البديع في علم العربيةصفحات 574-613

وأمّا الطّويل: فبمنزلة المضاف، تقول: لا خيرا من زيد عندك، ولا ضاربا عمرا فى الدّار، ولا تبنى، وتقول لا مرور بزيد، فتبنى، ولا مرورا بزيد فتنصب على اختلاف تقديرين، فما لا تعلّقه بالأوّل وأردت به العموم بنيته، وما علّقته بالأوّل أعربته، وبيان ذلك: أنّك إذا لم تجعل زيدا" متعلّقا بالمرور قصدت نفى المرور مطلقا، وجعلت" زيدا" متعلّقا بمحذوف، كأنّك قلت: لا مرور موجود، أو كائن بزيد، فحينئذ تبنى؛ لأنّ غرضك نفى المرور مطلقا، فإن علّقت" زيدا" بالمرور أعربته؛ لأنّك لم ترد نفيا عامّا، ألا ترى أنّك إذا قلت: لا آمر لك يوم الجمعة، نفيت جميع الآمرين، وإذا قلت: لا آمرا لك، نفيت آمرى يوم الجمعة خاصّة، ومثله قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ 1 إنّما أراد نفى التّثريب/ مطلقا.
الحكم الرّابع: تدخل لام الإضافة على بعض الأمثلة، فيعتدّ بها من وجه، ولا يعتدّ بها من وجه، كقولك: لا أبا لزيد، ولا أخا لعمرو، فالأب: منصوب ب" لا"، و" زيد" مجرور بالإضافة.
فأمّا وجه الاعتداد بالّلام: فإنّ الأب لو كان مضافا على الحقيقة، لكان معرفة، و" لا" لا تنصب المعارف، فلولا أنّ اللّام معتدّ بها قاطعة للإضافة لما جاز أن ينصب الأب.
وأمّا وجه ترك الاعتداد: فثبات الألف فى قولك:" أبا"؛ لأنّ هذه الألف لا تعود إلى الأب إلّا عند الإضافة؛ فلا تقول: رأيت الأبا، وتقول: رأيت أبا زيد، فلولا أنّ اللّام غير معتدّ بها لما عادت الألف، ولم يفعلوا هذا مع غير الّلام من حروف الجرّ، فإن فصلت فقلت: لا أب فيها لك، حذفت

الألف عند سيبويه 1، وأثبتها يونس 2. وقد حذفوا الألف مع اللّام؛ حملا على الأصل، فقالوا: لا أب لك، وأنشدوا 3: أبى الإسلام لا أب لى سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم وقد تحذف هذه الّلام فى الشّعر، قال 4: أبا الموت الّذى لا بدّ أنّى … ملاق لا أباك تخوّفينى يريد: لا أبا لك.
الحكم الخامس: إذا ثنّيت المنفىّ أو جمعته فقلت: لا غلامين عندك، ولا ناصرين لك، أثبتّ" النون" معهما، وسيبويه يزعم أنّه مبنىّ 5 كالمفرد، والمبرّد يزعم أنّه معرب 6، فإن أضفتهما حذفت" النّون" كما تحذفها مع عدم" الّلام"؛ فتقول: لا غلامى لك، ولا ناصرى لك، ويجرى ذلك مجرى: لا أبا لك.
فإن فصلت فقلت: لا يدين بها لك، ولا ناصرين 7 فيها لك، امتنع

الحذف عند سيبويه 1 وأجازه يونس 2. وكذلك إن وصفت فقلت: لا غلامين ظريفين لك؛ للفصل بين المضاف والمضاف إليه/ بالصّفة، ولأنّها إنّما تحذف على تقدير سقوط" الّلام" وترك الاعتداد بها، ولا يجوز حذفها من الصّفة؛ لأنّك تكون 3 قد أضفت الصّفة دون الموصوف.
وتقول فى جمع المؤنّث: لا بنات لك؛ فتنبيه مع" لا"، وكسرة" التّاء" بمنزلة الفتحة، وقد أجاز 4 قوم ثبوت التّنوين 5؛ حملا على" نون" جمع المذكّر.
وتقول: لا غلامى لك ولا مسلمى لك، إن كانت" لا" الثّانية نافية غير عاطفة، وإن كانت عاطفة لم يجز إلّا إثبات النّون؛ فتقول: لا غلامى لك، ولا مسلمين لك.
الحكم السّادس: أهل الحجاز يظهرون 6 خبر" لا" فيقولون: لا رجل أفضل منك، ويحذفونه كثيرا فيقولون: لا أهل، ولا مال، ولا بأس، أى: لك، وعليك، وبنو تميم (6) لا يثبتونه أصلا.

ومن الحذف قول: لا إله إلّا الله، التقدير: لا إله موجود، أو لنا إلا الله، ووجه حذفه: بناء الكلام على كلام سابق قد جرى فيه ذكر الخبر، كأنّه قال: هل من إله فى الوجود؟ فقال: لا إله، أى: فى الوجود، وكذلك يقول: هل من رجل فى الدّار؟ فتقول: لا رجل، ولا تذكر" فى الدّار" لأنّه فى الأصل ردّ لما قال؛ ولدلالة السّؤال عليه.
وقد حذفوا المنفىّ، فقالوا: لا عليك أن تفعل، أى: بأس عليك.
الحكم السّابع: إذا وصفت اسم" لا" المفرد المبنىّ، كان لك فيه ثلاثة أوجه: الأوّل: - وهو الأحسن - النّصب على الّلفظ، مع التّنوين، تقول: لا رجل ظريفا عندك؛ حملا على وصف المنادى وإن كان مبنيا.
الثّانى: أن تبنيه على الفتح بغير تنوين، فتقول: لا رجل ظريف عندك.
الثّالث: الرّفع على الموضع، مع التّنوين، تقول: لا رجل ظريف عندك.
فإن فصلت بين الصّفة والموصوف سقط البناء، وبقى النّصب والرّفع، تقول: لا رجل ظريفا عندك، ولا رجل فيها عاقل لك.
فأمّا المضاف: فلا يجوز بناء صفته؛ لأنّه معرب، وفى وصفه على الموضع 1 نظر، فتقول: لا غلام رجل ظريفا، وظريف عندك،/ وقد أجاز سيبويه: لا مثله 2 أحد، وصفا على الموضع، وهو بدل أحسن.
وأمّا الطّويل: فإنّه لا يوصف.
وتقول: لا مال لك درهما ولا دينارا، ولا إبل لك ناقة ولا جملا، فتنصبه على الوصف، أو عطف البيان، ويجوز رفعه على الابتداء أو على خبره، أو خبرا للنّفى.

