بَابُ التَّوَابِعِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصَّائغ
- الكتاب
- اللمحة في شرح الملحة
- المؤلف
- محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
- المحقق
- إبراهيم بن سالم الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1424هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وَالْعَطْفُ وَالتَّأْكِيدُ1 أَيْضًا وَالبَدَلْ ... تَوَابِعٌ يُعْرَبْنَ إِعْرَابَ الأُوَلْ
وَهَكَذَا الْوَصْفُ إِذَا ضَاهَى الصِّفَهْ ... مَوْصُوفُهَا مُنَكَّرًا أَوْ مَعْرِفَهْ
تَقُولُ: خَلِّي الْمَزْحَ وَالمُجُونَا ... وَأَقْبَلَ الحُجَّاجُ أَجْمَعُونَا
وَامْرُرْ بِزَيْدٍ رَجُلٍ ظَرِيفِ ... وَاعْطِفْ عَلَى سَائِلِكَ الضَّعِيفِ
التّوابعُ خمسة؛ وهي:
التّأكيد، والبَدَل، والوصف، وعطف البيان، وعطف الحرف.
والتّابِع هو: المشارك ما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدّد2.
فـ (المشارك ما قبله) : يشمل التّابع وغيره.
[و] 3 قوله: (الحاصل والمتجدّد4) : يخرج خبر المبتدأ، والحال من المنصوب.
بَابُ] 1 حُرُوفِ العَطْفِ
وَأَحْرُفُ الْعَطْفِ جَمِيعًا عَشَرَهْ ... مَحْصُورَةٌ مَأْثُورَةٌ مُسَطَّرَهْ
الْوَاوُ وَالْفَاءُ وَثُمَّ لِلْمَهَلْ ... وَلاَ وَحَتَّى ثُمَّ أَوْ وَأَمْ وَبَلْ
وَبَعْدَهَا لَكِنْ وَإِمَّا إِنْ كُسِرْ ... وَجَاءَ لِلتَّخْيِيرِ فَافْهَمْ2 مَا ذُكِرْ
[116/ أ]
العطفُ؛ عطفُ3 النّسق [و] 4 هو: الجمعُ بين الشّيئين أو الأشياء في الإعراب والمعنى، أو الإعراب دون المعنى5.
ويُعرّف بأنّه: التّابعُ المتوسّط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف؛ وهي عشرة6:1
(الواو) و (الفاء) و (ثُمَّ) : وهذه الثّلاثة أخوات؛ لأنّها تَجمع بين الشيئين1 في الإعراب والمعنى.
و (أَوْ) و (إِمَّا) و (أَمْ) 2: وهذه أخوات؛ لأنّهنّ3 لأحد الشّيئين أو الأشياء.
و (بَلْ) و (لكن) 4: أُختان؛ لأنّ الاستدراك والإضراب يتقاربان.
و (لا) و (حتَّى) 1: منفردتان2؛ لاختلاف معناهما.
وأمّا معانيها:
فـ (الواو) معناه3: الجمع من غير ترتيب؛ فإنّك إذا قلتَ: (قَامَ زيدٌ وعمروٌ) احتمل ثلاثة4 معانٍ:
أن يكون كلّ منهما قد تقدّم قبل صاحبه، وأن يكونا5 فعلاه [116/ ب] معًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ 6.
و (الواو) في كلام العرب على ستّة أضرُب7:
(واوٌ جامعة عاطفة) ، و (واوٌ جامعة غير عاطفة) - وهي واوُ المفعول معه-،
و (واوُ قسم) ، و (واوُ رُبَّ) ، و (واو حالٍ) - وهي واو الابتداء، مثل: قام زيدٌ وهو ضاحك -، و (واوٌ تنصِبُ الفعل المستقبل) بإضمار (أَنِ) .
و (الفاء) معناها: التّرتيب من غير مُهلة1، خلاف (الواو) ؛ لمجيئها جوابًا للشّرط، مثل: (إِنْ تَقُمْ فأنا أقوم2 معك) ؛ فلا تقع3 إلاّ بعد القيام الأوّل.
