بَابُ التَّثْنِيَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الصَّائغ
- الكتاب
- اللمحة في شرح الملحة
- المؤلف
- محمد بن حسن بن سِباع بن أبي بكر الجذامي، أبو عبد الله، شمس الدين، المعروف بابن الصائغ (المتوفى: 720هـ)
- المحقق
- إبراهيم بن سالم الصاعدي
- الناشر
- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الأولى، 1424هـ/2004م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وَرَفْعُ مَنْ1ثَنَّيْتَهُ بِالأَلِفِ ... كَقَوْلِكَ: الزَّيْدَانِ كَانَا مَأْلَفِي
التَّثْنِيَةُ: ضَمُّ الشّيء إلى مِثْلهِ.
والغرض بها: الاختصارُ، وحُسْنُ التّركيبِ.
وأصلُها: العطفُ؛ ويدلُّ على ذلك قولُ الرّاجز:
لَيْثٌ وَلَيْثٌ فِي مَحَلٍّ ضَنْكِ2 ... ................................
[20/أ] وقال غيرُه:
كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ3 ... ............................
أراد بينَ فَكَّيْهَا، فلم يستقم له الوزن فعاد إلى الأصل.
والتّثنيةُ على ثلاثةِ أضرُبٍ1:
تثنية في اللّفظ والمعنى؛ وعليه أكثرُ الكلام.
وتثنية في اللفظ دون المعنى؛ وذلك على حُكم التّغْلِيْبِ؛ وهو قليلٌ، كـ (العُمَرَين) 2 و (القَمَرين) 3و (الأَبوَين) 4. = فَارةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في سُكِّ يُنسب إلى منظور بن مرثد الأسديّ، كما يُنسب إلى رُؤْبَة.
و (الفكّ) : اللَّحْي، وهو: عظم الحنك، وهو الذي عليه الأسنان، وهو من الإنسان حيث ينبُت الشعر.
و (فارة المسك) هي: نافجة المسك - أي: وعاؤه - و (ذُبِحَتْ) أي: شقّت وَفُتِقَتْ.
و (السُّكُّ) : ضربٌ من الطِّيْب.
والمعنى: أنّ الشّاعر يصف امرأة بطيب الفم؛ يريد: أنّ ريح المسك يخرُج من فيها.
والشّاهد فيه: (بين فكّها والفكّ) يريد: بين فكَّيْها، لكنّه أتى بالمتعاطفين للضّرورة.
يُنظر هذا البيت في: إصلاح المنطق 7، وأمالي ابن الشّجريّ 1/14، وأسرار العربيّة 47، وكشف المشكِل 1/257، وشرح المفصّل 4/138، وشرح الجمل 1/137، وشرح التّسهيل 1/68، والبسيط 1/200، والخزانة 7/468، وملحقات ديوان رُؤبة 193.
وتثنية في المعنى دون اللّفظ؛ وهو لِمَا كان في الجَسَدِ منه شيءٌ واحدٌ، وأُريْدَ تثنيتُه وهو مضافٌ إلى مثنّى، فهو يكونُ بلفظ الجمع، مثل: (أعجبني وجُوهُكُمَا) و (سَرَّني طيبةُ قُلُوبِكُمَا) ، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ 1.
ويشترك في التّثنية: المُذكّر والمؤنّث، والمنكّر والمعرَّف، ومَن يَعْقِل ومن لا يَعْقِل2.
والألفُ في قولك: (الزّيدان) تدلّ على ثلاثة أشياء3:
أَحَدها: أنّها حَرْفُ الإعْرَابِ.
الثّاني: علامة الرّفع.
الثّالث: الدَّالُّ على التّثنية.
وحرف إعراب المفرَد يُفْتَحُ1قبل دخول الألف أو الياء؛ ولهذا يَثْبُتُ بالاسم المنقوص؛ وذلك لخفّة الفتحة.
[20/ب]
وَنَصْبُهُ وَجَرُّهُ بِالْيَاءِ ... بِغَيْرِ إِشْكَالٍ وَلاَ مِرَاءِ
تَقُولُ: زَيْدٌ لاَبِسٌ بُرْدَيْنِ ... وَخَالِدٌ مُنْطَلِقُ الْيَدَيْنِ
اعلم أَنَّ المنصوب هو أخو المجرور مِنْ وجُوهٍ2:
أَحَدُهَا: أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما فَضْلةٌ في وُرُوْده.
