ملكت، قال الفرزدق 1:
كم عمّة لك يا جرير وخالة … فدعاء قد حلبت علىّ عشاري
ينشد بنصب «العمّة»، ورفعها، وجرّها؛ فالنّصب: على هذه اللغة - وهى قليلة - أو على الاستفهام، من طريق الاستهزاء به؛ لأنّه هاج، والهاجي لا يكون مستفهما إلّا على سبيل التّلهّي.
والجرّ: على الخبر - وهو الأكثر - والرّفع،
على معنى: كم مرّة حلبت علىّ عماتك، وتقدير الإعراب فيه: أنّ «العمّة» مرفوعة بالابتداء، و «قد حلبت» الخبر.
وهذه «كم» الخبريّة مضافة إلى مميّزها، عاملة فيه الجرّ، فإذا وقعت بعدها «من» كانت منوّنة فى التقدير، كقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها 2 وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ 3 التقدير: كثير من القرى، ومن الملائكة.
وذهب بعضهم 4 إلى أنّها منوّنة أبدا، والمجرور بعدها بإضمار «من».
وإذا أعدت الضّمير إليها عاد علي اللّفظ مرّة، وعلي المعنى أخرى، تقول:
كم رجل رأيته، ورأيتهم، وكم امرأة لقيتها، ولقيتهنّ/ ومنه قوله تعالي: وَكَمْ
مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها (1)، فردّ إلى اللّفظ، وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً (2) فأعاد إلى المعنى.
الفصل الثّالث فيما اشتركا فيه:
تكون فى كلا وجهيها مرفوعة ومجرورة.
فالرّفع: علي الابتداء، تقول: كم درهما مالك؟ فهي مبتدأ، و «مالك» خبره، و «درهما» مميّزه، وكذلك فى الخبريّة؛ وإنّما جاز الابتداء بها وهي نكرة لاستغراقها الجنس؛ فنزّلت به منزلة المعارف، ويجوز أن تجعل «مالك» المبتدأ، و «كم» الخبر.
وتقول: كم درهما عندك؟ وكم غلام لك، فالتقدير: أيّ عدد من الدّراهم حاصل عندك، وكثير من الغلمان كائن لك، فإذا قلت: كم غلاما مالك ذاهب، جعلت «لك» صفة ل «الغلام» و «ذاهبا» خبرا ل «كم»، وإذا قلت: كم غلمانك؟ فلا يجوز إلا الرّفع في «غلمانك»؛ لأنّه معرفة، والتّمييز لا يكون بالمعرفة؛ فكأنّك قلت: أعشرون غلمانك 3؟.
وأمّا النّصب: فعلى المفعول: كقولك: كم إنسانا ضربت.؟ وكم غلام ملكت، ف «كم» منصوبة ب «ضربت» و «ملكت»
وتنتصب علي الظّرفيّة؛ كقولك: كم ليلة سرت؟ وكم يوم صمت، كأنّك قلت: أعشرين ليلة سرت؟ وأيّاما كثيرة صمت.12
وأمّا الجرّ: فيكون بحرف جارّ، وبالإضافة.
فالحرف: كقولك: بكم إنسانا مررت؟ و: على كم جذعا بنى بيتك؟ و: إلى كم دار دخلت.
والإضافة: كقولك: رزق كم رجلا أطلقت؟ وحقّ كم رجل قضيت.
قال سيبويه: وسألته - يعنى الخليل - عن قولهم: على كم جذع بيتك مبنىّ؟ فقال:
القياس: النّصب وهو قول عامّة النّاس، فأمّا الّذين جرّوا، فإنّهم أرادوا معنى «من» ولكنّهم حذفوها تخفيفا وصارت «على» عوضا منها 1، واستدلّ من ذهب إلى هذا/ بقول الأعشى 2:
كم ضاحك من ذا ومن ساخر
فأظهر «من» معها.
الفصل الرّابع فيما شبّه بها:
قد شبّهوا ب «كم» الخبريّة، لفظة «كأىّ»، وسيبويه يشبّهها 1 ب «ربّ»، وهى «كاف» الجر، دخلت على «أيّ» كما
دخلت على «أنّ» فى «كأنّ» و [على «ذا» فى] 2 كذا، وليس لها متعلّق.
وأكثر ما تستعمل ومعها «من» عوضا من الإضافة التى كانت ل «أىّ»، كقوله تعالى:
وكأي من قرية عتت عن أمر ربها 3 وقوله: وكأى من نبي قاتل معه ربيون كثير 4.
وفيها خمس لغات:
الأولى: «كأيّ» مشدّدة، وتكتب ب «ياء» منوّنة، وب «نون» فى موضع التّنوين 5، ولم يظهر له صورة إلّا فيها.
الثّانية: «كاء» بوزن [كاع.
الثّالثة: «كإ» بوزن: كع.
الرّابعة: «كأي» بوزن: كعي.
الخامسة: «كيء» بوزن] 6 كيع.
وقد شبّهوا بها «كذا» التى للعدد، فنصبوا [ما] 1 بعدها، كما نصبوا ما بعد «كم» وهى «الكاف» دخلت علي «ذا» 2، وحجزت بينها وبين العمل، وهى مبهمة، تقول: له عندى كذا درهما، وكذا وكذا درهما، وكذا كذا درهما؛ فيلزمك فى الأوّل عشرون (2)؛ لأنّه أوّل ما يفسّر من الأعداد المفردة بالواحد المنصوب، ولزمك فى الثّانى أحد وعشرون (2)؛ لأنّه أوّل ما يفسّر من المعطوف بالمنصوب، ولزمك فى الثّالث أحد عشر (2)؛ لأنّه أوّل مركّب يفسّر بالمنصوب.
فإن جررت فقلت: له عندى كذا درهم، لزمك مائة درهم؛ لأنّه أوّل ما يفسّر به الواحد المجرور، وذهب قوم إلى أنّه يلزمك بعض درهم، فإن رفعت «الدّرهم» كان له عندك درهم واحد، و «كذا كذا» صفة للدّرهم، فإن قلت: له عندى كذا دراهم، لزمك ثلاثة؛ لأنّه أوّل ما يفسّر بالجمع، وعلى هذه الأمثلة فقس.
