مركّبة من اللّام وعلّ (1)، وقيل: هما لغتان (2)، تقول: لعلّ المسافر يقدم، ولعلّ الله يشفي المريض، وتقول في الطّمع: اسلك هذه الطريق لعلّك تسلم، وفى الإشفاق: اسلكها لعلّك تصل، فأمّا نحو قول الله تعالى: لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (3) ولَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (4) فإنّما هو ترجّ للعباد.
وقد جاء فيها: لعنّ، وعنّ، ولأنّ، وأنشدوا (5):
عوجا على الطّلل القديم لأنّنا … نبكى الدّيار كما بكى ابن حذام
والفرق بين التّمنّى والرّجاء: أنّ التمنّي يكون فى الممكن والمستحيل، والرّجاء لا يكون في المستحيل، تقول في التّمنّي: ليت الشّباب يعود، ولا تقول:
لعلّ الشباب يعود.
الفرع الثّاني: في أحكامها، وهي كثيرة، فمنها ما يخصّ جميعها، ومنها ما يخصّ آحادها؛ فنذكرها في فصلين:
الفصل الأوّل في الأحكام المشتركة.
الحكم الأوّل: هذه الحروف السّتّة تدخل على المبتدأ والخبر، فتنصب المبتدأ ويصير اسمها؛ تشبيها بالمفعول، وترفع الخبر ويصير خبرها؛ تشبيها بالفاعل.12345
وإنّما عملت لأنّها أشبهت الأفعال فى بنائها ووزنها، وأشبهت" كان" فى دخولها على المبتدأ والخبر، والبصريّ يعملها في الاسم والخبر معا، والكوفيّ يعملها 1 في الاسم ويبقي الخبر مرفوعا كما كان قبل دخولها.
الحكم الثّاني: أخبار هذه الحروف جارية.
كأخبار المبتدأ - غالبا - من المفرد والجملة والظّرف، تقول: إنّ زيدا قائم، وإنّ زيدا أبوه منطلق، وإنّ زيدا قد قام أبوه، وإنّ زيدا في الدّار، ويلزم الضّمير فيها، كما لزم في أخبار" كان"، وقد حذف في الشّعر.
وذهب بعضهم إلى أنّ الفعل الماضي لا يقع خبرا 2 ل" لعلّ" فلا تقول:
لعلّ زيدا قام أبوه، والمذهب: جواز وقوع الماضى خبرا عنها، ومنه قولهم:
أريد المضيّ إلى فلان لعلّه خلا بنفسه، وتقول في الخبر يرد عليك: لعلّى سمعت هذا، وقيل: هذه حكاية حال، وحكى الأخفش: لعلّ زيدا سوف يقوم، ولم يجز: ليت زيدا 3 سوف يقوم.
الحكم الثّالث: إذا اجتمع في الكلام معرفة ونكرة فالاسم المعرفة، والخبر النكرة؛ لأنّ الفائدة معذوقة 4 بالمعرفة، تقول إنّ زيدا قائم، ولا تقول:
إنّ قائما زيد، وقد جاء في التنزيل الاسم نكرة والخبر معرفة؛ للفائدة المطلوبة في الخبر، وهو قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً 5، وأمّا قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى/ النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ 6 فيحتمل التعريف والتنكير، وأمّا مجيئه في الشّعر فكثير.
وتقول: إنّ قريبا منك زيدا، إذا جعلت" قريبا" ظرفا 1، فإذا جعلته اسما قلت: إنّ قريبا منك زيد، وتقول: إنّ بعيدا منك زيد، والوجه: أن تجعل المعرفة اسم" إنّ" فتقول: إنّ بعيدا منك [زيدا] 2، قال سيبويه: وإن شئت قلت: إنّ بعيدا منك زيدا، وقلّما يكون" بعيد منك" ظرفا.
والاسم الواقع موقع الاستفهام، وموقع الشّرط، نحو" أين" و" كيف" و" متى" لا يكون اسما ل" إنّ" وأخواتها؛ لأنّها لا يعمل فيها عامل لفظيّ مقدّما، إلّا الجارّ وحده.
الحكم الرّابع: إذا اتّصلت هذه الحروف بضمير المتكلّم فمنهم من يزيد نون الوقاية ويجمع بين النّونات، فيقول: إنّني، وأنّني، وكأنّني، ولكنّني وليتنى، ولعلّنى، وبعضهم لا يزيد نون الوقاية؛ كراهية اجتماع الأمثال، فيقول:
إنّي وأنّى وكأنّي ولكنّي، ولم يحذف من" ليت" وحدها إلا في الشّعر، قال 3
كمنية جابر إذ قال ليتى … أصادفه ويذهب كلّ مالي
وأمّا" لعلّ" فكثر فيها لعلّى، وقلّ لعلّني.
واختلفوا في النّون المحذوفة: فقيل: هي الأولى 1، وقيل: الثانية، (2) وقيل: الثالثة (3)، وهو مذهب سيبويه 2، فأمّا قولهم:" إنّا" في" إنّنا" فالمحذوف الوسطى 3، وقيل: الأولى (5)؛ لأنّ الثالثة ليست بوقاية فتحذف، وإنّما هي ضمير الجماعة.