والتكرير: يجرى مجرى الوصف، تقول: لا ماء [ماء] 1 باردا، ولا ماء ماء باردا، ولا ماء ماء بارد 2. فإن كرّرت الصّفة كان لك فى الثّانية الرّفع على الموضع، والنّصب على اللّفظ، فتقول: لا رجل عاقلا كريم، وكريما.
الحكم الثّامن: إذا عطفت على اسم" لا"، جاز لك فيه وجهان: أحدهما: الحمل على اللّفظ، كقولك: لا رجل وامرأة فى الدّار.
والثّانى: الحمل على الموضع، كقولك: لا رجل وغلام عندك.
والتنوين فى المعطوفين لازم، وأنشدوا 3: فلا أب وابنا مثل مروان وابنه … إذا هو بالمجد ارتدى وتأزّرا يجوز فى" الابن" النّصب والرّفع.
فإن كرّرت" لا" فى جواب" أم" والهمزة جاز لك فيه خمسة أوجه: الأوّل: أن تبنى الاسم الأوّل والثانى على الفتح، فتقول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، فالخبر مضمر تقديره: لا حول موجود، أولنا، والجارّ والمجرور متعلّق بالخبر المحذوف، والخبر فى موضع رفع بخبر الابتداء، عند سيبويه 4.

الثّانى: أن تفتح الأوّل، وترفع الثّانى بالعطف على الموضع، أو بالابتداء، أو أن تجعل" لا" بتقدير" ليس، فتقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وأنشدوا 1. هذا لعمركم الصّغار بعينه … لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب الثّالث: أن تفتح الأوّل، وتنصب الثّانى منوّنا؛ حملا على اللّفظ، وتجعل" لا" الثانية زائدة مؤكّدة للنّفى، فتقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وأنشدوا 2: لا نسب اليوم ولا خلّة … اتّسع الخرق على الرّاقع وهذا الوجه، من النّحاة من لا يجيزه إلّا فى الضّرورة.
الرّابع: أن ترفع الاسمين وتنوّنهما، فتقول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، وأنشدوا 3:

وما هجرتك حتّى قلت معلنة … لا ناقة لي فى هذا ولا جمل وهذا على تقدير سؤال، كأنّه قيل له: ألك ناقة فى هذا الأمر أم جمل، فأجاب نفيا لكلامه، أو يكون جعل" لا" بتقدير" ليس".
الخامس: أن ترفع الأوّل، وتفتح الثانى، فتقول: لا حول ولا قوّة 1 إلّا بالله، على أنّ" لا" الأولى بمعنى ليس، والثّانية نافية، وأنشدوا 2: فلا لغو، ولا تأثيم فيها … وما فاهوا به أبدا مقيم والخبر، إذا نصب المعطوف عليه بتنوين، أو وصف بمنصوب منوّن رفع ب" لا"؛ لظهور العمل.
فإن عطفت على اسم" لا" معرفة منفيّة ب" لا" لم تعملها فى المعرفة، كقولك: لا غلام ولا العبّاس لك، ولا غلام لك ولا أخوه، قال سيبويه: من قال:" كلّ نعجة 3 وسخلتها بدرهم"، فينبغى أن يقول: لا رجل

لك ولا أخاه، كأنّه قال: لا رجل لك ولا أخاله.
الحكم التاسع: إذا فصلت بين" لا" واسمها بطل عملها؛ تقول: لا لك غلام، ولا عندك جارية؛ لأنّها مبنيّة معها كخمسة عشر، فإذا فككت البناء بالفصل، بطل العمل، ووجب تكرير" لا" مع الفصل، كقوله تعالى: لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ 1، ولا يجوز من غير تكرير إلّا على ضعف 2. وتقول: لا كزيد أحدا، فتنوّن" أحدا"؛ للفصل بين" لا" و" أحد"، وحكى سيبويه عن العرب: لا كزيد أحد 3، ولا مثله أحد، فحمله على الموضع، وقال: أمّا قول جرير 4: لا كالعشيّة زائرا ومزورا 5 فلا يكون إلّا نصبا؛ من قبل أنّ" العشيّة" ليس ب" الزّائر"،/ وإنّما أراد: لا أرى كالعشيّة زائرا، أى: في العشيّة، فإذا قلت: لا كزيد رجل، ولا كالعشيّة عشيّة، رفعت؛ لأنّ الآخر هو الأوّل.

الحكم العاشر: قد شبّهوا" لا" ب" ليس"، فرفعوا الأوّل، ونصبوا الثّانى، وهو قليل، أنشد سيبويه 1: من صدّ عن نيرانها … فأنا ابن قيس لا براح تقول: لا أحد أفضل منك، وأدخلوا" الباء فى خبرها؛ حملا عليها، وأنشدوا 2: وكذاك لا خير على … أحد ولا شرّ بدائم ومنع من ذلك قوم، وأجازه الفارسىّ تارة 3، ومنع منه أخرى، فأمّا قولهم:" لا خير بخير بعده 4 النّار، ولا شرّ بشرّ بعده الجنّة"، فقيل: إنّ" الباء" زائدة زيادتها فى خبر" ليس" و" ما"، ويكون قولك:" بعده النّار صفة للمنفىّ الذى هو" لا خير" و" النّار" مبتدأ، و" بعده" خبر، كأنّك قلت: لا خير بعده النّار بخير، ف" خير" مع" لا" فى حكم المبتدأ، وإن جعلت" بعده النّار" فى موضع جرّ صفة ل" خير" المجرور بالباء لم تكن الباء زائدة