والثّاني: أَنَّ المجرور مفعولٌ لَكنَّهُ لم يُؤَثِّر3فكأنّ حرفَ الجرِّ بَعضٌ من الفعل لتعدِّيه إليه؛ فالمجرور مفعولٌ في المعنى4.
الثّالِث: اتفاقهما في حركة البناء إذا كانا ضميرين، كقولك: (قصدتُّكَ) و (وثقتُ بِكَ) و (قصدتُّه) و (شكرتُ له) ؛ فلهذا اشترك المنصوب والمجرور في هذا الباب؛ وفي الجمع السّالم في الإعراب بالياء.
وهذه الياء لَمَّا كان المثنّى مرفوعًا بقرار الألف، ثم دخل عليه عاملُ جرٍّ لمقتضى المعنى؛ فقلبت الألف ياءً للمناسبة، فلم يبق إلاَّ حمل النّصب على الرّفع أو على الجرّ؛ فكان حمله على الجرِّ أَوْلى لِمَا تقدَّم من المُمَاثَلةِ1.
فالياء: حَرْفُ الإعراب، وعلامةُ التّثنية، وعلامةُ الجرِّ أو النَّصْبِ.
والنّون: دخلت المثنّى عِوَضًا من الحركات والتّنوين2،وكُسِرَتْ على الأصل في التقاء السّاكنَيْن3، وحَكَى [21/أ] الفرّاءُ4 فتحها5،
وقال:"هي لغة بعض العرب"1، وأَنْشَدَ: عَلَى أَحْوَذِيَّيْنَ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ... فَمَا هِيَ إِلاَّ لَمْحَةٌ وَتَغِيْبُ2 ويسلم في التّثنية نظم الواحد، إلاَّ اسمُ الإشارةِ والملحق بهِ، وهو (الّذي) وفروعه3،فتقول فيهما: (هذانِ) و (اللّذانِ) و (اللّتانِ) ، وفي
الجرِّ: (مررت بهذينِ) و (اللّذين) و (اللّتينِ) ، وقيل: إنَّ هذه صيغة التّخفيف1 بالتّثنية.
والمنقوص، كـ (الشّجيّ) تثبت ياؤه في التّثنية، وليس هو كـ (الّذي) ؛ وذلك لأنَّ (ياءه) تتحرّكُ في حال النّصب، و (ياء الّذي) لا تتحرّك بِوَجْهٍ؛ فَجَرَى لذلك مَجْرَى الصَّحيح.
والمقصور إن كانت أَلِفُهُ رابعةً فصاعدًا قُلِبَتْ (ياءً) في التّثنية، فتقول في تثنية (موسى) و (سُعدى) في الرفع: موسيان، وسعديان، وفي (مصطفى) : مصطفيان.
فإنْ كانت ألِفُه ثالثةً رَدَدْتَهَا إلى أصلها واوًا أو ياءً؛ والطّريق في2 ذلك: أن تنظر في تصريف الكلمة، فإنْ وَجَدْتَ الواوَ في بعض تصاريفها فهي من ذوات الواو، وإِنْ وَجَدْتَ الياءَ فهي من ذوات الياء؛ فتقول في تثنية (قَفًَا) و (عَصًَا) : قَفَوان، وعَصَوان؛ لأنّهما من (قَفَوت) و (عصوت) .
وتقول في تثنية (هُدًى) و (رَحَىً) هُدَيَانِ، ورَحَيَانِ؛ لأنّهما من (هَدَيْتُ) و (رَحَيْتُ) .
وإن ثنّيتَ الممدودَ أَبدلت1همزتَهُ واوًا فيما لا ينصرف، وأقررتها فيما ينصرف؛ فتقول في تثنية (حمراء) و (حسناء) : حمراوان، وحسناوان، وفي تثنية (سماء) و (كساء) : سماءان، وكساءان؛ وقد ورد إبدالهما واوًا2، والأوّل أفصح3.
[21/ب] ويلتحق4 الأَلِفُ واللاّم بأوّل المثنّى إذا [كان] 5 عَلَمًا جَبْراً5 لِمَا حَصَل له من التّنكير بالتّثنية6.
وَتَلْحَقُ النُّونُ بِمَا قَدْ ثُنِّيَ مِنَ المَفَارِيْدِ لِجَبْرِ الْوَهْنِ
هذه النّونُ بها جَبْرٌ لِمَا حَصَلَ للمفرديْن7من الضّعف؛ لسقوط الحركتين والتّنوين لفظًا أو تقديرًا.
