فلا حاجة إلى تعريفه، فإن أردت بقولك: ضربت الضّرب، ما يستحقّ أن يسمّى ضربا على الحقيقة، جاز وحسن؛ من حيث إنّه أشبه الموصوف.
فإن كان المصدر مؤقّتا، عمل فيه الفعل وهو معرّف تعريف الجنس، تقول: قد تضرب الضّربة فتغنى عنّا الضّربات الكثيرة؛ لأنّ الفعل لا يدلّ على المؤقّت؛ فلا يكون فى حكم التّكرير.
الحكم الثّانى: إذا أضفت إلى المصدر ما هو وصف له فى المعنى، تنزّل منزلته، تقول ضربته ضرب زيد عمرا، تقديره: ضربته ضربا مثل ضرب زيد عمرا، فحذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه، ولولا هذا المحذوف لكان الكلام محالا؛ لأنّه ينبئ أنّك أحدثت ضرب زيد، ومثله: ضربته كما ضرب زيد عمرا، أى: ضربا كما ضرب، ومنه قول الرّاجز 1:
حتّى إذا اصطفوّا لنا جدارا
وقول الآخر 2:
ولم يضع ما بيننا لحم الوضم
أى: اصطفا فامثل اصطفاف جدار، و: إضاعة مثل إضاعة لحم الوضم.
وتقول: سرت أشدّ السّير، وصمت أحسن الصّيام، فتنصب" أشدّ"
و" أحسن" نصب المصادر، و" أفعل" إنما يضاف إلى ما هو بعضه فيجب أن يكون التّقدير: سرت أشدّ السّير سيرا، وصمت أحسن الصّيام صياما؛ ليصحّ الكلام، ويجوز أن تنصبه على أنّه صفة مصدر محذوف، تقديره:
صمت صياما أحسن الصّيام، ولا اعتبار بإضافة" أحسن" إلى المعرفة؛ فإنّها إضافة غير حقيقيّة.
الحكم الثالث: المصدر يتقدم على فعله إذا كان متصرّفا، تقول: ضربا ضربت، والضرب الشّديد ضربت، والصّمّاء اشتملت؛ وإنّما جاز ذلك لأنّه مفعول، والمفعول لا يلزم مرتبة، وبعضهم 1 يجيز تقدّمه على الجملة، نحو:
حقّا هذا زيد، ومنهم من لا يجيزه 2، وأجاز الزّجّاج 3: زيد حقّا أبوك؛ حملا على قول الأحوص 4:
إنّى لأمنحك الصدود وإنّنى … قسما إليك مع الصّدود لأميل
الحكم الرّابع: المصدر لا يثنىّ ولا يجمع؛ لأنه جنس، والجنس لا حصر له، إلا إذا اختلفت أنواعه جاز تثنيته وجمعه، مبهما ومؤقّتا.
أمّا المؤقّت - وهو المختصّ - فتقول فيه: ضربت ضربتين، وضربات، إلّا أنّ الجمع أنقص توقيتا من المفرد والمثنّى؛ لأن/" ضربات" يصلح لعقود
القلّة كلّها، ولكنّه لا يخرج عن حدّ التّوقيت؛ من حيث دلالته على عدد، بخلاف قولك: ضربت ضربا؛ فإنّه لا يدلّ على
عدد، فإن قلت: ضربت ثلاث ضربات، كان مثل ضربة وضربتين فى كمال التوقيت، إلا أنّ الفعل فيه واقع على ما هو مصدر من جهة المعنى؛ لأنّ العدد عبارة عن المعدود، وليس باسم له.
وأمّا المبهم: فلا يجوز جمعه؛ فلا تقول: قتلت قتولا، ولا: ضربت ضروبا، إلّا على إرادة تفريق الجنس، واختلاف أنواعه، كقوله تعالى:
وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (1)، وكقوله: أَضْغاثُ أَحْلامٍ (2)، وكقول الشّاعر (3):
هل من حلوم لأقوام فتنذرهم … ما جرّب الدّهر من عضّى وتضريسى
وكقولك: فلان ينظر فى علوم كثيرة، وهذا النّوع لم يّطرد، فلم يقولوا:
السّلوب، والنّهوب، وإنّما يكون ذلك - غالبا - فيما ينجذب إلى الاسميّة، نحو: العلم والحلم والظّنّ، وأشباه ذلك.
فإن قصدت بالمبهم الحدث، فالأكثر الأعرف أن يقال: ضروبا من القتل، وضروبا من العلم.
وأمّا التثّنية فأصلح قليلا من الجمع، تقول: قمت قيامين وقعدت قعودين، والأحسن فيهما أن يقال: قمت نوعين من القيام، وقعدت نوعين من القعود.
النّوع الثانى: فى المفعول به،
وفيه فصلان:123
الفصل الأوّل: فى تعريفه
وهو: من وقع به الفعل، وتتّصل به الباء مع الفعل فى جواب السّائل، تقول: ضربت زيدا، فيقال: بمن أوقعت الضّرب؟ فتقول: بزيد، ويقع به الفرق بين اللازم من الأفعال والمتعدى.
وهو منصوب بفعله عند سيبويه 1، إذا ذكر الفاعل، نحو: ضرب زيد عمرا، والمفعول/ الثاني عند البصريين
منصوب 2، ويجوز تقديمه على الفاعل، وعلى الفعل إذا كان متصرّفا تقول: ضرب زيد عمرا، وضرب عمرا زيدّ، وعمرا ضرب زيد، وعليه قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ 3، وقوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى 4.
فإن قدّمت الفاعل، والمفعول معا على الفعل، وشغلت الفعل 5 بضمير المفعول، فالأولى أن تقدّم المفعول على الفاعل، ليكون الفعل حديثا عن الفاعل وهو والفعل حديثا عن المفعول، تقول: فى ضرب زيد عمرا: عمرو زيد ضربه، ضربه 6 " خبر عن" زيد"، و" زيد" والفعل خبر عن" عمرو"؛ ولهذا كان النّصب فى قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ" خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ 7 أحسن من الرّفع 8، حيث لم يتقدّم المفعول فى أوّل الكلام.
وقد حذفوا المفعول من الكلام كثيرا؛ لأنّه فضلة؛ وللعلم به، وهو - فى حذفه - على ضربين:
الأوّل: أن يحذف لفظا، ويراد معنى وتقديرا، كقوله تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ (1)، وقوله: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (2)، وقوله: وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ (3) فيمن (4) قرأبه.
الثّانى: أن يحذف لفظا، ويجعل - بعد الحذف - منسيا حتّى كأنّ فعله من الأفعال غير المتعدّية، كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل لما لم يسمّ فاعله وذلك كقولهم:
فلان يعطى ويمنع، وبصل ويقطع، ويأمر وينهى، ومنه قوله تعالى:
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي (5)، وسواء كان مفعولا واحدا أو اثنين أو ثلاثة، فلك حذفها إذا شئت، وكان غرضك إعلام المخاطب بصدور هذه الأشياء منك لا غير، تقول: ضربت وأعطيت وظننت وأعلمت، فلا تذكر مع واحد منها
مفعولا.
الفصل الثانى: فى عوامله
وهى على ضربين: أحدهما: مظهر، والآخر، مضمر.
أمّا المظهر: فنوعان: نوع متعدّ بنفسه، ونوع متعدّ بغيره:
فالمتعدّى بنفسه على ثلاثة أضرب:
الأوّل: يتعدّى إلى مفعول واحد، نحو: ضربت/ زيدا.
