اللمحة في شرح الملحةبَابُ حَبَّذَا وَأَفْعَل الَّذِي لِلتَّفْضِيلِ:

بَابُ حَبَّذَا وَأَفْعَل الَّذِي لِلتَّفْضِيلِ:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصَّائغ
الكتاب
اللمحة في شرح الملحة
المؤلف
محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
المحقق
إبراهيم بن سالم الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1424هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وَحَبَّذَا أَرْضُ الْبَقِيْعِ أَرْضَا ... وَصَالِحٌ أَطْهَرُ مِنْكَ عِرْضَا (حَبَّذَا) : كلمةٌ مُؤتلفَةٌ من كلمتين؛ إحداهما: (حَبَّ) ، والأخرى: (ذا) ؛ إلاَّ أنَّهما جُعِلاَ كالشّيء الواحد1، بلفظٍ واحدٍ مع المفرد المذكّر2، والمؤنّث، والمثنَّى، والجمع3.

ومعنى (حبَّ) : صارَ محبوبًا جدًّا؛ وفيه لغتان: فتح الحاء، وضمّها.
[64/ب] وأصله1: (حَبُبَ) ، وجرى بإسناده إلى اسم الإشارة كالمثل في عدم التَّغيير؛ فلم يضمّ أوّل الفعل2؛ فيُقال3في المدح: (حَبَّذَا زَيْدٌ) ؛ فإذا أُريدَ به الذّمّ قيل4: (لا حَبَّذَا) ، ومنه قولُ الشّاعر: أَلاَ حَبَّذَا أَهْلُ المَلاَ غَيْرَ أَنَّهُ ... إِذَا ذُكِرَتْ مَيٌّ فَلاَ حَبَّذَا هِيَا5 وكقول6 الآخر: أَلاَ حَبَّذَا عَاذِرِي فِي الهَوَى ... وَلاَ حَبَّذَا العَاذِلُ الجَاهِلُ7

واختلف النّحويّون في الاسم الواقع بعدها: فمنهم1 مَنْ جعل المخصوص بعدها خبرًا، على أنَّ (حَبَّذا) مبتدأ.
ومنهم2 مَن جعله فاعلاً، على أنّها فِعْلٌ.

وقيل: [إنّ] 1 هذا القول تكلُّف، وإخراج اللّفظ2 عن أصله بلا دليل3.
وقال ابن خَرُوف4 بَعْدَ أنْ مَثَّلَ بـ (حَبَّذَا زَيْدٌ) : " (حَبَّ) : فِعْلٌ، و (ذَا) : فاعله، و (زَيْدٌ) : مبتدأ، وخَبَرُه: (حَبَّذَا) ، وقال: هذا قولُ سيبويه"5.

فالمعرفة بعد (حَبَّذا) مرفوع بالابتداء، أو خَبَرٌ1 لمبتدأ محذوف2، والنّكرة بعدها منصوب [65/أ] على التّمييز، ويُذكر3قبله وبعده، كقولك: (حَبَّذا4 رَجُلاً زَيْدٌ) و (حَبَّذا هِنْدٌ امرأةً) . وقيل: إنْ كان الاسم النّكرة جنسًا انتصب على التّمييز، وإنْ كان مشتقًّا انتصب على الحال، كقولك: (حَبَّذا زَيْدٌ ضاحكًا) 5.

وقد يجيء فاعل (حبّ) المراد بها المدح غير (ذا) ؛ وذلك على ضربين: أحدهما: مرفوع، كقولك: (حَبّ زيدٌ رجلاً) . والآخر: مجرورٌ بالباء الزّائدة، نحو: (حَبَّ بزيد رجلاً) . وأكثر1 ما تجيء (حبّ) مع غير (ذا) مضمومة2 الحاء بالنّقل من حركة عينها، كقول الشّاعر: فَقُلْتُ: اقْتُلُوهَا عَنكُمُ بِمِزَاجِهَا ... وَحُبَّ بِهَا مَقْتُولَةً حِيْنَ تُقْتَلُ3

وقد لا تضمّ حاؤها، كقول بعض1 الأنصار - رضي الله عنهم -: بِاسْمِ الإلهِ وَبِهِ بَدِيْنَا ... وَلَوْ عَبَدْنَا2 غَيْرَهُ شَقِينَا فَحَبَّذَا رَبًّا وَحَبَّ دِينَا3 أي: حبّ عبادتُه دينًا4.