وهذه النّونُ تُفارِقُ التّنوين في أَنّ حركتها لازِمةٌ، وأنها تثبتُ في الوقف، [و] 9 مع الألِف واللاّم8.
[بَابُ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ] 1:
وَكُلُّ جَمْعٍ صَحَّ فِيْهِ وَاحِدُهْ ... ثُمَّ أَتَى بَعْدَ التَّنَاهِي زَائِدُهْ
فَرَفْعُهُ بِالْوَاوِ وَالنُّونُ تَبَعْ ... مِثْلُ: شَجَانِي الْخَاطِبُونَ فِي الْجُمَعْ
[22/أ]
الجمع هو: ضَمُّ الشّيء إلى أَكثرَ مِنْهُ.
وهو ينقسم إلى جمع صِحَّة، وإلى جمع تكسير.
فجمع الصّحّة: ما سَلِمَ فيه نظمُ الواحد وبناؤه.
وجمع التّكسير: ما تغيّر فيه نظمُ الواحد وبناؤه.
وإعرابه بالحروف على حكم ما تقدّم، ورفعه بالواو مضموماً ما قَبْلَهُ.
فالواو علامة رفعه، وعلامة جمع الصّحّة، وحرف الإعراب؛ وكذلك الياء.
وحكم النّون التّابع الواو والياء حكم نون التّثنية.
وهذا الجمع من شرطه2:
أَنْ يكون مذكّرًا، علَمًا، عاقلاً، عاريًا من تاء التّأنيث وألف التّأنيث.
وَنَصْبُهُ وَجَرُّهُ بِالْيَاءِ ... عِنْدَ جَمِيْعِ الْعَرَبِ الْعَرْبَاءِ تَقُولُ: حَيَّ النَّازِلِيْنَ فِي مِنَى ... وَسَلْ عَنِ الزَّيْدِينَ هَلْ كَانُوا هُنَا قوله:"عند جميع العرب"أي: إنَّ إعرابه على هذا الحكم لم يقع فيه خُلْفٌ كما اختُلِفَ في إعراب المثنّى؛ فجعله بعضُهم1بالألِف في جميع أحواله، وعليه حمل بعضُهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ 2، ومنه [22/ ب] قول المُتَلَمِّس3: فَأَطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجَاعِ وَلَوْ رَأى ... مَسَاغًا لِنَابَاهُ الشُّجَاعُ لَصَمَّمَا4
بل اتُّفِقَ على إعرابه كما1 تقدَّم [عند] 2جميع العرب، وكان الإعرابُ فيه بالانقلاب؛ لامتناع ظهور الحركات على الواو المضموم ما قبلها؛ فاستقرّت الواو في الرّفع؛ فإذا دخل [عليه] 3عامل الجرّ قُلِبَت ياءً للمناسبة، وكُسِرَ3ما قبلها لئلاّ يلتبس الجمع بالمثنّى في بعض الصُّور، وحُمِلَ النّصب على الجرّ-كما مَرَّ في (باب التّثنية) 4.
والتحاق النّون عِوَضًا - كما تقدّم - عن الحركة والتّنوين؛ ولذلك: تسقط في الإضافة كسقوط التّنوين، وتثبُتُ5 مع الألِف واللاّم؛ = و (الشّجاع) : الحيّة الذّكر.
و (المساغ) : مفعلٌ مِنْ ساغ يسوغ؛ وأصل معناه: سهولة مدخل الشّراب في الحلْق.
و (صمّم) : عضّ ونيّب، فلم يُرسل ما عضّ.
والشّاهد فيه: (لناباه) حيث جاء بالمثنّى بالألِف في حالة الجرّ، وذلك على لغة بلحارث بن كعب، فإنّهم يلزمون المثنّى الألِف في جميع حالاته.
يُنظر هذا البيتُ في: الأصمعيّات 246- وفيه (لنابيه) بدل (لناباه) ولا شاهد فيه على هذه الرّواية-، ومعاني القرآن للفرّاء 2/184، وسرّ صناعة الإعراب 2/704، وشرح المفصّل 3/128، والحماسة البصريّة 1/137 - وفيه (لنابيه) بدل (لناباه) ولا شاهد فيه على هذه الرّواية-، وشرح التّسهيل 1/63، والأشمونيّ 1/79، والدّيوان 34 - وفيه (لنابيه) بدل (لناباه) ولا شاهد فيه على هذه الرّواية.
