البديع في علم العربيةصفحات 334-373

و «حمر»، والتعريف؛ لانّها وضعت معرفة.
وأمّا «كلا» و «كلتا» فهما اسمان مفردان، يفيدان معني التّثنية، كما أنّ «كلّا» اسم مفرد يفيد معني الجمع ولكنّهما 1 يكونان مع المظهر بالألف على كلّ حال، وإنّما قلبت الألف مع المضمر ياء؛ تشبيها لهما ب «على» و «لدى»، كما يكونان مع المظهر، مثلهما بالألف، وقال الكوفيون 2: هما اسمان مثّنّيان.
و «كلتا» عند سيبويه: فعلى 3، التاء مبدلة من واو، هي ألف «كلا»، والألف التي فيها للتأنيث، وقد حذفت ألفها في الشّعر، شاذا.
وأمّا «أكتع» و «أبصع»: فمعناهما، زيادة التأكيد، مثل قولهم: عطشان نطشان، 4 و: حسن بسن.
ويرجع معنى «أكتع» - بالتأويل - إلى معنى «أجمع»؛ لأنّه من: تكتّعت الجلدة، إذا اجتمعت وتقّبضت.
و «أبصع» مشتق من البصيع، وهو العرق السّائل، ولا يسيل حتّى يجتمع.
وكلّ ما قلناه في أبنية «أجمع» وأخواته فهو مقول فى أبنية «أكتع» و «أبصع»، وأخواتهما.

الفرع الثّالث: فى أحكامه.

الحكم الأوّل: التأكيد اللفظىّ لا يخصّ شيئا بعينه، من اسم أو فعل وحرف كما سبق تمثيله.
وأمّا المعنوىّ، فإنّه يختصّ بالمعارف - دون النكرات - ظاهرها ومضمرها، وذلك أنّ الأسّماء تنقسم إلي ثلاثة أقسام: قسم؛ لا خلاف في تأكيده، وهو: المعارف جميعها.
وقسم لا خلاف فى المنع من تأكيده، وهو: النكرات الشائعة، غير المؤقّتة، نحو: رجال ودراهم، وقسم فيه خلاف بين البصرىّ والكوفىّ، وهو: النكرة المؤقّتة، نحو؛ رجل ودراهم، ويوم، وليلة؛ فلا يوكّده البصريّ 1، ويلحقه بالنكرة الشّائعة، ويؤكّده الكوفيّ (1)؛ لأنّه عنده معلوم القدر؛ فشابه المعرفة، وأنشد 2: يا ليتنى كنّت صبييّا مرضعا … تحملني الذّلفاء حولا أكتعا والبصرىّ 3 يؤوّل ما جاء من هذا النوع.
وإنّما لم تؤكّد النكرات: لأنّها مجهولة العين، وما جهل عينه كيف يؤكّد؟!

ولأنّ ألفاظ التّأكيد معارف؛ فلا يؤكّد بها النكرات، قياسا علي الصّفات.
الحكم الثّاني: ألفاظ التأكيد تنقسم ثلاثة أقسام.
الأوّل: يصّح أن يلي العامل؛ فيكون غير تأكيد، وهو: «نفسه» و «عينه» و «كلا» و «كلتا»، تقول: خرجت نفس زيد، وعمرو ضربت عينه، وقام كلا أخويك، وكلتا أختيك.
وكذلك لم يؤكّد ب «نفسه» و «عينه» الضّمير المرفوع المتّصل إلّا بعد إبراز الضّمير؛ لأنّهما يصلحان أن يكونا معمولين؛ فيلتبس الأمر، فإذا برز الضمير، ارتفع اللبس، ألا ترى أنّك إذا قلت: هند خرجت نفسها، لم يدر: أفاعلة هى نفسها؟ أم تأكيد للضّير المستكنّ في «خرجت» الّذى هو الفاعل؟ فإذا أبرزت الضّمير فقلت: هند خرجت هى نفسها/ زال اللّبس.
فأمّا المنصوب، والمجرور: فلا يحتاج معه إلى إبراز الضّمير؛ لأنّ مضمرهما لا بدّ من ظهوره في اللفظ، فتقول: ضربتك نفسك، إلّا أن يكون محذوفا في الصلة، والصّفة، وحينئذ لا يؤكّده المحقّقون 1 إذا حذف، نحو مررت بالذي ضربت نفسه، ومررت برجل ضربت نفسه.
ولمّا كان الغالب على باب المرفوع الالتباس - مع الإضمار - وأمن اللبس - فى بعض الصّور، نحو: ضربت نفسك - أجري الباب علي وتيرة واحدة، ولم يستثن منها؛ فيقولون: ضربت أنت نفسك، وإن كان اللّبس مأمونا.

القسم الثانى: لا يصحّ أن يلي العامل، وهو: أجمع»، وأخواته؛ فلا تقول: قام أجمعون، حتّى تقول: قام القوم أجمعون؛ ولذلك صحّ أن يؤكّد به المظهر والمضمر، رفعا ونصبا وجرّا؛ حيث أمنوا الّلبس؛ لكونه لا يقع معمولا بنفسه، من غير متبوع، قال الشاعر 1: ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه … وسائره باد إلى الشمس أجمع ف «أجمع» تأكيد المضمر فى «باد».
القسم الثّالث: متوسّط، وهو «كلّ» فليس فى حكم الأوّل حسنا، إذا ولى العامل، ولا في حكم الثاني قبحا، إذا وليه؛ فله حال متوسّطة؛ فيؤكّد به المظهر والمضمر، تقول: جاءني القوم كلّهم، و: رأيتهم كلهم، وإن كانت قد تلى العامل في قولك: جاءنى كلّهم؛ إلّا أنّها لمّا كان أصل وضعهما للتأكيد، وتضمّنت معنى «أجمعون» - في الإحاطة والعموم - وهو لا يلي العامل بوجه، جاز أن يؤكّد بها المضمر؛ حملا علي «أجمعون».
وتقول: إنّ القوم جاءوني كلّهم، و: كلّهم؛ فالرّفع تأكيد المضمرين في «جاءوني»، والنّصب تأكيد القوم.
فأمّا قوله تعالي: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ 2

فالنّصب 1 على تأكيد الأمر، والرّفع 2 على الاستئناف.
وقد اختلفو في إدخال الألف واللّام/ أعلى «كلّ» و «بعض»؛ فمنع منه 3 قوم؛ لتقدير الإضافة، وأجازه آخرون 4؛ اعتبارا بنصبه على الحال في قولهم: مررت بهم كلّا.
الحكم الثّالث: ألفاظ التوكيد تنقسم ثلاثة أقسام.
قسم لا يستعمل إلا مضافا، وهو: «نفسه» و «عينه» و «كلا» و «كلتا»؛ فيضاف إلى مظهر، وإلى مضمر.
وقسم لا يجوز أن يضاف، لا إلى مظهر، ولا إلى مضمر، وهو: «أجمع»، وأخواته.
فأمّا قولهم: ذهب المال أجمعه، فليس من هذا، وإنّما أوقعوه موقع «جميعه»؛ ولأنّ تلك معرفة؛ لتأكيدها المعارف، وهذه نكرة؛ بدليل إضافتها.
وقسم يجوز أن يضاف إلي المظهر، والمضمر، ويجوز أن لا يضاف، وهو «كلّ» فيقطع عن الإضافة، كقوله تعالي: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ 5.

