اللمحة في شرح الملحةبَابُ التَّعَجُّبِ:

بَابُ التَّعَجُّبِ:

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الصَّائغ
الكتاب
اللمحة في شرح الملحة
المؤلف
محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
المحقق
إبراهيم بن سالم الصاعدي
الناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
الطبعة
الأولى، 1424هـ/2004م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وَتُنْصَبُ الأَسْمَاءُ فِي التَّعَجُّبِ ... نَصْبَ الْمَفَاعِيلِ فَلاَ تَسْتَعْجِبِ1 تَقُولُ: مَا أَحْسَنَ زَيْدًا إِذْ خَطَا ... وَمَا أَحَدَّ سَيْفَهُ حِينَ2 سَطَا التَّعجُّب هو: استعظام فعل فاعلٍ ظاهر المزيّة فيه.
[79/ب] وقيل: إنّ التعجُّب يكون ممّا يظهر معناه، ويخفى سببه، وَيُدَلُّ عليه بصيغ3 مختلفة، كقولك: (كيف تعصي مَن أنتَ تتقلّب في نعمه!) ، وقولهم: (للهِ أنتَ!) ، وقولِ الشّاعر: وَاهًا لِلَيْلَى ثُمَّ وَاهًا وَاهَا4

وقول الآخر: ................................... ... يَا جَارَتَا1 مَا أَنْتِ جَارَهْ! 2 وقولك3لمن أنكرتَ منه حالاً ما: (سبحان اللهِ ما أعلمُ منك هذا!) . والأشهر في استعماله بصيغتين4: أحدهما: (مَا أَفْعَلَهُ!) ، والأُخرى: (أَفْعِلْ بِهِ!) .

وتقول مِن ذلك: (مَا أَحْسَنَ زَيْدًا!) و (أَحْسِنْ بِهِ!) . فـ (ما) عند سيبويه1 نكِرة غير موصوفة، في موضع رفع بالابتداء؛ وساغ الابتداء بها2؛ لأنّها في تقدير: التّخصيص3.
والمعنى: شيءٌ عظيمٌ أحسنَ4 زيدًا، أي: جعلهُ حسنًا؛ وهذا كقولهم: (شيءٌ جاء بك) و (شَرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ) 5. و (أَحْسَنَ) : فعلٌ ماضٍ6، لا يتصرّف7، مسندٌ إلى ضمير (ما) ؛

والدّليل على فعليّته: لزومه متّصلاً بياء المتكلِّم نُونُ الوقايةِ، نحو: (ما أعرفني بكذا!) و (ما أَرْغَبَنِي في عفو الله) . وقد قيل فيه [80/أ] إنّه اسم1 لمجيئه مُصَغَّرًا في قولِ الشّاعر: يَا مَا أُمَيْلِحَ غِزْلاَنًا شَدَنَّ لَنَا2 ... ........................................

ولا حجّة في هذا؛ لشذوذه، واحتمال1 أن يكون التّصغير دخله لشبهه بـ (أَفْعَل) التّفضيل لفظًا ومعنىً؛ والشّيء قد يخرج عن بابه لمجرّد الشّبه بغيره2.
وذهب الأخفش3 إلى أنَّ (ما) في نحو: (ما أحسن زيدًا) موصولة،

وهي مبتدأ، و (أحسن) صلته، والخبر محذوف وُجوبًا تقديرُه: الّذي أَحْسَنَ [زَيْدًا] 1 شَيءٌ عظيم.
واحْتَجَّ هو ومَن تابعه: أنّهم لم يجدوا (ما) إذا كانت غير استفهامٍ وغير شرطٍ إلاّ موصولة أو موصوفةً؛ فجعلوها في التّعجُّب موصولة.
وهذا الاستدلال ينتقض بقولهم: (إنِّي مِمّا أَنْ2 أَفْعَلَ) 3 تقديرُه: إِنِّي من الأَمْر فِعْلي.
وقيل: إنَّ4 ما ذهب إليه سيبويه أوْلى؛ لأنَّ (ما) لو كانت موصولةً لَمَا كان حذفُ الخبر واجبًا؛ لأنّه لا يجب حذفُ الخبر إلاَّ إذا عُلِمَ وسدَّ غيره مسدّه؛ وههنا لم يسدّ مسدّ الخبر شيء؛ لأنّه ليس بعد المبتدأ الموصول5 إلاَّ صلته؛ والصّلة من تمام المبتدأ؛ فليست في محلّ خبره،

