بَابُ الْعَدَدِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصَّائغ
- الكتاب
- اللمحة في شرح الملحة
- المؤلف
- محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
- المحقق
- إبراهيم بن سالم الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1424هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وَإِنْ نَطَقْتَ بِالْعُقُودِ فِي الْعَدَدْ ... فَانْظُرْ إِلَى الْمَعْدُودِ لُقِّيتَ الرَّشَدْ
فَأَثْبِتِ الْهَاءَ مَعَ الْمُذَكَّرِ ... وَاحْذِفْ مَعَ الْمُؤَنَّثِ الْمُشْتَهِرِ
تَقُولُ: لِيْ خَمْسَةُ أَثْوَابٍ جُدُدْ ... وَازْمُمْ لَهُ تِسْعًا مِنَ النُّوقِ وَقُدْ
فصل: [139/أ]
العدد له أربع مراتب؛ وهي: آحادٌ، وعشرات، ومئون1، وأُلوف.
والأصل: الأحاد؛ فيجب أن يقدّم الكلامُ عليها.
فالواحد والاثنان لا يُضافان، بل يُستعملان2 بانفرادهما3؛ لقوّة دلالتهما على المعنى، إلاّ في الضّرورة4 من الشّعر، كقوله:
................................... ... ظَرْفُ جِرَابٍ فِيْهِ ثِنْتَا حَنْظَلِ5
وإذا صرت1 إلى الثّلاثة لم يكن بُدّ من ذِكْر العدد والمعدود جميعًا.
والعددُ هو2: الاسم الأوّل، وينبغي أن يكون بتاء التّأنيث مع المذكّر، وبغير تاء التّأنيث مع المؤنّث، وكان كذلك؛ لأنّ الأعداد قبل تركيبها مؤنّثة، من نحو: (ثلاثة) و (أربعة) .
والمعدود نوعان: مذكّر، ومؤنّث؛ فيسبِق3 المذكّر بحكم الأصل، والتزم العلامة، ثم جاء المؤنّث فكان تركُ العلامة علامةً له.
وقيل4: كان حقّ هذه الأعداد أن تُستعمَل بالتّاء مطلَقًا؛ لأنّ مسمّاها جُموع، والجُموع غالبٌ عليها التّأنيث؛ لكن أرادوا5 التّفريق بين عدد المذكّر والمؤنّث فجاءوا بعدد المذكّر لكونه أصلاً بالتّاء6 على القياس، وبعدد المؤنّث بغير التّاء للتّفريق؛ فتقولُ مِن ذلك: (عندي ثلاثةُ أَعْبُدٍ، وخَمْسُ جَوَارٍ) بإضافته إلى جمع يُعلَم به المعدود.
وجميعُ هذا العدد يجري على هذا الحُكْم بوجوه الإعراب إلى العشرة، إلاّ لفظ (ثمان) إذا أُضيف إلى مؤنّث فإنّه يجري مجرى قاضٍ لنقصانه1؛ فتقول: (هذه ثمانيْ نسوة) و (رأيتُ ثمانيَ نسوة) و (مررت بثمانيْ نسوة) 2. [139/ب] وجميعُ هذا العدد لا يختلف ما قبل آخره إلاّ عشرة، فإنّ شِيْنَهُ تكونُ3 مفتوحة مع المذكّر، ومسكّنة4مع المؤنّث؛ تقولُ: ( [عندي] 5 عَشَرةُ رجالٍ، وعَشْرُ6 نِسَاءٍ) . وإذا أردتّ تعريف هذا العدد: أدخلتَ الألِف واللاّم على الاسم7 الثّاني؛ تقولُ: (هذه ثلاثة الأثواب) و (عشرة الدّراهم) تُعرّف8 الثّاني
بالأوّل على قياس1 (غلام الرّجل) 2، وعليه قولُ ذي الرُّمّة3: وَهَلْ يَرْجِعُ التَّسْلِيْمَ أَوْ يَكْشِفُ الْعَمَى ... ثَلاَثُ الأَثَافِي وَالدِّيَارُ البَلاَقِعُ4 والثّلاثة الأثواب5 مختَلفٌ فيه6.
وممتنع بلا خلاف قولُك: (الثّلاثة أثواب) ؛ لامتناع الغلام رجل في الإضافة1.
