بَابُ النِّدَاءِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصَّائغ
- الكتاب
- اللمحة في شرح الملحة
- المؤلف
- محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
- المحقق
- إبراهيم بن سالم الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1424هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وَنَادِ مَنْ تَدْعُو بِيَا أَوْ بِأَيَا ... أَوْ هَمْزَةٍ أَوْ أَيْ وَإِنْ شِئْتَ هَيَا
النِّدَاء: أحد معاني الكلام؛ وهو: ما يتألّف من حرف واسم؛ وهو منفردٌ بهذا التّأليف1؛ وجاز ذلك لكون2 حرف النّداء نائبا عن الفعل، فتنزّل3 منزلة الكلام المؤتلف من اسم وفعل4.
وقال أبو عليّ الفارسيّ5: "النِّداء خبَرٌ من وجه، وغير خبرٍ من وجه؛ لأنّه مع الصّفات بمنزلة الأخبار، ومع غير الصّفات بمنزلة [غير] 6 الأخبار؛ فإذا قلت لإنسانٍ: (يا صادق) أو (يا كاذب) صلح أن يُجاب هذا بصدق، أو كذب؛ فكان خبرًا من هذا الوجه؛ وليس كذلك إذا قلت: (يا زيدٌ) و (يا عمرٌو) ".
وحروف النّداء خمسة7؛ وهي: (يا) و (أيا) و (أي) و (هيا) [97/ب] و (الهمزة) .
وزاد الكوفيّون: (آ) و (آيْ) 1.
وفي (يَا) خِلاَفٌ بين النّحويّين:
فمنهم مَنْ يذهبُ إلى أنّها حرف - وهو الأكثر-2.
ومنهم مَن يذهبُ إلى أنّها اسمٌ للفعل3.
فحُجّة الأوّلين: أنّها لا تدلّ على معنىً إلاّ في غيرها.
وحُجّة الآخرين: أنّهم رأوا أنّ المنصوب والمجرور يقعان4بعدها، كقولك: (يا رجلاً) و (يا لزيدٍ) ، وأنّه قد سُمِعَ إمالةُ (يا) والحُروف لا تُمال5.
وكذلك اختلفوا في العامل من6 قولهم: يا عبد الله7.
فمنهم مَن يقول: (عبد الله) منصوبٌ بنفس (يا) 1.
ومنهم مَن يقولُ: هو منصوبٌ بفعلٍ مقدّرٍ لا يظهر؛ كأنّه قال: (أدعو) أو (أُخاطِبُ) ؛ ولأجل هذا يجعلها بعضُهم اسما للفعل2.
ف (الهمزة) تُستعمل للقريب، نحو: (أَزَيْدٌ أَقْبِلْ) ؛ لخفّتها3.
و (وا) للنّدبة1؛ وهي نداء المتفجَّعِ2 عليه والمتوجَّعِ3 منه، نحو: (وا زيداهُ) و (واظهراهُ) .
وذهب المبرّد4 إلى أنّ (هيا) و (أيا) للبعيد، و (أي) و (الهمزة) للقريب5، و (يا) لهما.
وذهب ابنُ بَرْهَان6 إلى أنّ (هَيَا) و (أَيَا) للبعيد، و (الهمزة) للقريب، و (أَيْ) للمتوسّط، و (يَا) للجميع.
وأجمعوا [98/ أ] على جواز نداء القريب بما7 [للبعيد] 8 توكيدًا9، وعلى منع10 العكس11.
وقيل: إنّ (هَيَا) و (أَيَا) و (أَيْ) و (آ) تُستعمَلُ للبعيد، وللمستثقِل في نومه لا غير؛ للزّيادة1 في لفظها، و (يَا) للبعيد؛ لأنّها أُمُّ حروف النّداء 2. وَانْصِبْ وَنَوِّنْ إِذْ تُنَادِ3 النَّكِرَهْ ... كقولِهِمْ: يَا نَهِما4 دَعِ الشَّرَهْ وَإِنْ يَكُنْ5 مَعْرِفَةً مُشْتَهِرَهْ ... فَلاَ تُنَوِّنْهُ وَضُمَّ آخِرَهْ تَقُولُ: يَا سَعْدُ أَيَا6 سَعِيدُ ... وَمِثْلُهُ: يَا أَيُّهَا الْعَمِيدُ المنادى: لا يخلو من أن يكون مفردًا نكِرةً لم يُقصد به معيّن؛
فهذا1 منصوبٌ، ومنه قولُه:
يَا رَاكِبا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ ... نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلاَّ تَلاَقِيَا2
وكلّ منادى فحقُّه النّصب؛ لأنّه مفعولٌ لفعلٍ3 مضمَرٍ، تقديرُه: (أدعو) أو (أُنادي) ؛ ولا4 يجوز إظهارُه؛ لكون حرف النّداء كالعِوَض منه5.