الحكم الخامس: إذا دخلت هذه الحروف على ضمير الشّأن والقصّة فالأولى أن لا يحذف؛ لأنّه ضمير منصوب لم يتقدّمه ذكر، وليس بمنزلته في" كان"؛ لأنّه معها مرفوع، وهو يستتر فيها، تقول: إنّه زيد قائم، ومنه قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً 4 وقوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ 5
ويجوز حذفه، فتقول: إنّ زيد منطلق،/ تريد: إنّه زيد منطلق، وقد حذف في الشّعر كثيرا، كقوله 6:
إنّ من لام في بنى بنت حسّا … ن ألمه وأعصّه في الخطوب
وحكى الخليل أنّ بعض العرب يقول:" إنّ بك زيد 7 مأخوذ" على
تقدير: إنّه بك زيد مأخوذ، وإذا حذفته قبح أن يليها فعل، كقولك: إنّ قام زيد، وإنّ يقوم عمرو، تريد: إنّه، فإن فصلت بينها وبين الفعل بظرف جاز أن تقول: إنّ اليوم خرج زيد، وإنّ وراءك يجيء عمرو، ومنه قوله 1: كأنّ على عرنينه وجبينه … أقام شعاع الشّمس أو طلع البدر الحكم السّادس: قد حذفت أخبارها من الذّكر لمّا علمت، معرفة كان اسمها أو نكرة: فالنكرة: قولهم" إنّ مالا وإنّ ولدا وإنّ عددا"، أى: إنّ لهم مالا وولدا وعددا، قال الأعشى 2: إنّ محلّا وإنّ مرتحلا … وإنّ في السّفر إذ مضى مهلا وتقول: إنّ غيرها إبلا وشاء، كأنّه قال: إنّ لنا غيرها، أو إنّ عندنا غيرها إبلا وشاء، فتنصب إبلا وشاء على التمييز والتّبيين، ومثله قوله 3:
يا ليت أيّام الصّبا رواجعا
كأنّه قال: يا ليت أيّام الصّبا لنا رواجعا، أو أقبلت رواجعا
وأمّا حذفها مع المعرفة فكقوله 1:
سوى أنّ حيّا من قريش تفضّلوا … على النّاس أو أنّ الأكارم نهشلا
يريد: تفضّلوا أيضا.
والكوفيّ لا يجيز حذفه 2 إلّا مع النكرة، فأمّا قوله 3:
قالت أمامة لا تجرع فقلت لها … إنّ العزاء وإنّ الصّبر قد نفدا
فإنّ الثانية مكرّرة للتّأكيد؛ لئلّا يعمل عاملان في معمول واحد، أو يكون خبر الأوّل/ محذوفا والألف للإطلاق.
الحكم السّابع: لا يجوز تقديم أخبارها على أسمائها، إلّا فى حالين:
أحدهما: الظّرف والآخر: حرف الجرّ؛ اتّساعا؛ بكثرة وقوعهما في الكلام تقول: إنّ عندك عمرا، وإنّ في الدّار زيدا، وقيل: إنّما قدّم الظّرف وحرف الجرّ خاصّة لأنّهم لو لم يجيزوه لامتنع أن يكون اسم" إنّ" نكرة؛ فإنّ من المبتدأ ما يلزم تأخيره، كقولك: عليك مال، فلولا جواز تقديم الظّرف على الاسم لامتنعت" إنّ" من الدّخول على مثل ذلك، كقوله تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً" 4 وقوله: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ 5، ويلزم لذلك أن يقدّر
عامل الظّرف بعد الاسم؛ لئلّا يقدّم الخبر وهو غير ظرف، والأخفش لا يجيز من الفصل إلّا ما سمع 1
الحكم الثّامن: يجوز أن يفصل بين أسماء هذه الحروف وأخبارها بما يدخل لتوكيد الشيء أو لرفعه، وذلك قولك: إنّ زيدا - والله - ظالم، وإنّ بكرا - فافهم ما أقول - رجل صالح، وإنّ عمرا - هو المسكين - مرحوم؛ لأنّ هذا في الرّفع يجرى مجرى المدح والذّمّ في النّصب، وعلى ذلك تأوّلوا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ 2 ف" أولئك" هي الخبر.
الحكم التّاسع: كما فصلوا بين أسمائها وأخبارها قد فصلوا بينها وبين أسمائها بالظّرف، فقالوا: إنّ في الدّار زيدا قائم، وأنشد سيبويه 3:
فلا تلحني فيها فإنّ بحبّها … أخاك مصاب القلب جمّ بلابله
فإن لم يكن ظرفا لم يجز، لا تقول: إنّ إخوتك زيدا ضارب.
الحكم العاشر: إذا دخلت" ما" على هذه الأحرف كفتّها عن العمل، وهيّأتها لتقع بعدها الجملة من الفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، تقول:
إنّما زيد قائم، وكأنّما أخوك الأسد، ولعلّما زيد منطلق/ وإنّما قام زيد، ولكنّما يقوم بكر، قال الله تعالى: أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ 4 وإنما أنت
منذر من يخشاه 1 وإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ 2.
وبعضهم ينصب ب" ليت" و" لعلّ" و" كأنّ" مع دخول" ما عليها ويجعلها 3 زائدة لا كافّة؛ فيقول [ليتما] 4 زيدا منطلق، ولعلّما عمرا ذاهب، وكأنّما بكرا قائم، وينشد هذا البيت نصبا ورفعا، قال 5:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد
وأجاز الأخفش 6 ذلك فى" إنّ" و" أنّ" و" لكنّ"؛ على أنّ" ما" زائدة.
ونظير دخول" ما" على" إنّ" دخولها على" بعد" في قوله 7:
أعلاقة أمّ الوليّد بعد ما … أفنان رأسك كالثّغام المخلس
جعل" بعد ما" بمنزلة حرف واحد، وابتدأ ما بعده.
وقد حدث من ائتلاف" ما" مع، أنّ معنى لم يكن من قبل، وهو: قصر الحكم على الذّات، أو قصر الذّات (1) على الحكم، تقول: إنّما زيد قائم، فيقتصر القيام على" زيد"، وإنّما القائم زيد، فتقتصر" زيدا" (1) على القيام، ومثله قوله تعالى: إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (2)، إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ (3).
الفصل الثّاني: في الأحكام المختصّة
الحكم الأوّل: قد اختصّت" إنّ" المكسورة، دون أخواتها، بدخول لام الابتداء على خبرها واسمها ومعمول خبرها.
