اللمحة في شرح الملحةبَابُ نَوَاصِبِ الْفِعْلِ:

بَابُ نَوَاصِبِ الْفِعْلِ:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصَّائغ
الكتاب
اللمحة في شرح الملحة
المؤلف
محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
المحقق
إبراهيم بن سالم الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1424هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

[142/ب] / وَحُقَّ أَنْ نَشْرَحَ1 شَرْحًا يُفْهَمُ ... مَا ينُْصِبُ الْفِعْلَ وَمَا قَدْ يَجْزِمُ فَيَنْصِبُ الْفِعْلَ السَّلِيمَ: أَنْ وَلَنْ ... وَكَيْ وَكَيْمَا ثُمَّ كَيْلاَ وَإِذَنْ2 وَاللاَّمُ حِينَ تَبْتَدِي بِالْكَسْرِ ... وَهْيَ إِذَا فَكَّرْتَ لاَمُ الْجَرِّ3 وَالْفَاءُ إِنْ جَاءَتْ جَوَابَ النَّهْيِ ... وَالأَمْرِ وَالْعَرْضِ مَعًا وَالنَّفْيِ وَفِي جَوَابِ لَيْتَ لِي وَهَلْ فَتَى ... وَأَيْنَ مَغْذَاكَ وَأَنَّى وَمَتَى وَالْوَاوُ إِنْ جَاءَتْ بِمَعْنَى4 الْجَمْعِ ... فِي طَلَبِ الْمَأْمُورِ أَوْ فِي الْمَنْعِ وَيُنْصَبُ الْفِعْلُ بِ (أَوْ) وَ (حَتَّى) ... وَكُلُّ ذَا أُودِعَ كُتْبًا شَتَّى تَقُولُ: أَبْغِي يَا فَتَى أَنْ تَذْهَبَا ... وَلَنْ أَزَالَ قَائِمًا أَوْ تَرْكَبَا وَجِئْتُ كَيْ تُولِينِيَ الْكَرَامَهْ ... وَسِرْتُ حَتَّى أَدْخُلَ الْيَمَامَهْ وَاقْتَبِسِ الْعِلْمَ لِكَيْ مَا تُكْرَمَا ... وَعَاصِ أَسْبَابَ الْهَوَى لِتَسْلَمَا

وَلاَ تُمَارِ جَاهِلاً فَتَتْعَبَا ... وَمَا عَلَيْكَ عَتْبُهُ فَتُعْتَبَا / وَهَلْ صَدِيقٌ مُخْلِصٌ فَأَقْصِدَهْ ... وَلَيْتَ لِي كَنْزَ الْغِنَى فَأَرْفِدَهْ وَزُرْ لِتَلْتَذَّ1 بِأَصْنَافِ الْقِرَى ... وَلاَ تُحَاضِرْ2 فَتُسِيءَ3 الْمَحْضَرَا وَمَنْ يَقُلْ: إِنِّي سَأَغْشَى حَرَمَكْ ... فَقُلْ لَهُ: إِنِّي إِذَنْ أَحْتَرِمَكْ وَقُلْ لَهُ فِي الْعَرْضِ: يَا هَذَا أَلاَ ... تَنْزِلُ عِنْدِي فَتُصِيبَ مَأْكَلاَ4 فَهَذِهِ نَوَاصِبُ الأَفْعَالِ مَثَّلْتُهَا ... فَاحْذُ عَلَى تَمْثَالِي5 [143/أ] الفعل المضارع يرتفع لتجريده6 من7 النّاصب والجازم، وحُلوله محلّ الاسم8.

فإنْ كان فعل الزّمان الحاضر وهو الحال كان مرفوعًا أبدًا، ولم يدخُل عليه عوامِل النّصب، ولا عوامِل الجزْم1؛ لأنّ عوامِل2 النّصب تدلّ على استقبال الزّمان، وفي عوامل الجزْم3 ما ينقل معنى المضارِع إلى الماضي؛ نحو: (لم) و (لَمّا) ، وفيه ما يدلّ على وُقوعِه في المستقبَل،