ولا يُفارِقُه النّصب إلاّ إذا كان مفرَدًا معرِفةً؛ فإنّه يبنى على ما كان يرفع به قبل النّداء، لفظا أو تقديرًا، كقولك: (يا محمّدُ) و (يا موسى) .
والوجه في بِنائه6: شبهه بالضّمير من نحو: (يَا أَنْتَ) في التّعريف، والإفراد، وتضمين معنى (أدعوك) ؛ فإذا قلت: (يا زيد)
كأنّك [98/ب] قلتَ: (يا أنت) ، قال الرّاجز:
يَا أَبْجَرَ بْنَ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا ... أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتَا1
وخُصّ بالضّمّة؛ لأنّها حركة لا تلتبِسُ2 بحركة مضافٍ إليه.
فإنْ كان نكرة مقصودة فيُبنى على الضّمّ كالعلَم؛ فتقول من ذلك: (يا رجل) ؛ لتخصيصه بالقصد؛ قال كُثَيِّر:
لَيْتَ التَّحِيَّةَ كَانَتْ لِي فَأَشْكُرَهَا ... مَكَانَ يَا جَمَلُ حُيِّيتَ يَا رَجُلُ3
وإذا اضطَّر الشّاعر إلى تنوينه جاز له فيه [وجهان: أحدهما: الضّمّ] 1؛ تشبيها2 بمرفوع اضطّر إلى تنوينه، وهو مستحقّ لمنع الصّرف؛ ومنه ما أنشده سيبويه: سَلاَمُ اللهِ يَا مَطَرٌ عَلَيْهَا ... وَلَيْسَ عَلَيْكَ يَا مَطَرُ السَّلاَمُ3 والثّاني: النّصب؛ تشبيها بالمُضاف [لطوله بالتّنوين، وبقاء] 4 الضّمّ في العلَم أولى من النّصب، والنّصب في غير العلَم أولى من الضّمّ؛
ومن شواهِد النّصب قولُ الشّاعر: ضَرَبَتْ صَدْرَهَا إِلَّي وَقَالَتْ ... يَا عَدِيا لَقَدْ وَقَتْكَ الأَوَاقِي1 [99/أ] فإنْ وصفت العلم بصفة مضافة2 نصبت الصّفة، فتقول: (يا زيد ذا المال) . فإنْ كانت الصّفة مفرَدة3، أو عطفت عليه4 باسم معرّف بالألف واللاّم جاز في الصّفة والمعطوف الرّفع على اتباع اللّفظ،
والنّصب لاتباع الموضع1؛ فتقول لاتباع اللّفظ: (يا زَيْدُ الظَّريفُ) ، ولاتباع المحلّ: (يا زَيْدُ الظَّريفَ) و (يا رجال أطيعوا الله) و (النّساءُ) و (النّساءَ) - بهما -.فإن وصفته بابن، متّصل، مضاف إلى علَم؛ جاز فيه الضّمّ على الأصل، والفتح على الاتباع، والتّخفيف فيما كَثُرَ دورُه في الاستعمال، كقولك: (يا زيدَ بن سعيد) ، [ويجوز: (يا زيدُ بن سعيد) ] 2؛ وهو عند المبرّد3 أولى من الفتح؛ وعليه أنشد قول الرّاجز: يَا حَكَمَ4 بْنَ المُنْذِرِ بْنَ الجَارُودْ ... سُرَادِقُ الْمَجْدِ عَلَيْكَ مَمْدُودْ5
قال: "ولو قال: يا حَكَمُ1؛ كَانَ أَجْوَد"2.
فإنْ كان الابن مفصولاً عن موصوفه كما في نحو (يا زيد الظّريف
ابن عمرو) فليس في الموصوف إلاّ الضَّمّ1.
وهكذا إذا كان الموصوف بابن غير علَم، نحو: (يا غُلامُ ابن زيدٍ) ، [أو لم يكن المضاف] 2 إليه علَما، نحو: (يا زيد ابن أخينا) .
