البديع في علم العربيةصفحات 174-213

النوع الخامس: فى المفعول معه،

وفيه فصلان.

الفصل الأوّل: فى تعريفه

وهو: من صاحبته فى فعلك؛ سواء تأتّى منه مثل فعلك، أو لم يتأتّ، ولا يلزم أن يكون فاعلا كالأوّل، وإنّما شرطه: أن يكون مصاحبا.
وهو منصوب بالفعل المذكور، أو ما هو بمعناه، بواسطة" الواو" الكائنة بمعنى" مع"؛ لأنّ الفعل لمّا لم يمكن تعديته إلى المصاحب، جئ بالواو الّتى كانت عاطفه؛ فجعلت بين الفعل والمصاحب، مقوّية له، فتنزّلت منزلة الهمزة المعدّية للفعل القاصر، نحو: أذهبت زيدا، ولم يكن لها عمل، كما لم يكن للهمزة عمل؛ نظرا إلى أصلها فى باب العطف.
وبين حاليهما فرق، وهو: أنّ العاطفة تقتضى الشّركة فى الفعل، من غير اشتراط مصاحبة، وهذه تفيد المصاحبة فى أمر وزمان؛ فقام المنصوب - فى هذا الباب - مقام الفاعل المرفوع، وأفاد شيئين: العطف بالواو من طريق الّلفظ والمعنى، والنّصب؛ مراعاة لمعنى المفعول؛ تقول: «جاء البرد والطّيالسة 1»، وما زلت أسير والنيل، و" ما صنعت وأباك"؟ أى: مع الطّيالسة، ومع النيل، ومع أبيك.

ولم يجئ فى التّنزيل منه إلا ما حمل على غيره، كقوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ (1)، وسيجئ فى الفصل الثانى، وجاء فى الشّعر كثيرا، أنشد سيبويه (2): فكونوا أنتم وبنى أبيكم … مكان الكليتين من الطّحال (3).

الفصل الثانى: فى أحكامه

الحكم الأوّل: أجاز قوم طرد القياس فى باب المفعول معه - وهم الأكثر - وقصره آخرون على المسموع - وهم الأقلّ - ومنع بعضهم بعض الأمثلة دون بعض، تقول: قمت وزيدا، وجلست وعمرا، لم ترد: أنّ" زيدا" قام معك، ولكن أردت: أنّه صاحبك عند قيامك وقد أخذت فيه، وهذا مطّرد فى جميع الكلام؛ مسموعه وغير مسموعه.
وتقول جلست والسّارية، والأخفش 4 لا يجيز هذه، قال: ولا أقول:123

ضحكت وطلوع الشّمس؛ حيث لا يصحّ فيه العطف؛ إذ الطّلوع لا يكون منه ضحك 1، وأجاز:" جاء البرد والطيالسة"؛ لأنّ المجئ يصحّ منها، وأجاز ابن جنّى 2 ذلك جميعه.
الحكم الثانى: لا يتقدّم المفعول معه على الفعل؛ لأنّ الواو منقوله عن باب لا يصحّ لها فيه التقديم - وهو العطف - فلا تقول: والخشبة 3 استوى الماء، كما لم يجز: وزيد قام عمرو، والقياس أن لا يجوز تقديم المفعول معه على الفاعل؛ فلا يقال: جاء والطيالسة البرد، كما لا تقول: قام وعمرو وزيد، وقد أجازه ابن جنّى فى الخصائص 4 - حملا على قول الشاعر 5: جمعت وبخلا غيبة ونميمة … ثلاث خلال لست عنها بمر عوى وهذا عند غيره من ضرورة الشّعر 6. الحكم الثالث: لا يجوز حذف هذه" الواو" من اللفظ، كما لا يجوز حذف اللّام من المفعول له؛ لأنّ الفعل لا يفتقر إلى المصاحب لفاعله، كما يفتقر إلى الغرض والسّبب الذى من أجله وجد؛ لأنّ" الواو" هى المقوّية للفعل على العمل، فإذا حذفتها زال أثرها، وليست كحروف الجرّ التى حذفت

وأعملت؛ لأنّ تلك عاملة بنفسها، وهذه مقوّية لغيرها.
الحكم الرّابع: المفعول معه يكون من الفعل المتعدّى وغير المتعدّى؛ عند الأكثرين 1، تقول: لو خلّيت والأسد لأكلك، ولو تركت النّاقة وفصيلها لرضعها (1). وقال قوم: إنّ هذا لا يكون إلا مع غير المتعدّى؛ لئلّا يلتبس بالمفعول به 2؛ فلا تقول: ضربتك وزيدا، و" زيدا" مفعول معه، فأما قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ 3، فقد حمله قوم 4 على هذا الباب؛ لامتناعه من العطف؛ حيث لا يقال: أجمعوا شركائكم، وإنما يقال: اجمعوا، وحمله قوم على 5 العطف ونصبوا" الشركاء" بفعل مضمر يصحّ حمله 6 عليه، كأنّه قال: أجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم، كما قال الشاعر 7:

يا ليت زوجك قد غدا … متقلّدا سيفا ورمحا والرّمح لا يتقلّد به؛ وإنما يعتقل 1، أو يحمل، أو يجرّ، ومنه قوله 2: إذا ما الغانيات برزن يوما … وزجّجن الحواجب والعيونا والعين لا تزجّج.
ويجوز أن يكون: أجمعت، بمعنى: جمعت.
الحكم الخامس: مدار هذه الواو على أربعة أضرب: الأول: لا يجوز فيه معها إلا الرّفع؛ لعدم الفعل وما شابهة، كقولهم: " كلّ رجل وضيعته"، وبابه، وقد سبق ذكره 3، فلو أظهرت الخبر لجاز النّصب؛ لتمام الكلام، ووجود العامل، فتقول: كلّ رجل مقرون وضيعته، كما فعلت" إلّا" فى الاستثناء، وسيجئ ذكره، وقد نصب بعضهم، على إعمال الخبر المضمر، وفيه 4 بعد.
الثّانى: لا يجوز فيه إلّا النّصب؛ لوجود العامل لفظا، أو معنى.
فالّلفظ: كقولك:" استوى الماء والخشبة"، ولا يحسن الرّفع؛ لأنّك لم ترد: استوى الماء واستوت الخشبة.
والمعنى: كقولك: مالك وزيدا، لا يكون إلا نصبا؛ لأنّ المضمر المجرور لا يعطف عليه إلا بتكرير العامل، فأضمر له فعلا، ونصبه به، تقديره: مالك