فنافت1 معانيها معنى الموضوع للزّمان [143/ب] الحاضر2.
وجُملة الحروف الّتي تَنصب تسعة3؛ وهي الّتي تقدّم ذكرها.
فمنها: [ما] 4 ينصب بنفسه؛ وهي: (أنْ) و (لَنْ) و (كَيْ) و (إِذَنْ) . ومنها: ما ينصب بإضمار حرف بعده مقدّر؛ وهي: (حتَّى) و (الفاء) و (الواو) و (لام تأكيد النّفي) 5. ومنها: ما ينصب بنفسه تارةً، وبإضمار حرفٍ تارة؛ وهي: (لام الإيجاب) . وأصلُ هذه الحروف: (أَنْ) ؛ لأنّها تنصِب ظاهرة ومقدّرة، ويتّسع فيها ما لا يتّسع في غيرها.
واختصّت بعمل النّصب دون غيره؛ لأنّها أشبهت (أنّ) لفظًا وتقديرًا6؛ فاللّفظ كونها على بعض حروفها، والمعنى وُقوعها وما عملت فيه موقع المصدر.

والشَّبَهُ بينها وبين أخواتها: أنّ كلّ واحدٍ من أخواتها تنقل الفعل نقلين كما تنقُله؛ فـ (لن) تنقُل الفعل إلى الاستقبال بعد أنْ كان حالاً، وإلى النّفي بعد أنْ كان موجِبًا.
و (إِذن) تنقل الفعل إلى الجواب والجزاء بعد أنْ لم يكن كذلك، وإلى الاستقبال أيضًا.
و (كي) تنقله إلى العلّة مع الاستقبال أيضًا؛ ولذلك1 عملت.
والفعل الواقِع قبل (أَنْ) لا يخلو [من] 2 أن يكون فعلاً غير متيقّن، كالخوف، والطّمع، والرّجاء، والأمل، والتّمنّي؛ فتكون (أنْ) النّاصبة للفعل، كقولك: (أريد أَنْ تَحْفَظَ) [144/أ] و (أَرْجُو أَنْ تَعْلَمَ) و (أَخْشَى أَنْ تَنْدَمَ) و (أَرْجُو ألاَّ تَسْأَمَ) ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ 3. وإنْ كان الفعل الّذي قبلها فعلاً ثابتًا متيقّنًا4، كالعلم، والرّؤية، والإنباء، والوجدان، كانت المخفّفة من الثّقيلة، وكان الفعل المستقبل بعدها مرفوعًا؛ وذلك كقولك: ( [قد] 5 علمت ألاَّ تخرجُ) ، و (ما علمت أَلاَّ يركبُ زيد) ، و (ستعلم6 ألاَّ يتحدث بكر) ، وكقوله

تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّنْ فَضْلِ اللهِ﴾ 1 فأثبت النّون، وكقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾ 2. [وإنْ] 3 كان الفعل الّذي قبلها فيه طرفٌ مّن الشّكّ، وطَرَفٌ من العلم كنتَ مخيّرًا إنْ شئتَ جعلتها النّاصبة [للفعل] 4، وإنْ شئت جعلتها المخفّفة من الثّقيلة، ورفعت الفعل بعدها، كقولك: (ما أظنّ أَلاَّ يخرج زيد) و (أَحْسِبُ ألاَّ تكون فتنة) ، قال تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ﴾ 5، وهي قراءة أبي عمرو6، وحمزة7، والكسائيّ، ويعقوب8

بالرّفع1؛ وقراءة الباقين2 بالنّصب؛ لأنّ المشدّدة معناها التّأكيد، والمخفّفة منها بمنزلتها في العمل فجُعلت كذلك مع أفعال العلم؛ وليس كذلك النّاصبة؛ لأنّها تنقل الفعل من حالٍ إلى حالٍ، ولا يجوز أن يتقدّم3 معمولها [144/ب] عليها.
وأمَّا (لَنْ) فهي عند سيبويه4 مفرَدة، وعند الخليل5 مركّبة؛ وأصلُها عنده: (لا أن) 6 فحذفت الهمزة تخفيفًا والتقى ساكنان؛ وهما: الألِف والنّون؛ فحذفت الألِف لذلك، وبقي (لَنْ) 7؛ والصّحيح ما ذهب إليه سيبويه.