الحكم الرّابع: لا يجوز تقديم بعض هذه الألفاظ علي بعض؛ لأن بعضها أقوى من بعض؛ فلزمت الترتيب، و «النفس» أقوى من «العين» في أصل الوضع، وإن كانت العين قد جعلت - في التأكيد - عبارة عن الجملة، ولكن نظروا إلى الأصل، وإذا اجتمعتا قدّمت «النّفس» على «العين»، وإذا اجتمع معهما «كلّ» أخّر عنهما؛ لأنّ «النفس» و «العين» يكونان لما يتبعّض، ولما لا يتبعّض، و «كلّا» لا يكون إلّا لما يتبعّض، وإذا جاء معهنّ «أجمع» وأخواته كنّ بعد «كلّ»؛ لأنّ" كلّا يصلح أن يلي العامل، بخلاف «أجمع»، فإذا تقدّم عليه قرب من مرتبته.
و «أكتع» تابع ل «أجمع» و «أبصع» تابع ل «أكتع».
وكلّ هذه الألفاظ يصلح أن يؤكّد بها منفردة، ولا يصحّ ذلك في «أكتع» إلّا بعد «أجمع» ولا ب «أبصع» إلّا بعد «أكتع»، وقد جاء في الشّعر «أكتع» 1 مفردا عن «أجمع»، فإن أجتمع تأكيد وصفة قدّمت الصّفة؛ لأنّ التأكيد تكرار، ولا تكرار إلا بعد التّمام، تقول: قام زيد الكاتب نفسه، ولا يجوز بالعكس، إلّا عند بعضهم 2. ولا يجوز عطف بعض هذه الألفاظ علي بعض، كما جاز ذلك في الصّفة، ولا يجوز أن تنّصب شيئا منها على الحال؛ لأنهنّ معارف.

الحكم الخامس: «كلا» و «كلتا» لا يخلو: أن يضافا إلي مظهر، أو مضمر.
فإن أضيفا إلى المظهر، كانا بالألف على كلّ حال، تقول: قام كلا الرّجلين وكلتا المرأتين، ورأيت كلا الرّجلين، وكلتا المرأتين، ومررت بكلا الرّجلين، وكلتا المرأتين؛ لأنّهما اسمان مفردان بمنزلة «عصا»، وإن أفادا معنى التثنية.
وإن أضيفا إلى المضمر كانا فيه مع المرفوع بالألف، ومع المنصوب والمجرور بالياء؛ لأنّ المضمرات تردّ الأشياء إلي أصولها؛ تقول: قام الرجلان كلاهما، والمرأتان كلتاهما، ورأيتهما كليهما، وكلتيهما، ومررت بهما كليهما وكلتيهما.
ومن العرب 1 من يقرّ الألف علي حالها مع المضمر، كالمظهر - وقد سبق 2 - لأنّ كلا مشبّهة ب «على» و «لدى» وهذا الحكم يجري فيهما؛ مع المظهر والمضمر.
الحكم السّادس: من حقّ كلا» و «كلتا» أن لا تضافا إلّا إلى مثنّى، أو مضمر - كما سبق - وقد أضيفا إلي مفرد في معنى المثنّى، كقوله 3: إنّ للخير وللشّرّ مدى … وكلا ذلك وجه وقبل

فأوقع «ذلك» علي التّثنية، وقوعها في قوله تعالى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ 1 يعنى: الفروضة 2، والبكارة، ولو قلت في الشّعر: جاءنى كلا زيد وعمرو جاز؛ لأنّ العطف نظير التثنية، وأنشد الفارسىّ 3: كلا السّيف والسّاق الّذى ضربت به … على دهش ألقاه باثنين صاحبه الحكم السابع: إذا أخبرت عن «كلا» و «كلتا» فلك فيه الإفراد والتثنية؛ حملا على اللّفظ والمعنى، والإفراد أكثر، سواء 4 كانا مضافين إلى مظهر أو مضمر؛ تقول: كلا الرجلين قام، وقاما، وكلاهما قام، وقاما، وكلتا 5 المرأتين قامت، وقامتا، ومنه قوله تعالي: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها 6.

وقد جاء الخبر محمولا/ على اللّفظ والمعنى معا، قال (1): إنّ المنيّة والحتوف كلاهما … يرقى المخارم يرقبان سوادى وهذا الحكم جار في الإخبار عن «كلّ»، كقوله تعالي: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (2) وقوله: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (3)، إلّا أنّ الجمع فيها أكثر من الإفراد.

النوع الثالث: في البدل، وفيه ثلاثة فروع

الفرع الأوّل: فى تعريفه:

البدل جار مجرى التوكيد، والوصف، فى الإفادة؛ تبيينا وتحقيقا، وإيضاحا وتخصيصا، وهو في الحقيقة: إعلام السّامع بمجموع اسمي المسمّى، علي جهة البيان، وإنّما يذكر الأوّل لنوع من التوطئة؛ وليفاد بمجموعهما ما لا يحصل بأحدهما، تقول: ضربت زيدا أخاك، فالأخ ثبّت في النّفس أنّ المضروب زيد، الذي هو الأخ، وأوضحه، وخصّصه عن غيره من الزّيدين.

الفرع الثّاني: في أقسامه:

لا يخلو البدل: أن يكون بينه وبين المبدل منه علاقة، أو لا علاقة بينهما.123

فالّذى بينهما علاقة، لا يخلو أن يكون هو هو، أو هو بعضه، والبعض لا يخلو.
أن يكون جزءا منه، أو وصفا فيه، ذاتيا، أو رسميّا، أو ملابسا؛ فاقتضت له هذه القسمة أربعة: فالّذى هو هو: يسمّى بدل الكلّ من الكلّ، نحو: قام زيد أخوك.
والّذى هو جزء منه: يسمّى بدل البعض، نحو: ضربت زيدا رأسه.
والّذى هو وصف له: يسمّى بدل اشتمال، نحو: أعجبني زيد علمه.
والّذى لا تعلّق له بالأوّل يسمّى بدل الغلط، نحو: عجبت من زيد عمرو، أردت أن تقول: عجبت من عمرو، فسبق النّطق، ب «زيد» فاستدركته فقلت: ب «عمرو» وهذا داخل فى بدل الكلّ من الكلّ، لكنّه خصّ باسم الغلط، ولا يقع فى الشعر 1، وانّما يقع فى أوّل الكلام وبديهته.
والفرق بين/ البعضىّ والاشتمالىّ: أنّ الاشتمالىّ هو الذى يكون المعنى المذكور مشتملا عليه وعلى الأوّل، ويكون العامل فيه مقتضيا للثّانى، كما يكون مقتضيا للأوّل، والنفس إذا ذكر الأوّل طالبت بالمعنى الذي يستفاد من الثّانى؛ لأنّك إذا قلت في «أعجبنى زيد علمه»: أعجبنى زيد، ذهبت النفس تطلب المعنى المعجب منه، وهو علمه، أو عقله، أو غير ذلك، بخلاف بدل البعض؛ فإنّ النّفس تسكن إلى الأوّل سكونا تامّا، ولا تطالب بالثّانى لو لم يذكر.
ولا يخلو البدل الكلّىّ أن يكون التابع والمتبوع فيه معرفتين، أو نكرتين

