البديع في علم العربيةصفحات 297-336

الفصل الثانى فى أحكامه

الحكم الأوّل: الأعداد وضعت مبنّية على السكون كحروف الهجاء، فتقول: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة 1، ولهذا تقول: ثلاثه ربعة 2، فتطرح حركة الهمزة من أربعة على الهاء من ثلاثة ولا تقلبها تاء، فإن أخبرت بها أو عنها، أو عطفت بعضها على بعض أعربتها، فتقول: هذا واحد ورأيت ثلاثة، ومررت بخمسة وستة، وكما تقول ألف باء، تاء، ثاء ساكنه فإذا أخبرت بها أو عنها، أو عطفت بعضها على بعض قلت: هذه باء، وكتبت عينا، ونظرت إلى جيم وحاء.
الحكم الثانى: الواحد يكون اسما وصفة 3، فالإسم هو استعماله فى العدد كسائر أخواته، وأمّا الوصف فكقوله تعالى:" إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ" 4 و: " ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ" 5 ويجمع على وحدان 6، وقد جمع بالواو والنّون في قوله:

وقد رجعوا كحىّ واحدينا 1 وقد ثنّي في قوله: فلمّا التقينا واحدين علوته 2 وأمّا أحد فإنه يستعمل مفردا ومضافا، فالمفرد على ضربين: أحدهما: أن يكون بتقدير واحد، ويحتاج إلى معطوف أو مركب معه غالبا كقولك: أحد عشر، واحد وعشرون، وقد شذّ في الشّعر بغير عطف ولا تركيب 3، وقد استعمل بمعني واحد في غير العدد فى قوله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» 4 أي: واحد 5. والآخر: أن يكون مستغرقا للجنس، ولا يستعمل إلّا في النفّي، كقولك: ما في

الدّار أحد، وأما المضاف فقولك فى المذكّر: أحدهما، وفي المؤنّث: إحداهما، جعلوا ذلك فيهما عوضا من تثنيتهما وجمعهما فى قولك: مررت بالرجل المقتولة إحدى جاريتيه، ولا تقول: مررت بالرجل المقتولة إحديا جاريتيه، ويجمع على آحاد، كجمل وأجمال 1. وأما اثنان واثنتان وثنتان فلام الكلمة محذوفة، وقد جمع على أثناء 2، والتاء فى اثنتان للتأنيث، وفي ثنتان للإلحاق بعدل، كما كانت في بنت، وكما كانت في أخت للإلحاق بقفل 3، ولا يجوز 4 أن تقول: جاءني الرّجلان اثناهما؛ لأنّه إضافة الشّئ إلى نفسه، وكذلك: مررت برجل واحده، وإن كان يجوز أن تقول: رأيت الرجلين كليهما، ومررت بالقوم ثلاثتهم.
الحكم الثالث: قال الأخفش، كل جمع 5 لا يبنى على الواحد 6 لا تجوز إضافة العدد إليه، وإنّما تأتي فيه بمن 7، فتقول: ثلاثة من الخيل وأربع من الإبل 8، وإن كان على لفظ الواحد، ولم يكن جمعه على القياس، نظرت

مفرده، فإن كان مذكّرا أثبتّ التاء، وإن كان مؤنّثا حذفتها، تقول: له خمسة من الطير وخمس من البطّ، ولا تضاف إلى الأجناس؛ لأنّها صالحة للمفرد، فلا تقول: ثلاثة رطب.
الحكم الرابع: العرب تعتبر تارة اللفظ، فتحمل عليه، وهو الأكثر، وتارة المعنى فتحمل عليه، يقولون: هذه ثلاثة أشخص، فيثبتون التاء؛ حملا على اللفظ وإن عنوا: مؤنّثا 1، ويقولون: ثلاث أنفس، فيحذفون التاء وإن عنوا: رجالا؛ لأجل اللفظ 2 على أنّ النّفس تذكّر، ويقولون: ثلاث شخوص، إذا عنوا: مؤنّثا، حملا على المعنى 3، وثلاثة أنفس إذا عنوا مذكرا 4، وهذا فى كلامهم، وأشعارهم كثير فاش 5. قال سيبويه: تقول 6: (له ثلاث من الشاء، وثلاث شياه ذكور) 7