وهي لفظةنفي وُضِعَت لجواب الفعل المقتَرن1 بأحد حرفي التّنفيس؛ وهما: السّين وسوف، فـ (لن يخرُج زيد) جوابُ مَن قال: سوف يخرُج، أو سيخرُج.
وتختصّ (لن) دون أخواتها بأن يتقدّم2 عليها مفعول الفعل الّذي نصبته3، كقولك: ( [زيدًا] 4 لن أضرب) وأجمعوا على ذلك، وعلى أنّ معناها نفي الفعل المستقبل.
وأمّا (إِذَنْ) فهي مفرَدة عند سيبويه5، ومركّبة عند الخليل6 من (إِذْ) و (أَنْ) 7.

ولها ثلاثة مواضع: موضع تَعمل فيه لا غير: وذلك إذا كانت مبتدأة1 جوابًا، ولم يعتمد ما بعدها على ما قبلها، ويكون الفعل مستقبلاً؛ مثالُه: أن يقول لك قائلٌ: (أنا أزورُك2 اليوم) فتقولُ: إذن أكرمَك؛ ووجب عملها بهذه الشّرائط؛ لأنّ كونها أوّلاً يلحقها3 بالعوامل الّتي مِن شأنها التّقدّم على المعمول.
وكونُ ما بعدها [غير] 4 معتمد على ما قبلها، يخرجها من أنْ تكون حشوًا، ويكون5 الفعل بعدها مرفوعًا، وتكون ملغاة.
[145/أ] وهذا الموضع الثّاني: وذلك أن يكون الفعل حالاً، كقول قائل: (أنا أحدّثك بكذا وكذا) 6فتقول [له] 7: إذن أظنّك صادقًا، وكذلك إذا اعتمد ما بعدها على ما قبلها بكونه8 خبر مبتدأ9، أو جوابًا لشرط، أو جوابًا لقَسَم لم تعمل، تقول: (أنا إذن أقوم) و (إنْ

تقم إذن أقم) ، (والله إذن أقم) 1، وأمّا قولُ الشّاعر: ارْدُدْ حِمَارَكَ لاَ يَرْتَعْ بِرَوْضَتِنَا ... إِذَنْ يُرَدَّ2وَقَيْدُ الْعَيْرِ مَكْرُوبُ3 فالواجبُ رفعُه، ولكنّه [نزّله] 4منزلة مَنْ خالَف الأمر، وقال: لا أردّه، فقال: إذن يُرَدَّ5.
وأمّا قول الآخر: لاَ تَتْرُكَنِّي فِيهِمُ شَطِيرَا ... إِنِّي إِذَنْ أَهْلِكَ أَوْ أَطِيْرَا6

يجرون (إذن) مُجْرى (لن) وهو الصّحيح؛ ويقدّرون محذوفًا1، كأنّه قال: إِنِّي أهلك إذن أهلك أو أطيرَا.
والموضع الّذي2 تعمَل فيه وتلغى: هو3 إذا تقدّمها (فاء) أو (واو) من حروف العطف، كمن يقول: زيد4 يقوم، فتقول: فإذن أَخْرُجُ،

[وإذن أَخْرُجَ] 1؛ فمن رفع كان عاطِفًا لها على الجُملة الصّغرى.
ومَن نصب كان عاطفًا على الجُملة الكبرى؛ وبه2قرأ القُرّاء السّبعة في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ﴾ 3) . [145/ب] وفي بعض المصاحف: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُوا﴾ 4 والأكثر الرّفع5، كقوله تعالى: ﴿َإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ 6) .و (إِذَنْ) عند سيبويه في عوامِل الأفعال بمنزلة (ظننت) في عوامِل الأسماء؛ ولذلك7 تقع أوّلاً، ووسطًا، وآخِرًا؛ إلاّ أنّها إذا وقعتْ آخِرًا بَطَل عملها لا غير8.