وكانت بمعنى 1 " في" فكأنّه قال [لا] 2 خير فى خير هذه صفته والباء متعلقة بمحذوف تقديره: لا خير موجود في خير 3 بعده النار.
الحكم الحادى عشر: إذا دخلت" لا" على معرفة رفعتها، وألزمتها التكرير، تقول: لا زيد عندك ولا عمرو، ويقبح أن تقول: مررت برجل لا شجاع، حتّى تقول: ولا كريم، مثلا.
والأصل في هذا الباب: أنّ" لا" متى كانت جواب الهمزة، و" أم": لزم تكريرها مع المعرفة والنكرة، يقال: أزيد عندك أم عمرو؟ فتقول: لا زيد ولا عمرو، فأمّا قولك: لا زيد في الدّار، فلا يجوز إلّا في ضرورة الشّعر، قال 4: بكت جزعا واسترجعت ثمّ اذنت … ركائبها أن لا إلينا رجوعها ويقال: أرجل عندك أم امرأة؟ فتقول: لا رجل ولا امرأة، وقد جاء فى

الشعر غير مكرّر، شاذا، قال 1: وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا … حياتك لا نفع وموتك فاجع وأمّا قولهم: لا نولك أن تفعل، فإنّما لم يكرّروه 2؛ لأنّهم جعلوه بمعنى: لا ينبغى لك أن تفعل، و" لا" لا يلزم تكرارها مع الفعل؛ فحمل عليه، والنّول: العطاء، ومعنى الكلام: ليس العطاء من شأنك، ولا العطاء يليق بك الحكم الثاني عشر: قد أدخلوا" لا" على أسماء معارف، وبنوها على الفتح؛ قالوا:" قضيّة ولا أبأ حسن لها"،" وأمّا البصرة فلا بصرة لكم"، وقال الشّاعر 3: أرى الحاجات عند أبى خبيب … نكدن ولا أميّة في البلاد وقال الآخر 4: لا هيثم اللّيلة للمطيّ

وفي هذا الحكم وجهان: أحدهما: أنّه جعله من جماعة كلّ واحد منهم" أبو حسن" و" هيثم"، فنكّر.
والآخر: على حذف المضاف، تقديره: لا مثل أبي حسن، ولا مثل أميّة ولا مثل 1 هيثم.
الحكم الثّالث عشر: من الأسماء الّتي دخلت عليها" لا" أسماء عمل فيها فعل، أو معنى فعل، ولا يلزم فيه تكرير" لا"، كما لا تكرّر فى الأفعال، وذلك قولك: لا مرحبا ولا أهلا ولا سهلا، ولا كرامة ولا مسرّة، ولا سقيا ولا رعيا، وأمثالها، فالفعل العامل مقدّر بعد" لا" 2 كأنّك قلت: لا أكرمك كرامة، ولا أسرّك مسرّة.
فما لم يجزأن يلي" لا" من الأفعال، لم يجز أن يليها ما عمل فيه ذلك الفعل؛ فلا تقول: لا ضربا، وأنت امر؛ لأنّه لا يجوز: لا اضرب، وإنّما يدخل على الدّعاء، إذا كان لفظه لفظ الخبر وأضمرته، نحو: لا سقيا ولا رعيا، كأنّك قلت: لا سقاه ولا رعاه، وكذلك إذا ولي" لا" مبتدأ في معنى الدّعاء، نحو: لا سلام عليكم، قال سيبويه: قولهم:" لا سواء"، إنّما دخلت هاهنا لأنّها عاقبت ما ارتفعت 3 عليه؛ ألا ترى أنّك لا تقول: هذان لا سواء، ف" هذان" مبتدأ، و" لا سواء" خبره، كما تقول: هذان سواء، ثمّ أدخلت" لا" وحذفت" هذان" قال المبرّد: قول سيبويه: إنّك لا تقول: هذان لا سواء، أي: لا تكاد تقوله، ولو قلته جاز 4.

الحكم الرّابع عشر: إذا أدخلت" الهمزة" على" لا" فلها معنيان، أحدهما: أن يكون استّفهاما محضا، والثّاني: أن يضاف إلى الاستفهام معنى 1 التّمني.
فالأوّل: حكم" لا" معه حكمها قبل دخول" الهمزة" في الخبر والصّفة؛ تقول: ألا رجل في الدّار؟ ألا غلام أفضل منك؟ ألا رجل عاقلا عندك؟ وعاقل، وعاقل.
وأمّا الثّاني: فحكمه البناء مع الاسم كالبناء قبل دخول الهمزة، وبناء الاسم مع الصّفة، ووصفه على لفظه، فإن وصفته على موضعه فسيبويه والخليل يمنعانه؛ لزوال معنى الابتداء بالتّمنّى 2؛ فيقولان: ألا رجل أفضل منك؟ بالنّصب، وألا رجل ظريف عندك؟ والمازنيّ يجيز ذلك 3؛ فيقول: ألا رجل أفضل منك؟ بالرّفع، فأمّا قول الشّاعر 4: ألا رجلا جزاه الله خيرا فإنما نوّن مضطرا، أو نصبه بفعل مضمر؛ لأنّه متمنّ.
وتقول: ألا رجلا زيدا أو عمرا، تريد: ألا أجد رجلا يكون زيدا

أو عمرا، وألا ماء ولو باردا، وفيه قبح 1، فلو قلت: ألا ماء ولو ماء باردا، كان جيّدا، على أن تضمر بعد" لو" فعلا 2 عاملا.
الحكم الخامس عشر: قد زادوا" التّاء" على" لا" فقالوا: لات، ويكون اسمها مرفوعا، وخبرها منصوبا، ولا يظهر لها معمولان معا، وإنّما يظهر أحدهما، والأولى أن يظهر المنصوب، ولا تعمل إلّا فى" الحين" خاصّة، كقوله تعالى وَلاتَ حِينَ مَناصٍ 3 يقرأ بالرّفع 4 والنّصب 5، والأخفش 6 يقول: ليس لها عمل، وبعضهم 7 يجرّبها، وأنشد 8: طلبوا صلحنا ولات أوان … فأجبنا أن ليس حين لقاء

والفارسيّ يجرّه ب" حين" (1) مضمرة.

