المبحث الثَّالِث
مبادئ النَّصْرَانِيَّة أَي سفر من أسفار الْكتب المقدسة عِنْد النَّصَارَى يُمكن أَن تظهر لنا مِنْهُ بوضوح مبادئ النَّصْرَانِيَّة لَيْسَ غير سفر أَعمال الرُّسُل الْمُسَمّى باللغة اليونانية الأبركسيس فَإِن هَذَا السّفر الْمَوْضُوع بعد الأناجيل الْأَرْبَعَة لَا يحْكى فَقَط عَن نمو الْجَمَاعَة النَّصْرَانِيَّة الأولى بل يحْكى للنَّاس جَمِيعًا كَيفَ اتّفق بطرس وبولس وَيَعْقُوب وَمن نحا نحوهم فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ على تَغْيِير دَعْوَة الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام الْأَصْلِيَّة وَقبل أَن نبين مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ نقُول أَولا لماذا أتفقوا على مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ هَل ﴿حسدا من عِنْد أنفسهم من بعد مَا تبين لَهُم الْحق﴾ كَمَا فِي الْقُرْآن الْكَرِيم إِنَّهُم يعلمُونَ علم الْيَقِين من أتوراة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام الْأَسْفَار الْخَمْسَة ب وَمن أسفار الْأَنْبِيَاء الَّذين ظَهَرُوا من بعد مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام يعلمُونَ أَن نَبيا سَيظْهر للْعَالم قَالَ عَنهُ بطرس فَإِن مُوسَى قَالَ للآباء أَن نَبيا مثلي سيقيم لكم الرب إِلَهكُم من إخوتكم لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كل مَا يكلمكم بِهِ وَيكون أَن كل نفس لَا تسمع لذَلِك النَّبِي تباد من الشّعب وَهَذَا النَّبِي يعلمُونَ أَنه لَيْسَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ من بني إِسْرَائِيل وَلَو كَانَ النَّبِي الْآتِي من بني إِسْرَائِيل لقَالَ من أَنفسكُم وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مماثلا لمُوسَى فِي 1 الحروب 2 المعجزات 3 والإنتصار على الْأَعْدَاء فَإِن الَّذِي لم يسمع لكَلَامه لم يُبْدِهِ الرب من الشّعب على يَدَيْهِ كَمَا أبادهم على يَد نَبِي الْإِسْلَام صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَهَذَا النَّبِي يعلمُونَ أَنه سَيكون نَاسِخا لشريعة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَإِن من أَوْصَافه لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كل مَا يكلمكم بِهِ لقد اتَّفقُوا على إستبدال نَبِي بني نَبِي تحدثت عَنهُ نبوءات التَّوْرَاة وَهُوَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِنَبِي لم يرد لَهُ ذكر فِي أَي سفر وَهُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي سَبِيل ذَلِك لَا بُد من أَن يتفادوا أَمريْن إثنين لَا ثَالِث لَهما الأول النبوءات الَّتِي تحدثت عَن مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالثَّانِي الشَّرِيعَة الَّتِي سيبلغها النَّبِي المنتظر للنَّاس عَن أَمر الله عز وَجل مُنَاسبَة للزمان الَّذِي سَيظْهر فِيهِ فَمَاذَا قُولُوا لتفادي هذَيْن الْأَمريْنِ قَالُوا إِن النبوءات يجب أَن تطبق على عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالُوا نعمل شَرِيعَة جَدِيدَة فِيهَا من تعاليم مُوسَى وفيهَا من تعاليم الرومانيين وننسبها إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَكَيف ينسبونها إِلَيْهِ وَقد رفع إِلَى السَّمَاء وَهُوَ لَا يعلم عَنْهَا شَيْئا هَذَا أشكال اعْتَرَضَهُمْ وَلَكنهُمْ تفادوه أَيْضا بزعمهم أَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام نزل من السَّمَاء بعد سِنِين من رَفعه إِلَيْهَا وقابل بولس وَهُوَ منطلق إِلَى مَدِينَة دمشق فِي رُؤْيا وَقَالَ لَهُ يَا