهُ: (الْأَوَّلُ) وَهُوَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تُفِيدَ الْمُتَفَرِّقَةُ مَعْنًى مَنْظُومًا قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي هُوَ الْقِيَاسُ) وَهُوَ كَوْنُهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْآيَاتِ أَنْ تُفِيدَ مَعْنًى مَنْظُومًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِنْهَا فَوَاتِحُ السُّوَرِ وَالْجَمْعُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ق ل قَوْلُهُ: (هُوَ الْقِيَاسُ) أَيْ عَلَى حُرْمَةِ قِرَاءَةِ غَيْرِ الْمَنْظُومَةِ عَلَى الْجُنُبِ كَمَا فِي م ر قَوْلُهُ: (مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ) أَيْ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يُحْفَظُ إلَّا مَا لَهُ مَعْنًى مَنْظُومٌ قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ) مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْتِظَامُ الْمَعْنَى وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَنْقَدِحُ) أَيْ يَظْهَرُ قَوْلُهُ: (وَهَذَا يُشْبِهُ إلَخْ) أَيْ حُمِلَ عَدَمُ الْفَرْقِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحْسِنْ مَا لَهُ مَعْنًى مَنْظُومٌ،

وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ.
وَمَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ يَأْتِي بِهِ وَيُبَدِّلُ الْبَاقِيَ إنْ أَحْسَنَهُ وَإِلَّا كَرَّرَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا مَنْ يُحْسِنُ بَعْضَ بَدَلِهَا مِنْ الْقُرْآنِ.
وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الْآيَةَ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ أَتَى بِهَا ثُمَّ يَأْتِي بِالْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَ آخِرَ الْفَاتِحَةِ أَتَى بِالْبَدَلِ ثُمَّ بِالْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي وَسَطِهَا أَتَى بِبَدَلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَرَأَ مَا فِي الْوَسَطِ ثُمَّ أَتَى بِبَدَلِ الْآخِرِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقُرْآنِ لَأَتَى بِسَبْعَةِ أَنْوَاعٍ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَا تَنْقُصُ حُرُوفُهَا عَنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ، وَيَجِبُ تَعَلُّقُ الدُّعَاءِ بِالْآخِرَةِ كَمَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى عَنْ تَرْجَمَةِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لَزِمَهُ وَقْفَةٌ قَدْرُ الْفَاتِحَةِ فِي ظَنِّهِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُتَرْجِمُ عَنْهَا بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ لِفَوَاتِ الْإِعْجَازِ فِيهَا دُونَهُ.
وَسُنَّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ

[حاشية البجيرمي]