أو أحدهما معرفة، والآخر نكرة، والمعرفة لا يخلو: أن يكون مظهرا، أو مضمرا، أو أحدهما مظهر، والآخر مضمر؛ فاقتضت القسمة ثمانية أضرب.
معرفة من معرفة، ومعرفة من نكرة، ونكرة من معرفة، ونكرة من نكرة، ومظهر من مظهر، ومظهر من مضمر، ومضمر من مظهر، ومضمر من مضمر؛ نحو: قام زيد أخوك، وقام رجل أخوك، وقام زيد رجل صالح، ومررت برجل غلام، وقام زيد ابنك، وضربته زيدا، وضربت زيدا إيّاه، وضربته إيّاه، وفى جواز الإبدال من هذه الأقسام خلاف، سنذكره (1) فى الفرع الثّالث.

الفرع الثالث: فى أحكامه.

الحكم الأوّل: البدل والمبدل منه فى تقدير جملتين: أولاهما معتبرة الوجود، ومنهم من جعلها فى نيّة الطّرح، إذا لم يكن في الكلام عائد، بخلاف الصّفة والتأكيد، وعطف البيان، ومتبوعاتها، بدليل ظهور عامل الثاني في قوله تعالى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ 2، وفى قوله: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ 3، وقول الشاعر 4:1

خير حىّ لمعدّ خلقوا … لفقير ولجار وابن عم 1 وإنمّا يحسن ظهوره ويكثر، إذا كان حرفا، ويقلّ إذا كان فعلا، فإذا قلت: ضربت زيدا رأسه، فالعامل فى «زيد»: «ضربت» بطريق الأصالة، وفى «رأسه» بالنّيابة عن مضمر مثله، تقديره: ضربت زيدا ضربت رأسه؛ وإنّما حذف عامل الثّانى لتكون حاجته إلى الجملة الأولى داعية؛ وإنّما أظهر حيث أظهر تنبيها عليه، وإعرابه جار علي إعراب المبدل منه؛ رفعا ونصبا وجرّا؛ إيذانا بأنّ محله محل الأوّل.
الحكم الثّانى: إبدال المعرفة من المعرفة إذا كانا مظهرين، كقوله تعالي: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ 2، وإذا كانا مضمرين، كقولك: ضربته إيّاه، ولم يجئ فى القرآن.
وأمّا النكرة من النكرة: فلا يخلو: أن تكون محضة، أو موصوفة.
فالمحضة من المحضة: كقوله تعالي: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً.
حَدائِقَ وَأَعْناباً 3 والموصوفة: لا يخلو الوصف: [أن يكون] 4 في البدل والمبدل منه، كقوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي

سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ 1، فيمن قرأ بالجّ 2، أو يكون المبدل موصوفا، كقوله تعالي: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ 3.، أو يكون المبدل منه موصوفا، كقولك: جاءنى رجل صالح عبد.
وأمّا المعرفة من النكرة: فكقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ 4. وأمّا النّكرة من المعرفة: فكقوله تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ.
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ 5. وأمّا المظهر من المضمر: فكقوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما 6. ف «أحدهما» و «كلاهما» بدل من الألف في «يبلغان» عند من 7 قرأ بها، ومنه قول الشّاعر 8:

على حالة لو أنّ فى القوم حاتما … على جوده لضنّ بالماء حاتم وأما المضمر من المظهر؛ فكقولك: رأيت زيدا إيّاه، ولم يرد في القرآن.
وهذه الأقسام كلّها، يجيزها البصريّ، إلّا المظهر من المضمر، إذا كان المضمر: متكلّما أو مخاطبا نحو قولك، بى المسكين وقع الأمر، وعليك الكريم المعوّل، والأخفش يجيزه، ويحمل عليه قوله تعالى 1: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ 2، وهو - عند غيره - 3 مؤوّل 4. وقد منع الكوفىّ 5 من بعض هذه الأقسام.
الحكم الثّالث: بدل البعض والاشتمال يفتقر الثّاني منهما إلى ضمير يرجع إلى الأوّل؛ إذ ليس هو هو؛ فتنّزل منزلة خبر المبتدأ إذا كان جملة؛ فاحتاج إلى رابط.
وهذه الأقسام الثمانية التي تقدّم ذكرها، يصحّ أن تقع في بدل البعض، إلّا بدل المضمر من المضمر، والمضمر من المظهر؛ لأنّ المضمر ليس له صيغة، ولا يفتقر إلي تبعيض، وقد أجاز بعضهم: رأيتهما إيّاه منهما، كما تقول: رأيت الرجلين زيدا منهما.

وبدل البعض: هو البدل الحقيقيّ، دون الكلّيّ؛ لأنّ البعضىّ يخالف المبدل منه لفظا ومعنى، والكلّىّ يخالفه لفظا لا معني، وأنت إنّما تترك الشّئ إلى ما يكون مخالفا له؛ لتحصل الفائدة التى ما كانت تحصل من المتروك، فإذا تركته إلى ما هو مثله لم تكن الفائدة كثيرة، وإنّما يكون فيه ضرب من البيان، تقول: ضربت زيدا يده، فهذا بدل بعض، فإذا قلت: ضربت زيدا اليد والرّجل جاز أن يكون بدل كل؛ لأنّ «اليد» و «الرّجل» محيطان بالجملة؛ فاستغنى بذكرهما عن ذكرها، وإذا جعلته بدل بعض كان فيه حذف العائد، وصار من باب قولهم: «السّمن منوان بدرهم»، وسوّغ ذلك هاهنا: نيابة الألف واللّام مناب الضّمير، ولو قلت: ضربت زيدا اليد، لم يكن إلّا بدل بعض/ مع حذف العائد.
ومثل الأوّل، قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ 1، فاجتماع الجنسين اللّذين لا تخلو منهما الفواحش، سوّغ أن يجعل بدل كلّ.
فإن جزّأت البدل البعضيّ احتجت أن تذكر ما يوافق العدد من الأجزاء، تقول: رأيت الجمال ثلثها، إذا كانت ممّاله ثلث، ولا يجوز أن يكون عددا لا ثلث له، مثل أربعة، وهكذا باقي الأجزاء، ونحو من ذلك، أنّ الثاني إذا استغرق العدّة جاز أن يكون بدلا، وأن يقطع عن الأوّل، تقول: رأيت القوم زيدا وعمرا وخالدا، وزيد وعمرو وخالد، هذا إذا كان عدد القوم ثلاثة، فإن نقصت عن عدد القوم فالقطع، تقول: رأيت القوم زيد وعمرو، كأنّك قلت: منهم زيد وعمرو، وقريب منه ما قاله الأخفش: أن ينظر إلى الأوّل، إن جاز السكوت

