كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن مفلح، شمس الدين
- الكتاب
- كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي
- المؤلف
- محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763هـ)
- المحقق
- عبد الله بن عبد المحسن التركي
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى 1424 هـ - 2003 مـ
- عدد الأجزاء
- 11 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] «الفروع لابن مفلح» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «تصحيح الفروع» للمرداوي
فَصْلٌ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ وَفِي الْمَقْبَرَةِ،
نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي وجماعة، وهو المذهب "وش" وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، فَقِيلَ: تُبَاحُ، وَقِيلَ: تُسْتَحَبُّ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: نَصَّ عَلَيْهِ "م 2" كَالسَّلَامِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَعَنْهُ: لَا تكره وقت دفنه، وعنه: تكره، اختاره
[تصحيح الفروع للمرداوي]
مَسْأَلَةٌ - 2: قَوْلُهُ: لَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ وَفِي الْمَقْبَرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، فَقِيلَ: تُبَاحُ، وَقِيلَ: تُسْتَحَبُّ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: نَصَّ عَلَيْهِ، انْتَهَى:
أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ، قَالَ فِي الْفَائِقِ: تُسْتَحَبُّ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَخِيرًا، انتهى، وتقدم كلام ابن تميم و4 نَقْلِ الْمُصَنِّفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُبَاحُ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَتُبَاحُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي5 وَالشَّرْحِ6 وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَدَّمَ الْإِبَاحَةَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ.
قُلْت: وَهُوَ الصَّوَابُ.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
4 في "ط": "في".
5 3/518.
6 المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف 6/255.
عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ1 وَأَبُو حَفْصٍ "وهـ م" قَالَ شَيْخُنَا: نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ، وَعَلَيْهَا قُدَمَاءُ أَصْحَابِهِ، وَسَمَّى الْمَرُّوذِيُّ، وَعَلَّلَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَأَبُو الْمَعَالِي بِأَنَّهَا مَدْفِنُ النَّجَاسَةِ2، كَالْحَشِّ3.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَبُو حَفْصٍ يُغَلَّبُ الْحَظْرُ، كَذَا قَالَ، وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بفاتحة البقرة وخاتمتها4؛ فَلِهَذَا رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ: الْمَذْهَبُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُكْرَهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرَاهَةِ: شَدَّدَ أَحْمَدُ حَتَّى قَالَ: لَا يُقْرَأُ فِيهَا فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ: يُكَفِّرُ5 عَنْ يَمِينِهِ وَلَا يقرأ، ويتوجه: يقرأ إلا6 عِنْدَ الْقَبْرِ، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْمَذْهَبِ، كَنَذْرِ الطَّوَافِ عَلَى أَرْبَعٍ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِيمَنْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى صِفَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ، يَأْتِي بِالطَّاعَةِ، وَفِي الْكَفَّارَةِ لِتَرْكِ الصِّفَةِ وَجْهَانِ، فَتَشْمَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَدَلَّتْ رِوَايَةُ الْمَرُّوذِيِّ عَلَى إلْغَاءِ الْمَوْصُوفِ لِإِلْغَاءِ صِفَتِهِ فِي النَّذْرِ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَعَنْهُ: بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ: يَحْمِلُ مُصْحَفًا إلَى الْقَبْرِ فَيَقْرَأُ7 فيه عليه؟ قال: بدعة.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234567
قَالَ شَيْخُنَا: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ: إنَّ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ أَفْضَلُ، وَلَا رَخَّصَ فِي اتِّخَاذِهِ عِيدًا كَاعْتِيَادِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ، أَوْ الذِّكْرِ أَوْ الصِّيَامِ، قال: واتخاذ المصاحف عندها ولو للقراءة1 بِدْعَةٌ، وَلَوْ نَفَعَ الْمَيِّتَ لَفَعَلَهُ السَّلَفُ، بَلْ هُوَ كَالْقِرَاءَةِ فِي الْمَسَاجِدِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَلَا أَجْرَ لِلْمَيِّتِ بِالْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ، كَمُسْتَمِعٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَنْتَفِعُ بِسَمَاعِهَا دُونَ مَا إذَا بَعُدَ الْقَارِئُ فَقَوْلُهُ بَاطِلٌ، مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، كَذَا قَالَ، وَيَتَأَذَّى الْمَيِّتُ بِالْمُنْكَرِ عِنْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَاحْتَجَّ أَبُو الْمَعَالِي بِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "جَنِّبُوهُ جَارَ السُّوءِ" 2.