وَحَمَلَ مَنْ قَيَّدَ بِمَا يُفِيدُ مَعْنًى مَنْظُومًا عَلَى مَنْ يُحْسِنُهُ هَذَا وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ فَالْحَسَنُ غَيْرُ حَسَنٍ قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ وَهُوَ عَدَمُ الْفَرْقِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (إنْ أَحْسَنَهُ) أَيْ الْبَدَلَ مِنْ الْقُرْآنِ إنْ أَحْسَنَهُ أَوْ مِنْ الذِّكْرِ إنْ أَحْسَنَهُ، وَلَا يَكْفِيهِ التَّكْرَارُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ ق ل. أَيْ وَلَا يَكْفِيهِ تَكْرَارُ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ فِيمَا إذَا أَحْسَنَ بَدَلًا مِنْ ذِكْرٍ عَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا يَأْتِي بِالذِّكْرِ أَوْ الدُّعَاءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقُرْآنِ لِأَنَّ مَا يَأْتِي فِيهِ قُدْرَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ وَهُنَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَإِلَّا كَرَّرَهُ) أَيْ إنْ لَمْ يُحْسِنْ الْبَدَلَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ قَوْلُهُ: (وَكَذَا إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ وَيُبَدِّلُ بَقِيَّةَ الْفَاتِحَةِ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ إنْ أَحْسَنَهُ وَإِلَّا كَرَّرَهُ قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْأَصْلِ) أَيْ الَّذِي يُحْسِنُهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ قَوْلُهُ: (بِسَبْعَةِ أَنْوَاعٍ إلَخْ) نَحْوُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
هَكَذَا وَرَدَ وَهَذِهِ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ فَتُضَمُّ إلَيْهَا الْبَسْمَلَةُ إنْ كَانَ يَحْفَظُهَا وَإِلَّا ضَمَّ إلَيْهَا نَوْعًا آخَرَ.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ مِنْ الْفَاتِحَةِ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى سُبْحَانَ اللَّهِ لِمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ مَا يَحْفَظُهُ مِنْهَا وَمَا يَأْتِي بِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُعَلِّمَ لِهَذَا الذِّكْرِ وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " عَلَى " سُبْحَانَ اللَّهِ "، هَكَذَا أَجَابَ بِهِ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ.
وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنَّ سُبْحَانَ اللَّهِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْبَسْمَلَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِقَدْرِهَا، فَتَكُونُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَاقِعَةً فِي مَحَلِّهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حِفْظِهِ هَذَا الذِّكْرَ حِفْظُهُ الْبَسْمَلَةَ قَوْلُهُ: (مِنْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ) فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَالْأَوْلَى الذِّكْرُ.
وَقَالَ ع ش: أَوْ مَانِعَةً خُلُوٍّ فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَأْتِيَ بِبَعْضِهَا مِنْ الذِّكْرِ وَبَعْضِهَا مِنْ الدُّعَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَا تَنْقُصُ) أَيْ وَلَوْ فِي ظَنِّهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْوُقُوفِ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَعَلُّقُ الدُّعَاءِ بِالْآخِرَةِ) أَيْ إنْ عَرَفَ ذَلِكَ وَإِلَّا أَتَى بِدُعَاءٍ دُنْيَوِيٍّ.
وَيُقَدِّمُ تَرْجَمَةَ الْأُخْرَوِيِّ عَلَى الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَعْدِلُ إلَى الدُّنْيَوِيِّ إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ الْأُخْرَوِيِّ مُطْلَقًا شَوْبَرِيٌّ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا تَرْجَمَ عَنْهُ بِأَيِّ لُغَةٍ شَاءَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي حَتَّى عَنْ تَرْجَمَةِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَعَلُّقُ الدُّعَاءِ بِالْآخِرَةِ) كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَسَامِحْنِي وَارْضَ عَنِّي بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا كَطَلَبِ زَوْجَةٍ حَسْنَاءَ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي زِيَادِيٌّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ أَنْ يَقْصِدَ بِهِمَا الْبَدَلِيَّةَ بَلْ الشَّرْطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهِمَا غَيْرَهَا أَيْ غَيْرَ الْبَدَلِيَّةِ فَقَطْ حَتَّى فِي التَّعَوُّذِ وَالِافْتِتَاحِ، فَإِذَا اسْتَفْتَحَ أَوْ تَعَوَّذَ بِقَصْدِ تَحْصِيلِ سُنَّتِهِمَا فَقَطْ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِحَجَرٍ كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَخْ) كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ ذِكْرٌ؟ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ لَقَّنَهُ شَخْصٌ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فَأَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ نَسِيَهَا تَأَمَّلْ.
أَمَّا لَوْ عَجَزَ عَنْ التَّكْبِيرَةِ بِكُلِّ وَجْهٍ فَيَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِدُونِهَا.
اهـ. ابْنُ شَرَفٍ قَوْلُهُ: (قَدْرَ الْفَاتِحَةِ) أَيْ وُجُوبًا وَبِقَدْرِ السُّورَةِ نَدْبًا، وَلَوْ قَدَرَ وَهُوَ فِي مَرْتَبَةٍ عَلَى مَا قَبْلَهَا عَادَ إلَيْهِ وُجُوبًا إنْ كَانَ قَبْلَ الْفَرَاغِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا عَادَ إلَيْهِ نَدْبًا ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَظَاهِرُهُ حَتَّى فِي الْوُقُوفِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْوُقُوفِ عَادَ إلَيْهَا وُجُوبًا أَوْ بَعْدَ تَمَامِهِ عَادَ إلَيْهَا نَدْبًا قَوْلُهُ: (وَلَا يُتَرْجِمُ عَنْهَا) وَلَا عَنْ بَقِيَّةِ الْقُرْآنِ إذَا كَانَ بَدَلًا ح ل. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ مِنْ عَدَمِ التَّرْجَمَةِ عَنْهَا هُوَ مَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، فَقَدْ قَالُوا: إنَّهُ لَا تُجْزِئُ الْقِرَاءَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مُطْلَقًا، وَنُقِلَ

لِقَارِئِهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا آمِينَ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَقِيسَ بِهَا خَارِجُهَا مُخَفَّفَةً مِيمُهَا بِمَدٍّ وَقَصْرٍ وَالْمَدُّ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ، وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ، وَلَوْ شَدَّدَ الْمِيمَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِقَصْدِهِ الدُّعَاءَ وَيُسَنُّ فِي جَهْرِيَّةٍ جَهَرَ بِهَا لِلْمُصَلِّي حَتَّى لِلْمَأْمُومِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ تَبَعًا لَهُ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ الْمَأْمُومُ مَعَ تَأْمِينِ إمَامِهِ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا،

[حاشية البجيرمي]

عَنْ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْمُصَلِّيَ إنْ شَاءَ قَرَأَ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَإِنْ شَاءَ قَرَأَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ كَانَ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يُجْزِهِ غَيْرُهَا، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُهَا فَقَرَأَهَا بِلُغَتِهِ أَجْزَأَتْهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إنَّهُ صَحَّ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِ صَاحِبَيْهِ قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ) أَيْ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْعَرَبِيَّةِ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْإِسْلَامُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ الْإِخْبَارُ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُلِّ لُغَةٍ، وَأَمَّا هُنَا فَتَعَبَّدَنَا الشَّارِعُ بِلَفْظٍ فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ مَا أَمْكَنَ قَالَهُ فِي الْإِيعَابِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ) وَمِثْلُ الْفَاتِحَةِ بَدَلُهَا إنْ تَضَمَّنَ دُعَاءً مُحَاكَاةً لِلْبَدَلِ شَرْحُ م ر. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ إنْ تَضَمَّنَ دُعَاءً أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، لَكِنْ هَلْ يُؤَمِّنُ وَلَوْ تَأَخَّرَ غَيْرُ الدُّعَاءِ بِأَنْ قَدَّمَ الدُّعَاءَ وَأَخَّرَ غَيْرَهُ؟ ظَاهِرُ شَرْحِ م ر: يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ قَاسِمٍ عَنْهُ فِي غَيْرِ الشَّرْحِ أَنَّهُ لَا يُؤَمِّنُ إلَّا إذَا كَانَ الدُّعَاءُ آخِرًا، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الشَّرْحِ مِنْ الْإِطْلَاقِ اهـ. وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ عَقِبَ فَوَاتِ التَّأْمِينِ بِالتَّلَفُّظِ بِغَيْرِهِ وَلَوْ سَهْوًا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ قَلَّ نَعَمْ يَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ نَحْوِ رَبِّ اغْفِرْ لِي لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَقِيبَ الضَّالِّينَ رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ» وَأَفْهَمَ أَيْضًا فَوَاتَهُ بِالسُّكُوتِ أَيْ بَعْدَ السُّكُوتِ الْمَسْنُونِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ طَالَ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْمُوَالَاةِ.
وَبِمَا قَرَّرْته يُعْلَمُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا تَفُوتُ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي السُّورَةِ أَوْ الرُّكُوعِ.