النّوع الرّابع: في الحروف العاملة في الأفعال، وهي ناصبة، وجازمة.

وهذا النّوع يخصّ النّاصبة منها: قبل أن نخوض في بيان عوامل الأفعال فلنذكر طرفا فيما يتعلّق بإعراب الأفعال وبنائها، وإن كان قد سبق في أوّل الكتاب منه 2 طرف صالح، فتقول: الأفعال على ضربين: مبنيّ، وهو الأصل، ومعرب وهو الفرع.
والمبنيّ: مبنيّ على الفتح والسّكون، وهما: الماضي والأمر العاري من الّلام، نحو: ضرب ودحرج، واستخرج، واضرب ودحرج واستخرج.
والمعرب هو: المضارع، وفعل الأمر إذا ادخله 3 اللّام، وإن كان ساكنا فإنّ سكونه إعراب لا بناء، نحو: يضرب ويدحرج ويستخرج، وليضرب وليدحرج وليستخرج.
وإعراب المضارع الرّفع والنّصب والجزم، وهو على ضربين: صحيح ومعتلّ.
فالصّحيح: تدخله الثّلاثة، والرّفع: عامله معنويّ، والنّصب والجزم: عاملهما لفظيّ.1

أمّا المعنويّ: فهو: وقوعه موقع الاسم نظير المبتدأ أو خبره، كقولك: زيد يضرب، رفع" يضرب"؛ لأنّ ما بعد المبتدأ من مظانّ صحّة وقوع الأسماء، وكذلك إذا قلت: يضرب الزّيدان؛ لأنّ من ابتدأ بكلام، لم يلزمه أن يبتدئ باسم أو فعل، بل موضع خبره في أيّهما أراد، وقولهم: كاد زيد يقوم، وجعل يضرب، إنّما أصله: قائما، وضاربا، ولكن عدل عن الاسم لغرض، وقد جاء الاسم في قوله 1: فأبت إلى فهم وما كدت آيبا في إحدى الرّوايتين، وكذلك متى/ وقع الفعل المضارع فى موضع لا تقع فيه الأسماء، فلا يجوز رفعه، نحو: لم يقم زيد؛ لأنّك لا تقول: لم زيد، وأمّا اللّفظيّ: فحروف معدودة، نحو: لن يضرب 2، ولم يضرب 3 وسيرد تفصيلها.
[وأمّا المعتلّ] 4 فهو كلّ فعل وقعت في آخره ألف أو واو أو ياء: نحو: يسعى ويغزو ويرمي، وهذه الأحرف الثّلاثة تكون فى الرّفع ساكنة، وفي الجزم محذوفة، وفي النّصب تفتح الياء والواو، وتبقى الألف على سكونها؛ تقول: هو يسعى ويغزو ويرمي، ولم يسع ولم يغز ولم يرم، ولن يسعى ولن يغزو ولن يرمي.

فإن تثّنيت الضّمير في الفعل، أو جمعته للمذكّر، أو خاطبت به المؤنّث، صحيحا كان، أو معتلا، وهو خمسة أفعال، اثنان للمخاطب - وهما: تضربان، وتضربون - واثنان للغائب - وهما: يضربان، ويضربون - وواحد للمؤنّث - وهو: تضربين - فإنّ رفع 1 هذه الخمسة بإثبات النّون، ونصبها وجزمها بحذفها؛ تقول: أنتما تضربان وتغزوان، وتسعيان وترميان، ولن تضربا وتغزوا وتسعيا وترميا، ولم تضربا وتغزوا وتسعيا وترميا، وأنت تضربين وتغزين وتسعين وترمين، ولن تضربي وتغزي وتسعى وترمي، ولم تضربي وتغزي وتسعي وترمي، وكذلك الجمع، وما زاد على الثلاثي.
وهذه الأفعال الخمسة معربة، وليس لها حرف إعراب، والنّون بدل من ضمّة الفعل الّتي هي علامة الرّفع، فإذا صرت إلى جماعة المؤنّث كانت علامته نونا مفتوحة، ساكنا ما قبلها، ثابتة في الأحوال الثّلاث؛ لأنّ الفعل صار مع جماعة المؤنّث مبنيّا، تقول: هنّ يضربن ويغزون ويسعين ويرمين، ولن يضربن ويغزون ويسعين ويرمين، ولم يضربن ويغزون ويسعين ويرمين، ولم يضربن ويغزون ويسعين ويرمين وهذه النّون قد جعلها قوم للعدد القليل من النّساء، وأطلقها آخرون على القليل والكثير منهنّ،/ وكأنّه الأكثر والأشبه بالنّظم والنّثر.
وإذ قد فرغنا من ذكر هذا الطّرف فلنذكر الحروف النّاصبة للأفعال في فرعين: الفرع الأوّل: في تعريفها، وهي أربعة:" أن" و" لن" و" كي" و" إذن"؛ وكلّ منها أصل في العمل عند 2 قوم، وقيل: إنّ الأصل" أن"، والثّلاثة (2)

الباقية محمولة عليها، ولكلّ من المذهبين وجه.
وجميعها ينصب الفعل المستقبل إذا وليها، تقول: أريد أن تقوم، ولن تذهب؛ وجئتك كي تكرمني، وإذا أكرمك.
وبعض العرب لا ينصب بها، ويقرّ الفعل على حاله مرفوعا، كقول الشّاعر 1: ونحن منعنا البحر أن يشربونه … وقد كان منهم ماؤه بمكان وكقوله 2: أبيت ويأبى النّاس أن يشترونها … ومن يشتري ذا علّة بصحيح وهي في عملها على ضربين: ضرب يعمل مظهرا ومضمرا، وهو:" أن" وضرب لا يعمل إلّا مظهرا؛ وهو:" لن" و" كي" و" إذن".