وقوله: (وَصَالِحٌ أَطْهَرُ مِنْكَ عِرْضَا) . من خواصّ1 التّمييز: النّكرة الواقعة بعد أفعل الَّذي2 للتَّفضيل؛ وذلك مقيسٌ3 في كلّ ما يبنى منه فعل التّعجّب، تقول: (هذا أفضل من زيدٍ) و (أعلم منه) 4، [65/ب] كما تقول: (ما أفضلَه!) ، و (أعلَمه!) . وما لا يجوز أن يُبنى5منه [فعل التّعجّب لا يبنى منه أفعل التّفضيل67؛ فلا8 يُبْنى من] 9 وصف لا فعل له كـ (غير) (سوى و) ، ولا من فعلٍ زائدٍ67

على ثلاثة أَحْرُفٍ، نحو: (استخرج) ، ولا من معبّر1 عن فاعله بأفعل، كـ (عَوِرَ) ، ولا مبنيّ لمفعول2 ما لم يسمّ فاعله، كـ (ضُرِبَ) ، ولا من غير متصرّفٍ، كـ (عَسَى) و (نِعْمَ) و (بِئْسَ) ، ولا من [غير] 3 متفاوت4 المعنى، كـ (مَات) و (فَنِيَ) 5. فإنْ سُمِعَ بناء من ذلك حُفِظَ ولا يُقاس عليه كما في التّعجُّب.
تقول: (هُوَ أَقْمَنُ بِكَذَا) 6 أي: أحَقّ به، وإن لم يكن له فعل، كما قالوا: (أَقْمِنْ بِهِ) ، وقالوا: (هو أَلَصُّ مِنْ شِظَاظٍ) 7؛ فبنوه من (لِصّ) ، ولا فعل له8.

و (هَذَا المَكَانُ أَقْفَرُ مِنْ غَيْرِهِ!) ، وفي المثَل: (أَفْلَسُ مِن ابْنِ المُذَلَّقِ) 1، وفي الحديث: "فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ"2.
وهذا النّوع عند سيبويه -[رحمه الله] 3- مقيسٌ3، وهو عنده

كالثُّلاثيّ في جواز بناء التَّعجُّب منه، وأفعل التّفضيل.
وتقول: (هُوَ أَهْوَجُ1 مِنْهُ) 2، وإن كان اسم فاعله على (أفعل) ، كما يُقال: ( [مَا] 3 أَهْوَجَهُ!) 4، وفي المثل: (أَحْمَقُ مِنْ هَبَنَّقَةَ) 5، و (أَسْوَدُ مِنْ َحنَكِ الغُرَابِ) 6. و [ما] 7 لا يجوز التّعجُّب من لفظه لمانعٍ فيه، يتوصّل7 إلى الدّلالة على التّفضيل فيه، بمثل ما توصّل إلى التّعجُّب منه.

فيبنى1 (أفعل) التّفضيل من (أَشَدّ) وما جرى مجراهُ؛ ويميز بمصدر [ما] 2 فيه المانع [66/أ] وذلك قولهم: (هو أكثر استخراجًا) و (أقبح عورًا) و (أفْجَعُ مَوْتًا) . وأفعل التّفضيل في الكلام على ثلاثة أوجهٍ: مضاف، ومُعَرَّف باللاّم3، ومجرّد منهما4.
فإنْ كان مجرّدًا لزم اتّصاله بـ (مِنْ) التّي لابتداء الغاية5، جارّة للمفضَّل عليه، كقولك: (زيدٌ أكرمُ من عمرٍو [أبًا] 6 وأَحْسنُ منه

خلقًا، وأَطْهَرُ منه عِرْضًا) فـ (عِرْضًا) وما تقدَّم مثله، منصوب على التّمييز؛ لاحتماله وُجوهًا.
وقد يُستغنى بتقدير (مِنْ) عن ذكرها لدليل، ويكثُر ذلك إذا كان أفعل التّفضيل خبرًا1، كقوله تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ 2، ويجوز أن تحذف (مِنْ) ، فتقول: (زيدٌ أحسن خُلقًا، وأنظفُ ثوبًا) . وإنْ كان (أفعل) مضافًا، نحو: (زَيْدٌ أفضلُ القوم) ؛ أو معرّفًا باللاّم، نحو: (زَيْدٌ الأفضل) لم يجز اتّصاله بـ (من) . وأمّا قولُ الشّاعر: وَلَسْتَ بِالأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ... وَإِنَّمَا العِزَّةُ لِلْكَاثِرِ3

ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ (مِنْ) فيه ليست لابتداء الغاية، بل لبيان الجنس1.
الثّاني: أنَّها تعلّقت بمحذوفٍ دَلَّ عليه2 المذكور.
الثّالث: أنَّ الألف واللاّم زائدتان؛ فلم يمنعا من وُجود (من) كما لم يمنعا من [66/أ] الإضافة في قوله3: تُوْلِي الضَّجِيعَ إِذَا تَنَبَّهَ مَوْهِنًا كَالأُقْحُوانِ مِنَ الرَّشَاشِ المُسْتَقِي4

قال أبو عليّ1: "أراد: من رشاش المستقي".
وإذا كان (أفعل) مجرّدًا لزمه [التّذكير، والإفراد بكلّ حال، كقولك: (هو أفضل) و (هي أفضل) و (هما أفضل) و (هم أفضل) و (هُنّ أفضل) ] 2