وتقع متبعة عاطفة؛ مثل: (أكرمتُ زيدًا فَعَمْرًا) ؛ ومتبعة غير عاطفة في باب الشّرط والجزاء.
وتقع للسّبب، كقولك: (سَافَر فغنم) .
وتكونُ زائدة عند الأخفش4؛ لأنّه يُجيز5: (زيد فمنطلق) .
[و] 1 (ثُمَّ) معناها2 كمعنى (الفاء) ؛ إلاّ أنّ فيها مهلة3.
وقيل4: خُصّت بذلك لأنّها أكثر من حرفٍ فتراخى معناها كتراخي لفظها.
وقد تقع5 موقع الفاء، كقول الشّاعر:
كَهَزِّ الرُّدَيْنِيِّ تَحْتَ الْعَجَاجِ ... جَرَى فِي الأَنَابِيْبِ ثُمَّ اضْطَرَبْ6
و (أو) 7 معناه: [أنّه] 8 يعطف به في الطّلب والخبر؛
فإذا عُطف1 بها [في الطّلب] 2 كانت إمَّا للتّخيير في كلّ ما أصله الحظر3؛ نحو: (خُذ هذا أو ذاك) 4؛ وإمّا للإباحة فيما ليس أصله الحظر؛ [117/ أ] نحو: (جَالِس الحَسَنَ أو ابنَ سيرين) 5.
والفرق بينهما: أنّ التّخيير ينافي الجمع، والإباحة لا تأباه6.
وإذا عُطف بها في الخبر فهي:
إمّا للتّقسيم7، كقولك: (الكلمة اسمٌ8، أو فعلٌ، أو حرفٌ) .
وإمّا للإبهام على السَّامع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ 1، وكقولك: (قدم زيد راغبًا أو راهبًا) مع علم المتكلِّم كيف جاء.
وإمّا لشكّ [المتكلِّم] 2في ذي النّسبة3، كقولك: (جاءني فلانٌ أو فلان) .
أو للإضراب4، وهو كقوله تعالى: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ 5.
أو للجمع6، كقول الشّاعر:
جَاءَ الْخِلاَفَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ7
[و] 1 (إِمَّا) معناها كمعنى (أَوْ) في الأقسام الأربعة2؛ إِلاّ أنّها أقعد في المعنى من (أَوْ) ؛ مِن قِبَل أنّ الكلام من أوّل وَهْلَة يبنى على الشّكّ، أو للإباحة، أو للتّخيير3، مع (إِمّا) 4. ولا يُعطف بها إلاّ وهي مكرّرة، مثل: (قام [إمَّا] 5 زيد وإمّا عمرو) 6. وقد يُستغنى عن الثّانية بـ (إِلاّ) كقول الشّاعر: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِصِدْقٍ ... فَأَعْرِفَ مِنْكَ غَثِّي مِنْ سَمِيني وَإِلاَّ فَاطَّرِحْنِي وَاتَّخِذْنِي ... عَدُوَّاً أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي7 [117/ب]
[و] 1 (أَمْ) معناه: الاستفهام؛ وهي متّصلة، ومنفصلة منقطعة.
فالمتّصلة يجتمع فيها ثلاث شرائط:
تكون مع الألِف2 للاستفهام، وتكون مقدَّرة بـ (أي) ، ويكون جوابها معيّنًا؛ مثل: (أقام زيدٌ أَمْ3 عمرو؟) ، فالمعنى: أيُّهما قام؟، والجواب: التّعيين4.
ولو كان بدل (أم) (أو) في قولك (أو عمرو) لم يكن جوابها تعيين5شخص؛ وإنّما جوابها (نعم) أو (لا) ؛ لأنّها مقدّرة بمعنى الأحديّة؛ فكأنّه قال: أحدُهما قام.