الباب السابع عشر فى نونى التّأكيد: وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأوّل فى تعريفهما
(1):
وهما نونان: خفيفة وثقيلة، فالخفيفة ساكنة، والثّقيلة نونان، أولاهما ساكنة مدغمة فى الثّانية.
وجيء بهما لتوكيد الفعل وتثنيته (2)، كما أكّدوا الأسماء ب «إنّ» و «اللّام».
والنّون الثّقيلة أشدّ توكيدا من الخفيفة؛ للتّضعيف الذى فيها.
وجعلوهما فى آخر الفعل؛ لئلّا تجمع عليه الزّيادتين فى أوّله، وحرّكوه؛ توصّلا إلى النّطق بالسّاكن، إذ الخفيفة وأولى الثّقيلة ساكنتان.
وسيبويه وكثير ممّن قال بقوله يذهبون إلى أنّ الحركة الّتى قبل «النّون» حركة بناء (3)؛ وحكى الزّجّاج قولا آخر لسيبويه: أنّها حركة التقاء السّاكنين، وإليه مال السّيرافيّ (4) وغيره.
وإنّما بنى الفعل مع نون التوكيد؛ للتّركيب العارض فيه بها.
الفصل الثّانى فى مواضعهما:
الأفعال على ثلاثة أضرب: ماض، وحاضر، ومستقبل؛ فالماضى والحاضر لا يدخلان عليهما؛ لأنّ الماضى ثابت، والحاضر1234
مشاهد؛ فلا يحتاجان إلى التوكيد، ويلحق الماضى أسماء الأفعال؛ فلا يدخلان عليها؛ استغناء بما بنيت عليه من المبالغة.
وقد جوّز قوم دخولها على الحاضر.
وأمّا المستقبل: فعلى ثلاثة أضرب: ضرب لا بدّ من وجود النّون فيه، وضرب أنت فيه مخيّر، وضرب تقف فيه على المسموع.
الضّرب الأوّل: هو الفعل المستقبل المقسم عليه فى الإيجاب، كقولك: والله ليقومنّ، وو الله لينطلقّنّ، ومنه قوله تعالى: وَتَاللَّهِ/ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ 1 وقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ 2.
وهذه النّون لازمة.
وقد أجاز الفارسيّ 3 حذفها منه؛ وإنّما دخلت في القسم فصلا بين لامه الّتي تكون للمستقبل وبين لام التّوكيد التى تصلح للحال، فلما كانت النّون فارقة كانت لازمة؛ خوف اللّبس.
قال سيبويه: وسألت الخليل عن قوله: لتفعلنّ، مبتدأة، لا يمين قبلها، فقال: جاءت على نيّة 4 اليمين.
وإذا حكيت عن غيرك قلت: أقسم لتفعلنّ واستحلفته ليفعلنّ.
وقد ألحق الزّجّاج 5 وجماعة من النّحاة بالقسم «إن» الشّرطيّة، إذا دخلت عليها «ما» مع المستقبل؛ كقوله تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً 6 وقوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما 7، والفارسىّ لا يلزم
هذا النوع «النّون» 1، ويستدلّ بكثرة مجيئه فى الشّعر علي جوازه فى الكلام، قال سيبويه 2: إنّ «إن» إذا لحقها «ما» الزّائدة فإلحاق «النّون» الفعل، وترك إلحاقه جيّد 3، فكأنّ «ما» سوّغت دخول «النّون»، لا أوجبته، كقول الشاعر 4: فإمّا ترينى ولى لمّة … فإنّ الحوادث أودى بها وقول الآخر 5: زعمت تماضر أننى إمّا أمت … يسدد أبينوها الأصاغر خلّتى الضّرب الثّانى: الّذى أنت فيه مخيّر، وهو الأمر والنّهى والاستفهام، كقولك: اضربنّ زيدا، ولا تضربنّ عمرا، وهل تضربنّ بكرا؟ فإن شئت أدخلت
«النّون» علي هذه الأفعال، وإن شئت 1 لم تدخلها، قالوا: لأنّ الأمر والنّهى قد يقعان غير مرادين، كقوله تعالي: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ 2 وقوله تعالي:
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ 3؛ ولأنّهما يخصّان بصيغتهما الاستقبال، فلم يحتاجا إلى فاصل.
وأمّا الاستفهام فإنّما دخلت عليه لشبهه بالأمر والنّهي؛ لأنّه استدعاء/ العلم بالمستفهم عنه، ومن التّأكيد فى الأمر والنّهى قول الأعشى 4:
وإيّاك والميتات لا تقربنّها … ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا
وقول الآخر 5:
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة … وموتا بها حرّا وجلدك أملس
وقول الآخر 1 فى الاستفهام:
هل ترجعنّ ليال قد مضين لنا … والعيش مقتبل إذ ذاك أحيانا
وقال بعض العلماء 2: ليس كلّ استفهام تدخل فيه مع الفعل «النّون» 3، بل إن كان الاستفهام عن الفعل دخلت، وإن كان عن الاسم لم تدخل، كقولك:
متى تقوم؟، لأنّ الاستفهام عن زمن القيام، والأكثر الأوّل؛ فإنّك تقول: كم تمكثنّ؟ وانظر متى تفعلنّ؟.
وقد ألحق عثمان بن جنّي النّفي بهذا 4 الضّرب، قال شيخنا: لم أر أحدا ذكر دخول «النون» فى النّفى، وإنما 5 قال سيبويه: وبعد «لم»؛ لأنّها لمّا كانت جازمة، أشبهت «لا» النّافية 6، وهذا لا يجوز إلّا فى الاضطرار.
