بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله أهل الحمد والثّناء، ربّ الفضل والعطاء، الذى تنوّعت مواهبه أنواعا، وتقسّمت نعمه افتراقا واجتماعا، فمنح قوما الدنيا، وقوما الآخرة وجمع لآخرين ملابسهما الفاخرة، فمن أجلّ نعمه وأوفاها، وأفضل عطاياه وأبهاها، نعمة ازدان بها ربّها فى أولاه، وحصّل بها ما يحمد 1 عقباه، ولا سيّما نعمة كانت بالنّفوس مخصوصة، وعلى الانفراد بها منصوصة 2 وهى نعمة العلم التى تتقاصر عن إدراكها الهمم، وتسموا إلى اكتسابها الهمم،
ويتنافس فى تحصيلها أولو الفهم 3، وتعلو باقتنائها مراتب القيم.
نحمده على ما أسبغ علينا من مدارعها 4 حمدا نستمرئ 5 به أخلاف 6 المزيد، ونثنى عليه بثناء يدنى لنا من خفيّاتها كلّ بعيد.
ونشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تجعل ما عرفناه له خالصا، وإليه واصلا، وما جهلناه عندنا واضحا، ولدينا حاصلا.
ونشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، شهادة تؤنس لنا 7 وحشيّها، وتفيض
علينا مؤشيّها 1، ونصلّى عليه وعلى آله صلاة تزيل عن الوصول إليها كلّ مانع وتسهّل لنا من مظانّها كل حزن 2 شاسع.
أمّا بعد فإنك أيّها الأخ - أبقاك الله ورعاك - لمّا قرأت كتاب" بغية الراغب فى تهذيب 3 الفصول النحويّة" ورأيته فى غاية ما يكون من الاختصار، ويمكن من الإيجاز مع ما اشتمل عليه من الشرائط، وحواه من الأحكام والضوابط، وكنت فى مزاولة هذا الفنّ من العلم ناشئا وإن كان عزمك فيه ماضيا، واطّلعت منه على مستبهم مستغلق، وسمت نفسك إلى ما هو أعلى منه قدرا وأوضح سبيلا، وأكثر منه بسطاو أقوم قيلا، ورغبت إلىّ فى جمع كتاب ينير طرق فهمه، وتتّضح مذاهب معرفته فأجبتك إلى ما سألت غير ذاهب بالإطالة إلى الإملال، ولا جانح
بالإيجاز إلى الإخلال، حسب ما طلبت أن يكون باسطا لما أو جزفيه، مبيّنا لما أغلق من ألفاظه ومعانيه تقصر عن رتبته الشروح، ولا يقصر فى البيان والوضوح، جامعا لأبواب النحو وأحكامه.
مشتملا على أنواعه وأقسامه إلا ما عسى أن يشذّ منها أو وما لا تمسّ الحاجة إليه، ولم أكد أودعه من الأدلّة إلا ما أوجب ذكره إحكامه، وافتقر إلى معرفته بيانه، وليس لى فيه إلّا اختيار أقوال الأئمّة ونقلها وما أضفت إليها من زيادة شرط فى حدّ واحتراز فى قول، وإشارة إلى نكتة غربية تقف عليها.
4
وها أنا 1 قد عرّضت نفسى لرشق سهام الملام، إجابة لسؤالك؛ فإنّ الوقت حرج، والشّواغل كثيرة، والموانع جمّة، والعهد بهذ الفنّ بعيد وللنفّس عنه صادف، والهمّة إلى غيره مصروفة، ومن الله أستمدّ حسن التوفيق والإعانة على ما كلّفتنيه وسمّيته كتاب «البديع فى علم العربيّة».
واعلم أن علم العربيّة المخصوص باسم النحو لا يعدو قسمين:
أحدهما: معرفة ذات الكلمة وبنائها وما يتعلّق بحرفها من التغيير.
والثانى: معرفة ما يطرأ عليها من الحركات والسّكون.
وكلّ واحد من هذين القسمين يدخل على الآخر فى التّبيين؛ لضرورة الإفهام، فهما متداخلان، لا يكاد ينفرد أحدهما بالذكر عن الآخر، إلّا أنّ كلّ واحد منهما يغلب ذكره على بعض الأبواب دون بعض والحكمة تقتضى أن يبدأ فى الذكر بالقسم الأول؛ لأنّ معرفة الذات قبل معرفة الصّفات، إلا أنّ العلماء عكسوا القضية، وكان الباعث على ذلك أمرين:
أحدهما: مسيس الحاجة الغالبة إلى معرفة الثانى؛ لما دخل على الألسنة من الفساد، وذلك أنّ الإنسان يتلقّف الكلم في صغره ومبدئه، لضرورة الإفهام والاستفهام، على ما يعلم من صحّة وفساد، ولّما غلبت العجمة على ألسنة النّاس تعلّموا الكلام ملحونا، فاحتاجوا إلى إصلاح ذلك، والغالب على طريقه: معرفة الحركات والسّكون.
والأمر الثانى: أن معرفة ذوات الكلم تشتمل على أشياء مشكلة كالتّصريف، والتصغير، والنّسب، ممّا يصعب فهمه على المبتدئين.
وكانت معرفة الحركات والسّكون أسهل مأخذا، وأقرب متناولا؛ فقدّموا ما غلبا عليه من الأبواب فى الذّكر لهذين الأمرين، وربمّا كان لغيرهما من الأمور، فاقتد ينابهم فى التقديم والتأخير، وجعلنا مدار الكتاب على قطبين:
القطب 1 الأوّل: فيما الغالب على أبوابه معرفة الحركات والسّكون وهى عوارض الكلم.
القطب الثانى: فيما الغالب على أبوابه معرفة ذات الكلم وحروفها والقطب الأوّل يشتمل على عشرين بابا:
الباب الأوّل: فى الألفاظ العامه.
الباب الثانى: فى المعرب.
الباب الثانى: فى المبنىّ.
الباب الرابع: فى الإعراب.
الباب الخامس فى البناء.
الباب السّادس: فى المبتدأ.
الباب السّابع: فى الخبر.
الباب الثامن: فى الفاعل.
الباب التاسع: فى ما لم يسمّ فاعله.
الباب العاشر: فى المفعولات.
الباب الحادى عشر: فى المشبّه بالمفعول.
الباب الثانى عشر: فى المجرورات.
الباب الثالث عشر: فى التوابع.
الباب الرابع عشر: فى النداء.
الباب الخامس عشر: فى العوامل.
الباب السادس عشر: فى" كم".
الباب السّابع عشر: فى نونى التوكيد.
الباب الثامن عشر: فى التقاء السّاكنين.
الباب التاسع عشر: فى الوقف.
الباب العشرون: فى الحكاية.
والقطب الثانى يشتمل على عشرين بابا:
الباب الأوّل: فى المعرفة والنكرة.
الباب الثانى: فى المذكر والمؤنث.
الباب الثالث: فى المقصور والممدود.
الباب الرابع: فى التثنية.
الباب الخامس: فى الجمع.
الباب السّادس: فى التصغير.
الباب السّابع: فى النسب.
الباب الثّامن: فى الاستفهام.
الباب التّاسع: فى الموصولات.
الباب العاشر: فى ما لا ينصرف.
الباب الحادى عشر: فى العدد.
الباب الثانى عشر: فى الهمزات.
الباب الثالث عشر: فى الإمالة.
الباب الرابع عشر: فى الكتابة.
الباب الخامس عشر: فى الخطاب.
الباب السّادس عشر: فى الأبنية.
الباب السّابع عشر: فى المصادر.
الباب الثامن عشر: فى التصريف.
الباب التاسع عشر: فى الإدغام.