أمّا الخبر: فإذا لزم موضعه، ولم يكن فعلا ماضيا، كقولك: إنّ زيدا لقائم، وإنّ زيدا ليقوم، ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ 4، وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ 5. وأمّا الاسم: فإذا فصل بينه وبينها بالظّرف، نحو: إنّ في الدّار لزيدا، ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً 6.
وأمّا معمول الخبر: فإذا تقدّم على الخبر، تقول: إنّ زيدا لفي الدّار قائم، ومنه قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ 7.123
فإن كان الخبر جملة اسميّة دخلتها الّلام متقدّمة/ تقول: إنّ زيدا لوجهه حسن، وأجازوا: وجهه لحسن، وليس بالعالي.
فإن كان جملة فعليّة ماضية لم تدخل اللّام عليها؛ فلا تقول: إنّ زيدا لقام أبوه، فأمّا دخولها عليه في القسم، كقولك: والله لقام زيد، وقوله 1:
لناموا فما إن من حديث ولا صالى
فهذه اللّام هي الّتي إذا دخلت على المستقبل معها النّون غير مقدّر فيها الابتداء، كقولك: علمت أنّ زيدا ليقومنّ.، وعلمت أنّ زيد القام، فلا تكسر" أنّ" كما كنت تكسرها في قولك: أشهد إنّ محمّدا لرسول الله، وأعلم إنّ بكرا لقائم؛ فإنّك حينئذ تكسر" إنّ" وتعلّق الفعل فلا تعمله.
وحكى سيبويه أنّ هذه اللّام دخلت على المستقبل قليلا، قال: قد يستقيم في الكلام: إنّ زيدا ليضرب، وليذهب، ولمّا يقع الفعل، والأكثر على ألسنتهم: 2 ما أعلمتك، قال ابن السّرّاج: وهذه اللّام لا يجوز أن تدخل على حرف الجزاء، نحو: إنّ زيدا لئن أتانى أكرمه، ولا على النّفى ولا الحال ولا الصّفة 3 ولا التوكيد، وأمّا قوله 4: إنّ أمر أخصّني عمدا مودّته على التّنائى لعندى غير مكفور
فتقديره: لعندي مشكور؛ لأنّ ما بعد المضاف لا يعمل فيما قبله، إلّا مع" غير" في قولك: أنا زيدا غير ضارب.
وإنّما اختصّت ب" إنّ" دون أخواتها لاجتماعهما في التأكيد وجواب القسم؛ ولأنّ أخواتها 1 أزالت معنى الابتداء من الكلام الّذي تدخل عليه.
وقد أدخلوا اللّام في خبر" أنّ" المفتوحة فى الشّعر، وجعلها بعضهم 2 زائدة، كما جعلها بعض القرّاء زائدة في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ 3 ففتح 4.
وأدخلوها في خبر" لكنّ" في الشّعر، قال 5:
ولكنّني من حبّها لعميد
وقد تأوّلوا ذلك، فقالوا: إنّ الأصل: لكنّ إنّنى لعميد، كما أنّ أصل قوله تعالى: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي 6 لكن أنا، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون" لكن" وأدغمت فى النّون بعدها 7.
الحكم الثّانى: قد اختصّت" إنّ" المكسورة و" لكنّ" دون أخواتهما في العطف على اسمهما بعد خبرهما، بالنّصب على الّلفظ، والرّفع على الموضع؛ لبقاء معنى الابتداء معهما وزواله مع أخواتهما؛ تقول: إنّ زيدا قائم وعمرا،
وعمرو، ولكنّ زيدا منطلق وبشر [وبشرا] 1، ومنه قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها 2 وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ 3 قرئ:
بنصب" السّاعة" و" البحر" ورفعهما؛ فالنّصب: على لفظ اسم 4 " إنّ"، [والرّفع] 5 إما على موضع" إنّ" وما عملت فيه، أو على المضمر فى الخبر إن كان مشتقا، أو على الابتداء المستأنف، والأولى أن يؤكّد المشتقّ، تقول: إنّ زيدا قائم هو وعمرو.
فإن عطفت على باقى أخواتهما بعد الخبر فلا يجوز الرّفع؛ إلّا أن يكون على المضمر في الخبر المشتقّ أو على الابتداء المستأنف، فإن لم يكن الخبر مشتقّا قبح فيها الرّفع.
فإن عطفت على اسمها جميعها قبل الخبر فالنّصب لا غير، تقول: إنّ زيدا وعمرا قائمان، وكذلك باقيها، فأمّا قول
الشّاعر 1:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله … فإنّى وقّيار بها لغريب
فخبر" قيّار" محذوف، و" غريب" خبر" إنّ"؛ ولهذا أدخل اللّام عليه، ويجوز أن يحذف خبر" إنّ"، ويجعل" غريب" خبر" قيّار"؛ لأجل الفصل.
وأجاز الكسائيّ الرّفع قبل الخبر 2؛ فيقول: إنّ زيدا وعمرو ذاهبان.
فأمّا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ 3؛ فإنّ سيبويه يجعل خبر" الصائبون" محذوفا؛ استغناء بما قبله/، وأنّ الكلام على التقديم 4 والتأخير، تقديره: والصابئون كذلك، ومنهم من يقول: إنّ" إنّ" لمّا لم يظهر عملها جاز العطف على 5 موضعها قبل الخبر، على مذهب الكسائىّ، ومنهم من يقول: إنّه
معطوف على المضمر 1 فى" هادوا".
وأمّا قوله تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 2 فالرّفع 3 على أنّه خبر مبتدأ 4 محذوف، أو على البدل من المضمر في 5 " يقذف"، والنّصب 6 على أنّه صفة اسم 7 " إنّ"، فتقول على ذلك: إنّ زيدا منطلق العاقل اللبيب؛ فتنصب" العاقل" و" اللبيب"، وترفعهما.