وإنّما هي1 في محلّ بقيّة حروف الاسم؛ فلا تصلُح2 للسّدّ مسدّ الخبر.
[80/ب] فالمُتَعَجَّبُ منه مَنْصُوبٌ على المفعوليّة، والفاعل لا خلاف3 في أنّه مُضْمَرٌ في (أحسن) ؛ ولا خلاف في أنَّ هذا المُضْمَر لا يظهر قطّ في مُفْرَدٍ ولا تَثْنِيَةٍ ولا جَمْع؛ وكُلمّا أُضْمِر الشّيء وسُتِرَ كان أفخم له، وأَزْيَد في معناه.
ولا خلاف [في] 4 أنّه لا يجوز العطف على ذلك المضمَر، ولا أن يبدل منه، ولا أن يُخبَر عنه.
وأمَّا (أَفْعِلْ) [في] 5 نحو: (أَحْسِنْ بزيدٍ) فَفِعْلٌ4: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، وعُدِل عن ذكر الخبر لاحتماله الصّدق والكذب؛ والأمرُ ليس كذلك؛ فكان وُرودُه به أبلغ وأفخم؛ وهو مسند إلى المجرور بعده، و (الباء) زائدة5، مثلُه

[قولُهم] 1: (كفى بزيدٍ رجلاً) 23، وهو في قوّة: (حَسُنَ زَيْدٌ) بمعنى: ما أحسنَهُ4، [و] 5 تقول: (ما أَحْسَنَ زَيْدًا!) فتنصب ما23

بعد [أَفْعَل] 1 بالمفعوليّة؛ [وهو في] 2 الحقيقة فاعل الفعل المتعجّب منه3، لكن دخلت عليه همزة النّقل، فصار الفاعل مفعولاً بعد إسناد الفعل إلى غيره.
ولا يجوز حذف المتعجّب منه لغير دليل؛ لأنّك لو4قلت: (ما أحسن! وما أجمل!) لم يكن كلامًا5.
وأمّا نحو: (أفعل [به] 6) فلا يُحذف منه المتعجّب منه7 إلاّ إذا دَلَّ على المتعجّب [81/أ] منه دليل؛ وكان المعنى واضحًا عند الحذف8؛ ومنه قولُ عليّ [بن أبي طالب] 9 - رضي الله عنه - 10:

جَزَى اللهُ عَنِّي وَالْجَزَاءُ بِلُطْفِهِ ... رَبِيْعَةَ خَيْرًا: مَا أَعَفَّ! وَأَكْرَمَا! 1 وتقول: (أَحْسِنْ بِزَيْدٍ! وَأَجْمِلْ!) بالحذف، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِم وَأَبْصِرْ﴾ 2. [و] 3 يسوغ ذلك في (أفعل به) إذا كان معطوفًا على آخر مذكور معه الفاعل4.
وينبغي معرفة الفعل الّذي يبنى منه فعلا التّعجُّب؛ ولذلك5أحكامٌ: منها: أنّه6 لا يكون منقولاً إلاّ من فعلٍ غير متعدٍّ غالبًا، ثم عُدِّي بالهمزة إلى مفعولٍ، نحو: (ما أظرفَ أباك! وأكرمَ أخاك!) ؛ لأنَّ المتعجّب

منه فاعلٌ في الأصل؛ فَوَجَبَ أن يكون فعله غير متعد.
[و] 1منها: أنّه لا يكون منقولاً2إلاَّ من فعلٍ ثُلاثيٍّ، نحو: (ظَرُفَ) و (شَرُفَ) و (عَلِمَ) و (سَمِعَ) ؛ ولا يكون من [فعل] 3 رُباعيٍّ حروفه أصول، نحو: (دحرج) ؛ لأنّ صيغة (أفعل) من هذا هدم لا بِناء4؛ فإن5 كان الرّباعيّ بزوائد6 فإنّه مختلف7 فيه؛

[من] 1 نحو: (أَكْرَمَ) و (أَعْطَى) و (أجمل) ؛ فمنهم مَن يُجيز التّعجُّب [به] 2 بتعويضه همزة التعجُّب [عن همزتها] 3، [وحُجّته] 4: ما سمع [من العرب] 5 من قولهم: (ما أيسر6 فلانًا! وما أسنّه!) ؛ ومنهم من لا يُجيز ذلك قياسًا على الرّباعيّ الّذي7حروفه أصول؛ ومنه حكاية الكتاب8: "ما أبغضني [81/ب] له! "، وهو من أبغض يُبغض؛ ووجهه أن يُقدَّر له فعل ثلاثيّ، كقولك: (بَغُضَ) 9.