وإنْ6 كانت بغير ألِف استفهام، أو بـ (هل) 7 فهي منقطعة
ولم تقتض تعيينًا، كقوله تعالى: ﴿لاَرَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ 1 فهذه مقدّرة2 بـ (بل) والهمزة؛ [و] 3 المعنى: بل أيقولون4.
وقول بعض العرب: (إِنَّهَا لإبلٌ أَمْ شَاء5) كأنّه قال: بَلْ أَهِيَ شَاء؛ وكأنّ الكلام الّذي بعدها قد انقطع ممّا قبلها؛ فلذلك سُمِّيت منقطعة.
وقد تُفيد6 الإضراب وحده، كقول الشّاعر:
عُوجُوا7 فَحَيُّوا أَيُّهَا السَّفْر ... أَمْ كَيْفَ يَنْطِقُ مَنْزِلٌ قَفْرُ8
أراد: بل كيف.
والمتّصلة ليستْ كذلك، بل ما قبلها وما بعدها لا يستغني [118/ أ] أحدُهما عن الآخر؛ لأنّهما مفردان تحقيقًا أو1 تقديرًا، و2 نسبة الحكم3 عند المتكلّم إليهما معًا، أو4 إلى أحدهما من غير تعيين.
[و] 5 (بَلْ) معناه: الإضراب بعد إيجاب6 أو نفي7؛ كقولك: (ما جاءني زيدٌ بل عمرو) 8 و (جاءني8 خالدٌ بل سعيد) 9، وتقول: (لا تضرب خالدًا بل بِشْرًا) فتقرّر نهيَ المخاطَب عن ضرب (خالد) ، وتأمُره10 بضرب (بِشر) .
[و] 1 (لَكِنْ) معناه: الاستدراك بعد النّفي خاصّة؛ كقولك: (ما جاءني زَيْدٌ لَكِنْ عمرٌو) ، [ولا يجوز: (جاءني زيدٌ لكن عمرو) ] 2؛ لأنَّ (لَكِنْ) مدخلة على حروف العطف، و (بل) أقعد منها؛ فلذلك جاز فيها الوجهان.
أو بعد النّهي، كقولك: (لاَ تَضْرِب زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا) .
وتدخُل الواو على (لَكِنْ) ، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ﴾ 3فتعرّى عن العطف4؛ لامتناع دُخول العاطِف على العاطِف.
[و] 5 (لاَ) معناه6 في العطف: إخراجُ الثّاني ممّا دخل فيه الأوّل.
ولا يُعطف7 بها إلاّ بعد إيجاب خلاف (لكن) ؛ تقولُ: (قامَ زيدٌ لا عمرو) ، ولا يجوز: (ما قام زيدٌ لا عمرو) 8.
والمراد: قصر الحكم على ما قبلها9، كاعتقاد إنسانٍ أنّ زيدًا
كاتب وشاعر، وهو مخطئ في اعتقاد1 كونه شاعرًا، وأردتّ أن تردّه إلى الصّواب [118/ ب] فقلتَ: (زيدٌ كاتبٌ لا شاعرٌ) .
وأَمّا (حَتّى) فمعناها: غاية في تعظيم شيء أو تحقيره؛ والمعطوف بها على شرطين2:
أن يكون قليلاً بعد كثير3، وجنسًا له.
وهو إما لارتفاع4، وإمّا لدناءة؛ فمعنى الارتفاع قولك5: (مات النّاسُ حتّى الأنبياء) ، ومعنى الدّناءة قولك: (قَدِمَ الحُجّاج حتّى الضُّعفاء) و (قام القومُ حتّى زيد) .
ولا يجوز: (قام زيدٌ حتّى عمرو) 6، ولا يُقال: (خرج القوم حتّى الحمار) ؛ لعدم الجنسيّة، ويجوز جميع7 ذلك في (الواو) .
وقد عُطِف1 بـ (حَتَّى) الأقوى والأضعف معًا في قول الشّاعر:
قَهَرْنَاكُمُ حَتَّى الكُمَاةَ فَكُلُّكُم ... يُحَاذِرُنَا حَتَّى بَنِينَا الأَصَاغِرَا2
وحكم هذه الحروف: أنّ جميعها تدخل3 الثّاني في إعراب4 الأوّل من رفع، ونصب، وجرّ، وجزم.
