اللمحة في شرح الملحةصفحات 729-742

بَابُ التَّوَابِعِ:

صفحات 729-742
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصَّائغ
الكتاب
اللمحة في شرح الملحة
المؤلف
محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
المحقق
إبراهيم بن سالم الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1424هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فلا يجوز: (نزلتُ عليه الكريم) ولم يوصَف بها؛ [لأنّها] 1 ليست بمشتقّة.
ومنها: ما يوصف ولا يوصَف به؛ وهي الأسماء الأعلام كلّها2؛ [و] 3 توصَف لإزالة الاشتراك العارِض، ولا يوصَف بها؛ لأنّها ليست بمشتقّة، ولا واقعة موقع المشتقّ.
ومنها: ما يوصف بها ولا توصف؛ وهي الجُمل؛ كقولك: (هذا رجل عقلُه وافر) ، و (هذه امرأة حسن صوتُها) 4 و (مررت برجلٍ أبوه عالم) يوصف بها؛ لأنَّها تخصيص، وفيها معنى الفعل، ولا توصف؛ لأنّها بمنزلة الفعل والفاعل، والأفعال الصّناعيّة5لا توصف.
ومنها: ما يوصف ويوصف به؛ وهي ثلاثة: أسماء الإشارة6، تقول (جاءني هذا الرّجل) و (جاءني زيدٌ هذا) بمنزلة: جاءني زيدٌ المُشار إليه.
[124/ب]

والأسماء المضافة توصَف ويوصَف بها، كقولك: (جاءني غلام زيد العاقل) و (زيدٌ صاحبُ الدّار) . وما فيه الألِف واللاّم، تقول: (جاءني زيدٌ العاقل) و (الرّجل الكاتب) . وتوصف النّكرة بما يجانِسها من النّكرة، وبالمضاف الّذي إضافته غير محضة؛ كقولك: (جاءني رجلٌ قائلُ الحقِّ) ، وجاز ذلك مع كونه مضافًا إلى معرفة؛ لأنّ الإضافة غير محضة، والتّنوينُ فيها مقدَّر، إذْ أصلُ الكلام: (قائلٌ1 الحقَّ) ، ومنه قولُه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ 2. وقد يقع الفعلان الماضي والمضارِع موقع الصِّفة النّكرة، كقولك: (رأيتُ كوكبًا طلع) و (أقبل رجلٌ يضحَكُ) . ويوصَف - أيضًا - بالجُمل، كقولك: (جاءني رجلٌ كريم أبوه) و3 لا بُدّ في الجملة الموصوف بها من ضمير ترتبط4 به5.

ويُوصف بالمصدر على تأويله بالمشتقّ، كقولهم: (رجلٌ عَدْلٌ) و (رِضًا) و (امرأةٌ رِضًَا) و (رجلان رِضًا) و (رجال رضًا) 1؛ والأصل: [رجل] 2 ذُو رِضًا، وامرأةٌ ذاتَ رِضًا، وجلان ذَوا رضًا، ورجالٌ ذَوُو رضًا3.
ومتى ترادَفت النُّعوتُ لمدح أو ذمّ4 جاز أن يتبع بعضها الموصوف في إعرابه؛ وجاز أن يخالفه بقطع5 الأخير؛ إيذانًا وتنبيهًا على المدح أو6 الذّمّ.
[125/أ]

و1 القطع بشيئين؛ بالنّصب، والرّفع.
[فالنّصبُ] 2 بمقتضى ناصب لا يظهر.
والرّفع بمقتضى3 تقدير رافع لا يظهر في اللّفظ، وعلى ذلك أنشدوا بيتَيْ الخِرْنِق، وهما4: لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ... سُمُّ العُدَاةِ وَآفَةُ الجُزُرِ النَّازِلِيْنَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ... وَالطَّيِّبُونَ مَعَاقِدَ الأُزُرِ5

فلمّا تقدّم نعتٌ قد طالتْ1 صلته وفيه مدح قطع، فنصب (النّازلين) بإضمار (أعني) ، ورفع (الطّيّبين) بإضمار (هم) . وفي إعراب هذا البيت أربعة أوْجُه: رفعُهما2 جميعًا، ونصبُهما3، ورفع الأوّل ونصب الثّاني4، وعكسُه5؛ وعلى هذا6 قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالمُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ 7

لأنّه قد اجتمع الشَّرْطان1.
فصل: وقد يأتي النّعت لزيادة البيان؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿فَأمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ 2. ولمجرّد المدح؛ كقوله تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ 3؛ أو الذّمّ كـ (أعوذُ باللهِ من الشّيطان الرّجيم) . [125/ب]

وقد يُحذف1 للعلم به؛ فيُستغنى بمعناه عن لفظه2، كقوله تعالى: ﴿ [قُلْ] 3 يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ 4 أي: على شيء نافع، ومنه قولُ الشّاعر: وَرُبَّ أَسِيْلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ ... مُهَفْهَفَةٍ لَهَا فَرْعٌ وَجِيْدُ5 [أي: فَرْعٌ وَافِرٌ، وَجِيْدٌ طَوِيلٌ] 6.

