اللمحة في شرح الملحةصفحات 217-257

بَابُ حُرُوفِ الْجَرِّ:

صفحات 217-257
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصَّائغ
الكتاب
اللمحة في شرح الملحة
المؤلف
محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
المحقق
إبراهيم بن سالم الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1424هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وَالجَرُّ فِي الاِسْمِ الصَّحِيْحِ المُنْصَرِفْ ... بِأَحْرُفٍ هُنَّ إِذَا مَا قِيلَ صِفْ مِنْ وَإِلَى وَفِي وَحَتَّى وَعَلَى ... وَعَنْ وَمُنْذُ ثُمَّ حَاشَا وَخَلاَ قولُه: (والجرُّ في الاسم) يُشير إلى اختصاصه به.
وقوله: (الصّحيح) احترازًا مِنَ المُعْتلّ؛ لأنَّ الجرَّ فيه مُقدّرٌ.
وقوله: (المنصرف) احترازًا ممّا لا ينصرف.
وقوله: (بأحرف) يُعْلَمُ منه أنَّ الاسم يُجرُّ بغير الحرف، وهو الاسم؛ فإنْ تضمَّن الاسم الأوّل معنى زمانٍ أو مكان فهو ظرفٌ1، والاسم الثّاني مخفوضٌ2 به؛ وإنْ لم يتضمّن ذلك فهو مضافٌ3، والثّاني مضافٌ إليه؛ لكنَّهُ تقدّم بذكر الحرف؛ لأنَّه أولى بالعمل من الاسم.
وابتدأ بذكر (مِنْ) لأنَّها أُمُّ [28/ب] الباب؛ وهو حرفُ جَرٍّ يدخل على الظّاهر، وعلى المضمر؛ تقول: (أخذت من زيدٍ) و (سمعت منه) ؛ وله مَعَانٍ: أَحَدُها: ابتداء الغاية في المكان، كقوله4: (قُمْتُ من الدّار) . وللتّبعيض، كقولك: (أَنْفَقْتُ من المال) . ولتمييز الشّيء5 من غيره، كقولك: (أُحِبُّ الحَمَامَ من الطَّيْرِ) .

وتكون سببيّة، كقولك: (من أجل السّلامة أَطَلْتُ الصَّمْتَ) . ومنه قولُ الفرزدق1: يُغْضِي حَيَاءً ويُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... فَلاَ يُكَلَّمُ إِلاَّ حِينَ يَبْتَسِمُ2 وتقع3 مكان باء القسم، كقولهم: (من ربِّي مَا فَعَلْتُ ذلك) أي: بربِّي أَقْسمْتُ.

وتكون زائدة1، ويشترط لذلك2 أَنْ تكون بعدحرف نفي، كقوله تعالى: ﴿مَالَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ﴾ 3؛ أو بعد استفهام كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ 4. وتكون [زائدة] 5 في الموجب؛ وهو مذهب الأخفش5؛

وسيبويه1 لا يرى ذلك، ومنه قول إياس بن الأرتِّ2: فَإِنْ يَكُ خَيْرٌ أَوْ يَكُنْ3 بَعْضُ رَاحَةٍ ... فَإِنّكَ لاَقٍ4 مِنْ هُمُومٍ وَمِنْ كَرْبِ5 وتقع مكان (على) ، كقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ 6 أي: على القوم.

وتكون مكان (الباء) ، 1 كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ 2 أي: بأمر الله.
[29/أ] وقد يكون دالاًّ على ضَرْبٍ من النّعت، كقوله تعالى3: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوثَانِ﴾ 3 أيْ: الرِّجس الْوَثَنِيّ5.
وتكون بمعنى (في) ، كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأَرْضِ﴾ 4. وتقع لابتداء الغاية في5 الزّمان، كقول امرئ القيس6: لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنَّةِ الْحِجْرِ؟ ... أَقْوَيْنَ7 مِنْ حِجَجٍ وَمِنْ دَهْرِ8

وكقول الآخر: مِنْ عَهْدِ عَادٍ كَانَ مَعْرُوفًا لَنَا ... أَسْرُ المُلُوكِ وقَتْلُهَا وَقِتَالُهَا1 (إِلَى) : حرف جرٍّ يدخل على الظّاهر والمُضْمَر؛ وله مَعَانٍ: أَحَدُها: انتهاء الغاية، كقولك: (وصلتُ إلى المدينة) .