وقد أعاد عثمان هذا الحكم فى «شرح الإيضاح» 7 فقال: وتدخل «النّون» في النّفى
كقوله تعالي: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً 1؛ فجعل «لا تصيبنّ» نفيا، وغيره جعلها نهيا 2 بعد أمر، كقوله تعالي: ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ 3. وأعاد 4 عثمان، ذكر هذا الحكم 5 في الخصائص 6 فقال: ومثال دخول «النون» في الفعل المنفىّ قولك: قلّما يقومنّ زيد، وقالوا: أقسمت لمّا تفعلنّ، «لا» طلب، كالأمر والنّهى، وما أشبه ما قال عثمان بما قال؛ فإنّ ظاهر لفظ الآية يدلّ علي ما ذهب إليه ولا يحتاج إلي تعسّف فى توجيهها.
وقال الفارسىّ: نون التوكيد لا تدخل النّفى 7، وأنشد 8 معترضا:
قليلا به ما يحمدنّك وارث … إذا نال ممّا كنت تجمع مغنما
وقال: إنّما دخلت «النّون» هاهنا حملا على المعنى.
الضّرب الثّالث: المسموع.
قد أدخلوا «النّون» علي أفعال مستقبلة فى الخبر، وقبلها «ما» زائدة، قالوا: «بجهد مّا تبلغنّ» 1، و «بعين مّا أرينّك» 2، شبّهوا «ما» بلام القسم؛ لكونها مؤكّدة؛ ولذلك أدخلوها فى الشّرط والجزاء، كقوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ 3، قال سيبويه: وقد تدخل «النّون» للضّرورة وليس معها 4 «ما»، وأنشد 5:
ربّما أوفيت فى علم … ترفعن ثوبى شمالات
وإنّما حسّن هذا زيادة «ما» في «ربّ».
وزعم يونس أنّم يقولون: هلّا يقولنّ، وألا يقولنّ، وربّما يقولنّ، وكثر ما يقولنّ؛ تشبيها بلام اليمين، ولا يجوز طرح «ما» 6 هاهنا.
وقال سيبويه: يجوز للمضطر أن يقول: أنت تفعلنّ ذلك، وقال: وتدخل
«النّون» فى الشّرط والجزاء، وذلك قليل فى الشّعر (1) وأنشد (2): فمهما تشأ منه فزارة تعطه … ومهما تشأ منه فزارة تمنعا أراد: تمنعن.
الفصل الثّالث فى أحكامها
الحكم الأوّل: لا تخلو «النّون»: أن تدخل على فعل لواحد أو اثنين أو جماعة، ولا يخلو كلّ منها: أن يكون لمذكّر أو مؤنّث؛ فهذه ستّة أنواع.
النّوع الأوّل: المذكّر المفرد: يبنى ما قبل «النّونين» على الفتح؛ كقولك:
اضربنّ زيدا، ولا تضربن عمرا.
النّوع الثّاني: المذكّر المثنّى ويختصّ ب «النّون» الثّقيلة، عند الخليل 3 وسيبويه؛ كقولك: اضربانّ زيدا، ولا تضربانّ عمرا، ويونس يدخل الخفيفة أيضا عليه، ساكنة فى الوصل 4، فتقول: هل تضربان زيدا، فتجعل غير المدغم بمنزلة المدغم في جواز الجمع بين ساكنين/ نحو: دابّة، ومنه قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 5؛ القراءة بتشديد «النّون»، وخفّفها ابن12
عامر 1، والأصل: «تتّبعان» ب «نون» خفيفة للتّثنية، فحذفت «النون» للجزم، ودخلت «نون» التوكيد المشدّدة،
وكسرت حملا علي «نون» التّثنية، وقيل: إنّ «النّون» في قراءة ابن عامر «نون» التّثنية، لا «نون» التأكيد، وإنّ «لا» نافية لا ناهية، والجملة فى موضع 2 الحال، أي: لتستقيما غير متّبعين سبيل الّذين لا يعلمون.
النّوع الثّالث: المذكّر المجموع يبنى الفعل فيه مع النّونين علي الضّمّ؛ فتقول: لا تذهبنّ معه، وهل تضربنّ زيدا، الأصل فيه: تذهبون؛ فحذفت «النّون» للجزم، ثمّ حذفت «الواو» بعدها لالتقاء السّاكنين، وبقيت الضّمّة قبلها تدلّ عليها، ومنه قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ 3.
النّوع الرّابع: المؤنّث المفرد المخاطب، ويبنى الفعل فيه مع النّونين 1 علي الكسر، كقولك: لا تضربنّ زيدا، ولا تضربنّ عمرا، الأصل فيه: تضربين، فحذفت «النّون» للجزم، وحذفت «الياء» لالتقاء السّاكنين، وبقيت الكسرة قبلها تدلّ عليها.
فإن كان غائبا، أو متكلّما فالفتح، كالمفرد المذكّر.
النّوع الخامس: فى المؤنّث المثّنّى، وحكمه حكم المذكّر المثنّى؛ لأنّ فعلهما فى التّثنية واحد، تقول للرّجلين وللمرأتين: اضربا، فإذا أدخلت «نون» التوكيد، قلت: اضربانّ.
النّوع السّادس: المؤنّث المجموع، ولا تدخله إلّا «النّون» الثّقيلة، ويفصل بينها وبين «نون» الجماعة ب «ألف»؛ هربا من اجتماع الأمثال؛ فتقول:
اضربنانّ زيدا، ولا تكرمنانّ عمرا، ولم يدخلوا عليه الخفيفة؛ لئلّا تنقلب في
الوقف ألفا، فيلتبس فعل المؤنّث المخاطب بفعل المتكلّم إذا كان معه غيره، نحو:
قمنا؛ فيصير الأمر خبرا، والمخاطب متكلّما، قال ابن السّرّاج: وإذا أردت الخفيفة/ فى فعل جميع النّساء قلت: اضربن زيدا؛ فيكون بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة 1.
الحكم الثّانى: فى المعتلّ من الأفعال، ولا يخلو اعتلاله: أن يكون في فائه أو عينه أو لامه، نحو: وعد، ووجل، وقال، وباع، وخاف، وغزا، وسعى، ورمى.
فالأوّل والثّانى: يجريان مجرى الصّحيح فى دخول النونين؛ تقول للواحد: عدنّ، وللاثنين: عدانّ، وللجماعة: عدنّ، وللمؤنّث: عدنّ؛ وكذلك:
قولنّ، وبيعنّ، وخافنّ، ومع التّثنية والجمع والمؤنّث: [قولانّ وقولنّ وقولنّ] 2.
