البديع في علم العربيةصفحات 254-293

النّاس حتّى الأنبياء، وقدم الحجّاج حتّى المشاة، فلو قلت: قام القوم حتّى الرّجال، لم يحسن، وحسن: قام القوم حتّى النّساء.
الحكم الثّاني: وهو ما انتهى الأمر عنده، كقولك: 1 إنّ فلانا ليصوم الأيّام حتّى يوم الفطر، فانتهت" حتّى" بصوم الأيّام إلى يوم الفطر، ولا يجوز أن تنصب" يوم الفطر" على العطف؛ لأنّه لم يصمه، وكذلك إذا خالف الاسم الذي بعدها ما قبلها، كقولك: قام القوم حتّى الّليل، معناه [قام] 2 القوم اليوم حتّى الّليل.
ومجرور" حتّى" يجب أن يكون آخر جزء من الشّئ، أو ماثلا في آخر جزء منه؛ لأنّ الغرض: أن ينقضي ما يتعلّق بها شيئا فشيئا حتّى تأتي عليه، تقول: أكلت السّمكة حتّى رأسها، ولا تقول: حتّى نصفها، وحتّى ثلثها كما تقول مع" إلى"، وقيل: الخلاف فيها 3 كالخلاف في" إلى"، قال/ سيبويه لحتّي في الفعل نحو ليس لإلى، ويقول الرّجل: إنما أنا إليك، أى: أنت غايتي، ولا تجوز" حتّى" هاهنا 4. ولا تدخل - عنده 5 - على مضمر، فلا تقول؛ حتّاه، وحتّاك، كما

تقول: إليه وإليك، وغير سيبويه 1 يجيزه.
الموضع الثّاني: أن تكون عاطفة، ويلزم فيها الشّرائط الثّلاث، تقول: ضربت القوم حتّى زيدا، وركب النّاس حتّى الأراذل، وما بعدها يلزمه الدخول فيما قبلها جنسا وحكما، بخلاف الجارّة، فإنّه لا يلزم فيها إلّا دخول الجنسيّة، والغرض منها: أن يدلّ على أنّ المذكور بعدها انتهى إليه الفعل، وأنّه لم يخرج من جملة من تقدّم ذكره.
ولا يتّصل بها الضّمير إجماعا، ومتى عطفت بها على مضمر مجرور، أعدت الجارّ، تقول: مررت بهم 2 حتّى بزيد.
الموضع الثّالث: أن تكون حرف ابتداء، كقول امرئ القيس 3: سريت بهم حتّى تكلّ ركابهم … وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان ومثله: قام القوم حتّى زيد قائم، وأكلت السّمكة حتّى رأسها مأكول،

وأنشدوا 1: ألقى الصّحيفة كي يخفّف رحله … والزّاد حتّى نعله ألقاها يجوز رفع" النّعل" ونصبها وجرّها؛ فالنّصب عطفا على ما عمل فيه" ألقى"، ويكون" ألقاها" تأكيدا، أو بفعل مضمر يفسّره" ألقاها"، والرّفع على الاستئناف، و" ألقاها" خبره، والجرّ على: ألقى ما فى رحله حتّى نعله، و" ألقاها" تأكيد.
وإذا قلت: العجب حتّى زيد يسبّني، فالمعنى: يسبّ الناس إيّاي حتّى زيد يسبّني، قال الفرزدق 2: فواعجب حتّى كليب تسبّني … كأنّ أباها نهشل أو مجاشع الموضع الرّابع: أن تكون بمعنى" كي" كقولك: أطع الله حتّى يدخلك الجنّة، وبمعنى" إلى أن"، كقولك: انتظرته حتّى يقدم، وسنذكر هذا القسم عند ذكر نواصب 3 الفعل المستقبل.
وأمّا" عدا"، و" خلا"، و" حاشا"/ فقد ذكرت في باب الاستثناء 4

وأمّا" مذ" و" منذ" فهما لفظان تتجاذبهما الاسميّة، والحرفية والأغلب على" مذ" الاسميّة، وعلى" منذ" الحرفيّة؛ لأنّهم قالوا: أصل" مذ":" منذ" فحذفت النّون؛ بدليل إعادتها في التصغير، فتقول: منيذ، فإن لقي الذّال ساكن بعدها ضمّت؛ ردّا إلى أصلها، وكسرت؛ على أصل التقاء السّاكنين.
أمّا إذا كانتا اسمين: فإنّ موضعهما رفع بالابتداء 1، وما بعدهما خبرهما، وقيل بالعكس 2، ولهما موضعان: الأوّل: أن تكونا بمعنى الأمد، فيكون الاسم بعدهما نكرة معدودا، فإن عرّفته جاز، تقول: ما رأيت زيدا، فيقال لك: ما أمد انقطاع الرّؤية؟ فتقول: مذ يومان، ومذ اليومان، أي: أمد ذلك يومان، فهذا يقتضى العدّة فحسب، وينتظم أوّل الوقت وآخره، فإن قلت: يوم الاثنين، مثلا: ما رأيته مذ يومان - وقد كنت رأيته يوم الجمعة، أو السّبت - جاز، ولم يعدّ بالنواقص، وقيل: إذا رأيته أمس، فقلت اليوم: ما رأيته [مذ] 3 يومان جاز، وزعم الأخفش أنّهم يقولون ما رأيته مذ اليوم، و: مذ العام، ولا يقولون: مذ الشّهر، ولا مذ يوم، ولا مذ الساعة 4، وهو على غير قياس؛ وقد حكي عن العرب استعمال أمثلة، وامتناع من أخرى، لم نطل بذكرها.
الموضع الثّاني: أن تكونا بمعنى أوّل الوقت، ولا يكون الاسم بعدهما