وملابستك زيدا، قال 1: فمالك والتّلدّد حول نجد … وقد غصّت تهامة بالرّجال ومنه قولهم:" ما شأنك وزيدا"؛ لأنّك إن حملت" 2 زيدا على الكاف، لم يجز؛ حيث هو ضمير مجرور، وإن حملته على الشّأن، كان محالا؛ لأنّ" زيدا" ليس بتلبّس 3 به، وإنّما هو متلبّس بالكاف، فأضمرت له ما ينصبه، وقدّره سيبويه فقال: ما شأنك وتناولك 4 زيدا، أى: وملابستك زيدا، ومنه قولهم: حسبك وزيدا درهم، قال الشّاعر 5: فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد

وليس لك أن تجرّ هذا النّوع حملا على المضمر 1، فإن جئت بالظاهر فالجرّ الاختيار 2؛ تقول: ما لزيد وعمرو، و: ما شأن زيد وعمرو يشتمه، و: ما شأن قيس والبرّ يسرقه، ويجوز النّصب.
الثّالث: يجوز فيه الرّفع والنّصب، والنّصب أحسن؛ لاحتياجك فى الرّفع إلى تأكيد المضمر، وغناك فى النّصب عنه، وذلك قولك: قمت وزيدا، ولو رفعت لقلت: قمت أنا وزيد، ويجوز - مع التّوكيد - النّصب، فتقول: قمت أنا وزيدا.
الرّابع: يجوز فيه الرّفع والنصب، والرّفع أحسن؛ لأنّك - مع النّصب - تحتاج إلى إضمار ناصب، وليس كذلك الرّفع؛ تقول:" ما أنت وزيد"، و" كيف أنت وقصعة من ثريد"، والنّصب مذهب قوم من العرب، ينصبونه بإضمار" كنت" 3، وسيبويه يقدّر مع" ما"، فعلا ماضيا، ومع" كيف" فعلا مضارعا، فيقول: تقديره: ما كنت 4 وزيدا، وكيف تكون وقصعة من ثريد، قال: لأنّ" كنت" و" تكون" تقعان (3) هنا كثيرا، والمبرّد 5 يسوى

بينهما فإن قلت: ما أنت وما زيد، فالرّفع لا غير، قال 1: يكلّفنى سويق الكرم جرم … وما جرم وما ذاك السّويق الحكم السّادس: قال ابن السّرّاج: هذا الباب والذى قبله، كان من حقّهما أن لا يفارقهما حرف الجرّ، ولكنّه حذف فيهما، ولم يجر يا مجرى الظّروف فى تصرّف الإعراب، وفى إقامتهما مقام الفاعل؛ فدلّ رفضهم لذلك على أنّهما بابان وضعا غير موضعهما؛ اتّساعا؛ لأنّ المفعولات غيرهما تقدّم وتؤخّر، وتقام مقام الفاعل، ويبتدأ بها، ويخبر عنها 2. وتقول - فى هذا الباب - ما زلت وزيدا حتّى فعل، أى: ما زلت بزيد، فهو مفعول به، فقد عمل ما قبل" الواو" فيما بعدها، والمعنى معنى" الباء" ومعنى" مع" يصلح أيضا فى هذه المسألة؛ لأنّ" الباء" يقرب معناها من معنى" مع"؛ من حيث الملاصقة، والمصاحبة.

الباب الحادى عشر فى المشبّه بالمفعول

وهو سبعة أنواع، ثلاثة منها ترد فى هذا الباب، وهى: الحال والتّمييز والاستثناء، واثنان يردان فى باب العوامل، وهما: اسم" إنّ" وخبر" كان" واثنان محمولان على هذين الاثنين، وهما: اسم" لا" النافية، وخبر" ما" النافية، ويردان أيضا فى باب العوامل.
ووجه مشابهة الحال للمفعول: أنّها فضلة جاءت بعد مضىّ الجملة، كما جاء المفعول، ولها بالظّرف شبه خاصّ؛ لتضمنها معنى" فى".
ووجه شبه التّمييز: أنّه فى مواقعه كالمفعول فى مواقعه، بعد النّون والتنوين، نحو: ضارب زيدا، وضاربان زيدا.
ووجه شبه الاستثناء به: مجيئه فضلة بعد الجملة، وله شبه خاصّ بالمفعول معه؛ لأنّ العامل فيهما بتوسّط حرف، وهو:" الواو" و" إلّا".

النوع الأوّل: فى الحال

، وفيه ثلاثة فصول.

الفصل الأوّل: فى تعريفها

، وفيه فرعان

الفرع الأوّل: فى حدّها، وأقسامها:

الحال: وصف هيئة الفاعل، أو المفعول به، وحقيقتها: أنها هيئة الفاعل عند وجود الفعل منه، وهيئة المفعول عند/ حلول الفعل به، وتجئ منهما معا على الجمع والتّفريق، ومن المضاف إليه.
وهى منصوبة لفظا، وموضعا، تقول فى الفاعل: جاء زيد راكبا، وخرج الأمير ماشيا، وتقول فى المفعول: ضربت زيدا مذنبا، وأكرمت عمرا مستحقّا، وتقول فى مجيئهما منهما معا إذا اتّفقت حالاهما: لقى زيد عمرا راكبين، قال عنترة 1: متى ما تلقنى فردين ترجف … روانف أليتيك وتستطارا فإن اختلفت حالاهما، فلهما 2 طريقان.
أحدهما: أن تقرن كلّ حال بصاحبها، تقول: لقى زيد مصعدا عمرا منحدرا.
والثّانى: أن تؤخّر الحالين عنهما وتقرن حال الثانى منهما به؛ فتقول:

لقى زيد عمرا منحدرا مصعدا، ومنحدرا؛ حال لعمرو، ومصعدا" لزيد"؛ لأنّك لو لزمت الرّتبة التى للفعل معهما 1، لم توفّ أحدا منهما حقّه، قال ابن السّرّاج: إذا قلت: رأيت زيدا مصعدا منحدرا، تكون أنت المصعد، وزيد المنحدر؛ فيكون" مصعدا" حالا للتّاء، ومنحدرا حال لزيد، وكيف قدّرت - بعد أن يعلم السّامع من المصعد، ومن المنحدر - جاز 2. ولا يصحّ حالان يعمل فيهما فعل واحد لاسم واحد، كما لا يعمل فى ظرفين ولا مصدرين، ولهذا قالوا فى: جاء زيد راكبا مسرعا: إنّ" مسرعا" حال من المضمر فى" راكب".
وأمّا المضاف إليه، فلا يخلو: أن يكون فاعلا أو مفعولا، أو غيرهما؛ فتقول فى الفاعل: أعجبنى ضربك زيدا قائما، فالحال من الكاف المجرورة لفظا، المرفوعة معنى؛ لأنّها الفاعل، وتقول فى المفعول: أعجبنى أكل البسر طريا، فالحال من البسر؛ لأنّه المفعول، فإن لم يكن المضاف إليه فاعلا ولا مفعولا، قلّت الحال منه، كقولك: جاءنى غلام هند ضاحكة، وعليه قوله تعالى: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً 3؛ ف" حنيفا" حال من" إبراهيم"،