عليه، جاز أن يبدل الثانى منه 1، تقول: قطع القوم، فإن أردت «الأيدى»؛ جاز وإن أردت «الأنوف» لم يجز؛ لأنّك لا تقول: قطع القوم، وأنت تريد «الأنوف»، وإنّما تقول: جدع، فتقول: قطع القوم الأيدى منهم، وجدع القوم الأنوف منهم.
ومن هذا النوع، قولك: بعت متاعك أسفله مثل أعلاه، واشتريت متاعك بعضه أعجل من بعض، وبعت متاعك بعضه مكيلا وبعضه موزونا، إذا أردت أنّ الكيل والوزن وقعا في حال البيع، فإن رفعت كان الكيل والوزن قد لحقا قبل البيع، وليسا بصفة للبيع.
وتقول: «ضرب زيد ظهره وبطنه»، و «الظّهر والبطن»، و «مطرنا سهلنا وجبلنا، بالرّفع، على البدل؛ لأنّ الظّهر والبطن مجموع زيد، والسّهل والجبل مجموع البلاد، قال سيبويه: وإن شئت نصبت، على معنى «في» كما قالوا: دخلت البيت 2، وليس انتصابه هاهنا انتصاب الظّروف، قال: ولم يجيز واحذف حرف الجرّ في غير السّهل والجبل، والظّهر والبطن، وزعم الخليل أنهم يقولون: «مطرنا الزرع 3 والضّرع».
الحكم الرّابع/: قد تقدّم فى الفرع الثانى تحقيق بدل الاشتمال، والفرق بينه وبين البعضىّ، فمن بدل الاشتمال قوله تعالي: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ 4، لمّا كانت الأحكام التي تتعلّق بالشّهر الحرام كثيرة، ومن

جملتها القتال فيه، كان مشتملا عليه؛ لأنّه لم يرد السّؤال عن الشّهر الحرام وإنما المراد (السّؤال) 1 عن حكم القتال 2 فيه، ومثله قول الشّاعر 3: لقد كان في حول ثواء ثويته … تقضّى لبانات ويسأم سائم التقدير: لقد كان في ثواء حول ثويت.
وأكثر ما يكون هذا البدل بالمصادر، فأمّا قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ.
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ 4، فأبدل «النّار» من «الأخدودّ» - وليست مصدرا - فقليل المجيء، ومع هذا فإنّه حذف العائد؛ لمسدّ الألف واللّام مسدّه، وقيل: إنّ قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ 5 أغنى عن العائد 6، وذهب قوم إلى أنّ «النّار» بدل الشئ من مكانه، والقتال» بدل الشّئ من

زمانه؛ 1 لاشتمال المكان والزّمان عليهما ويجوز فى هذا البدل، أن تبدل من ضمير المتكلّم، والمخاطب، بخلاف بدل الكلّ، قال الشّاعر 2: ذرينى إنّ أمرك لن يطاعا … وما ألفيتني حلمى مضاعا فأبدل «الحلم» من الياء، وإذا جاز ذلك في المتكلّم، فهو في المخاطب أجوز.
الحكم الخامس: يجوز أن يبدل الفعل من الفعل، إذّا اتّفقا فى الزّمن والمعنى، نحو: إن تقم تنهض أنهض معك، ومثله قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ 3 وقول الشّاعر 4: متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا … تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا

ولا يصحّ أن تقول: إن تأتني تأكل آكل معك؛ لأنّ الأكل ليس من جنس الإتيان.
وقد تبدل الجملة من الجملة، إذا اتّفقا في المعنى، كقول الشاعر (1): ذكرتك والخطّيّ يخطر بيننا … وقد نهلت منا المثقّفة السّمر فأبدل «وقد نهلت منّا» من قوله: «والخطّىّ يخطر بيننا»، وهو في موضع الحال، فالفعل والفاعل بدل من المبتدأ والخبر.
ويجوز أن تبدل الحرف وما يتعلّق به، من الحرف وما يتعلّق به، تقول: سألت عن النّاس عن كسبهم، وقد تقدّم ذكر ذلك.
ولا تبدل من الموصول حتّى تتمّ صلته، ولا تقدّم البدل فيه علي المبدل منه فلا تقول: ضربت زيدا الّذي في الدّار، ولا ضربت الّذى زيدا في الدّار، و «زيد» بدل من «الّذى».

النّوع الرّابع: فى عطف البيان:

قد تقدّم أنّ عطف البيان أحد الأقسام الخمسة التّوابع، وأنّه مكمّل1

للأوّل، وأنّه في تقدير جملة واحدة، وأنّه لا يفيد فائدة المشتقّ، فهو عديل التأكيد في صفته، إلا أنّه يفارقه: بأنّ التأكيد محصور الألفاظ، وهذا لا حصر له.
ويفارق الوصف في الاشتقاق والجمود، وتحمّل الضّمير.
ويفارق البدل في تقدير الجملة والجملتين، وعطف البيان يكون الأول فيه ما يعتمده الحديث، ويرد الثاني، لإيضاح أمره، والبدل: الثاني فيه، معتمد الحديث، والأوّل كالتّوطئه له.
والقول الجامع في عطف البيان، أنّه: اسم يتبع الاسم الذي قبله، على جهة البيان له.
ويكون بالألفاظ الجامدة، ويتنزّل من الكلمة المتبوعة منزلة الكلمة المترجمة عمّا قبلها؛ فيكون الثاني معرّفا للأوّل؛ لأنّه أشهر أسماء/ المذكور أو كناه؛ تقول: مررت بزيد أبي محمّد، ففي الكنية بيان اختصاص «زيد» بالذكر، ألا ترى أنّ المخاطب يعلم أنّ الذى يعنيه من المسّمين [بزيد] 1 هو الّذى يكنى ب «أبي محمّد» وكذلك إذا قلت: مررت بأبى محمّد زيد، علم أنّك تريد من جملة المكنّين ب «أبى محمّد» الرّجل الذى اسمه «زيد» ويكون ذلك فيما يزيد فيه أحد 2 الاسمين علي الآخر شهرة ومعرفة.
وأوضح ما يتبيّن فى النّداء، تقول: يا أيّها الرّجل غلام زيد؛ ف «غلام زيد» لا يكون بدلا من «الرّجل»؛ لأنّه ليس فى تقدير جملتين، ولا وصفا؛ لأنّ ما فيه الألف واللام لا يوصف بالمضاف إلى العلم، وكذلك: يا أخانا زيدا؛ ف «زيد»