ومنها: أنّها يُعطف5بها جميع الأسماء بعضها على بعضٍ، على اختلاف أجناسها من مذكّرٍ على مؤنّث، ومؤنّثٍ على مذكّر، ومعرِفةٍ على نكِرة، ونكِرةٍ على معرِفة، وظاهرٍ على مُضمَر، ومُضمَرٍ على ظاهر، ومنصرِفٍ على غير منصرف، وغير منصرفٍ على منصرف.
وجميعُ حروف العطف إذا عطفت بها الاسم الظّاهر على المضمَر المجرور احتيج إلى إعادة حرف الجرّ مع الظّاهر، كقولك: (مررتُ بك وبزيد) 6. [119/أ]
وكذلك عطف المضمَر المجرور على الظّاهر، كقولك: (مررتُ بزيدٍ وبك) ؛ فإنْ عطفت بها على المضمَر المرفوع المتّصل بالأفعال لم يجز ذلك العطف إلا بعد تأكيد المضمَر المرفوع؛ مثل: (قمتُ أنا وزيد) و (زيدٌ قام هو وعمرو) ؛ لأنّ المضمَر المرفوع لَمّا اتّصل بالفعل اختلط به وصار كالجزء منه، فأتى بالتّأكيد إشعارًا بأنّ العطف على نفس الاسم المضمَر المرفوع.
وكذلك لو عطفت على مضمَر متّصل منصوب1لم يحتج إلى تأكيد؛ لأنّه لم يتنزّل مع ما قبله منزلة الجزء منه.
وحُروف العطف لا يجوز دخول بعضها على بعضٍ سوى (لا) و (لكن) و (إمّا) ؛ فإنّه يجوز دخول (الواو) عليهنّ؛ ويكون الحكم لـ (الواو) في العطف2، كقولك: (ما قام زيدٌ ولكن عمرو) فالعطف إنّما هو لـ (الواو) ، وإنّما دخلت (لكن) لمعناها3.
وكذلك: (قام إمّا زيدٌ وإمّا عمرو) فـ (الواوُ) هي العاطفة، ودُخول (إمّا) لمعناها1، وليست (إمّا) الأولى ولا الثّانية ههنا من حروف العطف2.
وكذلك: (ما قام زيدٌ ولا عمرو) فـ (الواو) [119/ ب] عاطفة، و (لا) مؤكِّدة للنّفي.
وَالْعَطْفُ قَدْ يَدْخُلُ فِي الأَفْعَالِ ... كَقَوْلِهِمْ: ثِبْ وَاسْمُ في الْمَعَالِي3
إذا عطفتَ فعلاً على فعل وَجَبَ أن يكون من نوع المعطوف عليه؛ كقولك: (قَامَ وقَعَدَ) و (قُمْ واقْعُدْ) و (زيدٌ يَصُومُ ويُصلِّي) و (لَمْ يتَّكِل ولم يَغْفُل) و (لن يبخل ولن يجبُن) ؛ [و] 4 هذا حكمه في المبنيّ والمعرب.
فَصْلُ [التَّوْكِيدِ] :
1
التَّوكيد: ويقال فيه: تأكيد، كما يقال في فعله: أكّدتّ، ووكّدتّ.
والتّأكيد هو: تمكين معنى القول عند السّامع.
وهو قسمان: لفظيٌّ ومعنويّ.
فـ (اللّفظيّ) : إعادة المؤكِّد بلفظه، كقولك: (واللهِ إِنِّي ضعيفٌ إنّي ضعيف) ؛ وهذا يكون في الأسماء، والأفعال، والحُروف، والمفردات، والجُمل.
و (المعنويّ) : هو إعادة الشّيء المؤكَّد بما يدلّ على معناه.