الباب العشرون: فى جائزات الشّعر.
[القطب الأوّل: فيما الغالب على أبوابه معرفة الحركات والسّكون وهى عوارض الكلم.]
الباب الأول: من القطب الأوّل فى معرفة الألفاظ العامّة الأوائل
من حق هذا الباب أن يذكر فى أول القطب الثانى، وإنما بدئ به لأن مضمونه: أصل الكلام الذى مبنى هذا العلم عليه، والإشارة في الأحكام إليه، وفيه فصلان:
الفصل الأول: فى ماهيّة النحو
النّحو: القصد، نقل علما لهذا العلم المشار إليه، وهو: معرفة أوضاع كلام العرب ذاتا وحكما، واصطلاح ألفاظهم حدّا ورسما.
وطريقة: الوضع والنقل، وأدلّته: النّصّ والقياس، وفائدته: تقويم اللسان، وحكمته: تغيير المعانى بأحكام مبانى الألفاظ.
الفصل الثانى: فى أقسام الألفاظ.
وهى تنقسم بحسب الألقاب قسمين، عاما، وخاصّا.
القسم الأول: فى العامّ،
وهو: الكلمة والكلم، والكلمات، والكلام والقول.
أمّا الكلمة: فلها حقيقة ومجاز، أمّا الحقيقة فهو: كونها عبارة عن اللفظ الواحد نحو، زيد، وقام، ومن وأمّا المجاز فهو: كونها عبارة عن الجملة من الكلام تقول العرب: لفلان كلمه شاعرة، أى: قصيدة، و" كلمة بليغة" أى خطبة.
وأمّا الكلم: فهو اسم جنس للكلمة، مفيدا وغير مفيد، يعمّها فما فوقها لأنّ ما بينه وبين واحده تاء التّأنيث جنس له،
نحو: تمرة، وتمر وشجرة وشجر.
وأمّا الكلمات: فهو جمع سلامة لها مطّردا، نحو: سلمة 1 وسلمات
ومعدة ومعدات وأمّا الكلام: فهو لقب لما ينطق به مركّبا مفيدا، وهو مصدر، فى قول، واسم مصدر هو التكلّم/ أو التكليم، فى قول وأمّا القول: فهو لقب لما ينطق به، مفردا ومركّبا، مفيدا وغير مفيد؛ لأنّ أقسام الكلام المنصرف (1) إليه لفظه تدلّ على الشّدّة، وأقسام القول المنصرف (1) إليها لفظه تدلّ على الخفّة؛ فجعلوا الأشدّ لقبا للأخصّ، والأخفّ لقبا للأعمّ تعديلا، ولهذا قال سيبويه: وإنماّ يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا (2). وذهب قوم (3) إلى أنه لا فرق بيين القول والكلام فى الإفادة وعدمها، فالكلام أخصّ من الكلم والقول؛ لاشتراط التّركيب والإفادة فى أحد القولين، وهو فى الإفادة مثلهما فى القول الثّانى.
القسم الثانى فى الخاص
ّ ، وفيه خمسة فروع.
الفرع الأوّل: فى أقسام الكلمة وحدودها.
الكلمة: إمّا أن تدل على معنى بالوضع، أولا تدلّ، فالعارية من الدّلالة ملغاة، والدّالّة لا تخلو؛ أن تدلّ على معنى فى نفسها، أو معنى فى غيرها فالتى تدل على معنى فى نفسها تنقسم قسمين:
أحدهما، أن تقترن الدّلالة فيه بزمن مختصّ لفظا، والآخر أن تجرّد من الدّلالة عليه لفظا، فالأوّل: الفعل، والثانى: الاسم.
والتى تدل على معنى فى غيرها هى الحرف.123
فإذا حدّ الاسم: كلّ كلمة دلّت على معنى فى نفسها مجرّدة من الزّمان المختص لفظا، نحو: زيد وضرب.
وحدّ الفعل: كلّ كلمة دلّت على معنى فى نفسها مقترنة بزمان مختصّ لفظا، نحو: ضرب ويضرب.
وحدّ الحرف: كل كلمة دلّت على معنى فى غيرها ولم تكن أحد جزئي الجملة المفيدة سوى النداء، نحو" من" و" إلي" فقولنا: كل كلمة، احتراز من الحروف غير المنتظمة، وقولنا: دلّت على معنى، احتراز من الملغاة، وقولنا: فى نفسها، آحتراز من الحروف، وقولنا: مجرّدة من الزّمان/ المختصّ احتراز من الفعل، وقولنا: لفظا، احتراز من صيغة الفعل؛ لأن للفعل ثلاث دلالات اثنتان بالوضع، والأولى منهما: دلالة" الضاد" و" الراء" والباء" على هذا النوع من الأفعال، والثّانية: دلالة صيغة الفعل على خصوص الزّمان نحو" فعل" للماضى، و" يفعل" للمستقبل، حتى لو عكس القضية واضعها لجازله.
والثالثة: دلالة الملازمة، وهى: اضطرار الحدث إلى زمن ما، يقع فيه، فهذه ثلاث دلالات، يوجد فى الاسم منها الأولى والثالثة وجودهما فى الفعل، وتوجد الثانية فيه من طريق الملازمة؛ من حيث إنّ الحدث لا بدّ أن يقع فى زمن مخصوص، لكنّ صيغة الاسم لا تدل عليه.
وقولنا فى الحرف: ولم يكن أحد جزّئى الجملة المفيدة، احتراز من" الذّى"، وقولنا: سوى النداء، احتراز من" يا زيد".
الفرع الثّانى: فى خواصّها،
وفيه نوعان: النوع الأوّل: فى تعريفها.
أمّا خواصّ الأسماء فهى كثيرة، ويحصرها طريقان: أحدهما لفظىّ والآخر معنوىّ.
أمّا اللفظىّ، فيرد فى أوّلها وحشوها وآخرها.
فالتى ترد فى الأوّل: كالألف واللّام غالبا، احتراز من دخولهما على الفعل فى قول الشاعر 1:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا … إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع 2
ويفيدانها التّخصيص نحو: الرّجل، والعلم.
وكحروف الجرّ، ويفيدها إيصال قاصر الأفعال إليها نحو هربت من زيد، ولجأت إلى عمرو.
والتى ترد فى الحشو: كألف التكسير نحو: رجال، وأحمال، وياء التصغير غالبا، احتراز من تصغير فعل التعجب
فى قول الشاعر 3:
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا … من هؤلياء بين الضّال والسّمر 4
نحو؛ رجيل، وجعيفر.
وأمّا التى فى الآخر: فكالتّنوين غالبا، احتراز من تنوين الترنّم.
والتنوين الغالى، نحو: رجل، وزيد، وكالإضافة، وتفيدها
التخصيص بغيرهما: كغلام/ زيد، وسرج الدّابّة، وثوب خزّ.
وأمّا المعنوىّ: فيتعلّق بالذات، كالتعريف والتنكير، والتأنيث والتذكير والإضمار، والإخبار عنها غالبا، احتراز من قولهم" تسمع بالمعيدىّ خير من أن تراه" 1.
وأمّا خواصّ الأفعال: فكذلك ترد فى لفظها ومعناها.
أمّا اللفظ: فترد فيه أوّلا، وآخرا.
فالتى ترد أوّلا: قد، ونخصّ الماضى والحال، وتفيدهما تقليل الحال وتقريب الماضى منه نحو: قد قام، وقد يقوم، ومنه قولهم:" قد قامت الصّلاة" وكالسين وسوف، ويخصّان المستقبل، ويفيد انه البعد من الحال والسّين أقصر زمنا من سوف نحو: سيقوم زيد، وسوف يقوم بكر، وكحروف المضارعة نحو: تقوم ويقوم، إلّا أن ينقل الفعل علما نحو: تغلب ويشكر.