إلّا معرفة؛ لأنّ السّؤال عن وقت معيّن، ولا ينتظم أوّل الوقت وآخره، وإنّما يعرف الآخر يقرينة، تقول ما رأيت زيدا، فيقال لك: ما أوّل ذلك؟ فتقول: مذ يوم الجمعة، أى: أوّل المدّة الّتي انقضت 1 فيها الرّؤية يوم الجمعة.
ولا يجوز أن ترفع إلّا زمانا، أو مقتضيا للزّمان، قال ابن السّرّاج:" مذ" إنّما صيغت؛ لتليها الأزمنة، فإذا وليها فعل فإنّما هو لدلالة الفعل على الزّمان، فإذا قلت:/ ما رأيته مذ قدم فلان، فالتأويل: مذ يوم قدم فلان 2. فإن لم يظهر ل" مذ" عمل، وعطفت على ما عملت فيه اسما، حملته على النّصب، دون حكم الإعراب المقدّر بعد" مذ"، تقول: ما رأيته مذ قام ويوم الجمعة، فإن ظهر العمل، حملته على لفظه، تقول: ما رأيته مذ يومان وليلتان، ولك نصب الثّاني، كأنّك قلت: ما رأيته ليلتين، ولا تقول: ما رأيته مذ يوم يوم، فتبنى، ك" خمسة عشر"، وقوم يجيزون: مذ يوم يوم، بلا تنوين، ولا يجيزون: مذ شهر شهر، ولا: دهر دهر، قال ابن السّرّاج: ولا أعرف الضّمّ بلا تنوين - في هذا - من كلام العرب (2). وأمّا إذا كانت" مذ"، و" منذ" حرفين فإنّهما يتنزّلان منزلة" في" 3 تقول: ما رأيته مذ اليوم، وأنت عندنا منذ الّليلة، أي: في اليوم وفي اللّيلة، التقدير: أنت عندنا مستقرّ أو كائن في اليوم، أو في الليلة.
قال سيبويه: وتكون ابتداء غاية الأيّام والأحيان كما كانت" من" 4 وذلك قولك: ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى اليوم، ومذ غدوة إلى

السّاعة، ومذ اليوم إلى ساعتك هذه، فجعلت اليوم أوّل غايتك، ثمّ تقول: ما رأيته مذ يومين، فجعلتهما غاية، كما قلت: أخذته من ذلك المكان، فجعلته غاية ولم ترد منتهى (1)؛ لأنّك إذا أردت الغايتين رفعت، وإذا أردت إحداهما جررت.
وفرق ما بين الاسميّة والحرفيّة: أنّ الكلام مع الاسميّة جملتان؛ لأنّ قولك:" ما رأيته" جملة"، و" مذ يومان" جملة أخرى، وقولك:" لم أره مذ اليوم" يتعلّق" مذ" بما قبله؛ لأنّه حرف جرّ؛ فكان جملة واحدة.

الفرع الثاني: [في دخول بعض هذه الحروف على الأسماء والأفعال]

قد دخل بعض هذه الحروف على الأسماء، والأفعال، ووقع بعضها مكان بعض اتّساعا، إذا تقارب المعنى بينهما.
وبعضهم 2 لا يرى ذلك ويؤوّل الحرف تأويلا لا يخرجه عن بابه.
فأمّا ما دخل على الأسماء: فهو:" مذ" و" منذ" - وقد ذكرا - والكاف و" عن" و" على".1

أمّا الكاف: فكقول الشاعر 1: أتنتهون ولن ينهى ذوى شطط … كالّطعن يهلك فيه الزيت والفتل [وقول الآخر] 2 وزعت بكا لهراوة اعوجّي … إذا ونت الرّكاب جرى وثابا 3 وقد مثل سيبويه - على اسميّتها - لا كزيد أحدا 4، بالنّصب، على أنّه بدل من الكاف، فأمّا قولهم أنت كزيد، فيجوز أن تكون اسما وحرفا.

وأمّا" عن" فقولهم: جلست من عن يمينها، أى: من جانبها، قال الشّاعر 1: فقلت للرّكب لمّا أن علا بهم … من عن يمين الحبيّا نظرة قبل وأمّا" على": فكقول الشّاعر 2: غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها … تصلّ وعن قيض ببيداء مجهل وكقوله 3: هوى ابنى من على شرف وكان القياس أن يقول: علاه 4، كما يقول: فتاه؛ لأنّ الألف المقصورة

مع الأسماء لا تتغيّر مع المظهر والمضمر، وإنّما روعي أصلها.
وأمّا ما دخل على الأفعال.
ف" عدا" و" خلا"، و" حاشا" - وقد ذكرت في باب الاستثناء 1 - و" على" في قولك: علا يعلو إذا ارتفع.
وأمّا وقوع بعضها مكان بعض اتّساعا: فالباء واللّام و" من"، و" عن" و" في" و" على" و" إلى".
أمّا الباء: فقد وقعت موقع" في" قال 2: ما بكاء الكبير بالأطلال وموقع" عن" عند الكوفيّن 3، كقوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً 4 وكقول الشاعر 5:

فإن تسألوني بالنّساء فإنّني … بصير بأدواء النّساء طبيب وموقع" من"، قال 1: شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت وموقع" على" قال 2: بودّك ما قومي على أن تركتهم … سليمى إذا هبّت شمال وريحها أى: على ودّك قومي، و" ما" زائدة وموقع" من أجل" كقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا 3

وكقول الشّاعر 1: غلب تشذّر بالذّحول كأنّها وأمّا اللّام: فقد [وقعت] 2 موقع على، عند الكوفيّ 3، قالوا: لفيه أى: على فيه ومنه قوله 4: فخرّ صريعا لليدين وللفم

وموقع" إلى" في قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا 1، وموقع من أجل"، كقوله 2 تسمع للجرع إذا استحيرا … للماء في أجوافها خريرا أى: من أجل الجرع.
وأمّا" من": فقد وقعت موقع الباء، في قوله تعالى: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ 3 أى: بأمر الله، وموقع" على"، كقوله تعالى: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا 4، وموقع" عن"، كقولك: أطعمه من الجوع، وكساه من العري، وموقع" في"، كقوله تعالى: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ 5 أي: في الأرض.

وأمّا" عن": فقد وقعت موقع الباء، كقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى 1 وكقول الشاعر 2: تصدّ وتبدي عن أسيل وتتّفى … بناظرة من وحش وجرة مطفل وموقع" من" كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ 3، وموقع" على"، كقول الشاعر 4: لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب … عنّي ولا أنت ديّاني فتخزوني وموقع" من أجل" قال 5:

لورد تقلص الغيطان عنه أي: من أجله وأمّا" في" فقد وقعت موقع" إلى"، كقوله تعالى: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ 1 وموقع" علي" كقوله تعالى: لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ/ النَّخْلِ 2 وموقع" مع" قالوا: لفلان عقل في حلم، أى: مع حلم، وموقع الباء، قال الشّاعر 3: ويركب يوم الرّوع فيها فوارس أى: عليها.
وأمّا" على": فقد [وقعت] 4 موقع الباء، كقوله: اركب علي اسم الله، وكقول الشاعر 5: وكأنهنّ ربابة وكأنّه … يسر يفيض على القداح ويصدع

وموقع اللام، قال 1: رعته أشهرا وخلا عليها … فطار النّىّ فيها واستغارا وموقع" من" فى قوله تعالى:" الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ" 2. وموقع" عن"، كقول الشّاعر 3: إذا رضيت علّي بنو 4 قشير … لعمر الله أعجبنى رضاها وأمّا" إلى": فتقع موقع" فى" في قوله تعالى:" هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى" 5 وكقول الشّاعر 6: فلا تتركنّى بالوعيد، كأنّني … إلى النّاس مطليّ به القار أجرب

وموقع" مع"، كقوله تعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ 1، وقوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ 2. وأكثر هذه الانتقالات لا يجيزها البصريّ، ويجعل لها 3، تأويلات تردّها إلى الأصل لم نطل بذكرها.

الفصل الثاني فى القسم

وفيه ثلاثة فروع:

الفرع الأوّل: في حروفه،

وهي: أصل، وفرع، وفرع فرع.
فالأصل: الباء 1؛ لأّنها هي أوصلت الفعل القاصر - الذى هو: أحلف وأقسم - إلى المقسم به؛ حيث لم يكن متعدّيا إلّا بالباء، ومعناها فيه: الإلصاق.
وحيث كانت أصلا اختصّت بثلاثة أشياء: بالدّخول على المضمر، تقول: بك لأقومنّ، وبه لأفعلنّ، ومنه قوله 2: ألا نادت أمامة باحتمال … لتحزنني فلا بك ما أبالي وبظهور الفعل معها، نحو: أخلف بالله، وأقسم بزيد.
وبالحلف على غيرك: استعطافا، كقولك: بالله لمّا زرتني، وبحياتك كلّمني وكقوله 3: بالله ربّك إن دخلت فقل لّه … هذا ابن هرمة واقفا بالباب وأمّا الفرع: فهو الواو، وهي بدل من الباء لقرب 4 المخرج، وقرب ما بين

الجمع والإلصاق؛ ولفرعيّتها نقصت، فلم تشارك الباء فيما اختصّت به، وكثرت في كلامهم، حتّى صارت - في القسم - أكثرا استعمالا من الباء.
وأمّا فرع الفرع: فهو أربعة: التّاء، وهاء التّنبيه، وهمزة الاستفهام، وألف اللّام، كلّها عوض من الواو.
أمّا التّاء: فلا تدخل إلّا على اسم الله تعالى، وحده، تقول: تالله لأقومنّ، ومنه قوله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ 1، وروى الأخفش:" تربّ الكعبة" 2 ولفرعيّتها على الواو اقتصروا بها على اسم الله تعالى، وقد يجئ فيها معنى التعجّب، كقولك: تالله لم أر كاليوم! وأمّا" ها": فقولهم: أى ها الله، ولا ها الله ذا، فتثبت ألف 3 " ها" لأن الّذى بعدها مدغم، مثل" دآبّة".
ومن العرب من يقول: لا هلله، فيحذف الألف.
وأمّا" ذا" فهو المحلوف عليه - عند الخليل 4 - تقديره: لا والله الأمر ذا، فحذف" الأمر" تخفيفا، ولم يقولوا: لا هلله هذا؛ لأنّهم جعلوها في أوّل الكلام مغنية عنها.
وأمّا ألف الاستفهام: فقولك: آلله لأفعلنّ، بالمدّ.
وأمّا ألف اللّام: ففي قولهم: أفأ لله لأفعلنّ؟ همزة الوصل، من اسم الله تعالى، ولا تقطع إلّا هنا وفي النّداء، فصار قطعها عوضا من الواو، قال سيبويه: لا تظهر الواو فى هذه المواضع 5.