والثّانى: يتعدّى إلى مفعولين، وهو - صنفان: أحدهما يجوز الاقتصار على (6) أحد مفعوليه، نحو -: كسوت زيدا ثوبا، والآخر12345
لا يجوز فيه الاقتصار على أحد مفعوليه 1، نحو: ظننت زيدا قائما.
والثّالث: يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين، نحو: نبّأت زيدا عمرا عاقلا.
والمتعدّى بغيره: ما عدّاه إلى المفعول به قرينة 2 نحو: مررت بزيد، وأقمت عمرا، وشرّفت بكرا، وأعطيت زيدا درهما، وأغريت زيدا بعمرو، وأظننت زيدا عمرا عاقلا، فى قول 3.
ويلحق بالعوامل الظّاهرة: اسم الفاعل، والمفعول، والمصدر، والصّفة واسم الفعل.
وهذه العوامل الظاهرة 4 لا يجوز إضمارها؛ لعدم الفائدة بما يبقى؛ فلا تقول: زيدا، وأنت تريد: ضربت زيدا، ولا: زيدا قائما، وأنت تريد:
ظننت زيدا قائما، وسيجئ شرح هذه العوامل مستقضى فى باب العوامل 5.
وأمّا العامل المضمر: فينقسم قسمين: أحدهما يستعمل إظهاره والثّانى يلزم إضماره، وذلك إذا كان فى الكلام
ما يدلّ عليه من قرائن الأحوال أو فحوى الكلام.
فالقسم الأوّل على ضربين:
الأوّل: أن يكون فيه معنى الأمر، والنّهى، وله أمثلة، كقولك: الأسد والجدار، والصّبيّ، أى: احذر، وأخاك، أى: الزمه، والطريق، أى: خلّه، فإذا كرّر هذا فقيل: الأسد الأسد، لزم إضماره، وكان من القسم الثانى، وكقولك لمن رأيته يضرب، أو يشتم: زيدا، وعمرا، أى: اضرب، واشتم، أو رأيت رجلا يحدّث حديثا فقطعه فقلت: حديثك، ولمن صدرت عنه أفعال
البخلاء: أكلّ هذا بخلا؟ ومن كلامهم:" اللهمّ ضبعا 1 وذئبا"، إذا كان يدعو بذلك على غنم، أى: اللهمّ اجمع فيها ضبعا وذئبا، ومن أمثالهم:" الكلاب على البقر 2 " أى خلّ الكلاب.
الضّرب الثانى: ما عرى من الأمر والنّهى، وهو نوعان:
الأوّل: أن يكون/ معه حرف، وله أمثلة: منها قولهم:" الناس مجزبّون بأعمالهم إن خيرا فخير.
وإن شرّا فشرّ"، و" المرء مقتول بما قتل به إن خنجرا فخنجر وإن سيفا فسيف"، تقديره: إن كان خيرا، وإن كان خنجرا، ومن العرب من ينصب الجواب على: جزى خيرا، والرّفع أكثر وأحسن، وقد رفع الأوّل، فقالوا: إن خير فخير، تقديره: إن وقع خير فالّذى يجزون به خير.
فأمّا قولهم:" مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا"، فلا يكون فيه إلّا النّصب، ومنها قولهم:" مررت برجل صالح إلا صالحا 3 فطالح"، ومن العرب من ينصّب الجواب لما سبق، ومنها قولهم:" هلّا خيرا من ذلك" و" ألّا خيرا من ذلك"، أى هلّا تفعل، ويجوز رفعه، ومنها قولهم:" ألا طعام 4 ولو تمرا" و" ائتنى بدابّة (4) ولو حمارا" أى: ولو كان.
واعلم أنّه ليس كلّ حرف يظهر بعده الفعل يحذف فيه الفعل؛ ولكنّك تضمر بعد ما أضمرت فيه العرب من الحروف والمواضع، وتظهر ما أظهروا.
النّوع الثانى: أن لا يكون معه حرف، وذلك إذا رأيت متوجّها وجهة الحاجّ، قاصدا فى هيئتهم قلت:" مكّة وربّ الكعبة" أى: يقصد، وكقولك للمستهلّين - إذا كبّروا -:" الهلال والله" أى: أبصروا ولمن سدّد سهما قبل
القرطاس:" القرطاس والله"، أى: يصيب، ولمن رأى رؤيا:" خيرا وما سرّ"، وخيرا لنا وشرّا لعدوّنا"، أى رأى، ولمن تذكّر رجلا:" أهل ذاك، وأهله"، أى:
ذكرت ومنه قوله تعالى: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً 1، أى: يتّبع، وقولهم:
" كاليوم رجلا"، أى: لم أر، ومنه النّصب بإضمار" أعنى" إذا لم يتضمّن مدحا ولاذما، ولا ترحّما، كقولك: مررت بالرّجل الكريم زيدا، وعليه قوله 2:
وما غرّنى حوز الرّزامىّ محصنا … عواشيها بالجوّ وهو خصيب
و" محصن" اسم الرزامىّ.
القسم الثّانى: ما يلزم إضماره، وهو على ضربين:
الأوّل: ما فيه أمر ونهى، وله أمثلة، منها قولهم:" الأسد الأسد" و" الجدار الجدار"، أى: احذر، و" أخاك أخاك"، أى: الزم، و" الطريق الطريق" أى خلّه، و" الصّبىّ الصّبىّ"، أى: لا تطأه، ومنها قولهم: إيّاك، أى:
إيّاك نحّ، أو باعد، ونفسك، أى: اّتقها واحذرها، ومنها:" إيّاك 3 والأسد"، و" إيّاى والشّرّ"، أى: نحّ الشّرّ عنّى، و" ورأسك والحائط"، أى: خلّ، أودع، و" شأنك والحجّ"، أى: عليك، و" امرأ ونفسه" أى: دعه، و" أهلك (3) والليل"، أى: بادر.
و" كلّ هذا ولاشتيمة 1 حرّ" أى: ائت كلّ هذا ولا ترتكب شتيمة حرّ، و" كليهما (1) وتمرا"، أى: أعطنى.
والواو فى الأمثلة لا تحذف إلّا إذا طال الكلام، كقولهم:" إيّاك أن تفعل" على تقدير: مخافة أن تفعل.
فأمّا إيّاك 2 الفعل، فلا يحسن إلّا فى الشّعر كقوله: 3
فإيّاك إياك المراء فإنّه … إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب
ومنها قولهم:" وراءك أوسع لك"، أى: تأخّر وراءك يكن أوسع لك، ومثله قولهم:" حسبك 4 خيرا لك"، وقولهم:" انته أمرا قاصدا"، أي: انته، وائت أمرا قاصدا، قال سيبويه 5: إلّا أنّ هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل، وإنّما ذكرته؛ لأمثّل لك الأوّل به؛ لأنّه قد كثر فى كلامهم حتّى صار بمنزلة المثل؛ لأنّه لّما قال: انته، علم أنّه محمول على أمر يخالف النّهى، ومثله قوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ 6، أى: وائتوا أمرا خيرا لكم، والكسائىّ 7 يقول:
تقديره: يكن خيرا لكم، والفرّاء 1 يقدّره: انتهاء خيرا لكم، أى: لاوائتوا أمرا خيرا لكم.
وأمّا الثانى: - وهو ما عرى من الأمر والنّهى - فله أمثلة، منها" مرحبا وأهلا وسهلا"، أى: وجدت وأصبت، و" إن تأتنى فأهل اللّيل وأهل النّهار"، أى: تأتى أهلا لك باللّيل والنّهار.