وأمّا المنادى المعرّف بالألِف واللاّم فلا يجوز الجمع [99/ب]
بينه وبين حرف النِّداء إلاّ في موضعين:
أحدهما: الاسم الأعظم (الله) ؛ وذلك على وجهين:
على قطع الهمزة، نحو: (يا أَللهُ) ؛ وعلى وصلها، نحو: (يا اللهُ) .
والثّاني: [المنادى] 3 إذا كان جملة محكيّة، نحو: (يا المُنْطلَق4 زَيْدٌ) في رجل سمّي بهذه الجملة.
ولا يُجمع بينهما في غير ذلك إلاّ في ضرورة، كقول الرّاجز:
فَيَا الغُلاَمَانِ اللَّذَانِ فَرَّا ... إِيَّاكُمَا أَنْ تُكْسِبَانَا شَرَّا5
ولم يجز [مثل] 1 هذا في السّعة؛ كراهة الجمع2 بين أداتيْ تعريف على شيء واحد3.
وإذا قصدتّ غير ذلك ممّا فيه الألف واللاّم أتيت ب (أَيّ) أو ب (أيّة) ملحقة ب (هاء) الّتي للتّنبيه، وتأتي بعدها بالمنادى، فتقول: (يا أيّها الرّجلُ) ، أو4 ﴿يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ 5؛ ف (أَيُّ) و (الرَّجلُ) كاسمٍ واحد، و (أَيٌّ) مُنَادى، و (الرَّجُل) تابع، مخصّص [له، ملازِمٌ] 6؛ لأنَّ (أَيا) مُبهَمٌ7 لا يُستعمل بدون المخصّص8، فإنْ كان مشتقا فهو نعت، نحو (يا أيُّها الفاضل) .
وإنْ1 كان جامدًا فهو عطف بيانٍ، نحو: (يَا أيُّهَا الغُلاَمُ) ولزمته (هَاءُ) التّنبيه تعويضا عمّا فاته من الإضافة2.
ولا توصَف3 (أيّ) في النِّداء إلاّ بما فيه الألف واللاّم، [نحو: (يا أيُّها الرّجُل) ، أو بالموصول] 4، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ 5. [100/ أ]
وباسم الإشارة، نحو: (يَأَيُّهَذَا أقْبِل) ، قال الشّاعر:
أَلاَ أَيُّهذَا البَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ6 نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقَادِرُ7
وَتَنْصِبُ المُضَافَ فِي النِّدَاءِ ... كَقَوْلِهِمْ1: يَا صَاحِبَ الرِّدَاءِ وَجَائِزٌ عِنْدَ ذَوِي الأَفْهَامِ ... قَوْلُكَ: يَا غُلاَمُ يَا غُلاَمِي2 وَجَوَّزُوا فَتْحَةَ هَذِي3 اليَاءِ ... وَالْوَقْفَ بَعْدَ فَتْحِهَا بِالْهَاءِ وَالْهَاءُ فِي الْوَقْفِ عَلَى غُلاَمِيَهْ ... كَالْهَاءِ فِي الْوَقْفِ عَلَى سُلْطَانِيَهْ وَقَالَ قَوْمٌ فِيهِ يَا غُلاَما ... كَمَا تَلَوا يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا المُضاف المُنادى منصوبٌ على أصله، ومنه قولُ الشّاعر: أَلاَ يَا عِبَادَ اللهِ قَلْبِي مُتَيَّمٌ4 ... بِأَحْسَنِ مَنْ صَلَّى وَأَقْبَحِهِمْ بَعْلاَ5
والمشبّه بالمُضاف يجرى مجرى المضاف؛ وهو كلّ عامل ومعمول، وكلام [100/ب] فيه طول، نحو: (يا رفيقا بالعباد) و (يا طالِعا جبلاً) و (يا خيرًا من يد) و (يا ذاهبا عجلاً) . فإنْ كان مضافا إلى ياء المتكلّم جاز فيه أربعة أَوْجهٍ: أكثرها استعمالاً حذف الياء، وإبقاء الكسرة تدلّ عليها، كما قُرِئَ1: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ 2.
ثم ثُبوتها ساكنة، كما قُرئ1: ﴿يَا عِبَادِيْ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ 2. وإنْ ثبتت الياء مفتوحة، كما قُرئ3: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ 4. ثمّ قلب الياء ألِفا بعد قلب الكسرة [قبلها] 5 فتحة، كما6 قرئ7: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ 8، و ﴿يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ 9.