ولا تدخل هذه الأعواض إلّا على اسم الله تعالى خاصّة، ولا يكون في المقسم به هاهنا إلّا الجرّ.
وقد ألحقوا بحروف القسم اللّام، و" من" 1: أمّا اللّام: فكقولك: لله لا يؤخّر الأجل، قال أميّة 2: لله يبقى على الأيّام ذو وحيد … بمشمخرّ به الظّيّان والآسى ولا بدّ فيها من معنى التعجّب 3، وبعض العرب (3) يقول: لله لأفعلنّ، ولا تدخل إلّا على اسم الله وحده.
وأمّا" من" فقولهم: من ربّي، بضمّ الميم وكسرها، ولا تدخل إلّا على 4 " ربّي"، وروى الأخفش" من الله" 5 وقد حذفت نونها، وأدخلت الميم على اسم الله، خاصّة، فقالوا: ملله 6، وملله، وبعضهم يزعم أنّها من" أيمن" 7 وستذكر 8

الفرع الثّاني فى أحكامه:

القسم جملة تتنزّل منزلة المفرد فى الفائدة، كالشّرط، ويفتقر إلى جملة أخرى تتمّ بها الفائدة، وموضوعه: أن تؤكّد به جملة خبريّة، إيجابا وسلبا، رفعا للشّكّ من قلب المخاطب، وتنقسم قسمين: جملة من فعل وفاعل، كقولك: أقسمت بالله، وحلفت 1، وآليت، ويحمل عليها: أشهد بالله، وعلم الله، وشهد الله.
وجملة من مبتدأ 2 وخبر، كقولك: لعمرك، ولعمر الله، وعليّ عهد الله، ولأيمن الله، ويمين الله، وايم الله، وأمانة الله.
أمّا الجملة الفعليّة: فلها - في القسم - سبع مراتب.
الأولى: أن تذكر الفعل والفاعل، والمقسم به، وحروفه، والمقسم عليه، نحو: أقسمت بالله لأفعلنّ.
الثانية: أن تحذف الفعل والفاعل، نحو: بالله لأفعلنّ.
الثالثة: أن تحذف الفعل والفاعل، وحروف القسم، وتبقي المقسم به، وعليه ولك فيه مذهبان: أحدهما: نصب المقسم به بإيصال الفعل إليه، فتقول: الله لأفعلنّ، قال الشّاعر 3: فقالت يمين الله مالك حيلة … وما إن أرى عنك الغواية تنجلى

والثاني: جرّ المقسم به بالحرف المحذوف، فتقول: الّله لأفعلنّ، وينشد هذا البيت 1؛ نصبا، وجرّا: ألا ربّ من قلبي له الّله 2 ناصح … ومن قلبه لي في الظّباء السّوانح وتقول: إى والله لأفعلنّ، ثمّ تحذف الواو، وتقرّ الياء على سكونها، ومنهم من يفتحها 3؛ لالتقاء السّاكنين.
الرّابعة: أن تحذف المقسم به، وحروفه، وتبقي الفعل والفاعل، والمقسم عليه كقولك: أحلف لأفعلنّ.
الخامسة: أن تحذف الجميع، وتبقي المقسم عليّ، كقولك: لأفعلنّ.
السّادسة: أن تحذف المقسم عليه وحده، وتبقي الباقي - وهو قليل - كقولهم أما والله أن لولا زيد، ولا يذكرون شيئا؛ استغناء بطول الكلام، وقرينة الحال.
السّابعة: أن يوضع القسم على غير مقسم عليه، وذلك: إذا توسّط الجملة، وتأخّر عنها، فيكون لغوا، نحو: زيد - والله - قائم، وزيد قائم والله، ومتى ابتدأته لم تلغه.
وأمّا الجملة الابتدائيّة: فإنّ" لعمرك" هو العمر، ولم يستعمل فى القسم

إلّا مفتوح العين، وهو مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف 1، تقديره: لعمرك قسمي، أو ما أقسم به، وقد تقدّم هذا 2، وقولهم:" لأفعلنّ" جواب، وليس خبرا، فإن حذفت منها اللّام نصبتها على المصدر الجاري على غير فعله الذّي هو" عمرت"، فإن أضفت إليها اسم الله 3 رفعته، على أنّه فاعل المصدر، فقلت: عمرك الله، التقدير: أسألك بتعميرك الله، ولك أن تنصبه على أنّه مفعول، فتقول: عمرك الله، التقدير: سألت الّله تعميرك، وسألتك باعتقادك 4 البقاء لله وقد يستعملون فعله فيقولون:" عمّرتك (4) الله".
ومثله قولهم:" قعدك الله"، و" قعيدك الله" أي: أسألك بوصفك لله بالثّبات، مأخوذ من قواعد البناء، ولا يستعمل منه 5 فعل.
وأمّا أيمن، وليمن: فإنّه اسم مفرد عند البصريّ 6، وجمع يمين القسم عند الكوفيّ 7، والكلام في إثبات اللّام معها، وحذفها، ورفعها، ونصبها، وحذف خبرها، مثله في" لعمرك"، تقول: أيمن الله لأفعلنّ، ولأيمن الله لأفعلنّ، ولا تدخل إلّا على اسم الله تعالى، والكعبة، وقد حذفوا نونها، فقالوا: أيم الله والألف مفتوحة، وبعضهم يكسرها.

