بَابُ الاسْتِثْنَاءِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصَّائغ
- الكتاب
- اللمحة في شرح الملحة
- المؤلف
- محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
- المحقق
- إبراهيم بن سالم الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1424هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وَكُلُّ مَا اسْتَثْنَيْتَهُ مِنْ مُوْجَبِ ... تَمَّ الْكَلاَمُ عِنْدَهُ1 فَلْيُنْصَبِ
تَقُولُ: جَاءَ الْقَوْمُ إِلاَّ سَعْدَا ... وَقَامَتِ النِّسْوَةُ إِلاَّ هِنْدَا2
الاستثناء هو: إخراج شيءٍ3 ممّا دخل فيه غيره، أو إدخال شيء فيما خرج منه غيره؛ والاسم المستثنى ضدّ4المستثنى منه5.
والاستثناء نوعان: متّصل، ومنقطع.
فالمتصّل: إخراج مذكور بإِلاَّ أو ما في معناها من حكم شامل له، أو ملفوظٍ [به] 6، أو مقدّر7.
فالإخراج جنسٌ يشمل8 نوعي الاستثناء، ويخرج الوصف ?إِلاّ
[72/أ] كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ 1.
فقوله: إخراج مذكور ولم يقل: إخراج اسم ليعمّ استثناء2 المفرد، نحو: قام القومُ إلاّ زيدًا، واستثناء الجملة لتأوّلها بالمشتقّ، نحو: ما مررتُ بأحدٍ إلاَّ زيدٌ خيرٌ منه.
وقوله: بإلاّ أو ما في معناها ليخرُج التّخصيص3ونحوه، ويدخل الاستثناء بغَير وسِوَى وحَاشَا وخَلا وعَدا ولَيْسَ ولا يكون.
وقوله: من حكم شامل له ليخرج الاستثناء المنقطع.
وقوله: ملفوظ به أو مقدّر ليتناول الحدُّ الاستثناءَ التّامَّ والمفرّغَ.
والاستثناء التّامّ هو: أن يكون المخرج منه مذكورًا، نحو: قام القوم إلاَّ زيدًا.
والمفرّغ هو: أن يكون المخرج منه مقدّرًا في قوّة المنطوق به، نحو: ما قام إلاَّ زيدٌ التّقدير: ما1قام أحدٌ إلاَّ زيدٌ.
والمنقطع هو: الإخراج بإلاَّ أو غير أو بَيْد لِمَا دخل في حكم دلالة المفهوم.
فالإخراج جنس، وقولُه: بإلاّ، أو غير، أوبَيْد مدخل لنحو: ما فيها إنسان إلاَّ وتدًا2 وما عندي أحدٌ غير فرس3، وكنحو قوله - صلّى الله عليه وسلّم -: "أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ؛ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، واسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ" 4.
ومخرج الاستدراك ?لكن، نحو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ﴾ 5؛ فإنّه إخراجٌ لِمَا دخل في حكم دلالة المفهوم، ولا يسمّى في اصطلاح النّحويّين استثناءً، بل يختصّ6 باسم7 الاستدراك.
[72/ب]
وقوله: لما دخل تعميمٌ لاستثناء المفرد والجملة - كما سيأتي -.
وقولُه: في حكم دلالة المفهوم مخرج للاستثناء1 المتّصل؛ فإنّه إخراجٌ لِمَا دخل في دلالة المنطوق.
من أمثلة المستثنى المنقطع الآتي مفردًا2، قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ 3 [فـ ﴿اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ] 4 مستثنى منقطع، مخرج ممّا أفهمه ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ من نفي الأعمّ من العلم والظّنّ؛ فإنّ الظّنّ يستحضر5 بذكر العلم لكثرة قيامه مقامه، وكأنّه قيل: ما يأخذون6 بشيءٍ إلاَّ اتّباع الظّنّ.
ومنها: قولهم: له عَلَيَّ ألفٌ إلاَّ أَلْفَيْن وإنّ لفلانٍ مالاً إلاَّ أنّه شقيّ وما زاد إلاّ ما نقص وما نفع إلاَّ ما ضَرَّ وما في الأرض أخبث منه إلاَّ إيّاه وجاء الصّالحون إلاَّ الطّالحين7؛ فالاستثناء في هذه الأمثلة كلّها على [نحو] 8 ما تقدّم.