بولس انْطلق بإذني وأمري بدعوتي إِلَى 1 أُمَم 2 وملوك 3 وَبني إِسْرَائِيل ونسوا أَن يبينوا مَا هِيَ الدعْوَة الجديدة الَّتِي لقنها عِيسَى لبولس مَا بينوا قطّ لِأَن الظَّاهِرَة من رسائل بولس أَنه يَدْعُو بدعوة من تِلْقَاء نَفسه ويشرع للنَّاس مَا استحسنه من تِلْقَاء نَفسه وَينْصَح تلاميذه بِمَا يصلح الْمعدة والبطن وخلاصة دَعوته فِي هَذِه الْعبارَة الدعْوَة الَّتِي دعى فِيهَا كل وَاحِد فليلبث فِيهَا أَي إِذا دَعَا الْيَهُودِيّ إِلَى النَّصْرَانِيَّة وَقبل الدعْوَة فليعمل بِحَسب شَرِيعَته الَّتِي درج عَلَيْهَا وَهِي شَرِيعَة مُوسَى وَإِذا دعى اليوناني إِلَى النَّصْرَانِيَّة وَقبل الدعْوَة فليعمل بِحَسب قوانين بِلَاده الَّتِي تحكم المواطنين وبحسب الْعَادَات والتقاليد الَّتِي درج عَلَيْهَا وَهَكَذَا يكون إسم النَّصْرَانِيَّة كمظلة على رُؤُوس الْكل وَالنَّاس أَحْرَار فِي أَعْمَالهم تَحت المظلة ثمَّ قَالَ على سَبِيل الْإِذْن أَقُول لغير المتزوجين وللأرامل انه حسن لَهُم إِذا لَبِثُوا كَمَا أَنا وَلَكِن إِن لم يضبطوا أنفسهم فليتزوجوا لِأَن التَّزَوُّج أصلح من التحرق وَأما المتزوجون فأوصيهم لَا أَنا بل الرب أَن لَا تفارق الْمَرْأَة رجلهَا وَإِن فارقته فلتلبث غير متزوجة أَو لتصالح رجلهَا
وَلَا يتْرك الرجل امْرَأَته وَأما الْبَاقُونَ فَأَقُول لَهُم أَنا لَا الرب إِن كَانَ أَخ لَهُ امْرَأَة غير مُؤمنَة وَهِي ترتضى أَن تسكن مَعَه فَلَا يَتْرُكهَا الخ كورنثوس الأولى 7 وَمن نصائحه لتيموثاوس فِي رسَالَته الأولى إِلَيْهِ لَا تكن فِي مَا بعد شراب مَاء بل اسْتعْمل خمرًا قَلِيلا من أجل معدتك وأسقامك الْكَثِيرَة وليلاحظ مَا نبديه الْآن وَهُوَ أَن دَعْوَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي أَصْلهَا كَانَت لبني إِسْرَائِيل ومعاصريهم من الْأُمَم فَإِن مُوسَى طلب من فِرْعَوْن الْإِيمَان بِاللَّه رب الْعَالمين وَعدم الْعُلُوّ عَلَيْهِ ومُوسَى حث بني إِسْرَائِيل بعد الْخُرُوج من مصر على فتح الْبِلَاد لنشر الْإِيمَان وَالْعَمَل بالشريعة وَبَين لَهُم أَن الْجنَّة تَحت ظلال السيوف كَمَا بَين نَبِي الْإِسْلَام وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام للأتباع الصَّادِقين فَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم يَقُول الله عز وَجل ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن﴾ وَأَن دَعْوَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حرفها عزرا فِي مَدِينَة بابل من بعد سنة 586 ق م وَمن التحريف الَّذِي أقره فِيهَا أَن تكون دَعْوَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لبني إِسْرَائِيل من دون النَّاس وَلما ظهر عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام وبخ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل على تقصيرهم فِي دَعْوَة الْأُمَم فِي قَوْله ويل لكم أَيهَا الناموسيون لأنكم أَخَذْتُم مِفْتَاح الْمعرفَة مَا دَخَلْتُم أَنْتُم والداخلون منعتموهم ثمَّ قَالَ لتلاميذه 1 - انْطَلقُوا أَولا بِالضَّرُورَةِ إِلَى بني إِسْرَائِيل بالدعوة 2 - ثمَّ ثَانِيًا بعد أَن يعلم وَيفهم جَمِيع بني إِسْرَائِيل إنطلقوا إِلَى الْأُمَم قَالَ مَتى عَن الْأَمر الأول وَالثَّانِي هَؤُلَاءِ الإثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قَائِلا إِلَى طَرِيق أُمَم لَا تمضوا وَإِلَى مَدِينَة