وَإِنْ ذَكَرْتَ الْعَدَدَ المُرَكَّبَا ... وَهْوَ الَّذِي اسْتَوْجَبَ أَلاَّ يُعْرَبَا
فَأَلْحِقِ الْهَاءَ مَعَ المُؤَنَّثِ ... بِآخِرِ الثَّانِي وَلاَ تَكْتَرِثِ
مِثَالُهُ: عِنْدِي ثَلاَثَ عَشْرَةْ ... جُمَانَةً مَنْظُومَةً وَدُرَّةْ
فصل: [140/أ]
هذه المرتبة الثّانية وهي العشَرات، وهذا هو المركّب من أحَد عشر إلى تسعة عشر.
وهو يخالِف ما قبله ويصير مبنيًّا بعد أنْ كان معربًا سوى (اثني عشر) .
وبناؤُه وتركيبُه لضربٍ من الاختصار والإيجاز، وإزالة اللّبس والإبهام؛ ألا ترى أنّ (أحدَ عَشَرَ) أخصرُ2 لفظًا من قولك: (واحد
وعشرة) ، وربّما ألبس قولُ القائل: (اشتريت هذا الثّوب بواحدٍ وعشرة) أنّه ابْتَاعَهُ بواحدٍ في زمان وبعشرة1 في زمان آخر؛ فلذلك2صار مركّبًا بعد أنْ كان معطوفًا.
ولَمّا كان مركّبًا تضمّن معنى حرف3 العطف، وبني على حركة لأصالته في التّمكّن، [واختصّ بالفتحة طلَبًا للخفّة] 4.
ومخالفة5 أُخرى وهي: أنّ (العشرة) بغير تاء مع المذكّر وبتاء مع المؤنّث خلافًا للعشرة في حال إضافتها؛ لأنّ الشّيء يكون له حكم في التّركيب يخالِف حكمه قبله؛ ألا ترى أنّ (لو) حرف معناه6 امتناع الشّيء لامتناع غيره؛ فإذا ركّبتَ7 معه (لا) صار معناه: امتناع الشّيء لوُجود غيره.
وكذلك (أحد عشر) لَمّا ركّبت8 تغيّرت كلمتاه؛ فـ (أحد) تغيّرت عن واحد، و (عشر) 9 تغيّرت عن عشرة؛ وكذلك10 المؤنّث.
والهمزة في (أَحَد) منقلبَة عن (واو) 1، وكذلك في (أحد وعشرين) ، وكذلك هي في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ 2 لأنّ المعنى في هذا كلّه معنىً واحد.
[140/ب]
وأتى به النّابِغة على الأصل3 فقال:
...................................... ... ......... عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ4
ويُجمع على (أفعال) فيقالُ: (آحاد) .
فإذا استُعملَت في النّفي من قولك: (ما بالدّار من أحد) فهمْزَتُهَا أصليّة غير مبدلة، ولا تُجمع5، ولا يجوز استعمالها في العدد، ولا في الواجب.
وقولُه: (كلّ أحدٍ في الدّار) هي الّتي تُستعمَل1 في العدد دون2 النّفي؛ [وأمّا قولُ الشّاعر:] 3
حَتَّى ظَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... إِلاَّ عَلَى أَحَدٍ لاَ يَعْرِفُ القَمَرَا4
فالأوّل: همزته أصليّة.
والثّاني: همزته مبدلة، كأنّه قال: إلاّ على واحد.
والهمزة في (إِحْدى) منقلبة عن واو مكسورة، [و] 5 وزنُها (فِعْلَى) ، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ 6.
وأمّا (اثنا7 عشر) فمعرب؛ لأنّ فيه حرف الإعراب، و (عشر) فيه
واقعة موقع النّون من (اثنين) ، ولم يقل أحدٌ أنّه مبنيّ إلاّ ابن دَرَسْتَوَيْه1 فإنّه كان يجعَله هو وأخواته مبنيًّا إلى تسعة عشر2.
وتقول في المؤنّث: (اثنتا عشرة جارية) فتجمع3 بين علامتي تأنيثٍ بلفظٍ واحد؛ لأنّ إحدى الكلمتين مبنيّة، والأخرى معربة فتباينا.
ومن (ثلاثة عشر) إلى (تسعة عشر) فالاسم جارٍ على قياسِ4 ما دون [141/أ] العشرة من ثبات التّاء مع المذكّر، وحذفها مع المؤنّث؛ وليس كذلك الاسم الثّاني لحدوث التّركيب؛ فتقول: (جاءني ثلاثة عشر رجلاً، وثلاث عشرة امرأة) فـ (الرّجل) منصوبٌ على التّمييز، والأصلُ فيه: أحد عشر من الرّجال.
وكذلك: (أحد وعشرون درهمًا) ؛ لأنّ ما قبله قد ثبت أنّه يفسّر بالجمع لا بالواحد، فكان هذا مثله.