وأمّا التى ترد آخرا: فكتاء الضّمير نحو: قمت وقمت، وكالتاء التّى تثبت على صورتها وصلا ووقفا غالبا، احتراز
ممّن يقف على" قائمة" بالتاء، دخلت أمارة على تأنيث الفاعل، نحو قامت هند وذهبت جمل، وهاتان التاءان تخصّان الماضى الصّيغة، وكنونى التوكيد ويخصّان المستقبل، نحو:
اضربنّ واضربن.
وأمّا التى ترد فى معناها: فمنها تصرّفها فى الأزمنة نحو: قام ويقوم، إلا أن يحدث مانع كتضمّنها ما ليس لها فى الأصل، نحو: نعم وبئس، ومنها
الأمر المشتقّ نحو: اضرب، و: ليقم زيد، ما عدا أسماء الأفعال المعدولة نحو:
نزال، وتراك.
وأمّا الحرف: فلا خاصّة له، لأنّ عدم 1 العلامة له كالعلامة، ولأنّه فى نفسه علامة، والعلامة لا تفتقر إلى علامة.
تنبيه: هذا الاحتراز الّذى أشرنا إليه فى هذا النوع وما يرد من أمثاله إنّما هو عن الشّاذّ الخارج عن القياس.
والشّاذّ فى العربيّة على ثلاثة أضرب:
ضرب شذّ عن بابه ولم يشذّ فى الاستعمال، نحو: استحوذ 2، واستصوب وقياسه: استحاذ/ مثل استقام.
وضرب شذّ عن الاستعمال ولم يشذّ عن القياس، نحو ماضى «يدع» فلم يستعملوا «ودع»، استغناء عنه ب «ترك» ومن قال «ودع» فهو شاذّ.
وضرب شذّ عن القياس والاستعمال، فلا يعرّج عليه إلّا فى ضرورة الشّعر، كإدخال الألف واللام على الفعل فى قوله:
صوت الحمار اليجدّع 3
النوع الثانى: فى أحكام هذه الخواصّ.
بعض هذه الخواصّ يتعاقب على الكلمة، لأمرين:
أحدهما: تضادّ مدلوليهما، كالألف واللام، أو الإضافة، مع التنوين لأنّ الألف واللام والإضافة تفيد تعريفا، والتنوين يفيد تنكيرا، فلا يجوز «الرّجل» ولا غلام رجل»، وكقد والسّين وسوف، لأن قد تقرّب إلى الحال والسّين وسوف يبعدان منه، فلا يجوز «قد سيقوم زيد».
والأمر الثّانى: تساوى مدلوليهما؛ كالألف والّلام مع الإضافة، وكالسّين مع سوف، فيقع الغناء بإحدى العلامتين عن الأخرى، فلا يجوز «الغلام رجل» ولا «سوف سيقوم زيد»، وما تجاوز هذين الأمرين فالجمع بينهما جائز، نحو حرف الجرّ مع التنوين، أو مع الألف والّلام، وكقد مع تاء التأنيث، وكسوف مع حروف المضارعة، تقول: من زيد، ومن الرّجل، وقد قامت هند، وسوف يقوم عمرو.
الفرع الثّالث: فى انقسامها:
ولها تقسيمات باعتبارات مختلفة، يرد كلّ تقسيم منها فى موضع يخصّه، ونحن نشير إليها فى هذا الفرع جملة فى ثلاثة أنواع:
النّوع الأوّل: الأسماء، وينقسم إلى جنس ونوع، ومفرد ومركّب، ومنقول ومرتجل، ولقب واسم وكنية، ومشتقّ وجامد، وجثّة وحدث، ومعرفة ونكرة، ومذكّر ومؤنّث، ومظهر ومضمر ومبهم، وواحد ومثنى ومجموع، وإلى معرب ومبنىّ، وصحيح ومعتلّ، وتامّ وناقص، وكامل ومحذوف، وممدود ومقصور، ومنصرف وغير منصرف، ومتمكّن وغير متمكّن، ومصدر وغير مصدر، وعامل وغير عامل.
النوع الثّانى: فى الأفعال، وينقسم إلى: ماض وحاضر ومستقبل، وأمر ونهى ودعاء، وتامّ وناقص، ومظهر ومضمر، ومتعدّ وقاصر، ومؤثّر وغير مؤثّر، ومتصرّف وغير متصرّف، ومعرب ومبنىّ، وصحيح ومعتل، ومسمّى الفاعل وغير مسمّاه.
النوع الثّالث: الحروف، وينقسم إلى مفرد ومركّب، وعامل وغير عامل، وأصل وفرع، ومظهر ومضمر، ومؤثّر وغير مؤثّر، فى قول.
الفرع الرّابع: فى اشتقاقها
أمّا الاسم: فهو مشتقّ من السّموّ، عند البصريين (1)، ووزنه فى الأصل:
سمو، ومن السّمة، عند الكوفييّن (2)، ووزنه فى الأصل وسم؛ وإنّما سمّى اسما لسموّه على قسيميه، فإنّه يخبر به، وعنه، وليسا كذلك.
والفعل مشتقّ من المصدر الذي هو الحدث، عند البصريّين، لأنّ فى الفعل زيادة على المصدر، وهى دلالته على خصوص الزّمان، والفرع، فيه ما فى الأصل وزيادة، وإنما سمّى فعلا باسم أصله، وهو الفعل فى الحقيقة وعند الكوفيّين: المصدر مشتقّ من الفعل.
والحرف مشتق من حرف الشّئ، وهو طرفه وجانبه، ولذلك سمّى حرفا؛ لأنّه يقع طرفا.
الفرع الخامس: فى المؤتلف منها
وتوجب له القسمة اثنى عشر تأليفا، تكرّر منها خمسة، وألغى ثلاثة وهى: الفعل مع الفعل، والفعل مع الحرف، والحرف مع الحرف، واستعمل فى الإفادة أربعة:
الأوّل: الاسم مع الاسم، على شريطة أن يكون للأوّل بالثّانى علقة معنى يسع مكلّفا جهله، نحو: زيد قائم، وعمرو أخوك.
الثانى: الاسم مع الفعل التامّ المتصرّف، اختراز من «كان» النّاقصة والأفعال غير المتصرّفة على هذه الشّريطة، نحو: قام زيد، وينطلق عمرو.
الثالث: الاسم مع الفعل والحرف، على هذه الشريطة، نحو: ما قام زيد، وسيقوم عمرو.
الرابع: حرف/ النداء خاصّة مع الاسم، نحو: يا زيد.12
الباب الثّانى: من القطب الأوّل فى المعرب
وفيه مقدّمة وفصلان
المقدّمة:
المعرب من الكلم قسمان: أحدهما أصل، والثانى فرع، وذلك أنّ الإعراب معنى زائد على الكلمة، فيقتضى سببا، والموجب لوجود الإعراب:
ضبط المعانى عند اشتباه الألفاظ، وهو موجود فى الأسم دون قسيميه؛ لأنّه بدلّ بصيغة واحدة على معان مختلفة،
ألا ترى أنّ صورة واحدة من اللّفظ تدلّ على التعجّب، والنّفى، والاستفهام، باختلاف الإعراب، ولولا هو لما دلّت عليها، وذلك قولك: ما أحسن زيد، فلهذا كان الإعراب فى الأسماء أصلا.
وأمّا الفرع: فالإعراب فيه بطريق الشّبه والاستحسان، وهو الفعل المضارع.