وله تسعة ألفاظٍ؛ وهي:
نفسه، [وعينه] 2، وكلّه، وكلاهما، وكلتاهما، وأجمع، وأجمعون، وجَمْعَاء، [وجُمَع] 3.
فـ (النّفس) و (العين) : مقدَّمان على (كُلّ) 4؛ لأنّهما اسمان،
ولم يوضعا للتّأكيد1 في الأصل، في مثل: (طابت نفسه) [120/ أ]
و (صحّت عينُه) فهما مضافان إلى ضمير المؤكّد، مطابِقًا له في الإفراد، والتّذكير، وفروعهما؛ تقولُ: (جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ) فترفع بذكر (النّفس) احتمالَ كون الجائي رسول زيد أو خبره؛ وكذلك إذا قلت: (لقيتُ زيدًا عَيْنَه) .
ولفظهما في تأكيد المؤنّث كلفظهما في تأكيد2 المذكّر؛ تقول: (جاءت هندٌ نفسها) و (رأيتها عينها) .
وأمّا في توكيد الجمع فيُجمعان على (أَفْعُل) ؛ تقول: (جاء الزّيدون3 أنفسُهُم) و (كلّمت الهندات أعيُنهنّ) 4.
وكذا في توكيد المثنّى على المختار، تقول: (جاءَ الزّيدان أنفسُهما) و (لقيتُهما أعيُنهما) ؛ ويجوز فيهما الإفراد والتّثنية5.
وكذا6 كلّ مثنّى7 في المعنى مضاف إلى متضمّنه، يُختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد8، ولفظ الإفراد على لفظ التّثنية، ومن ذلك9 قولُ الشّاعر:
حَمَامَةَ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ تَرَنَّمِي ... سَقَاكِ مِنَ الْغُرِّ الغَوَادِي مَطِيرُهَا1
و (كُلٌّ) 2: مقدَّمٌ على (أَجْمَع) ؛ لأنّ (كلاًّ) يُستعمل تأكيدًا، و3 يُستعمل اسمًا غير تأكيد، ويؤكَّد4به غير المثنّى ممّا له أجزاء يصحّ وُقوع بعضها موقعه، كقولك: (جاء الجيش كلّه) و (القبيلة كلّها) و (القومُ كلّهم) و (النّساء كلّهنّ) فامتنع كونُ [120/ ب] الجائي بعض المذكور.
و (كِلاَ) و (كِلْتَا) : يؤكَّد بهما المثنّى؛ نحو: (جاء الزّيدان كلاهُما) (الهندان5 كلتاهما) .
وأمّا (أَكْتَعون، أبصعون6، كُتَع، بُصَع، [أَكْتَع، أَبْصَع] 7،
كَتْعَاء، بَصْعَاء) فكلُّها اتباع لـ (أجمع) لا تُستعمَل1 إلاّ معه؛ هذا كلُّه تأكيد معنويّ.
والغرض به: تمكينُ2 المعنى في نفس3 المخاطَب، وإزالة الشّكّ؛ فعلى هذا تقولُ: قام القوم أنفسُهم أعينهم [كلُّهم] 4 أجمعون أكتعون أبصعون5؛ وتقولُ: جاء الجيشُ كلّه أجمع أكتع أبصع، والقبيلة كلّها جمعاء كتعاء بصعاء، والهنداتُ كلّهنّ جُمَع كُتَع بُصع.
ولا يحسُن: (قام القوم [كلُّهم] 6 أنفسهم أعيُنهم) أو (أجمعُهم كلّهم) 7.
وجميعُ هذه يؤكّد بها ما يتبعّض، إلاّ النّفس والعين فإنّه يؤكَّدُ بهما ما يتبعّض وما لا يتبعّض؛ لأنّهما موضوعان لتحقيق الشّيء لا للإحاطة والعُموم.
وجميعُ هذه الأسماء لا يجوز أن تُقطع عن1 إعراب ما قبلها كما يفعل2 بالنّعت؛ لأنّه ليس فيها معنى مدح3 ولا ذمّ.
