وَقَالَ أشعياء
عَن الله عَبدِي الَّذِي سرت بِهِ نَفسِي أنزل عَلَيْهِ وحيي فَيظْهر فِي الْأُمَم عدلي يُوصي الْأُمَم بالوصايا لَا يضْحك وَلَا يسمع صَوته فِي الْأَسْوَاق يفتح الْعُيُون العور وَيسمع الآذان الصم وَيحيى الْقُلُوب الغلف وَمَا أعْطِيه لَا أعْطِيه غَيره أَحْمد يحمد الله حمدا كثيرا يَأْتِي من أقْصَى الأَرْض تفرح الْبَريَّة وسكانها يهللون الله على كل شرف ويكبرونه على كل رابية لَا يضعف وَلَا يغلب وَلَا يمِيل إِلَى الْهوى وَلَا يسمع فِي الْأَسْوَاق صَوته وَلَا يذل الصَّالِحين الَّذين هم كالعصفة الضعيفة بل يقوى الصديقين وَهُوَ ركن للمتواضعين وَهُوَ نور الله الَّذِي لَا يُطْفِئ وَلَا يُخَاصم حَتَّى تثبت فِي الأَرْض حجتي وَيَنْقَطِع الْعذر بِهِ وَإِلَى توراته ينقاد الْحق فَاعْتبر هَذَا التَّصْرِيح باسم مُحَمَّد وَصِفَاته وَإِن هَذِه العلامات الْمَذْكُورَات على لِسَان هَذَا النَّبِي لَا يَصح بِحَال أَن تُوجد لغيره وَلم يكن إِلَّا لَهُ فَإِن قلت هُوَ الْمَسِيح قيل لَك تفهم لفظ الْكَلَام ومساقه وَحِينَئِذٍ تحكم بِأَنَّهُ مُحَمَّد قطعا وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِيهِ يوصى الْأُمَم
وَهَذَا التَّصْرِيح ببعثه للنَّاس كَافَّة وَعِيسَى إِنَّمَا بعث للأجناس من بني إِسْرَائِيل خَاصَّة بِدَلِيل قَوْله فِي الْإِنْجِيل إِنِّي لم أبْعث إِلَى الْأَجْنَاس وَإِنَّمَا بعثت إِلَى الْغنم الرابضة من نسل إِسْرَائِيل وَكَذَلِكَ قَالَ للحواريين لَا تسلكوا فِي سَبِيل الْأَجْنَاس وَلَكِن اختصروا بِالضَّرُورَةِ إِلَى الْغنم الرابضة من بني إِسْرَائِيل ثمَّ قَالَ أَحْمد يحمد الله وَهَذَا تَصْرِيح بإسمه فَإِن أَسْمَائِهِ كَثِيرَة مِنْهَا مُحَمَّد وَأحمد ثمَّ قَالَ يثللون الله على كل شرف ويكبرونه على كل رابية وَهَذَا إِخْبَار بآذانهم وتلبيتهم وَلَيْسَ هَذَا لأحد غَيره ثمَّ قَالَ لَا يضعف وَلَا يغلب وَأَنْتُم تَزْعُمُونَ أَن الْمَسِيح غلب على نَفسه وَحمل على خَشَبَة وسمرت يَدَاهُ فِيهَا وَقتل عَلَيْهَا بعد صفع وإهانة عَظِيمَة وَلَا دَرَجَة فِي الْغَلَبَة والضعف والذلة تزيد على هَذَا وَأما نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فقد فتح الله عَلَيْهِ فتحا مُبينًا وَنَصره نصرا وأظهره على كل عَدو معاند حَتَّى أَعلَى الله دينه وَأفْشى توحيده وَعَصَمَهُ من كل الشرور ووقاه كل مخوف وكل مَحْذُور وَمن أدل مَا فِي كَلَامه أَن نَبينَا مُحَمَّد هُوَ المُرَاد والمبشر بِهِ قَوْله لَا يُخَاصم حَتَّى تثبت فِي الأَرْض حجتي فَإِن هَذَا تَصْرِيح بِالْقُرْآنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِذْ قد عجز عَن الْإِتْيَان بِمثلِهِ أَو بِسُورَة مثله جَمِيع الْبشر وَإِن كَانَ فيهم اللد الفصحاء وَالْمهرَة الْحُكَمَاء فثبتت فِي الأَرْض حجَّة الله وَعلم أَنه من عِنْد الله وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا الْمَعْنى إِن شَاءَ الله عز وَجل