ليس وصفا؛ لأنّه غير مشتقّ، ولا بدلا؛ لأنّه ليس بمبنىّ، ولو كان بدلا لقلت: يا أخانا زيد.
وكل أسماء الإشارة عطف بيان في الحقيقة؛ لأنّها لا اشتقاق فيها وقوم يجعلونها صفة (1). وممّا يفرّق به بين البدل، وعطف البيان: أنّك إذا قلت للرّجل له أخ واحد: مررت بأخيك زيد، كان بدلا، ولم يكن عطف بيان، ولو كان له إخوة، فقلت: مررت بأخيك زيد، كان «زيد» عطف بيان؛ وحيث كان عطف البيان كالوصف كان لإزالة اللّبس، ولا لبس فى المسألة الأولى.
وسيبويه لم يفرد لعطف البيان بابا، وإنّما ذكره في ضمن الأبواب (2). النّوع الخامس: في العطف بالحرف، ويسمّى النّسق، وفيه ثلاثة فروع:

الفرع الأوّل: في تعريفه،

وهو: أن تجمع بين التّابع والمتبوع في الإعراب لفظا وموضعا بحرف خارج منهما، مع اجتماعهما فى الحكم واختلافهما.12

وحروفه تسعة: «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» و «لا» و «بل» و «لكن» و «أم» و «حتّى» وزاد قوم: إمّا (1). وزاد آخرون: «ليس» (2) و «كيف» (3) وقال آخرون: هي ثمانية، وأسقطوا «حتّى (4) وقال قوم: هي ثلاثة (5): «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» وكلّ هذه أقوال، والأكثر، على أنّها تسعة (6)، أو عشرة، بزيادة «إمّا».

الفرع الثّاني: في معاني هذه الحروف، وأوضاعها.

أمّا «الواو»: فلها في العربيّة مواضع، هذا أحدها، وهي العاطفة الجامعة، والنّحاة مجموعون 7 على أنّها تفيد الجمع بين الشّيئين، أو123456

الأشياء، من غير ترتيب، وهو مذهب أبي حنيفة 1، رضي الله عنه.
وذهب قوم - منهم ثعلب 2 - إلى أنّها تفيد الترتيب مع الجمع، وإليه ذهب الشافعيّ 3 رضي الله عنه، ولكلّ حجّة على ما ذهب إليه لم نطل بذكرها.
والظاهر في العربيّة: أنّها للجمع خاصّة؛ ولهذا اختصّت بما يقتضى اثنين فصاعدا، نحو: اختصم زيد وعمرو، والمال بين بكر وخالد، وسيّان قيامك وقعودك، وسواء خروجك ودخولك، ولا يستعملون مع هذا النّوع «الفاء»؛ حيث هي للتّرتيب.
وقد حذفوا الواو في العطف، وهي مرادة، قال: 4 فأصبحن ينثرن آذانهنّ … فى الطّرح طرفا شمالا يمينا

وقال 1: فرامت بنا مشرقا مغربا … غيارا وحبسا صحارى حزونا وقد جاء في الشعر كثيرا، وروى أبو زيد: «أكلت سمكا لحما تمرا» 2 ومنه قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ 3، بعد قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، (3) وعليه حمل الشافعيّ 4: «التحيّات المباركات الصّلوات الطّيّبات لله» 5 بغير واو.
وإذا عطفت جملة على جملة فيها ضمير جاز حذف الواو، وإثباتها كقوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ/ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ 6 ثمّ قال: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ 7؛ وكقوله تعالى: إِنَّهُمْ

كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ.
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ 1 وقال في موضع آخر: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ.
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ 2. وأمّا «الفاء»: فإنها تفيد الجمع والترتيب بلا مهلة، تقول: قام زيد فعمرو، ف «عمرو».
قام بعد قيام «زيد» وعقيبه، من غير أن يتأخّر عنه زمانا يعتدّ به، وإن كان لا بدّ من زمان يفرق بين قياميهما، ولو قلت: اضرب زيدا فعمرا، فضرب «عمرا» قبل «زيد» لم يطابق فعله أمرك، وكذلك لو أردت أن تضرب «عمرا» قبل «زيد» وقد قلت له: اضرب زيدا فعمرا، فقدّمه في الضّرب، لم يكن ممتثلا؛ لمخالفته اللّفظ، قال الزّجّاج: معنى الفاء: التّفرّق على مواصلة أي: ليست حالها كحال الواو التى ما عطف بها علي ما قبلها، بمنزلة ما جمع في لفظ واحد، وقوله: على مواصلة 3، أي: لما فيها من قوّة الإتباع بلا مهلة.
فأما نحو قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا 4، وقوله: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ 5، وقوله: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ 6 فمؤوّل على: أنّه لما أهلكها حكم بأنّ البأس جاءها، وعلى: إذا أردتم القراءة فاستعيذوا، وكذلك: إذا أردتم الصّلاة فاغسلوا.

وقد تجئ الفاء متبعة.
وهى غير عاطفة، فى جواب الشّرط، نحو: إن أعطيتني فأنت مشكور، وفي جواب «أمّا»، كقولك: أمّا زيد فقائم، وفي قولهم: أخذته بدرهم فصاعدا، وقد ذكرت 1. وقال الفرّاء: إذا كان الفعلان يقعان معا جاز أن تقدّم أيّهما شئت: تقول: أعطيتنى فأحسنت 2، وأحسنت فأعطيتني.
وأمّا «ثمّ»: فمعناها الجمع بمهلة وتراخ، مع المفردات، تقول: قام زيد ثمّ عمرو، أي: بين قياميهما زمان/ متراخ يعتدّ به، فإذا عطفت بها الجمل لم يلزم التّراخى فيها، كقوله تعالي: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى 3، وقال عزّ من قائل: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ.
فَكُّ رَقَبَةٍ.
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ.
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا 4. وقد ذهب قوم 5 إلى أنّ" ثمّ" في أمثال هذه بمعنى «الواو» كقوله 6. قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه … ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه

وقد جاءت هذه الأحرف الثلاثة: «الواو» و «الفاء»، و «ثم» في آية واحدة لازمة لمعانيها، قال الله تعالى: وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ.
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ 1. وقد جوّز الأخفش، أن تكون «ثمّ» 2 زائدة فى قوله تعالى: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا 3. وأمّا «أو»: فإنّها تقع في الكلام على أربعة أنحاء.
الأوّل: أن تكون للشّك كقولك: جاءني زيد أو عمرو، فيجوز في هذا أن يكون قد مضى صدر الكلام على اليقين، ثم جئت ب «أو» فسرى الشّكّ من الثانى إلى الأوّل، وهذا إنّما يكون في الخبر والاستخبار، ويجوز أن يكون صدر الكلام مبنيّا على الشّكّ فيتنخّل 4 من ذلك معنى أحدهما.
وتقول: ضربت زيدا وعمرا أو خالدا، فالمعنى: أنّك ضربت الرّجلين جميعا، أو خالدا وحده.
الثّاني: [أن] 5 تكون للتّخيير، وهو متعلّق بالأمر والنّهى، وذلك فيما يكون الإنسان ممنوعا منه، فإذا خيّره أطاعه في أحدهما، وبقي الأخر علي المنع