وخمس من الغنم ذكور 1 والشياه والغنم أنثى، قال 2: وتقول: له ثلاثة ذكور من الغنم وخمسة ذكور من الإبل لابتدائك بالمذكّر، ويقولون: فى الربيئة 3 ثلاث أعين وثلاثة أعين، وثلاث دوابّ؛ حملا على اللّفظ والمعنى، قال 4: (وتقول: سار خمس عشرة من بين يوم وليلة، توكيدا بعد ما وقع على الليالي؛ فإنه قد علم أن الأيّام داخله مع اللّيالي، وتقول: أعطاه خمسة عشر من بين عبد وجارية؛ لاختلاطهما)، 5 قال: (وقد يجوز في القياس: خمسة عشر من بين يوم وليلة، وليس بحدّ كلام العرب)؛ 6 لأنّ التاريخ يغلب فيه الليالى على الأيّام.
قال الأخفش: 7 (من قال: هذا حمامة، للذكر، وهذه حمامة، للأنثى فينبغى له إذا أراد المذكّر أن يقول: ثلاثة حمامات)، وقال ابن الأنباريّ: إذا قلت: عندي ثلاث بنات عرس، وثلاث بنات آوي، فالأولى أن تدخل في المذكّر؛ لأنّ الواحد ابن عرس وابن آوى 8.

وقال سيبويه: (تقول: ثلاثة نسّابات، وهو قبيح؛ لأنّ النّسابة صفة، كأنه قال ثلاثة رجال نسابات (1) فاستقبح حذف الموصوف 1. وأما قوله تعالى: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» 2 فإنّما حذفت التاء من عشر؛ لأنّ مثل الحسنة حسنة، وهى مؤنثة (4)، ولأنّ الأمثال مضافة إلى مؤنّث (5)، كما قرئ،" تلتقطه بعض السّيّارة (6) " بالتاء (7)، وقد حذفت قال الأعلم في شرح شواهد الكتاب 1/ 240 (حذف التاء من ابقلت لأن الأرض بمعنى المكان، فكأنه قال: ولا مكان أبقل أبقالها) وكقول طفيل الغنوي: إذ هيّ أحوي من الربعي حاجبه … والعين بالإثمد الحاريّ مكحول قال الأعلم الشنتمري فى المصدر السابق: (تذكير مكحول وهي خبر عن العين، وهي مؤنّثة؛ لأنها فى معنى الظرف) وكقول الآخر: هنيئا لسعد ما اقتضى بعد وقعتي … بناقة سعد والعشية بارد قال الفراء فى معاني القرآن 1/ 128 (كأن العشية في معنى العشي).
وغير هذه الأبيات كثير، انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 127 - 129، ضرائر الشعر 275 - 279.

التاء مع المذكّر في كثير من الشعر؛ بضرب من التّأويل 1. الحكم الخامس: كل معدود منصوب فالتعريف يقع فيه للعدد، وكل معدود مجرور فالتعريف له إن كان آخرا، وقيل 2: كلّ ما كان مضافا عرّفت المضاف إليه، وما لم يكن مضافا عرّفت الأوّل.
أمّا المرتبة الأولى فتعرّف الاسم الثاني منها، نحو: ثلاثة الأثواب، وخمسة الرجال، وسبع النسوة، والكوفيّ يجيز: الخمسة الأثواب 3. وأما المرتبة الثانية، فتعرّف الأسم الأول، منها نحو: الأحد عشر

درهما، والثّلاث عشرة جارية، والعشرين رجلا، والخمسة والأربعين دينارا، والكوفيّ 1 يقول: الخمسة عشر الدرهم، والعشرون الدينار.
أما المرتبة الثالثة والرابعة، فتعرّف الأسم الأخير فيها نحو: مائة الدرهم، وألف الدينار، وخمسمائة الدّرهم، وخمسة آلاف الدينار.
فإن لم تذكر المعدود عرّفت المائة والألف، فتقول: خمس المائة، وثلاثة الآلاف، والكوفيّ يعرّف الجميع، فيقول: الخمسة الآلاف 2. الحكم السادس: ما كان من المرتبة الثانية من أحد عشر إلى تسعة عشر، فإنّه يجوز إضافته إلى صاحبه، وتقرّ الأسمين مبنيّين على حالهما، تقول: هذه أحد عشرك وخمسة عشرك وتسعة عشرك، ولا تجوز إضافة اثني عشر إلى صاحبها والكوفيّ 3 إذا أضاف هذا النوع أعربه، فيقول: هذه خمسة عشرك، وتسعة عشرك، وأمّا العشرون فما فوقها فلا يجوز حذف النون وإضافة العدد إلى المعدود 4، فلا تقول: عشرو درهم، ولا خمس وخمسو كذا، فأمّا قوله:

وما أنت أم مارسوم الدّيار (م) وستّوك قد كربت تكمل 1 فإنما هو مضاف إلى صاحب العدد، لا إلى العدد، وهو غير ملازم وقد اجازه الكوفيّ وقالوا: (قد سمع: برئت [إليك] 2 من خمس وعشري النخاسين) 3، وهو كالأول.
الحكم السابع: إذا ورد بعد العدد وصف فالأولى أن تجعله وصفا له، تقول: عندي ثلاثة قرشيّون وخمسة هاشميّون 4، وقد جوّزوا الإضافة فقالوا: ثلاثة قرشيّين 5، وإذا وصفت النّكرة المنصوبة فلك إفراد الصّفة، وجمعها جمع 6 التكسير، تقول: عندي عشرون غلاما ظريفا، وعشرون غلاما ظرفاء، وفى وصفه بجمع الصحة خلاف، فإن رفعت

فقلت: عندي عشرون غلاما صالحون، جاز قولا واحدا 1، وتقدّم هذا مبسوطا في باب الصّفة 2. الحكم الثامن: إذا عطفت مذكرا على مؤنّث على مذكر، جاز في المعطوف الرفع والجر بمعنيين، تقول: عندي ستة رجال ونسوة، وست نساء ورجال، فعلى الرفع يكون عندك ستة رجال ونساء لا يعلم عددهن، وستّ نساء ورجال لا يعلم عددهم و، على الجر يكون عندك ثلاثة رجال وثلاث نسوة 3، فإن لم يكن للعد نصف صحيح جاز الرّفع دون الجرّ، تقول: عندي خمسة رجال ونسوة وسبع نسوة ورجال 4. وبعضهم لا يجيز الجرّ فيما له نصف أيضا؛ لأنّك إذا قلت: ستة، علم

أنهم رجال، فكيف تجعل بعضهم نساء 1؟! وأجاز الكسائى ذلك إلى العشرة 2. وأي المعدودين قدّمت أتبعته العدد في تذكيره وتأنيثه 3، تقول: عندي ستة رجال ونساء وست نساء ورجال، فإن جمعت بينهما وجعلت العدد وصفا لهما غلّبت المذكّر فقلت: عندي رجال ونساء ستة، ونساء ورجال ستة.
الحكم التاسع: العرب تغلّب المذّكر على المؤنّث، إلا في أيّام الشّهور، فإنّها تغلب الليالي على الأيام؛ لأنّ اللّيلة أوّل الشّهر 4، فلو عدّوا الأيّام لسقط من الشهر ليلة، فتقول: خرجت لثلاث خلون، ولخمس بقين، تريد الليالي، فإذا زادت على العشرة وحّدت الفعل فتقول: لإحدي عشرة ليلة خلت، ولخمس عشرة ليلة بقيت، لأنهم جعلوا الخبر على لفظ اللّيلة 5، وقالوا: صمنا عشرا، فأنّثوا - وإن أرادوا أيّاما - تغلبيا للّيالي على الأيّام، وقالوا: صمنا عشرا، فأنّثوا - وإن أرادوا أيّاما - تغليبيا للّيالي على الأيامّ، ورأيت بعض الكتّاب المتأخّرين قد كتب: لخمس إن بقين؛ لأن الشّهر قد يكون تسعا وعشرين.

الحكم العاشر: قد اشتقوا من العقود الأول اسم فاعل، فقالوا: حاد، وثان وثالث... إلى العاشر، وهو على ضربين: الأول: أن يراد باللفظ واحد من المذكورين معه، كقولك: ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، وثالثة ثلاث، ورابعة أربع، ومنه قوله عز وجل: " ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ" 1،" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ" 2 أي واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، وهذا يكون مضافا على كل حال 3. الضرب الثانى: أن يكون الأسم كضارب من ضرب، ومعناه: أنه صيّر ما دخل عليه مثله فى العدّة، فإذا كان بمعنى الحال والاستقبال عمل فيما بعده النّصب، كما يعمل اسم الفاعل، تقول: هذا خامس أربعة، ورابع ثلاثة، ولك أن تضيفه إلى ما بعده كما تضيف اسم الفاعل 4، تقول: هذا سادس خمسة وسابع ستّة، فالمعنى: أنّه صيّر أربعة خمسة، وستّة سبعة، ومنه قوله تعالى:" سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ 5 وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ" وقوله تعالى 6:

«ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ" 1 وتقول في المؤنّث: هذه خامسة أربع، وسادسة خمس، والفرق بين الضربين: أن الذين قالوا" إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ" كفروا، والذين قالوا: " ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ" آمنوا وأثنوا 2. فإن تجاوزت العشرة فلك في العمل بالضرب الأول ثلاثة مذاهب: الأول: - وهو الأصل، وأقلّها استعمالا، وبعضهم ينكره - 3: أن تقول: ثالث عشر ثلاثة عشر، تبني الجميع على الفتح.
الثانى: - وهو أكثر استعمالا من الأوّل - أن تحذف «عشر» الأولى وتضيف [الاسم] 4 الّذي قبلها معربا بوجوه الإعراب، وتبنى الأسمين الباقيين على الفتح فتقول: ثالث ثلاثة عشر 5. الثالث: - وهو المستعمل 6 -: أن تلقي الاسم الثانى والثالث، وتبني الأول والرابع على الفتح، فتقول: ثالث عشر، وكذلك إلى تاسع عشر 7، إلّا أنّ الباء في حادي وثاني ساكنة فى الأكثر على المذهب الأوّل والثالث،

وإن كانت فى موضع فتح 1، ومعربة بوجوه الإعراب على المذهب الثانى، وتقول فى المؤنّث: ثالثة عشرة ثلاث عشرة، وثالثة ثلاث عشرة، وثالثة عشرة، هذا مذهب سيبويه يجمع بين تأنيثين 2. قال السيرافيّ في شرحه: (ولا أعلم خلافا فى جواز حادية عشر) 3، يعني بحذف التاء من الثانى، وقال الزمخشري: (تقول: الأول والثاني والثالث، والأولى والثانية والثالثة... إلى العاشر والعاشرة والحادي عشر والثاني عشر بفتح الياء وسكونها، والحادية عشرة والثانية عشرة 4.. إلى التاسع عشر والتاسعة عشرة 5، تبنى الآسمين على الفتح كما بينتهما

فى أحد عشر) 1 ومعنى ثالث عشر: واحد من ثلاثة عشر، إلّا أنّ بين المعنيين فرقا.
وهو أنك مع لفظ الواحد لا يعلم هل هو الذي انته إليه العدد أم غيره، أمّا مع ثالث ثلاثة عشر، وثالث وثلاثة وأخواتهما، فيعلم أنّه الذي انته إليه العدد 2، وأمّا من أجاز العمل بالضرب الثانى الذي يعمل فيما بعده 3 مما تجاوز العشرة، فإنه يقول: هذا رابع ثلاثة عشر، وسادس خمسة عشر، كما قال: رابع ثلاثة 4، وسادس خمسة، وحكاه سيبويه 5 قياسا، ولا تكاد العرب تكلّم به.
والقياس يقتضيه، قال سيبويه: (تقول: هذا حادي أحد عشر إذا كنّ عشر نسوة معهنّ رجل، لأن المذكر يغلب المؤنث، كما تقول: خامس خمسة إذا كن أربع نسوة معهن رجل) 6، وأمّا بضعة عشر فهو بمنزلة تسعة عشر، وأخواتها فى كلّ شئ، وبضع عشرة كتسع عشرة 7.

الباب الثاني عشر فى الهمزات

وفيه نوعان:

النوع الأول فى همزة القطع والوصل

وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول فى تعريفهما

وهما همزتان: همزة قطع، وهمزة وصل.
فهمزة القطع هي: الّتي تثبت فى النطق وصلا ووقفا، وينقطع بالتلفّظ بها ما قبلها عمّا بعدها، وهى ثابته بثبوت الحكم الّذي تدلّ عليه من بنية أو معنى، وسواء كانت أصليّة أو زائدة، أو بدلا، نحو: أخذ، وأحمر، وإشاح فى: وشاح.
وأمّا همزة الوصل، فهى التّي تثبت في الإبتداء وتحذف فى الوصل؛؛ لأنّها إنّما جئ بها توصّلا إلى النّطق بالسّاكن 1 - كما ستراه 2 - ولهذا لا يكون ما بعدها إلّا ساكنا، فإن تحرّك فلسبب 3، ولا تكون إلّا زائدة، فإن اتّصل ما بعدها بكلام قبلها حذفت؛ للغناء عنها؛ حيث أمكن النّطق بالسّاكن.