وأمّا المعتل اللّام: فعلى ضربين:
الضّرب الأوّل: أن يكون ما قبل «الياء» و «الواو» فى المستقبل مضموما، أو مكسورا، نحو: يغزو، ويرمى، فتجريه مجرى الصّحيح في واحد المذكّر ومثنّاه؛ فتقول: اغزونّ، وارمينّ، واغزوانّ، وارميانّ وأمّا جمع المذكّر: فتحذف «الواو» منه؛ لالتقاء الساكنين، وتبقى ضمّة ما قبلها دليلا عليها؛ فتقول:
اغزنّ؛ وارمنّ؛ لأنّ الأصل: اغزوا وارموا وأمّا واحد المؤنّث: فتحذف منه «الياء»؛ لالتقاء السّاكنين، ويكسر ما قبلها 3؛ لتدلّ عليها؛ فتقول: اغزنّ، وارمنّ؛ لأنّ الأصل: اغزي، وارمي، إلّا أنّهم يشمّون «الزّاى» شيئا من الضّمّة.
وأمّا
جمع المؤنّث: فهو جار مجرى صحيحه، تقول: أغزونانّ، وارمينانّ، فتدخل «الألف» بين النّونات.
الضّرب الثّانى: أن يكون ما قبل «الياء» و «الواو» مفتوحا؛ وذلك فى جمع المذكّر ومفرد المؤنّث، فتحرّك «الواو» بالضّم، و «الياء» بالكسر؛ لالتقاء السّاكنين، تقول: اخشونّ زيدا، ولا ترضينّ عن عمرو، ومنه قوله تعالى:
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ 1 وقوله تعالي: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً 2. وقد قيل: إنّ كلّ موضع تحرّكت فيه «الواو» و «الياء» مع «لام» التّعريف تحرّكت فيه مع «نون» التوكيد، وكلّ موضع حذفتا فيه مع «لام» التعريف حذفتا فيه مع «نون» التوكيد، فكما تقول: اغز القوم، وارم القوم، فكذلك تقول: اخشونّ 3، واخشينّ.
الحكم الثالث: إذا وقفت على «النّون» الخفيفة فلا يخلو ما قبلها: أن يكون مفتوحا، أو مضموما، أو مكسورا.
فإن كان مفتوحا أبدلتها «ألفا»، تقول فى: اضربن: اضربا، وفي، قومن:
قوما، ومنه قوله تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ 4 إذا وقفت قلت: لَنَسْفَعاً ومنه قول الأعشى:
ولا تعبد الشّيطان والله فاعبدا 5
ومنه قول الآخر:
ومهما تشأ منه فزارة تمنعا 1
أى: فاعبدن 2 وتمنعن.
وإن كان ما قبل «النّون» مكسورا أو مضموما حذفتها فى الوقف، وعاد الفعل إلى ما كان قبل دخولها، تقول فى، اضربن زيدا، واضربن عمرا:
اضربوا، واضربى، فتعيد «الياء» و «الواو» اللّتين حذفتهما لأجل سكون «النّون».
الحكم الرّابع: إذا لقي «النّون» الخفيفة ساكن بعدها حذفت؛ لالتقائهما، تقول فى، اضربن، إذا اتّصلت بساكن بعدها: اضرب الرّجل، ومنه قول الشّاعر 3:
ولا تهين الفقير 4 علّك أن … تركع يوما والدّهر قد رفعه
الأصل فيه: لا تهينن.
ولو قلت: اضربن أخاك، وخفّفت الهمزة التّخفيف القياسيّ لم يجز؛ لأنّ «النّون» لا تحتمل الحركة، كما لم تحتملها؛ لالتقاء السّاكنين، وقيل: يجوز حذف [الفتحة] 5 فتحذف «النون»، وتجعل «الهمزة» بين بين.
الباب الثّامن عشر فى التقاء السّاكنين
لا يخلو الساكنان - إذا التقيا - أن يكونا فى كلمة واحدة، أو فى كلمتين، ولا يخلو كلّ واحد من القسمين: أن يكونا مثلين، أو غير مثلين، وكلّ واحد منهما لا يخلو: أن يكون الأوّل صحيحا، أو معتلا؛ فلنذكر هذه الأقسام فى فصلين.
الفصل الأوّل إذا التقيا فى كلمة واحدة،
وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: أن يكونا مثلين، والعرب فيه مختلفون؛ فأكثرهم يجمعون بينهما، ويدغمون أحدهما فى الآخر فى حال الجزم والوقف، ويقولون: ردّ ولم يردّ، وأهل الحجاز لا يدغمون ويقولون: اردد، 1 ولم يردد.
ومن أدغم فله ثلاثة مذاهب.
الأوّل: أن يحرّك الثاني بالحركة الّتى قبل السّاكن الأوّل، فيقول: لم يردّ، ولم يعضّ، ولم يفرّ؛ فيضمّ «الدّال» (1) ويفتح «الضّاد»، ويكسر «الرّاء».
الثّانى: أن يحرّك الجميع بالفتح؛ تخفيفا؛ فيقول: لم يردّ، ولم يعضّ، ولم يفرّ.
الثّالث: أن يكسر الجميع؛ علي أصل التقاء السّاكنين؛ فيقول: لم يردّ، ولم يعضّ، ولم يفرّ.
والوقف فى هذا كالجزم؛
تقول: ردّ، وعضّ، وفرّ.
فإن اتّصل بهذا المدغم «هاء» ضمير منصوب فلا يخلو: إمّا أن تكون لمذكّر أو مؤنّث، فإن كانت لمذكّر ضمّوا المدغم 1 جميعهم، فقالوا: لم تردّه، مع جواز الفتح والكسر، ومنه قولهم: زرّه، وزرّه، وزرّه؛ وإن كانت لمؤنّث فتحوا جميعهم 2، فقالوا: لم يردّها؛ تحريكا للمدغم بحركة الضّميرين المضموم والمفتوح.