كقولك: خد من مالي درهما أو دينارا، فتحلّ له واحدا منهما بغير عينه، فإذا اختار أحدهما بقي الآخر على ما كان عليه من المنع، هذا في الأمر، فأمّا النّهي، فإذا قلت: لا تأخذ من مالي درهما أو دينارا، فالنّهي يتناول المنع من أخذ/ الدّرهم والدينّار؛ لأنّه يتناول منع ما أجازه الأمر، وهو: أحدهما، لا بعينه، وبقي الآخر على المنع الأوّل.
الثّالث: أن يكون فيها معنى الإباحة، وهو متعلّق بالأمر والنّهي، ويقارب معنى «الواو» في أحد أقسامها، تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين فإن جالس أحدهما أو كليهما فقد امتثل الأمر؛ لأنّه لم يخيّره أن يجالس أيّهما شاء، إنّما أباح له مجالسة هذا الضرب من النّاس، ولو كانت «الواو» موضعها، وفعل أحدهما، كان مخالفا أمره؛ لأنّ «الواو» للجمع.
فأمّا إذا نهيته في هذا القسم، فقلت: لا تلبس قميصا أو جبّة، فلبس أحدهما، أو لبسهما كان مخالفا للنّهى، كما أنّه إذا جالس أحد الرجّلين، أو الرّجلين معا، كان طائعا، ومتى ولي النّهى «أو «التي للإباحة، استغرق الجميع، كقولك: لا تأكل خبزا أو لحما أو سمكا؛ فإنّه يكون منهيّا عن الجميع، ومنه قوله تعالي: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 1، فإنّه لا يجوز له طاعة أحدهما؛ لأنّ التقدير: لا تطع أحد هذين الصّنفين.
والإباحة: تشبه التّخيير من وجه أنّه إذا جالس أحدهما كان مطيعا، وتفارقه من وجه أنّه إذا جالسهما معا كان مطيعا.
الرّابع: أن تكون للإبهام، إذا صدرت من العارف بما يريد، كقوله

تعالي: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 1، وقوله تعالي: كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ 2؛ فهذا على سبيل الإبهام على المخاطبين، وليس بشكّ؛ لأنّه صادر ممّن لا يشكّ.
وقيل: إنّ «أو» هاهنا، بمعنى «الواو» 3 وكذلك فى الآية الّتي قبلها.
ولمّا كانت «أو» لأحد الشّيئين، أو الأشياء في جميع أقسامها، قالوا: زيد أو عمرو قام، ولم يقولوا: «قاما»؛ لأجل أنّ المعنى: أحدهما قام، فأمّا قوله تعالي: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما 4، فإنّما جاء على المعنى، كأنّه قال: إن يكن غنيّا أو فقيرا فالله أولى بهذين النّوعين 5، وقيل: إنّ هذه الجملة عارضة، وجواب الشّرط: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا (4). وقالوا: إنّ «أو» تكون متّصلة، ومنقطعة.
فالمتّصلة: كقوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً 6، قال سيبويه:

لو قيل: أو لا تطع منهم كفورا، لا نقلب المعنى 1، أي: أنّه كان يكون إضرابا عن الأوّل؛ فتجوز طاعته.
والمنقطعة: كقولك: أنا أخرج أو أقيم، أضربت عن الخروج وأثبتّ الإقامة.
وأمّا «لا» فترد في العربيّة على أنحاء، والتى تختصّ بالعطف معناها: تحقيق ما أسند إلى الأوّل، ونفيه عن الثّاني، تقول: قام زيد لا عمرو، فهي أثبتت القيام.
وحقّقته لزيد، ونفته عن عمرو.
ولا يظهر بعدها فعل، لئلّا يلتبس بالدّعاء، ولا تقع بعد كلام منفىّ؛ لفساد المعنى، إلا إذا كانت بمعنى «غير» كقوله تعالي: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 2، وقولك: زيد غير قائم ولا قاعد، ولا يجيزون ذلك في الأعلام، لا تقول: أنت غير زيد ولا عمرو، ولا يعطف بها على «لن» و «لم» لا تقول: لن يقوم زيد ولا يقعد، ولم يقم زيد ولا يقعد.
وأما «بل»: فإنّها عكس «لا» لأنّها تثبت للثّانى ما تنفيه عن الأوّل والبصرىّ 3 يستدرك بها في النّفي، والإيجاب، تقول: ما قام زيد بل عمرو، وقام زيد بل عمرو؛ فتحمله في الإيجاب علي المعنى، التقدير: بل قام عمرو، فكأنّك أردت الإخبار بقيام زيد، ثمّ تبيّن لك أنّك غلطت، فقلت: بل عمرو، وأما النّفى، فالتقدير فيه - عند قوم 4 - على وجهين:

أحدهما: ما جاءني زيد بل ما جاءني عمرو، فكأنّك قصدت أن تثبت نفي المجيء لزيد، ثمّ استدركت فأثبته لعمرو؛ فيكون معنى 1، ما جاءني زيد بل عمرو: أنّ عمرا أيضا ما جاء، وأنّ الّذي يراد الإخبار عنه بنفى المجيء، إنّما هو عمرو، لا زيد، فيكون الاستدراك في الفعل، وحرف النّفي معا.
والوجه الثّانى: أن يكون المعنى، ما جاءنى زيد بل جاءني عمرو؛ فيكون نفي المجئ ثابتا لزيد، وإثباته ثابتا لعمرو؛ فيكون الاستدراك في الفعل وحده، وهذا هو المشهور في الكلام، والمراد.
ولو قلت: ما قام زيد لا بل عمرو، كان أشبه بالوجه الأوّل وأقرب؛ لأنه يكون المعنى كأنّه قال: لا تشتغل بهذا الإخبار الأوّل، واعتمد على الثاني.
وأمّا «لكن»: فإنّها للاستدراك، وهي تعطف في النّفي مفردا على مفرد، مثبتة للثاني ما نفي عن الأوّل، نحو: ما قام زيد لكن عمرو، فإن دخلت في موجب احتجت إلى جملة بعدها، تقول: قام زيد لكن عمرو لم يقم، ولو قلت: قام زيد لكن عمرو، لم يجز، ولذلك ذهب يونس 2 إلى أنّها غير عاطفة؛ لدخول الواو عليها في قولك: ما قام زيد ولكن عمرو.
وقيل: إنّ معناها الاستدراك، والعطف، فإذا دخل عليها الواو، خلصت للاستدراك، وخلص العطف للواو 3.