وتكون بمعنى (مَعَ) ، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُم﴾ 1، وتقول العرب: "الذَّوْدُ إِلَى الذَّوْدِ إبِلٌ"2 أي: مع الذّوْدِ.
وقد تأتي بمعنى (عند) ، كقول [أبي3] كَبِير4: أَمْ لاَ سَبِيلَ إِلَى الشَّبَابِ وَذُِكْرُهُ ... أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ5

وقد تأتي مكان (في) ، كقول النّابغة1: [29/ب] فَلاَ تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ1كَأَنَّنِي ... إِلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أَجْرَبُ2 وكقول طَرَفة3: وَإِنْ يَلْتَقِ4 الحَيُّ الْجَمِيعُ تُلاقِنِي5 ... إِلَى ذِرْوَةِ البَيْتِ العَتِيقِ المُعَمَّدِ6 1هو: زياد بن معاوية، ويكنى أبا أُمامة: شاعرجاهليّ، من الطبقةالأولى، كانت تُضرب له قُبّة بسوق عكاظ؛ فتقصده الشّعراء فتَعرض عليه أشعارها؛ مات في الجاهليّة.
يُنظر: طبقات فحول الشّعراء 1/51، والشّعر والشّعراء 83، والخزانة2/135، والأعلام 3/54.

أي: في ذروة [البيت] 1. (فِي) : حَرْفُ جرٍّ يدخل على الظّاهر والمُضْمَر؛ وله مَعَانٍ: أَحَدُها: الوِعَاءُ والظّرفيّة، كقولك: (زيدٌ في المسجد) و (الخير فيه) . ومن ذلك قولُ سُوَيد بن أبي كَاهِل2: هُمُ صَلَبُوا العَبْدِيَّ فِي جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلاَ عَطَسَتْ3 شَيْبَانُ4 إِلاَّ بِأَجْدَعَا5

وقد تأتي بمعنى (مَعَ) ، كقول الشّاعر: إِذَا أُمُّ سِرْدَاحٍ غَدَتْ فِي ظَعَائِنٍ1 ... جَوَالِسَ نَجْدًا فَاضَتِ العَيْنُ تَدْمَعُ2 وقد تكون مكان (بعد) ، كقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ 3 [أي: بعد عامين] 4. وقد تقع موقع (مِنْ) ، كقول امرئ القيس: وَهَلْ يَعِمَنْ5 مَنْ كَانَ أَقْرَبَ عَهْدِهِ ... ثَلاَثُونَ6 شَهْرًا فِي7 ثَلاَثَةِ أَحْوَالِ8

أي: من ثَلاثَة أحوال.
[3/ أ] وتأتي بمعنى (الباء) ، كقول الشّاعر: وَتَرْكَبُ يَوْمَ الرَّوْعِ مِنَّا فَوَارِسٌ ... بَصِيرُونَ فِي طَعْنِ الكُلَى1 وَالأَبَاهِرِ2 (حَتَّى) : تكون حرفَ جرٍّ، وغير حرف جرٍّ؛ فإذا كان جارًّا فهو يدخل على الظّاهر.
ومعناه: انتهاء الغاية كـ (إلى) .

وإذا ابتدئَ بعدها الكلام؛ فلك في الاسم الواقع بعدها ثلاثة أوجُهٍ: الجرُّ بمعنى (إِلَى) ؛ والنّصب لكونها1 حرف عطفٍ.
والرّفع لكون2 الاسم الواقع بعدها مبتدأً؛ فمن ذلك: (أَكَلْتُ السَّمَكةَ حتَّى رَأْسِها) أي: إِلَى رَأْسِها؛ و (حتَّى رَأْسَها) أي: ورَأْسَها؛ (وحتَّى رَأْسُها) أي: حتّى رَأْسُها مأكولٌ؛ [وعلى ذلك] 3 أنشدوا3: أَلْقَى الصَّحِيفَةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَهُ ... وَالزَّادَ حَتَّى نَعْلَهُ أَلْقَاهَا4