فإن كان الضمير لتثنية أو جمع اتّفقوا على الإدغام؛ فقالوا: ردّا، وردّوا، ولم يفرّا، ولم يعضّوا.
فإن لقي المدغم ساكن كسر كما يكسر غير المدغم؛ فتقول: ردّ الثّوب، وردّ ابنك، وفرّ اليوم، وعضّ اليد.
ومن العرب 3 من يفتح مع الألف واللّام، وعليه أنشدوا 4:
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى … والعيش بعد أولئك الأقوام
وقول الآخر 1:
فغضّ الطّرف إنّك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فأمّا جمع المؤنّث: فأجمعوا علي إظهار الإدغام، فقالوا: ارددن، ولا تعضضن؛ لأنّ «الدّال» إنّما سكنت من أجل «النون»، كما تسكن مع «التّاء».
وزعم الخليل أنّ ناسا من بكر بن وائل يقولون: ردّن، ومرّن 2، وردّت، كأنّهم قدّروا الإدغام قبل دخول 3 «النّون» و «التاء».
الفرع الثّانى: فى غير المثلين، ولا يخلو: أن يكون الأوّل منهما حرف علّة، أو حرفا صحيحا.
فإن كان حرف علّة حذف فى الوقف والجزم؛ لالتقاء السّاكنين، تقول في، هو يخاف ويقول ويبيع: خف وقل وبع، ولم يخف ولم يقل، ولم يبع.
فإن تحرّك حرف العلّة؛ لتثنية أو جمع ثبت فقلت: لم يخافا ولم يقولا ولم يبيعا، ولم يخافوا ولم يقولوا ولم يبيعوا؛ لأنّه تحصّن بالحرف المتحرّك.
وإن كان الحرف الأوّل من الساكنين صحيحا، حرّكت الثّاني منهما، وقد جاء فيه الحركات الثّلاث، نحو: أين وحيث وأمس.
فإن كان الثّانى منهما ضميرا، نحو: اضربه، ولا تضربه، إذا وقفت علي «الهاء» نقلت حركتها إلى ما قبلها، فتقول: اضربه، ولا تضربه، ولو كان قبل «الهاء» حرف علّة، نحو: عصاه،
ويغزوه، وعليه، فلا يتمّ فيه هذا؛ لأنّ الحركة على حروف العلّة ثقيلة، والألف لا يمكن تحريكها ومن غريب ما حكي عن العرب: أنّهم قالوا في الأمر بالانطلاق مثلا: انطلق 1؛ بسكون «اللّام»؛ وفتح «القاف»، والأصل فيه: كسر «اللّام» وسكون «القاف»، فأسكنوا «اللّام» المكسورة، كما قالوا فى فخذ: فخذ، ثمّ فتحوا «القاف» السّاكنة؛ لئلّا يلتقي ساكنان، وعليه/ أنشد الخليل 2:
عجبت لمولود وليس له أب … وذى ولد لم يلده أبوان
وقد قرئ قوله تعالي: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ 3 بسكون «القاف» وفتح 4 «الهاء».
فأمّا قولهم: لم أبله، فالأصل: أباليه 5؛ فحذف «الياء» للجزم، والألف لكثرة الاستعمال، والتقاء السّاكنين، وألحقت «الهاء»؛ للوقف؛ فالتقى «اللّام» و «الهاء» ساكنين 6، فحرّكت «اللّام» بالكسر، ولم تردّ «الألف» المحذوفة لالتقاء السّاكنين؛ لأن الهاء غير لازمة.
الفصل الثّانى إذا التقى السّاكنان فى كلمتين
فلا يخلو الأوّل: أن يكون صحيحا أو معتلّا: فإن كان صحيحا كسرته فى مواضع مخصوصة سنذكرها؛ تقول:
اضرب القوم، وأكرم الرّجل، واضرب اضرب، واذهب اخرج، وهذا زيد العاقل، ومررت بزيد ابنك، وخرجت الجارية.
هذا هو الأصل.
فإن كان ما بعد الساكن الثّانى مضموما جاز لك فى السّاكن الأوّل مع الكسر الضّمّ، كقوله تعالي: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ 1 وقوله تعالي: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها 2 وقوله تعالي: بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ارْكُضْ 3، فلك كسر «التاء» و «النّون» 4 وضمّهما، وأمّا من قرأ قوله تعالي: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ
مُرِيبٍ.
الَّذِي جَعَلَ 1 بفح «النون» 2 فإنما كره توالى الكسرتين، كما كره ذلك في قوله تعالى: الم.
الله 3 بفتح «الميم» 4.
فإن كان ما قبل السّاكن الأوّل وبعد الثّانى مضموما، فالاختيار ضمّ الأوّل عند قوم 5، كقولك: ادخل ادخل، و: اقتل اقتل، قال ابن السّرّاج: وقد حكوا:
ادخل الدّار، علي الإتباع، وهذا ردئ 6. وقالوا: يجوز الإتباع فى المفتوح، نحو: اصنع الخير، ولم يسمعه.
وقد اختصّت «من» و «عن» و «إن» 7 بحكم.
أمّا «من»: فإذا التقى مع نونها ساكن فلا يخلو: أن يكون «لام» تعريف، أو غيره ف «اللام» تفتح معها «النّون» نحو:/ من القوم، وقد جاء الكسر شاذا 8 وأمّا غير «اللّام» فتكسر معه «النّون»، نحو: من ابنك، ومن انطلاقك، وقد حكى سيبويه فيها الفتح مع غير «اللّام» (9).
وأمّا عن»: فالكسر فى «نونها» لا غير؛ تقول: عن القوم، وعن ابنك.
وأمّا إذا كان السّاكن الأوّل معتلا فلا تخلو حركة ما قبله: أن تكون من جنسه، أو غير جنسه.
فإن كانت من جنسه حذفته من اللّفظ، وأثبتّه فى الخطّ: نحو: يخشى الله، ويغزو الكفّار، ويرمى النّاس، ولم يضربا الرّجل، ولم يصومو اليوم، ولا تكرمى ابنك، إلا ما شذّ من قولهم: «التقت حلقتا البطان» 1.