وشَذَّ قولُ بَعْضِهِم4: "أَجْمَعُ أَبْصَعُ"5، وربّما أُكِّدَ بـ (أكتع) 6 [و] (أبصع) غير مسبوقين بـ (أجمع) ، ومنه قولُ الرّاجِز:
يَا لَيْتَنِي كُنْتُ صَبِيًّا مُرْضَعَا ... تَحْمِلُنِي الذَّلْفَاءُ7 حَوْلاً أَكْتَعَا
إِذَا بَكَيْتُ قَبَّلَتْنِي أَرْبَعَا ... وَلاَ أَزَالُ الدَّهْرَ أَبْكِي أَجْمَعَا8
[121/ أ]
ففي هذا1 الرّجز إفرادُ (أَكْتَع) عن (أَجْمَع) ، وتوكيد النّكرة المحدودة، والتّوكيد بـ (أَجْمَع) غير مَسْبُوقٍ بـ (كلّ) .
والكوفيّون2 يجيزون توكيد النّكرة المحدودة كـ (يوم) و (ليلة) و (شهر) و (حول) مِمَّا3 يَدُلُّ على مُدَّةٍ مَعْلومةٍ4.
فإنْ كانت غير محدودة فلا يجيزون توكيدها كـ (حين) و (وقت) و (زمان) ؛ لأنَّه لا فائدة في توكيدها. ومنع البصريّون توكيدها محدودة5.
وقولُ الكوفيّين أَوْلَى بالصّواب6؛ فَإنَّ مَنْ قال: (صُمْتُ شَهْرًا)
قد يُريد جميع الشّهر، و [قد] 1 يريد أكثره2.
فإذَا قال: (صمتُ شهرًا كلّه) ارتفع الاحتمال، فصار كلامه نصًّا3.
ولو لم يُسْمَع من العرب ذلك لكان جائزًا، لِمَا فيه من الفائدة، فكيف واستعمالُه ثابتٌ - كما تقدّم -4، وكقول الآخر:
................................... ... قَدْ صَرَّتِ5 الْبَكْرَةُ يَوْمًا أَجْمَعَا6
وكقول الآخر: لَكِنَّهُ شَاقَهُ أَنْ قِيلَ ذَا رَجَبُ ... يَا لَيْتَ عِدَّةَ شَهْرٍ1كُلِّهِ رَجَبُ2 والتّوكيدُ اللّفظيّ هو: تكرارُ معنى المؤكّد بإعادة لفظه؛ خوفًا من النّسيان، [121/ ب] أو عدم الإصغاء3.
وأكثرُ ما يجيء مؤكِّدًا لجُملة1، كقول الشّاعر:
أَيَا مَنْ لَسْتُ أَقْلاَهُ ... وَلاَ فِي الْبُعْدِ أَنْسَاهُ
لَكَ اللَّهُ عَلَى ذَاكَ ... لَكَ اللَّهُ لَكَ اللَّهُ2
وكثيرًا ما تقترن الجملة المؤكِّدة3بعاطِف، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ.
[ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ] 4﴾ 5، وكقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى.
ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ 6.
والمثنّى يؤكَّدُ بـ (كِلاَ) و (كِلْتَا) ، كقولك: (لَقيتُ7 الأميرين8
كليهما1) و (دخلتُ الجنّتين كلتيهما) ، وليس الألِفان ألفيْ2 تثنية3، بل صيغ لفظُهما لتأكيد4 المثنّى؛ [وهما عند البصريّين5اسمان مفردان أُضيفا إلى مثنّى] 6، والدّليل على إفرادهما قولُه تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ 7 ولم يقل: (آتتا) فإِفراد الخبر عنهما دليلٌ على أنّها مفردة.
ويؤكّد بضمير الرّفع المنفصل الضّمير المستتر، كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ 8.
والضّمير المتّصل9؛ مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا، نحو: (فَعَلْتَ أَنْتَ) و (رَأَيْتَنِي أَنَا) و (مَرَرْتُ بِهِ هُوَ) .