للسامريين لَا تدْخلُوا بل اذْهَبُوا بالحرى إِلَى خراف بَيت إِسْرَائِيل الضَّالة وَفِيمَا أَنْتُم ذاهبون أكرزوا قائلين إِنَّه قد اقْترب ملكوت السَّمَاوَات وَقَالَ مَتى عَن الْأَمر الأول وَالثَّانِي أَن إمرأة من نسَاء الكنعانيين أهل فلسطين طلبت من الْمَسِيح أَن يشفى ابْنَتهَا من الْجُنُون فَلم يجبها بِكَلِمَة فَتقدم تلاميذه وطلبوا إِلَيْهِ قائلين اصرفها لِأَنَّهَا تصيح وَرَاءَنَا فَأجَاب وَقَالَ لم أرسل إِلَّا إِلَى خراف بَيت إِسْرَائِيل الضَّالة فَأَتَت وسجدت لَهُ أَي أَعطَتْهُ التَّحِيَّة قائلة يَا سيد أعنى فَأجَاب وَقَالَ لَيْسَ حسنا أَن يُؤْخَذ خبز الْبَنِينَ ويطرح للكلاب فَقَالَت نعم يَا سيد وَالْكلاب أَيْضا تَأْكُل من الفتات الَّذِي يسْقط من مائدة أَرْبَابهَا حِينَئِذٍ أجَاب يسوع وَقَالَ لَهَا يَا امْرَأَة عَظِيم إيمانك ليكن لَك كَمَا تريدين فشفيت ابْنَتهَا من تِلْكَ السَّاعَة بإستثناء تَشْبِيه الْأُمَم بالكلاب فِي هَذَا النَّص ومستبعد أَن يحدث هَذَا التَّشْبِيه من الْمَسِيح صَاحب الْخلق الرفيع فَإِنَّهُ نَص فِي دَعْوَة الْأُمَم بعد مَا يفهم الدعْوَة بَنو إِسْرَائِيل الَّذين يشبهون الخراف الضَّالة فِي فلاة من الأَرْض بِسَبَب إلتواء عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل فِي تعليمهم وَقَالَ مَتى عَن الْأَمر الثَّانِي إِن الْمَسِيح بَعْدَمَا رفع إِلَى السَّمَاء نزل ثَانِيَة إِلَى الأَرْض وكلمهم قَائِلا اذْهَبُوا وتلمذوا جَمِيع الْأُمَم وإنطلاق التلاميذ إِلَى الْأُمَم حسب كَلَام الْمَسِيح نَفسه على النَّحْو التَّالِي 1 - أَن تؤمن الْأُمَم بالإله الْوَاحِد المتصف بِكُل كَمَال والمنزه عَن كل نقص الَّذِي لَا يرى وَلَا يقدر أحد أَن يرَاهُ وَلَيْسَ كمثله شَيْء كَمَا نَص كتاب مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام 2 - أَن تعْمل الْأُمَم بشريعة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام 3 - أَن يعلمُوا أَن نَبيا من الْعَرَب سَيظْهر لينسخ شَرِيعَة مُوسَى هُوَ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم 4 - وعَلى الْأُمَم إِذا ظهر هَذَا النَّبِي الْعَرَبِيّ أَن يتْركُوا الْعَمَل بشريعة مُوسَى وَأَن يعملوا بشريعة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَلَكِن بطرس وبولس وَيَعْقُوب وأتباعهم غيروا كَلَام الْمَسِيح نَفسه وَجعلُوا النَّصْرَانِيَّة دينا عالميا لَا على كَلَام الْمَسِيح السَّابِق ذكره بل على أَن عِيسَى هُوَ كَانَ النَّبِي المنتظر وَمَا عرفُوا أَنه هُوَ إِلَّا بعد قَتله وصلبه كَمَا يَزْعمُونَ وعَلى أَن الْإِنْجِيل شَرِيعَة يجب التَّعَبُّد على أَحْكَامهَا وعَلى أَن عِيسَى خَاتم النبييين وَلَا نَبِي من بعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَغير خَافَ مِمَّا قدمنَا على ذِي بَصِيرَة أَنهم اتَّفقُوا لكراهيتم للْعَرَب أَبنَاء إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَن يخضعوا لأحكامهم وَأَن لَا يكون لَهُم فضل فِي دولتهم وَإِلَّا لما تفادوا مَجِيء النَّبِي الْآتِي مِنْهُم من قبل مَجِيئه وطبقوا النبواءات على وَاحِد من بني إِسْرَائِيل لقد فكر الْيَهُود فِي عالمية الدعْوَة ثَانِيًا فِي شكل النَّصْرَانِيَّة ليكسبوا أنصارا جددا يقاومون بهم الْعَرَب إِذا ظهر النَّبِي مِنْهُم وانضم حوله الأتباع من كل جنس وَلِأَنَّهُم يخزون إِذا رجعُوا إِلَى الأَصْل تظاهر مِنْهُم من تظاهر بالإخلاص للمسيح وَعمِلُوا العالمية فِي شخصه لِأَنَّهُ مِنْهُم وَأَتْبَاعه بِالضَّرُورَةِ سيكونون للْيَهُود ﴿بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ الْمَائِدَة 51 لِأَن الأناجيل مَبْنِيَّة على كتاب التَّوْرَاة وأسفار الْأَنْبِيَاء ولنبين الْأَمريْنِ هُنَا فَنَقُول