وقيل: إنّها مع الموجب حرف ابتداء 1، كقوله تعالي: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ 2 وإن شئت جعلتها عاطفة 3 جملة على جملة؛ فعلى الوجه الأول: لا يجوز الوقف على ما قبلها، وعلى الثّاني: أنت مخيّر في الوقف، والوصل.
وأمّا «أم»: فمعناها الاستفهام، ولها في العطف موضعان: أحدهما متّصل، والآخر منفصل.
أمّا المتّصلة: فهى ما اجتمع فيها ثلاث شرائط.
الأولى: أن تكون معادلة همزة الاستفهام، ومعني المعادلة: أن تسأل عن اسمين، أو فعلين، فتدخل «الهمزة» علي الأوّل منهما، و «أم» علي الثّاني وتجعل المعنى المتعلّق بهما، متوسّطا بينهما، تقول: أزيد عندك أم عمرو؟ وأقام أزيد أم قعد؟ ويجوز أن تقدّم المعنى المتعلّق، في الشّعر، فتقول أعندك زيد أم عمرو؟ وأزيد قام أم قعد؟ فيتحصّل من «الهمزة» و «أم» معنى «أي».
الثانية: أن يكون السّائل عالما بواحد من المسئول عنهم، لا بعينه؛ فرقا بينها وبين «أو»، تقول: أزيد عندك أم عمرو؟ فأنت عارف أنّ أحدهما عنده غير شاك، وإن لم تعرفه/ بعينه.
الثالثة: أن لا يكون بعدها جملة من مبتدأ وخبر، ولا فعل وفاعل، إلّا أن

يكون قبلها فعل، وفاعل الثّاني هو فاعل الأوّل، في المعني، كقولك: أقام زيد أم قعد؟ وأضربت زيدا أم قتلته؟ فإن قلت.
أزيد قائم أم عمرو منطلق، أو أقام زيد أم قام عمرو، وأقام بكر أم قعد خالد؟ لم تكن متّصلة.
وتقول الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفيّة؟ فيكون الجواب: أحدهما بهذا اللفظ، ولا يجوز أن تقول: الحسن ولا الحسين، لأنّ المعنى: أأحدهما أفضل أم ابن الحنفيّة؟ وذلك أنّه لم يرد أن يعرف أيّ الثّلاثة أفضل؛ ولا أنّه اشتبه عليه الأفضل من الحسن وابن الحنفيّة، ولا من الحسين وابن الحنفية، إنّما أراد: أحد هذين أفضل أم ابن الحنفيّة؟ فجوابه: أحد هذين.
وأمّا المنفصلة - وتسمّى المنقطعة -: فإنّها تأتي بعد الاستفهام، وبعد الخبر.
فأمّا الاستفهام: فتدخل فيه مع «الهمزة» و «هل»، كقولك: أزيد عندك أم عمرو وعندك؟، وهل عندك زيد أم عندك عمرو؟ كأنّه استفهم أوّلا عن زيد ثمّ بداله [العدول] 1 عن ذلك الاستفهام، فاستفهم عن عمرو، فهى فى تقدير «بل» و «الهمزة»، أمّا «بل» فلأجل الإضراب عن الأوّل، وأما «الهمزة» فلأجل الاستفهام؛ فتتضمّن معناهما.
ولا تأتى إلّا بعد كلام تام؛ لأنّك قد أضربت عن الأوّل، ولا يضرب عنه إلّا بعد تمامه.
ولا بدّ لها أن تتقدّم على جملة؛ ليتصدّر عليها الاستفهام.
ولا تقدّر ب «بل» وحدها؛ لأنّ ما بعد «بل» متحقق، وما بعد «أم» مشكوك فيه، فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ تقديره: بل أعندك عمرو؟ وممّا يوضّح ذلك: أنّك - في هذه المسألة - لم تكن مستفهما أن يعيّن لك واحد

من هذين، وإنّما تكون مستفهما عن واحد بعينه، بعد عدولك عن آخر تقدّم ذكره، كأنّك قلت: أعندك زيد؟ ظانّا أنّه عنده؛ ليقف بك علي الحقيقة؛ فيقول: لا أو: نعم/، ثمّ بدالك وصرت تظنّ أنّ الّذي عنده هو «عمرو» فأردت أن تترك الاستفهام عن «زيد» إلى الاستفهام عن «عمرو»، فقلت: أم عندك عمرو؟ فذكرت لكلّ واحد منهما خبره، وكرّرت «عندك»، ولم تقتصر على مرّة واحدة كما فعلت فى المتّصلة؛ للإضراب - فى هذه - عن الأوّل؛ فتصير مسألتين، فاحتجت إلى خبرين.
وتقع هذه المنقطعة مع الهمزة، إذا اختلف الخبران، نحو: أزيد فى الدّار أم عمرو فى السّوق؟ وأقام زيد أم يقعد؟ تقديره: بل أعمرو فى السّوق؟ وبل أهو يقعد؟.
وأمّا مجيئها بعد الخبر، فنحو قولهم: إنّها لإبل أم شاء، تقديره: بل أهي شاء، كأنّه رأى أشخاصا، فسبق إلى وهمه أنّها إبل، ثمّ شكّ فقال: أم شاء، فأضرب عن الأوّل المخبر عنه، واستأنف السّؤال عن الثاني، فصار كأنّه قال: بل أهى شاء؛ لأنّ قوله: إنّها لإبل، إخبار، ثمّ جاء بعده بالاستفهام حين اعترضه الشّكّ؛ فهي مقدّرة ب «بل» و «الهمزة»، كالأوّل، ومثله في التنزيل: الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ 1 وقوله تعالي: أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا 2 التقدير: بل أيقولون افتراه وليست «أم» كالهمزة علي الإطلاق؛ لأنّك إذا قلت: إنّها لإبل أهى شاء، لم تكن قد عطفت الجملة الثانية علي الأولى، وإذا قلت: بل أهي شاء، كنت عاطفا.

وأمّا «إمّا» فإنّها تنزّل منزلة «أو» في أقسامها الأربعة؛ وتفارقها في: أنّ الشّكّ يسرى في «أو» من آخر الكلام إلى أوّله، و «إمّا» تبتدئ بها شاكا، تقول: جاءني إمّا زيد وإمّا عمرو، و: اضرب إمّا زيدا وإمّا عمرا، ومنه قوله تعالى: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً 1، وقوله عزّ من قائل: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً 2. وسيبويه 3 يذهب إلى أنّها مركّبة من «إن» و «ما» وغيره 4 يزعم أنّها مرتجلة، وقد اختلف فيها.
فذهب/ الزّجّاج 5 والفارسيّ 6 وغيرهما 7 إلى أنّها ليست حرف عطف؛ لدخول واو العطف عليها، وللابتداء بها فى أوّل الكلام، من غير معطوف عليه.
وقال قوم 8: إنّ الثانية حرف عطف، دون الأولى، وقال آخرون 9: إنّ الأولى والثانية حرفا عطف.