وإن كانت الحركة من غير جنسه فلا يكون إلا «واوا» أو «ياء»، فتحرّك «الواو» بالضّمّ، و «الياء» بالكسر، نحو: اخشو القوم، ومصطفو النّاس، 2 واخشى القوم ومصطفى الناس.
وقد حرّك قوم «الواو» بالكسر 3 فى قوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ 4. فأما واو «أو» و «لو» ونحوهما: فيجوز
فى «الواو» الضّمّ 1، والكسر، كقوله تعالى: لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ 2 وقوله تعالى: أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا 3 والضمّ فى هذه «الواو» قليل، والكسر فى الأولى قليل.
الباب التاسع عشر فى الوقف وفيه أربعة فصول
الفصل الأوّل: فى الأسماء
وهى ثلاثة أقسام؛ ظاهرة، ومضمرة، ومبهمة.
القسم الأوّل: الظّاهرة.
وفيه فرعان: صحيح، ومعتل.
الفرع الأوّل: فى الصّحيح.
ولا يخلو: أن يكون معربا أو مبنيّا، والمعرب.
لا يخلو: أن يكون منصرفا، أو غير منصرف، والمنصرف لا يخلو: أن يكون ما قبل آخره متحرّكا/ أو ساكنا، ولا يخلو كلّ من هذه الأقسام [أن يكون] 1 مهموزا أو غير مهموز، مذكّرا أو مؤنّثا، مفردا أو مثنى أو مجموعا، فحصل من هذا التقسيم سبعة أنواع:
النّوع الأوّل: المنصرف إذا كان ما قبل آخره ساكنا، ولا يخلو أن يكون مرفوعا أو مجرورا أو منصوبا.
أمّا المرفوع: فلك فى الوقف عليه خمسة أوجه.
الأوّل: السّكون، نحو هذا بكر.
الثّانى: الإشمام، 2 وهو أن تشير بعد الحرف إلى الضّمّة، ويختصّ بالبصير دون الأعمى.
الثّالث: الرّوم 1، وهو صوت ضعيف يتبع الحرف.
الرّابع: النّقل، إذا خرج الاسم إلى ماله نظير فى الأصول، تقول: هذا بكر، بوزن عضد، ولا تقول: هذا حمل؛ إذ ليس في الكلام «فعل»، ومنه قول الشّاعر 2:
أنا ابن ماويّة إذ جدّ النّقر
يريد «النّقر»، فنقل الضمّة من «الرّاء» إلى «القاف»
الخامس: أن تبدل من التّنوين «واوا» فتقول: هذا بكرو، وهى لغة أزد السّراة 3.
وأمّا المجرور: فحكمه في الوقف حكم المرفوع، إلّا فى الإشمام؛ فتقول:
مررت ببكر، وبكر، وبكري، ولا تقول فى النقل: مررت بقفل؛ لأنّه ليس فى الأسماء «فعل» عند سيبويه 4؛ وجوّز فيه ضمّ «الفاء»، وجوّز فى «عدل»
كسر «الدّال» 1، ومنه قول الشّاعر 2:
شرب النّبيذ واصطفاقا بالرّجل
فنقل الكسرة من «اللّام» إلى الجيم».
وأمّا المنصوب: فلك في الوقف عليه وجهان.
أحدهما - وهو المشهور - أن تبدل من التّنوين «ألفا»، فتقول: رأيت بكرا.
والثاني: أن تقف عليه بالسّكون، كالمرفوع، تقول: رأيت زيد، وهو قليل إلّا فى الشّعر.
وقد أجاز سيبويه فى المنصوب الرّوم 3 والإشمام.
النّوع الثّاني: المنصرف إذا كان ما قبل آخره متحرّكا، وحكمه حكم الذي قبله، إلّا فى النّقل، وعوّضوا عنه بالتّشديد؛ تقول: هذا رجل ورجل ورجلو، ومررت برجل، ورجل، ورجلي، ورأيت رجلا، ورجل، وأجاز سيبويه التّشديد 4 فى النّصب، وغيره لا يجيزه إلّا فى الشّعر، كقوله 5:
لقد خشيت أن أرى جدبّا … فى عامنا ذا بعد ما أخصبّا
وأمّا قول الشّاعر 1:
هل عرفت الدّار أم أنكرتها … بين تبراك فشسّي عبقر
فنقل مع الحركة، وهو شاذّ.
النّوع الثالث: غير المنصرف، وحكمه في الوقف حكم المنصرف، إلّا أنّ منصوبه يجرى مجرى مرفوعه ومجروره؛ تقول: هذا أحمد، ورأيت أحمد، ومررت بأحمد، ويدخله الإشمام والرّوم والنّقل والتّضعيف والإبدال.
ويلحق بهذا النوع كلّ اسم فيه «الألف» و «اللّام» من المنصرف، وغير المنصرف؛ فى حالتى الرفع والجرّ، إلا فى الإشمام، وأمّا فى النّصب، فالسّكون لا غير.
وقد أجازوا فيه الرّوم، تقول: هذا الرجل، ومررت بالرّجل، ورأيت الرّجل، وكذلك باقي الوجوه.
النّوع الرّابع: المبنىّ، وتقف فيه علي حرف البناء ساكنا، فتقول: كيف؟
وحيث، وأمس، ولا يدخله الإشمام والرّوم والنّقل، ولك أن تأتي فى بعضه بهاء تقف عليها، فتقول: كيفه؟ وأينه؟ وكذا فى كل حركة بناء فى الغالب.
فأمّا «حيّهل» فتقف عليها ب «ألف» ساكنة، فتقول: حيّهلا، ويجوز أن تقف على «اللّام» 2.
النّوع الخامس: المهموز: وهو كلّ اسم فى آخره «همزة» وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الحرف الّذي قبلها ساكنا، والآخر: أن يكون متحرّكا.
أمّا السّاكن: فلا يخلو؛ أن يكون صحيحا أو معتلا.