ومنها قولهم:" من أنت زيدا؟ أى: تذكر زيدا، وذاكرا زيدا، ولا يكون إلّا جوابّا، كأنّه لمّا قال: أنا زيد، قال: فمن أنت ذاكرا زيدا، ويجوز رفعه، وهو قليل.
ومنها قولهم:" ما أنت وزيدا؟ " و" مالك وزيدا؟ " و" ما شأنك 2 وزيدا"؟ وهذا من باب المفعول معه.
ومنها قولهم:" زيد من الأسد ذراعا" و" من البدر وجها"، على التّشبيه.
ومنها النّداء المنصوب نحو: يا عبد الله؛ لأنّك إنّما أردت: أدعو عبد الله، فحذفت الفعل؛ لكثرة الاستعمال، وصار" يا" بدلا عنه، وللّنداء باب 3 يرد فيه.
ومنها النّصب على المدح، والذّمّ، والتّرحّم.
أمّا المدح: فكقوله تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ 4 بعد قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا (4)، و" سبحانك الله العظيم"،
و
" الحمد لله الحميد"، و" الملك لله أهل الملك"، وكقول الشاعر 1: إنّا بنى نهشل لا ندّعى لأب وقوله 2: النّازلين بكلّ معترك … والطّيّبون معاقد الأزر وكقوله 3: بنا تميما يكشف الضّباب وأمّا الذّمّ: فكقوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ 4 فيمن نصبه 5
وكقولهم:" مررت به الفاسق الخبيث"، وكقوله 1: سقونى الخمر ثم تكنّفونى … عداة الله من كذب وزور وأمّا الترّحّم: فكقوله:" مررت به المسكين البائس"، وعليه قول الشاعر 2: لنا يوم وللكروان يوم … تطير البائسات ولا نطير ولا يقع هذا النّصب إلّا معرفة، وقد جاء فى الشّعر نكرة، قال 3: ويأوى إلى نسوة عطّل … وشعثا مراضيع مثل السّعالى وليس كلّ موضع يجوز فيه التعظيم، ولا كلّ صفة يحسن أن يعظّم بها، فلا يعظّم إلا العظيم النّبيه عند النّاس، المعروف لديهم بالصّفة الّتى تكون فى
نفسها عظيمة، ولا كلّ ما كان تعظيما لله تعالى كان تعظيما لغيره، فلو قلت:
الحمد لزيد، تريد: التعظيم لم يجز، وإن كان عظيما، وكذلك الذّمّ، والتّرحّم.
والفعل المضمر فى هذا النوع هو" أعنى"، ومنهم من 1 يضمر لكلّ معنى فعله.
ومن هذا النوع الثّانى: المنصوب بالمضمر على شريطة التفسير، نحو قولك: زيدا ضربته، وعمرا مررت به، كأنّك قلت: ضربت زيدا ضربته، إلا أنّك لا تبرزه، ويجوز رفعه، فتقول: زيد ضربته، قال سيبويه: النّصب عربّى كثير، والرّفع أجود 2، وقد تقدّم هذا فى باب خبر المبتدأ 3، ونزيده ها هنا بيانا فنقول: النّصب فى هذا الباب، منه جائز، ومنه لازم.
والجائز، منه مختار، وغير مختار:
أمّا غير المختار: فهو ما ذكرنا من الأمثلة والبيان فى باب خبر المبتدأ نحو: زيدا ضربته، فلم نعده ها هنا.
وأمّا المختار: فله موضعان.
الأوّل: أن تقع الجملة موقعا هو بالفعل أولى، وذلك: أن يقع بعد حرف الاستفهام، أو الأمر، أو النّهى، أو النفى، أو الدعاء، أو بعد" إذا" و" حيث" وأمّا"، ونحو ذلك.
أمّا الاستفهام: فكقولك: أزيدا ضربته؟ والسّوط ضرب به زيد؟
وآلخوان أكل عليه اللّحم؟ وأزيدا أنت محبوس عليه؟ وأزيدا سمّيت به؟ وأزيدا ضربت عمرا وأخاه؟ وأزيدا ضربت رجلا يحبّه؟، لأنّ الآخر ملتبس 4 بالأوّل، بالعطف، وبالصّفة.
وأمّا الأمر والنهيّى فكقولك: زيدا اضربه وعمرا أكرم أباه، وبكرا لا تشتمه، وزيدا لا يضربه عمرو، وخالدا ليقتل أباه عمرو.
وأمّا الدّعاء: فكقولك: اللهمّ زيدا فاغفر له ذنبه، وعمرا أحسن/ الله إليه، وبكرا لا غفر الله له.
وأمّا النّفى: فقولك: ما زيدا ضربته، ومنه قول جرير 1:
فلا حسبا فخرت به لتيم … ولا جدّا إذا ازدحم الجدود
وأمّا" إذا" و" حيث"، فكقولك: إذا عبد الله رأيته فأكرمه، وحيث زيدا تجده فأحسن إليه، ومثله قوله:
إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته 2
وقد أجاز سيبويه 3 رفع ما بعد" إذا" و" حيث" بالابتداء، والمذهب الأوّل 4، وقد ذكرناه فى باب المبتدأ 5.
وأمّا" أمّا" فتقول:" أمّا زيدا فجدعا له"، و" أمّا عمرا فسقيا له ورعيا".
فأمّا الموضع الثانى من المختار: فأن تعطف الجملة على جملة فعليّة كقولك: رأيت زيدا وعمرا أكرمته، ولقيت القوم حتى عمرا لقيته؛ لأنّه لا يعطف
اسم على فعل؛ فإنّك لو رفعت كنت قد عطفت جملة من مبتدأ وخبر هى: عمرو أكرمته، على جملة من فعل وفاعل، هى: رأيت زيدا، ومع النّصب تكون قد عطفت جملة من فعل وفاعل ومفعول هى: أكرمت زيدا أكرمته، على جملة من فعل وفاعل هى: رأيت زيدا؛ فهو أحسن للتّشاكل، ومنه قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً 1، وقوله: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها 2 بعد قوله: وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها 3، وقوله: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ 4؛ وإنّما جاز الرّفع - وإن تخالفت الجملتان - لأن كلّا منهما قد وقع خبرا عن المبتدأ، فحصل التّشاكل من هذا الوجه.
فإن كان المعطوف عليه جملة اسميّة، والمعطوف كذلك فالاختيار الرّفع؛ طلبا للمشاكلة، تقول: زيد ضربته وعمر وكلّمته، فإن حملت الجملة المعطوفة على الجملة الصّغيرة من الجملة الأولى، فالاختيار النّصب عند سيبويه؛ 5 للقرب/ من الجملة الفعليّة الّتى هى ضربته" ومنه قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ 6، فالرّفع 7، على قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي 8، والنّصب 9،
على قوله: تَجْرِي 1.
فإن اعترض بعد الواو ما يصرف الكلام إلى الابتداء، كقولك: لقيت زيدا وأمّا عمرو فقد مررت به، ولقيت بكرا وإذا بشر يضربه عمر"؛ فالرّفع أولى، ويجوز النّصب، وقد قرئ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ 2، بالنّصب 3.