برفع (النّعل) ، وجرِّها، ونصبِها.
وممّا جاء بعده المبتدأ والخبر قولُ1 جَرِيْرٍ: فَمَا زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا ... بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ2 (عَلَى) : حرف جرٍّ يدخل على الظّاهر والمُضْمَر؛ وله مَعَانٍ: أَحَدُها: [30/ ب] الاستعلاء، كقولك: (رَكِبْتُ عَلَى الفَرَسِ) . وقد تكون بمعنى (عند) ، كقولك: (لَهُ عَلَيَّ دَيْنٌ) . وتكون بمعنى (في) ، كقولهم: (أتيتُه على عَهْدِ فلان) أي: في عهده، ومنه قولُ الشّاعر: وَصَلِّ عَلَى حِينِ العَشِيَّاتِ وَالضُّحَى ... وَلاَ تَعْبُدِ3 الشَّيْطَانَ وَاللهَ فَاعْبُدَا4

وتكون بمعنى (مِنْ) ، كقوله تعالى: ﴿الَّذِيْنَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾ 1 أي: من النّاس.
وتقع موقع (عَنْ) ، كقول العُقَيليِّ2: إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ... لَعَمْرُ اللهِ يُعْجِبُنِي رِضَاهَا3

وقد تلمح فيه الاسميّة بدخول حرف الجرّ عليه، كقول الشّاعر: غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا تَمَّ ظِمْؤُهَا1 ... [تَصِلٌّ] 2 وَعَنْ قَيْضٍ3 بِزَيْزَاءَ مَجْهَلِ4 وتكون بمعنى (الباء) ، كقولك5: (سِرْ على اسمِ الله) . (عَنْ) : حرف جَرٍّ يدخل على الظّاهر والمُضْمَر؛ وله مَعَانٍ: أَحَدُها: المجاوزة، كقولك: (بلغني عن زيدٍ حديث) أي: جاوزه.
وقد تكون مكان (من أجل) ، قال لبيد: لوِرْدٍ تَقْلِصُ الْغِيْطَانُ6 عَنْهُ7 ... ............................

أي: من أَجْلِهِ.
[31/ أ] وتُستعمل بمعنى (اللاّم) ، نحو: (لَقِيْتُه كَفَّةً عَنْ كَفَّةٍ) أي: لِكَفَّةٍ.
وتكون بمعنى (على) ، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ 1 أي: على نفسه، ومنه قولُ الشّاعر: وَرَجِّ الْفَتَى لِلْخَيْرِ مَا إِنْ رَأَيْتَهُ ... عَنِ السِّنِّ خَيْرًا لاَ يَزَالُ يَزِيدُ2

أي: على السِّنّ.
وتكون1 بمعنى (مِنْ) ، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ 2 أي: من عباده.
وتكون بمعنى (الباء) ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ 3 أي: بالهوى.
ومنه قولهم: (رميت عن القوس) أي: بالقوس4، قال امرؤ القيس: تَصُدُّ وَتُبْدِي عَنْ أَسِيْلٍ وَتَتَّقِي5 ... ............................. وتكون بمعنى (بعد) ، كقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق﴾ 6،

ومنه قولُ الْعَجَّاج1: وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ عَنْ مَنْهَلٍ2 أَيْ: بَعْدَ مَنْهل.
ومنه قولُ3 الحارث بن عُبَادٍ4: قَرِّبَا مَرْبِطَ النَّعَامَةِ مِنِّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وَائِلٍ عَنْ حِيَالِ5

وقيل فيه: إنّه لدخول حرف الجرّ عليه اسم؛ لامتناع دخول الحرف على الحرف، وأنشدوا1: فَلَقَدْ أُرَانِي للرِّمَاحِ دَريَّةً ... مِنْ عَنْ يَمِيْنِي تَارَةً وَأَمَامِي2 [31/ ب] (مُذْ) و (مُنْذُ) : حرفان؛ معناهما: ابتداء الغاية في الزّمان كـ (مِنْ) في المكان3.
فـ (مُذْ) : مبنيّ على السّكون، و (مُنْذُ) : على الضَّمّ؛ فتقول: (لَمْ أَرَهُ