لكونها1 بدلاً من الحركة، وفتح النّون تخفيف.
وأَوْجَبَ الرّفع - ههنا2بالواو، وفي المثنّى بالألِف - قِلّةُ هذا الجمع بما شُرط فيه؛ فاختصَّ بالواو لِقِلّته، وكثرة ما يُثنّى [بالألِف3] [لِخَفّة] 4 الألِف؛ وكان ذلك تَعْدِيلاً.
فالواو والنّون، أو الياء والنّون المكسور ما قبلها؛ لا يدلاّن إلاَّ على جمع5الصّحّة، ولا يوصَف بهما إلاَّ مَن يعقِل، كقولك: (الزّيدون) [و] 6 (السّابقون) .
[23/أ] فإنْ وصفت ما لا يعقل أتيتَ7بالألِف والتّاء، فتقول من ذلك: (نَخْلٌ باسِقات) و (خَيْلٌ سابقات) .
فإنْ أتى8ما لا يعقل موصوفًا بالواو والنّون؛ فذلك9 لِمُنَاسَبَةٍ، أو تنزيل منزلة من يعقِل، كقوله تعالى إخبارًا عن السّماء والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ 10، فَنُزِّلا لوصفهما بالقول منزلة من يَعْقِل؛ ومثله
قوله تعالى حكايةً عن النّملة: ﴿ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ 1، وكذلك: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِيْنَ﴾ 2.
فساغ ذلك تغليبًا بالوصف بمن يعقل.
أو تغليبًا لمجاوَرةٍ، كقولك: (الفَرَسُ والجَمَلُ وعمرٌو ذاهبون) و (هندٌ وسعادٌ وزيدٌ منطلِقون) .أو تشبيهًا من جهة اللّفظ3، كـ (عشرين) إلى (تسعين) ؛ وهذا من أسماء الجموع.
و (أَرضون) 4 و (سنون) 5 وما جاء مِن ذلك ممّا
حُذِف هَاؤه1، فيجمع بالواو والنّون تعويضًا2.
فإنْ جمعت اسمًا مقصورًا3فإنّك تفتح ما قبل علامة الجمع؛ ليدلّ على الألِف المحذوفة، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ﴾ 4، وفي جمع المصطفى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ 5.
وكذلك ياء المنقوص تُحذف في هذا الجمع، كقولهم في الرّفع: (القاضون) ، وفي الجرّ والنّصب: (القاضين) ؛ [23/ب] وحذفها لامتناع دخول الضّمّة والكسرة على هذه6 الياء.
وَنُوْنُهُ مَفْتُوحَةٌ إِذْ تُذْكَرُ ... وَالنُّونُ فِي كُلِّ مُثَنًّى تُكْسَرُ
وذلك لأَنَّ الفتح بعد الضَّمّ أو الكسر خفيفٌ، والكسر بعد الألِف أو الياء أثقل من ذلك؛ فكان تعديلاً بأنْ جُعِلَ الأخفّ للأثقل والأثقل للأخفِّ1.
وقد كَسَرَ الشّاعِرُ نونَ الجمع للضّرورة2، فقال:
أَكُلُّ الدَّهْرِ حِلٌّ وَارْتِحَالٌ ... أَمَا يُبْقِي عَلَيَّ وَلاَ يَقِيْنِي؟
وَمَاذاَ يَدَّرِي3 الشُّعَرَاءُ مِنِّي ... وَقَدْ جَاوَزْتُ حَدَّ الأَرْبَعِيْنِ؟ 4
وَتَسْقُطُ النُّونَانِ فِي الإِضَافَهْ
نَحْوُ: رَأَيْتُ سَاكِنِي الرَّصَافَهْ1
سقُوطُها في الإضافة كسقوط التّنوين في المضاف؛ فتقول: (غُلاما زيد) و (مسلمو المدينة) 2.
وثبتت3هاتان النّونان مع الألِف واللاّم، ولم تثبتا4مع المضاف؟.
لأنّ الإضافة زيادةٌ أُلحِقَت بآخر الاسم [24/أ] كنون التّثنية، ونون الجمع؛ فاستثقل التَّوالي بين زيادتين؛ وليس كذلك الألِف واللاّم لِمَا بينهما من الافتراق5.