فأمّا" أن" فهي والفعل بمعنى المصدر، وتدخل على المستقبل والماضي؛ تقول: أريد أن تقوم، ويعجبني أن قمت، أي: أريد قيامك، ويعجبني قيامك، ولا تدخل على فعل الحال، وتقول: إنّه أهل أن يفعل، وقلت هذا مخافة أن يفعل، فتضيف إليها، وإن شئت نوّنت.
وتدخل عليها اللّام، فتقول: إنّه خليق لأن يفعل، قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن معني: أريد لأن أفعل، 1 فقال: المعني، إرادتي 2 لهذا، كما قال تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ 3. وأمّا «لن» فهي لتأكيد نفي المستقبل، تقول: لا أقوم غدا، فإن أردت تأكيد النّفي قلت: لن أقوم غدا، ومثلهما قوله تعالى: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ 4 وقوله تعالى فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي 5 ولا تدخل على الماضي، ولا الحال؛ لأنّها نقيض/ السّين وسوف، وهما مختصّان بالمستقبل.
وقد اختلف فيها، فقال الخليل: أصلها 6، لا أن، فحذفت الهمزة والألف، واختلطت الكلمة كما اختلطت" هلمّ"، وقال الفرّاء: نونها مبدلة من ألف 7 " لا" وقال سيبويه: هي حرف 8 برأسه.

وأمّا" كي" فمعناها تعليل وقوع الفعل، تقول: زرتك كي تكرمني، فعلّة الزّيارة: توقّع الكرامة، وترد في الكلام على ضربين: أحدهما: أن تكون حرف جرّ بمنزلة اللّام، وقد ذكرت 1. الثّاني: أن تكون حرفا ناصبا، وسيرد تفصيل عملها في الفرع الثّاني 2. وأمّا" إذن" فهي جواب وجزاء، يقول القائل: أنا أزورك؛ فتقول في الجواب: إذن أكرمك، المعنى: إن كان الأمر كما ذكرت فإنّي أكرمك، فهذا جواب لكلامه، وجزاء لفعله.
وجميع هذه الأحرف لا يفصل بينها وبين ما تعمل فيه، إلّا" إذا" وحدها، بالقسم.
الفرع الثّاني: في أحكامها، قد سبق القول أنّها في عملها على ضربين 3، ولكلّ منهما شرط تعمل معه، إلّا" لن" فإنّها تعمل مظهره بغير شرط ولا تفصيل؛ فلنذكر الثّلاثة الباقية في ثلاثة أحكام.
الصّنف الأوّل: في" أن"، وهي تعمل مظهرة ومضمرة في ثلاثة مواضع؛ موضع تعمل فيه مظهرة ومضمرة، وموضع لا تعمل فيه إلّا مظهرة، وموضع لا تعمل فيه إلا مضمرة.
أمّا الموضع الأوّل وهو ما تعمل فيه مظهرة ومضمرة، فذلك على ضربين:

أحدهما: أن ترد بعد الّلام الواقعة في الإيجاب، كقولك: جئتك لتكرمني، ولأن تكرمني، ومنه قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ/ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ 1 أي: لأن يغفر، فتقدّر" أن"؛ ليصير الفعل بها مصدرا، فيحسن دخول اللّام الجارّة عليه.
الثّاني: أن يكون قبل الفعل اسم، كقولك: يعجبني ضرب زيد ويغضب عمرو، تريد: أن يغضب عمرو، فيجوز إظهار": أن" وحذفها، وإظهارها عند بعضهم أقوى، وسيجئ هذا مبسوطا في الموضع 2 الثّالث.
وأمّا الموضع الثّاني - وهو ما لا تعمل فيه إلّا مظهرة - فكقولك: أن تقوم خير لك، وأريد أن يقوم، ويعجبني أن تذهب، فإن حذفت" أن" رفعت الفعل فقلت: تقوم خير لك، وأريد يقوم، ويعجبني تذهب، ومنه قوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ 3 تقديره: أن أعبد؛ ولهذا قال سيبويه: مره يحفرها 4. والكوفيّ يجيز النّصب 5 مع الحذف، وأنشد 6: ألا أيّهذا الزّاجرى أحضر الوغى … وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي

الموضع الثّالث: وهو ما لا تعمل فيه إلّا مضمرة، وذلك بعد خمسة أحرف:" الفاء" و" الواو" و" أو" و" الّلام" و" حتّى".
الحرف الأوّل:" الفاء"، وهي العاطفة، ولا يجوز إظهار" أن" معها إذا كانت جوابا لأحد سبعة أشياء، وهي: الأمر، والنّهي، والنّفي، والتّمنّي، والدّعاء، والاستفهام، والعرض، تقول فى الأمر: زرنى فأكرمك، وفي النّهي: لا تشتمه فيشتمك، وفي النّفي: ما أنت مستحقّ فأعطيك، وفى التّمنّي: ليت لى مالا فأنفقه، وفى الدّعاء: اللهمّ ارزقني مالا فأتصدّق به، وفي الاستفهام: أين بيتك فأزورك، وفي العرض: ألا تزورنا فنكرمك، فالنّاصب في هذه كلّها" أن" مضمرة، عند سيبويه 1 ومحقّقي 2 النّحاة، وقال الجرميّ: النّاصبة" الفاء" 3. وإنما قدّر" أن" لأنّ ما بعد الفاء خالف 4 ما قبلها/ فأضمرت؛ لتصير مع ما بعدها في معنى المصدر؛ فيصحّ العطف، فإنّك إذا قلت هل تأتيني فأحدّثك، تقديره: هل يكون منك إتيان متّصل بحديثي، ومعناه: إن أتيتني

حدّثتك؛ وبهذا يسمّى جوابا، وعلى الأمر جاء قوله 1: يا ناق سيري عنقا فسيحا … إلى سليمان فنستريحا وعلى النّفي قوله تعالى: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ 2 وعلى الاستفهام قوله 3: ألم تسأل فتخبرك الرّسوم وعلى التّمنّي قوله 4: ألا رسول لنا منّا فيخبرنا وإذا وقعت الجملة بعد" الفاء" في الجواب، كان موضعها نصبا بتقدير