فإن كان صحيحا وقفت عليه فى الرّفع والجرّ بالإسكان، والإشمام والرّوم، وفى النّصب ب «الألف» الّتى هي/ بدل من التّنوين، تقول: هذا خبء، ومررت بخبء، ورأيت خبأ.
ومنهم من يلقى حركة «الهمزة» علي السّاكن قبلها 1. ومنهم من يبدل «الهمزة» حرف لين، مع إلقاء حركتها على ما قبلها، فيقول: خبو، وخبا، وخبي وردو، وردا، وردي.
ومنهم من يقول فى الرّفع: هذا ردي، ويسوّي بين الرّفع والجرّ، ويتبع العين حركة 2 ما قبلها؛ لأنّه ليس فى الكلام فعل.
وإن كان السّاكن معتلا، نحو: كساء، ورداء فيقف فى الرّفع والجرّ على «الهمزة» بالسّكون، والإشمام، والرّوم، وفي النّصب علي «الألف» الّتى هي بدل من التّنوين، كالصّحيح، تقول: هذا كساء، ومررت بكساء 3، ورأيت كساءا.
وأمّا إذا كان ما قبل «الهمزة» متحرّكا، نحو: الخطأ والرّشأ 4 والكلأ، ففيه ثلاثة أوجه.
الأوّل: أن تجريها مجرى الحرف الصّحيح، فيدخلها السّكون والإشمام والرّوم.
الثّانى: أن تبدل من «الهمزة» فى الرّفع «واوا» وفي الجرّ «ياء» وفي النّصب «ألفا» فتقول 1: الكلو [والكلى 2] والكلا (1)، وهذا وقف الّذين يحقّقون الهمز.
الثّالث: أن تقلب «الهمزة» في كلّ حال «ألفا» وهذا» وقف من يخفّف الهمز.
النّوع السّادس: المؤنّث ب «التّاء» نحو: طلحة، ومسلمة، وغرفة، وقائمة، هذا جميعه ونحوه تقف عليه ب «الهاء» 3 فتقول: هذا طلحه، وغرفه، ومسلمه وقائمه.
ومن العرب من يقف عليه ب «التاء» فيجرى الوقف مجرى الوصل، 4 وأنشدوا 5:
صارت نفوس القوم عند الغلصمت … وكادت الحرّة أن تدعى أمت
وهو قليل.
النّوع السّابع: المثّنّى والمجموع، نحو: زيدان وزيدون، تقف فى جميعه على «النّون» 6، ومن العرب من يلحق «النّون» «هاء»؛ لبيان الحركة، ويقف عليها، فيقول: زيدانه 7، وزيدونه، والأوّل أولى.
فأمّا جمع التّأنيث فتقف/ عليه ب «التّاء» 1، حو: مسلمات، وكذلك ما أشبهه، نحو: غرفات وأذرعات.
فأمّا «هيهات»: فمن جعله مفردا، وقف 2 عليّه ب «الهاء»، ومن جعله جمعا وكسر «التاء» وقف عليه ب «التّاء» 3.
الفرع الثّاني من القسم الأوّل: فى المعتلّ، وهو على ضربين: منقوص ومقصور.
أمّا المنقوص: فهو على ضربين: منصرف، وغير منصرف.
والمنصرف على ضربين: أحدهما: فيه الألف واللّام، والثّانى: ليس فيه ألف ولام.
فالأوّل: تقف عليه فى الرّفع والجرّ بإثبات «الياء» وحذفها، والإثبات أكثر، تقول: هذا القاضي، والقاض، ومررت
بالقاضي، والقاض، وعلي الإثبات قرأ ابن
كثير 1 قوله تعالى: دَعْوَةَ الدَّاعِ 2 وعلي الحذف قرأ أبو عمرو 3. وأمّا في النّصب فالإثبات لا غير 4.
وأمّا الثّانى - وهو ما ليس فيه ألف ولام - فلك فى المرفوع والمجرور منه مذهبان:
أحدهما: الحذف، فتقول: هذا قاض، ومررت بقاض، وإليه ذهب سيبويه 5 وعليه قرأ أكثر القرّاء 6: وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ 7.
والمذهب الثّاني: الإثبات، نحو: هذا قاضى 8، ومررت بقاضي.
والحذف 9 أكثر: وأمّا المنصوب فتجريه مجرى الصّحيح، فتقول: رأيت قاضيا كما تقول: رأيت ضاربا، ومن قال فى الوصل، رأيت قاض يا فتى، قال
فى الوقف: رأيت قاض، وقاضى، قال سيبويه: وسألت الخليل عن «القاضى» في النّداء فقال: أختار: يا قاضي؛ لأنّه ليس بمنوّن، كما أختار هذا 1 القاضي.
وأمّا يونس فقال: يا قاض، بغير (1) «ياء» وقالا فى «مري» اسم فاعل من «أرى» هذا مري، ب «ياء» فى الوقف، فكرهوا أن يجمعوا عليّه حذف «الهمزة» (1) و «الياء»؛ لأنّ أصله: مرئي، مثل: مرعي 2.
وأمّا المقصور: فإنّك تقف عليه فى الأحوال الثّلاث ب «الألف» منصرفا وغير منصرف، تقول: هذه عصا وحبلى ورأيت عصا وحبلى ومررت بعصا وحبلى، ويستوى ما فيه «الألف» / و «اللام» وما ليسا فيه، لفظا لا تقديرا.
وقد اختلفوا فى «الألف» الموقوف عليها فى المنصوب المنصرف، فقال قوم: هي المبدلة من التّنوين 3، وقال قوم: هي فى الرّفع والنّصب والجرّ بدل من التّنوين (3).
ومن العرب 4 من يبدل «ألف» «حبلى» «ياء» فيقول: حبلي.
ومنهم من يبدلها (5) «واوا»، فيقول: حبلو.
ومنهم من يسوّي فى القلب بين الوقف (6) والوصل
وزعم الخليل أنّ بعضهم يقلب «الألف» 1 همزة، وإذا وصل ترك.
القسم الثّاني: في المضمرات.
وهي: ضمير المتكلّم والمخاطب والغائب.
الأوّل: المتكلّم.