وقد أجاز سيبويه العطف على موضع" أنّ" المفتوحة 8، وأنشد 9
فلا تحسبي أنّي تخشّعت بعدكم … لشئ ولا أني من الموت أفرق
ولا أنا ممّن يزدهيه وعيدكم … ولا أنّنى بالمشى في القيد أخرق (1)
وعليه حمل سيبويه (2)، وقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (3) وقوله سبحانه: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (4) ثم قال: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ (4) بالرّفع (5)، وقال بشر (6):
أبى لبنى خزيمة أنّ فيهم … قديم المجد والحسب النّضار
فعطف" الحسب" على موضع" أنّ" وزعم سيبويه أنّ ناسا من العرب يغلطون فيقولون: إنّهم أجمعون ذاهبون" (7)، و" إنّك وزيد ذاهبان".
الحكم الثّالث: فى الفرق بين" إنّ" و" أنّ"، وهو موضع كثير الاشتباه؛ فلذلك بسطنا القول فيه، وأوردناه فى أربعة تعاليم.
التّعليم الأوّل: القول الجامع في الفرق بينهما:
أنّ الموضع الذي يدخلان عليه لا يخلو؛1234567
أن يكون مختصّا بإحدى الجملتين الاسميّة والفعليّة، أو شائعا فيهما، فإن كان شائعا صلح ل" إنّ" المكسورة، وذلك فى خمسة مواضع:
الأوّل: الابتداء، تقول: إنّ زيدا قائم، وإنّ زيدا يقوم؛ لأنّك تقول: زيد قائم، ويقوم زيد؛ فيكون كلاما تاما، والجملتان فيه صالحتان.
الثّاني: إذا كانت صلة للّذي، كقولك: أعطيته ما إنّ شرّه خير من جيّد ما معك، ومنه قوله تعالى: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ 1.
الثالث: أن يقع بعد القسم، كقولك: والله إنّ زيدا قائم، وكقوله تعالى:
تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ 2
الرّابع: إذا دخلت في خبرها اللّام، في قولك: إنّ زيدا لقائم.
الخامس: أن تقع بعد القول حكاية، نحو: قلت: إنّ زيدا قائم؛ لأنّك تحكي الكلام مبتدئا، والحكاية لا تغيّر الكلام عمّا كان عليه، قال سيبويه:
كان عيسى 3 يقرأ هذا الحرف فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ 4 على الحكاية لقوله 5، وابن السّرّاج جعله على ارادة 6
القول.
فهذه المواضع الخمسة تقع فيها الجملتان: الاسميّة والفعليّة، فتختصّ ب" إنّ" المكسورة؛ لأنّها تكون فيهنّ غير معمولة لشئ بخلاف المفتوحة؛ فإنّها لا تقع إلّا معمولة.
فأمّا إذا كان مختصا بإحدي الجملتين اختصّ بالمفتوحة كوقوعها بعد" لو" و" لولا"، تقول لو أنّك جئتني أكرمتك، ولو أنّك قمت لقمت؛ لانّ" لو" تختصّ بالجملة الفعليّة، و" لولا" تختصّ بالجملة الاسميّة؛ فلا يكون بعد هذا ونحوه إلّا المفتوحة.
التعليم الثانى: قد يقع من المواضع ما يحتمل الاختصاص والشّيوع؛
فيجوز فيه وقوع المفتوحة والمكسورة، وله أمثلة.
منها: قولك: أوّل ما أقول أنّي أحمد الله؛ فإن جعلتها خبر المبتدأ فتحتها، كأنّك قلت: أوّل مقولي حمد الله، وإن قدّرت الخبر محذوفا كسرتها على الحكاية، تقديره: أوّل قولي إنّي أحمد الله حسن أو صالح.
ومنها/: وقوعها بعد «إلّا»، تفتح وتكسر باختلاف تقديرين، فإن كان معني الكلام الابتداء كسرتها، تقول: ما قدم علينا أمير إلّا إنّه مكرم لى، قال سيبويه: ودخول اللّام هاهنا يدلّك على أنّه موضع 1 ابتداء، قال الله تعالي:
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ 2 وقد فتحها سعيد
بن جبير 1 وجعل اللّام زائدة.
فإن نزل ما بعد إلّا» عن الابتداء، فتحت، تقول:
ما غضبت عليك إلا أنّك فاسق، كأنّك قلت: إلا لأنّك فاسق.
فأمّا قوله تعالى:
وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ 2 فموضعه رفع، تقديره: ما منعهم 3 إلّا كفرهم؛ ولذلك فتحت.
ومنها: وقوعها بعد «أما»، و «وألا» الخفيفتين، تقول: أما إنّه ذاهب، وألا إنّه منطلق؛ فالكسر على الابتداء، والفتح على تقدير: حقّا أنّه ذاهب، وتقول: أما والله إنّه ذاهب، فالكسر علي القسم، والفتح علي ما سبق.
ومنها: نحو قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ 4 فالكسر على الابتداء 5، والفتح 6، قال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: «ائت
السّوق أنّك تشتري لنا شيئا» 1، أي: لعلّك تشتريه، فكأنّه قال: لعلّها إذا جاءت لا يؤمنون.
ومنها: وقوعها بعد «حتّى»، فإن كانت للانتهاء كسرتها؛ تقول: قال القوم ذاك حتّى إنّ زيدا يقوله، وقدم الحجّاج حتّى إنّ المشاة قدموا، وأحال سيبويه 2 أن تقع المفتوحة هاهنا.
وإن كانت العاطفة فتحتها فقلت: قد عرفت أمورك حتّى أنّك صالح، وكذلك وقوعها بعد «إذا» تقول: مررت به فإذا إنّه يقول، بالكسر، وسمعت رجلا من
العرب ينشد هذا البيت كما أخبرتك 3 به:
وكنت أرى زيدا كما قيل سيّدا … إذا إنّه عبد القفا واللهازم
ومنهم من يفتح «إنّه» على ما سبق من القول في «أنّى أحمد الله»، وعلى التّقديرين، إمّا: حذف الخبر، أو البناء على الأوّل.