وأمّا (كي) 1 فتكونُ في موضعٍ ناصبةً بنفسها، وفي موضعٍ ناصبةً بغيرها.
فإذا دَخَلَتْ عليها لامُ الجرّ، كقوله2 تعالى: ﴿لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ 3 كان النّصب بها بنفسها4، ولم تكن5 حرف جرّ؛ لأنّ حَرْفَ6 الجَرِّ لا يدخُل على مثله غالبًا؛ فإذا قلتَ: (جئتُ لكيْ أُكرمَك) فالتّقديرُ: لأنْ أُكرِمَك7.
وإظهارُ اللاّم بعدها تنبيهٌ على أنّ النّصب بـ (أنْ) مضمَرة؛ فالموضع الّذي تنصب فيه بإضمار (أن) هو الموضع الّذي تكون فيه كاللاّم، كقولك:

(جئتُ كَيْ أُكلِّمَك) 1؛ فهي هُنا2 بمنزلة لام الجرّ، كأنّك قلتَ: (جئتُ لأُكلّمَك) ؛ فإنْ جئتَ باللاّم كان النّصب بإضمار (أنْ) لا باللاّم؛ لأنّها حرف جرّ.
فهي حرف وضع لمعنى3 العلّة4 والغَرض لوُقوع ذلك الفعل؛ ففيها شبَه من المفعول له.
ويجوز إدخال (ما) و (لا) عليها مع (اللاّم) وبغير اللاّم؛ تقول: زُرْتُك لتُكرِمني، و [كيما] 5، ولكيما [146/ أ] تُكرِمَني، وجئتُك كيلاَ تغضَب، ولكيلاَ تغضب؛ فهذه الأربعة أُصولٌ ناصبة بأنفسها.
وأمّا الحروف النّاصبة بغيرها فيجوز فيما بعدها وجهان؛ الرّفع والنّصب على تقديرين مختلِفين ما خلاَ اللاّم في النّفي؛ فإنّ6 الفعل لا يكون بعدها إلا منصوبًا بالفاء7

إذا1 وقعت جوابًا لأحد ثمانية أشياء؛ الاستفهام، والأمر، والنّهي، والجحد، والعرض، والتّمنّي، والتّحضيض، والدّعاء.
وإنْ كان أحدُ الفعلين سببًا للآخر كان ذلك الفعل2 منصوبًا، مثل: (أتقوم فتحدّثنا) بمعنى أيكون قيامُك سببًا لحديثنا3، وتلخيصه الجمع بين قيام وحديث؛ فالفعل4 الّذي قبل الفاء بمنزلة الشّرط، والفعل الّذي [دخلت] 5 عليه الفاء بمنزلة الجزاء؛ إذا قلتَ: (لا تقم فأغضب عليك) فالمعنى: إن تقم أغضب عليك.
فالنّصب بعد الفاء المسبوقة بنفي حقيقيّ، نحو: (ما استغثتَ فتُغاث) ، وبنفي مؤوّل، نحو: (هل تأتينا6 فتحدّثَنا) ؛ لأنّ المعنى: ما تأتينا، ومنه قولُه تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ 7.

والاستفهام1، كقوله تعالى: ﴿َهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ 2، ومنه3 قولُ الشّاعر: هَلْ تَعْرِفُونَ لُبَانَاتِي فَأَرْجُوَ أَنْ تُقْضَى ... فَيَرْتَدَّ بَعْضُ الرُّوحِ فِي الجَسَدِ4 والأمر، نحو: (زُرْني فَأَزُورَك5) ، ومنه قولُ الرّاجز6: [146/ب] يَانَاقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحًا ... إِلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا7

والنّهي، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَطَغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ 1، ومنهُ قولُ الآخر: وَلاَ تُخَالِفْ ثِقَةً فَتَنْدَمَا2 والعرض، (أَلاَ تَنْزِلُ عِنْدَنَا فَتُصِيْبَ خَيْرًا) ، ومنه قولُ الشّاعر: يَا ابْنَ [الْكِرَامِ] 3 أَلاَ تَدْنُوا4 فَتُبْصِرَ مَا ... [قَدْ] 5 حَدَّثُوكَ فَمَا6 رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا؟ 7

والتّمنّي، كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ 1. ومنهُ قولُ الشّاعر: يَا لَيْتَ أُمَّ خُلَيْدٍ وَاعَدَتْ فَوَفَتْ ... وَدَامَ لِي مَعَهَا عُمْرٌ فَنَصْطَلِحَا2 والتّحضيض، كقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ 3. وحرُوف التّحضيض أربعة؛ وهي: (هَلاَّ) و4 (أَلاَ) و (لَوْلاَ) و (لَوْمَا) . والدّعاء، كقول الشّاعر: رَبِّ وَفِّقْنِي فَلاَ أَعْدِلَ عَنْ ... سَنَنِ السَّاعِينَ فِي خَيْرِ سَنَنْ5