[وإذا كان معرّفًا بالألف واللاّم لزمه مطابقة ما هو له في التّذكير، والتّأنيث، والإفراد، والتّثنية، والجمع؛ فتقول: (هو الأفضل) و (هي الفُضْلَى) و (هما الأفضلان) و (هم الأفضلون) و (هُنَّ الفُضليات) أو (الفُضل) ] 1. فإنْ أُضيف إلى نكرة لزمه التّذكير، والإفراد، كالمجرّد؛ فتقول2: (هو أفضلُ رجلٍ) و (هي أفضل امرأةٍ) و (هما أفضل رجلين) و (هم أفضل رجالٍ) و (هُنَّ أفضل نساءٍ) . فإنْ3 أُضيف إلى معرفةٍ جاز أن يوافق المجرّد في لزوم الإفراد، والتّذكير؛ فيُقال: (هي أفضلُ النّساء) و (هما أفضلُ القوم) ؛ وجاز أن يوافق المعرّف بالألف واللاّم في لزوم المطابَقة لِمَا هو له، فيُقال: (هي فُضلى النِّساء) و (هما أفضلا4 القوم) . وجواز الأمرين في المضاف مشروط5 بكون6 الإضافة فيه بمعنى (مِنْ) ؛

وذلك إذا كان أفعل مقصودًا به التّفضيل؛ أمّا إذا لم يُقصد به التّفضيل فلا بُدَّ فيه من المطابقة لِمَا هو له، كقولهم: (النَّاقِصُ والأَشَجُّ أَعْدَلاَ بَنِي مَرْوَانَ) 1 أي: عَادِلاَ هُمْ.
وكثيرًا ما يُستعمل أفعل غير مقصودٍ به التَّفْضيل2؛ وهو عند المُبَرّد3مقيس4، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ 5 أي: رَبُّكُمْ عَالِمٌ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ6، وهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ.
[67/أ]

وقول الشّاعر: إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا1 ... بَيْتًَا دَعَائِمُهُ أَعَزُّ2 وَأَطْوَلُ3 وإنَّما أراد بذلك: عزيزة طويلة.
وَقَدْ قَرِرْتَ بِالإِيَابِ عَيْنَا وَطِبْتَ نَفْسًا إِذْ قَضَيْتَ الدَّيْنَا هذا التّمييز مُزالٌ عن أصله، وقد حُوِّل الإسناد عنه إلى غيره لقصد4 المبالغة، فلا يغيّر عمّا كان يستحقّه5 من وجوب التّأخير؛ لِمَا فيه من الإخلال بالأصل؛ وهو ما يبيّن إجمالاً في نسبة العامل إلى فاعله ومفعوله، نحو: (طَابَ

زَيْدٌ نَفْسًا) ، وقوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ 1 فإن نسبة (طاب) إلى (زيد) مجملةٌ تحتمل وجوهًا، و (نَفْسًا) 2 مُبيّنٌ لإجمالها؛ ونسبة (فجّرنا) [إلى] 3 (الأرض) مجملة - أيضًا -، و (عيونًا) 3 مُبيّنٌ لذلك الإجمال4.
ومثل5 ذلك: (تصبَّبَ زَيْدٌ عَرَقًا) و (تَفَقَّأ شَحْمًا) و (ضِقْتُ بالأمر ذَرْعًا) 6، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ 7. [67/ب] وسيبويه8 يمنع تقديم9 التّمييز على عامله، وإنْ كان فعلاً متصرّفًا، نحو: (طاب زيدٌ نفسًا) 10؛ وأجاز ذلك

الكسائيّ1، المازنيّ2، والمبرّد3، [وبه] 4 يقول الشّيخُ جمالُ الدّين بن مالكٍ5- رحمه الله - قياسًا على غيره من الفضلات المنصوبة بفعل متصرّفٍ6.
وممّا ورد من ذلك قولُ رَبِيْعَة بن مَقْرُومٍ7: وَوَارِدَةٍ كَأنَّها عُصَبُ القَطَا ... تُثِيرُ عَجَاجًا بِالسَّنابِكِ أَصْهَبَا

رَدَدّتُ بِمِثْلِ1 السِّيدِ نَهْدٍ2 مُقَلَّص ... كَمِيشٍ إِذَا عِطْفَاهُ مَاءً تَحَلَّبَا3 وكقول الآخر: أَنَفْسًا4 تَطِيْبُ بِنَيْلِ الْمُنَى ... وَدَاعِي المَنُونِ يُنَادِي جِهَارَا5

و 1قول الآخر: وَلَسْتُ إِذَا ذَرْعًا أَضِيقُ بِضَارِعٍ2 ... وَلاَ يَائِسٍ عِنْدَ التَّعَسُّرِ3 مِنْ يُسْرِ4

جارٍ التحميل