وقيل: إنّها حال من «الملّة» (1)، على معنى الدّين، ومثله قوله تعالى أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (2)، ف" مصبحين" حال من" هؤلاء"، وأنشد الفارسىّ (3): عوذ وبهثة حاشدون عليهم … حلق الحديد مضاعفا يتلهّب ف" مضاعفا" حال من الحديد (4). وأمّا قولك: جاء زيد وعمرو منطلق - وكون هذه الجملة حالا، وليست هيئة لزيد - فإنّما هذا على تقدير: جاء زيد موافقا انطلاق عمرو، وسيجئ بيان هذا فى الفصل الثّانى.

الفرع الثّانى: فى شرائطها.

1234

للحال 1 شرائط - فى الغالب - بها يصحّ أن تكون حالا: الأولى: أن تكون نكرة؛ لأنّها صفة للفعل الذى الموصوف ملابسه، والفعل نكرة، وصفة النكرة نكرة، وما جاء منها معرفة فمؤوّل، وسيجئ بيانه 2. الثّانية: أن تكون مشتقّة، أو فى تقدير المشتقّة؛ لأنّها صفة، والصّفة لا تكون إلّا مشتقّة - كما سيأتى بيانه فى باب 3 الصّفة - وما جاء منها غير مشتقّ فمؤوّل.
الثّالثة: أن تأتى بعد معرفة، أو ما قاربها؛ لأنّها فضلة فى الخبر، والنكرة أحوج إلى الصّفة، وما جاء منها بعد نكرة فمؤوّل، ويأتى بيانه 4. الرّابعة: أن تأتى بعد تمام الكلام؛ لأنّها زيادة فى الفائدة، والزّيادة إنّما تأتى بعد التّمام.
الخامسة: أن تكون لما هو الفاعل عليه، طال الوقت، أو قصر؛ فلا يجوز أن تكون لما مضى، ولا لما يأتى؛ لأنّا قلنا: إنها هيئة الفاعل، أو المفعول وصفتهما فى ذلك الفعل، وما جاء منها مستقبلا فمؤوّل، وهو الذى يسمّى حالا مقدّرة.

السّادسة: أن لا تكون الصفة خلقة فلا تقول: جاءنى زيد أحمر، ولا جاءنى عمرو طويلا، إلا أن تريد: متحّمرا، أو متطاولا (1)، وهى التى تسمّى غير منتقلة، وحالا مؤكّدة.
السّابعة: أن تكون مقدّرة ب" فى"؛ لأنّها أشبهت الظرف؛ بكونها مفعولا فيها.
الثامنة: أن تكون جواب" كيف"؛ لأنّ وضع" كيف" للسؤال عن الحال، وقد استعملت العرب ألفاظا يخالف ظاهرها هذه الشّرائط، أو بعضها، ولها تأويل يرجعها إليها، وسنذكرها مفصّلة إن شاء الله تعالى.

الفصل الثانى: فى أحكامها

الحكم الأوّل: قد قلنا: إنّ الحال ينبغى أن تكون نكرة، فأمّا ما جاء منها معرفة، من نحو قولهم:" دخلوا الأوّل فالأوّل" وجاء والجمّاء الغفير" و" أرسلها العراك" و" طلبته جهدك وطاقتك" و" جاءوا قضّهم بقضيضهم" و" رجع عوده على بدئه"، و" مررت به وحده" - عند سيبويه 2 - فإنّما هذه مصادر (2) أفعال محذوفة، وأسماء حملت عليها، ووضعت فى موضع ما لا تعريف (2) فيه، وقد اختلفوا فى تقديرها.
فسيبويه يقدّر" الأوّل فالأوّل" واحدا واحدا 3، وقدّروا فى" العراك"1

معتركة 1، وفى" جهدك" و" طاقتك" جاهدا، وفى" قضّهم بقضهم" 2 قاطبة، وفى" عوده على بدئه" 3 عائدا، و" الجمّاء الغفير" أى: مجتمعين 4 فى كثرة، وكذلك ما كان من هذا النّوع.
وأمّا؛ وحده": فقد اختلفوا فى وجه نصبه، فقال قوم: على الحال 5 وقال قوم: على الظّرف 6، وقال آخرون: على المصدر 7 ومذهب سيبويه: أنّه مصدر أقيم مقام الحال 8، ولا يثنّى ولا يجمع، ولا يؤنّث، وإنّما التّثنية والجمع، والتأنيث للمضاف إليه، ولا يرفع، ولكن يجرّ فى ثلاثة مواضع: واحد للمدح - وهو قولهم:" نسيبج وحده" - واثنان للذّمّ، يقالان للرّجل إذا كان يستبدّ 9 برأيه، وهما" عيير وحده" (9)، وحجيش (9) وحده.
الحكم الثانى: قد قلنا: إنّ الحال ينبغى أن تكون مشتقّة، فأمّا ما جاء منها غير مشتق، فقد جاء جملة، ومفردا.

أمّا الجملة: فقالوا:" كلّمته فاه إلى فىّ" وبايعته يدا بيد" و" بعت الشّاة شاة ودرهما" و" بيّنت له حسابه بابا بابا" و" قامرته درهما فى درهم"، قال سيبويه: واعلم أنّ هذه الأسماء - الّتى فى هذا الباب - لا يفرد منها شئ دون شئ؛ فلا تقول: كلّمته فاه، حتّى تقول إلى فىّ، وكذلك الباقى، قال: ومن العرب من يرفع هذا 1 النّحو، وهو قليل.
وأمّا المفرد: فكقوله تعالى: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً 2 وقوله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ 3، وقول الشّاعر 4: ترى خلفها نصفا قناة قويمة … ونصفا نقا يرتجّ أو يتمرمر وقولهم:" هذه جبّتك خزا"، فجميع هذه الأمثلة مؤوّلة، مرجوع بها إلى المشتقّ، تقديره: مشافها، ونقدا، ومسعّرا، ومفصّلا، ومقرّرا، وعلامة ومفترقين، ومقسوما، وناعما.