والكسر فى هذا: الوجه.
ومنها: وقوعها بعد أفعال الشّكّ واليقين، تقول: علمت أنّ زيدا قائم، فتفتح، فإذا جئت باللّام كسرت، وعلّقت الفعل، كقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ 4 وقوله: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ 5، وتقول: ظننت زيدا إنّه منطلق، فتكسر، ولا يجوز فيه الفتح؛ لأنّه يصيّر المعنى: ظننت زيدا
الانطلاق، ولو قلت: ظننت أمرك أنّه منطلق، فتحت؛ لأنّ الأمر انطلاق.
وهذا التّعليق إنّما يكون فى أفعال الشك واليقين، ولا يجوز فى غيرها من الأفعال؛ فلا تقول: وعدتّك إنّك لخارج.
وتقول: علمت أنّ زيدا لينطلقنّ، فتفتح؛ لأنّ هذه اللّام لام القسم؛ لدخول النّون معها، وليست لام الابتداء.
التعليم الثّالث: الجملة الّتى تدخل عليها المكسورة باقية بعد دخولها على استقلالها بإفادتها،
ولا تنتقل عن بابها، والجملة التى تدخل عليها المفتوحة تنقلها إلى حكم المفرد، كما ذكرنا، وتعاملها معاملة المفرد، ولا تصدّر بها الجملة كما تصدّر بأختها، بل إذا وقعت فى موضع المبتدأ لزم تقديم الخبر عليها، تقول: حقّ أنّ زيدا قائم، ولا تقول: أنّ زيدا قائم حقّ، فإن قلت: فى الدّار أنك منطلق، ارتفع «أنّ» بالظّرف ارتفاع الفاعل بفعله، قال سيبويه: يقبح أن تقول: أنّك منطلق بلغني، أو عرفت (1)، وإن جاز ذلك مع «أن» الخفيفة النّاصة للفعل: كقوله تعالي: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (2) ولا يجوز: أنّ صومكم خير لكم، كما أنّه يجوز أن تثول: ليت أنّ زيدا منطلق، ولا يجوز: ليت أن يقوم زيد، حتّى تأتي بالخبر عن «ليت» (3).
التعليم الرّابع: معنى ما تدخل/ عليه المفتوحة بدخولها:
المصدر، بعد أن كان مبتدأ أو خبرا، وينسبك من مجموع الكلام معنى ذاك، تقول: بلغنى أنّ زيدا قائم،123
معناه: بلغنى قيام زيد، وبلغنى ذاك، قال ابن السّرّاج: وتجعل الكلام شأنا وقصّة وحديثا 1، يقول القائل: ما لخبر؟ فتقول: الخبر أنّ الأمير قادم، ولا بدّ من أن يكون قد عمل فيها عامل، أو تكون مبنيّة على شيء قبلها، وجملة مواضعها:
إمّا مرفوعة بالفعل وما أشبهه، نحو: بلغني أنّ زيدا قائم.
وإمّا منصوبة، كقولك: علمت أنّ زيدا منطلق.
وإما مجرورة بالجارّ مظهرا أو مقدّرا، فالمظهر نحو: جئتك 2 لأنّك كريم، وعجبت من أنّك قائم، والمضمر، كقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ 3 أي: ولأنّ المساجد 4 ولا تتقدّم على عاملها منصوبة، وأمّا الرّافع والجارّ فلا يتقدّم معمولهما عليهما.
الحكم الرّابع: لا يجوز إدخال «إنّ» المكسورة على «أنّ» المفتوحة، فيقال: إنّ أنّ زيدا في الدّار، فإن فصل بينهما جاز، فتقول: إنّ عندنا أنّ زيدا فى الدّار، وإنّ لك أنّك مكرم، فأجروه مجري قولهم: إنّ فى الدّار لزيدا، لمّا فصلوا أدخلوا اللّام، قال الله تعالى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى 5، فإن عطفت جاز لك الكسر والفتح، كقوله تعالى: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها
وَلا تَضْحى 1 وقوله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ 2 قال الخليل: ولو قال: فإنّ له، كانت عربيّة جيّدة 3، وقد قرئ:
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ 4؛ بالفتح 5 والكسر 6، على اللّفظ 7 والاستئناف.
وتبدل «أنّ» المفتوحة ممّا قبلها إذا كان حديثا وقصّة، تقول: بلغني الحديث أنهم منطلقون، وقد تبدل ممّا ليس حديثا لا وقصّه؛ لاشتمال المعنى عليه، كقوله تعالي وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ 8 وقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ 9 وكقولك: قد علمت أنّه إذا قال سيفعل.
الحكم الخامس: «إنّ» و «أنّ» قد يخفّفان/ فتكون كلّ واحدة منهنّ على أربعة أضرب.
أمّا المكسورة: فتكون شرطيّة، ونافية، وزائدة، ومخفّفة.
أمّا الشّرطيّة فتذكر في 1 بابها، وأمّا النّافية والزّائدة، فتذكران في أبنية 2 الحروف.
وأمّا المخفّفه: فيلزم خبرها اللّام، للفرق بينها وبين النّافيه، كقولك: إن زيد لقائم، وكقوله تعالى" وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً 3 التقدير: إنّ زيد القائم، وإنها كانت لكبيرة.
ويقع بعدها الاسم والفعل الدّاخل علي المبتدأ أو الخبر، كقوله تعالي وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ 4 وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ 5 وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ 6.
وقد دخلت على غير هذه الأفعال في قولهم: إن يزينك لنفسك وإن يشينك لهيه 7، ومنه قول الشّاعر: 8
شلّت يمينك إن قتلت لمسلما … وجبت عليك عقوبة المتعمد
وهذا قليل.