وتقول:" مررت برجل سواء والعدم"، فلا يخلو: أن تجرّ سواء"، أو ترفعه، فإن جررت عطفت" العدم" على المضمر فيه؛ لأنّه مصدر يتنزّل منزلة اسم الفاعل، تقديره: مستوهو والعدم، وإن رفعته أظهرت" هو" بعده، وكان" سواء" خبر مبتدأ مقدّما، و" العدم" عطف على" هو"، و" سواء فى حكم التّثنية، تقديره: مررت برجل والعدم مستويان، لكنه نزّل المصدر منزلته، كقولك: هما عدل.
وأمّا اللّازم: فإن تقع الجملة بعد حرف لا يليه إلّا الفعل، نحو: حرف الشّرط، و" لو"، وهلّا" وأخواتها؛ كقولك: إن زيدا تراه اضربه، و: لو عمرا لقيته أحسنت إليه، وعليه قوله 4:
لا تجزعى إن منفسا أهلكته … وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى
ومن رفع (1) هذا فبفعل مضمر، تقديره: وإن هلك منفس أهلكته، وهو شاذّ، والمذهب (2) الأوّل؛ فلا يقدّر العامل المضمر إلا ما دلّ عليه الظّاهر.
النّوع الثالث: فى المفعول فيه،
وهو الظرف، وفيه مقدّمة، وفصلان، وخاتمة.
المقدّمة:
اعلم أنّ المفعول فيه: اسم لظرفى الزّمان والمكان اللّذين هما من ضرورة المخلوقات، يتضمّنانها تضمّن الوعاء لما فيه، ولا يتصوّر فهمهما دون أن يتضمّنا معنى" فى" من طريق المعنى والكناية، وأن يتعرّيا من لفظها تقول: قمت اليوم، وجلست خلفك، أى: فى/ خلفك؛ ولهذا إذا ظهرت صار الحكم لها؛ تقول: خرجت فى اليوم، وجلست فى الدّار، فصار الظّرفان اسمين مجرورين ب" فى"، وكذلك إذا عريا من معناها صارا اسمين صريحين، تقول: اليوم طويل، وخلفك واسع.
وإعراب الظّرف: نصب، حملا على باقى المفعولات.12
الفصل الأوّل: فى ظرف الزّمان
وفيه فرعان
الفرع الأوّل: فى تعريفه،
وهو عبارة عن مدّة حركة الفلك؛ فمدّة طلوع الشمس على قوم يسمّى نهارا، ومدّة غيبها عنهم يسمّى ليلا، وينقسم قسمين، مبهما ومؤقّتا وكل منهما يكون معرفة ونكرة.
أمّا المبهم، فنحو: الحين، والوقت، والزّمان، وينقسم إلى؛ موغل فى الإبهام، وغير موغل فيه.
أمّا الموغل، فنحو: وقت، وزمان، ولا فائدة فى ذكره مع الفعل؛ إلّا أن يوصف، أو يضاف؛ إذ لفظ الفعل يدلّ عليه،
ويغنى عنه، فلا فرق بين قولك:
غبت وقتا، وبين قولك: غبت؛ لأنّ لفظ الفعل يدلّ على الزّمان مطلقا، وصيغته تدلّ على تخصيصه؛ فإن قلت: غبت وقتا طويلا، وزمان الحّر، حسن.
وأمّا غير الموغل، فنحو: حين، وفى ذكره مع الفعل فائدة؛ لأنّه يدل على زمان معيّن عند قوم، فتقول: انتظرته حينا، ولا تصفه.
وأمّا المؤقّت: فنحو: يوم، وليلة، وشهر، وسنة، وهذا تذكره مع الفعل موصوفا، وغير موصوف؛ لحصول الفائدة به، تقول: صمت يوما، وغبت شهرا، ومن المؤقّت، نحو: شهر رمضان، ويوم الجمعة؛ فهما معرفتان؛ فإن لم ترد رمضان، ولا جمعة بعينها فقلت: خروج الحاجّ شهر رمضان، و: زينة الناس يوم الجمعة؛ كانا نكرتين من وجه؛ لشياعهما فى السّنين والأسابيع وكانا معرفتين من وجه؛ لدلالتهما على شهر ويوم مخصوصين.
وكلّ من المبهم والمؤقّت يستعمل اسما، 1 وظرفا لا غير.
فالأوّل: ما جاز تعاقب/ العوامل عليه، نحو؛ اليوم، واللّيلة، والحين
والزّمان؛ فإذا تضمّنت معنى" فى" كانت ظروفا، وإذا عريت منها كانت اسما كما سبق.
والثّانى: ما لزم النّصب ولم تدخله العوامل الرّافعة، والجارّة، وهو باب مقصور على السّماع، قالوا:" سرنا ذات مرّة"، وذات يوم، وذات ليلة، وليلا ونهارا، وصباحا، ومساء، وسحرا، وسحيرا، وضحى، وعشاء، وعشيّة وعتمة، وذا صباح، وذا مساء، وألفاظ من هذا النحو محفوظة، وذلك إذا أرادوا واحدا من هذه الأوقات ليومهم وليلتهم.
فإن أرادوا سحرا من الأسحار، وعشيّة من العشيّات، استعمل اسما، قال سيبويه: وممّا يختار فيه أن يكون ظرفا، ويقبح أن يكون غير ظرف صفة (1) الأحيان، تقول:" سير عليه طويلا" (2) و" سير عليه حديثا".
الفرع الثانى: فى أحكامها
:
الحكم الأوّل: ظروف الزمان على أربعة أضرب:
الضّرب الأوّل: ينصرف، ويتصرّف، وهو كل ظرف كان على أصل وضعه، نحو: اليوم، والليلة، فالصّرف: عبارة عن
دخول التنوين والتّصرّف: عبارة عن دخول الرّفع والجرّ.
الضّرب الثّانى: يتصرّف، ولا ينصرف، وهو: غدوة - إجماعا -، وبكرة عند بعض العرب.
فأمّا تصرّفهما؛ فلاستعمالهما على أصلهما؛ وأمّا عدم صرفهما فلأنّهما معرفتان بالوضع، ومؤنّثتان، فإذا أرادوا النكرة قالوا: الغداة والبكرة، قال سيبويه: غدوة وبكرة، جعل كلّ واحد منهما اسما للحين، كما12
جعل" أمّ حبين" اسما للدّابّة [معرفة] 1، وقد جوّز الخليل 2 صرفهما، فقال: تقول: أتيتك اليوم غدوة، وبكرة، ويحمل عليه قراءة ابن 3 عامر:
بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ 4، وقال أبو عمرو 5: إذا قلت: لقيته يوما من الأيّام غدوة وبكرة - وأنت تريد المعرفة - لم تنوّن.
ولغدوة مع" لدن" حال لا يكون لغيرها، وهو: أنّ العرب تنصب" غدوة"/ مع" لدن" بتنوين، فتقول: لدن غدوة، وحكم" لدن" جرّ ما بعدها بها، كقوله تعالى: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ 6، وقد روى رفعها 7، وجرّها معها.
الضّرب الثالث: ينصرف، ولا يتصرّف، نحو - عشيّة، وعتمة، وضحوة أمّا صرفها فلأنّها نكرة، وأمّا عدم تصرّفها؛ فلأنها قصرت على أوقات مخصوصة، بغير آلة تعريف، وفى هذا التعليل نظر، وزعم سيبويه، 8 أنّ بعض العرب يجعل عشيّة معرفة.
الضّرب الرّابع: لا ينصرف، ولا يتصرّف، وهو" سحر" إذا أردت سحر
يومك، لم ينصرف؛ لأنّه معرفة معدول عن السّحر، ولم يتصرّف 1؛ لأنّه قصر على وقت بعينه.