ومن المفرد: الحال الموطّئة، كقوله تعالى: وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا 1. وقولك: مررت به رجلا صالحا، فالصّفة سوّغت مجئ الجامد حالا.
الحكم الثالث: قد قلنا: إن الحال لا تكون إلّا لمعرفة، فأمّا وقوعها بعد النكرة، فلا يخلو: أن تكون النكرة موصوفة، أو غير موصوفة.
فإن كانت موصوفة: جاز وحسن وقوعها حالا لها؛ لقربها من المعرفة بالوصف، كقوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنا 2؛ لأنّه لمّا كان الأمر موصوفا، قرب من المعرفة، فانتصب" أمرا" على الحال.
وكقول الشّاعر 3: يا عين جودى بدمع منك مجهودا لأنّ" منك" وصف ل" دمع"، أو فيه ضمير مرتفع به، والحال منه، فأمّا قوله 4: وما حلّ سعدىّ غريبا ببلدة … فينطق إلّا الزّبرقان له أب فإنّ النكرة المنفيّة تستوعب جميع أنواعها، فتنزّلت منزلة المعرفة.
فإن كانت/ النكرة غير موصوفة لم يكن ما بعدها حالا، وإنّما يكون صفة

تتبعها، فإن قدّمتها عليها انتصبت على الحال منه؛ لأنّ الصّفة لا تتقدّم على الموصوف، كقولك: هذا كريما رجل، ومنه قول الشاعر 1: وتحت العوالى بالقنا مستظلّة … ظباء أعارتها العيون الجآذر وقول الآخر 2: لعزّة موحشا طلل … يلوح كأنّه خلل وقد أجاز سيبويه 3: فيها رجل قائما، فنصبه على الحال من" رجل" وهو مشكل؛ لأنهّ يجب أن يكون حالا من المضمر، وأنشد الفارسىّ 4: جنونا بها فيما اعتشرنا علالة … علالة حبّ مستسرّا وباديا فجعله حالا من" حبّ"، وهو نكرة.

الحكم الرّابع: المعرفة لا تخلو: أن لا يكون فيها ألف ولام، أو يكون فيها ألف ولام، وكلهّا ينتصب عنها النكرة، على الحال، إلّا إذا أريد بالمعرفة واحد من الجنس، ولا يراد بالإخبار عن واحده الإخبار عن جنسه، تقول هذا الأسد مهيب، وهذه العقرب مخوفة، ترفع؛ لأنّك 1 تريد واحدا من الأسود والعقارب، فإن أردت عموم الجنس نصبت.
الحكم الخامس: قد تقدّم أنّ الحال لا يأتى إلا بعد تمام الكلام، فأمّا قولهم: ضربي زيدا قائما، وأخطب ما يكون الأمير قائما، وما كان من هذا الباب، فقد سبق ذكره فى باب" خبر المبتدأ" 2، ويجرى مجراه، قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا"، و: هذا زيد مقبلا أفضل منه مدبرا، تقديره: إذا كان بسرا، وإذا كان رطبا.
و" كان" في هذا الباب تامّة، فلا يكون المنصوب خبرا، وإنّما يكون حالا،/ وهذا الحكم مطّرد في كلّ وصف ينتقل ويتحوّل؛ فإنّ" البسر" يصير رطبا، و" المقبل" يصير" مدبرا"، فأمّا ما لا ينتقل 3 ويتحوّل، فالرّفع، تقول: هذا بسر أطيب منه عنب، وهذا زبيب أطيب منه تمر؛ لأنّ البسر لا يتحوّل عنبا ف" هذا" مبتدأ، و" بسر"

خبره، و" أطيب منه" مبتدأ، و" عنب" 1 خبره.
الحكم السّادس: قد قلنا: إنّ الحال لا يكون إلا لما هو الفاعل، أو المفعول عليه؛ فلا يكون لما مضى، ولا" لما لم يأت، إلّا على تأوّل، وهو الّذي يسمّونه حالا مقدّرة، كقولهم: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، تقديره: مقدّرا به الصيد (1) غدا، ومنه قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ 2 أي: مقدّرين الخلود، وإنمّا قلنا ذلك؛ لأنّ الحال عبارة عن هيئة الفاعل، أو المفعول عند إسناد الأمر إليه، هذا فى المستقبل، فأمّا في الماضي، فلا يقع إلّا ومعه" قد" مظهرة، أو مقدّرة، وسيجئ 3 بيانها.
الحكم السّابع: قد قلنا: إنّ الحال لا تكون خلقة، وهي التي يسموّنها غير منتقلة.
فالمنتقلة: ما جاز أن تفارق صاحبها، تقول: جاء زيد راكبا، ف" راكبا" حال منتقلة، تزول عن" زيد"، ويصير غير راكب.
وغير المنتقلة: هى التى تلزم صاحبها، وتسمّى حالا مؤكّدة، وهي التي تجئ على أثر جملة منعقدة من اسمين لا عمل لهما، أو من جملة فعليّة، يدلّ لفظ الحال على معناها؛ لتوكيد خبرها، وتقرير مؤدّاه، ونفي الشّكّ عنه، كقوله تعالى: فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً 4، وقوله: وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً 5 وقوله: وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا 6، وقوله: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا 7

وكقولك:" هو زيد معروفا"، و" زيد أبوك عطوفا"، و" هو الحقّ بيّنا" وكقول الشّاعر 1: أنا ابن دارة معروفا بها نسبى وكقول الآخر 2: وقد فرّ عمرو هاربا من منية ألا ترى كيف حققّت التّبسّم/ بالضّحك، والحقّ بالصّدق، والأبوّة بالعطف، والبعث بالحياة، والبنوّة بالعرفان، وتقول: أنا فلان بطلا شجاعا وكريما جوادا، فتحقّق ما أنت متسّم به، وما هو ثابت لك فى نفسك.
الحكم الثّامن: قد أوقعوا المصادر أحوالا، كما أوقعوا الحال مصدرا في قولهم: قم قائما، وفي قول الشّاعر 3: على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما … ولا خارجا من فيّ زور كلام فقالوا:" قتلته صبرا"، و" لقيته فجاءة" و" عيانا": و" كفاحا"