والكوفيّ يقدّر هذا ب" ما" و" إلّا" تقديره: ما وجدنا أكثرهم 1 إلّا فاسقين والقياس: أن لا تعمل 2 المخففة، وعليه قرئ إِنْ هذانِ لَساحِرانِ 3 في أحد الوجوه 4؛ اتّباعا لخطّ المصحف 5. وقد أعملها بعضهم فقال: إن زيدا يقوم، ولم يحتج إلى اللّام، وحكى سيبويه عن الثّقة أنّه سمع من العرب من يقول: إن زيد المنطلق 6،
وقرأ نافع: 7
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ 8
وأمّا المفتوحة: فتكون مصدريّة مع الفعل، ومفسّرة، وزائدة، ومخفّفة؛
فالمصدريّة تذكر مع نواصب 1 الفعل، والمفسّرة والزّائدة تذكران 2 في أبنية الحروف.
وأمّا المخفّفة: فلا بدّ لها من العمل في مظهر أو مضمر، تقول: علمت أن زيد منطلق، التقدير: أنه زيد منطلق، ومنه قوله تعالى وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 3 فالاختيار: أن ترفع ما بعدها، على أن تضمر 4 فيها الهاء، ولو نصبت بها، وهي مخفّفة، جاز على أن تضمر الهاء 5.
وتليها الأسماء والأفعال.
أمّا الفعل: فإن كان/ مستقبلا فصل بينهما في الإيجاب ب «السّين» و «سوف» و «قد»، وفي النّفي بحروفه؛ تقول: علمت أن سيقوم، وسوف يقوم، وقد يقوم، وأن لا يقوم، وعليه قوله تعالي: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى 6 وزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا 7 وأَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا 8.
وإن كان الفعل ماضيا فصل بينهما في الإيجاب ب «قد» نحو: علمت أن قد قام.
وأما في النّفي فقياسه: أن ينفى ب «ما»؛ لئلّا يلتبس بالدّعاء، كقولك:
علمت أن ما قام.
فإن كان ماضي المعنى مستقبل اللّفظ فتدخله «لم» كقوله تعالي:
أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ 1.
وهذه الفواصل لا بدّ منها، وقد قرأ مجاهد 2: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ 3. والفارسيّ يذهب إلى أنّها في قوله تعالى: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا 4 مخفّفة 5، واستغني ب «لا» قبلها عن الفاصل، وكذلك هي مخفّفة في قوله تعالى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى 6 بغير فاصل؛ لما فيها من النّفي؛ ولأنّها فعل جامد؛ فبعد عن الأفعال.
وأمّا الاسم إذا وليها: فلم يحتج إلى عوض، تقول: علمت أن عمرو ذاهب، وكقوله 7:
في فتية كسيوف الهند قد علموا … أن هالك كلّ من يحفى وينتعل 8
وأمّا قولهم:" أما أن يغفر الله لك" و" ما أن جزاك الله خيرا"؛ فإنّما جاز لأنّه دعاء.
وأمّا مواضع هذه المخفّفة فبعد الفعل المحقّق، كعلمت، ورأيت ووجدت.
ومواضع المصدريّة: بعد أفعال الطّمع والاشفاق؛ كطمعت، ورجوت وخفت.
فإن قويت أفعال الطّمع فقربت من اليقين جاز دخول المخفّفة عليها، كقوله 1:
ولا تدفنانى في الفلاة فإنّني … أخاف إذا مامتّ أن لا أذوقها
[وبعد أفعال الظّنّ، مثل] 2 حسبت، وظننت، وخلت، فإن قربت من باب العلم واليقين كانت المخفّفة بعدها، كقوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ 3 بالرّفع 4، تقديره: حسبوا أنّه لا تكون فتنة، أي 5: تيقّنوا، وإن كانت على بابها من الظنّ كانت المصدريّة بعدها، وعليه قرئت هذه الآية بالنّصب 6، ومثله قوله تعالى الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا 7.
الحكم السّادس: قد أبدلوا من همزة" إنّ" المكسورة هاء؛ فقالوا:
" لهنّك لرجل 1 صدق"، قال الشّاعر 2:
ألا يا سنابرق على قلل الحمى … لهنّك من برق عليّ كريم
قال سيبويه: وهذه كلمة يتكلّم بها العرب في حال اليمين، وليس كلّ العرب 3 يتكلّم بها، ولحقت هذه الّلام كما لحقت" ما" حين قلت: إنّ زيدا لما لينطلقنّ، فالّلام الأولى في" لهنّك" لام اليمين، والثّانية: لام" إنّ" وهي في" لما لام" إنّ"، وفي" لينطلقنّ" لام اليمين؛ لدخول النّون معها.
وتكون" إنّ" بمعنى" نعم" وستجيء فى أبنية الحروف 4.
وكذلك أبدلوا من همزة" أنّ" المفتوحة" عينا" في لغة تميم إبدالا مطّردا 5؛ فقالوا: يحسب عنّى قائم، أي: يحسب أنّي قائم.
الحكم السّابع:" كأنّ" تعمل مثقّلة كما سبق، ومخفّفة عند بعضهم، كقول الشّاعر 1: ووجه مشرق النّحر … كأن ثدياه حقّان ويروى: ثدييه 2 وقد أجازوا: مررت [كأن زيد] 3 أي: كزيد؛ و" أن" زائدة توكيدا، ومثله قول اليشكريّ 4: فيوما توافينا بوجه مقسّم … كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم فجرّ" ظبية" على زيادة" أن"، ويجوز نصبها، على إعمالها، ورفعها، على إضمار اسمها فيها.