وقال ابن بابشَاذ1: "هَا هُنا نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ؛ وهي: ما أبغضني له، وما أبغضني إليه، وما أمقتني له، وما أمقتني إليه، وما أحبَّني له، وما أحبّني إليه؛ فكلّ ما كان باللاّم فهو للفاعل، وما كان2 بـ (إلى) فهو للمفعول؛ فإذا قلتَ: ما أبغضني له، فأنت المُبْغِضُ الكارهُ، وإذا قلتَ:

[ما أبغضني] 1 إليه، فأنت المَبْغُوضُ المَكْرُوه"2.
ولا يبنى إلاَّ من فعل، ثلاثيّ، متصرّف، قابل للتّفاوُت، غير ناقص3 كـ (كان) وأخواتها، ولا ملازم للنّفي4، نحو: (ما عَاجَ زيدٌ بهذا الدَّوَاءِ) أي: ما انتفع به؛ فإنّ العرب لم تستعمله إلاَّ في النّفي؛ فلا5 يبنى منه فعل التّعجّب؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى مخالفة الاستعمال بالخروج من النّفي إلى الإيجاب.
وَإِنْ تَعَجَّبْتَ مِنَ الأَلْوَانِ ... أَوْ عَاهَةٍ تَحْدُثُ فِي الأَبْدَانِ فَابْنِ لَهُ فِعْلاً مِنَ الثُّلاَثِي ... ثُمَّ اِئْتِ بِاللَّوْنِ وَبِالأَحْدَاثِ6 تَقُولُ: مَا أَنْقَى بَيَاضَ الْعَاجِ ... وَمَا أَشَدَّ ظُلْمَةَ الدَّيَاجِي

اعلم أنّه لا يبنى فعل التّعجّب من فعل اسم فاعله على (أَفْعَل) 1، نحو: (شَهِلَ) 2 فهوأَشْهَلُ، وَ (عَوِرَ) فهو أَعْوَرُ، و (عَرِجَ) فهو أَعْرَجُ؛ لأنَّ (أَفْعَلَ) هو لاسم الفاعل ما كان لونًا أو خلقة3.
[82/أ]

أمّا الألوان1 فتقول: (مَا أَحْمَرَهُ) تريد2: البلادَة؛ وإن قصدتّ اللّون لم يجُز3؛ وكذلك تقول: (مَا أَسْوَدَ زيدًا) من السُّودَدِ4 لا من السَّوَادِ، و (مَا أَبْيَضَ5الطّير) ، و (مَا أَصْفَرَ العبدَ) من الصَّفير، والمكان إذا خلا من قولهم: (صَفِرَ الإناء) إذا خلا6، و (ما أَسْمَرَهُ) من السَّمَر؛ فإن أردتّ بجميع ذلك اللّون لم يجز7.

وتقول: (ما أرأسَ زيدًا) من الرّئاسة، و (ما أيدَاه) 1 من اليد الّتي هي النّعمة، و (ما أَرْجَله) من الرّجلة، كقولهم: (رَجَلٌ بَيِّن الرُّجْلة) و (رَجِيلٌ) إذا كان قويًّا على المشي2؛ و (ما أوجهه) بمعنى الوجاهة، وكذلك: (ما أجبهه) من قولك: جَبَهَ3، يجبه4؛ فإن أردتّ بشيءٍ5 من ذلك الخلق الثّابتة من6 الجوارح7 كـ (الرّأس) 8 و (اليد) و (الرّجل) و (الوجه) و (الجبهة) لم يجز9.
وتقولُ: (ما أَعْرَجَ زَيدًا) إذا أردتّ عَرَجَ في السُّلَّم10، وكذلك: (ما أَحْوَله) من حال يحول من التّغيّر، و (ما أعمى قلبه11 عن طاعة الله) ؛