فالأوّل: على معنى له عليَّ ألف لا غير إلاّ ألفين.
والثّاني: على معنى عَدِم فلان البؤس إلاَّ أنّه شقيّ.
وعلى هذا فقِس الباقي من الأمثلة1.
وللاستثناء2 عدّة أدوات؛ إلاَّ أنّ3 المستولي عليه4: إلاَّ.
وقال الشّيخ بدر الدّين بن مالك - رحمه الله [تعالى] 5-: "الاسم المستثنى بإلاّ في غير تفريغ يصحّ نصبه على الاستثناء، سواء كان متّصلاً أو منقطعًا.
[73/أ]
والنّاصب هو: إلاّ لا ما قبلها بتقويتها، ولا به مستقلاًّ، ولا باستثني مضمرًا، خلافًا لزاعمي ذلك6.
ويدلّ على أنَّ النّاصب هو إلاَّ أنّها حرف مختصّ بالأسماء غير متنزّل1 منها منزلة الجزء، وما كان كذلك فهو عامل؛ فيجب أنْ تكون عاملة ما لم تتوسّط2 بين عامل مفرّغ ومعمول، فتُلغى3 وُجوبًا إنْ كان التّفريغ محقّقًا4، [نحو: ما قام إلاَّ زيدٌ، وجوازًا إنْ كان مقدّرًا] 5، نحو: ما قام أحدٌ إلاّ زيدٌ [فإنّه في تقدير: ما قام إلاّ زيدٌ] 6؛ لأنّ أحدٌ مبدل منه، والمبدَل منه7 في حكم المطروح7.
فإنْ قيل: إلاّ تدخُل على الفعل، كقولك: نشدتّك الله إلاّ فعلتَ وما تأتيني إلا قلتَ خيرًا.
الجواب: أنَّ دخولها على الفعل إذا كان في تأويل الاسم؛ فمعنى نشدتُك الله إلاّ فعلتَ: [ما] 1 أسألك إلاَّ فعلك؛ ومعنى الثّاني: ما تأتيني إلاَّ قائِلاً خَيْرًا.
والسّيرافيّ2 يذهبُ إلى أنّ النّاصب هو ما قبل إلاّ من فعل أو غيره بتعدية إلاَّ.
وذهب ابن خروف3 إلى أنّ النّاصب هو ما قبل إلاَّ على سبيل الاستقلال.
وذهب الزّجّاج1 إلى أنّ النّاصب2 استثني مضمرًا"3.
وَإِنْ يَكُنْ فِيمَا1 سِوَى الإِيجَابِ ... فَأَوْلِهِ الإِبْدَالَ فِي الإِعْرَابِ تَقُولُ: مَا المَفْخَرُ2 إِلاَّ الكَرَمُ ... وَهَلْ مَحَلُّ الأَمْنِ إِلاَّ الْحَرَمُ3 [73/ب] فَصْلٌ: إذا كان قبل إلاَّ كلامٌ تامٌّ4؛ فلا يخلو من قسمين: أحدهما: أنْ يكون موجَبًا5- كما تقدّم -، كقولك: قام القومُ إلاَّ زيدًا، أو6 غير موجب وهو: أن يكون الكلام نفيًا، أو استفهامًا، أو نهيًا؛ فالأجود أن يُعرب ما بعد إلاَّ بإعراب ما قبلها
على سبيل البَدَل1؛ فتقول: ما قام أحدٌ إلاَّ زيدٌ وما ضربتُ أحدًا إلاَّ زيدًا وما مررتُ بأحدٍ إلاَّ زيدٍ2، ولك أن تنصب الاسم المستثنى على الأصل3، فتقول4: ما قام [أحدٌ] 5 إلاَّ زيدًا6.