الفعل، كقوله تعالى: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ 1. أي: فتستووا 2 فيه، وقوله: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى 3. وقد عدلوا عن النّصب ب «الفاء» في بعض الأمثلة على تأوّل، فقالوا في الأمر: ائتني فأحدّثك، لم يجعل الأوّل سبب الثّاني، ولكن جعل الحديث له مستمرا، أي: فأنا ممّن يحدّثك على كلّ حال، ونحوه قوله تعالى: «إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون» 4؛ القراءة بالرّفع 5؛ لأنّ «كن» بلفظ الأمر، ومعناه الخبر، قال سيبويه: تقديره: إنّما أمرنا لشئ 6 هذا فيكون، وقد نصبه بعض القراء 7، وفيه بعد؛ لأنّ معنى قولك: قم فأحدثك، يئول إلى: أن قمت حدّثتك، وإذا نصب «يكون» آل إلى: أن كنت كان، وهذا فاسد.

وقالوا في النّهي: لا تقم فأضربك، أي: فأنا أضربك، ومنه قوله تعالى: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ 1 أى: فهم يتعلّمون.
وقالوا فى النّفى: إذا قلت: ما تأتينى فأكرمك، إن أردت أن تنفى الإتيان والإكرام معا، أو أردت أن توجب الإكرام، وتنفى الإتيان، فحكم الثّانى حكم الأوّل/ فى الإعراب، ويكون قد عطف جملة منفيّة على جملة منفيّة، وجملة موجبة على جملة منفيّة؛ فكأنّك قلت فى الأوّل ما تأتينى وما أكرمك، وفى الثّانى: ما تأتينى وأنا أكرمك، ومن الأوّل قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ.
وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ 2 أى: وما يعتذرون، ومن الثّانى قول الشّاعر 3: غير أنّا لم تأتنا بيقين … فترجّى ونكثر التّأميلا أى: فنحن نرجّى.
فأمّا إذا نصبت فقلت: ما تأتينى فتحدّثنى، فله معنيان: أحدهما: وجود الإتيان وعدم الحديث، كأنّك قلت: ما تأتينى إلّا لم تحدّثنى.
والثّانى: أنّك تريد: ما تأتينى فكيف تحدّثنى؟ أى: إذا كان الإتيان سبب الحديث وأنت لم تأت، فكيف يقع الحديث؟ ومنه قوله تعالى: لا يُقْضى

عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا 1، وقوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ 2 فالفاءان جواب النّفيين، والأولى: أن تكون" الفاء" الأولى جواب النّفى الثّانى، والثانية جواب النّفى 3 الأوّل، ويجوز أن تكون الثّانية عطفا على الأولى.
وقالوا فى الاستفهام: هل تزورنا فنكرمك، ومنه قول الشّاعر 4: ألم تسأل الرّبع القواء فينطق … وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق أى: فهو ينطق، قال سيبويه: لم يجعل الأوّل سبب الثّانى، ولكن جعله ينطق على كلّ حال، كأنّه قال: فهو 5 ممّا ينطق.

وقالوا فى التّمنّى: ليت لى مالا فأنفقه، أى: فأنا أنفقه، ومنه قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ 1 ويجوز النّصب 2، وقالوا: هى فى بعض المصاحف محذوفة النّون 3، وقد خيّر الخليل بين الرّفع/ 4 والنّصب فى قوله 5: وما هو إلّا أن أراها فجاءة … فأبهت حتّى ما أكاد أجيب 6 قال: وتقول: أريد أن تأتينى ثمّ تحدّثنى، بالنّصب، والرّفع جائز، وقال سيبويه: ويجوز الرّفع فى جميع هذه الحروف التى تشرك على هذا المثال 7، قال: وتقول: ما أتيتنا فتحدّثنا 8.

قال ابن السّرّاج: وإذا كان النّفى يتضمّن معنى الإيجاب فلا يجاب بالفاء، لا تقول: ما زال زيد قائما فأعطيك؛ لأنّ المعنى زال 1 زيد قائما، قال: وقوم يجيزون: أنت غير قائم فنأتيك، وهذا لا يجوز؛ لأنّا إنّما نعطف المنصوب على مصدر يدلّ عليه الفعل؛ فيكون حرف النّفى منفصلا، و" غير" اسم، مضاف، وليس بحرف نفى.
وقد نصبوا بالفاء فى الإيجاب، قال 2: سأترك منزلى لبنى تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا كأنّه جعل لحاقه بالحجاز سببا لراحته، تقديره: يكون لحاقي فاستراحتى، قال ابن السّرّاج: وقد جاء مثله فى الشّعر أبيات لقوم فصحاء، إلّا أنه قبيح أن ينصب ويعطف على الواجب الّذى على غير 3

شرط، ومنها قوله 1: وقد يملأ القطر الإناء فيفعما وقول الآخر 2: ويأوى إليها المستجير فيعصما والكوفىّ ينصب بالفاء مع" لعلّ" نحو: لعلّى 3 أحجّ فأكرمك، وبعد" كأنّ" إذا لم تكن للتّشبيه، نحو: كأنّك وال علينا فتشتمنا، أى: لست واليا علينا فتشتمنا.
4

وأعطوا" لو" 1 معنى" ليت" فنصبوا فى جوابها، وأنشدوا 2: ولو نبش المقابر عن كليب … فيعلم بالذّنائب 3 أىّ زير الحرف الثّانى" الواو" العاطفة، وينتصب ما بعدها فى غير الواجب من حيث ينتصب ما بعد" الفاء"، وذلك إذا لم ترد الإشراك بين الفعلين، وأردت عطف الثانى على مصدر الفعل الأوّل، وكانت متضمّنة معنى الجواب والجمع بمعنى" مع" فقط؛ فتكون" أن" مضمرة بعدها، كقولهم: لا تأكل السّمك وتشرب اللبن، أى: لا تجمع بين أكل السّمك وشرب الّلبن، فالنّهى متعلّق بالجمع بينهما فى الأكل، لا بأكلهما مفترقين.
وهذه الواو تفيد فى العطف الجمع بين الحكم والإعراب، فإذا اختلفا كان مقصود 4 هذا الباب، ومثله قوله تعالى: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ 5، وقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا

الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ 1 في أحد القولين 2، ومنه قول الأخطل 3: لا تنه عن خلق وتأتى مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم أى: لا تجمعوا بين أن تلبسوا الحقّ وأن تكتموا، ولا تجمع 4 بين أن تنهى عن شئ وأن تفعل مثله، ولو جزم كان المعنى فاسدا، وتقول: لا يسعنى شئ ويعجز عنك، ولو جعلت الفاء موضع الواو جاز على الوجه الأوّل من وجهى النّفى الذى هو بتقدير: ما تأتينا إلّا لم تحدّثنا، وكان محالا على الوجه الثّانى.
ومتى كان الكلام واجبا 5 لا تكون فيه الواو، قال سيبويه 6؛ لأنّ الفعل المعطوف عليه لو كان واجبا لم يبن الخلاف.

فأمّا إذا كان قبل الفعل اسم: كقوله 1: للبس عباءة وتقرّ عينى … أحبّ إلىّ من لبس الشّفوف وقولهم: يعجبنى ضرب زيد ويغضب عمرو، فإنّه لمّا امتنع من عطف الفعل على الاسم/ أضمر [أن] 2 ليصير الفعل بها مصدرا؛ فيعطف اسما على اسم؛ فكأنّه قال: يعجبنى ضرب زيد مع غضب عمرو، وقد سبق 3 هذا.
وتنصب مع" الواو" فى كلّ موضع ينصب فيه مع" الفاء"، تقول: زرنى وأزورك، تريد: ليجتمع هذان، ومنه قوله 4 فى الاستفهام: ألم أك جاركم ويكون بينى … وبينكم المودّة والإخاء أراد: 5 ألم يجتمع هذان؟ ولو أراد الإفراد فيهما لم يكن إلّا

مجزوما، وقوله 1 فى النّفى: قتلت بعبد الله خير لداته … ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا وقد حمل حمزة" الواو" على 2 " الفاء" فى قوله تعالى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا 3؛ فنصب 4، على تقدير: يا ليتنا يجتمع لنا الرّدّ مع عدم 5 التكذيب، وتقول فى العرض: ألا تنزل عندنا وتأكل شيئا.
الحرف الثّالث:" أو" وهي تنصب الفعل المستقبل، إذا كانت بمعنى: إلّا أن، أو إلى أن، تقول: لأضربنّك أو تنكفّ عني، التّقدير: إلّا أن تنكفّ

عني، ومنه قول امرئ القيس 1: فقلت له لاتبك عينك إنّما … نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقول الآخر 2: أن تجمعوا ودّى ومعتبتي … أو يجمع السّيفان فى غمد قال سيبويه: لو رفعت لكان عربيّا جاريا على وجهين: على أن تشرّك بين الأوّل والآخر، كأنّك قلت: إنما نحاول ملكا أو نموت، وعلى 3 أن يكون مبتدأ مقطوعا عن الأوّل، تعنى: أو نحن ممن نموت، ومن هذا الباب قرئ قوله تعالى: تقاتلونهم أو يسلموا 4 وهو شاذ 5، والقراءة بإثبات النّون؛ لأنّه إخبار بأحد الأمرين، أو على الابتداء، كأنّه قال أو هم يسلمون 6، وإنّما قدّرت" أن" مضمرة؛ لأنّ" أو" تعطف الثّاني على الأوّل، وتجعلهما فى حكم واحد،

ولا تجعل أحدهما سببا للآخر، وهاهنا أحدهما سبب للآخر؛ فإنّ الضّرب/ لأجل الكفّ، التقدير: ليكوننّ منّي ضرب أو منك كف، أم: ليكوننّ الضّرب أو الكفّ.
وكلّ موضع وقعت فيه «أو»، وصلح فيه «إلّا أن» أو «إلى أن» فالفعل منصوب، فإن لم يصلح رفعت، تقول: أتجلس أو تقوم؟ وهل تكلّمنا أو تسكت؟ المعنى: أيكون منك أحد هذين؟ وعليه قوله تعالى: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ 1. وأمّا قوله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا 2 ف «يرسل» منصوب ب «أن» مقدّرة غير الظّاهرة؛ لأنّ التقدير: وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلّا وحيا أن يوحى 3 أو يرسل، وأمّا من رفع 4 «يرسل» فيكون «وحيا» حالا بمعنى موحى 5 إليه، أو مصدرا في موضع الحال، و «يرسل» معطوف عليه.
فإن كان قبل «أو» اسم أو شئ لا يمكن حمل ما بعده عليه تأوّلوا فيه المصدر، ونصبوا بإضمار «أن»، كقول 6 الشّاعر 7:

فلولا رجال من رزام أعزّة … وآل سبيع أو أسوءك علقما فنصب لمّا لم يمكن الحمل على الاسم.
الحرف الرّابع: «اللّام» الجارّة في قولك: زرتك لتكرمنى، تقديره: لأن تكرمنى، فأضمرت «أن»؛ لتصير هي والفعل مصدرا تدخل «اللّام» الجارّة عليه.
والكلام الّذي تدخل عليه «اللّام» لا يخلو: أن يكون موجبا، أو منفيا.
فإن كان موجبا جاز إضمار «أن» وإظهارها، وقد تقدّم 1. وإن كان منفيا ودخلت فيه «كان» لم يجز إظهارها، كقوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ 2، وقوله تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ 3 فإن لم تكن فيه «كان» جاز ظهورها، كقولك: ما جئت لتغضب؛ لأنّ حرف النّفى دخل على كلام يحسن ظهور «أن» معه إذا حذف، تقول: جئت ليغضب، ولأن يغضب، ولا يحسن أن تقول: كنت لأذهب، في قولك: ما كنت/ لأذهب.
وقد أجاز الكوفىّ: ما كنت 4 زيدا لأضرب، وأنشد 5: لقد عذلتنى أمّ عمرو ولم أكن … مقالتها ما دوت حيّا لأسمعا وهو عند البصرىّ: على إضمار 6 فعل.