وكذلك الكلام في: أمانة الله، وعهد الله، حذفا، ورفعا، ونصبا.

خاتمة لهذا الفرع

: إذا عطفت في القسم، نحو قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى 1، فإنّ الواو الأولى للقسم، والتي بعدها للعطف، ولا تكون للقسم، قال سيبويه: ولو قال: وحقّك وحقّ زيد - على وجه الغلط والنّسيان - جاز 2 يريد: أنّه لا يجوز لغير غالط أن يقسم قسما على غير شئ، ثمّ يجئ بقسم آخر، قال: ولو قال: وحقّك وحقّك - على التوكيد - جاز، وكانت الواوان 3 للقسم.
واعلم أنّك إذا أخبرت عن يمين حلف بها، فلك فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تأتى بلفظ الغائب، كأنّك تخبر عن شئ كان، تقول: استخلفته ليقومنّ.
والثّاني: أن تأتي بلفظ 4 الحاضر - تريد اللفظ الذي قيل له - فتقول: استخلفته لتقومنّ، كأنّك قلت: لتقومنّ.
والثالث: أن تأتي بلفظ المتكلمّ، فتقول: استخلفته لأقومنّ، ومنه قوله

تعالى: قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ (1)؛ بالنّون (2)، والتّاء (3)، والياء (4)، ولو كانت" تقاسموا" أمرا" لم يجز فيه الياء؛ لأنّه (5) ليس بغائب.

الفرع الثالث فى أجوبته

: لمّا كان القسم بمنزلة المفرد احتاج إلى جواب يتمّ به، وإلى رابطة بين القسم، والمقسم عليه، لفظا أو تقديرا، ولا تخلو الجملة: أن تكون موجبة أو منفيّة.
أمّا الموجبة، فلا تخلو: أن تكون اسميّة أو فعليّة.
فالاسميّة: يربطها بالمقسم عليه حرفان،" إنّ"، والّلام التي للابتداء، وتغني عن لام القسم، ويدخلان مجتمعين، ومنفردين، تقول: والله إنّ زيدا لقائم، وإنّ زيدا قائم، ولزيد قائم.
والفعليّة: لا تخلو أن تكون ماضية، أو حاضرة، أو مستقبلة.
فالماضية: تجاب بالّلام، و" قد" مجتمعين، ومنفردين، تقول: والله لقد12345

قام، وقد قام، ولقام، قال الله تعالى:" وَالشَّمْسِ وَضُحاها" 1، وأجاب بقوله:" قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها" 2، وقال تعالى:" وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ: 3، وقال امرؤ القيس 4: خلفت لها بالله حلفة فاجر … لناموا فما إن من حديث ولا صالى والحاضرة: تجاب ب" إنّ" واللّام مجتمعين، وب" إنّ" مفردة، تقول: والله إنّ زيد اليقوم، وإنّ زيد يقوم، وبعضهم يجيز دخول الّلام مفردة، فيقول والله ليقوم زيد الآن، وهو قليل.
والمستقبلة: تجاب بالّلام، مضافا إليها نون التوكيد؛ فرقا بينها وبين الحاضرة، تقول: والله ليقومنّ زيد، وقد جاءت النّون وحدها في الشّعر، قال 5: وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه … فرغ وإنّ أخاكم لم يقصد

وقد أدخلوا الام القسم والقسم محذوف، كقوله تعالى:" وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ.
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ" 1، فاللّام الأولى 2، والثالثة 3 موّطئة للقسم، والثانية 4 لام ابتداء مغنية عن القسم، والرّابعة 5 لام قسم، ولم يدخل معها نون توكيد، للجارّ والمجرور الحاجز بينها وبين الفعل.
وأمّا الجملة المنفيّة: فلا تخلو أن تكون اسميّة أو فعليّة.
فالاسميّة: تجاب ب" ما" النافية، تقول: والله ما زيد قائم.
والفعليّة: لا تخلو أن" تكون ماضية، أو حاضرة، أو مستقبلة، فالماضية: تجاب" ما" تقول: والله ما قام زيد.
وقد أدخلوا" لا" على صيغة ماضية اللّفظ، مستقبلة كقولهم: والله لا قمت، تريد: لا أقوم، والحاضرة: تجاب ب" لا"، تقول: والله لا يقوم زيد، وتجاب ب" ما"، عند من أجاز دخول اللّام 6 عليها بشريطة، وهي: أن تولى" ما" الاسم، وتجعل الفعل خبرا عن الاسم - كما فعل في الإيجاب - نحو: ما زيد يقوم، وقد قال ابن جنّي، في

" الّلمع" 1 والله ما يقوم زيد، وفيه نظر.
والمستقبلة: تجاب ب" لا"، فيقال: والله لا يقوم زيد.
وامتنعوا من إجابة القسم ب" ما دام" و" ما زال" وأخواتهما، إذا كنّ نواقص، وقد جوّزه 2 قوم، والأوّل أكثر.
وقد تحذف" لا" من الجواب، وهي مرادة، وذلك: إذا كان الكلام يقتضى وجودها، كقوله تعالى:" تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ" 3، وقول امرئ القيس 4: فقلت يمين الله أبرح قاعدا أي: لا تفتأ، و: لا أبرح وبعضهم يحمل" ما" - في الحذف - على" لا" 5 وهو قليل.