و" كلّمته مشافهة" و" أتيته ركضا" و" مشيا" و" عدوا" و" أخذت عنه سمعا" و" سماعا"، فكلّ هذه مصادر جعلت أحوالا، على تأوّل - وإن كانت مشتّقة - تقديره: مصبورا، ومفاجئا، ومعاينا، ومكافحا، ومشافها وراكضا، وماشيا، وعاديا، وسامعا، قال سيبويه: وليس كلّ مصدر - وإن كان فى القياس مثل ما مضى، من هذا الباب - يوضع هذا الموضع؛ لأنّ المصدر ها هنا موضع فاعل إذا كان حالا، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: أتانا سرعة ورجلة 1، وغير سيبويه 2 يجيز هذا الباب قياسا.
الحكم التاسع: الحال تكون مفردا، وهو الأصل، وقد ذكر، وتكون جملة؛ حملا على المفرد، وسبكا منها معناه، ولا يخلو أن تكون اسميّة، أو فعليّة.
أمّا الاسمّية: فلا يخلو: أن تكون من سبب ذى الحال، أو أجنبية.
فإن كانت من سببه لزمها العائد، والواو، تقول: جاء زيد وأبوه منطلق، و: خرج عمرو ويده على رأسه، إلّا ما شذّ فجاء بغير واو، قالوا: " كلّمته فوه إلى فيّ"، و" لقيته عليه جبّة وشي"، وقالوا:" جاء زيد يده على رأسه".
وإن كانت أجنبّية لزمها الواو، ونابت عن العائد، وقد يجمع بينهما، تقول: جاء زيد وعمرو منطلق، ودخل عمرو وبشر قائم إليه، وقد جاءت بلا

واو، ولا ضمير، قال 1: ثمّ انتصبنا جبال الصّعد معرضة … عن اليسار وعن أيماننا جدد ف" جبال" الصّعد معرضة" حال من" نا" في" انتصبنا".
وأمّا الفعليّة: فلا يخلو: أن يكون فعلها مضارعا، أو ماضيا.
فإن كان مضارعا فلا يخلو: أن يكون مثبتا، أو منفيّا.
فالمثبت لا يكون معه الواو، تقول: جاء زيد يضحك، فأمّا قولهم: " قمت وأصكّ عينه"، فعلى إضمار المبتدأ، أي: وأنا أصكّ عينه؛ بدليل ظهورها في قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ 2. والمنفيّ جاء بالواو، وعدمها، تقول: جاء زيد ولم يضرب عمرا، وجاء زيد لم يضرب عمرا.
وإن كان الفعل ماضيا فحكمه حكم المضارع 3، إلّا أنّه يلزمه" قد" (3) مظهرة، أو مقدرة؛ لتقرّبه إلى الحال، تقول: جاء زيد وقد قام عمرو، وقدم بشر وخرج الأمير، أي: وقد خرج الأمير، وعليه قوله تعالى: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ 4، وقوله: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ 5،

فقد في هاتين الآيتين مضمرة 1، والمبرّد 2 يجعل ذلك من الدّعاء عليهم، وأنّ ذلك من الله إيجاب، قال: والقراءة (2) الصّحيحة الّتي جلّ أهل العلم عليها، إنما هى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ 3، حكى ذلك عنه ابن السّرّاج في" الأصول" 4، وهذا عجيب؛ فإنّ قراءة السّبعة إنّما هي حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ 5 فكيف يزعم أنّ القراءة الصّحيحة التي عليها جلّ العلماء بخلاف ذلك، ولا ينبّه صاحب" الأصول" عليه؟! وقد جاء حرف الجرّ حالا، كقوله تعالى: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ 6، وقوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ 7، وقوله: دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً 8، فالعطف دلّ على أنّ حرف 9 الجرّ حال.

الفصل الثّالث: فى عواملها

وهي ضربان: ظاهرة، ومضمرة.
أمّا الظّاهرة: فلا يخلو: أن تكون متصرّفة، أو غير متصرفة، والتّصرّف: عبارة عن التنقّل فى الأزمنة، والأمر، والنّهي، واسم الفاعل والمفعول/ والمصدر، نحو: ضرب يضرب ضربا، فهو ضارب، ومضروب واضرب، ولا تضرب.
فالمتصرّفة: كالأفعال الجارية على بابها، ولا يخلو صاحب الحال معها أن يكون مظهرا، أو مضمرا.
فالمظهر: يجوز تقديمه - في الرّفع والنّصب - على صاحب الحال إجماعا 1، وعلى العامل، عند البصريّ (1)، تقول: جاء راكبا زيد، وراكبا جاء زيد، ورأيت راكبا زيدا، وراكبا رأيت زيدا، وقد منع الأخفش 2: راكبا زيد جاء؛ لبعدها عن العامل (2). والمضمر: مجمع على تقديمه 3، تقول: راكبا جئت، وجعل المبرّد 4 قوله تعالى: خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ 5، من هذا،

وكذلك قوله 1: مزبدا يخطر ما لم يرني … فإذا يخلو لحمي رتع فإن كانت الحال لمجرور، لم تتقدم على صاحبها، ولا على العامل، عند سيبويه 2، تقول: مررت بزيد جالسا، ولا يجوز مررت جالسا بزيد، ولا جالسا مررت بزيد؛ لأجل اللّبس، وغيره 3 يجيزه مستدلا بقوله 4: إذا المرء أعيته السّيادة ناشئا … فمطلبها كهلا عليه شديد ف" كهلا" حال من الهاء فى" عليه"، وبقوله 5: لئن كان برد الماء حرّان صاديا … إليّ حبيبا إنهّا لحبيب

ف" حرّان" حال من الياء في" إلىّ"، وبقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ 1، على أنّ" كافّة" حال من" النّاس" 2. فإن لم يكن العامل متصرّفا، لم يجز تقديم الحال عليه، نحو قولك: هذا زيد قائما، وقوله تعالى: وَهذا بَعْلِي شَيْخاً 3، وقوله: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ 4 ونحو: زيد في الدّار قائما، وفيها زيد مقيما، وما شأنك قائما؛ فينصب هذا كلّه على الحال من" هذا"، ومن الظّرف، والجارّ والمجرور، ومن الاستفهام؛ لما فيهنّ من معنى الفعل 5، فكأنّك قلت: أنّبه عليه قائما/ وأشير إليه قائما، وأستفهم عنه قائما، ولا يتقدّم الحال في هذه الأمثلة على العامل، فلا تقول: قائما هذا زيد، ولا مقيما فيها زيد، ولا قائما ما شأنك؛ وقد أجاز الأخفش 6: زيد قائما في الدّار، ومنع منه سيبويه 7، ولكلّ حجّة.
ولك أن تعمل" ها" التي للتنّبيه، وإن شئت أعملت" ذا" الذّي