الحكم الثّانى: قد أقاموا أسماء ليست بأزمنة مقام الأزمنة؛ اتّساعا واختصارا، وهى على ضربين:
الأول: أن يكون اسم الزّمان موصوفا، فحذف، وأقيم الوصف مقامه تقول: سرت عليه يوما طويلا، فتحذف" اليوم"، وتقيم" طويلا" مقامه، فتقول:
سرت عليه طويلا، وكذلك: حديث، وقديم، وكثير، وقليل، فإذا أقمتها مقام الظروف 2؛ لم تكن إلا ظروفا، ولم تستعمل أسماء.
فأمّا قريب فإنّ سيبويه 3 أجاز فيه الرّفع؛ لأنّهم يقولون: لقيته مذ قريب، وكذلك: مليّ من (3) النّهار قال: والنّصب عندى (3) عربّى كثير؛ فإن قلت: سير عليه طويل من الدّهر، وشديد من السّير، فأطلت الكلام، ووصفته جاز، وكان أحسن وأقوى.
الضّرب الثانى: أن يكون الظرف مضافا إلى مصدر مضاف، فتحذف الظرف؛ اتّساعا وتقيم المصدر المضاف مقامه، نحو:" جئتك مقدم الحاجّ و" خفوق النّجم"، و" خلافة فلان" و" صلاة 4 العصر"، ومنه قوله تعالى:
وَإِدْبارَ النُّجُومِ 5، وقولهم:" سير عليه ترويحتين"، و" انتظرته نحر جزورين"، والمراد فى جميع هذا 6: جئتك وقت مقدم الحاجّ، ووقت خفوق النّجم.
الحكم الثالث: قد اتّسعوا فى/ ظروف الزّمان، فنصبوها: نصب المفعول به، وذلك أن يعرّوها من معنى" فى"، كقولك: سرت يوم الجمعة، كأنّك قد جعلت" يوم الجمعة" مسيرا نفسه، بمنزلة قولك: ضربت زيدا، ويتضح هذا بأن يخبر عنه بالّذى، فتقول: الذى سرته يوم الجمعة، كما تقول:
الذى ضربته زيد، ولا تقول: الذى سرت فيه يوم الجمعة، إلّا أن تجعله ظرفا.
وإن كان الفعل يتعدّى إلى مفعول، أو مفعولين، تعدى إلى الظروف المتّسع فيها، تقول: ضربت زيدا يوم الجمعه، وأعطيت زيدا ثوبا يوم السّبت، فإذا أخبرت عنه بالّذى، قلت: الذى ضربته زيدا يوم الجمعة، فلو كان ظرفا لقلت: الّذى ضربت فيه زيدا يوم الجمعة.
وإذا أضفت إلى الظّرف، خرج عن الظرفيّة، نحو قولك: يا سائر اليوم، و:
يا سارق الليلة أهل الدار 1
والأصل: يا سائرا اليوم، فتنصبه، كما تنصب" زيدا" فى قولك: يا ضاربا زيدا، ثم تضيفه إليه؛ فلا يجوز أن يكون مع الإضافة ظرفا؛ لأنّك لو قدّرت فيه" فى" وجعلته مجرورا بالإضافة، وفيه معنى" فى"، كنت قد فصلت بين المضاف والمضاف إليه بها، ولا يجوز.
ومن باب الاتّساع والإضافة: قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ 2، وقوله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 3، وقد قيل: إنّه أضيف المكر إلى اللّيل والنهار على اتّساع آخر، وهو: المصدر الفاعل 4 من نحو قولهم:" نهارك صائم"
" وليلك قائم".
الحكم الرابع: ظرف الزّمان على ضربين:
أحدهما: ما يستغرقه العمل كقولك: صمت يوما، وغبت شهرا، فالصّوم والغيبة لجميع اليوم والشّهر.
والثانى: ما يكون العمل فى بعضه، كقولك: قدمت يوم الجميعة، خرجت شهر رمضان، فالقدوم، والخروج فى بعض اليوم والشّهر.
ولهذ الحكم ضابط، وهو: أنّه متى كان الظرف جوابا ل" كم" كان العمل مستغرقا له، لأنّها سؤال عن عدد، فلا يقع جوابه إلّا بجميع ما تضمّنه سؤاله، فإن أجبت ببعضه لم يحصل غرضه، فإذا قال: كم صمت؟ قلت:
يومين، مثلا، فلا يكون صومك دونهما، ولا أكثر منهما، ويكون الجواب نكرة كهذا، ومعرفة كاليومين/ المعهودين وأنكرا بن السّراج 1 أن يرد جواب" كم" معرفة، قال: ولا يجوز أن تقول: الشّهر الذى تعلم، لأنّ هذا من جواب" متى" ومتى كان الظرف جوابا ل" متى" كان العمل مخصوصا ببعضه، لأنّها سؤال عن تعيين الوقت؛ فلا يجئ فى جوابه إلّا المخصوص، فإذا قال: متى قدمت" قلت: يوم الجمعة، ولو قلت: يوما، لم يجز، ويجوز أن يقع معرفة بالّلام، فتقول: اليوم المعهود، فأما قولهم 2: سار اللّيل والنّهار والدّهر والأبد، فهو وإن كان لفظه لفظ المعارف، فإنّه فى جواب" كم" ولا يجوز أن يكون فى جواب" متى"؛ لأنّه يراد به التكثير، وليس بأوقات معلومة محدودة، فإذا قيل: سير عليه اللّيل والنهار، فكأنه قيل: سير عليه دهرا طويلا، قال
سيبويه 1: المحرّم وسائر أسماء الشّهور أجريت مجرى الدّهر والليل والنّهار، فهى فى جواب" كم" ولو قلت: شهر رمضان، لكان بمنزلة يوم الجمعة، ولصار جواب" متى"؛ والصيف والشتاء يكونان فى جواب" كم" للعدّة، وفى جواب" متى"، للوقت، وجعل" شهرى ربيع" فى جواب" كم"؛ لأنّ تعريف التثنية كانت بإضافة كإضافة: غلاما زيد، وتعريف" شهرى ربيع كتعريف إضافة" عبد الله".
وتقول فى الأيّام: اليوم الأحد بالرّفع فيهما، وكذا باقى الأيّام، وأجازوا مع الجمعة والسّبت النّصب؛ لما فيهما من معنى الاجتماع والرّاحة.
الحكم الخامس: ما كان من ظروف الزّمان بمعنى" إذ" و" إذا" أضيف إلى الجمل.
أمّا ما كان بمعنى" إذ" فإنه يضاف إلى الجمل، من المبتدأ والخبر والفعل والفاعل، إذا لم يكن الفعل أمرا ولا نهيا، تقول جئتك إذ زيد قائم، وإذ قام زيد وإذ يقوم زيد 2، على حكاية الحال، وإذ زيد يقوم، ولم يجيزوا، إذ زيد قام.
وأمّا إذا كان بمعنى" إذا" فإنّما يضاف إلى الجملة من الفعل والفاعل، تقول: أجيئك إذا قام زيد، وإذا 3 يقوم زيد ولا يحسن: أجيئك إذا زيد قائمّ، وقد أجازة قوم.
والفرق بين" إذ" و" إذا":/ أن" إذ" لما مضى من الزّمان، و" إذا" لما يستقبل منه، ومتى وقع الاسم بعد" إذا" كان مرفوعا بفعل مضمر يفسّره الظاهر، كقوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ 4؛ لاختصاصها بالإضافة إلى الجملة الفعليةّ.