مّ حذف الألف، وإبقاء الفتحة دليلاً عليها1، نحو: (يا صَاحِبَ) . وذُكِر وَجْهٌ خامسٌ من التّخفيف كما مضى؛ وهو الاكتفاءُ2مِنَ الإضافَةِ بنيّتها، وجعلُ الاسم مَضْمُوما كالمنادى المفرَد؛ ومنه قِرَاءَةُ بعضهم3: ﴿رَبُّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ 4. إنْ كان آخره حرف علّة فليس في الياء إلاّ وجهٌ واحد؛ وهو: إثباتُها مفتوحة لا غير، نحو: (يا مولايَ) ؛ وفيه لغة قليلة5 يبدلون الألِف ياءً، فيقولون: (يا مَوْليَّ) ، ومنه قول6 أبي ذُؤَيب: سَبَقُوا هَوَىَّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ ... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ7 [101/أ]
ولك1 أنْ تزيد عليها هاء [ساكنة] 2؛ لحفظ بيان الفتحة، فتقول: (يا صاحبيه) وهي الهاء3 الدّاخلة في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ 4. فإن نُودِيَ المضافُ إلى المُضاف إلى ياء المتكلّم لم تحذف الياء5- كما تحذف إذا نودي المضاف إليها6 - إلاّ في: (يا ابْنَ أُمّ) و (يا ابْنَ عَمّ) ؛
وذلك قولك: (يا ابن أخي) ثبتت الياء؛ لبُعدها عن موضع التّغيير1؛ ولحلولهما في موضع يثبت فيه التّنوين2، ومنه3: (يا صاحب صاحبي) ؛ لأنّه بمنزلة: (يا صاحب زيد) . ويجوز فيما حذف منه الياء لكثرة استعماله4 أن تُقلَب الياء ألِفا تخفيفا5؛ فتقول: (يا بن أمّا) و (يا بنت عَمَّا) ؛ قال الرّاجز: يَا بِنْتَ عَمَّا لاَ تَلُومِي وَاهْجَعِي6
ويجوز حذف الألِف المنقلِبة عن الياء، وبقاء1الفتحة2؛ فتقول: (يا ابن أُمَّ) ، وقد قرئ بالأمرين3 جميعا: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ و ﴿يَا ابْنَ أُمِّ﴾ 4. والأصلُ في هذا كلّه: إثبات الياء، كَقَولِه: يَا بْنَ أُمِّي5 وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ ... تَدْعُو تَمِيما وَأَنْتَ غَيْرُ مُجَابِ6 [101/ب]
وأمّا دخولُ تاء التّأنيث على (أب) 1 في قولهم: (يا أَبَتِ) فهو كقولهم: (رجل رَبَعَةٌ) 2 و (فَرُوقَةٌ) 3؛ فوصفوا المذكّر بالمؤنّث للمبالغة4؛ وكذلك قالوا: (امرأةٌ حائض) وصفا بالمذكَّر، وقيل: بالتّاء، ومنه قولُ الرّاجز: يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا5
وإذا نودي منادَى ليخلّص1 من شدّة، أو يُعين على مشقّة؛ فنداؤه استغاثة، وهو مُستغاث.
وتدخل لام الجرّ لقوّة التّعديَة، وتفتح مع المستغاث ما لم يكن معطوفا؛ فرقا بين المستغاث والمستغاث له2؛ فالأوّل: لامُه مفتوحة، والثّاني: لامُه مكسورة أبدًا، كقولك: (يا لَزَيْدٍ لِعَمْرٍو) ، ومنهُ قوله في المستغاث:
يَا لَبَكْرٍ اُنْشرُوا لِي كُلَيْبا ... يَا لَبَكْرٍ أَيْنَ أَيْنَ الْفِرَارُ! 3
وقال الآخر في الجمع1: فَيَا لَلنَّاسِ لِلْوَاشِي2 المُطَاعِ! 3 ... تَكَنَّفَنِي الوُشَاةُ فَأَزْعَجُونِي [102/أ] وكقوله فيهما بالعطف: يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ ... يَا لَلْكُهُولِ وَلِلشُّبَّانِ4مِنْ عَجَبِ5
وهاتان اللاّمان لا بُدّ أن يتعلّقا بشيءٍ ممّا يعمل؛ لكونهما1 حرفي جرّ، والعامِل2 في الأوّل3: (يا) لنيابته4 عن الفعل5، والعَامِلُ في الثّاني6:
محذوفٌ1؛ كأنّه قال: (أدعوكم لفلانٍ) فتَرك ذكره؛ [لأنّه] 2 لا يُستغاث بشيء إلاَّ لمعنىً.