وقد نصبوا الحال عنها مثقّلة، قال 1 كأنّه خارجا من جنب صفحته … سفّود شرب نسوه عند مفتأد الحكم الثّامن: قد أضمروا في" لكنّ" اسمها، ورفعوا ما بعدها، كقول الفرزدق 2: فلو كنت ضبّيّا عرفت قرابتى … ولكنّ زنجىّ عظيم المشافر،
كأنّه قال: ولكنّك زنجيّ عظيم المشافر لا تعرف قرابتي، قال سيبويه: والنّصب أكثر في كلام 1 العرب، ويكون الخبر محذوفا؛ تقديره: رجل يعرف قرابتى، وقدّره قوم ب" أنت" 2. الحكم التاسع: من العرب من ينصب الاسم والخبر ب" ليت"؛ حملا لها على" أتمنىّ" أو" وددت"؛ فتقول: ليت زيدا قائما، وعليه أنشدوا: يا ليت أيّام الصّبا رواجعا 3 وقوله 4: فليت اليوم كان غرار حول … وليت اليوم أيّاما طوالا 5 وروى الكسائيّ:" ليت الدّجاج مذبّحا" والبصّريّ ينصب ما كان من هذا، على الحال 6، ويحذف الخبر، كما حذفوه من قولهم: ليت شعري أزيد منطلق أم عمرو، ف" شعري" اسم" ليت" وخبرها محذوف، والجملة بعدها منصوبة ب" شعرى"، وأغنت عن الخبر.
وقد امتنعوا من الجمع بين" ليت" و" سوف"، ولم يمتنعوا في" لعلّ"، تقول:
لعلّ زيدا سيقوم، وسوف يقوم، ولا تقول: ليت زيدا سوف يقوم.
الحكم العاشر: زعم أبو زيد أنّ من العرب من يجرّ 1 ب" لعلّ" وأنشد 2:
فقلت ادع أخرى وارفع الصّوت دعوة … لعلّ أبي المغوار منك قريب
وقد أدخل بعضهم" أن" مع المضارع فى خبرها فقال: لعلّ زيدا أن يقوم 3، وأنشد 4:
لعلّك يوما أن تلمّ ملمّة … عليك من الّلائي تركنك أجدعا
تشبيها ل" لعلّ" ب" عسى"، كما شبّه" ليت" ب" وددت"، وبعضهم جعل الجثّة (1) الحدث؛ اتّساعا، كما قال (2): فإنّما هي إقبال وإدبار وبعضهم جعل الخبر محذوفا، تقديره: تهلك لأن تلمّ ملمّة، و" أن" مفعول له.
النّوع الثّاني فى المشبّه ب" ليس"،
وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: في تعريفها:
اعلم أنّ المشابهة تقتضي تأثّرا، وهذا قياس فى العربيّة مستمرّ؛ ألا ترى أنّ ما بني من الأسماء إنّما بنى لشبه الحروف، وأنّ ما أعرب من الأفعال إنّما أعرب لمشابهته الأسماء، وأنّ ما أعمل من الأسماء، أو منع الصّرف فلمشابهتة الأفعال؟ فكذلك" ما" النّافية لمشاركتها" ليس" في نفي الحال، وفي الدّخول على المبتدأ والخبر، ودخول" الباء" فى خبرها، حملها أهل الحجاز 3 في العمل عليها بشريطة، فقالوا: ما زيد قائما.12
وبنو تميم لا يعملونها، وسيبويه يجعل القياس 1 لهم.
وقد أجمع القرّاء على لغة أهل الحجاز في قوله تعالى: ما هذا بَشَراً 2 واختلفوا في قوله تعالى ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ 3 رفعا 4 ونصبا 5.
فإن أدخلت في خبرها الباء جررته بها فقلت: ما زيد بقائم.
وأكثر ما يجئ في الشّعر: اللّغة التميميّة.
ولفظة" ما": تقع في الكلام على معان كثيرة، منها هذه النّافية، وهي موضوعة لنفى الحال فى قولك: ما يفعل زيد،
وما زيد قائم، ولنفي
الماضي، إذا أريد تقريبه من الحال، كقولك: ما فعل زيد، قال سيبويه: أمّا" ما" فهي نفي لقول القائل: هو يفعل، إذا كان فعل حال، إذا قال: لقد فعل، فإنّ نفيه (1): ما فعل.
وأمّا باقي معانيها: فسنذكرها في أبنية الحروف (2).
الفرع الثّانى: فى أحكامها:
الحكم الأوّل: لكلّ أصل من القوّة ما يفضل به مشبهه، ألا ترى أنّ الفعل أقوى في العمل من اسم الفاعل، وأنّ اسم الفاعل أقوى في العمل من الصّفة المشبّهة به؟ فكذلك" ما" و" ليس"، فعملت" ليس؛ في المعرفة والنكرة، وتقدّم خبرها على اسمها إجماعا، وعليها عند سيبويه 3، ويفصل بين اسمها وخبرها ب" إلّا" وعملها باق عليها.
ولمّا كانت" ما" فرعا عليها نقصت عنها، فاذا تقدّم خبرها، أو فصل بين اسمها وخبرها ب" إلّا"، أو جاء بعده ما ينقض النفى، بطل عملها.
وارتفع الخبر إجماعا، لنقص أسباب المشابهه بينها وبين ما أشبهته، فتقول:
ما قائم زيد، وما زيد إلّا قائم، وما زيد قائما، بل قاعد، وما عمرو جالسا لكن قائم، فارتفع ما بعد" بل" و" لكن" لإخراجهما ما بعدهما إلى الإيجاب.12
وقد جاءت فى الشّعر معملة مع الفصل وتقدّم الخبر، قال الفرزدق 1:
فأصبحوا قد أعاد الله دولتهم … إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
وقال الآخر 2:
وما الدّهر إلّا منجنونا بأهله … وما صاحب الحاجات إلّا معذّبا
وقد تأوّلوا ذلك تأويلا بعيدا.
3
الحكم الثّانى: تدخل الباء فى خبرها، كما دخلت فى خبر" ليس" فتقول ما زيد بقائم، وما زيد بآكل طعامك، وما زيد طعامك بآكل، فإن قلت:
ما طعامك زيد بآكل، لم يجز؛ للفصل بين العامل والمعمول، وقد منع الفارسىّ من دخول الباء 4 على خبرها، فى لغة تميم، وهى فى أشعارهم موجودة.