وحدّ المعرب: كلّ كلمة يغيّر حرف إعرابها حسّا أو حكما، بحركة أو حرف، لاختلاف العوامل لفظا، أو معنى أو تقديرا، فقولنا: حسّا، نحو:
«زيد» و «يضرب» وحكما، نحو؛ «عصا»، و «يسعى»، وقولنا: بحركة، كالرّفع، والنّصب والجرّ، وقولنا: أو حرف، كالألف والواو والياء، فى الأسماء السّتّة، وفى كلا وكلتا، وقولنا: لفظا، نحو من، و «لن»، وقولنا: معنى نحو الابتداء ورافع الفعل المضارع، وقولنا: تقديرا، نحو التخدير، و «أن» المضمرة.
الفصل الأول: فى المعرب من الأسماء
وفيه فرعان
الفرع الأوّل: فى تعريفه،
وهو: ما عرى من أوصاف ستّة فلم يشبه الحرف نحو: «الذى» أشبهته باحتياجها فى الإفادة إلى صلتها، ولم يتضمّن معناه
نحو «أمس».
تضمّنت بعلميّتها الألف واللام، ولم تقع موقعه، نحو: «أين» فى وقوعها موقع همزة الاستفهام، ولم يقع موقع فعل الأمر، نحو «نزال» ولم يقع موقع مشاكله، نحو: «قطام»، ولم يضف إلى غير متمكّن نحو هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (1) فيمن (2) قرأ بالفتح، فيقتضى/ له وجود هذه الأشياء فيه ضدّ ما يستحقّه من الإعراب، وهو: البناء.
وينقسم المعرب قسمين:
أحدهما: كامل أوصاف الاستحقاق، فتجرى عليه جميع أنواع إعراب الأسماء، ويسمّى متمّكنا أمكن، نحو: رجل وزيد وعلم، فاستحقّ الإعراب مطلقا؛ لمنافاة الحرف، واستحقّ كمال الإعراب؛ بانتفاء مشابهة الفعل.
والثانى: ناقص أوصاف الاستحقاق، فلم يجر كمال أنواع إعراب الأسماء عليه، ويسمّى متمكّنا غير أمكن، نحو: أحمد وفاطمة.
الفرع الثّانى: فى أنواعه،
وهى نوعان: صحيح حرف الإعراب، ومعتلّه.
النوع الأوّل: الصّحيح حرف الإعراب، وهو: ما لم يكن حرف إعرابه ألفا ولا واوا، ولا ياء، وهو على قسمين:
القسم الأول: ما كان عاريا من مشابهة الحرف من كل وجه ومن مشابهة الفعل من وجهين مخصوصين، وهو: المتكّن الأمكن الجارى عليه جميع أنواع إعراب الأسماء وهى: الرّفع، والنّصب والجرّ، نحو رجل، تقول: هذا رجل، ورأيت رجلا، ومررت برجل، ويسمّى منصرفا، وله علامة تؤذن بصرفه، وهى تنوين التمكين؛ لأن التنوين ينقسم فى العربيّة خمسة أقسام، وسيرد بيانها فى أبنية الحروف،12
وهذا تنوين التمكين، [و 1] هو الدّالّ على تمكّن الاسم فى بابه وصرفه، ولهذا قال فيه سيبويه 2: ودخل التنوين فى الكلام علامة للأخفّ عليهم والأمكن عندهم، وقال غيره 3: دخل فرقا بين المضاف والمفرد، وهو من خواصّ الأسماء كما سبق ذكره 4، فإن طرأ على هذا التنوين ما يحذفه، كالألف والّلام، أو الإضافة جرى الإعراب على الاسم بحاله عند وجود مقتضيه، وجرّ المضاف إليه على كل حال، لفظا وموضعا، نحو: الرّجل، وغلام زيد، وصاحب أحمد.
القسم الثانى: ما شابه الفعل من وجهين، باجتماع علّتين فرعيّتين مخصوصتين من علل تسع، أو علّة منها تقوم مقامهما وهى: التعريف الوضعىّ، والعجمة المنقولة معرفة، والعدل، والنّعت، ووزن الفعل الّذى يغلب عليه/ أو يخصّه، والألف والنّون المضارعتان لألفى التأنيث، والتركيب والجمع المخصوص، والتأنيث، وسيرد شرح هذه العلل فى باب مفرد، وهذا هو المتمكّن غير الأمكن، ويسمّى غير منصرف، وله حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون عاريا من الألف واللام والإضافة، ويمتنع منه حينئذ التنوين مع الجرّ عند عامله، ويعوّض من الجرّ فتحة، ويدخله الرّفع والنّصب عند عاملهما، نحو: أحمد، وعمر، وإبراهيم، وأصفر، وتغلب وعثمان، وحضر موت، ومساجد، وزينب.
الحالة الثّانية: أن يكون فيه الألف واللّام أو الإضافة، وحينئذ يعود إليه الجرّ عند عامله، نحو: الأصفر، وأحمدكم، ويكون امتناع دخول
التنوين عليه لأنه غير منصرف، لا لإنّه يضادّ الألف واللام والإضافة، وإن كانت المضادّة سببا فى امتناعه؛ فلا يقال لما دخله الألف واللام والإضافة منها منصرف، وإن دخله الجرّ، لأنّ المنصرف: ما دخله التنوين فى حالة ما، وهو لا يدخله مع عدمها، وها هنا أحكام تحتاج إلى بيان:
الحكم الأوّل: مشابهة الفعل من وجهين، وذلك: أنّ الفعل فرع على الاسم كما سبق؛ لأنّه مشتقّ منه؛ ولأنّه لا تتمّ به الفائدة إلا مع الاسم، فهو فرع عليه من هذين الوجهين، وغير المنصرف قد صار باجتماع العلّتين الفرعيّتين فيه فرعا من وجهين، كما سيأتى فى بيان العلل 1.
الحكم الثانى: أنّ التّنوين هو المقصود أوّلا بالحذف؛ لأنّهم قسّموا المقصور إلى منصرف وغير منصرف، نحو: «عصا» و «حبلى»، ويعنون بهما: ما دخله التّنوين، وما لم يدخله، لأنّ الجرّ لا مساغ له فيه لفظا.
الحكم الثالث: إتباع الجرّ التنوين؛ لمشاركته له فى اختصاصهما بالاسم وقيامه مقامه؛ إذ عاقبه فى الإضافة، ويدلّ على ذلك عوده عند أمن التنوين، بوجود الألف واللام، أو الإضافة.
الحكم الرّابع: تعويض الجرّ فتحة، وسببه؛ كونهما 2 فضلتين، واستواؤهما فى الكتابة 3، وللمعاوضة من حملهم النصب على الجرّ فى التثنية والجمع.
الحكم الخامس: بيان خصوص العلّتين، وهو: أن يكون أحدهما تعريفا، أو وصفا، أو عدلا، أو وزن فعل مخصوصين، أو تأنيثا لازما، أو جمعا مخصوصا، والأخرى واحدة من باقى العلل، ألا ترى أنّ «أذربيجان»
فيه خمس علل هى: التعريف، والتأنيث غير الّلازم، والعجمة، والتركيب والألف والنّون، فلا ينصرف، وإذا نكّرته صرفته؛ لعدم التعريف؟
الحكم السّادس: العلّة القائمة مقام علّتين هى: التّأنيث اللازم بألفيه المقصورة والممدودة، والجمع المخصوص،
نحو: حبلى وحمراء، ومساجد.