فَصْلُ عَطْفِ البَيَانِ:

العطف في اللّغة1: الرُّجوع؛ فكأنّهم في عطف الاسم الثّاني على الأوّل رجعوا إلى الأوّل فأوضحوه بالثّاني، غير محتاجٍ إلى حرف كاحتياج عطف النّسق، كقول الشّاعر: وَلَقَدْ أَعْطِفُهَا كَارِهَةً ... حَيْثُ لِلنَّفْسِ مِنَ المَوْتِ هَرِيْرُ2 أي: أرجعها.
هذا هو التّابع الموضّح المخصّص متبوعه غير مقصود بالنّسبة، ولا مشتقًّا، ولا مؤوّلاً بمشتقّ3؛ كقوله: أَقْسَمَ بِاللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ4

فـ1 (الموضّح والمخصّص) : يخرج التّوكيد2، وعطف النّسق.
و (غير مقصود بالنّسبة) : يخرج3 البدل؛ لأنّه في نيّة تكرار4 العامل.
و (لا مشتقًّا ولا مؤوّلاً به) 5: [يخرج النّعت] 6. وعطف البيان لا يكون إلاّ جامِدًا، وإنْ كان كالصّفة كاشفًا حقيقة المقصود به.
[126/أ] وشرط عطف البيان أن يُطابِق ما قبله في التّعريف والتّنكير7،

ويختصّ بالأسماء الأعلام والكُنى؛ وهما لا يوصف بهما؛ مثالُه: (رأيتُ أخاك زيدًا) و (لقيت أبا محمدٍ عمرًا) و (مررتُ بعليٍّ أبي الحسن) فـ (زيد) وأبو الحسن) و (أبو محمد) عطف بيان.
وهو كالوصف، ووجه المشابهة1بينه وبين الصّفة: أنّ الصّفة تدلّ على الذّات باعتبار المعنى الّذي وضعت له.
وعطف البيان يدلّ2 على الذّات من غير اعتبار معنى زائد على مفهوم الذّات3.
والفائدة الحاصلة بعطف البيان: أنّه إذا كان المسمّى اسمًا ولقبًا4، أو اسمًا وكُنية، ثم حصل اشتراكٌ في أحدهما بيّنته بالآخر؛

[فإذا قلتَ: (جاء محمّد أبو عبد الله) ] 1 فقد بيّنت2 الأوّل بالثّاني3 كالصّفة.
ومنهم مَن يجعل صفات أسماء الإشارة عطف بيان4؛ لعدم اشتقاقها؛ وكونها من أسماء الأجناس. ومن الفرق بين عطف البيان والبَدَل في اللّفظ؛ وذلك في موضعين: أحدهما: النّداء5.
والثّاني: اسم الفاعل المعرّف بالألِف واللاّم إذا أُضيف إلى معرّف باللاّم، ثم عُطِف على المضاف إليه؛ [126/ب] وقد جاء الوجهان في قول الرّاجز6: ........................................ ... ............ يَا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرَا7

وفي قول الشّاعر: أَنَا ابْنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ وُقُوعَا1 أمَّا (نصر) الأوّل فمنادى1 مضموم، والثّاني عطف2 بيان؛ 1 هذا البيتُ من الوافر، وهو للمِرّار بن سعيد الأسديّ.
و (بشر بن عمرو) : زوج الخِرْنِق أخت طَرَفَة بن العَبْد، قتله جدّه خالد الفقعسيّ يوم القُلاب.
والشّاهدُ فيه: (التّارك البكريّ بشر) فإنّ (بشر) يتعيّن فيه أن يكون عطف بيان على (البكريّ) ، ولا يجوز أن يُجعل بدلاً منه.
وقد فصّل الشّارح ذلك.
يُنظر هذا البيتُ في: الكتاب 1/182، وشرح المفصّل 3/72، 73، والمقرّب 1/248، وشرح عمدة الحافظ 1/554، وابن النّاظم 518، وأوضح المسالك 3/36، وابن عقيل 2/204، والتّصريح 2/133، والهمع 5/194، والخزانة 4/284، وشعره ـ ضمن شعراء أمويّون ـ 2/465.

بدليل تنوينه، ولو كان بدلاً لوجب بناؤُه على الضّمّ؛ لأنّ العامل في البدل مرادٌ؛ وأمّا (نصر) الثّالث فمنصوب إمّا على المصدر، أي: (انصر نصرًا) ، وإمّا على عطف بيان على الموضع1.
الثّاني2 في قوله: (أنا ابن التّارك البكريّ بشر) بالجرّ3؛ فإنَّه إذا نصب جاز أن يكون بدلاً من (البكريّ) 4؛ لأنّ موضعه نصب؛ ولأنّ البدل في حكم تكرير العامل، وإذا كرّرت لم يكن له في (بشر) إلا نصبه5، نحو: (التّارك بشرًا) ؛ لأنّ اسم الفاعل المعرّف باللاّم لا يُضاف إلى غير المعرّف إلاّ عند الفرّاء - على ما قيل-6.
فـ (بشر) بالجرّ لا يجوز أن يكون بدلاً7 من (البكريّ) 8؛ فإن نصبته جاز أن يكون بدلاً، وأنّ النّاصب له (التّارك) مقدَّرًا9 قبله مكرّرًا، لا (التّارك) الأوّل.

جارٍ التحميل