وقد أجابوا القسم ب" لم" و" لن" في الشّعر، قال 1: رويق إنّي وما حجّ الحجيج له … وما أهلّ بجنبي نخلة الحرم لم يسلني عنكم مذلم ألاقكم … عيش سلوت به عنكم ولا قدم وقال الآخر 2: أجدّك لن ترى بثعيلبات … ولا بيدان ناجية ذمولا قال السّيرافيّ: إذا حلفت على شئ فيه طلب، فإنّ الجواب ب" إلّا" و" لمّا"، كقولك: أقسمت عليك إلّا فعلت، ولمّا فعلت، وكان الأصل: أقسمت عليك لتفعلنّ، فلمّا كان القسم على شيء تطلبه منه، صار بمنزلة: نشدتك الله 3

وقد وضعت العرب ألفاظا تتلقّاها تارة بما تتلقّى به القسم، كقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ (1) وتارة لا تتلقّاها به، كقوله تعالى:" وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ" (2)، وتارة يكون الذي بعدها محتملا للأمرين، كقوله تعالى:" وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ" (3).

القسم الثانى من الباب الثاني عشر، وهو المجرور بالإضافة

وفيه فصلان:123

الفصل الأول في تعريفها

وهو نوع من الإسناد، يجرّ فيه الثّاني، بإسناد الأوّل إليه لفظا أو تقديرا، فالثّاني متمم للأوّل، ومعمول له.
وهي على ضربين: إضافة بمعنى اللام، وإضافة بمعنى" من".
الضّرب الأوّل: نوعان: أحدهما: إضافة محضة، والثاني: إضافة غير محضة.
والنّوع الأوّل صنفان أحدهما: إضافة ملك، نحو" دار زيد، وغلام عمرو، والثاني: إضافة تخصيص، نحو: سرج الدابّة، وغلام رجل، وكلّ الدّراهم، إلّا أنّ" كلا" لا تقع إلا على متجزّئ، بالوجود أو بالتقدير، لو قلت: جاءني كلّ زيد، لم يجز.
وتأويل هذه الإضافات: دار لزيد، وغلام لعمرو، وسرج للدّابّة، وكلّ للدراهم، والفرق بينه/ إذا كان مضافا بغير تنوين وبينه إذا كان مضافا بلام وتنوين: أنّ الأوّل معرفة، وهذا نكرة، وإذا قلت: يد زيد، وعين عمرو، فمعناه: يد لزيد، وعين لعمرو، فاليد، وإن كانت من زيد، لكنّها لا يطلق عليها اسم زيد، كما يطلق الخزّ على ثوب خزّ، وقد تظهر هذه الّلام في بعض الأماكن لحرصهم على إرادتها، كقوله 1:

يا بؤس للحرب التّي … وضعت أراهط فا فاستراحوا يريد: يا بؤس الحرب.
النوع الثاني: الإضافة غير المحضة، وهى أربعة أصناف: الصّنف الأوّل: اسم الفاعل، إذا كان بمعنى الحال، والاستقبال، نحو: ضارب زيد الآن وغدا، وراكب فرس، فهذا لم يفد تعريفا محضا؛ لوصفك النكرة به، قال الله تعالى:" فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ" 1، وقال - عزّ من قائل - " هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا" (1)؛ ولدخول" ربّ" عليها، تقول: ربّ راكب فرس لقيت، وهذا الحكم موجود في الأصناف الثّلاثة الباقية.
وللعرب في قولهم:" واحد أمّه" و" عبد بطنه" قولان: أكثرهما: التّعريف، وأقلهّما: التنكير 2، فمن نكّرهما، فلدخول" ربّ" عليهما في قوله 3: أما ويّ إنيّ ربّ واحد أمّه … أجرت فلا قتل لديّ ولا أسر ومن عرّفهما 4 جعلهما بمنزلة: نسيج وحده؛ كأنّه عنى بواحد أمّه: الكامل النّبيه، وبعبد بطنه: الناقص الوضيع، والضمير فيهما، لا يرجع إلى" واحد"، ولا إلى" عبد"، وإنّما يرجع إلى غيرهما، إمّا مبتدأ، أو موصوف، تقدّم ذكرهما.
الصّنف الثّاني: الصّفة الجاري إعرابها على ما قبلها، وهي في الحقيقة