ووُجوب نصبه لكون1 التّنوين متضمّنًا لعدد؛ والعامِل في نصبه ما تضمَّنَهُ معنى العدد من الإبهام المقتضي له، ووُجوب تنكيره لكونه2 فضلة كالحال.
وأمّا (العشرون) وما بعده من العُقود فإنّ المذكّر والمؤنّث فيه بلفظٍ واحد؛ وذلك لأنّ3 عشرين ليس بجمع لعشرة4؛ ودليلُ ذلك: فتح العين من عَشرة، وكسرها من عِشرين، والاعتماد على التّمييز في الفرق بين المذكّر والمؤنّث، وكسر عين عشرين لخُروجه عن الجمع السّالم؛ أو لأنّ العين في مقابَلة الهمزة من اثنين ثاني الواحد؛ فكُسرت العين لذلك، واستمرّ الحكم إلى التّسعين.
وإذا عرّفتَ هذا النّوع أدخلت الألِف واللاّم عليهما؛ فتقول: (رأيت الثّلاثة والعشرين رجلاً، والتّسع5 والتّسعين امرأة) 6.
وأمّا (مائة) فاسم مؤنّث يُستعمَل بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث كما استعملت العشرون؛ لأنّ (المائة) أخذَت شبَهًا من الآحاد من حيث كانت عشرة عشرات، كما أنّ العشرة عشرة آحاد.
[141/ب]
وشبَهًا من العُقود من1 حيث2 كانت اسمًا لهذا الجمع يشمَل المذكّر والمؤنّث؛ فلذلك خالفتْ الآحاد والعُقود.
فكلّ عددٍ مضافٍ إلى نفس المائة، والمائة مؤنّثة؛ فتقول1: (عندي ثلاثمائة ثوب، وخمسمائة ناقة) .
وإن أردتّ تعريف هذا النّوع أدخلت الألِف واللاّم على المضاف إليه؛ فتقول: (ما فَعَلَتْ مائةُ الدّراهِم) .
وعكس حكمها (الألف) مذكّرة؛ [و] 2 لذلك كان كلّ عدد يُضاف3 إليه بإثبات الهاء؛ فتقول4: (عندي ثلاثة آلاف امرأة، وثلاثة آلاف5 رجل) ، وكذلك الحكم إلى تسعمائة، وفي الألْف إلى عشرة الآف، (من) ساقطةٌ من أ. (حيث) ساقطةٌ من ب.
وهذا نهاية الأعداد، وما بعده يتكرّر1على الأُصول المتقدِّمة بالغاً ما بلغت، إلاَّ أنّ (الألف) يكون مضافًا إلى ما بيّنته من أنواعه؛ فتقول: (عندي أحد عشر ألف رجل) فـ (ألْف) منصوبٌ على التّمييز، وهو مضافٌ للتّبيين2، وكذلك: (عشرون ألف رجل) و (ألف ألف رجل) .
ومن تعريف العدد: أنّه كلّ إضافة قَصُرَتْ أو طالتْ فإنّك تعرِّف الاسم الآخر فَيَسْرِي تعريفُه إلى الاسم الأوّل؛ تقول: (ما فَعَلَت [مائة] 3 ألف4 الدّرهم5) فعلى هذا فَقِسْ.
[142/أ]
وَقَدْ تَنَاهَى الْقَوْلُ فِي الأَسْمَاءِ ... عَلَى اخْتِصَارٍ وَعَلَى اسْتِيْفَاءِ
يُشير بهذا البيت إلى تناهي كلامه فيما قصده من تعريف ما يلزم المتكلّم من مراعاةِ لفظه وإصلاحِه بما أصّله مشايِخُ هذا العلم من تتبُّع أوضاع ما نطقتْ به العرب واستعمَلَتْهُ في تفريع مفردات الكلِم وجُمل الكلام وأحكام ثَرَاء الكلمات.
وأكتفي بذكر الأسماء؛ لاندراج الأفعال تحتها؛ لامتناع وُجود فعلٍ إلاّ مع اسم ظاهرٍ أو مُضْمَرٍ، أي: إنّه قد شرح ذلك فقال بعده مُشيرًا إلى الفِعْل:
وَحُقَّ أَنْ1 نَشْرَحَ2......................................
وقال: (على اختصار) بمقتَضَى عدد أبياته3؛ وذلك لِمَا أَوْدَعَهَا بأبوابها مِنَ المعاني.
و (على استيفائه) لِمَا ذكره، لا لِمَا لمْ يذكره بهذا المختصر من التّصريف، والحِكاية، والوقف، والإِمالة، والإدغام.