الحكم الثّالث: إذا دخلت الباء فى خبرها جاز لك العطف على موضع الجارّ والمجرور، تقول: ما زيد بقائم ولا قاعدا، فإن رفعت به شيئا من سببه فكذلك، تقول: ما زيد بقائم ولا قاعدا أبوه، وإن رفعت به أجنبيّا لم يصحّ النّصب؛ لأنّه لا يتقدّم خبرها على اسمها؛ فلا تقول: ما زيد بقائم ولا قاعدا عمرو، فإن جعلت موضع" ما"" ليس" جاز؛ لتقدّم خبر" ليس" على اسمها فإن جررت" قاعدا" لم يصحّ رفع الأجنبىّ فى" ليس" و" ما" عند سيبويه، 1 وجاز عند الأخفش 2؛ لأنّه عطف على عاملين 3. الحكم الرّابع: قد حذفوا اسمها مع نقض النّفى، وأعملوها، قال الأخفش: إن شئت قلت - وهو رديء - ما ذاهبا إلا أخواك، و: ما ذاهبا إلّا جاريتك، تريد: ما أحد ذاهبا 4 إلا أخواك، قال ابن السّرّاج: لا يحذف" أحد" وما أشبهه حتّى يكون معه كلام، نحو: ما منهما مات إلّا رأيته يفعل كذا وكذا 5، أى: ما منهما أحد مات، ومنه قوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ 6. الحكم الخامس: قد كفّوا" ما" ب" إن"، وأبطلوا عملها، فقالوا: ما
الحكم الخامس: قد كفّوا" ما" ب" إن"، وأبطلوا عملها، فقالوا: ما إن زيد قائم، وبعضهم يدخل" إن" مع وجود" الباء"، وتكون" إن" عنده زائدة؛ فتقول: ما إن زيد بقائم، كقول الشاعر (1): لعمرك ما إن أبو مالك … بوان ولا بضعيف قواه
النّوع الثّالث: فى" لا" النافية، وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: فى تعريفها
" لا" النّافية محمولة فى العمل على" إن" المخفّفة؛ حملا للشّئ على نقيضه، أو على المصدريّة؛ للمشابهة الّلفظيّة؛ ففتحوا بها النكرة المفردة، ما دامت تليها، وبنوها معها إذا قصدوا العموم؛ نفيا للجنس، إذا كانت جوابا، كقولك: هل من/ رجل فى الدّار، ونحوه؛ فتقول فى الجواب: لا رجل فى الدّار، ولا غلام عندك، ولا رجل أفضل منك، فالرّجل اسم" لا" وهو مبنىّ على الفتح.
وهما فى تقدير المبتدأ، وما بعده خبرها، وهو مرفوع بها.
وسيبويه لا يرفعه بها، وإنّما هو مرفوع على ما كان عليه 2، قال سيبويه: وأمّا" لا" فتكون نفيا لقول القائل: هو يفعل، ولم يقع الفعل فتقول فى الجواب (2): لا يفعل، وترد فى الكلام على معان، هذا أحدها، ويرد باقيها فى أبنية 3 الحروف.1
الفرع الثّانى: فى أحكامها:
الحكم الأوّل: سيبويه يذهب إلى أنّ حركة الاسم الّذى بعد" لا" حركة بناء 1، ونزّلهما منزلة" خمسة عشر" ووافقه جماعة من محقّقى النحاة 2، وذهب الزّجاج 3 ومن تبعه - كالسّيرافىّ 4 والرّمّانىّ (4) - إلى أنّها حركة إعراب، وتأوّلوا قول سيبويه؛ لأنّه سمّاها نصبا ولم يسمّها فتحا، وزعم آخرون أنّها حركة إعراب تشبه حركة بناء 5، وعكس هذا القول آخرون، (5) ولكل منهم حجّة تمسّك بها.
الحكم الثّانى: إذا وقعت الأخبار أجوبة فلا بدّ أن يكون عن سؤال ظاهر أو مقدّر، والجواب يكون على وفق السّؤال فى العموم والخصوص، فإذا قلت:
لا رجل فى الدّار، فهذا نفى عام لجميع الرّجال؛ فينبغى أن يكون السؤال عاما مثله، كقولك: هل من رجل فى الدّار؟ فاستغرقت الجنس ب" من"، فإذا قلت: لا رجل فى الدّار، فلا يجوز أن يكون فيها رجل واحد، ولا أكثر منه، فإذا حذفت" من" من السّؤال فقلت: هل رجل فى الدّار؟ جاز أن
يكون سؤالك عن رجل واحد، وعن أكثر منه، فيكون الجواب: لا رجل فى الدّار، بالرّفع؛ حملا على" ليس" إلّا أنّ الموضع بها أخصّ، فتقول: ما فى الدّار رجل، فيجوز أن يكون فيها أكثر من رجل.
الحكم الثّالث: الأسماء المنفيّة ب" لا" تنقسم إلى: مفرد، ومضاف ومشابه للمضاف؛ بطوله.
أمّا المفرد: فكقوله: لا رجل عندك، ولا صاحب لك، وقوله تعالى:
وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ 1 ولا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 2.
وأمّا المضاف: فكقولك: لا غلام رجل عندك، ولا ماء سماء لك، ولا مثل زيد لك، ومنه قول ذى الرّمّة 3:
هى الدّار إذ مىّ لأهلك جيرة … ليالي لا أمثالهنّ لياليا
فنصب" أمثالهنّ" ب" لا" وهى نكرة.
وإنّما لم يبنوا المضاف لأنّه يعاقب التّنوين، وما فيه تنوين لا يبنى، وهو على ضربين: ضرب لا" لام" إضافة معه، وهو هذا، وضرب معه" لام" الإضافة، وسنفرد له 4 حكما.