النوع الثانى: المعتّل حرف الإعراب، وهو ما كان حرف إعرابه ألفا أو ياء أو واوا، وينقسم إلى أربعة أضرب، ورديف:
الضّرب الأوّل: الألف إذا كانت حرف إعراب، ولا يكون ما قبلها إلّا مفتوحا؛ لتعذّر النّطق، وسمّى مقصورا؛ لأنّه قصر عنه جميع أوجه الإعراب لفظا، أى: حبس، نحو: عصا ورحى، ولا تكون الألف إلا فى الأسماء المعربة أصلا، فإذا وجدت فيها حرف إعراب فلا يخلو أن تكون منقلبة عن واو أو ياء أصلين، نحو: عصا ورحى؛ لقولهم: عصوان، ورحيان، أو منقلبة عن حرف الإلحاق، نحو: أرطى 1، ملحقا بجعفر فى أحد القولين، أو أن تكون للتأنيث، نحو: حبلى وسكرى، أو للتكثير نحو قبعثرى 2، ولا يدخلها فى جميع مواضعها شيئ من الإعراب، لأنّها إذا تحرّكت عادت إلى ما قلبت عنه، أو انقلبت همزة، كما تراه فى التّصريف إن شاء الله، وإنّما يحكم على الموضع بالإعراب، تقول: هذه العصا، ورأيت العصا، ومررت بالعصا، وهو على ضربين: منصرف، وغير منصرف.
فالمنصرف: يدخله التنوين، فيجتمع مع الألف وهى ساكنة فتحذف وتبقى الفتحة قبلها تدل عليها.
وغير المنصرف: ما لا يدخله تنوين نحو: حبلى وسكرى، وتثبت
ألفه؛ لعدم ما يزيلها، ويستويان لفظا فى حال التّعريف بالألف واللام، أو الإضافة، نحو العصا، وعصا الرّجل، والحبلى، وحبلى القوم، وهو على ضربين، مقيس ومسموع، وسنفرد لهما بابا فى القطب الثّانى.
الضّرب الثّانى: الياء وإذا كانت حرف إعراب، فلا يخلو ما قبلها: أن يكون ساكنا، أو متحرّكا، فالسّاكن على ضربين.
أحدهما أن يكون ياء مثلها، نحو: صبىّ، وكرسيّ، والثّانى: أن لا يكون ياء، نحو: ظبى، ونحى، وهما سواء فى تحمّل أوجه الإعراب كالصّحيح، تقول: هذا صبىّ ونحى، ورأيت صبيّا ونحيا، ومررت بصبيّ ونحى، وأمّا المتحرّك: فلا يخلو: أن تكون الحركة كسرة، أو فتحة، أو ضمّة.
أمّا الكسرة: فنحو: القاضى والرّامى، ويسمّى منقوصا، لأنّه نقص الياء، بعض الإعراب، وله حكمان:
الأوّل: فى الرّفع والجرّ، وقد استثقلا مع الياء، لكراهة النّطق به نحو:
هذا قاضى، ومرر بقاضى، فمنعا من الّدخول عليها فبقيت ساكنة، تقول:
هذا قاضى، والقاضى، وقاضيك، ومررت بقاضى، والقاضى، وقاضيك، فإذا لقيها ساكن بعدها، كلام التعريف، وباء ابن، حذفت الياء لفظا، وثبتت خطّأ، نحو: قاضى القوم، ورامى ابنك، فإن كان الساكن تنوينا حذفت الياء لفظا وخطّأ، وبقيت الكسرة قبلها تدل عليها، تقول: هذا قاض يا فتى، ومررت بقاض يا فتى.
الحكم الثانى: فى النصب، وهو جار مجرى الصّحيح فى تحمّل الفتحة لخفّتها نحو رأيت قاضيا، والقاضى، وقاضيك، على أنّه قد جاءت أنواع المنقوص فى الشّعر على الأصل مع الرّفع والجرّ، تشبيها بالنّصب، وجاءت فى النّصب بالحذف، حملا عليهما، قالوا فى الرّفع:
تراه وقد فات الرّماة كأنّه … أمام الكلاب مصغى الخدّ أصلم 1 وقالوا فيه: وكأنّ بلق الخيل فى حافاته … ترمى بهنّ دوالى الزّرّاع 2 وقالوا في الجرّ: فيوما يوافين الهوى غير ماضى … ويوما ترى منهنّ غولا تغوّل 3 وقالوا فيه: لا بارك الله فى الغواني هل … يصبحن إلا لهنّ مطّلب 4 ومثله: ما إن رأيت ولا أرى فى مدّتى … كجوارى يلعبن فى الصّحراء 5 وقالوا فى النّصب: ولو أنّ واش باليمامة داره … ودارى بأعلى حضر موت اهتدى ليا 6
ومنه قولهم:
أكاشر أقواما حياء وقد أرى … صدورهم باد علىّ مراضها 1
وأمّا إذا كان ما قبل الياء ضمّة أو فتحة، فإنّه أصل مرفوض، وإن كان القياس يقتضيه، فمثال الضمّة «ظبى» إذا جمعته جمع قلّة على «أفعل» فالقياس أظبى نحو «أكلب»، وحكمها: أن تقلب الضّمّة كسرة فتصيّره بمنزلة «قاضى» ويجرى عليه حكمه، فيرجع بعد القلب والتغيير إلى «أظب» لأنّهم إذا استثقلوا الكسرة قبل الياء فلأن تستثقل الضمّة قبلها أولى.
ومثال الفتحة «فتى» أصله فتى، مثل «جمل»، لقولهم: فتيان، فلمّا تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا، وألحق بالمقصور، وقد ذكرناه 2.
الضّرب الثالث: الواو إذا كانت حرف إعراب فلا يخلو: أن يكون ما قبلها ساكنا أو متحّركا، أمّا السّاكن: فحكمه حكم الياء إذا سكن ما قبلها فى تحمّل الإعراب كالصّحيح، نحو: «عدوّ» و: «فلوّ»، و «غزو» و «عدو».
وأمّا المتحرّك، فلا يخلو: أن تكون حركته ضمّة أو فتحة أو كسرة، وجميعها أصول مرفوضة، للاستثقال.
أمّا الضّمّة: فنحو «حقو» 3 ودلو، إذا جمعتهما جمع قلّة على أفعل قلت: «أحقو» و «أدلو»، فقلبت الضّمّة كسرة فانقلبت الواو ياء، وألحق بالمنقوص فقلت: أحق، و: أدل.
وأمّا الكسرة: فنحو اسم الفاعل من غزا و «دعا»، هو فى الأصل «غازو» وداعو فقلبت الواو ياء، وألحق بالمنقوص، فقلت: «غاز» و «داع»، وأمّا الفتحة: فنحو: عصا و «قنا»، أصلهما «عصو» و «قنو» فقلبت الواو ألفا، وألحق بالمقصور، وقد تقدّم ذكره.
فهذه الأحكام تؤدّى إلى أنّه ليس فى العربيّة اسم/ معرب آخره واو قبلها ضمّة، إلا الأسماء السّتّة المضافة، فى الرّفع.
الضّرب الرابع: فى الأسماء المعربة بالحروف، وهى ستّة أسماء، أعربت في حال الإضافة إلى غير المتكلّم بحروف العلّة؛ توطئة للتّثنية والجمع وهى:
أبوك، وأخوك، وحموك، وهنوك، وفوك، وذو مال، تقول فى الرّفع: هذا أبوك، وأخوك وحموك، وهنوك، وفوك، وذو مال، وفى النّصب: رأيت أباك، وأخاك، وحماك، وهناك، وفاك، وذا مال، وفى الجّر: مررت بأبيك، وأخيك، وحميك، وهنيك وفيك، وذى مال، فالواو والألف والياء حروف الإعراب وعلاماته عند سيبويه 1، وغيره 2 يخالفه فى ذلك، وهذه الأسماء السّتّة على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: تكون عينه فى حال الإفراد حرف إعرابه ويعرب بالحركات، وفى حالة الإضافة إلى غير المتكلّم تعاد لامه، ويكون إعرابه بالحروف وهى: أب، وأخ وحم، وهن.