وَإِنْ تَقُلْ: لاَ رَبَّ إِلاَّ اللهُ ... فَارْفَعْهُ وَارْفَعْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ
[فَصْلٌ] 1: إذا جِيء بالاسم المستثنى [بـ] 2 إلاَّ بعد عامل3 لم يشتغل4 بما قبلها، ولا بما بعدها، يليها عامل، فمطلوب العامل هو ما يليها؛ لتفريغ5 الطّلب له6، فيُرفع7 إنْ كان [يطلب] 8مرفوعًا - كما8 تقدّم -؛ ويُنصب إنْ كان يطلب منصوبًا، نحو: ما رأيتُ إلاَّ زيدًا، ويُجرُّ بالحرف الّذي يتعدّى به9، نحو: ما مررتُ إلاَّ بزيدٍ.
وَانْصِبْ إِذَا1 مَا قُدِّمَ المُسْتَثْنَى ... تَقُولُ: هَلْ إِلاَّ العِرَاقَ مَغْنَى2 إذا قُدِّم المستثنى على المستثنى منه نُصِبَ؛ مُوجَبًا كان أو نفيًا، تقول: ما جاء إلاَّ زيدًا [74/أ] أحدٌ، كقول الكميت3: وَمَا لِي إِلاَّ آلَ أَحْمَدَ شِيْعَةٌ ... وَمَا لِي إِلاَّ مَذْهَبَ الحَقِّ مَذْهَبُ4 امتنع جعلُ المستثنى بدلاً5؛ لأنَّ التّابع لا يتقدّم على المتبوع وكان الوجهُ نصبُه6.
َإِنْ تَكُنْ مُسْتَثْنِيًا بِمَا عَدَا ... وَمَا خَلاَ1وَ2 لَيْسَ فَانْصِبْ أَبَدَا تَقُولُ: جَاؤوا مَا عَدَا مُحَمَّدًا ... وَ3 مَا خَلاَ زَيْدًا وَلَيْسَ أَحْمَدَا [فَصْلٌ] 4: يُنصب المستثنى - من الموجِب - بإلاَّ وعَدَا وخَلا؛ كقولك: قامَ القومُ خلاَ زيدًا وعدا عمرًا بالنّصب؛ وإنْ شئت جررتَ5 فقلت: قام القوم خَلاَ زيدٍ وعَدَا عَمْرٍو؛ فالجرُّ على أنّهما حرفان مختصّان بالأسماء، والنّصبُ على أنّهما فِعْلان ماضيان غير متصرّفين؛ لوُقوعهما موقع الحرف6؛ فإذا تقدّم عليهما ما بَعُدَ من
شبه الحرف؛ [لأنَّ الحرف لا يدخُل على الحرف1] 2؛ فتقول: جاءَ النّاسُ ما خلا زيدًا وما عدا عَمْرًا، كقول لبيد:
أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ3 ... ..........................................
فوجب النّصب بهما؛ لتقدّم ما المصدريّة4.
ومن أدوات الاستثناء: ليس ولا يكون؛ فهما الرّافعان للاسم5، النّاصبان [74/ب] للخبر6؛ فلهذا يجب نصبُ المستثنى بهما؛ لأنّه الخبر.
وأمّا الاسم1 فالتزم إضمارُه2؛ لأنّه لو ظهر فَصَلَهُمَا من المستثنى، وجُهِلَ قصد الاستثناء؛ تقول: قاموا ليس زيدًا، ونحو: "يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ" 3، المعنى: إلاَّ الخيانة والكذب؛ والتّقدير: لَيْسَ بَعْضُ خُلُقِهِ الخِيَانَةَ والْكَذِبَ.
وتقول: قاموا لا يكون زيدًا، وتقديره: قاموا لا يكون بعضهم زيدًا.
وأمّا حاشا فَيَجُرُّ ما بعده، وينصب؛ فالجرُّ على أنّها4حرف، والنّصب على أنّها5 [فعل] 6 غير متصرّف7.
فمن الجرّ بها قولُ الشّاعر:
حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ1 ... ضَنًّا عَنِ المَلْحَاةِ وَالشَّتْمِ2
وأنشد الأخفش بإلحاق ما المصدريّة:
رَأَيْتُ النَّاسَ مَا حَاشَا قُرَيْشًَا ... فَإِنَّا نَحْنُ أَكْثَرُهُمْ فَعَالاَ3
ويُقال في حَاشَا: حَاشَ كثيرًا، وحَشَا قليلاً.