للإشارة، فإذا تساوى الأمر فيهما، أعمل الكوفيّ الأوّل 1، وأعمل البصريّ الثاني 2، فقياس البصريّ 3 أن يمنع: ها قائما 4 ذا زيد؛ لأن عامله بعده، والكوفيّ لا يمنعه (3)، وأجمعا على منع: قائما هذا (4) زيد، ويجيز البصريّ إعمال (3) الأوّل.
فأمّا تقديم الحال على صاحبها فجائز، تقول: هذا واقفا زيد، وهذا واقفا رجل، وفي الدّار مقيما زيد، ولك أن ترفع فتجعل" واقفا" خبر" هذا" و" زيد" بدل منه، وأنشدوا هذا البيت 5، نصبا، ورفعا: أترضى بأنّا لم تجفّ دماؤنا … وهذا عروسا باليمامة خالد فأمّا قوله تعالى وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ 6، فمنهم من

يجعل" قبضته" بتقدير: مقبوضة 1، ويخرجها عن حكم المصدر، ويعملها فى الحال مقدّما عليه، ومنهم من يجعل التقدير: والأرض إذا كانت (1) جميعا، وعلي هذا يجيزون نحن جميعا في عافية، أي إذا كنّا جميعا ومتى وقع الظّرف - بعد المبتدأ - مكرّرا، من لفظه، أو من غير لفظه، أو كان أحد المكرّرين متّصلا بضمير الآخر؛ ووقع معهما اسم يصلح أن يكون خبرا، فلك فيه النصب، على الحال، والرّفع على الخبر، كما كان قبل التكرار، نحو قولك: زيد في الدار قائما في الدار، وزيد في الدّار قائما في البيت، وزيد في الدّار قائما فيها.
وأمّا العامل في الحال إذا كان مضمرا، فقد جاء في كلامهم كثيرا، حذفوه؛ اختصارا، نحو قولهم للمرتحل:" راشدا مهديّا"، و" مصاحبا معانا"، بإضمار:" اذهب" وقولهم للقادم من حجّه:" مأجورا مبرورا"، أي: رجعت، وقولهم:" أخذته بدرهم فصاعدا"، و" بدرهم فزائدا 2 " أى: فذهب الثّمن صاعدا، وزائدا، وقولهم: أتميميا مرّة وقيسيّا/ أخرى؟ كأنك

قلت: أتتحوّل كذا وكذا، وإنما تريد أن تثبت له هذه الحال التى رأيته فيها، لا أن تستفهمه عن حاله، ويجوز فيه الرّفع، ومن هذا الباب، قوله تعالى: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (1)، أي: نجمعها قادرين، ومنه، إذا رأيت من يتعرّض لأمر قلت: متعرّضا لأمر لم يعنه، أى: دنا منه، وإذا أنشدت شعرا، أو حدّثت حديثا، قلت: صادقا، أى: قال، وهذا باب واسع في كلامهم.

النوّع الثاني: في التّمييز،

ويسمّي: التّبيين، والتفسير، وفيه ثلاثة فصول.

الفصل الأوّل: في تعريفه

التّمييز: تخليص الأجناس المحتملها المحلّ، بواحد منكور غالبا، يحسن تقدير" من" في أكثره، وإن شئت قلت: هو رفع الإبهام الواقع في جملة، أو مفرد، بالنّصّ على أحد محتملاته، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: يأتى بعد تمام الكلام 2، والآخر: يأتى بعد تمام 3 الاسم.
القسم الأوّل كقولك:" طبت به" نفسا،"، و" ضقت به ذرعا"، و" تصبّب زيد عرقا" و" تفقّأ عمرو شحما" و" امتلأ الاناء ماء"، ومنه قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً 4، والأصل فيه: طابت نفسي،1

ذرعي، وتصبّب عرق زيد، فالنفس هي الفاعلة، والياء مجرورة الموضع بالإضافة، ثمّ إنّهم أسندوا الفعل إلى الياء، منقولا عن موضعه، فارتفع به كما ارتفعت به النّفس، فبقي المرفوع أوّلا غير مستحقّ للرّفع؛ لأنّه لا يكون فاعلان لفعل واحد بغير عاطف، وليس بصفة للأوّل؛ لأنّه نكرة والأوّل معرفة ولا هو هو، فيكون بدل كلّ، ولا فيه ضمير، فيكون بدل اشتمال، أو بعض، ولا يجوز جرّه؛ لعدم الجارّ؛ فلم يبق إلّا النّصب؛ فنصبوه لذلك؛ ولأنّه جاء بعد تمام الكلام، وهو/ استيفاء الفعل فاعله.
وفي قولهم:" امتلأ الإناء ماء"، نظر؛ لأنّك لا تقول: امتلأ ماء الإناء، كما تقول: تصّبب عرق زيد، ولكنّه لمّا كان الماء يملأ الإناء؛ قرب من ذلك وكان فاعلا.
ومن هذا الباب، كلّ ما يأتي بعد" أفعل" التّى للتفضيل، نحو قولك: زيد أكمل النّاس عقلا، وأحسنهم وجها، وهو أجرأ جنانا، وأحسن عبدا؛ فالكمال والحسن والجراءة - فى الحقيقة - هي للعقل والوجه والجنان والعبد، وهي - في اللفظ - لمن أضيفت إليه، وفيه ضميره، إلا أنّ الوجه بعضه، والعبد غيره؛ فإذا قلت: أنت أحسن العبيد، فقد قدّمته عليهم، وهو واحد منهم، وإذا قلت: أنت أحسن عبد في النّاس، فمعناه: أنت أحسن من كلّ عبد إذا أفردوا عبدا عبدا، كما تقول: أنتما أحسن عبدين في النّاس إذا أفرد العبيد اثنين اثنين، وإذا قلت: زيد أحسن عبدا، لم يكن زيدا عبدا، وإذا قلت: زيد أحسن عبد، كان عبدا، واستقبحوا: زيد أكثر مالا وأطيبه؛ لأنّ الهاء لا تكون فى موضع الجرّ؛ لأنّه ليس ببعض الأوّل، ولا في موضع النّصب؛

لأنّه يلزم أن يكون نكرة ليميّز، وهو معرفة، وسيرد هذا مستقصي في باب 1 الإضافة.
القسم الثاني: ما يأتى بعد تمام الاسم، وهو على ثلاثة أضرب: أعداد، ومقادير، ومحمول عليها.
الأوّل: الأعداد، وهي نوعان: أحدهما: ما أضيف إلى المميّز، وهو ما كان منوّنا، ومحلهّ: من الثّلاثة إلى العشرة، ومن المائة إلى ما فوقها، تقول: ثلاثة أثواب، ومائة درهم، وألف دينار، وقالوا: ثلاثة أثوابا، ومائتان رجلا، والثاني: ما انتصب بعده المميّز، وهو: من أحد عشر إلى تسعة وتسعين، تقول: عندي أحد عشر درهما، وعشرون دينارا، وتسعة وتسعون ثوبا وسيرد هذا مستقصى فى باب 2 العدد.
الضرب الثاني: المقادير، وهي ثلاثة أنواع: ممسوح، ومكيل، وموزون والعدد، وإن كان مقدارا، إلّا أنّه ليس له آله يعرف بها كهذه.
فالممسوح كقولهم:" ما في السّماء قدر راحة سحابا"، و" ما في الثّوب مصرّ 3 درهم نسيجا"، و" ما في الأرض قدر قدم خضرة"، ألا ترى أنّك إذا قلت: ما في السّماء قدر راحة، احتمل أن يكون من الصّحو، والغيم، وغيرهما، فلمّا قلت: سحابا، فسّرت به ذلك لمبهم.
والمكيل، كقولك: عندي قفيزان برّا، ومكّوكان دقيقا، وراقود خلّا

وملء الإناء عسلا، وكلّ هذه المقادير تحمل أشياء من المكيلات، فإذا بيّنتها بأحدها، أزلت ذلك الاحتمال.
والموزون، كقولك: عندي منوان سمنا، ورطل عسلا، ورطلان زيتا، فقد فسّرت بالسّمن، والعسل، والزّيت، ما احتمله المنوان، والرّطل.
ويحتاج - في هذا الباب - إلى محذوف مقدّر؛ ليصحّ الكلام؛ فإنّك إذا قلت مثلا.
عندي راقود خلّا، فليس الخلّ من الرّاقود، والمفسّر يجب أن يكون من جنس المفسّر؛ فيقدّر المحذوف؛ ب" ملء"، أو ب" قدر"، فكأنّك قلت: عندى ملء راقود خلّا، وقدر رطل عسلا.
الضّرب الثّالث: المحمول، وذلك كقولهم:" حسبك به فارسا"، و" لله درّه شجاعا"، و" كفى به ناصرا"، وكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا 1، و" ويحه رجلا"، و" لي مثله رجلا"، و" على التمرة مثلها زبدا"، فهذا النّوع، وإن لم يكن داخلا تحت المقادير، فإنّه يناسبها؛ من حيث إنّه يزيل الاحتمالات المبهمة؛ فإنّك في قولك هذا - قبل دخول المميزّ - متعجّب من الأجناس التي احتملها، فإذا قلت: فارسا، أو شجاعا، أو رجلا، بيّنت المقصود.
والباء في" حسبك به" يجوز أن تكون زائدة، فتكون الكاف مفعولة والهاء فاعلة في المعنى، ويجوز أن تكون غير زائدة، فتكون الكاف فاعلة في المعني، التقدير: اكتف به، قال ابن السّرّاج: ويجوز أن تقول: عندي رطل زيت، وخمسة أثواب، ولي مثله رجل، على البدل 2.

الفصل الثّاني: في أحكامه

الحكم الأوّل: الممّيز لا يكون إلّا نكرة؛ لأنّهم أرادوا أن يكون المنصوب غير المنقول دليلا على الجنس؛ فحيث بلغوا مقصودهم بالنكرة، لم يتعدّوها، ولأنّ النكرة واحد يدلّ على أكثر منه، والمعرفة معينّة، لا تدلّ على غير ما وضعت له.
وأمّا المنقول: فإنّ تعريفه كان بالإضافة، وقد زالت الإضافة، وجعل المضاف إليه فاعلا، أو نحوه من معمولات الفعل؛ فبقي على بابه؛ فلا تقول: طبت به النّفس، وتصبّب زيد العرق، ولا عشرون الدّرهم، وقفيزان البرّ، ومنوان السّمن، وقدر راحة السّحاب، وقد أجاز ذلك الكوفيّ 1، وينشد 2: رأتيك لمّا أن عرفت جلادنا رضيت وطبت النّفس يا عمرو عن بكر والبصريّ يجعل 3 اللام زائدة.
ويقولون في" الحسن الوجه"، وفي قوله 4: والطّيبّون معاقد الأزر

إنّه منصوب على التّمييز 1، والبصريّ ينصبه على التّشبيه بالمفعول (1) به، قال ابن السّرّاج: فأمّا قوله تعالى:" إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ" 2، وقوله:" وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها" 3، فقال بعض النّحاة: نصبه كنصب التفسير، والمعنى: سفهت نفسه، و" بطرت معيشتها، ثمّ حوّل" السّفه" إلى المضمر، و" البطر" إلى القرية، فخرج" النفس"، و" المعيشة" مفسّرا، وكان حكمه: سفه نفسا، وبطرت معيشة، فترك على إضافته، ونصب نصب 4 النكرة.
الحكم الثّاني: باب المميّز أن يكون واحدا مع الواحد، والاثنين، والجماعة؛ لأنّه إذا حصل به الغرض، فلا حاجة إلى غيره، وقد جاء فيه الجمع؛ حملا على الأصل، كقوله تعالى في الواحد:" فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً" 5، وقال في الجمع: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا 6 فلم [يقل] 7: أنفسا، ولا عملا، والصوّاب - في هذا - أن يقال: كّل محلّ يلتبس، فالصّواب ارتكاب الأصل فيه، ألا ترى أنّ" النفس" في الآية غير ملتبسة الأمر؛ فوحّدت، والأعمال لو أفردت لالتبس أمرها، ولظنّ أنّ الخسارة التى يتفاوتون فيها إنمّا هي عمل واحد، قال ابن السّرّاج: لك

الخيار في الاسم المميّز، إن شئت جمعته، وإن شئت وحّدته، تقول: طبتم ذلك نفسا، وأنفسا، وذكر الآيتين، وقال: فتقول - على هذا - هو أفره الناس عبيدا، وأجود النّاس دورا 1، وأنكر المبرّد: عندى عشرون دراهم؛ لأنّك إذا قلت:" عشرون" فقد أتيت على العدد، فلم تحتج إلى غير ذكر ما يدل على الجنس 2. الحكم الثّالث: أكثر المميّز لا بدّ فيه من معنى" من"، والضّابط: أنّ كلّ ما كان الثّاني فيه هو الأوّل، لم تدخل فيه" من"، وما كان غيره، دخلته فتقول: أحد عشر درهما، وقفيزان برّا، و" لله درّه فارسا"، و" امتلأ الإناء ماء"، و" تفقّأ زيد شحما"، أي: من الدّراهم، ومن البّر، ومن الماء، ومن الشّحم؛ لأنّ هذه الأشياء المميّزة غير المميّزة، ولا تدخل على:" طبت به نفسا"، و" ضقت به ذرعا"؛ لأنّ المميّز فيه هو المميّز، قال ابن السّرّاج: يقولون:" حسبك به رجلا"، و" من رجل، وأكرم به فارسا، ومن فارس، ولا يقولون في: عشرين درهما، وأحسن عبدا: من درهم، ومن عبد؛ لأنّ الأوّل كان يلتبس فيه التّمييز بالحال، فأدخلت عليه" من"، لتخلّصه للتمييز 3، والّثاني لم يقع فيه لبس، فلم يدخلوها عليه، فإن أدخلت عليه" من" جئت بالجمع، فقلت: عشرون من الدّراهم، هذا الأصل، ثمّ حذفت الألف واللّام،

و" من"، والجمع، وأقيم مقامها اسم مفرد نكرة، فإذا ردّ بعضها ردّت كلهّا.
الحكم الرابع: تمام الاسم يكون بعد التنوين وتقديره، وبعد نون التثنية والجمع، وبعد الإضافة.
أمّا التنّوين؛ فلأنّه حجز الاسم أن يكون مجرورا بالإضافة، نحو: راقود خلّا؛ لفصله بين الاسمين.
وأمّا تقدير التنوين، فنحو: أحد عشر وبابه؛ لأنّ أصله: أحد وعشرة.
وأمّا النّون، فنحو: منوان عسلا، وعشرون درهما.
وأمّا الإضافة، فنحو: لي مثله رجلا، فنزّل الحاجز بينهما منزلة الفاعل الذي حال بين الفعل وبين مفعوله أن يكون فيه بمنزلته، فانتصب المفعول وكذلك حجزت هذه الأشياء، وهي فيه على ضربين: أحدهما: زائل، والآخر: لازم.
فالزّائل: التنوين ونون التّثنية؛ لأنّك تقول: رطل زيتا، و: رطل زيت، و: منوان سمنا، ومنوا سمن.
واللازم: نون الجمع، والإضافة؛ لأنّك تقول: عشرون درهما، و: لي مثله رجلا، ولا تقول؛ عشرو درهم، و: مثل رجل.
الحكم الخامس: لا يجوز أن يصير المميّز مميّزا، فإذا قلت: ذراع كتاّنا، وراقود خلّا، ورطل عسلا، لا يجوز أن تقول: خلّ راقودا، وكتّان ذراعا، وعسل رطلا؛ لأنّك إنّما تبيّن المقادير بالأجناس، لا الأجناس بالمقادير؛ ولأنّك تقول: ذراع من كتّان، ولا تقول: كتّان من ذراع، وما جاء من هذا، فهو منصوب على الحال، والأولى أن يرفع، ويكون صفة، كما تقول: عندى

رطل زيت، و: لي مثله رجل، على البدل، قال ابن السّرّاج: إذا قلت: ماء فرات، و: تمر شهريز 1، وقضيبابان، ونخلتا برنيّ، فذلك ليس بمقدار معروف مشهور، وكلام العرب يحفظ، والاختيار فيه: الإضافة، أو الإتباع ولا يجوز فيه التّمييز إذا لم يكن مقدارا 2. الحكم السّادس: هذه المميّزات عن آخرها أشياء مزالة عن أصلها، ألا تراها - إذا رجعت إلى المعنى - متّصفة بما هي منتصبة عنه، وأنّ التقدير فيها: عندى زيت رطل، وسمن منوان، ودراهم عشرون، وماء ملء الإناء، وزبد مثل التمرة، وسحاب موضع كفّ، ورجل مثله، وكذلك القسم الآخر/ وهو وصف النفّس بالطّيب، والعرق بالتّصبّب، والشّيب بالاشّتعال، لأنّ الفعل في - الحقيقة - وصف في الفاعل؛ والسّبب في هذه الإزالة: قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتّأكيد.

الفصل الثالث: في عامل التمييز

وهو على ضربين: فعل محض، ومعنى فعل.
فالفعل، نحو:" تصّبب زيد عرقا" و" طبت به نفسا" وبابه.
والمعنى: الحاجز المقدّم ذكره فى الأعداد، والمقادير، وهو: التنوين والنوّن والإضافة، وقيل: إنّ عامل هذا النّوع، إنّما هو الظّرف في نحو: عندي قفيزان برّا، والجارّ والمجرور في نحو:" لي مثله رجلا"؛ فيكون حينئذ لفظيا.
وسيبويه يمنع من جواز تقديم المميّز على العامل 1. أمّا في القسم الأوّل؛ فنظرا إلى الأصل في أنّ المنصوب - في باب المنقول - هو المرفوع أوّلا، وحملا على باب المفعول معه؛ حيث لم يقدّم على عامله؛ نظرا إلى أصل وضع الواو.
وأمّا في القسم الثّاني؛ فلأنه إنمّا انتصب بعد تمامه، فلا تقول: نفسا طبت به، وعرقا تصبّب زيد، ولا برا عندى قفيزان، ورجلا لي مثله.

والمازنيّ (1) والمبرّد (2) يجيزان تقديم الأوّل، وأنشدا (3): أتهجر ليلى للفراق حبيبها … وما كان نفسا بالفراق تطيب وأكثر البصريّين ينشدونه: وما كان نفسي بالفراق تطيب فعلى الأوّل يكون" نفسا" مميّزا، وفي" كان" ضمير" حبيبها"، وعلى الثّاني يكون" نفسي" اسم" كان"، و" تطيب" خبرها، ويكون قد عدل عن الإخبار عن المضاف المتكلّم، وهذا باب ما أوسعه فى العربية؟! وهو في القرآن والنظم والنثر كثير.

النوع الثالث: في الاستثناء،

وفيه ثلاثة فصول.123

جارٍ التحميل