وَبِخَبَرِ عَائِشَةَ "الْمَيِّتُ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ" 3.
وَلَا يَصِحَّانِ، وَلَكِنْ قَدْ سَبَقَ4: يستحب
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234
الدَّفْنُ عِنْدَ الصَّالِحِ لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُ، وَيُسَنُّ مَا1 يُخَفَّفُ عَنْهُ "*"، وَإِذَا تَأَذَّى بِالْمُنْكَرِ انْتَفَعَ بِالْخَيْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ2 فِي الْقَبْرِ، لِلْخَبَرِ3، وَأَوْصَى بِهِ بُرَيْدَةُ.
ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ4، وَفِي مَعْنَاهُ غَرْسُ غَيْرِهَا، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ قَلْعَ الْحَشِيشِ الرَّطْبِ مِنْهَا، قَالُوا: لِأَنَّهُ يُسَبِّحُ فَرُبَّمَا يَأْنَسُ الْمَيِّتُ بِتَسْبِيحِهِ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اسْتَحَبُّوا الْقِرَاءَةَ عِنْدَ الْقَبْرِ لِخَبَرِ الْجَرِيدَةِ5؛ لِأَنَّهُ إذَا رَجَا التَّخْفِيفَ لِتَسْبِيحِهَا6، فَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "إذَا قَضَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا".
وَعَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: "مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتُ7 الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مِثْلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ" رَوَاهُمَا
[تصحيح الفروع للمرداوي]
"*" تنبيه: قوله: 8"ويسن يخفف عنه"7 كَذَا فِي النُّسَخِ.
قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّهُ: يُسَنُّ9 مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ.
فَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ فِي هَذَا الباب.1234568
مُسْلِمٌ1، وَقَالَ الْبَرَاءُ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ، فَغَشِيَتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ أو تنزلت عند القرآن".
متفق عليه2.
فَصْلٌ: كُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمُسْلِمِ نَفَعَهُ ذَلِكَ،
وَحَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ، كَالدُّعَاءِ "ع" وَالِاسْتِغْفَارِ "ع" وَوَاجِبٍ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ "ع" وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ "ع" وَكَذَا الْعِتْقِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ أَصْلًا، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَشَيْخُنَا "ع" وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ "و" وَكَذَا حَجِّ التَّطَوُّع "م ر" وَفِي الْمُجَرَّدِ: مَنْ حَجَّ نَفْلًا عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَمَّنْ حَجَّ، لِعَدَمِ إذْنِهِ، وَكَذَا الْقِرَاءَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ، نَقَلَ الْكَحَّالُ3 فِي الرَّجُلِ يَعْمَلُ شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَيَجْعَلُ نِصْفَهُ لِأَبِيهِ 4"أَوْ أُمِّهِ"4: أَرْجُو.
وَقَالَ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إلَيْهِ5 كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهِ "م ش هـ ر" وَفَرَّقُوا بِأَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا، فَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ ثَوَابُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ تَطَوُّعًا ثُمَّ أَهْدَى ثَوَابَهُ لَمْ يصح، وأجاب القاضي وغيره بأن
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
عِتْقَهُ عَنْ الْمَيِّتِ بِلَا وَصِيَّةٍ يَقَعُ عَنْ الْمُعْتِقِ، بِدَلِيلِ الْوَلَاءُ لَهُ وَلِعَصَبَتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ صُرِفَ الثَّوَابُ إلَى الْمَيِّتِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي الْعِتْقِ: قَدْ صَحَّ إهْدَاؤُهُ وَإِنْ وَقَعَ عَنْ فَاعِلِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ مِنْ نَقْلِ ثَوَابٍ وَقَعَ لِفَاعِلِهِ لَمْ يُسَلِّمْهُ الْمُخَالِفُ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاع، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ وَالثَّوَابَ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الْعِتْقِ فَلَيْسَ بِجَوَابٍ، وَالثَّانِي ظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْأَثَرِ، فَكَانَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يُعْتِقَانِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ1.
رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ.
وَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ عَنْ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ مَوْتِهِ2.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَمْ يُنْقَلْ غَيْرُ الْعِتْقِ، وَنُصُوصُ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، كَمَا يَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرَهُ جَزَمُوا هُنَاكَ بِأَنَّ الثواب للمعتق، وكان وجهه أنه3 يَتْبَعَ الْوَلَاءَ.
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي التَّبْصِرَةِ خِلَافَهُ إلَّا احْتِمَالًا، قَالَ: لِأَنَّ الْقُرَبَ يَصِلُ ثَوَابُهَا إلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالْأَذَانُ، لَا يَصِحُّ إهْدَاؤُهُ، مَعَ دُخُولِ النِّيَابَةِ فِي بَعْضِهَا: قَالَ الْقَاضِي: وَلِأَنَّ الثَّوَابَ تَبَعٌ للفعل، فإذا
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .456
جَازَ أَنْ يَقَعَ الْمَتْبُوعُ لِغَيْرِهِ جَازَ أَنْ يَقَعَ التَّبَعُ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ أَهْدَى مَا لَا يَتَحَقَّقُ حُصُولُهُ؛ لِأَنَّهُ يَظُنُّهُ، ثِقَةً بِالْوَعْدِ وَحُسْنًا لِلظَّنِّ، فَلَا يَسْتَعْمِلُ الشَّكَّ، نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: إذَا دَخَلْتُمْ الْمَقَابِرَ فَاقْرَءُوا آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَثَلَاثَ مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد: 1] ، ثُمَّ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنَّ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ، يَعْنِي ثَوَابَهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت أَثَبْتنِي1 عَلَى هَذَا فَقَدْ جَعَلْت ثَوَابَهُ أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُ لِفُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَلَّفُ، فَلَا يَتَحَكَّمُ عَلَى اللَّهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: مَنْ سَأَلَ الثَّوَابَ ثُمَّ أَهْدَاهُ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ أَثِبْنِي عَلَى عَمَلِي هَذَا أَحْسَنَ الثَّوَابِ وَاجْعَلْهُ لِفُلَانٍ كَانَ أَحْسَنَ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، كَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي أَنْ يُهْدِيَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ يَعْرِفُهُ الْوَكِيلُ فَقَطْ صَحَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ بِذَلِكَ وَقْتَ فِعْلِ الْقُرْبَةِ، وَفِي تَبْصِرَةِ الْحَلْوَانِيِّ: قَبْلَهُ.
وَفِي مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَتَقَدَّمَ نِيَّةُ ذَلِكَ أَوْ تُقَارِنُهُ، فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلْإِهْدَاءِ وَنَقْلِ الثَّوَابِ أَنْ يَنْوِيَ الْمَيِّتُ بِهِ ابْتِدَاءً كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَبَعَّدَهُ فَهُوَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِعُمُومِ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ لَا وَجْهَ لَهُ فِي أَثَرٍ وَلَا نَظَرٍ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَقَعَ الْقُرْبَةُ عَنْ الْمَيِّتِ ابْتِدَاءً بِالنِّيَّةِ لَهُ فَهَذَا مُتَّجِهٌ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ثَوَابُ الْقُرْآنِ يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ إذَا نَوَاهُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ الإهداء2، فَظَاهِرُهُ عَدَمُهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ فِي التَّبْصِرَةِ.
وَفِي الْفُنُونِ عَنْ حَنْبَلِيٍّ: يُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ النية؛ لأن ما تدخله النيابة من
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
الْأَعْمَالِ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسْتَنِيبِ إلَّا بِالنِّيَّةِ مِنْ النَّائِبِ قَبْلَ الْفَرَاغِ.