نَعَمْ مَا أَفْهَمَهُ مِنْ فَوْتِهِ بِالشُّرُوعِ فِي الرُّكُوعِ وَلَوْ فَوْرًا مُتَّجِهٌ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مُكَرَّرَةٌ مَعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا يَأْتِي كَمَا قَالَهُ ق ل. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَالتَّأْمِينُ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْلُهُ: (بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ) أَيْ بِقَدْرِ سُبْحَانَ اللَّهِ ع ش قَوْلُهُ: (مُخَفَّفًا) حَالٌ مِنْ آمِينَ قَوْلُهُ: (لِقَصْدِهِ الدُّعَاءَ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الدُّعَاءَ بَلْ قَصَدَ بِهِ مَعْنَى قَاصِدِينَ أَنَّهَا تَبْطُلُ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ حَجّ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ قَوْلُهُ: (فِي جَهْرِيَّةٍ) أَيْ بِالْفِعْلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ مَأْمُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ يَجْهَرُ بِهِ إنْ طُلِبَ مِنْهُ الْجَهْرُ، وَيُسِرُّ بِهِ إنْ طُلِبَ مِنْهُ الْإِسْرَارُ.
وَالْأَمَاكِنُ الَّتِي يَجْهَرُ فِيهَا الْمَأْمُومُ خَلْفَ إمَامِهِ خَمْسَةٌ: تَأْمِينُهُ مَعَ إمَامِهِ، وَفِي دُعَائِهِ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ، وَفِي قُنُوتِ الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي قُنُوتِ النَّازِلَةِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَإِذَا فَتَحَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا السِّرِّيَّةُ فَيُسِرُّونَ جَمِيعُهُمْ كَالْقِرَاءَةِ اهـ خ ض. قَوْلُهُ: (لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ) لَا لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ قَوْلُهُ: (مَعَ تَأْمِينِ إمَامِهِ) وَلَيْسَ لَنَا مَا تُسَنُّ فِيهِ مُقَارَنَةُ الْإِمَامِ إلَّا هَذِهِ السُّورَةُ، وَلَا يَرِدُ مَا إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُ أَنَّ إمَامَهُ لَا يَقْرَأُ السُّورَةَ أَوْ يَقْرَأُ سُورَةً قَصِيرَةً، لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَهُ فَلَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا مَعَهُ لِأَنَّهَا حَالَةُ عُذْرٍ فَلَا تَرَدُّدَ، وَيَأْتِي بِهَا أَيْ يَأْتِي الْمَأْمُومُ بِالْفَاتِحَةِ عَقِبَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ وَسَكْتَةٍ لِلْإِمَامِ بَعْدَ آمِينَ بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَحَلُّ سُكُوتِ الْإِمَامِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُومَ قَرَأَهَا، وَهَذِهِ إحْدَى السَّكَتَاتِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُمْ: الصَّلَاةُ لَا سُكُوتَ فِيهَا أَيْ غَيْرَ الْمَشْرُوعِ، وَإِنَّمَا طُلِبَتْ فِيهَا الْمَعِيَّةُ لِأَنَّهُ وَقْتُ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا فِي الْخَبَرِ.
وَيُسَنُّ سَكْتَةٌ بَعْدَ آمِينَ وَلَوْ لِمُنْفَرِدٍ وَمِثْلُهَا لِلْإِمَامِ بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَسَكْتَةٌ أُخْرَى قَبْلَ رُكُوعِهِ، وَسَكْتَةٌ عَقِبَ تَحَرُّمِهِ، وَسَكْتَةٌ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالِافْتِتَاحِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعَوُّذِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ فَالسَّكَتَاتُ سِتَّةٌ كَمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ) أَيْ أَرَادَ التَّأْمِينَ وَيُوَضِّحُهُ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ، «إذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] فَقُولُوا آمِينَ» فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مُوَافَقَتُهُ أَمَّنَ عَقِبَ تَأْمِينِهِ أَيْ الْإِمَامِ وَإِنْ تَأَخَّرَ إمَامُهُ عَنْ الزَّمَنِ الْمَسْنُونِ فِيهِ التَّأْمِينُ أَمَّنَ

فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . فَائِدَةٌ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ لَهَا عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَسُورَةُ الْحَمْدِ، وَالصَّلَاةُ وَالْكَافِيَةُ، وَالْوَافِيَةُ، وَالشِّفَاءُ، وَالْأَسَاسُ.

(وَ) الْخَامِسُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (الرُّكُوعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: 77] وَلِخَبَرِ «إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ» وَلِلْإِجْمَاعِ، وَتَقَدَّمَ رُكُوعُ الْقَاعِدِ، وَأَمَّا أَقَلُّ الرُّكُوعِ فِي حَقِّ الْقَائِمِ فَهُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ انْحِنَاءً خَالِصًا لَا انْخِنَاسَ فِيهِ، قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْ يَدَيْ

[حاشية البجيرمي]

الْمَأْمُومُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَلَوْ قَرَأَ مَعَهُ وَفَرَغَا مَعًا كَفَى تَأْمِينُ وَاحِدٍ، أَوْ فَرَغَ قَبْلَهُ قَالَ الْبَغَوِيّ: يَنْتَظِرُ وَالْمُخْتَارُ أَوْ الصَّوَابُ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِلْمُتَابَعَةِ قَوْلُهُ: «فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ» إلَخْ وَمَعْلُومٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ» فَيَكُونُ التَّعْلِيلُ مُنْتِجًا لِلْمُدَّعَى كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْحَفْنَاوِيُّ قَوْلُهُ: (الْمَلَائِكَةُ) قِيلَ هُمْ الْحَفَظَةُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّهُمْ الْحَفَظَةُ وَسَائِرُ الْمَلَائِكَةِ لَكَانَ أَقْرَبَ ح ل قَوْلُهُ: (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أَيْ مِنْ الصَّغَائِرِ.
وَاعْتَمَدَ ابْنُ السُّبْكِيّ فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ، وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: غُفِرَ لَهُ أَيْ الصَّغَائِرُ فَقَطْ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر. وَاسْتَقْرَبَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ جَمِيعُهُمْ لَا خُصُوصُ الْحَفَظَةِ.
قَوْلُهُ: (لَهَا عَشَرَةُ أَسْمَاءَ) عِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ فِي السِّيرَةِ وَلَهَا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ اسْمًا قَوْلُهُ: (وَأُمُّ الْقُرْآنِ) سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا مُفْتَتَحُهُ وَمَبْدَؤُهُ فَكَأَنَّهَا أَصْلُهُ وَمَنْشَؤُهُ، وَلِذَلِكَ تُسَمَّى أَسَاسًا أَوْ لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّعَبُّدِ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَبَيَانِ وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
اهـ. بَيْضَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي) لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ، وَتُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ أَيْ تُكَرَّرَ قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ) لِوُجُوبِ قِرَاءَتِهَا فِيهَا أَوْ اسْتِحْبَابِهَا فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ قَوْلُهُ: (وَالْكَافِيَةُ) أَيْ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ قَوْلُهُ: (وَالشِّفَاءُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «هِيَ شِفَاءُ كُلِّ دَاءٍ» . اهـ.

قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ رُكُوعُ الْقَاعِدِ) أَيْ فِي رُكْنِ الْقِيَامِ، أَيْ أَنَّ أَقَلَّهُ أَنْ تُحَاذِيَ جَبْهَتُهُ مَا أَمَامَ رُكْبَتَيْهِ، وَأَكْمَلَهُ أَنْ تُحَاذِيَ مَحَلَّ سُجُودِهِ.
وَشُرِعَ الرُّكُوعُ فِي عَصْرِ صَبِيحَةِ الْإِسْرَاءِ، وَأَمَّا الظُّهْرُ فَصَلَّاهَا بِغَيْرِ رُكُوعٍ كَالصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخَمْسِ كَمَا قَالَهُ السُّيُوطِيّ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَكَذَا التَّأْمِينُ خَلْفَ الْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43] فَمَعْنَاهُ صَلِّي مَعَ الْمُصَلِّينَ.
وَفِي الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43] مَا نَصُّهُ: أُمِرَتْ بِالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ بِذِكْرِ أَرْكَانِهَا مُبَالَغَةً فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَقَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ إمَّا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ أَوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لَا تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، أَوْ لِيَقْتَرِنَ ارْكَعِي بِالرَّاكِعِينَ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاتِهِمْ رُكُوعٌ لَيْسُوا مُصَلِّينَ اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الرُّكُوعَ كَانَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا انْتَهَى ع ش. وَقِيلَ: قَدَّمَ السُّجُودَ لِشَرَفِهِ.
وَفِي الْخَصَائِصِ: وَخَصَّ بِالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ فِيمَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43] قَالُوا: الرُّكُوعُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ خَوَاصِّنَا وَلَا رُكُوعَ فِي صَلَاةِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَلِذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهِ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.
وَاسْتَشْكَلَ الْحَافِظُ إطْلَاقَ الرُّكُوعِ عَلَى نَفْسِ الصَّلَاةِ إطْلَاقًا لِلْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ، فَقَالَ: ذَاكَ فِي بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ الْكُلِّ، وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاتِهِمْ رُكُوعٌ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ مَا لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا عَلَيْهَا؟ اهـ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقُنُوتِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ إدَامَةُ الطَّاعَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: 9] وَبِالسُّجُودِ الصَّلَاةُ كَقَوْلِهِ ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: 40] وَبِالرُّكُوعِ الْخُشُوعُ اهـ عَبْدُ الْبَرِّ وَهَذَا أَوْلَى إذْ لَا إشْكَالَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْحَنِيَ) أَيْ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا، وَلَوْ شَكَّ هَلْ انْحَنَى قَدْرًا تَصِلُ بِهِ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ لَزِمَهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ

الْمُعْتَدِلِ خِلْقَةً رُكْبَتَيْهِ إذَا أَرَادَ وَضْعَهُمَا، فَلَا يَحْصُلُ بِانْخِنَاسٍ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُكُوعًا، فَلَوْ طَالَتْ يَدَاهُ أَوْ قَصُرَتَا أَوْ قُطِعَ شَيْءٌ مِنْهُمَا لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزَ عَمَّا ذُكِرَ إلَّا بِمُعِينٍ وَلَوْ بِاعْتِمَادٍ عَلَى شَيْءٍ أَوْ انْحِنَاءٍ عَلَى شِقِّهِ لَزِمَهُ.
وَالْعَاجِزُ يَنْحَنِي قَدْرَ إمْكَانِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الِانْحِنَاءِ أَصْلًا أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ بِطَرَفِهِ.

(وَ) السَّادِسُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ (الطُّمَأْنِينَةُ فِيهِ) أَيْ الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ الْمَارِّ، وَأَقَلُّهَا أَنْ تَسْتَقِرَّ أَعْضَاؤُهُ رَاكِعًا، بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ رُكُوعِهِ عَنْ هَوِيِّهِ أَيْ سُقُوطِهِ، فَلَا تَقُومُ زِيَادَةُ الْهَوِيِّ مَقَامَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَلَا يَقْصِدُ بِالْهَوِيِّ غَيْرَ الرُّكُوعِ، قَصَدَهُ هُوَ أَمْ لَا كَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ مُنْسَحِبَةٌ عَلَيْهِ، فَلَوْ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا، لَمْ يَكْفِ لِأَنَّهُ صَرَفَهُ إلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ بَلْ يَنْتَصِبُ لِيَرْكَعَ

، وَلَوْ قَرَأَ إمَامُهُ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ رَكَعَ عَقِبَهَا فَظَنَّ الْمَأْمُومُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ فَهَوَى لِذَلِكَ فَرَآهُ لَمْ يَسْجُدْ فَوَقَفَ عَنْ السُّجُودِ فَالْأَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ: أَنَّهُ يُحْسَبُ لَهُ وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِمُتَابَعَتِهِ.
وَأَكْمَلُ الرُّكُوعِ تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ، أَيْ يَمُدُّهُمَا بِانْحِنَاءٍ خَالِصٍ بِحَيْثُ يَصِيرَانِ كَالصَّفِيحَةِ الْوَاحِدَةِ لِلِاتِّبَاعِ.

[حاشية البجيرمي]

عَدَمُهُ شَرْحُ م ر. أَيْ إنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا وَإِلَّا أَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَمَعْنَى الرُّكُوعِ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ الِانْحِنَاءِ قَوْلُهُ (رَاحَتَيْ يَدَيْ الْمُعْتَدِلِ) وَهُمَا بَطْنُ الْكَفِّ، فَلَا تَكْفِي الْأَصَابِعُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قَوْلُهُ: (فَلَا يَحْصُلُ بِانْخِنَاسٍ) بِأَنْ يُؤَخِّرَ عُنُقَهُ وَيُقَدِّمَ صَدْرَهُ وَيَخْفِضَ عَجِيزَتَهُ وَيَمِيلَ شِقُّهُ مَيْلًا قَلِيلًا اهـ اج.
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكْفِ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا أَعَادَ الرُّكُوعَ قَوْلُهُ: (لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ) أَيْ الْوَضْعَ مَعَ الطُّولِ أَوْ الْقِصَرِ فَلْيُرَاعِ الِاعْتِدَالَ.
اهـ. ق ل قَوْلُهُ: (إلَّا بِمُعَيَّنٍ) وَلَوْ دَوَامًا بِخِلَافِ الْقِيَامِ لِطُولِ زَمَنِهِ دُونَ الرُّكُوعِ سم اج قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ) مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْقِبْلَةِ خِلَافًا لسم ع ش