فإنْ كرّرت حرف النّداء فلا بدّ من فتحه3، كقول الشّاعر:
يَا لَقَوْمِي وَيَا لأَمْثَالِ قَوْمِي ... لأُنَاسٍ عُتُوُّهُمْ فِي ازْدِيَادِ4
ومن المنادى؛ المندوب: وهو المذكور توجُّعًا منه، نحو: (وا رأْسَاهُ) ، أو1 تفجُّعًا عليه؛ لفقْدِه، [نحو] 2: (وا زَيْدَاه) .
والقصد بالنُّدْبَةِ: الإعلام بعظمة المُصاب؛ فلذلك لا يُنْدَب إلاّ العلَم3.
وهو يختصّ بأحد حرفين4؛ وهما: (ياء) أو (وا) ، وبحرفين من آخره في الوقف؛ وهما: الألِف والهاء؛ وهاؤُه ساكنة؛ لأنّها هاء السّكْت، كقولك: (يا زيداهْ) و (يا عمراهْ) .
وَإِنْ كان مُضافا حذفتَ التّنوين من المضاف إليه، وأَلْحقتَ به العلامة؛ فتقولُ: (وا غلامَ زيداه) .
ولا تُندب5 النّكرة، ولا (أي) ، ولا اسم الإشارة، ولا الموصول المبهَم6، ولا اسم الجنس7 [المفرد] 8. [102/ب]
ويجوز أن يُندب الموصول إذا اشتهرت صلته، [كقوله] 1: (وَا مَنْ حَفَرَ بِئْرَ زَمْزَمَاهْ) 2. وألِفٌ [الندبة] 3 لا تلزم4 المندوب؛ فيجوز بناؤُه5 على الضّمّ جاريًا مجرَى غيره من الأعلام المناداة؛ فتقولُ: (وا6 محمّد) ؛ ويجوز7 تنوينُه للضّرورة8، كقول الرّاجز: وَا فَقْعسٌ وَأَيْنَ مِنِّي فَقْعَسُ! 9
وَحَذْفُ (يَا) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ ... كَقَوْلِهِمْ: رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي وَإِنْ تَقُلْ: يَا هَذِهِ أَوْ يَاذَا ... فَحَذْفُ (يَا) مُمْتَنِعٌ يَا هَذَا ويجوز حذف حرف النّداء اكتفاءً بتضمّن1 المنادى معنى الخِطاب إن لم [يكن] 2 مندوبا، أو مُضمَرًا، أو مستغاثا، أو اسم جنس، أو إِشارة3؛ لأنّ النّدبة تقتضي مدّ الصّوت.
وقد1 أتى مفرَدًا، ومُضافا؛ فمن المفرَد قولُه تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ 2؛ ومن المُضاف قولُه تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ 3.
والاستغاثة4 الباعث [عليها] 5 هو: شدّة الحاجة إلى الغوث والنُّصرة.
والمضمَر لو حُذف [منه] 6 حرف النّداء فاتت الدّلالة على النّداء؛ لأنّ الدّالّ عليه7 حرفُ النّداء، [وتضمّن المنادى معنى الخِطَاب] 8؛ فلو حذف9 من المنادى [المُضْمَر] 10 بقي الخطاب؛ وهو فيه غير صالح للدّلالة على إرادة النّداء11.
[103/أ]
و [أما] 1 اسم الجنس، واسم الإشارة فلا يُحذف منهما حرف النّداء2 إلاّ فيما ندر من [نحو] 3 قولهم: (أَصْبِحْ لَيْلُ) 4، وقوله
في الحديث: "ثَوْبِي حَجَرُ" 1 فحرف2 النّداء في اسم الجنس كالعِوَض من أداة التّعريف فحقُّه أن لا يُحذَف، كما لم تُحذف3 الأداة؛ واسم الإشارة في معنى اسم الجنس فجرى مجراه.
[و] 4 ممّا لا يُستعمَل5 فيه حرفُ النّداء قولُهم: (اللَّهُمَّ) ؛ وفي هذه الميم [قولان] 6: مذهب البصريّين7 أنّها حرف زِيْدَ عِوَضًا من (يا) ،
وليس مأخوذًا من فعلٍ.
وقال الفرّاء1: "الميمُ مأخوذٌ من (فعل) ؛ وأصلُه: يا الله أُمَّنَا منك بخيرٍ، أي: اقصدنا؛ فحُذفت الهمزة تخفيفا"2.
والقولُ الأوّل أوجه.