فإن أردتّ به العيوب لم يجز1.
فما زاد على الثُّلاثيّ نحو2: (انطلق) والألوان، والعُيوب، والخلق؛ [82/ب] يُتعجّب من جميع ذلك بـ (أشدّ) و (أشْدِد) وما جرى مجراهما3؛ تقول: (ما أحسن استخراج زيدٍ) و (اشدد بانطلاقه) و (ما أَشَدّ سَوَاده) و (ما أَصْبَح وجهه) و (ما أَخْفَى عرجَه) و (ما أَحْسَنَ حَوَله) .

ويجوز في فعل التّعجُّب أن يعمل في ظرفي الزّمان والمكان والحال؛ لأنَّ هذه الأشياء مُبيّنةٌ1 ما قبلها وموضِّحة؛ تقول: (ما أحسن زيدًا ضاحكًا!) و (ما أكرم أباك يوم الخميس!) و (ما أجمل خالدًا عندك!) . [ولا يجوز] 2 تقديم3 الظّرفين على فعل التّعجُّب؛ وتقدّمه على المتعجّب منه فيه خلاف، والأقيَسُ جوازُه، وكذلك الجارّ والمجرور4؛

وسيبويه1 يمنع الفصل، وكذلك الأخفش2، والمبرّد3.وكثيرٌ من البصريّين يُجيز4 ذلك؛ منهم الجرميّ5.

والّذي يدلّ على جوازه1: استعمال العرب له نظمًا ونثْرًا؛ فالنّظم كقول الشّاعر: وَقَالَ نَبِيُّ المُسْلِمِينَ تَقَدَّمُوا ... وَأحْبِبْ إِلَيْنَا أَنْ تَكُونَ2المُقَدَّمَا3 وأمّا النّثر فقول عمرو بن معد يكرب4: "مَا أَحْسَنَ فِي الهَيْجَاءِ لِقَاءَهَا!، وَأَكْثَرَ فِي اللَّزَبَاتِ5 عَطَاءَهَا! "6.

ويختصّ فعلُ التّعجُّب بزيادة (كان) معه دون غيرها من الأفعال، نحو: (ما كان أحسن زيدًا) ؛ وزيدت [لتدلّ] 1على أنَّ المعنى المتعجّب منه [83/أ] كان فيما مضى؛ واختصّت2 بعد ذلك بالعوض ممّا منع منه فعل التّعجّب من التّصرّف؛ واختصّت3 (كان) بذلك؛ لأنّها أمّ الأفعال؛ فلا ينفكّ4 [فعل] 5 من معناها غالبًا.
والتّعجّب الّذي يأتي بلفظ6 الأمر وليس بأمرٍ؛ لأنَّ معنى7 قولك: (أحسن بزيد) [صار زيد] 8 ذا حسن؛ فإذا كان فِعلاً في اللّفظ وَجَب أن يكون له فاعل؛ وفي الفاعل قولان؛ أصحّهما أنَّ الجارّ والمجرور في موضع الفاعل بمنزلة (كفى بزيدٍ) 9.

والآخر1:ما تقدّم من [أنَّ] 2 الفاعل مضمر لا يظهر قطّ3، والمجرور في موضع نصب4؛ وإنّما لزم هذا حرف الجرّ ليكون فرقًا بين التّعجّب والأمر؛ فلهذا5لم يَجُزْ أن يتقدّم عليه معموله، ولا أن يُجاب بالفاء.
وأمّا قولهم: (مَا أَعْظَمَ اللهَ) 6 فهذا على ظاهره فيه حذف مضاف،

[كأنّك قلت: (ما أعظم قدرة الله تعالى وعلمه) وهو في تقدير مضاف] 1، كأنّك قلتَ: (شيء2 نبّهني على عظمته وذكّرنيه3) . وقيل: تقديره: أن يكون المعنى أنّ عباده [سبحانه وتعالى] 4 عظّموه بما استطاعوه5 من الثّناء عليه والتَّمجيد6.

المجلد الثاني

القسم الثاني: قسم التحقيق (تابع)

النص المحقق (تابع)

جارٍ التحميل