مُنْذُ يَوْمُ الجمعة) و (لَمْ أَرَهُ مُذْ اليومُ) ؛ فإذا جُرَّ الزّمان بعدهما فهما حرفا جرٍّ بمعنى (مِنْ) مع الماضي، وبمعنى (في) مع الحاضر كما تقدّم.
فإذا أتى بعدهما الفعل حُكِمَ باسميّتهما، [و] 1 كونهما ظرفين2.
قال سيبويه3: "وممّا يُضاف إلى الفعل قولك: ما رأيته مُذْ كان عندي، ومُنْذُ جاءني"، ومنه قولُ الفرزدق: مَا زَالَ مُذْ عَقَدَتْ يَدَاهُ إِزَارَهُ ... فَسَمَا فَأَدْرَكَ خَمْسَةَ الأَشْبَارِ يُدْنِي4 كَتَائِبَ مِنْ كَتَائِبَ تَلْتَقِي ... فِي ظِلِّ مُعْتَركِ الْعَجَاجِ مُثَارِ5 وقد يُضافان إلى جملة اسميّةٍ، كقول الآخر:

وَمَا زِلْتُ مَحْمُولاً عَلَيَّ ضَغِينَةٌ ... ومُضْطَلِعَ الأَضْغَانِ1 مُذْ أَنَا يَافِعُ2 وقيل: الغالب على (مُذْ) 3 الاسميّة؛ لوُقوع الحذف فيها4 والتّصغير/ كقولهم: (مُنَيْذٌ) . [32/ أ] والغالِبُ على (مُنْذُ) الحرفيّة4.
والأجود أَن يُجرَّ بـ (مُنْذُ) ماضي الزّمان وحاضره، وأن يُجرَّ بـ (مُذْ) حاضر الزّمان، ويرفع ماضيه؛ فتقول: (ما رأيته مُذْ اليومُ) و (لم أَرَهُ مُذ يومان) أي: أَمَدُ5 انقطاع الرّؤية يومان؛

فتحلّ (مُذ) محلّ المبتدأ، و (يومان) الخبر1.
والحَاصِلُ: أَنَّ (مُذْ) و (مُنْذُ) لا يخلوان من أَنْ يكونا حرفي جرٍّ، بمعنى: [ (مِن) ] 2 أو (فِي) ، أو اسمين بمعنى: (أوّل2 المدّة) ؛ [أو] 4 جميعها.
(حاشا) : حَرْفٌ؛ معناه: الاستثناء مع تنزيه المستثنى.
وهو يَجُرُّ ما بعده3، ويدخل على الظّاهر والمُضْمَر4.
ومِن عمله قولُ الشّاعر5: حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ ... ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ6 وَالشَّتْمِ7

وقد جعله بعضُهم فِعْلاً1 وَصرَّفه، كقول النّابغة1: ..................................... ... وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ مِنْ أَحَدِ2 وأنشد3 الأخفش: رَأَيْتُ النَّاسَ مَا حَاشَا قُرَيْشًا ... فَإِنَّا نَحْنُ أَكْثَرُهُمْ فَعَالاَ4 (حاشا) هو حرف جرٍّ عند سيبويه، وفعل عند الكِسائيّ والمازِنيّ، وفعل لا فاعل له عند الفرّاء، وتارةً فعلاً، وتارة حرف جرٍّ عند المبرّد.
يُنظر: الإنصاف، المسألة السّابعة والثّلاثون، 1/278، وشرح المفصّل 2/84، 85، 8/48، 49، وجواهر الأدب 426، والجنى الدّاني 558.