أمّا «أن» فتقف عليها ب «الألف» فتقول: أنا وقد جاءوا ب «الألف» مثبتة فى الشّعر فى حالة الوصل،
فأمّا في غير الشّعر فلا تثبتها، فتقول: أن قلت، وأن 2 أقول، والكتّاب يثبتونها فى الخطّ؛ لأنّ الخطّ على الوقف، ويجوز أن تقف عليها ب «الهاء»، فتقول: أنه.
وهذه «الألف» الموقوف عليها قد اختلفوا فيها.
فقال قوم: ليست من الكلمة، وإنّما جئ بها للوقف 3 عليها.
ومنهم من قال: إنّها من نفس 4 الكلمة، والأوّل أكثر.
فأمّا قوله تعالي: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي 5 في بعض القراءات 6، فتقديره: لكن أنا هو الله ربّي 7؛ فحذفت «الألف» الأولى، وأدغمت «النون» في «النّون» فإذا وقفت تقول: لكنّا، والأجود فى القراءة 8: لكن هو الله ربى وتقف على «النّون».
وأمّا «الياء» فى «إنّى» و «غلامى» و «ضربنى» ونحوها فتسكّنها فى الوقف، ولك أن تفتحها فتلحقها «هاء»، فتقول: إنّيه، وغلاميه، وضربنيه، ولا تلحق «الهاء» مع السّكون، ولك أن تحذفها؛ فتقول: غلام، وضربن، وعليه قرأ أبو عمر 1: أَكْرَمَنِ 2 وأَهانَنِ 3. ومن قال: هذا غلامي فاعلم، وإنّي ذاهب، وحرّك «الياء» لم يحذف فى الوقف؛ لأنّها ك «ياء» «القاضي» فى النّصب 4. فإذا سكن ما قبل «الياء»، نحو: مَحْيايَ 5 و «غلاماي» فالوقف بالسّكون،/ فأمّا من قرأ: مَحْيايَ فى الوصل بالسّكون 6. فليس بالشّائع، والأوّل الوجه 7.
وأمّا ضمير المخاطب: فتقف عليه ساكنا، نحو: أكرمتك، وعليك، ويجوز أن تلحقه «هاء» فتقول: أكرمتكه.
فإن لحق «الكاف» «ميم» الجمع، نحو: ضربكم، فالأصل أن تلحق «الميم» «واوا» فى الوصل، فتقول: ضربكمو زيد، ولكنّهم
خفّفوها فلم يلحقوا، وهو الأكثر فى الاستعمال، وعلى الإلحاق قرأ ابن كثير 1:
كذلك كنتمو 2 وعليكمو 3 وإليكمو 4 ولكمو 5 ونحو ذلك، تقول:
أنتمو ذاهبون 6، و: لكمو مال، فإذا وقفت وقفت على «الميم» ساكنة، لا غير، فإن لقى «الميم» ساكن بعدها، ضمّت، نحو: كنتمو اليوم، و: عليكم السّلام.
وأمّا ضمير الغائب: فلا يخلو: أن يكون متّصلا أو منفصلا.
أمّا المتّصل، فلا يخلو: أن يكون قبله متحرّك، أو ساكن.
أمّا المتحرّك: فإنّك فى حالة الوصل تلحق الضّمير حرفا من جنس حركته، إن كان مضموما ف «واوا» وإن كان مكسورا، ف «ياء»؛ فتقول:
ضربهو زيد، 7 وبهي داء.
وأهل الحجاز يحملون المكسور على (7) المضموم، فيقولون: بهو داء، وعليه قرئ: فخسفنا بهو وبدار هو 8.
وأمّا السّاكن: فلك فيه مذهبان فى الوصل، أحدهما: أن يتبع بحركة الضّمير، ولا تلحقه شيئا، وهو الأكثر، وإن شئت ألحقته «الواو»
و «الياء»؛ فتقول فى الأوّل: عنه أخذت،: وخذوه عنّي، وعليه مال، وعلاه شيب، وتقول فى الثّانى: عنهو أخذت، قال ابن السّرّاج: وهو أجود 1، وخذو هو عنّى، وعليهي مال، وعلا هو شيب.
فأمّا الوقف على هذا الضّمير فى جميع ضروبه فإنّك تقف على «الهاء» ساكنة، فإن كان بعد «الهاء» «ألف» أثبتّها فى الوصل والوقف لا غير، تقول:
عليها ثوب، وانتهيت إليها.
فإن لحق «الهاء» «ميم» الجمع؛ نحو: ضربهم وعليهم، فحكمها حكم «الكاف».
وتنفرد «الهاء» بجواز كسرها وضمّها، فتقول:
عليهم وعليهم.
فأمّا نحو قوله تعالى: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ/ بِالْبَيِّناتِ 2 فألزموا مثل هذه «الميم» السّكون؛ هربا من اجتماع خمس 3 متحرّكات فى كلمة، وليس من لغتهم.
وتقول فى مثل: اضربه، ولا تضربه، وضربته، على قول من حذف «الواو» و «الياء» ووقف على «الهاء»: اضربه، ولا تضربه، فتسكن «الهاء» وتنقل حركتها إلى السّاكن قبلها؛ لئلّا يجتمع سكنان، على أنّهم قد نقلوا حركة «الهاء» إلى الحرف الّذى قبلها وهو متحرّك، فقالوا فى: «ضربه»: ضربه، تشبيها ب «اضربه» وليس بالعالي، وإن كان قد غلب على ألسنة العوام استعماله، وقالوا أيضا: منه 4 و: عنه، قال سيبويه: سمعنا ذلك من العرب 5.
وأمّا الضّمير المنفصل الغائب، نحو: هو وهي وهما، وهم وهنّ، فإنّه جميعه لا يحذف منه في الوقف 1 شئ إلّا فى ضرورة الشعر، كقوله 2:
دار لسعدى إذه من هواكا
وكقوله 3:
فبيناه يشري رحله قال قائل
يريد: إذ هي 4، وبينا هو.
ومن العرب من يقول: هوه، وهيه، وهنّه، وذهبنه 5، وضربتنّه.