لما أضيفت إليه، كقولك: مررت برجل حسن الوجه، تقديره: حسن وجهه، فلمّا نقلت ضمير صاحب الوجه إلى" حسن" لم/ يمكن أن ترفع" الوجه" به؛ لأنّ الفعل الواحد لا يرفع اسمين؛ فلمّا احتجت أن تبيّن موضع الحسن أضفت الصّفة إليه، فإن وصفت به معرفة أدخلت الألف والّلام على الأوّل، وتجرّ الثاني، وتنصبه، فتقول: مررت بالرّجل الحسن الوجه، والوجه، وسيجئ بيان هذا فى باب 1 العوامل مستقصى.
الّصنف الثالث: أفعل، إذا أضيفت إلى ما هو بعض له، كقولك: زيد أفضل القوم، ومررت برجل أفضل القوم، وله في الكلام ثلاثة أماكن: الأوّل: أن يتصل ب" من"، وحينئذ يكون للمذكرّ والمؤنّث والاثنين والجمع، على صورة واحدة، ولا تدخله ألف ولام ولا إضافة، تقول: زيد أفضل من عمرو، وهند أفضل من دعد، والزّيدان أفضل من عمرو، والزّيدون أفضل من عمرو، ولا تقول: زيد أفضل غلام من عمرو، ولا زيد الأفضل من عمرو، فأمّا قوله 2: ولست بالأكثر منهم حصى … وإنّما العزّة للكاثر فليست" من" فيه بالتّي نحن بصددها، وإنّما هي بمعنى" في"، كقولك: أنت منهم الفارس الشّجاع، أي: من بينهم وفيهم، فيكون التقدير: لست

بالأكثر حصى من بينهم؛ فهي لضرب من البيان.
ومتى كان" أفعل" صفة لم يحسن حذف" من" منه، وإن كان خبرا جاز حذفها، ومّما حذفت منه" من" وهى مقدّرة؛ قوله تعالى:" يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى " 1، وقولهم: الله أكبر، وقول الفرزدق 2: إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا … بيتا دعائمه أعزّ وأطول وقيل: التقدير: كبير، وعزيز، وطويلة، كما في قوله تعالى:" وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ" 3 أى: هيّن 4. الثّاني: أن يكون فيه الألف والّلام، وحينئذ يثنّى ويجمع، ويؤنّث، تقول: زيد لأفضل، وهند الفضلى، والّزيدان الأفضلان والّزيدون الأفضلون، ولا يجوز حذفهما منه/ إلّا إذا عاقبتهما الإضافة.
الثّالث: أن يكون مضافا، نحو: زيد أفضل القوم، ولا يخلو: أن تضمّنه معنى" من"، أو لا تضمّنه.
فإن ضمّنته فلا تثنّيه ولا تجمعه ولا تؤنّثه؛ حملا على ظهور" من"؛ لأنّ هذه الإضافة قد جعلت" زيدا" واحدا من القوم، ومشاركا لهم في الفضل، ونفّلته

عليهم بالزّيادة فيما اشتركوا فيه، وهذا هو الأكثر الأشهر؛ تقول: زيد أفضل رجل، وأفضل الرّجلين، وأفضل الرّجال، وهما أفضل القوم، وأفضل رجل، وأفضل رجلين، وهم أفضل رجال، معناه: إثبات الفضل له على الرّجال، إذا فضّلوا رجلا رجلا، واثنين اثنين، وجماعة جماعة، ممّا هو وهم فيه شركاء، ومنه قوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ 1، وقوله تعالى: وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ 2 بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ 3 وكقول الشاعر 4: وميّة أحسن الثّقلين جيدا وكقوله 5: ألستم خير من ركب المطايا

وكقوله 1: وهنّ أضعف خلق الله أركانا وإن لم تضمّنه معنى" من"، وقصدت بهذه الإضافة أنّه المعروف بالفضل كأنّك قلت: زيد فاضل القوم، فليس داخلا فيهم، ولا يجب أن يكون مفضّلا، ولا أنّهم شاركوه في الفضل، بل يكون قد فضّل على غيرهم، وعرف ذلك، فقيل: هو الأفضل، كما تقول: هو الفاضل، ثم نزعت الألف والّلام، وأضفته، ويكون معرفة، بخلاف الثّاني، فلا يجوز أن تصف به النكرة وحينئذ تثنّيه وتجمعه، وتؤنّثه، فتقول: الزّيدان أفضلا القوم، والزيدون أفضلو القوم، وهند فضلى القوم، و" فعلى أفعل" ليست مطّردة، ولا تقول منه إلا ما قالوا، وبعضهم يجعله مطردا 2، والأوّل 3 أكثر، ومن هذا النوع قوله تعالى: أَكابِرَ مُجْرِمِيها 4، وإِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا 5. وإذا قلت: هند أكبر بناتك، إن جعلته من النّوع الثانى جاز/ ولا تكون هند من بناته، فكأنّك قلت: هند أكبر من بناتك، وإن جعلته من الثّالث لم يجز أن