الحرف الخامس:" حتّى"، ولها موضعان: أحدهما: أن تكون بمعنى" كى"، تقول: أطلع الله حتّى يدخلك الجنّة، فالأوّل علة الثّانى.
والموضع الثّانى: أن يكون بمعنى" إلى أن"، كقولك: انتظرته حتّى يقدم، وحتى قدم.
ومعناها: أن يكون ما بعدها غاية لما قبلها، والتقدير: حتّى يدخلك الجنّة، وحتّى أن تقدم، فأضمرت" أن"؛ لأنّ" حتى" - فى الأصل - حرف جرّ.
وتقع الأفعال الثّلاثة قبلها وبعدها.
فإذا كان ما بعدها ماضيا لم يكن ما قبلها إلّا ماضيا، كقولك: سرت حتّى طلعت الشّمس.
وإن كان ما بعدها مستقبلا جاز أن يكون ما قبلها ماضيا، ومستقبلا كقولك: سرت حتّى تطلع الشّمس، وأسير حتّى تطلع الشّمس.
وأمّا فعل الحال: فيقع بعدها، ولا يقع إلّا مرفوعا؛ لأنّ" أن" لا تدخل على الحال، و" حتّى" إنما تنصب بتقديرها، فبطل النّصب.
وارتفاعه: على أن يكون الفعل الّذى قبلها علّة للذى بعدها، وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الأوّل قد مضى، والثّانى أنت فيه، ويعتبر بأن يقع الماضى موقعه، كقولهم: «شربت الإبل حتى يجئ البعير يجرّ بطنه»، ومنه قوله تعالى: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا 1 فيمن رفع 2؛ فيجوز

فيه؛ حتّى جاء البعير، و: حتّى قال الرسول، فالشّرب والزّلزلة هما علّة المجئ والقول.
الضّرب الثّانى: أن يكون الفعل الذى قبلها والذى بعدها قد مضيا، ويكون حكاية حال يحسن أن يقع الماضى بعدها، كقولك: سرت حتى أدخلها، فالدخول متّصل بالسّير، لا فصل بينهما، وإذا لم يكن الفعل الأوّل علّة لم يصحّ الرّفع، كقولك: ما سرت حتى أدخلها.
وكلّ موضع جاز فيه الرّفع جاز فيه النّصب، ولا/ بالعكس، فمتى رفعت كانت حرفا من حروف الابتداء، كالتى فى قوله 1: وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان قال ابن السّرّاج، وفرق ما بين النّصب والرّفع: أنّك تقول: كان سيري 2 حتّى أدخلها، فإن نصبت كانت" حتّى" وما عملت فيه خبر" كان"، وإن رفعت" لم يصحّ؛ لأنّك تركت" كان" بغير خبر، فإن أضفت ما يكون خبرا صحّت المسألة، كقولك: كان سيرى سيرا متعبا حتّى أدخلها 3.

واختار سيبويه النّصب فى قولك: إنّما سرت حتّى أدخلها، ومنع من الرّفع إذا كنت معلّلا 1 لسيرك 2، وأجاز: إنما سرت قليلا حتّى أدخلها، (2) بالرّفع، لمّا قال: قليلا، قال: ولو قلت: سرت حتّى يدخلها زيد، لم يصحّ الرّفع؛ لأنّ سيرك لا يؤدّى زيدا إلى الدّخول 3، ومثله: سرت حتّى تطلع الشّمس، بالرّفع، ولو قلت: سرت حتّى يدخلها ثقلى 4، جاز الرّفع والنّصب، ولو قلت: أسرت حتّى يدخلها؟ لم يجز إلّا النصب؛ لأنّك لم نثبت سيرا؛ حيث استفهمت، فإن قلت: أيّهم سار حتّى يدخلها؟ جاز الرّفع؛ لإثبات السّير.
الصّنف الثّانى:" كى"، وترد فى الكلام على ضربين: الضّرب الأوّل: أن تكون حرف جرّ بمعنى" اللّام"، وينتصب الفعل بعدها ب" أن" مضمرة؛ لأنّ الجارّ لا يعمل النّصب، فإذا قلت: جئت كى تعطينى؛ فمعناه: كى أن تعطينى، كما إذا قلت: جئت لتعطينى، أى: لأن تعطينى، ولا يجوز إظهار" أن" بعد" كى" إلّا قليلا، وسنذكره 5، وإنما علم كونها حرف جرّ بقولهم: كيمه؟ كما قالوا: لمه وعمّه وفيمه؟ فالأصل:" كى" دخلت على" ما" التى للاستفهام، ثمّ حذف الألف، كما حذف من قولهم: لم وفيم وعمّ؟ ثمّ أدخلوا عليها" هاء" الوقف، أو أبدلوا" الهاء" من ألف" ما"، فلمّا أشبهت حروف الجرّ بذلك جعلوها منها.
الضّرب الثّانى: أن تكون حرفا ناصبا، وينتصب الفعل بها من غير

إضمار" أن"، وذلك إذا دخل عليها" لام" الجرّ، كقوله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ 1 ف" كى" هاهنا بمعنى" أن" وليست حرف جرّ؛ لدخول لام الجرّ عليها، والتقدير في الآية: لأن لا تأسوا، والأخفش يزعم أنّ" كى" 2 بدل من" اللّام"، والنّصب ل" أن" مضمرة.
وقد جاءت" أن" مظهرة فى الشّعر، قال 3: وقالت: أكلّ النّاس أصبحت مانحا … لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا وقد جمعوا بين ظهور" أن" بعدها، ودخول" اللّام" قبلها، قال 4: أردت لكيما أن تطير بقربتى … فتتركها شنا ببيداء بلقع

جارٍ التحميل