وقد استعملوها فى حالة الإضافة بغير لام، وأعربوها بالحركات
قال الشّاعر 1:
رحت وفى رجليك ما فيهما … وقد بدا هنك من المئزر
وقال 2:
سوى أبك الأدنى فإنّ محمّدا … علا كلّ شئ يا ابن عمّ محمّد
وقد أبدلوا من لام «حم» فى الإفراد همزة فقالوا: حمء.
وقد استعملوها فى الأحوال الثلاث بالألف، قالوا:
إنّ أباها وأبا أباها … قد بلغا فى المجد غايتاها 3
وجاء فى المثل: «مكره أخاك لا بطل».
4
ومنهم من يردّ الّلام فى حال الإضافة إلى النّفس فيقول: هذا أبىّ، وأنشدوا: فلا وأبىّ لا أنساك حتّى … ينسّى الواله الصّبّ الحنينا 1 القسم الثانى: يكون محذوف اللام فى حال الإفراد والإضافة، إلا أنّ إعرابه مع الإفراد بالحركات، ومع الإضافة بالحروف، وهو «فوك»، وعوّضوه فى الإفراد من عينه التى هى «واو» ميما؛ لأنّها لو تركت لحذفها التّنوين، كما حذف ياء «قاض»، وألف «عصا»، فكانت الكلمة تبقى على حرف واحد، وهو غير موجود فى المعربات، فقالوا: فم، وقد جمع الشاعر بينهما فقال 2: هما نفثا فىّ فمويهما … على النّايج العاوى أشدّ رجام (2) وقد استعملها فى الإفراد بغير عوض، قال 3: خالط من سلمى خياشيم وفا
وسأل عيسى 1 بن عمر ذا الرّمّة: هل يقولون: هذا فو، فقال: بل يقولون: «قبّح الله ذا فا»، وهى عربّية، والأولى أن لا تستعمل «فم» فى الإضافة، ولا يستعمل فو فى الإفراد.
القسم الثالث: «ذو»، ولا تستعمل إلا مضافة، لأنّهم إنما جاءوا بها توصّلا إلى وصف الأسماء بأسماء مثلها غير جارية على الأفعال، كقولك: مررت برجل ذى مال، وذى دار، وذى قيام، ولا تضاف إلى مضمر عند سيبويه 2، فلا تقول: مررت برجل ذيك، وذيه، وأجازه المبّرد 3، وحكاه فى الشّعر مجموعا، قال كعب بن زهير 4:
صبحن الخزر جيّة مرهفات … أبار ذوى أرومتها ذووها
وأنشد الفارسىّ:
إنّما يعرف ذا الفضل من النّاس ذووه 1
ومنه قول النّاس: «صلّى الله على سيّدنا محمد النبىّ وذويه».
وهذا جميعه لم يرد إلا مجموعا، وقد جاء فى الشّعر غير مضاف قال 2:
فلا أعنى بذلك أسفليكم … ولكنىّ أريد به الذّوينا
ول «ذى» كلام يخصّها غير هذا، يجئ فى باب الموصولات 3.
فأمّا أوزان هذه الأسماء فإنّ «أبا» و «أخا» و «حما» و «هنا» أوزانها «فعل» مفتوح العين، نحو: «أبو» و «أخو» و «حمو» و «هنو»، فحذفت لاماتها؛ لقولهم فى التثنية: أبوان وأخوان وحموان وهنوان.
وفى الجمع:
آباء وآخاء وأحماء وهنوات.
وأمّا فم: فأصله «فوه» ساكن العين؛ لقولهم: أفواه، وفويه وتفوّهت، وإنمّا جمع على أفعال، وهو ساكن العين، لأنّ المعتلّ العين يجمع كذلك نحو: بيت وأبيات، وسوط وأسواط، فحذفت لامه اعتباطا، ثم حذفتّ عينه، وعوّض منها «ميما» كما سبق.
وأمّا ذو: فأصله «ذوى» مثل «نوى»، ووزنه فعل بالفتح، فكان لامه ياء، ومنهم من يعتقدها واوا.
ومتى أضفت هذه الأسماء إلى نفسك، حذفت لاماتها فى الأحوال الثّلاث، ما عدا «ذا»، تقول: هذا أبى، وأخى، وحمى، وهنى ساكنة الياء، و «فىّ» مشدّدة، وحكى المبّرد 1: أبىّ وأخىّ مشدّدا.
فأمّا ذو: فلا تضاف إلى الضّمير، كما سبق، ومن أجاز ذلك قال:
ذىّ مثل فىّ.
الرّديف لهذه الأضرب: الهمزة، والعادة جارية أن يذكر عقيب الأسماء المعتلّة ما كانت الهمزة له حرف إعراب: لنوع من المشابهة بينها وبين حروف العلّة، وإن كان القياس يقتضى أن لا يذكر معها؛ لأنّها جارية مجرى الحرف الصّحيح، وهى إذا كانت حرف إعراب، على ضربين:
أحدهما: أن يكون قبلها ألف، وتسمّى الكلمة ممدودة، نحو: كساء، ورداء، وحرباء، وقرّاء، وحمراء، وهو على ضربين: مقيس، ومسموع، وسنفرد لهما بابا فى القطب الثانى 2.
والثّانى: ألا يكون قبل الهمزة ألف، وتسمّى الكلمة مهموزة، نحو:
قارئ وبارئ، ومنشئ، ومبتدئ.
وهذان الضّربان جاريان مجرى الصّحيح فى تحمّل أوجه الإعراب تقول: هذا كساء، وحمراء، وقارئ، ورأيت كساء وحمراء وقارئا، ومررت بكساء وحمراء وقارئ.
فإن كان قبل الهمزة واو، أو ياء، نحو: مشنوء، وبدئ 3، فالقياس أن يسمّيا ممدو دين، ويجرى عليهما الإعراب.
الفصل الثانى: فى المعرب من الأفعال
وفيه فرعان.
الفرع الأوّل: فى تعريفه
، وهو نوعان:
النّوع الأوّل: الفعل المضارع، إذا لم يوجد فيه مانع من نونى التّوكيد ونون جماعة النّساء، فإنّه يكون معها مبنيّا، وإنّما استحقّ الإعراب لمشابهته الأسماء من وجوه.
منها: أنّه يعمّ زمانى الحاضر والمستقبل بصيغته، فإذا دخلته السّين أو سوف، اختصّ بالمستقبل، فأشبه الاسم فى عمومه وخصوصه، مع عدم لام التّعريف ووجودها، نحو: يقوم وسيقوم، ورجل والرّجل.
ومنها: كونه على حركة اسم الفاعل نحو: يضرب وضارب، وينطلق ومنطلق، ويستخرج ومستخرج.
ومنها: دخول لام الابتداء المختصّة بالأسماء عليه، نحو قولك: إنّ زيدا ليقوم، وإنّ زيدا لقائم، وفيه نظر 1، والأصل الأوّل، فأعطى لهذه المشابهة بعض الإعراب، وإن كان فى الأصل مستغنيا عنه، ألا ترى أنّ تغيّر آخره لا يوجب له زوال معنى وحدوث غيره كالاسم؛ لأنّه فى حال الرّفع والنّصب والجزم يدل دلالة واحدة على الحدث والزّمن المختصّ؛ فلهذا كان إعرابه فرعا.