قَوْلُهُ: (هَوِيِّهِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَشْهَرُ مِنْ ضَمِّهَا اهـ. مَرْحُومِيٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: الْهُوِيُّ بِضَمِّ الْهَاءِ السُّقُوطُ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَآخَرُونَ بِفَتْحِهَا وَصَاحِبُ الْمَطَالِعِ بِفَتْحِهَا السُّقُوطُ، وَبِضَمِّهَا الصُّعُودُ وَالْخَلِيلُ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ سُقُوطُهُ) أَيْ لِلرُّكُوعِ قَوْلُهُ: (غَيْرَ الرُّكُوعِ) أَيْ فَقَطْ، فَلَوْ قَصَدَهُ وَغَيْرَهُ لَمْ يَضُرَّ وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ ق ل. فَلَوْ قَصَدَ قَطْعَ الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ حَتَّى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ دَوَامِ الْقِرَاءَةِ سِوَى النِّيَّةِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ، وَعِبَارَتُهُ: وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يَسْكُتْ لَمْ تَبْطُلْ قِرَاءَتُهُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللِّسَانِ وَلَمْ يَقْطَعْهَا، وَفَارَقَ نِيَّةَ قَطْعِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ فِيهَا تَجِبُ إدَامَتُهَا حُكْمًا وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ مَعَ نِيَّةِ الْقَطْعِ، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ خَالِصَةٍ فَلَا تَتَأَثَّرُ بِنِيَّةِ الْقَطْعِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ) أَيْ فَإِنَّ الشَّرْطَ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِهَا غَيْرَهَا فَقَطْ فَلَا يَضُرُّ التَّشْرِيكُ وَيَكْفِي الْإِطْلَاقُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ صَارِفٍ فَتَبْطُلُ بِالْإِطْلَاقِ كَالتَّبْلِيغِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ هَوَى إلَخْ) بِفَتْحِ الْوَاوِ بِمَعْنَى سَقَطَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ بِخِلَافِهِ بِكَسْرِ الْوَاوِ، فَمَعْنَاهُ الْمَيْلُ لِلشَّيْءِ مِنْ بَابِ فَرِحَ اهـ. وَقَوْلُهُ: فَلَوْ هَوَى أَيْ الْمُسْتَقِلُّ خَرَجَ الْمَأْمُومُ فَيُحْسَبُ لَهُ الرُّكُوعُ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ صَرَفَهُ إلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُ صَرَفَهُ إلَى مَا لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ ق ل.

قَوْلُهُ: (فَوَقَفَ عَنْ السُّجُودِ) فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِوُقُوفِ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ إلَّا بَعْدَ أَنْ وَصَلَ لِلسُّجُودِ قَامَ مُنْحَنِيًا، فَلَوْ انْتَصَبَ عَامِدًا عَالِمًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِزِيَادَتِهِ رُكُوعًا، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ وَقَصَدَ أَنْ لَا يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ وَهَوَى لِلرُّكُوعِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ لَهَا فَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَهَى إلَى حَدِّ الرَّاكِعِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا جَازَ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَيُحْسَبُ لَهُ) أَيْ لِلْمَأْمُومِ هَذَا إذَا قَرَأَ الْمَأْمُومُ الْفَاتِحَةَ كُلَّهَا، وَإِلَّا فَلَا يُحْسَبُ لَهُ هَذَا الرُّكُوعُ وَيُتَابِعُ إمَامَهُ فِي نَظْمِ الصَّلَاةِ فَلَا يَعُودُ لِلْقِرَاءَةِ، وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ قَوْلُهُ: (لِمُتَابَعَتِهِ) أَيْ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ يُلْغِي قَصْدَهُ وَيُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ صَارِفًا، وَإِنْ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَعُودُ لِلْقِيَامِ ثُمَّ يَرْكَعُ فَقَدْ قَالَ الْحَلَبِيُّ: إنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (تَسْوِيَةُ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: أَكْمَلُ، وَلْيُنْظَرْ وَجْهُ مُغَايَرَةِ الْخَبَرِ هُنَا لِسَابِقِهِ حَيْثُ أَتَى بِهِ مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا وَهُنَا صَرِيحًا.

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل