وتقول: ما أدرى أقام أو قعد؟ إذا لم يطل القيام، وكان - لسرعته - كأنّه لم يكن، كما تقول: تكلّمت ولم تتكلّم؛ إمّا لقلّة كلامه، أو لترك الاعتداد به، أو لأنّه لم يبلغ به المراد، وليس ل «أم» هاهنا مجال؛ لأنّه مع «أو» يكون قد علم منه قياما، ومع «أم» استوى جهله فى القيام والقعود.
وإذا تصدّر الكلام «هل» صلحت «أم» و «أو»، قال سيبويه: لو قلت: هل تضرب أو تقتل؟ أو هل تضرب أم تقتل؟ لكان واحدا 1.
الحكم الثامن: العطف على ضربين: عطف مفرد على مفرد، وعطف جملة على جملة، فالمفرد: نحو: قام زيد وعمرو، وقام زيد وقعد.
والجملة: نحو: زيد قائم وعمرو جالس، وقام زيد وقعد بكر، فتجمع - فى المفرد - بين الرجلين فى القيام، وفى إسناد الفعل إلى المذكور معهما، وتجمع فى الجملة - بين مضمونى الجملتين، فى الحصول.
وتقول: زيد راغب فيك وعمرو، تعطف «عمرا» علي الجملة، فإن عطفته علي «زيد» لم يكن بدّ من أن تقول: زيد وعمرو راغبان فيك، فإن عطفته على المضمر فى «راغب» قلت: زيد [راغب] 2 هو وعمرو فيك، ويجوز أن تحذف «هو»، فإن عطفت على الجملة، لم يجز أن تقول: زيد راغب وعمرو فيك؛ لأنّ «فيك» متعلّقة ب «راغب» فلا يفصل بينهما.
وتقول: زيد وعمرو قاما، وقام، بالتّثنية والإفراد، وكذلك مع «الفاء» و «ثمّ» ولا يجيزون مع «أو» و «لا» و «بل» إلّا الإفراد.
وتقول: ضربت زيدا أو عمرو، بالرفع، تريد: وعمرو وكذلك، وهذا يجوز، إذا علم المحذوف.
الحكم التاسع: لا يخلو المعطوف والمعطوف عليه: أن يكونا اسمين، أو فعلين، أو يكون أحدهما اسما، والآخر فعلا، وإذا كان اسمين فلا يخلو: أن يكونا ظاهرين، أو مضمرين، أو يكون أحدهما مظهرا، والآخر مضمرا، ولا يخلو المضمر: أن يكون متّصلا/ أو منفصلا، ولا يخلو المتّصل والمنفصل: أن يكونا مرفوعين، أو منصوبين، والمجرور لا يكون إلا متّصلا، وإذا كانا فعلين فلا يخلو: أن يكونا متّفقين فى الزّمان، أو مختلفين، فكلّ هذه الأقسام يجوز عطف بعضها على بعض، إلّا ما استثنيته لك - من منع، أو لزوم شرط، وهي أنواع.
الأوّل: إذا كان أحدهما اسما، والآخر فعلا، لا يجوز العطف، لا تقول: زيد قائم وقعد، ولا قعد زيد وقائم.
الثّاني: المظهر علي المظهر، لا يجوز عطفه، إلّا إذا اتّفقا فى الحال، تقول:
مات زيد وعمرو؛ لأنّ الموت يصحّ منهما، ولا تقول: مات زيد والشّمس؛ لأنّ الشمس لا يصحّ موتها، وهذا الاتّفاق مشروط فى كلّ ما جاز عطفه من أقسام الأسماء.
الثّالث: الضمير المرفوع المتّصل، لا يجوز العطف عليه حتّى يؤكد، تقول: قم أنت وزيد، ومثله قوله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ 1
وقوله: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ 1، وقد جاء فى الشّعر غير مؤكّد، قال 2: قلت إذ أقبلت وزهر تهادى … كنعاج الفلا تعسّفن رملا وقد أجروا طول الكلام مجرى التأكيد؛ فأجازو العطف بلا تأكيد، كقوله تعالي: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ 3. فإن عوّضت من التأكيد شيئا بين المعطوف، والمعطوف عليه؛ نحو: ما قمت ولا زيد، وقعدت اليوم وزيد، حسن، ومنه قوله تعالى: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا 4، فإن عطفت هذا الضمير على غيره، لم يجز، إلّا بإعادة العامل؛ نحو: قام زيد وقمت و «زيد» فى: «قمت أنا وزيد» معطوف على «التّاء» لا على «أنا» المؤكّدة؛ لأنّك لو اطّرحته وأكّدته، كان كإدغام 5 الملحق.
الرّابع: الضمير المنصوب المتّصل، يحسن العطف عليه من غير تأكيد، تقول:
رأيتك وزيدا، ومنه قوله تعالى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ 1، ولا يعطف هو على غيره/ إلا بإعادة العامل؛ نحو: رأيت زيدا ورأيتك، و:
رأيتك ورأيته.
الخامس: الضّمير المجرور لا يعطف، ولا يعطف عليه، إلا بإعادة العامل؛ نحو:
مررت بك وبزيد، ومررت بزيد وبك، ومررت بك وبه، ولا يجوز: مررت بك وزيد، وقد جاء، قال الشاعر 2:
وقد رام آفاق السّماء فلم يجد … له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا
وقيل في توجيه قراءة حمزة وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ 3 بالجرّ 4: إنّه عطف على المضمر فى «به» أي: به وبالأرحام، وليس بالقوىّ 5. وقد أجاز الجرمىّ 6 فى العطف على المجرور المؤكّد، نحو:
مررت به نفسه وزيد.
السّادس: الفعل إذا لم يصحّ قيامه بكلّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه، لم يصحّ عطفه، لا تقول: تخاصم زيد وتخاصم عمرو، كما تقول: قام زيد وقعد عمرو.
فإن اتحد الفعل للاثنين، واختلف الفاعلان، صحّ حذف أحدهما؛ اجتزاء عنه بالآخر، تقول فى: قام زيد وقام عمرو: قام زيد وعمرو؛ فإن اختلفا فى المعنى، ولم يصحّ لكلّ واحد منهما علي الانفراد، لم يجز، مثل: مات زيد والشّمس، فإن تقاربا فى المعنى جاز، كقول الشّاعر 1:
يا ليت زوجك قد غدا … متقلدا سيفا ورمحا
السّابع: إذا اختلف الفعلان فى الزّمان، لم يجز عطف أحدهما على الآخر؛ لا تقول: قام زيد ويقعد، ولا يقعد زيد وقام؛ لتباين وجودهما، فأمّا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ 2 فالجملة فى موضع الحال 3، وكذلك قوله: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ 4، ومنهم من يجعلها جملة معترضة، لا موضع لها من الإعراب.
الثامن: لا يجوز عطف الاسم على الفعل، ولا الفعل على الاسم، فأمّا قوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً 1، فإنّما عطف «أقرضوا» علي معنى صلتى اسمى 2 «إنّ»، أو أنها حال مقدّرة معها «قد» كقوله
تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً 3، أي: وقد كنتم 4.
الحكم العاشر: فى العطف على الموضع.
العطف علي ضربين، عطف على اللّفظ، وعطف علي الموضع.
فالعطف علي اللّفظ: يتبع المعطوف عليه فى إعرابه، كما سبق.
وأما العطف على الموضع: فأن تعطفه على ما يستحقّه من الإعراب.
والفرق بينهما: أنّ المعطوف علي اللّفظ يعمل فيه وفيما عطف عليه عامل واحد.
والمعطوف على الموضع يعمل فيه عاملان، بتكرير العامل في الثّاني؛ إذ لم يظهر عمله في الأوّل، ويصير كأنّها جملة معطوفة على جملة، قاله ابن السّراج 5.
والأشياء التى لها موضع من الإعراب قسمان: أحدهما مفرد، والآخر جملة.
أمّا المفرد: فنحو الأسماء المبنية، مثل:" هذا"، تقول: هذا أخوك، فموضعه رفع بالابتداء، و: إنّ هذا أخوك، فموضعه نصب ب" إنّ"، ومثل العلم المنادى، كقولك: يا زيد، فإذا عطفت على هذا القسم أعربت المعطوف بما يستحقّه المعطوف عليه من الإعراب لو ظهر فيه؛ تقول: إن هذا وزيدا قائمان، ويا زيد وعمرا، عند من جوّزه.
وأمّا الجملة: فهي على أربعة أضرب.
الضّرب الأوّل: جملة عمل بعضها 1 فى بعض، وهي نوعان:
نوع لا موضع له من الإعراب، وهو: كلّ جملة ابتدأتها (1)؛ كقولك: زيد فى الدّار، أو أعمرو عندك؟
ونوع له موضع من الإعراب، وهو: إذا وقعت الجملة موقع اسم (1) مفرد، كقولك: زيد أبوه قائم، فموضع" أبوه قائم" رفع، فإذا عطفت عليه رفعت فقلت:" زيد أبوه قائم ومنطلق"، و" منطلق" ل" زيد"، والأحسن 2، أن تقدم"
منطلقا" على الجملة، فتقول: زيد منطلق وأبوه قائم؛ لئلّا يلتبس، فإن لم يلتبس كان حسنا؛ تقول: هذه امرأة أبوها شريف وكريمة، والأولى:
تقديم المفرد، وهذا 3 فى الصّفة/ أقبح منه فى الخبر.
الضرب الثّاني (1): اسم عمل فيه حرف، وهو نوعان:
أحدهما: أن يكون دخول الحرف كخروجه، إلّا في التأكيد، كقولك:
ليس زيد بقائم ولا قاعد، فموضع" بقائم": نصب؛ فلك العطف على موضعه، تقول: ليس زيد بقائم ولا قاعدا، ومن هذا الباب قولهم: هل من رجل عندك؟
وما من أحد فى الدّار، وكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 1،، و" إنّ زيدا قائم"، كلّ هذه الحروف إذا أسقطتها، كان الكلام بعدها تاما.
ولا يجوز العطف على الموضع الذى فيه حرف عامل، إلّا بعد تمام الكلام، تقول: إنّ زيدا قائم وعمرو، فتعطف" عمرا" على موضع" إنّ" وما عملت فيه، وهو الرّفع.
النّوع الثّاني: أن يختلّ المعنى بإسقاط الحرف، كحروف الجرّ المعدّية، نحو: مررت بزيد، وذهبت إلى عمرو، فموضع" زيد" و" عمرو" نصب تقول فى العطف عليه: مررت بزيد وعمرا، وذهبت إلى عمرو وخالدا؛ وتقول: مرّ بزيد وعمرو، وذهب إلى خالد وبكر، فترفع.
الضّرب الثالث: اسم بني مع غيره، نحو" خمسة عشر" وبابه، فحكمه حكم المبنىّ المفرد 2، تقول: إنّ خمسة عشر درهما تكفيك وخمسة دنانير فترفع، على موضع" إنّ"، ومنه قولك: لا رجل في الدّار ولا غلام لك بالرّفع.
الضّرب الرّابع: الموصول، وهو: الذي، وأخواتها، ولا تعطف عليه إلّا (1) في الأصول 2/ 63:" القسم الثاني - اسم عمل فيه حرف، هذا القسم على ضربين: ضرب يكون العامل فيه حرفا زائدا".
كما أنّ الأمثلة موجودة بنصها تقريبا، مع تغيير بعض الألفاظ، وانظر مدى اعتماد ابن الأثير على ابن السّراج.
بعد تمامه بصلته وعائده، وتقول: ضربت الذي في الدّار وزيدا، فتنصبه؛ لأنّ موضع" الذى" نصب، ولا يجوز: ضربت الذي وزيدا في الدار.
الحكم الحادي عشر: في العطف على عاملين.
قد اختلف النحاة فيه، فمنهم من أجازه 1، ومنهم من لم يجزه، وهو اختيار سيبويه 2.
ومعنى العطف على عاملين، هو: أن يتقدّم مرفوع ومنصوب، أو مرفوع ومجرور، أو منصوب ومجرور، ثمّ تعطف عليهما من غير إعادة العامل:
ومثاله: قام زيد وضربت عمرا وبكر وخالدا، فقد تقدّم مرفوع، ومنصوب، وهما:" زيد" و" عمرو" ثم عطفت" بكرا" على" زيد"، و" خالدا" على" عمرو" وهذا هو الذى وقع فيه الخلاف، كأنّك قلت: قام زيد وضربت عمرا، وقام بكر وضربت خالدا.
وقد أجمعوا 3 على أنّه لا يجوز: مرّ زيد بعمرو وبكر خالد، فتعطف على الفعل و" الباء"، فإن قلت: مرّ زيد بعمرو وخالد بكر، فقدّمت المجرور على المرفوع، فقد أجازه الأخفش 4، ومن ذهب مذهبه.
وقد استدلّ من ذهب إلى جواز العطف على عاملين بقول الشّاعر 1: هوّن عليك فإنّ الأمور … بكفّ الإله مقاديرها فليس بآتيك منهيّها ولا قاصر عنك مأمورها 2 وبقول النابغة 3: فليس بمعروف لنا أن نردّها … صحاحا ولا مستنكر أن تعقّرا وبقول الآخر 4: أكلّ امرئ تحسبين امرا … ونار تأجّج باللّيل نارا وبقول الله تعالى، في قراءة بعضهم: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ
آياتٌ 1 بالجرّ 2، وهي في موضع نصب 3، وبقوله تعالى: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ 4، وبقولهم:" ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة" 5. وسيبويه ومن ذهب مذهبه يتأوّل ذلك جميعه 6، وأنشد الشّعر الأوّل والثّاني بالرّفع 7؛ فقال: ولا قاصر، ولا مستنكر، وأمّا البيت الرّابع، فإنّه قال 8 حذف" كلا" بعد أن لفظ بها أوّلا، واستغنى عن إعادتها، وكذلك تقدير: ولا كلّ بيضاء شحمة، ف" كلّ" مضمرة هاهنا محذوفة، قال: وجاز كما جاز ما مثل عبد الله يقول ذاك ولا أخيه 9، وإن شئت قلت: ولا مثل أخيه قال سيبويه 10: وتقول: ما أبو زينب ذاهبا ولا مقيمة أمّها، فترفع؛ لأنّك لو
قلت: ما/ أبو زينب مقيمة أمّها، لم يجز؛ لأنّها ليست من سببه، ومثل ذلك قول الأعور الشّنّيّ:
هوّن عليك
وأنشد البيتين، وقال: لأنّه جعل المأمور من سبب الأمور، ولم يجعله من سبب المنهيّ 1، يعنى: أنّك لو قلت: فما بآتيك منهيّها ولا قاصر عنك مأموها، لم يجز أن تعطف على" منهيّها"؛ لأنّ قولك:" مأمورها" غير قولك:
" منهيهّا"، ثمّ قال 2: وجرّه قوم، فجعلوا" المأمور"" المنهىّ" و" المنهيّ" من الأمور، فهو بعضها، فصار تأويل الجرّ: ليس بآتيك الأمور ولا قاصر بعضها.
وكذلك احتجّ بقول النّابغة 3 على هذا التأويل، وأجاز النّصب فيهما، على الموضع 4، قال ابن السّرّاج 5: أمّا من ظنّ أنّ من جرّ" آيات" قد عطف على «عاملين»، فقد غلط؛ لأنّ «آيات» الأخيرة هى الأولى، وإعادتها تأكيد 6، وإنما كان يكون فيه حجّة لو كان الثّاني غير الأوّل، حتّى يصيرا 7 خبرين، قال: والعطف على عاملين خطأ في القياس، غير مسموع من العرب، ولو جاز العطف على عاملين، لجاز على ثلاثة، وأكثر من ذلك 8.
الحكم الثانى عشر: قد جاء في العطف أشياء مخالفة 1 للقياس.
منها قولك: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، ف" قاعدين" معطوف على" قائم" وليس فى" قاعدين" راجع إلى" رجل" كما كان فى" قائم"؛ فجاز هذا في المعطوف على غير قياس؛ فإنّ القياس أن تقول: مررت برجل قائم أبواه لا قاعد أبواه، وأن لا يجئ الأبوان" مضمرين"، ولكنه حكى عن العرب، وكثر في كلامهم حتى صار قياسا مستقيما.
ومنها قولهم:" كلّ شاة وسخلتها 2 بدرهم"، ولو جعلت" السّخلة" تلي" كلّ" لم يجز، ومثله: ربّ رجل وأخيه، فلو ولي" الأخ"" ربّ" لم يجز 3.
ومنها قولهم: هذا الضّارب الرّجل وزيد، ولو/ ولى" زيد" الضّارب" لم يكن مجرورا 4، وينشد هذا البيت 5 جرّا:
الواهب المائة الهجان وعبدها … عوذا تزجّى خلفها أطفالها
وكان المبرّد يفرق بين" عبدها" و" زيد"، ويقول: إنّ الضمير في
" عبدها" هو" المائة"، كأنّه قال: وعبد المائة، ولا يجيز ذلك في 1 " زيد" وأجازه سيبويه 2 والمازنيّ 3.
الباب الرابع عشر في النداء،
وما يتبعه من التّرخيم، والنّدبة وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: في النداء وفيه أربعة فروع: الفرع الأوّل: في تعريفه.
النداء: معنى من معاني الكلام التى انقسم إليها القسمة الأصليّة، كالخبر، والاستخبار، والأمر، والنّهي، والقسم، ونحو ذلك، وهو في اللّغة:
الدّعاء والطّلب، تقول: ناديت زيدا، كما تقول: دعوت زيدا؛ ولهذا قالوا:
إنّ أصل المنادى: المفعوليّة، على تقدير: أدعو زيدا، وأريد زيدا؛ إلأ أنّهم تركوا إظهار هذا الفعل؛ استغناء عنه بحروف النداء؛ رفعا للبس الخبر بالنّداء، واختصارا في اللفظ.
والنّداء من خواصّ الأسماء، دون الأفعال والحروف، والغرض منه:
تنبيه المدعوّ؛ ليقبل عليك ويجيبك.
وتعرض فيه الاستغاثة، والتّعجّب، والمدح، وقول الدّاعي: يا ألله، ويا ربّ؛ استقضاء منه لنفسه، وهضم لها،
واستبعاد عن مظانّ القبول والاستماع، وإظهار الرّغبة في الإجابة بالاستغاثة.
الفرع الثاني: في أقسامه، وحركاته.
أمّا أقسامه: فلا يخلو المنادى من أن يكون معرفة، أو نكرة.
والمعرفة لا تخلو أنّ تكون معرفة بالوضع، أو بقرينة، والقرينة لا تخلو من أن تكون:
في أوّله، وهي الألف واللّام، أو في آخره، وهي الإضافة، وألحق بها ما كان شبيها بها.
وأمّا النكرة، فلا تخلو: أن تكون مقصودة، أو غير مقصودة، وإن شئت قلت: المنادى لا يخلو: أن يكون مفردا أو غير مفرد.
والمفرد، لا يخلو: أن يكون معرفة، أو نكرة.
والمعرفة، لا تخلو: أن تكون وضعيّة أو بالألف واللّام، والنكرة، لا تخلو: أن تكون مقصودة، أو غير مقصودة.
وغير المفرد، لا يخلو: أن يكون مضافا، أو شبيها بالمضاف؛ لطوله.
فحصل من هذين التقسيمين أقسام ستّة، ولكلّ منها حركة تخصّه.
وأمّا حركاته: فمختلفة بحسب أقسامه.
القسم الأول: المعرفة الوضعيّة، نحو:" زيد" و" عمرو"، وجميع الأعلام، وهي مبنيّة على الضمّ، في النداء، نحو: يا زيد، ويا عمرو؛ وإنّما بني فيه لوقوعه موقع أسماء الخطاب، وحروفه؛ لأنّ النداء: خطاب تنزّل منزلة" أدعوك"، و" يا إيّاك"، وبني على الحركة؛ نظرا إلى تمكّنه في الاسميّة، وخصّ بالضمّ؛ لأنّ النّصب عمل حرف النداء، والجرّ من إعراب المضاف.
فإن كان الاسم مبنيا قبل النّداء، ترك على حركة بنائه، نحو: يا هؤلاء، ويا من فى الدّار.
القسم الثّاني: المعرفة بالألف واللّام، نحو: الرّجل، والغلام، ولا يدخل عليها حرف النّداء؛ لاشتراكهما في التّخصيص، فتوصّلوا إلى ندائه ب" أيّ" مبنيّة على الضّمّ، وزادوا عليها" ها" التي للتّنبيه، وجعلوها المنادى الدّاخل
عليه حرف النّداء، وجعلوا الاسم المنادى حقيقة وصفا لها، ورفعوه نحو: يا أيّها الرّجل، ويا أيّها الغلام؛ ويكون للواحد، والاثنين والجماعة، والمؤنّث على لفظ واحد، نحو: يا أيّها الرّجل، ويا أيّها الرّجلان، ويا أيّها الرّجال، ويا أيها المرأة، ويا أيّها النّساء، والاختيار في المؤنّثة: إثبات التّاء، نحو: يا أيّتها المرأة، وقد يلحقونها اسم الإشارة، فيقولون: يا أيّهذا الرّجل، وقد يسقطونها، فيقولون يا هذا الرّجل.
وقد شذّ من هذا العموم، دخول حرف النّداء على اسم الله تعالى
خاصّة، فقالوا: يا ألله اغفر لى، بقطع الهمزة، ووصلها؛ لكثرة استعمالهم إيّاه في الدّعاء، والابتهال إليه، حالتي السّرّاء والضّرّاء؛ لأنّ الألف واللّام لا يفارقانه، مع أنّهما خلف من همزة" إله".
وقد جاءت" يا" مع الألف واللّام، فى غير اسم الله تعالى، شاذا فى الشّعر.
القسم الثّالث: المعرفة بالإضافة، وسواء كان مضافا إلى معرفة أو نكرة فإنّه منصوب على أصل النّداء؛ لأنّه لم يخرج عن بابه، ولم يقع موقع ما بني من المنادى لأجله، نحو: يا عبد الله، ويا غلام رجل، ويا عبد سوء، ومنه قوله تعالى: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ 1، وقوله تعالى: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ 2 وامتنعوا من نداء المضاف إلى المخاطب، نحو: يا غلامك؛ لأنّ
المخاطب ينبغي أن يكون 1 المنادى، وأجاز بعضهم 2: يا ذاك.
وما كان منه مضافا إلى المتكلم، فله حكم مفرد يرد في الفرع الرّابع 3.
القسم الرّابع: في مشابه المضاف؛ لطوله، وهو: كلّ ما عمل فيما بعده؛ نصبا أو رفعا؛ لفظا أو موضعا، وحكمه: حكم ما أشبهه، وهو النّصب، نحو قولك: يا خيرا من زيد، ويا ضاربا عمرا، ويا قائما أبوه، ووجه المشابهة: عمل الأوّل فى الثّاني، وتخصيصه به، وأنّ الثاني من تمام الأوّل.
وقد ألحقوا بهذا القسم قوله تعالي: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ 4 وقول ذي الرّمّة 5:
أدارا بحزوى هجت للعين عبرة … فماء الهوى يرفضّ أو يترقرق
وألحقوا به المسمّى بالمعطوف والمعطوف عليه، نحو رجل سمّيته ب" زيد وعمرو"، تقول: يا زيدا وعمرا أقبل؛ لأنّ الاسم الأوّل لا يتمّ به المسمّى؛ فقد تنزّل منزلة المضاف من المضاف إليه، من قولك: غلام زيد، ومنزلة" زيد" من قولك: ضارب زيدا، ولو ناديت رجلا اسمه: ثلاثة وثلاثون؛ لنصبتهما معا.
القسم الخامس: في النكرة المقصودة، وحكمها حكم المعرفة الوضعيّة، في البناء على الضّمّ؛ لأنّها بالقصد إليها تنزّلت منزلتها، نحو قولك: يا رجل، ويا غلام؛ لأنّك أقبلت في ندائك على واحد مخصوص من جنسه.
القسم السّادس: النكرة غير المقصودة، وهي أن لا تخصّ منادى بعينة، وإنّما تريد واحدا مجهولا من جنسه، وهو منصوب على أصل النّداء، سواء وصفته أو لم تصفه، نحو: يا رجلا، ويا رجلا عاقلا، فكلّ من أجابك، كان المنادى، كقوله 1:
فيا راكبا إمّا عرضت فبلّغا … نداماي من نجران أن لا تلاقيا
ولم يبن كالنكرة المقصودة؛ لبعده بتنكيره عمّا وقعت المقصودة موقعه وهو الخطاب.
الفرع الثّالث: في حروف النداء، وهي خمسة:" يا" و" أيا" و" هيا" و" أى" و" الهمزة"، تقول: يا زيد، وأيا زيد، وهيا زيد، وأى زيد، وأزيد، وأمّ هذه الحروف" يا"؛ لأنّها نستعمل للقريب والبعيد، وفي النّدبة والتّرخيم، والأربعة الباقية مرتّبة في القرب والبعد، ف" الهمزة" لأقرب المنادين إليك وبعدها" أي" ثمّ" هيا" ثمّ" أيا"، وقيل: إنّ الهاء، في
هيا" مبدلة من همزة" أيا".
وقد تستعمل بعضها موضع بعض، إلّا الهمزة؛ فإنّها خاصّة بموضعها.
وهذه الأحرف هي العاملة بحكم النّيابة عن الأصل الذى هو الفعل، وكأنّها أشدّ ملابسة للمنادى من الفعل الحقيقيّ؛ لأنّك إذا قلت: يا زيد، فقيل لك: ما قلت؟ قلت: ناديت زيدا.
وقال قوم: هي أسماء 1 للأفعال، نحو: صه ومه؛ ولهذا أفادت مع الأسماء، والعمل لها، وفيها ضمير مستكنّ للمنادى.
والقول الأوّل أظهر وأكثر.
الفرع الرّابع: في أحكام النّداء، والمنادى.
الأسماء على ضربين: ضرب ينادى، وضرب لا ينادى.
فالذى ينادى على ثلاث مراتب.:
المرتبة الأولى: لا بدّ من وجود" يا" معها، وهي: النكرة، وأسماء الإشارة، والمستغاث، والمندوب، لا تقول: رجل أقبل، ولا: هذا أقبل، وأنت تريد النّداء، وقد شذّ قولهم:" أصبح ليل" 2 و" أطرق كرا" 3 يريدون:
يا ليل، ويا كرا، وقد جاء في الشّعر، قال 1:
فقلت له عطّار هلّا أتيتنا … بدهن الخزامى أو بخوصة عرفج
وفي قول العجاج 2:
جاري لا تستنكري عذيرى 3
يريد: يا جارية.
المرتبة الثانية: لا بدّ من حذف" يا" معها، وهو قولهم: اللهمّ اغفر لي، و:
" يا ربّ ارحمنا أيّتها العصابة"، إذا عنيت نفسك وجماعتك فلا تقول: يا اللهم ولا يا أيتها العصابة، وإنّما حذف من" اللهمّ"؛ لئلّا يجمع بينها وبين الميم التى هى عوض منها، وقد جاء في الشّعر، قال 4:
إنى إذا ما حدث ألما … أقول: يا اللهمّا يا اللهمّا
وكان الأصل: يا الله اغفر لي، وأمّا حذف" يا" من: أيّتها العصابة فلأنّك لم ترد به/ نداء محضا.
المرتبة الثّالثّة: لك الخيار [معها] 1 في حذف حرف النداء، وإثباته، وهي: الأعلام، والكنى، والمضاف، تقول: زيد أقبل، وأبا محمّد اخرج، وغلام زيد أقبل، قال الله تعالى: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا 2، وقال عزّ من قائل: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ 3 فإن سمّيت رجلا" خيرا من زيد" وكان نكرة قصدته أو لم تقصده، كان لك حذف" يا" من الأوّل، دون الثّاني والثّالث.
أمّا القسم الذي لا ينادى، فهو أسماء الأفعال، وما ليس بأهل للجواب - إلّان ينزّل منزلة ما يجيب، كالمنزل، والرّبع - وما فيه الألف واللّام، حتّى يتوصّل إلى ندائه ب" أى" كما قلنا، والقول المحرّر فى هذا الحكم: أنّه يجوز أن تحذف حرف النداء مع كلّ اسم لا يجوز أن يكون وصفا ل" أيّ"، تقول:
زيد أقبل؛ لأنّه لا يجوز أن تقول: يا أيّها زيد أقبل، ولا تقول: رجل أقبل؛ لأنّه يجوز أن تقول: يا أيّها الرّجل، ولا تقول: هذا أقبل؛ لأنّه يجوز أن تقول: يا أيّهذا أقبل
الحكم الثاني: قد اختلف في العلم المنادي، هل تعريفه بعد النداء باق؟
أو زال تعريفه، واكتسب بالنّداء تعريفا آخر، كما اكتسبت النكرة المقصودة
به؟ فإلى الأوّل ذهب ابن السّرّاج 1، وإلى الثّاني ذهب المبرّد 2 والفارسيّ 3 وقولهما أشبه القولين، قال المبرّد: النكرة إذا قصدت، اكتسبت بالقصد والنداء تعريفا، وزال ما فيها من التنكير، وكذلك التّعريف العلميّ يزول بتعريف النداء، يشهد لذلك: أنّ ما فيه الألف واللّام، لا ينادى، إلّا اسم الله تعالى؛ هربا من اجتماع تخصيص حرف النداء، والألف واللّام.
الحكم الثّالث: إذا اضطررت إلى تنوين العلم المنادى، ففيه مذهبان:
الرّفع والنّصب.
أمّا الرّفع: فمذهب الخليل 4 وسيبويه والمازنيّ 5، وينشدون هذا البيت 6 مرفوعا:
سلام الله يا مطر، عليها … وليس عليك يا مطر السّلام
قالوا: لأنّه أشبه المعرب غير 7 المنصرف، حين حملت صفته على لفظه فجعل مع التنوين على ما كان عليه، كما إذا اضطررت إلى تنوين" أحمد".
وأمّا النّصب: فمذهب أبى عمرو 1، ويونس 2، والجرميّ 3، والمبرّد 4 وينشدون البيت منصوبا، قالوا: لأنّ التنوين يعيده إلى أصله، كما أعاد مجرور ما لا ينصرف.
الحكم الرّابع: قد تقدّم القول: أنّ ما فيه الألف واللّام، لا يدخل عليه حرف النّداء؛ لأنّ الألف والّلام لا يجتمعان مع حرف النّداء؛ لما ذكرناه من التّعريف والتّخصيص، وعلى الحقيقة فليس المحدث للتّخصيص حرف النداء وإنّما هو القصد إلى المنادى؛ بدليل بقاء التّخصيص مع حذف الحرف، في قوله تعالى: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا 5 ورَبَّنا لا تُؤاخِذْنا 6، وما دلّ على التخصيص لا يحذف - وهو مراد - إلّا وله تأثير قويّ، ولو كان حرف النداء يحدث التّخصيص لجاز أن تقول: العبّاس أقبل - وأنت تناديه - فتوجد الألف والّلام مع عدم حذف حرف النّداء؛ ولهذا إذا ناديت هذا النّوع من الأسماء أسماء رجال، فبعضهم يقول: يا حارث، ويا عبّاس، ويا فضل، وهذا يلتبس بمن سمّى حارثا فى الأصل، وبعضهم يقول: يا أيّها الحارث، وفيه قبح؛ لجعل العلم وصفا، كما قالوا: مررت بهذا الحارث، فإن اعتبرت
الوصفيّة فيه، كان وجها، قال شيخنا: والصّواب عندي: يا من هو الحارث أقبل، والأوّل 1 أكثر.
الحكم الخامس: إذا ناديت المضاف إلى نفسك، ففيه خمسة أوجه:
الأوّل: - وهو أفصحها - حذف الياء، وأبقاء الكسرة دالّة عليها، نحو: يا غلام.
الثّاني: إقرار الياء ساكنة؛ ليزول التباس المضاف بالمفرد، في الوقف، نحو:
يا غلامي.
الثّالث: فتح الياء/؛ حملا على كاف المخاطب، وتائه نحو: يا غلامي.
الرّابع: تقلب كسرة الميم فتحة، فتنقلب الياء ألفا، نحو: يا غلاما، فإذا وقفت قلت: يا غلاماه، ويا أباه، ويا أمّاه، منه قولهم: يا ربّ يا ربّاه.
الخامس: حذف هذه الألف المنقلبة عن الياء، والاجتزاء بالفتحة عنها، نحو:
يا غلام، وعليه قراءة عاصم 2: يا بني 3 بالفتح.
وقد ورد فى التنزيل حذف ياء الإضافة كثيرا، نحو: يا قَوْمِ 4، يا عِبادِ فَاتَّقُونِ 5، وأثبتت في مواضع، كقوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا 6 فأمّا قوله تعالى: يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ 7 وأمثالها، فإنّ التّاء تاء
تأنيث عوّضت عن الياء، ألا تراهم يبدلونها هاء في الوقف؟ قال سيبويه 1:
سألت الخليل عن قولهم: يا أبه، ويا أبت لا تفعل، ويا أبتاه 2 ويا أمّتاه، فزعم أنّ هذه الهاء بمنزلة الهاء في، عمّه، وخاله، وزعم أنّه سمع من العرب من يقول: يا أمّة لا تفعلي (1) - بالضّمّ - ويقول في الوقف يا أمّه، ويا أبه، وإنما يلزمون هذه التّاء في النداء، إذا أضفت إلى نفسك خاصّة، كأنّهم جعلوها عوضا من حذف الياء 3، وبعض العرب يقول: يا أمّ لا تفعلى - بالكسر - و: يا ربّ اغفر لي" ويا قوم لا تفعلوا" 4 بالضّمّ.
فإن أضفت إلى اسم مضاف إلى نفسك فالأولى فيه إثبات الياء، نحو قولك: يا ابن أمّي، وبعضهم يقول: يا ابن أمّا،
فأما من قرأ: يا ابن أم 5 - بالفتح - 6 فإنّ سيبويه جعل" الأمّ" و" الابن" في منزلة اسم واحد، فبناهما على الفتح، نحو" خمسة عشر" 7، وأمّا المازنيّ، فقال: فيه
وجهان 1: أحدهما: مثل سيبويه، والآخر: أنّه قلب الياء ألفا 2، ثمّ حذف الألف؛ استخفافا، كما تحذف الياء من" أمّي" وعليه قول أبى النّجم 3:
يا بنت عمّا لا تلومي واهجعي
وقول الآخر 4:
وهل جزع أن قلت: وا بأباهما
يريد: وا بأبى هما.
فإن أضفت اسما مثنى إليك، نحو: عبدين وزيدين قلت: يا عبديّ 5 ويا زيديّ، بالفتح، وكذلك/ الجمع، نحو: يا زيديّ، فإن كان المضاف إليه كافا لم يجز نداؤه، كقولك: يا غلامك، فإن كانت هاء المعه د جاز، كقولك - إذا ذكرت زيدا - يا أخاه.
الحكم السّادس: إذا ناديت منقوصا، نحو: القاضي، والدّاعي، فالخليل يثبت الياء، فيقول - إذا قصده - يا قاضي أقبل؛ لأنّه موضع لا ينوّن 1؛ فصار كما فيه الألف والّلام، ويونس 2 يحذف الياء، فيقول:
يا قاض؛ لأنّ النداء باب حذف، واختاره سيبويه، وكأنّه أشبه (2). فأمّا" مري" اسم فاعل من" أري" فليس فيه إلّا إثبات الياء؛ لأنّك لو حذفتها بقيت الكلمة على حرف واحد، وهى الرّاء؛ فإنّ الميم زائدة.
الحكم السّابع: في وصف المنادى.
قد انقسم المنادى - بما تقدّم من البيان - إلى: معرب ومبنيّ.
والمعرب ثلاثة أنواع: النكرة غير المقصودة، والمضاف، والطويل، وصفة هذه الأنواع تتبعها، نحو قولك: يا رجلا قائما، ويا غلام زيد الظريف، ويا قائما أبوه الكريم.
وإذا سمّيت رجلا" خيرا من زيد" - وكان نكرة؛ قصدته، أو لم تقصده وصفت الأوّل والثّاني بالمعرفة، والثالث بالنكرة؛ لأنّ الأوّل علم، والثّاني مقصود، والثالث غير مقصود.
وأمّا المبنيّ فلا يخلو أن يكون الوصف مفردا، أو مضافا.
فإن كان مفردا فلك فيه الرّفع على اللّفظ، والنّصب على الموضع، نحو:
يا زيد الظريف و: الظّريف، ويا رجل الكريم، والكريم، ويا زيد وعمرو الطويلان، والطويلين، وقد خرج عن هذا العموم أمران:
أحدهما: أن يكون المنادى مبنيّا - في الأصل - علي غير الضّمّ، فلا يجوز فيه الحمل على اللّفظ، تقول: يا هؤلاء الظريفون.
والثّاني:" أيّ" جعلوا صفتها تابعة للفظها، نحو: يا أيّها الرّجل، فالرّجل، وإن كان هو المنادى حقيقة، فإنه صفة" أيّ"، وأجاز المازنيّ فيه 1 النّصب على الموضع، ولك أن تقيم الصّفة فيه مقام الموصوف، فتقول: يا أيّها الطّويل، فإن وصفت الصّفة بمضاف، فهو مرفوع، كقوله 2:
يا أيّها الجاهل ذو التّنزّي
فوصف" الجاهل" ب" ذو"، ويجوز النّصب على البدل من" أيّ".
ولا توصف" أيّ" إلا بما فيه الألف واللّام، كالرّجل والغلام، أو بأسماء الإشارة، نحو: يا أيّهذا الرّجل، ولك فيه حذف الموصوف، فتقول: يا هذا الطّويل، كما قلت: يا أيّها الطويل، فإن جعلت اسم الإشارة سببا إلى نداء الرّجل، كان حكمه حكم" أيّ"، فتقول: يا هذا الرّجل أقبل، وإن لم
تجعله سببا إلى نداء الرّجل، وقدّرت الوقوف عليه، رفعت صفته، ونصبتها فقلت: يا هذا الطويل، والطويل.
ولا توصف أسماء الإشارة إلّا بما فيه الألف واللّام، أنشد سيبويه 1:
يا صاح يا ذا الضّامر العنس … والرّحل والأقتاب والحلس
وإن كان الوصف مضافا، فليس فيه إلّا النّصب؛ حيث لم يكن فى المنادى المضاف إلّا النّصب، نحو قولك: يا زيد غلام عمرو؛ فحملوا الصفة المضافة على المنادى المضاف، كأنّك ناديته ابتداء، ولم يحملوها على اللفظ؛ لمخالفة المضاف المفرد، وإنّما جاز: يا زيد الحسن الوجه، بالرّفع؛ لأنّ إضافته غير حقيقيّة، ألا ترى اجتماع الألف واللام مع الإضافة فيه.
وسيبويه 2 لا يجيز صفة" اللهمّ"، فأمّا قوله تعالى: اللَّهُمَّ رَبَّنا 3 واللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ 4؛ فهو على ندائين 5 أو البدل
والمبرّد 1 يجيزه.
فإن وصفت العلم المضموم ب" ابن" أو" ابنة" وأضفته إلى علم أو كنية ففيه مذهبان:
أحدهما: أن تجعل المنادى والوصف كالشّيء الواحد، وتبنيهما على الفتح، نحو: يا زيد بن عمرو 2، ويا زيد بن أبي خالد، كذا قال الفارسيّ 3 وقال غيره: الفتحة في" زيد" فتحة بناء وكذلك تقول في الخبر: هذا زيد بن عمرو، فتحذف التنوين، وفتحة" ابن" فتحة إعراب، فغلبت حركة البناء حركة الإعراب، وفي جعل فتحة" ابن" فتحة بناء 4 إشكال؛ لأجل الإضافة.
والمذهب الثّاني: أن تقرّ المنادى، على حاله مضموما؛ لأنّه منادى مفرد والابن بحاله منصوبا؛ لأنّه وصف مضاف.
فإن أضفت" الابن"/ إلى غير العلم، لم يكن فيه إلّا المذهب الثّاني، 5 نحو قولك: يا زيد ابن أخينا، ويا عمرو بن صاحب المال.
وما عدا العلم المضموم فحكم صفته ب" ابن" و" ابنة" حكم غيرهما من الصفات.
الحكم الثامن: التّوكيد، إذا أكّدت المنادى، أجريته مجرى الوصف مفردا، ومضافا، تقول في المفرّد: يا تميم أجمعون، وأجمعين، فترفع وتنصب، وتقول في المضاف: يا تميم كلّكم، وكلّهم، ويا زيد نفسك، ونفسه بالنّصب لا غير.
فإن أكدت مضافا بمفرد أو مضاف، فالنّصب؛ تقول: يا غلماننا أجمعين، ويا إخواننا كلّهم، وكلّكم.
الحكم التّاسع: عطف البيان، وهو كالوصف، مفردا ومضافا؛ تقول:
يا رجل زيد، وزيدا، ويا زيد أبو محمّد، وأبا محمّد، وتقول - في أسماء الإشارة -: يا هذا زيد وزيدا، ويا هذان زيد وعمرو، وزيدا وعمرا.
الحكم العاشر: البدل؛ ولا يخلو: أن يكون مفردا أو مضافا، من مفرد أو مضاف، فإن كان مفردا من مفرد، تبعه فى الّلفظ، نحو: يا زيد زيد، وإن كان مفردا من مضاف، أو مضافا من مفرد أو مضاف، فالنّصب لا غير نحو: يا زيد أخانا، ويا أخانا زيدا، ويا أخانا غلام زيد؛ لأنّ البدل في حكم تكرير العامل؛ فكأنّك قلت: يا زيد يا زيد، ويا زيد يا أخانا، وتقول: يا هؤلاء الطّوال - على الوصف - والأجود: البدل من الموصوف المحذوف، فإن قلت يا هؤلاء الرّجال، فالوصف.
الحكم الحادى عشر: العطف: ولا يخلو المعطوف: أن يكون مفردا، أو مضافا.
فالمضاف: ليس فيه إلّا النّصب على الموضع، واللّفظ؛ تقول - يا زيد وعبد الله، ويا رجل وأبا بكر، ويا غلام زيد وصاحب عمرو، ويا رجلا وأبا محمد، وكذلك إن عطفته على المنادى الموصوف، نحو: يا زيد الطّويل وذا
الجمّة، قال المازنيّ 1: فإن عطفته على الطويل، رفعته وقلت: وذو الجمّة، والنحاة على خلافه.
وأمّا المفرد: فلا يخلو: أن يكون فيه ألف ولام، أو بغير ألف ولام.
فإن لم يكن فيه ألف ولام، فحكمه حكمه لو ابتدئ به؛ تقول: يا زيد وعمرو، ويا عبد الله وزيد، ويا زيد أو عمرو، ويا زيد لا عمرو، وقد جوّز المازنّي (1) والأخفش 2 فيه النّصب.
وإن كان المعطوف بألف ولام كنت مخيّرا في الرّفع - على اللّفظ - والنّصب - على الموضع - نحو: يا زيد والفضل، والفضل، وقد قرئ بهما قوله تعالى: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ 3، واختار سيبويه 4 الرّفع، 5 وكان المبرّد 6 يختار الرّفع في مثل" الحارث"، والنصب فى" الرّجل" 7
ويدخل فى هذا الحكم: إذا ناديت جماعة من العدد، وعطفت عليها جماعة من العدد أخرى - وليس فيها ألف ولام - رفعتهما 1، نحو: يا ثلاثة وثلاثون، وإن كان فيهما ألف ولام فلك فيه الرّفع (1) والنّصب، نحو: يا ثلاثة والثّلاثون، والثّلاثين، فتبنى الثلاثة على الضّمّ؛ لأنّها نكرة مقصودة؛ وترفع" الثلاثين" على الّلفظ، وتنصبها على الموضع، فإن لم تقصد الثّلاثة نصبتهما معا، وإن أظهرت حرف النداء فالرّفع لا غير، نحو: يا ثلاثة ويا ثلاثون.
الحكم الثاني عشر: إذا كرّرت الاسم المنادى، وأضفت الثاني منهما فلك فيه مذهبان:
أحدهما: ضمّ الأوّل ونصب الثّاني، وهو الجيّد، كقولك: يا قريش قريش هاشم.
والثّاني: نصب الأوّل، نحو: يا زيد زيد عمرو، كأنّك قلت: يا زيد عمرو زيد عمرو، ومنه قول جرير 2:
يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم … لا يلقينّكم في سوءة عمر
الحكم الثّالث عشر: قد استقبح جماعة من النّحاة الحال في المنادى
منهم المازنّى 1؛ فلا تقول: يا زيد قائما، وأجازه آخرون، منهم المبرّد، 2 وقال 3: أناديه قائما ولا أناديه قاعدا، وأنشد 4: يا بؤس للحرب ضرّارا لأقوام الحكم الرّابع عشر: قد أدخلوا على المنادى" لام" الاستغاثة، وتدخل في المستغاث به والمستغاث إليه، ويسمّيان" المدعوّ، والمدعوّ إليه"؛ فالمستغاث به تفتح معه، نحو: يا لزيد، وتكسر مع المستغاث إليه، نحو: يا للعجب؛ وتجمع بينهما مقرّين على حالهما فتحا وكسرا؛ فتقول: يا لزيد للعجب، ويا لزيد للخطب الجليل، ويا للقوم للماء.
فإن عطفت على المستغاث به مستغاثا به كسرت" لامه"؛ لأنّ اللّبس قد زال بحرف العطف، نحو: يا لزيد ولعمر وللعجب، قال 1:
يدعوك ناء بعيد الدّار مغترب … يا للكهول وللشّبّان للعجب
ويحذف المستغاث به، فتقول: يا للعجب، ويا للماء؛ كأنّك قلت: يا لقوم للعجب، ويا لقوم للماء.
ولا بدّ - مع هذه اللام - من أمر متعجّب منه، ومدعوّ إليه، لفظا أو تقديرا، ولا بدّ من وجود" يا" معها، دون سائر أخواتها، ولا يجوز دخولها على من هو قريب منك ومقبل عليك، قال سيبويه: إنّها بمنزلة الألف التى يبيّن بها إذا أردت أن تسمع بعيدا، ومن أمثالهم:" يا للعجب 2، ويا للماء" لمّا رأوا عجبا، أو ماء كثيرا، كأنّهم قالوا: تعال يا عجب، وياء ماء؛ فإنّه زمانك، ومثله: يا للدّواهي، أي: تعالين؛ فإنّه لا يستنكر مجيئكنّ 3، وكلّ ما لا يصحّ نداؤه حقيقة، يجري هذا المجرى، كقوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ 4 كأنّه قيل: يا حسرة تعالى؛ فهذا وقتك، فأمّا قولهم
" يا ويل لك"، و" يا ويح"، فكأنّه نبّه إنسانا، ثمّ جعل الويل له، ومثله قوله 1:
يا لعنة الله والأقوام كلّهم … والصّالحين على سمعان من جار
كأنّه قال: يا قوم، لعنة الله على فلان، فحذف المنادى.
الحكم الخامس عشر: قد اختصّ النداء بأشياء لا تكون فى غيره؛ قالوا يا لكع، ويا فسق، للرّجل، ويا لكاع ويا فساق، للمرأة، عدل عن" فاعل"، و" فعلاء" إلى" فعل" و" فعال"؛ للمبالغة 2، ولم يستعملوه إلّا فى النّداء وهو فيه معرفة، فإن لم ترد العدل، قلت: يا ألكع، ويا لكعاء، وقد جاء فى غير النّداء شاذا في الشّعر، قال 3:
أطوّف ما أطوّف ثمّ آوي … إلى بيت قعيدته لكاع
وقد جاء العدل في غير النداء، قال صلّى الله عليه وسلّم - فى أشراط السّاعة -:" حتّى ترى أسعد النّاس/ بالدّنيا لكع ابن لكع" 4 يريد: اللّئيم
أحد ابنيها فقال:" أثمّ لكع" 1.
يريد: الصّغير.
وقالوا - في النّداء - يا هناه، أي: يا رجل، فزادوا الهاء وحرّكوها، وقياسها السّكون، وقالوا: يا فل أقبل، يريدون: يا فلان، وليس ترخيما ل" فلان"، ولكنّه اسم مرتجل، ولم يجئ - في غير النّداء - إلّا في الشّعر، في قوله 2:
في لجّة أمسك فلانا عن فل
يريد: عن فلان، فإن عنوا امرأة، قالوا: يا فلة أقبلى.
وقد زادوا في آخر الاسم المنادى" ألفا"، إذا أردت أن تسمع بعيدا، نحو: يا زيدا أقبل، ويا قوما تعالوا، فإن وقفت زدت" هاء" فقلت:" يا زيداه،" خاتمة لباب النّداء:
قد أجرت العرب أشياء على طريقة النداء، وأرادت به الاختصاص، لا النّداء؛ حيث كان النّداء مختصا، وذلك قولهم:
أمّا أنا فأفعل كذا وكذا أيّها الرجل، و" نحن نفعل كذا وكذا أيّها القوم"، و" اللهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة" قال سيبويه 3: أراد أن يؤكّد؛ لأنّه قد اختصّ، إذ قال:" أنا"، قال ابن
السّرّاج: 1 ولكنّه أكّد، كما تقول لمن هو مقبل عليك: كذا كان الأمر يا أبا فلان، ولا تريد نداءه؛ فجعلوا" أيا" مع صفته دليلا على الاختصاص، ولم يريدوا ب" الرّجل" و" القوم" و" العصابة" إلّا أنفسهم، كأنّه قال: أمّا أنا فأفعل متخصّصا بذلك من بين الرّجال، ونحن نفعل متخصّصين من بين الأقوام، واغفر لنا مخصوصين من بين العصائب.
ولا يدخل حرف النّداء في هذا الباب؛ لأنّك ليس تنبّه غيرك.
ومن هذا الباب: إنّا معشر العرب نفعل كذا، و: إنّا معشر الصّعاليك لا قوّة بنا على المروءة، ونحن العرب أقرى النّاس للضّيف و: بك الله نرجوا الفضل، ولا يجوز أن تقول: اللهمّ اغفر لهم أيّتها العصابة، قاله المبرّد.
2
الفصل الثّاني من باب النّداء: في التّرخيم وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأوّل: في تعريفه.
الترخيم - في اللّغة - الرأفة والإشفاق، وقيل: التسهيل والتّليين، وو هو - فى العربيّة - حذف يلحق أواخر بعض
الأسماء المناداة؛ تخفيفا.
وهو من خواصّ الأسماء، وخصّوا به النداء؛ لكثرته في كلامهم؛ لأنّ الحذف يتطرّق كثيرا إلى ما يتكرّر في كلامهم، حتّى استغنوا بالحرف عن الكلمة، كقول الشّاعر: 1:
قلنا لها قفى قالت قاف
تريد: أقف، ومثل هذا في الكلام كثير.
وأمّا شروطه: فهي - في الغالب - سبع.
الأوّل: أن يكون منادى، فلا يرخّم غير المنادى، إلا شاذا، أو فى الشّعر.
الثّانى: أن يكون مفردا؛ فلا يرخّم المضاف؛ لأنّ الترخيم يصير حشوا، ولا يلحق المضاف إليه؛ لأنّه غير منادى، ولا يرخّم المشابه للمضاف؛ لأنّ معموله من تمامه، ولا مستغاث به؛ لأنّه كالمضاف، وإنّه معرب.
الثّالث: أن يكون علما، إلّا أن يكون مؤنّثا بالتّاء؛ فلا يفتقر إلى التّعريف،