فَصْلُ [البَدَلِ] :
1
البَدَلُ1 هو2: إِعلامُ السّامع بمجموعي الاسمين3 على جهة البيان من غير أن ينوى بالأوّل منهما4 الطّرح5.
و6 أقسامُه أربعة: 1ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السّياق.
الأوّل: بدل كُلّ من كُلّ؛ كقولك: (هذا زيدٌ أخوكَ) ، وكقوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللهِ﴾ 1. [122/ أ] والثّاني: بدل بعض من كلّ؛ كقولك: (هذا زيدٌ وجهه) ، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ 2. والثّالث: بدل الاشتمال3؛ كقولك4: (أعجبني زيدٌ عقلُه) ، وكقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ 5 [أي: عن قتالٍ في الشّهر الحرام] 6. والرّابع: بدل الغلط والنّسيان7؛ ولا يقع شيءٌ من ذلك في القرآن،
ولا في الشّعر، ولا في فصيح الكلام؛ كقولك: (هذا زيدٌ عمرو) [و] 1 سبق اللّسان على وجه الغلط إلى ذكر زيد.
وأحكام البدل: أنَّ جميعه يجري على ما قبله في إعرابه؛ لأنَّه في البيان كالنّعت.
ومنها: أنّه يجوزُ في بدل الكُلّ ثمانية أشياء2:
بدل معرفة من معرفة:؛ كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ.
صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ 3.
وبدل نكرة من نكرة:؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابَا﴾ 4.
وبدل نكرة من معرفة:؛ فلا تبدّل النّكرة من المعرفة إلاّ إذا كانت موصوفة1؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ.
نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ 2.
وكقول الشّاعر:
................................... ... وَقَفْتُ بِالدَّارِ دَارٍ أُنْسُهَا بَانَا3
[122/ ب]
وبدل معرفة من نكرة:؛ كقوله [تعالى] 1: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ.
صِرَاطِ اللهِ﴾ 2، ولا تلزم3 النّكرة ههنا الصّفة.
وبدل ظاهر من ظاهر: - وهو كما تقدّم -.
وبدل مضمَر من مضمَر:؛ كقولك: (قصدتُّكَ إيَّاكَ) 4؛ لأنّهم لا يجيزون: (ضربتُني) ، ويُجيزون: (إيّاي) بجريان الضّمير المنفصل5 مجرى الأجنبيّ6.
وبدل ظاهر من مُضمَر:؛ مثل: (مررت به المسكين) ويجوز رفع (المسكين) ولا يكون بدلاً؛ [و] 7من ذلك قولُه تعالى: {وَمَا أَنْسَانِيْهُ إِلاَّ
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} 1 فـ ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ في موضع نصب بدلاً2 من الهاء.
وبدل مضمَر من ظاهر: 3؛ كقولك: (أكرمتُ زيدًا إيّاه) .
فهذا كلّه جائز في [بدل] 4 الكلّ من الكلّ، وكذلك جائزٌ في بدل البعض، وبدل الاشتمال، إلاّ مضمَرًا من ظاهر، ومضمَرًا من مضمَر5.
وجميع المعارِف يجوز [أن يبدل] 6منها إلاّ ضمير المتكلّم والمخاطب؛ لأنّهما على غاية من الوُضوح، فلا يحتاجان إلى بيان بدل7.
وبين بدل البعض وبدل الاشتمال شبه ما؛ والفرق بينهما1:
أنّ غالب بدل الاشتمال أن يكون بالمصادر، كـ (العقل) و (النّبل) و (الجود) [123/ أ]
وما أشبه ذلك؛ وبدل البعض بأسماء الأجناس الجوامد، كـ (اليد) و (الرّجل) وما أشبهه2.
وأمّا بدل الغلط فلا يُقاس عليه؛ لأنّه يقع على غير قصد، والأولى في مثل هذا إذا وقع في كلام الإنسان أن يأتي بـ (بل) ؛ ليُعلم أنّه غالط.