[32/ب] بإلحاق أوّلها1 بـ (ما) المصدريّة.
(خلا) : معناها2الاستثناء، والغالبُ عليها3 الجرُّ، وقد نُصِبَ بها؛ فإنْ دخل عليها (ما) فليس إلاَّ النّصب4، كقول5 لَبيد: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ ... وَكُلُّ نَعِيْمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ6 وَالْبَاءُ وَالْكَافُ إِذَا مَا زِيدَا وَاللاَّمُ فَاحْفَظْهَا تَكُنْ رَشِيدَا (الباء) : حرفُ جَرٍّ مبنيّ على الكسر، واختُصّ بذلك لأنَّه في كلّ مواضعه يَجُرُّ؛

فجُعلت حركته من جنس عمله، وهي تدخل على الظّاهر والمُضمَر؛ ولها مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الإلصاق، كقولك: (مسحت يدي بالمنديل) . وتكون بمعنى الاستعانة، كقولك: (ضربتُ بالسّيف) . وتكون بمعنى (على) ، قال عَمْرُو بن قَمِيئةَ1: بِوُدِّكِ مَا قَوْمِي عَلَى أَنْ تَرَكْتِهِمْ سُلَيْمَى إِذَا هَبَّتْ شَمَالٌ وَرِيحُهَا2 أيْ: على وُدِّك، و (ما) زائدة.
وتكون بمعنى (مِنْ أَجْل) ، قال لَبيد: غُلْبٌ تَشَذَّرُ3 بِالذُّحُولِ4....... ... ............................................

وقد تكون مكان اللاّم، كقوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ 1. [33/أ] وتكون للتّعدية، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ 2. وتكون بمعنى (مِنْ) الّتي للتّبعيض، قال الشّاعر: فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا ... شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ3 مَاءِ الحَشْرَجِ4

وتكون للمصاحَبة، كقولك: (بِعْتُك الدّارَ بأثاثها) 1. وتكون بمعنى (في) ، كقولك: (أَقَمْتُ بالمدينة) . وتكون زائدة مع الفاعل، كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيْدًا﴾ 2، ومع المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ 3، ومع المبتدأ4، كقولك: (بحسبك زيد) ، ومع الخبر، كقولك: (ما زيدٌ بقائم) 5.

وتأتي بمعنى (عَنْ) ، كقول الشّاعر: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي ... عَلِيمٌ1 بِأَحْوَالِ النِّسَاءِ طَبِيْبُ2 وتأتي بمعنى (مِنْ) ، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ﴾ 3، قيل: تكون بمعنى (يشرب مِنها) ، وبمعنى (يشربُهَا) 4؛ قال الهذليّ يذكُر السّحاب: شَرِبْنَ بِمَاءِ5 البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيْجُ6

[و] 1 قال عَنْتَرَةُ2: شَرِبَتْ بِمَاءِ الدُّحْرُضَينِ3 فَأَصْبَحَتْ ... زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عَنْ حِيَاضِ الدَّيْلَمِ4 [33/ب]

وهي أصل باب القسم.
(الكاف) : حرفُ جرٍّ، يدخل على الظّاهر غالبًا.
ومعناه: التّشبيه، كقولك: (زيدٌ كالأسد إقدامًا) . وقد جاء في الشّعر دخولها على المضمر، كقول الشّاعر يَصِفُ حمارًا وحشيًّا1 وأُتُنًا: وَلاَ تَرَى بَعْلاً وَلاَ حَلائِلاَ2 كَهُ3 وَلاَ كَهُنَّ إِلاَّ4 عَاضِلاَ5

أي: غَيورًا.
وتكون زائدة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ﴾ 1، وكقول رُؤْبة: لَوَاحِقُ الأقْرَابِ فِيهَا كَالْمَقَقْ2 أي: فيها مَقَقٌ؛ وهو: الطُّول3.
وتكون للتّعليل، كقوله [تعالى] 4: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ 4. وتخرُج إلى الاسميّة، فتكون فاعلةً، كقول5 الشّاعر: أَتَنْتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كَالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالْفُتُلُ6

وتكون بمعنى (على) ، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ 1 أي: على ما أُمِرْتَ، و (ما) بمعنى (الّذي) . وتدخُل على ضميري الرّفع والنّصب، كقول بعض العرب: (مَا أنَا كَأَنتَ وَلاَ أنا كَإيّاكَ) 2، وأنشد3 الكِسائيّ: فَأَحْسِنْ4 وَأَجْمِلْ فِي أَسِيرِكَ إِنَّهُ ... ضَعِيفٌ وَلَمْ يَأْسِرْ كَإيَّاكَ آسِرُ5 [34/ أ]