ولا ينصب1 الفعل بعد الفاء غير مسبوقةً بنفي2 أو طلب إلا لضرورة الشّعر؛ كقول الشّاعر: [147/أ] سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ... وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا3 ولا يجوز النّصب بعد شيءٍ من ذلك إِلاَّ بثلاثة شروط: الأوّل: أن يكون النّفي خالِصًا من معنى الإثبات.
الثّاني: أن [لا] 4 يكون الطّلب باسم فعل، ولا بلفظ الخبر؛ ولذلك5 وجب رفع ما بعد الفاء6 في نحو: (ما أنتَ إِلاَّ تأتينا فتحدّثنا) و (مَا تَزَالُ تَأتينا7 فتحدّثُنا8) ، وكقول الشّاعر: وَمَا قَامَ مِنَّا قَائِمٌ فِي نَدِيِّنَا ... فَيَنْطِقُ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَعْرَفُ9

و (حسبُك الحديث فينامُ1 النّاس) . الثّالث: أن يقصد بالفاء الجزاء2 والسّببيّة، ولا يكون الفعل بعدها مبنيًّا على مبتدأ محذوف.
فإنْ كان كذلك3 وجب الرّفع، كقولك: (ما تأتينا فتحدّثُنا) بمعنى:

ما تأتينا فما تحدّثُنا، أو ما تأتينا فأنت تحدّثُنا، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ 1 أي: فهم يعتذرون.
وجميع المواضع الّتي ينصب2 فيها المضارِع بإضمار (أَنْ) بعد الفاء ينتصب3 فيها بذلك بعد (الواو) 4 إذا قُصد بها المصاحبة؛ ومنه قولُ الشّاعر: [147/ب] فَقُلْتُ ادْعِي وَأَدْعُوَا إِنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتٍ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ5

وإذا قلتَ: (لا تأكل السّمك وتشربَ اللّبن) كان [المعنى] 1: النّهي عن الجمع بينهما2، ولم يكن ناهيًا3عن استعمال أحدهما على انفراده4؛ ومنه قولُ بعضِ5 العرب: (لاَ يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجِزَ عَنْكَ) بالنّصب، ولو رفع لاستحال6 المعنى؛ لأنّه لا يجوز أَنَّ كلّ الأشياء [لا] 7 تسعه، وكلّ الأشياء لا تعجز8 عن صاحبه، وهذا مُحال.

وانتصابُ الفعل بعدها بإضمار (أَنْ) ، وعلى هذا أنشدوا: لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ1 أي: لا تجمع بين النّهي عن القبيح وفعله2؛ ولم يرد نهيُه عن الفعلين، ومن ذلك: لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ3 فالفعل منصوبٌ بتقدير: (أَنْ) ؛ لأنّه معطوفٌ على اسم، فلو رفعه

لم يحسن؛ لعطفِه فعلاً صريحًا على اسم صريح.
وقولُه تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ 1 في قراءة2 حمزة3، وحفص4؛ وقراءة الباقين5 (ونَكونُ) على معنى: ونحن نكون.
[148/أ] وأمّا (أو) 6 فتَنصب الفعل المستقبَل على ضربين: أحدهما: بمعنى (إِلاَّ أَنْ) ، كقولك: (لأَلْزَمَنَّكَ أوْ تُعطيني حقِّي) ،

ومعناه: تقريرُ وُجود فعلٍ إِنْ لم يعرض له مانع فيرتفع به وُجوده، وهو: ليكن منّي1 لك لُزومٌ إِلاَّ أَنْ يكون منك إعطاء1.
[ثانيهما] 2 بمعنى (حتّى) 3، ومنهُ قولُ الشّاعر: لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى ... فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلاَّ لِصَابِرِ4 وفي قول الذّريح5 لابنه قيس6 وقد أمَره بطلاق زوجته فلم يفعل 1 في ب: لك منّي.