والأفعال يبدل بعضها من بعض3 إذا كان في الفعل4 الثّاني معنىً من الأوَّل؛ كقولك: (من يأتني يمشي5 أكلّمْه) و (ومن يتّق الله يطلب رِضاه أعظّمْه) ؛
ومن ذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ﴾ 1 فـ ﴿يُضَاعَفْ﴾ بدلٌ2 من ﴿يَلْقَ﴾ ؛ ولذلك3 جُزِمَ.
وقولُ الرّاجز:
إِنَّ عَليَّ اللهَ4 أَنْ تُبَايِعَا5 ... تُؤْخَذَ6 كَرْهًَا أَوْ تَجِيءَ7 طَائِعَا8
فأبدل (تؤخذ) من (تُبَايِعا) .
ومن الأسماء ما يجوز حمله [تارةً] 1على التّأكيد، وتارةً على البدل، مثل: (ضُرِبَ زيد اليد والرجل) فجعله تأكيدًا من جهة الحصر والعُموم؛ وجعله بدلاً من جهة تفصيل البعض؛ تقول: (مُطرنا السَّهْلَ والجَبَلَ) ، [والسَّهْلُ والجَبَلُ] 2 فالرّفعُ على البدل تقديرُه: مُطِرَتْ أرضُنا سهلُها وجبلُها، والنّصبُ عند قومٍ على الظّرف، أو على حذف حرف الجرّ عند آخرين3.
وممّا أنشد من البدل [قولُه] 4: [123/ ب]
وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحِيْحَةٍ ... وَأُخْرَى رَمَى فِيْهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ5
شاهدٌ على إبدال النّكرة من النّكرة؛ وقد يجوز الرّفع على تقدير: (ومنهما رجل) أو (إحداهما1 رجل) ؛ وأمّا بيتُ الأعشى: لَقَدْ كَانَ فِي حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتَهُ ... تَقَضِّي لُبَانَاتٍ وَيَسْأَمَ سَائِمُ2 فشاهدٌ على بدل الاشتمال؛ لأنّ (الثّواء) : الإقامة في الحول3، وهو مشتمل عليه؛ و (تَقَضِّي لُبَاناتٍ) اسم كان، فتَنصب4 (يسأمَ) بإضمار (أن) وترفعه5؛ فاسم6 كان على هذه الرّواية ضمير شأن
وقصّة، مضمَر1 في كان لا يظهر؛ و (تُقَضَّى لُبانات) جملةٌ في موضع نصب خبرًا لكان، و (يَسْأَمُ) فعل مرفوع معطوفٌ على مثله، و (في) متعلّقة بـ (تُقَضَّى) .
فَصْلُ] النَّعْتِ
الغرض من النّعت1: تخصيص نكرة، أو إزالة اشتراك عارض في معرفة، أو ثناء، أو مدح، أو ذمّ وهجاء.
فالنّعتُ هو: وصف المنعوت بمعنىً فيه2، أو في شيء من سببه3بالمشتقّات، أو ما ينزّل4منزلة المشتقّات.
فالمشتقّات أسماء الفاعلين والمفعولين5، نحو: (هذا الرّجل الضّارب) و (الرّجل المضروب) 6. [124/أ]
والمنزّل منزلة المشتقّ قولُك: (هذا ثوب خمسون ذراعًا) يقع موقع (طويل) 7.
والنّعتُ تابعٌ للمنعوت1 في عشرة2 أشياء:
في رفعه، ونصبه، وجرّه، وتعريفه، وتنكيره، وإفراده، وتثنيته، وجمعه، وتذكيره، وتأنيثه.
[و] 3 لا يختلف شيءٌ من ذلك من قبَل أن النّعت والمنعوت كالشّيء الواحد.
والأسماء منها4: ما لا يوصف ولا يوصف به؛ وهي المضمَرات5كلّها6؛ لأنّها قد أشبهت الحروف ولم تُضمر إلاّ وقد عُرِفَتْ؛