وأنشدوا في حرفيّة عَدَا والجرّ بها:
تَرَكْنَا فِي الْحَضِيْضِ بَنَاتِ عُوْجٍ ... عَوَاكِفَ قَدْ خَضَعْنَ إِلَى النُّسُورِ4
أَبَحْنَا حَيَّهُمْ قَتْلاً وَأَسْرًا عَدَا الشَّمْطَاءِ وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ5
وَغَيْرُ إِنْ جِئْتَ بِهَا مُسْتَثْنِيَهْ ... جَرَتْ عَلَى الإِضَافَةِ المُسْتَوْلِيَهْ وَرَاؤُهَا تَحْكُمُ فِي إِعْرَابِهَا ... مِثْلَ اسْمِ إِلاَّ حِينَ يُسْتَثْنَى بِهَا غير: يستثنى بها بشرط صلاحيّة إلاَّ مكانها؛ فيجرّ1المستثنى بها، وتعرب هي بما يستحقّه المستثنى بإلاَّ؛ من نَصْبٍ لازمٍ2، أو نصب مرجّح3عليه الإتباع4، [أو نصب مرجّح على الإتباع5] 6، أو تأثّر7بعاملٍ مُفرَّغ؛ تقول في اللاّزم: جاءني القومُ غيرَ زيدٍ، والمرجّح عليه الإتباع8: ما جاءني أحدٌ غيرُ زيد، والمرجّح على9 الإتباع:
ما لزيدٍ علم غيرَ ظنِّ، وإيجابُ التّأثّر1 بالعامل المفرّغ: ما جاءني غيرُ2 زيدٍ فغير هُنا3 كإلاَّ4؛ وقد جاءت إلاَّ كغير في قول الشّاعر: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ5 وسُوى وسَواء لغتان في سِوَى6؛ وهي مثل غير
معنىً واستعمالاً؛1 فيستثنى2 بها3 [متّصل] 4، نحو: قاموا سِوى زيد، [منقطع] 5، كقول الشّاعر: لَمْ أُلْفِ فِي الدَّارِ ذَا نُطْقٍ سِوَى طَلَل ... قَدْ كَادَ6 يَعْفُو وَمَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمِ7 [وفي شرح الشّيخ بدر الدّين: "ويوصَف بها"8] 9،
[ومن الاستثناء بها1،] كقول الآخر: [75/ب] أَصَابَهُمْ بَلاَءٌ كَانَ فِيْهِمْ سِوَى ... مَا قَدْ أَصَابَ بَنِي النَّضِيرِ2 وتقبل أثر العوامل المفرّغة، كقوله - صلّى الله عليه3 وسلّم-: "مَا أَنْتُمْ فِي سِوَاكُمْ مِنَ الأُمَمِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ" 4، وتأتي فاعلةً كقول بعضهم - حكاه الفرّاء -: "أَتَانِي5 سِوَاكَ6"، وكقول الشّاعر:
وَلَمْ يَبْقَ سِوَى العُدْوَا ... نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا1 وأنشد ابن جنّي مجرورًا: أَلاَ مِنْ مُنَادٍ أَبَا مَالِكٍ ... أَفِي أَمْرِنَا هُوَ أَمْ فِي سِوَاه2 وتأتي مبتدأة، كقول الآخر: وَإِذَا تُبَاعُ كَرِيْمَةٌ أَو تُشْتَرَى ... فَسِوَاكَ بَائِعُهَا وَأَنْتَ المُشْتَرِي3
ولا سِيَّمَا1 يستثنى بها، ومعناها: التّخصيص، ويجرّ ما بعدها2، كقولك: أكرمني النّاس [ولا] 3 سِيَّمَا زيدٍ أي: لا مثل زيدٍ؛
ويرفع1 ما بعدها، كقول الشّاعر:
............................... ... وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جُلْجُلِ2
[76/أ]
أي: ولا مثل الّذي هو يوم.
ولا سِيَّمَا زيدًا3 بمعنى: [إلاَّ] 4.