وقد تكون مجرورةً، كقول الرّاجز: يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ1 المُنْهَمِّ2 (اللاّم) : حَرْفُ جَرٍّ، يدخل على الظّاهر والمُضمَر؛ وله مَعَانٍ: أَحَدُها: الملك، كقولك: (المال لزيدٍ) . والاختصاص، كقولك: (الباب للدّار) . والاستحقاق، كقولك: (الحمد لله) . وتكون بمعنى (على) ، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ 3، قال الشّاعر: ............................................ ... فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ4

[وقد] 1 تكون بمعنى (عند1) ، كقوله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ 2. وتكون بمعنى (مِنْ أجل) ، تقولُ3: (فعلتُ ذلك لك) ، أي: لأجلك، (قد) ساقطة من ب.

ومنه قولُ الشّاعر: وَإِنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ ... كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ1 وتكون للعاقبة، كقول2 الشّاعر: أَمْوَالُنَا لِذَوي المِيْرَاثِ نَجْمَعُهَا ... وَدُورُنَا لِخَرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيْهَا3 [34/ب] أي: إنّها تعود إلى ذلك، وهي ملتبسة بلام المفعول من أجله وليست به؛ لأنّك تقول: (أعددت هذه الخشبة لميل الحائط عمادًا) ، وأنت لم تُرِدْ4 ميله لكن أعددتّها خوفًا منه.

وتكون بمعنى (إلى) ، كقولك: (سيّرتُ لِفُلانٍ جوابه) ، وكقوله تعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ 1 أي: إلى هذا.
وقد تقع بمعنى (مَعَ) ، قال مُتَمِّمُ2 بن نُوَيْرَةَ يَرْثِي أخاهُ مالكًا3: فَلمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا4

وقد تكون بمعنى (بعد) ، كقولهم: (كتبتُ لثلاثٍ خَلَوْنَ) أي: بعد ثلاث، وتكون مكسورة مع الاسم الظّاهر؛ إلاَّ مع المستغاث به1، ومفتوحةً مع المُضمر؛2 إلاَّ مع ياء المتكلِّم.

[بَابُ رُبَّ]

وَرُبَّ أَيْضًا ثُمَّ مُذْ فِيمَا حَضَرْ ... مِنَ الزَّمَانِ دُوْنَ مَا مِنْهُ غَبَرْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ3 مُذْ يَوْمِنَا ... وَرُبَّ عَبْدٍ كَيِّسٍ مَرَّ بِنَا (رُبَّ) : حَرْفُ جرٍّ4؛ معناه: التّقليل5، ويختصّ بدخوله على الظّاهر، وبالنّكرات دون المعارِف، وقد تخفَّف كقول الشّاعر: أَزُهَيْرُ إِنْ يَشِبِ الْقَذَالُ فَإِنَّهُ ... رُبَ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لَفَفْتُ6 بِهَيْضَلِ7

وَرُبَّ تَأْتِي أَبَدًا مُصَدَّرَهْ ... وَلاَ يَلِيهَا الاسْمُ إِلاَّ نَكِرَهْ [35/ أ] و (رُبَّ) تختصّ عن الحروف بوجوهٍ؛ منها1: أنّها لا تقع إلاَّ في صدر الكلام.
وبدخولها على النّكرات.
وأنّه لا يجوز الاقتصار على النّكرة الّذي دخلت عليه حتّى تُوصف2، كقولك: (رُبَّ عبدٍ ملكتُه) 3. وَتَارَةً تُضْمَرُ بَعْدَ الْوَاوِ ... كَقَولِهِمْ: وَرَاكِبٍ4 بِجَاوِي5 وتختصّ - أيضًا -بجرِّها الاسم مُضمرةً بعد الواو والفاء،

كقول الشّاعر: وَفَارِسٍ فِي غِمَارِ المَوْتِ مُنْغَمِسٍ ... إِذَا تَأَلَّى عَلَى مَكْرُوهَةٍ صَدَقَا1 أي: وَرُبَّ فارسٍ.
وكقول2 امرئ القيس: فَمِثْلِكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ3 ... ................................. فهي مضمر4 بعد الفاء5.
وتقدّر بغير الواو والفاء، كقول6 الشّاعر:

جارٍ التحميل