وَفِي الْفُصُولِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ يَنْعَقِدْ عَنْ الْغَيْرِ، فَلَوْ نَابَ عَنْ حَيٍّ فِي حَجٍّ فَاعْتَمَرَ وَقَعَ عَنْ الْحَاجِّ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مَيِّتًا وَقَعَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ، لِقُدْرَةِ الْحَيِّ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَالْمَيِّتُ بِخِلَافِهِ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ مُهْدٍ لِلْمَيِّتِ ثَوَابَهَا، فَقَدْ جَعَلَ نِيَّةَ الْمَيِّتِ بِالْقُرْبَةِ ابْتِدَاءً يَقَعُ عَنْهُ كَمُهْدٍ إلَيْهِ ثَوَابَهَا، وَلَعَلَّ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِقِيَاسِهِمْ1 عَلَى الصَّدَقَةِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اقْرَءُوا يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ" 2.
وَبِأَنَّ الْمَيِّتَ أَوْلَى مِنْ الْمُحْتَضَرِ، وَبِأَنَّهُ أَذِنَ فِي الْحَجِّ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَبِقَوْلِهِ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: "وَلَوْ أَقَرَّ أَبُوك بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْت عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْت عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ".
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ3، وَيَأْتِي كَلَامُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ بعده، وسبق قول4 القاضي: الثواب تبع5.
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَصِحُّ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غيره، وإنما يقع ثوابه عن غيره.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345
وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ الْمَرُّوذِيِّ السَّابِقَةَ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ لَهُ، كَذَا قَالَ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا يَقُولُ: لَوْ صَلَّى فَرْضًا وَأَهْدَى ثَوَابَهُ صَحَّتْ الْهَدِيَّةُ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُعَرَّى عَمَلُهُ عَنْ ثَوَابٍ، كَالصَّلَاةِ فِي مَكَان غَصْبٍ، ثُمَّ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ لِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، مَرْفُوعًا، رَوَاهُ حَرْبٌ وَقَالَ شَيْخُنَا: أَوْ أَكْثَرَ، وَالْأَشْهَرُ خِلَافُ قَوْلِ الْقَاضِي فِي ثَوَابِ الْفَرْضِ، وَبَعَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ الْقُرَبِ، قِيلَ لِلْقَاضِي: فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصف الأول ويقدم أباه، هو1 يَقْدِرُ أَنْ يَبَرَّهُ بِغَيْرِ هَذَا، فَقَالَ: وَقَدْ نُقِلَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْكَرَاهَةِ، فَنَقَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ فِيمَنْ يَأْمُرُهُ أَبُوهُ بِتَأْخِيرِ، الصَّلَاةِ لِيُصَلِّيَ بِهِ، قَالَ: يُؤَخِّرُهَا، وَالْوَجْهُ فيه أنه قد2
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
نَدْبٌ إلَى طَاعَةِ أَبِيهِ فِي تَرْكِ صَوْمِ النَّفْلِ وَصَلَاةِ النَّفْلِ، وَقَدْ نَقَلَ هَارُونُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَصُومَ إذَا نَهَاهُ1، كَذَا قَالَ: نَدْبٌ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: 2"فَإِنْ قِيلَ"2: الْإِيثَارُ بِالْفَضَائِلِ وَالدِّينِ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ كَلَامِ الْقَاضِي، وَهَذَا مِنْهُمَا تَسْوِيَةٌ بَيْنَ نَقْلِ الثَّوَابِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَهُ وَبَيْنَ نَقْلِ سَبَبِ الثَّوَابِ قَبْلَ فِعْلِهِ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ3، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْهَدْيِ4، فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ: أَيْ فَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِفِعْلِهَا لِيُحْرِزَ ثَوَابَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ ثُمَّ يُؤْثِرَهُ بِثَوَابِهَا؟ قَالَ فِي الْفُنُونِ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاؤُهَا5 حَتَّى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: لَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَةِ السَّلَفِ إهْدَاءُ ذَلِكَ إلَى مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، بَلْ كَانُوا يَدْعُونَ لَهُمْ، فَلَا يَنْبَغِي الْخُرُوجُ عَنْهُمْ، وَلِهَذَا لَمْ يَرَهُ شَيْخُنَا لِمَنْ لَهُ كَأَجْرِ الْعَامِلِ، كَالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم و6 مُعَلِّمِ الْخَيْرِ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ لِأَنَّ لَهُ أَجْرًا لَا6 كَأَجْرِ الْوَلَدِ؛ وَلِأَنَّ الْعَامِلَ يُثَابُ عَلَى إهْدَائِهِ، فَيَكُونُ لَهُ أَيْضًا مِثْلُهُ، فَإِنْ جَازَ إهْدَاؤُهُ فَهَلُمَّ جَرًّا، وَيَتَسَلْسَلُ7 ثَوَابُ الْعَمَلِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ عَمَلٍ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1234567
وَعَمَلٍ؟ وَإِنْ قِيلَ: يَحْصُلُ ثَوَابُهُ مَرَّتَيْنِ لِلْمُهْدَى إلَيْهِ، وَلَا يَبْقَى لِلْعَامِلِ ثَوَابٌ، فَلَمْ يَشْرَعْ اللَّهُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْفَعَ غَيْرَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي الدَّارَيْنِ، فَيَتَضَرَّرُ، وَلَا يَلْزَمُ دُعَاؤُهُ لَهُ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَافَأَةٌ لَهُ كَمُكَافَأَتِهِ لِغَيْرِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَدْعُوُّ لَهُ، وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ الْمُكَافَأَةِ، وَلِلْمَدْعُوِّ لَهُ مِثْلُهُ، فَلَمْ يَتَضَرَّرْ وَلَمْ يَتَسَلْسَلْ، وَلَا يَقْصِدُ أَجْرَهُ إلَّا مِنْ اللَّهِ.
وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ أَقْدَمَ مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ الْمُوَفَّقِ، أَحَدُ الشُّيُوخِ الْمَشْهُورِينَ مِنْ طَبَقَةِ أَحْمَدَ وَشُيُوخَ الْجُنَيْدِ1.
وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ مُحَدِّثُ عَصْرِهِ، وَهُوَ إمَامُ الْحَدِيثِ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ بِبُخَارَى: سَمِعْت إبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى2، سَمِعْت السَّرَّاجَ يَقُولُ: خَتَمْت الْقُرْآنَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ خَتْمَةٍ، وَضَحَّيْت عَنْهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ألف أضحية.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
فصل: وَالْحَيُّ كَالْمَيِّتِ فِي نَفْعِهِ بِالدُّعَاءِ وَنَحْوِهِ،
1"فَكَذَا الْقِرَاءَةُ"1 وَنَحْوُهَا "و" لِلْحَنَفِيَّةِ، قَالَ الْقَاضِي: لَا تُعْرَفُ رِوَايَةٌ بِالْفَرْقِ، بَلْ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْكَحَّالِ يعني السابقة: يعم2.
قال: ويحتمل الفرق؛ لأن العجز مصحح3 فِي الْحَجِّ وَالصَّوْمِ، وَانْتِفَاعُهُ بِالدُّعَاءِ بِإِجَابَتِهِ وَقَبُولِ الشفاعة في المدعو له2، وَهُوَ أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ الثَّوَابِ عَلَى نَفْسِ الدُّعَاءِ، وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ فِي حَجِّ النَّفْلِ عَنْ الْحَيِّ، وَلَمْ يَسْتَدِلَّ لَهُ4.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لأن نفع الإجابة وقبول الشفاعة5 إنَّمَا حَصَلَ حَيْثُ قَصَدَهُ الدَّاعِي لِلْمَدْعُوِّ لَهُ، وأراده له2 مُتَقَرِّبًا بِسُؤَالِهِ وَخُضُوعِهِ وَتَضَرُّعِهِ، فَكَذَلِكَ ثَوَابُ سَائِرِ الْقُرَبِ الَّذِي قَصَدَهُ بِفِعْلِهَا، وَصَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ6.
الْحَدِيثُ، قَالَ: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمَّتَهُ أَمْوَاتَهُمْ وَأَحْيَاءَهُمْ قَدْ نَالَهُمْ النَّفْعُ وَالْأَجْرُ بِتَضْحِيَتِهِ.
وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123456
عَبَثًا، فَظَاهِرُ قَوْلِهِ هَذَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ وَإِهْدَاءُ الثَّوَابِ عَنْ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلِهَذَا احتج به1 مَنْ احْتَجَّ عَلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تَجِبُ، وَاقْتَصَرَ فِي هِدَايَةِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَسَبْقِ الْجُلُوسِ لِلتَّعْزِيَةِ وَصَنْعَةِ الطَّعَامِ، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى مَا قَالَهُ شَيْخُنَا: جَمْعُ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ النَّاسَ عَلَى طَعَامٍ لِيَقْرَءُوا وَيُهْدُوا لَهُ لَيْسَ مَعْرُوفًا فِي السَّلَفِ، وَالصَّدَقَةُ أَوْلَى مِنْهُ، لا سيما على من ينتفع به على2 مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، كَالْقُرَّاءِ وَنَحْوِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ كَرِهَهُ طَوَائِفُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَقُرْبُ دَفْنِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، عَدَّهُ السَّلَفُ مِنْ النِّيَاحَةِ، وَذَكَرَ خَبَرَ جَرِيرٍ السَّابِقَ، وَهَذَا فِي الْمُحْتَسِبِ، فَكَيْفَ مَنْ يَقْرَأُ بِالْكِرَاءِ؟! وَاكْتِرَاءُ مَنْ يَقْرَأُ وَيُهْدِي لِلْمَيِّتِ بِدْعَةٌ، لَمْ يَفْعَلْهَا السَّلَفُ، وَلَا اسْتَحَبَّهَا الْأَئِمَّةُ، وَالْفُقَهَاءُ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الِاكْتِرَاءِ عَلَى تَعْلِيمِهِ، فَأَمَّا اكْتِرَاءُ مَنْ يَقْرَأُ وَيُهْدِيهِ فَمَا عَلِمْت أَحَدًا ذَكَرَهُ، وَلَا ثَوَابَ لَهُ، فَلَا شَيْءَ لِلْمَيِّتِ، قَالَهُ الْعُلَمَاءُ، قَالَ: وَلَا تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِذَلِكَ، وَالْوَقْفُ عَلَى الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَلِلْوَاقِفِ كَأَجْرِ الْعَامِلِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَنِي قَدْ أُمِيتَتْ بعدي كان له أجرها وأجر
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12
مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا" 1؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَعْيٌ فِي سُنَّتِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا: الْوَقْفُ عَلَى التُّرَبِ بِدْعَةٌ.
وَقَالَ أَيْضًا: فِيهَا مَصْلَحَةُ الْحَضِّ عَلَى بَقَاءِ حِفْظِهِ وَتِلَاوَتِهِ، وَفِيهَا مَفَاسِدُ: مِنْ الْقِرَاءَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَالتَّأَكُّلِ بِهِ، فَمَتَى أَمْكَنَ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ بِدُونِهِ فَالْوَاجِبُ الْمَنْعُ مِنْهُ2 وَإِبْطَالُهُ.
وَشَرْطُ إهْدَاءِ الْقِرَاءَةِ يَنْبَنِي عَلَى إهْدَاءِ ثَوَابِ الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ، فَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ أَبْطَلَهُ، وَمَنْ جَوَّزَهُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ عِبَادَةً، وَهِيَ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، فَأَمَّا بِإِجَارَةٍ وَجَعَالَةٍ فَلَا تَكُونُ قُرْبَةً، وَإِنْ أَخَذَ الْأُجْرَةَ وَالْجَعْلَ عليه، ثم جعل ذكر3 الْخِلَافُ فِي أُجْرَةِ تَعْلِيمٍ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ حُكِمَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ لِمَا قَالَ: لَا يَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ فِيهِ، وَإِنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِ بِدْعَةٌ، وَفِي كَلَامِهِ الْأَخِيرِ إنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ يَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّ، وَلَا إهْدَاءَ، لِعَدَمِ الثَّوَابِ، فَعَلَى هَذَا: يَصِحُّ لِتَحْصِيلِ4 الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَا يُهْدِي شَيْئًا، وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ بِأُجْرَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ، فَمَنْ5 فَعَلَهُ مِنْ أَجْلِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ، خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عِبَادَةً، فَلَمْ يَصِحَّ، مَعَ أَنَّهُ
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345
يَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، كَأَخْذِ النَّفَقَةِ لِأَجْلِهِ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ بِزَائِدٍ عَلَيْهَا، خِلَافًا لِلْفُصُولِ، قَالَ: لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ إجَارَةٍ وَجَعَالَةٍ، فَلَا يَجُوزُ، قَالَ غير واحد في مسألة الإجارة والجعالة1: والجعالة أَوْسَعُ، لِجَوَازِهَا مَعَ جَهَالَةِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لِأَجْلِ الْعِوَضِ لَا يُخْرِجُهُ، عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً فِي الْجُمْلَةِ، وهذا أولى بقول2 شَيْخِنَا؛ لِأَنَّ مَالَ الْوَقْفِ رِزْقٌ وَمَعُونَةٌ لَا إجَارَةٌ وَلَا جَعَالَةٌ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا ذَكَرُوا مِنْ أَخْذِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي، وَأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمَصَالِحِ، وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ بِدْعَةٌ لَا يُعْرَفُ فِي السَّلَفِ، لَكِنْ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَالْمَدَارِسِ وَالصُّوفِيَّةِ، فَكَذَا مَنْ يَقْرَأُ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَسَائِلِ الْحَجِّ، وَقَدْ وَجَّهَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمُفْرَدَاتِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ وَنَحْوَهَا لَا تَصِلُ إلَى الْحَيِّ: بِأَنَّهُ يَفْتَحُ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً، فَإِنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَتَّكِلُونَ3 عَنْ الْأَعْمَالِ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُسَهِّلُ لِمَنْ ينوب عنهم في فعل
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .123
الْخَيْرِ، فَيَفُوتُهُمْ أَسْبَابُ الثَّوَابِ بِالِاتِّكَالِ عَلَى الثَّوَابِ، وَتَخْرُجُ أَعْمَالُ الطَّاعَاتِ عَنْ لُبِّهَا إلَى الْمُعَاوَضَاتِ، وَيَصِيرُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مُعَامَلَاتٍ لِلنَّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَيَخْرُجُ عَنْ الْإِخْلَاصِ، وَنَحْنُ عَلَى أَصْلٍ يُخَالِفُ هَذَا، وَهُوَ مَنْعُ1 الِاسْتِئْجَارِ وَأَخْذِ الْأَعْوَاضِ وَالْهَدَايَا عَلَى الطَّاعَاتِ، كَإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَالْحَجِّ، وَفَارَقَ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَضَمَانَهُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَحَقُّ اللَّهِ فِيهِ تَابِعٌ، فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى التَّسْوِيَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ جَازَ هُنَاكَ جَازَ هُنَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمَتَى لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةُ بَقِيَ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَالْمُوصِي.
وَقَالَ شَيْخُنَا: لَوْ وَصَّى أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ نَافِلَةً بِأُجْرَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَ عَنْهُ2، بِاتِّفَاقِ3 الْأَئِمَّةِ، كَذَا قَالَ، وَهِيَ كَالْقِرَاءَةِ، كَمَا سَبَقَ، قَالَ: وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الصَّلَاةِ، فَيَكُونُ لَهُ أَجْرُ كُلِّ صَلَاةٍ اسْتَعَانُوا عَلَيْهَا بِهَا، مِنْ غَيْرِ نَقْصِ أَجْرِ الْمُصَلِّي، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ: إذَا4 أَرَادَ الْوَرَثَةُ "ذَلِكَ" وَقَالَ فِيمَنْ وَصَّى بِشِرَاءِ وَقْفٍ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ: يُصْرَفُ فِي جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، كإعطاء الفقراء 5"في القراءة"5، أَوْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ، فَفِي الَّتِي قَبْلَهَا اعْتَبَرَ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ، وَهُنَا جَوَّزَهُ فِي الْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي الصَّدَقَةِ بِفَاضِلِ رِيعِ الْوَقْفِ، هَلْ يُعْتَبَرُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ أو يجوز في المصالح؟ والله أعلم.
[تصحيح الفروع للمرداوي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .12345