ويلزم أوّل الفعل المضارع إحدى الزوائد الأربع التى هى: الهمزة، والنون والتّاء، والياء، فالهمزة للمتكلّم، نحو: أقوم، وأقعد، وأنطلق، وأستخرج والنّون للمتكلّم إذا كان معه غيره، نحو: نقوم، وننطلق، ونستخرج وللمتكلّم العظيم فى نفسه، كقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ 1 والتّاء للمخاطب: الذّكر والأنثى، نحو: تقوم وتقومين، وتنطلق وتنطلقين، وللمؤنّثة الغائبة، نحو: تقوم هى، والياء للمذكّر الغائب، نحو: يقوم هو، وللمؤنّثات الغائبات، نحو: هنّ يضربن.
وإنما خصّت هذه الحروف بالزّيادة، لأنّ أولى ما زيد حروف المدّ واللّين ولم يمكن زيادة الألف، لأنّها ساكنة أبدا، والسّاكن لا يبتدأ به، فأبدلوا منها الهمزة؛ لمشابهتها لها مخرجا وزيادة، وأمّا الواو فلو زيدت لاجتمعت مع فعل فاؤه «واو»، وقد يعطف بواو فيقبح النّطق به؛ فعوّضوا منها التاء؛ لمشابهتها لها زيادة، وقرب مخرج، وكما قالوا:
تالله 2، وتراث، وأمّا الياء، فلم يوجد فيها مانع، فزيدت، وبقى معهم معنى آخر، وهو الجمع، فجعلوا النّون له علامة؛ لمشابهتها حروف العلّة زيادة، وحذفا، وبدلا.
وهذه الحروف لها ثلاث حالات: حالتان مطّردتان، وأخرى شاذّة:
فالأولى: أن تكون مضمومة أبدا فى كل فعل ماضيه على أربعة أحرف نحو: أكرم يكرم، ودحرج يدحرج.
والثانية: أن تكون مفتوحة أبدا فى كل فعل، ماضيه على غير أربعة أحرف، نحو: ضرب يضرب، وانطلق ينطلق، واستخرج يستخرج.
والثّالثة: هو أن تكسر الهمزة والنّون والتّاء، فى كلّ فعل ثلاثىّ، عين ماضيه مكسورة، وفيما زاد على الأربعة، ممّا فى أوّله همزة، نحو: علم واستخرج تقول فيه: اعلم ونعلم، ونستخرج، وهى لغة تميم 1 وأسد وقيس وربيعة.
النّوع الثانى: فعل الأمر إذا دخلت عليه اللّام، ويكون للمتكلّم الغائب مطّردا، وللمخاطب شاذّا، تقول فى المتكلّم: لأقم ولأضرب زيدا، ومنه قوله تعالى: وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ 2، وتقول فى الغائب ليقم زيد، وليضرب زيد عمرا وتقول فى المخاطب: لتضرب زيدا ولتقم، وعليه قرئ قوله تعالى:
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا 3، وتنسب هذه القراءة إلى النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم، ولم تجئ فى السّبعة 4.
ونحاة البصرة يخصّون هذا النّوع بالإعراب، وما عداه من أفعال فهو مبنىّ.
وأمّا نحاة الكوفة 5 فيجعلون جميع أفعال الأمر معربة ويقدّرون لام الأمر مضمرة عاملة للجزم.
فأمّا الأمر للمخاطب، فإنّك تحذف من الفعل المضارع حروف المضارعة فإن كان الّذى بعدها ساكنا جئت بهمزة الوصل؛ توصّلا إلى النّطق بالسّاكن تقول فى، يضرب وينطلق ويستخرج: اضرب وانطلق واستخرج، وإن
كان متحرّكا، نطقت بما بقى ولم تزد شيئا، تقول فى يضع، ويدحرج ويضارب: ضع، ودحرج، وضارب، فإن كان رباعيّا فى أوّله همزة أعدتها فى الأمر، نحو: أكرم وأحسن.
الفرع الثّانى: فى أنواعه،
وهى نوعان:
النّوع الأوّل: فى الأصلىّ.
الفعل المضارع بعض أقسام الأفعال، فإذا ذكرنا أقسامها دخل تحتها، فنقول: الفعل ينقسم إلى؛ ماض، ومستقبل وبعضهم يثبت الحاضر قسما ثالثا.
فالماضى: ما قرن به الزّمان الماضى قلّت حروفه أو كثرت، نحو؛ قام ودحرج وانطلق، واستخرج، تقول: قام أمس وانطلق عام أوّل.
والحاضر: ما قرن به الحاضر من الأزمنه، نحو؛ هو يقوم الآن وينطلق السّاعة.
والمستقبل: ما قرن به المستقبل من الأزمنة، نحو: هو يضرب غدا ويستخرج بعد غد، وهذا اللّفظ يشترك فيه الحال والأستقبال؛ فمنهم من يجعله أصلا فى الحال، فرعا فى الاستقبال، ومنهم من يعكس ذلك، وهى على أربعة أضرب:
الأوّل: ماض فى اللّفظ والمعنى، إذا لم يكن معه قرينة تنقله؛ فإنّ صيغته موضوعة - فى الأصل - للزّمن الماضى، ومعناها: وقوع الحدث فيه نحو قام وقعد.
الثّانى: ماض فى اللّفظ مستقبل فى المعنى، وهو كلّ فعل ماض دخل عليه حرف الشّرط، نحو: إن قام زيد قمت، وقام لفظه ماض، وقد جعله حرف الشّرط مستقبل المعنى؛ لأنّ معناه: إن قام زيد غدا قمت.
الثّالث: مستقبل فى اللّفظ والمعنى، نحو: يضرب، إذا لم يكن معه
قرينه تنقله؛ فإنّ صيغته موضوعه فى الأصل للزّمن المستقبل، ومعناها: وقوع الحدث فيه.
الرّابع: مستقبل في اللفظ ماض فى المعنى، وهو كلّ فعل مستقبل اقترن به حرف الجزم، نحو: لم يخرج زيد، فحرف الجزم جعل" يخرج ماضى المعنى، تقديره: لم يخرج زيد أمس؛ فللمّاضى إذا صيغة تخصّه وهى 1 " ضرب" إذا لم يكن معه قرينة، وللمستقبل/ صيغة تخصّه وهى:
الأمر والنّهى، وليس للحاضر صيغة تخصّه.
النّوع الثّانى: فى الفرعىّ، وهو على ضربين: صحيح، ومعتلّ كالاسم:
فالصّحيح: يعرب بوجوه إعراب الأفعال؛ رفعا، ونصبا، وجزما، نحو:
هو يضرب، ولن يضرب، ولم يضرب.
فالرّفع عامله معنوىّ، وهو: وقوعه موقع الاسم، نظير المبتدأ أو خبره كقولك: زيد يضرب؛ لأنّ ما بعد المبتدأ من مظانّ صحّة وقوع الأسماء وكذلك إذا قلت: يضرب الزيدان؛ لأنّه من ابتدأ بكلام لم يلزمه أن يبتدئ باسم أو فعل، بل مبتدأ كلامه موضع خبره فى أيّهما أراد ومتى وقع الفعل المضارع فى موضع لا تقع فيه الأسماء، لم يجز رفعه، نحو: لم يضرب زيد؛ لأنّك لا تقول: لم زيد، فأمّا قولهم: كاد زيد يقوم، وطفق يأكل، وجعل يضرب
فالأصل فيه: أن يكون الخبر اسما، فعدلوا عنه، وقد استعملوه فى قوله 1:
فأبت إلى فهم وما كدت آيبا
وأمّا النّصب والجزم فعاملهما لفظىّ، نحو" لن" و" لم".