تقول: أكبر، وإنّما تقول: كبري بناتك، أي: أنها الكبيرة منهنّ 1 وقد جاء الوجهان في قول النبىّ صلّى الله عليه وسلّم:" ألا أخبركم بأحبّكم إليّ، وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقا، ألا أخبركم بأبغضكم إليّ، وأبعدكم منّي مجالس يوم القيامة؟ أساوئكم أخلاقا" 2. وقد جاء" أفعل"، وليس هناك اشتراك، كقوله تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا 3. ولا خير في مستقرّ أهل النّار، وهو في التنزيل كثير، ومن كلامهم: الصّيف أحرّ من الشّتاء"، وأمثلة نحوه كثيرة، فإذا ثبت ذلك فلا يجوز - على النّوع الثّاني - زيد أفضل إخوته؛ لأنّ صحّة كلّ واحد من طرفيها يقضى بفساد الآخر؛ فإنّ زيدا يجب أن يكون واحدا من الإخوة، وحيث أضفتهم إلى ضميره خرج عن أن يكون منهم، بدليل خروجه في قولك: جاءني إخوة زيد، وتنزّلت منزلة: زيد أفضل الحمير، فإن قلت: زيد أفضل الإخوة، صحّت المسألة ويجوز - على الثّالث - حيث التقدير: زيد فاضل إخوته، ولا إحالة فى ذلك.
وقياس" أفعل" - في كلا نوعيها - أن يصاغ من ثلاثيّ لا زيادة فيه، وليس من الخلق الثّابتة، والعيوب، فلا تقول: زيد أجوب من عمرو، ولا أعور منه، ولا أسمر، ولا أطلق منه، ولكن يتوصّل إلى التّفضيل في نحو هذه الأفعال، بأن يصاغ" أفعل" ممّا يصاغ منه، ثمّ يميّز بمصادرها، تقول: هو أسرع منه جوابا، وأقبح عورا، وأشدّ سمرة، وأسرع انطلاقا.
وقد شذّ من ذلك ألفاظ، قالوا:" هو أولاهم للمعروف"، و" أعطاهم للدّينار والدرهم" وهذا المكان أقفر من غيره، وأنت أكرم لي من زيد وهذا الكلام أخصر،

وفي أمثالهم:" أفلس من ابن 1 المذلقّ".
وقد جاء" أفعل منه"، ولا فعل له، قالوا:" أحنك الشّاتين 2 / والبعيرين" ومن أمثالهم:" آبل من حنيف 3 الحناتم".
والقياس أن يفضّل على الفاعل، دون المفعول، وقد شذّ منه نحو قولهم: " أشغل من ذات النّحيين" 4، وهو أغدر منه، وألأم، وأشهر، وأعرف، وأنكر، وأرجى، وأخوف، وأحمد، وأهيب، وأنا بهذا أسرّ منك، وهم بشأنه أعنى.
الصّنف الرّابع: إضافة الموصوف إلى الصفة، والصفة إلى الموصوف، على تقدير مضاف محذوف.
فالأوّل: نحو:" مسجد الجامع" و" صلاة الأولى" وجانب الغربيّ"، و" دار الآخرة"، التقدير: مسجد الوقت الجامع، وصلاة السّاعة الأولى، وجانب المكان الغربيّ، ودار الحياة الآخرة.
والثّاني: نحو:" عليه سحق عماقة" 5، و" خلق ثوب" 6، و" جرد

قطيفة" 1، و" مغرّبة خبر" 2، فذهبوا بهذه الأشياء بيانا وتلخيصا، لا تقديما للصّفة على الموصوف.
وقد حملوا على هذا الصّنف أشياء، فأضافوا المسمّى إلى اسمه في نحو قولهم:" لقيته ذات مرّة" و" ذات ليلة" و" داره ذات اليمين"، و" ذات الشّمال" وكقول الشاعر 3 تداعين باسم الشّيب في متثلّم وكقول الآخر 4: داع يناديه باسم الماء مبغوم

وكقول الكميت 1: إليكم ذوي آل النبيّ تطّلعت … نوازع من قلبي ظماء وألبب وقالوا في قول لبيد 2: إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكما وما أشبهه: إنّ المضاف - وهو اسم مقحم - دخوله وخروجه سواء، وحكوا: هذا حيّ زيد، وأتيتك وحيّ فلان قائم، يريدون: هذا زيد 3، وفلان قائم،

وأنشدوا 1: ياقرّ إنّ أباك حيّ خويلد أي: إنّ أباك خويلدا.
وقد امتنعوا من إضافة الشئ إلى نفسه، كالّليث والأسد، والحبس والمنع فلا يضاف أحد الاسمين إلى الآخر، فأمّا نحو: جميع القوم، وكلّ الدراهم؛ وعين الشيء، ونفسه، فليس من هذا القبيل.
الضرب الثّاني من الفصل الأوّل: الإضافة/ بمعنى" من"، وهى لتبيين النوع نحو: ثوب خزّ، وخاتم فضّة، أي: من خزّ، ومن فضّة، وحقيقتها: إضافة بعض الشيء إلى جنسه، وإذا نوّنت الأوّل جاز لك في الثاني الرّفع على عطف البيان، وعلى الوصف - إذا قدّر فيه الاشتقاق - والنّصب، على التمييز، أو الحال مع التقديرين.
والفرق بين هذا الضّرب والضّرب الأوّل أنّ هذه الإضافة يقع الثّاني فيها على الأوّل: نقول: ملكت خزّا وفضّة، وإنّما ملكت منهما ثوبا وخاتما، والإضافة الأولى لا يوجد ذلك فيها؛ فإنّ" زيدا" لا يقع على الغلام، فلا تقول: مررت بزيد، وأنت تريد غلامه، ومتى صحّ أن يكون الثّاني خبرا عن الأوّل فالإضافة بمعنى" من"، ومتى لم يصحّ، فالإضافة لاميّة.

جارٍ التحميل