وأمّا «حتّى»: فقد ذكرت مع حروف الجرّ واستقصيى ما يتعلّق بالعطف من أقسّامها (1).

الفرع الثّالث: فى أحكام تتعلّق بالعطف.

الحكم الأوّل: حروف العطف تجتمع في إدخال الثاني في إعراب الأوّل، لفظا أو موضعا، والمعمول بعدها مختلف فيه.
فبعضهم يجعل العامل فيه الفعل الأوّل 2؛ بتوسّط الحرف، ويستدلّ بإجماعهم على جواز: جاءني زيد وعمرو الظّريفان.
وبعضهم يجعل العامل الحرف 3، ولو كان كذلك لما اختلف عمله، وأنت ترى ما بعده يتبع ما قبله، رفعا ونصبا وجرّا.
ومنهم من قال: العامل فعل مقدّر 4، غير الأوّل.
الحكم الثّانى: بعض هذه الحروف يدخل الثاني فى حكم الأوّل، لفظا ومعنى، وهو: «الواو»، و «الفاء» و «ثمّ» و «حتّى» مطلقا و «أو» و «إمّا» و «أم» في بعض أقسامها.1

وبعضها يدخل الأوّل فى حكم الثّانى، لفظا، لا معنى، وهي: «لا» و «بل» و «لكن».
وليس فيها ما يدخل الثّانى فى حكم الأوّل، معنى، لا لفظا.
الحكم الثّالث: ما بعد هذه الحروف، لا يتقدّم على ما قبلها، وما جاء من ذلك، فإنّما جاء مع «الواو» فى الشعر، فى الرّفع والنّصب، دون الجرّ، قال الشاعر 1 في الرفع: ألا يا نخلة من ذات عرق … عليك ورحمة الله السّلام وقال فى النّصب 2: جمعت وبخلا غيبة ونميمة … ثلاث خلال لست عنها بمرعوي الحكم الرّابع: لا يدخل بعض هذه الحروف على بعض، فإن وجدت ذلك في كلامهم، فقد أخرج أحدهما من باب العطف، كقولك: لم يقم زيد ولا عمرو، «الواو» عاطفة و «لا» توكيد للنّفى، وكقولك: والله لا فعلت ثمّ والله لا فعلت، «ثمّ» عاطفة و «الواو» قسم، وتقول: جاءنى زيد ولكن عمرو لم يجئ، ف «الواو» هي العاطفة، و «لكن» للاستدراك، و «عمرو» رفع بالابتداء، وتقول: اضرب إمّا

زيدا وإمّا عمرا، ف «إمّا» هي العاطفة، و «الواو» دخلت؛ لتؤذن أنّ «إمّا» الثانية هي الأولى، ولا تكون عاطفة؛ لأنّ معناها الجمع بين الشّيئين، و «إمّا» لأحدهما.
الحكم الخامس: لا يفرق بين حرف العطف وبين المعطوف به، بشئ ممّا يعترض بين العامل والمعمول فيه، كالأيمان، والشّكوك، والشّروط إلّا «ثمّ»، و «لا»، و «أو»؛ لأنّها تنفصل، وتقوم بأنفسها، ويجوز الوقف عليها، تقول: قام زيد ثمّ - والله - عمرو، وقام زيد أو - والله - عمرو، وخرج بكر ثمّ - أظنّ - خالد.
ويقبح أن يلى «لا» الفعل الماضي، في العطف، كقولك: زيد قام لا قعد.
الحكم السّادس: همزة الاستفهام تدخل على: «الواو» و «الفاء» و «ثمّ» فيجتمع الاستفهام والعطف، كقوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً 1. وقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ 2 وقوله تعالي: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ 3؛ وذلك لأنّ الهمزة تدخل فى الإيجاب، فى قوله 4: أطربا وأنت قنّسريّ

ولم يستقبح أن تكون هذه الحروف بعدها.
وتدخل ثلاثتها علي «هل»، كقوله تعالي: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ 1، وكقولك: هل يقوم زيد وهل يقوم عمرو ثمّ هل يقوم بكر؟ الحكم السّابع: كثيرا ما تشتبه «أو» و «أم» فى الكلام؛ فاحتاجا إلى الفرق.
والفرق بينهما: أنّك إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لا تعلم كون أحدهما عنده؛ فأنت تسأمل عنه، وإذا قلت:/ أزيد عندك أم عمرو؟ فأنت تعلم أنّ أحدهما عنده، لكنّك تجهل عينه 2؛ فأنت تطالبه بالتّعيين، وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فمعناه: أأحدهما عندك؟ فيكون الجواب: «لا» 3 أو «نعم»، وأمّا إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فلا يكون الجواب ب «لا» أو «نعم» إنّما يكون: «زيدا» (3) أو «عمرا»؛ لأنّ تقدير السّؤال: أيّهما عندك؟؛ وذلك أنّه إنّما سأل ب «أو» عن واحد منهما لا بعينه، وب «أم» عن عين أحدهما؛ فيفتقر إلى أن يكون عالما أنّ أحدهما عنده لا بعينه، فإن لم يكن عالما، وسأل ب «أم» كان مخطئا فى سؤاله، ويكون الجواب: ليس عندى زيد ولا عمرو؛ ف «أو» إذا: استثبات، و «أم»: إثبات، واستثبات، و «أو» تثبت أحد الشّئين، أو الأشياء مبهما، و «أم» تقتضى إيضاح ذلك المبهم.

فإن كان فى الكلام «أفعل» لم يكن بعدها إلّا «أم» دون «أو» كقولك: أزيد أفضل أم عمر؟ وكذلك إذا كان ما لا يحسن السّكوت على ما يعطف عليه، نحو قولك، ما أبالى أضربت زيدا أم عمرا، وسواء علىّ أقمت أم قعدت.
فإن استغرق الاسم المستفهم به معنى «أىّ» وعطفت عليه اسما، اختصّ ب «أو» دون «أم»؛ كقولك: من يقوم أو يقعد؟ وأىّ النّاس يقوم أو يقعد؟ وأمّا مثل قوله تعالي: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ 1 وأَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها 2 فجار مجرى التّوقيف والتّوبيخ، لا على سبيل الاستفهام، ومخرجه من النّاس: أن يكون استفهاما، ويكون توبيخا، قال سيبويه: إذا كان بعد «سواء» ألف الاستفهام، فلا بدّ من «أم»، اسمين كانا أو فعلين، تقول: سواء على أزيد فى الدّار أم عمر، وسواء علىّ أقمت أم قعدت، فإذا كان بعدها فعلان بغير ألف الاستفهام، عطف الثّانى ب «أو» تقول: سواء علىّ قمت أو قعدت، وإن كان اسمين بلا ألف، عطف الثانى ب «الواو» / تقول: سواء علىّ زيد وعمرو، وإن كان بعدها مصدران، كان الثّانى ب «الواو» وب «أو»؛ حملا عليهما 3.

جارٍ التحميل