ويجازى ب" إذا" مطلقا، تقول: إذا قدم زيد أكرمتك، ولا يجازى ب" إذ" إلّا إذا دخلت عليها" ما"، كقولة 1:
إذ ما دخلت على الرّسول فقل له … حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس
وقد تقعان للمفاجأة، كقولك: بينا زيد قائم إذ جاء عمرو، وبينما رجل جالس إذا عمرو بالباب، وأكثرهم لا يرى دخولهما فى جواب" بينا" و" بينما"؛ وتقول: بينا زيد قائم إذ جاء عمرو، وبينما عمرو ذاهب لقيه بكر.
والأوقات الّتى تضاف إلى الجمل هى ما كانت حينا وزمانا لا يختصّ به شئ دون شئ، كقولك: أجيئك يوم قام زيد، وحين قام زيد، وزمن قام، وأيّام قام، وليالى قام.
ويقبح فى المؤقّت، نحو شهر وسنة وحول، حتّى قالوا: لا يضاف 2 شئ له عدد، نحو: يومين، وجمعة، وأسبوع، وقد أجاز ابن السّرّاج (2): أخرج يوم عبد الله أمير، وقال الزّجّاج 3: يعجبنى يوم أنت قائم، وعليه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ 4، وقوله:
يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ 5 ومن لم يجز، تأوّل هذا، ونصبه على المفعول به.
ومتى أضفت هذه الظروف إلى الجمل، لم يكن فى الجملة عائد منها إليها، كما يكون ذلك فى الصّفة، والصّلة، والخبر، والحال، تقول: أجيئك حين يقوم زيد، ولا تقول: فيه، وعليه قوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 1، وقوله هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ 2، وهى مع الإضافة إلى الجمل نكرة.
ولك فيها - مع الإضافة - الإعراب، والبناء، والإعراب مع الجمل المعربة الصّدر أكثر وأحسن، كقوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، ومن نصب 3، فيجوز أن يكون الفتحة إعرابا على الظرفيّة 4 وبناء؛ لإضافته إلى فعل، وليس 5 بالكثير، وإن كان صدر الجملة مبنيا فالبناء أكثر/ وأحسن، كقوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ 6، وقوله: مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ 7 بالفتح 8، وقول النابغة 9:
على حين عاتبت المشيب على الصبا … فقلت: ألمّا تصح والشّيب وازع ومتى اقتطعت الظّروف المضافة عن الإضافة فى اللفظ، وأريدت فى المعنى بنيت، كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ (1) أى من قبل الأشياء (2) وبعدها، وقد تقدم هذا مبسوطا فى باب (3) المبنىّ.
الفصل الثانى: فى ظرف المكان،
وفيه فرعان
الفرع الأوّل: فى تعريفه،
وهو محل الموجودات الحادثة، وينقسم قسمين - كظرف الزّمان - مبهما، ومؤقّتا.
أمّا المؤقّت، فهو: ماله نهاية تحصره، وحدّ يحيط به نحو: مكّة، وبغداد، ودار، ومسجد، وهذا يتنزّل منزلة الأسماء غير الظّروف تقول:
رأيت مكّة، وفارقت بغداد، وبنيت دارا، وعمرت مسجدا، كما تقول: رأيت زيدا.
وأمّا المبهم، فهو: ما لا نهاية له تحصره، مجازا، وتمثيلا، وإن كانت الأمكنه - فى الحقيقة - محصورة محدودة، وهو على ضربين:
الأوّل: ما أوغل فى الإبهام، نحو: مكان، وجهة، وأرض، وهذا لا فائدة فى ذكرة مع الفعل، إلا أن يوصف، أو يضاف؛ فلو قلت: جلست مكانا وقعدت جهة، لم يحسن، فإن قلت: جلست مكانا واسعا، وقعدت جهة زيد، جاز وحسن.
والثّانى: غير موغل فى الإبهام، وهو الموضوع للجهات السّتّ، أو ما صلح لها، وينقسم ثلاثة أقسام، قسم يختصّ بواحد من الجهات، وقسم يعمّ الجهات، إلا أنّ له نوع تخصّص بالإضافة، وقسم: عام فيها بلا تخصيص.123
فالأول: خلف، ووراء، وقدّام، وتجاه، وأمام، وتلقاء، وإزاء، ويمين وشمال وفوق، وتحت.
والثّانى: ما كان للجميع، نحو: عندك، ولديك، ودونك، ونحوك، ولدنك وقربك، وصقبك 1، وقريبا منك، وصددك 2. فأوغل/ هذه الظروف" عندك"، لأنّه يقع عليها جميعها، قريبها، وبعيدها، و" قربك" أخصّها؛ لأنّه لا يصلح إلّا للقريب، والباقية فيما بين ذلك.
والفرق بين" عندك" و" لديك": أنّك تقول: المال عندك، وإن لم يكن بحضرتك، ومع" لديك" لا يكون إلا بحضرتك.
والثّالث: نحو: فرسخ، وميل، وشبر، وذراع، وشوط، فهو وإن كان معروف القدر، فإنّه مجهول المحلّ؛ لأنّه يصلح لجميع الأمكنة؛ فدخل فى حيّز المبهمات.
فأمّا" مع" فإنه ظرف مكان؛ بدليل وقوعها خبرا عن الجثّة، فى قولك:
زيد مع عمرو، والألف التى تلحقها فى قولك:" معا" هى بمنزلتها فى: صببت دما، وقيل: بمنزلتها فى" قفا"؛ فهى فى الأوّل بدل من التنوين، وفى الثانى اسم مقصور، والأوّل أكثر، وأقوى.
وهذه الظّروف: منها ما يستعمل اسما: وظرفا، ومنها ما لا يستعمل إلا ظرفا.
فالأوّل: نحو: خلف، وأمّام، ويمين، وشمال، قال الله تعالى: عَنِ
الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ 1، وقال الشاعر 2:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه … مولى المخافة خلفها وأمامها
قال سيبويه: ومن ذلك؛ هو ناحية 3 من الدّار، ومكانا صالحا (3)، و: داره ذات اليمين، وشرقىّ (3) كذا، وذكر أمثلة كثيرة؛ منها قولهم: هم حلّة 4 الغور، أى قصده، و" هو وزن 5 الجبل"، أى: ناحية منه، و: هو زنة (5) الجبل"، أى حذاءه، و" قومك أقطار 6 البلاد".
والثّانى: نحو، عند، ولدن، وسوى، وسواء، إذا أردت بها معنى" غير" فلا تكون إلّا منصوبة على الظّرف، ولا تكون اسما إلا فى الشّعر، كقوله 7:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم … إذا جلسوا منّا ولا من سوائنا
ولا يدخل على" عند" شئ من حروف الجرّ، إلّا" من" لا غير، تقول:
خرجت من عنده، ولا تقول: جئت/ إلى عنده.
وأمّا" لدن": ففيها لغات، منها: لدن، ولدى، ولد، وحكمها: أن يجر بها، على الإضافة، إلّا مع" غدوة" خاصّة، وقد ذكرناه (1).
وسوى، وسواء: حكمهما واحد، فالكسر مع القصر، والفتح مع المدّ تقول:
مررت بمن سواك، وبرجل سواءك، التقدير: برجل قام مقامك، ونزل مكانك.