وأمّا المعتلّ فهو: كلّ فعل حرف إعرابه ألف أو واو أو ياء نحو: يسعى ويغزو، ويرمي؛ وهذه الأحرف الثّلاثة تكون فى الرّفع ساكنة، وفى الجزم محذوفة؛ وفى النّصب تفتح الواو والياء، وتبقى الألف على سكونها، تقول:
هو يسعى ويغزو ويرمى، ولم يسع ولم يرم ولم يغز، ولن يسعى ولن يغزو ولن يرمى.
فإن ثنّيت الضّمير فى الفعل، مذكّرا أو مؤنّثا، أو جمعته مذكّرا أو أفردته مؤنّثا؛ صحيحا ومعتلا - وهو خمسة أمثلة: يضربان، وتضربان وتضربون، ويضربون، ونضربين - كان رفع هذا القبيل بإثبات" النون" ونصبه وجزمه بحذفها؛ تقول: أنتما تضربان وترميان، ولن تضربا ولن ترميا، ولم تضربا ولم ترميا، وأنتم تضربون وترمون، ولن تضربوا ولن ترموا
ولم تضربوا ولم ترموا، وأنت تضربين وترمين، ولن تضربى ولن ترمي ولم تضربي ولم ترمي.
وهذه الأفعال الخمسة معربة، وليس لها حرف إعراب، والنون فيها بدل من ضمّة.
الفعل، التى هى علامة الرّفع.
الباب الثّالث من القطب الأوّل: فى المبنىّ
كلّ شيئين متضادّين، إذا عرّف أحدهما عرّف الآخر، ولما عرّف المعرب كان القياس أن لا يعرّف المبنىّ، لكن العادة جارية أن يذكر؛ زيادة فى البيان، ولأنّ له أحكاما تفتقر إلى شرح، فنقول: المبنيّات كثيرة، وحدّها: ما لزم آخره إحدى الحركات الثّلاث، والسّكون، وينقسم قسمين: أصلا وفرعا، فلنذكرهما فى فصلين.
الفصل الأول: فى الأصلىّ،
وهو نوعان النوع الأوّل: الحروف جميعها، مفردها ومركّبها، وعاملها وغير عاملها، لا حظّ لها فى الإعراب؛ لغناها عنه؛ فإنّ كلّ حرف منها موضوع لمعنى خصّ به، إلا أن تنقل، فنسمّى بها فتعرب إعراب الأسماء؛ فما كان منها آخره معتلا زيد عليه حرف من جنسه، وما كان صحيحا لم يزد عليه شيئ، تقول: هذا باء، وهل، وليت، ولعلّ، وماء، وفىّ، ولوّ.
النّوع الثّانى: بعض الأفعال؛ للعلّة المذكورة فى الحروف؛ ولعدم مشابهة الأسماء، وهى ثلاثة أفعال:
الأول: الفعل الماضى على اختلاف أبنيته، نحو، ضرب، وضارب، وتضارب، وضرب.
الثانى: فعل الأمر العارى من اللّام فى جميع أبنية الفعل، نحو: اضرب وقم، وانطلق، ودحرج، واستخرج.
الثّالث: الفعل المضارع المتّصل به نونا التوكيد، ونون جماعة المؤنثّ، نحو: هل تضربنّ، وتضربن، وهنّ يضربن.
فأمّا نونا التوكيد: فلهما باب (1) يذكران فيه.
وأمّا نون جماعة النّساء، فإنّها أبدا مفتوحة ساكن ما قبلها لا يحذفها (2) عامل؛ تقول: هنّ يضربن ويرمين، ولن يضربن ولن يرمين، ولم يضربن ولم يرمين؛ وهذه النّون قد جعلها قوم للعدد القليل من (3) الموّنث، وأطلقها آخرون (4) على القليل والكثير، وكأنّه الأشبه والأكثثر فى النّظم والنّثر.
الفصل الثّانى: فى الفرعىّ
وهو الأسماء: إذ قد بيّنا أنّ الإعراب فيها أصل، فيكون البناء فيها فرعا؛ لعوارض أوجبت له ذلك، وهى مشابهة الحرف، وتضمّن معناه، والوقوع موقعه، وقد ذكرنا ذلك فى الباب الثانى 5.
والمبنى من الأسماء على ضربين.
ضرب استحكم فى شبه الحرف؛ فلم يزل عنه، نحو: أين وكيف.
وضرب اعترض له البناء؛ فلم يوغل فيه، كالمنادى المفرد المقصود، نحو: يا زيد.
ولا تخلو الأسماء المبنيّة: أن تكون مفردة، أو مركّبة.
أمّا المفردة: فسبعة أنواع وهى: المضمرات، وأسماء الإشارة.
والموصولات، وأسماء الأفعال، والكنايات، وبعض الظّروف التى لم تتمكّن،1234
والأصوات المحكيّة، نحو: أنت، وهذا، والذّى، ونزال، وكم، والآن، وغاق.
وأمّا المركبة: فضربان: مضاف، وغير مضاف:
أمّا المضاف: فنوعان:
أحدهما: ما كان أصله الإضافة فمنعها، نحو: قبل وبعد.
والثّانى: ما كان مضافا إلى الجملة، نحو؛ إذ وإذا.
وأمّا غير المضاف: فخمسة أنواع؛ اسم بنى مع اسم، واسم بنى مع فعل، واسم بنى مع حرف، واسم بني مع صوت، وصوت بنى مع صوت.
ويلحق بهذه الخمسة فعل بنى مع حرف، وحرف بني مع حرف، نحو:
خمسة عشر، وحبّذا، ولا رجل، وعمرويه، وحىّ هلا، وتضربنّ، وهلّا، فهذه الأنواع جملة ما بنى من الأسماء، ولها أحكام كثيرة، ومعارف تحتاج إلى بيان، إلا أنّ منها مالها أبواب مفردة ترد فيها، وهى: المضمرات، وأسماء الإشارة، والموصولات، وأسماء الأفعال، وبعض الظروف، والعدد، وغير ذلك وتذكرها هنا ما بقى منها:
الأوّل: الظّروف التى لم تتمكّن، نحو: الآن، وأين، وأنّى، وقد ألحق ابن السّرّاج 1 بها مذ ومنذ؛ لأنّهما للزّمان.
أمّا الأن: فهى الزّمان الذّي يقع فيه الحركة والسّكون، قولا 2 وفعلا
وقد وقعت فى أوّل أحوالها بالألف واللّام معرفة 1، وليس لها نكرة، فلا يقال:
آن؛ ولذلك بنيت 2.
وأمّا أين وأنّى: فمتقاربا المعنى فى الدّلالة على المكان، ويرد بيانهما فى باب الاستفهام 3، والشّرط 4.
الثّانى: الأسماء المركّبة ممّا لا يجيء له باب، وهى على ضربين.
ضرب يقتضى تركيبه أن يبنى الاسمان معا.
وضرب لا يقتضى تركيبه إلا بناء الأوّل منهما، والفرق بينهما؛ أن أمّا تضمّن الاسم الثّانى منه حرف، بنى شطرة بوجود علّتي البناء فيهما معا.
أمّا الشطر الأوّل، فلأنّه تنزّل منزله بعض الكلمة.
وأمّا الثّانى، فلأنّه تضمّن معنى الحرف.
وأمّا ما خلا الاسم الثّانى منه من تضمّن الحرف، فيبنى الاسم الأوّل، ويعرب الثانى.
فمثال القسم الأوّل قولهم:" وقعوا فى حيص بيص" 5، وتفرّقوا شغر
بغر" 1، و" شذر مذر" 2، و" حاث باث" 3 و" خاز باز 4 " و" أخول أخول 5 "، و" بين بين 6 " و" لقيته كفّة كفّة 7 " و" هو جارى