لمحبّته إيّاها، فطرح نفسه على1 الرّمضاء قائلاً: "وَاللهِ لاَ أَريمُ هَذَا المَوْضِعَ أَوْ أَمُوتَ أَوْ تُخَلِّيهَا"2.
فالأولى بمعنى: (حَتَّى) ، والثّانية بمعنى: (إِلاَّ3 أَنْ) ، وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ [عَلَيْهِمْ] 45. وهي بمعنى (حتّى) في قوله: فِرَاقُ أَخٍ لَنْ6 يَبْرَحَ الدَّهْرَ ذِكْرُهُ ... يُهَيِّمُنِي مَا عِشْتُ أَوْ يَنْفَدَ العُمْرُ7 (أو) 8 بمعنى: (كَيْ) في قوله: وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ ... كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيْمَا9

وأمّا (حَتَّى) فقد تقدّم الكلامُ في عملها في أبوابِها.
[148/ب] وهي إذا نصبت1 الفعلَ المستقبَل فعلى أحد معنيَيْن:

معنى (كَيْ) ، أو (إلى أَنْ) ، كقولك: (سِرْتُ حتّى أدخلَ المدينة) ، و (صُمْ حتّى تغرُبَ الشّمس) ، وتقديرُ الكلام: إلى أنْ تغرُبَ الشّمس، و (أَطِعِ الله حتّى يرحمَك) أي: كَي يرحمَك.
وكُلُّ موضعٍ كان الفعل الثاني غاية للأوّل1كانت بمعنى (إلى أنْ) . وكُلُّ موضعٍ كان الأوّل سببًا للثّاني كانت بمعنى (كَيْ) . وإِنْ كان الفعلُ بعد (حَتَّى) حالاً فيه حَرْفُ ابتداء، والفعلُ بعدَها لازمُ الرّفع؛ لخُلُوِّه عن ناصبٍ أو جازم، كقولك: (سِرْتُ البارحةَ حتى أدخلُها الآن) أي: سِرْت حتى أنا الآن أدخلها؛ ومنه قولُهم: (مَرِضَ فلانٌ حتّى لا يَرْجُونَه) فما لـ (كي) ههنا معنى2، و (سألتُ عنه حتى لا أحتاج إلى سؤال) . والحال المقدّرة أن يكون الفعلُ قد وقع فيقدَّرُ المُخْبَر به اتّصافُه بالدُّخول فيه فيُرفع3؛ لأنّه حالٌ بالنّسبة إلى تلك الحال؛ وقد يقدّر4اتّصافُه بالعزم عليه فيُنصب؛ لأنّه مستقبَل بالنّسبة إلى تلك الحال؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ 5 قَرَأهُ نافعٌ بالرّفع6،

والباقون بالنّصب1.
و (اللاّم) الّتي بمعنى (كَيْ) 2، كقولك: (قصدتُّكَ لتقوم معي) ؛ فهي لامُ التّعليل، كقوله3تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ 4. [149/أ] وقد تأتي بمعنى العاقبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ 5. أو زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ 6.

وأمّا الّتي لتأكيد النّفي؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ 1، و ﴿لمَْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ 2؛ فهي3 الدّاخلة على الخبر بعد (ما كان) أو (لم يكن) ؛ وتسمّى (لام الجُحود) ؛ فتُنصب بإضمار (أَنْ) 4؛ وهاتان اللاّمان مكسورتان كلام الجرّ.
وَإِنْ يَكُنْ5 خَاتِمَةُ الْفِعْلِ أَلِفْ ... فَهْيَ عَلَى سُكُونِهَا لاَ تَخْتَلِفْ تَقُولُ: لَنْ يَرْضَى أَبُو السُّعُودِ ... حَتَّى يَرَى نَتَائِجَ الْوُعُودِ فصل: [الكلام] 6 ههنا على الفعل المعتلّ اللاّم: فإنْ كان آخِر الفعل المستقبل واوًا، كـ (يدعو) ، [أو (يغزو) ] 7،

أو ياء، كـ (يرمي) 1 حَرَّكْتَها بالفتح في حال النّصب، فتقول: إنّ زيدًا لن يدعوَ، ولن يرميَ2.
فإنْ3 كان آخرُه ألفًا أَبْقَيْتَهَا على سُكونِها؛ لأنّ الأَلِف لا يمكن تحريكُه، [فتقول:] 4 لن يرضى زيد، [ولن يخشى] 5؛ فآخر هذين الفعلين الألِف، وإن كتبا بالياء.

جارٍ التحميل