وأمّا وسط القوم: فإن سكّنت السّين كان ظرفا، وإن فتحتها كان اسما تقول: جلست وسط الدّار، وضربت وسط رأسه، وقد جاءت ساكنة السّين اسما، وهو قليل، قال سيبويه: وليس كلّ مكان يحسن أن يكون ظرفا، فمن ذلك: أنّ العرب لا تقول: هو جوف البيت، ولا هذا داخل الدّار، ولا خارج الدّار، حتى تقول: هو فى جوفها، و: فى داخلها، و: فى حارجها، و: من خارجها (2).
الفرع الثانى: فى أحكامه
: الحكم الأوّل: قد اتّسعوا فى الأمكنة، كما اتّسعوا فى الأزمنة، فجعلوا ما ليس بمكان بمنزلة المكان، وهو فى أسماء مخصوصة، غير مقيسة، فمن ذلك قولهم:" هو منّى منزلة الولد"، أى: فى أقرب المواضع من قلبى، وإن لم ترد - الموضع، ومنه قولهم:" هو منّى منزلة الشّغاف"، و" مقعد القابلة" و" مناط الثّريّا" 3، و" مزجر الكلب (3) "، و" معقد الإزار"، و" هما خطّان جنابتى أنفها (3) "، يعنى الخطّين المكتنفين أنف الظبية، قال سيبويه: وإنما يستعمل من هذا الباب ما استعملته العرب 4، قال ابن السّرّاج: فأمّا ما يرتفع من هذا الباب فقولك: هو منّى فرسخان، وأنت منّى ميلان، وأنت12
منّى عدوة الفرس، وغلوة السّهم، هذا كلّه مرفوع، لا يجوز فيه إلا ذلك؛ لأنّ المعنى: بيينى وبينك فرسخان، ولم ترد: أنت فى هذا المكان؛ لأنّ ذلك لا معنى له 1؛ ومنه:" أنت منّى فوت 2 اليد"، و" دعوة الرّجل" و" أنت منّى مرأى ومسمع 3 "، وبعض الناس ينصب مرأى ومسمعا، ولا يجوز: أنت منّى مربط الفرس، وموضع الحمار، لأنّ ذلك غير/ معروف فى تقريب ولا تبعيد (3) وتقول:
أنت منّى فرسخين، أى: أنت منّى مادمنا نسير فرسخين.
الحكم الثّانى: لك أن تجعل ظروف المكان مفعولات على السّعة، كما فعلت ذلك فى الأزمنة، تقول: سرت أمامك، فتجعل" أمامه" مسيرا نفسه، فإذا أخبرت عنه بالذى قلت: الذى سرته أمامك، ولو كان ظرفا لقلت: الّذى سرت فيه أمامك، وقد بسطنا القول 4 فى ظرف الزّمان بما يغنى عن إعادته ها هنا.
الحكم الثالث: ظرف المكان فيما يستغرفه العمل، وما لا يستغرقه، بمنزلة ظرف الزمّان؛ فتقول فى المستغرق: سرت فرسخا، وفى غير المستغرق:
جلست خلفك، فالسّير لجميع الفرسخ، والجلوس لبعض الخلف.
وتننزّل" أين" فى ظرف المكان، منزلة" متى" فى ظرف الزّمان، يقول القائل: أين جلست؟ فلا تجيبه إلّا بمكان خاصّ، فتقول: خلفك، أو أمامك، ولا يجوز: مكانا، وجهة، ويقال: كم سرت؟ فلا تجيب إلّا بجميع ما سرته، لا أقلّ منه ولا أكثر، فتقول: فرسخان، أو ثلاثة، أو نحو ذلك، ويرد الجواب معرفة، ونكرة، كما قلنا فى ظرف الزّمان.
الحكم الرّابع: لا يضاف من ظروف المكان إلى الجمل إلا" حيث"، وقيل:" لدن"،، وفيه نظر، تقول: أقوم حيث يقوم زيد، وحيث زيد قائم، وحيث زيد يقوم، وقد جاءت فى الشعر مضافة إلى المفرد.
وفيها لغات - هذه أشهرها - منها: حوث، بضمّ الثاء وفتحها، وكسرها فيهما.
وأمّا لدن" فالمعروف إضافتها إلى المفرد، ومن زعم أنّها تضاف إلى الجملة 1، فإنما استدلّ بقول الشّاعر 2:
وأن لكيزا لم تكن ربّ عكّة … لدن صرّحت حجّاجهم فتفرّقوا وأمّا ظروف المكان المضافة إلى المفرد، فإذا قطعت عن الإضافة بنيت كما/ بنى ظروف الزّمان، تقول: جئت من فوق، ومن تحت، ومن عل، قال (1): إذا أنا لم أو من عليك ولم يكن … لقاؤك إلا من وراء وراء وقال (2): ولقد سددت عليك كلّ ثنيّة … وأتيت فوق بنى كليب من عل
الخاتمة
:
فى عوامل الظروف، وهى على ضربين: مظهر، ومضمر.
أمّا المظهر: فعلى ضربين: أحدهما: ما كان متعديا إلى المفعول، والآخر:
ما لم يتعدّ إليه.
فالمتعدّى: يتعدّى إلى ظرفي الزّمان، والمكان؛ مبهمهما، ومؤقّتهما معرفتهما، ونكرتهما؛ لأنّه إذا كان متعدّيا إلى المفعول به فبالأولى أن يتعدّى إلى المفعول فيه، تقول: ضربت زيدا اليوم، ويوما، وحينا، وزمانا بعيدا، وزمن إمرة زيد، ولقيت زيدا مكانا بعيدا، وجهة الشّام، ونحو ذلك.12
وغير المتعدّى: يتعدّى إلى جميع ظروف الزّمان: مبهمها، ومؤقتّها، وإلى المبهم من ظروف المكان، تقول فى الزّمانىّ.
صمت اليوم، ويوما، وغبت حينا وزمانا طويلا، وزمن إمرة فلان، وتقول فى المكانىّ: جلست خلفك، وعندك ومكانا واسعا، ومكان زيد، وسرت فرسخا، وميلا، والفرسخ، والميل، وإنّما كان ذلك؛ لأنّ ظروف الزمان لمّا شاكلت المصادر: فى دلالة صيغة الفعل على خصوص الزّمان دلالتها على المصدر جرت مجراها فى تعدّى نوعى الفعل إليها وحمل عليها المبهم من ظروف المكان؛ لنوع مشابهة بينهما، من جهة التّنقّل والزّوال، والإبهام؛
فإنّ الجهة التى هى خلف" تصير" أماما"، وتزول عن حالها وهى غير محدودة، ولا محصورة؛ فشابهت ظروف الزّمان؛ فأعطيت حكمها.
وأمّا المؤقّت/ من ظروف المكان، فلمّا عدم هذه المشاكلة - وهى دلالة صيغة الفعل على خصوصه - تنزّل منزلة المفعول به فى تعدّى الفعل إليه، فلا تقول: قعدت المسجد، ولا جلست الكوفة، حتّى تجئ بما يعدّى الفعل إليها فتقول: قعدت في المسجد وجلست فى الكوفة، فأمّا: دخلت البيت، وذهبت الشّام، فهو عند سيبويه 1، على حذف حرف الجرّ، تقديره: دخلت إلى البيت، وذهبت إلى الشّام، والمبرّد 2 يقول: إنّه متعدّ بنفسه.
وقد اتّسعوا فحذفوا" في"، وأوصلوا الفعل، قال الشّاعر 1:
لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه … فيه كما عسل الطريق الثّعلب
أي: كما عسل في الطريق.
ويلحق بالفعل في العمل، اسم الفاعل، والصّفة، والمصدر، واسم الفعل، وسيجئ كيفيّة عملها، في باب العوامل 2.
وقد أعملوا فيها رائحة الفعل، كقول الشّاعر 3:
ولقد حميت الحىّ تحمل شكّتى … فرط وشاحى إذ غدوت لجامها
فالعامل فى" إذ": وشاحى، ومنه قوله 1:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
فاستخرج من العلم معنى نصب به الظّرف، وهو: القوّة، والنّجدة، وأنّه شّبّه نفسه بأبى المنهال؛ فعملت المماثلة فى الظّرف، كما عملت فى التّمييز والحال، فى قولك: زيد الشّمس ضياء، والأسد شدّة.
وأمّا العامل المضمر: فعلى ضربين: ضرب لا يجوز إظهاره، وضرب يجوز إظهاره.
فالأوّل: إذا وقع الظرف خبرا لمبتدأ، أو صفة، أو صلة، أو حالا، كقولك: زيد خلفك، والقتال أمامك والمسير يوم الجمعة، والهلال الليلة، تقديره: استقرّ خلفك، وأمامك، ويوم الجمعة، أو مستقرّ خلفك.
ومن هذا القسم ما أضمر عامله على شريطة التفسير، كما سبق فى المفعول به 2، تقول: اليوم سرت فيه، وأيوم الجمعة ينطلق زيد؟ والمكان جلست فيه؟ تقديره: سرت اليوم، وأينطلق زيد يوم الجمعة؟
والثانى: نحو قولك فى جواب من قال: متى سرت؟: يوم الجمعة، وأين قعدت؟: خلفك، وكم سرت؟: عشرين فرسخا، فلك 3 أن تقول فى جوابه: سرت يوم الجمعة، وقعدت خلفك، وسرت عشرين فرسخا، ومثل
قولهم لمن ذكر أمرا قديما ذمّ زمانة: حينئذ الآن، أى: كان ذلك حينئذ واسمع الآن.
النوع الرّابع: فى المفعول له،
وفيه فصلان:
الفصل الأوّل: فى تعريفه
وهو الّذى يقع جوابا لمن قيل له: لم فعلت؟ فيقول: لكذا، فهو إذا السّبب والعلّة لوجود الفعل، ولا بدّ منه لفظا، أو تقديرا؛ لأنّه لازم فعل كلّ مكلف، وهو مقدّر باللّام.
ومعنى" له" فى قولهم: المفعول له: أن تكون تبيينا فاصلا بين المفعول به، والمفعول فيه، والمفعول معه، أو تكون راجعة إلى الّلام، كأنّك قلت: باب الذي فعل الفعل له، أي: لأجله.
ويكون معرفة، ونكرة؛ تقول: زرتك طمعا فى بّرك، وطمع برّك، والطّمع فى برّك، قال الله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ 1.
وقال حاتم (1): وأغفر عوراء الكريم ادّخاره … وأعرض عن شتم اللّئيم تكرما وقال الحارث بن هشام (2): فصددت عنهم والأحبّة فيهم … طمعا لهم بعقاب يوم مرصد التقدير: زرتك للطمع، ويجعلونها فى آذانهم للحذر، وأغفر للادّخار، وأعرض للتكرّم،/ وصددت للطّمع، فحذف الّلام؛ لأنّ الكلام يدلّ عليها، ولمّا حذف، نصب ما بعدها، كما يكون ذلك فى جميع ما يحذف منه حرف الجرّ.
الفصل الثانى فى أحكامه
الحكم الأوّل: للمفعول له شرائط أربع، بها يصحّ أن يكون مفعولا له: الأولى: أن يكون مصدرا؛ ليشتمل المعلّل به على معناه، فيصير هو إيّاه؛ لأنّ معظم هذا الباب على الغرض الذى هو مضمون باجتلاب النّفع، واستدفاع الضّر، ولا يكونان إلّا بالأحداث.12
وليس كلّ مصدر يبين عن هذين النّوعين، ألا ترى أنّ المفعول المطلق مصدر وليس فيه بيان عنهما؛ فلا تدخله الأسماء الصّريحة، تقول: ضربته تأديبا له، فيصحّ فيه أن تقول: تأديبه ضربه، وضربه تأديبه، وتأديبه فى ضربه، وتقول: قعدت عن الحرب جبنا فجبنا، وإن لم يكن غرضا، فهو داخل فى الأوّل؛ لأنّك تقول: قعوده جبنة، وجبنه فى قعوده، ولا يصحّ أن تقول:
ضربتك ضربا، ولا قصدتك مالا، ولا زرتك زيدا؛ لأنّها لا تكون سببا للفعل، ولا غرضا للفاعل.
الثانية: أن يكون العامل فيه فعلا من غير لفظه؛ لأنّه لو كان منه لالتبس بالمصدر المؤكّد؛ فكنت إذا قلت: قمت قياما، [لا] 1 يعلم هل هو غرض؟ أم مؤكّد؟؛ لأنّ الشّئ لا يكون سببا لنفسه؛ إذ يكون عاريا من الغرض.
الثّالثة: أن يكون العامل فعلا لفاعل الفعل المعلّل، تقول ضربته تقويما له؛ فأنت فاعل الضّرب والتّقويم.
الرابعة: أن يكون مقارنا للفعل المعلّل فى الوجود؛ فيكون التقويم مقارنا للضّرب.
فمتى عدمت هذه الشّرائط أو بعضها، بطل فيه النّصب، وظهرت الّلام فى الّلفظ، وذلك بأن يكون اسما غير مصدر، أو مصدرا من لفظ الفعل، كما سبق، أو يكون فعلا لغير الفاعل، كقولك: زرتك إكرامك الزّائرين، أو يكون غير مقارن له، كقولك: زرتك اليوم ضربك زيدا أمس؛ فلا يجوز أن ينتصب
شئ من هذه على المفعول له؛ لأنّ الاسم غير المصدر لا يشتمل عليه الفعل حتّى يقال: هو هو، ولا فعل غيرك يكون فعلا لك، ولا الفعل الواقع أمس يدخل تحت الفعل الواقع اليوم؛ فاحتجت إلى ظهور الّلام؛ فتقول: زرتك لمالك، ولإكرامك الزّائرين، ولمخاصمتك زيدا أمس.
ووجه اختصاص النّصب بما حوى هذه الشّرائط: أنّك إذا قلت:
ضربته تأديبا له، فقد دخل التأديب فى الضّرب؛ فتنصبه؛ لدخوله تحته؛ تشبيها بقولك: ضربته ضربا؛ لأنّ أجناس المصدر داخلة فى جملة الفعل، فأمّا إذا لم يدخل تحته - لعدم الشّرائط أو بعضها - فلا ينصب؛ لأنّ الفعل لا يقتضيه، ويكون ذلك بمنزلة تعدّى" قمت" إلى مفعول به.
الحكم الثانى: المفعول له على ضربين:
أحدهما: أن يكون غرضا صحيحا لفاعل الفعل، نحو: زرتك إكراما لك؛ فغرضك من الزّيارة، إنما هو إكرامه.
والثّانى: أن لا يكون غرضا، ولكنّه علّة وسبب وعذر، كقولك: قعدت عن الحرب جبنا، وتأخّرت عن زيارتك عجزا؛ فليس الجبن غرضا لك، ولكنّه سبب القعود وعلّته، ومنه قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً 1 فهذا سبب، وليس بغرض، التقدير: زيّن لهم التقاطه لهذا، وأروا التقاطه.
لهذا.
وقوم يسمّون هذه اللام لام العاقبة 2.