الفصل الثاني فى مواضعهما

وفيه فرعان:

(الفرع الأول) فى همزة الوصل

وإنّما قدّمناها فى الذّكر؛ لأنّها محصورة، وهمزة القطع غير محصورة، وهي تدخل على الأسم والفعل والحرف.
أما الأسم فعلي ضربين: اسم صريح، واسم" مصدر" أما الصريح فهو عشرة أسماء 1 - وقيل أكثر 2 - وهى: ابن وابنة وامرؤ وامرأة، واسم واست وتثنيتهن، واثنان واثنتان، وابنم وتثنيته، وايم وايمن 3. فالهمزة التّي في أوّل هذه الأسماء همزة وصل، وبعض هذه الأسماء قد تقدّم بيانها فيما مضي 4، ونشير إلى شيء منه هاهنا.

أما" ابن" فأصله بنو كجمل، والّلام محذوفة وهي واو 1، وقيل: ياء 2 والهمزة بدل منها؛ ولهذا عاقبتها فى النّسب، تقول: ابنيّ وبنويّ 3 وتثنيته محمولة عليه، وكذلك ابنة.
وأمّا امرؤ وامرأة فإنّما ألحقت فى أوّلهما همزة مع ثبات لامهما؛ لأنّهما قالوا فيهما: مروء ومرأة 4، وقد جاء بهما التنزيل كقوله تعالى: «إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ»، 5 «وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ» 6 و «أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ» 7. وخصّوا الألف واللّام بهذه اللّغة 8، وقد أدخلوهما على الأخرى قالوا: الامرؤ والامرأة 9، وتثنيتهما محمولة على مفردهما.

وأمّا اثنان واثنتان فقيل: أصلها ثنيان من ثنيت 1، وليس له مفرد من لفظه 2، فحذفت ياؤه وأسكنت فاؤه، وألحق همزة الوصل، والتاء فى ثنت 3 بدل من الياء 4 عند من لم يجعلها للإلحاق 5. وأمّا اسم فقد سبق الكلام فيه 6، وأمّا است فلامها هاء 7 وأصلها ستهة فحذفت اللّام وأثبتت العين، وقالوا فى جمعها وتصغيرها: أستاه وستيهة ورجل أسته 8، فأدخلوا الهمزة عوض اللام، وقد حذفوا العين، وأثبتوا اللام، ولم يعوضوا؛ فقالوا: سه، ومنه: (العين وكاء السّه) 9 وتثنيته محمولة عليه.
وأمّا ابنم فإنّهم زادوا الميم على ابن؛ توكيدا له وتفخيما 10،

قال 1: ومالي أمّ غيرها إن تركتها … أبى الله إلّا أن أكون لها ابنما وأمّا أيم وايمن فقد تقدّم ذكرهما في باب القسم 2. وأمّا المصادر فهي تسعة أوزان 3، ويجمعها: كلّ مصدر فعله الماضي على أكثر من أربعة أحرف فى أوّله همزة، فمنها ما أصله ثلاثيّ نحو: انطلاق واكتساب واحمرار واستخراج واحميرار واعلّواط 4 واغديدان 5، ومنها ما أصله رباعي نحو: اقشعرار واحرنجام، والاسحنكاك 6 والاسلنقاء ملحقان بالاحرنجام بالنون والكاف والنون والياء 7. وأمّا الفعل فتدخل عليه فى موضعين: الأوّل الماضي اذا تجاوزت عدّته أربعة أحرف وهي أفعال المصادر المذكورة، نحو: انطلق، واكتسب، واحمرّ، واستخرج، واحمارّ، واعلوّط واغدودن، واسحنكك 8، واسلنقى، واقسعرّ، واحرنجم.
الموضع الثانى: فعل الأمر للمخاطب، من كل فعل حرف مضارعته مفتوح

وبعده ساكن 1، نحو، يضرب وينطلق ويستخرج، تقول في الأمر منه: اضرب وانطلق واستخرج، والقول الضّابط فيه: أنّ ما كان من الأفعال ماضيا على أربعة أحرف فإنّ حرف مضارعته مضموم نحو: دحرح وأكرم وضرّب، وضارب، وحوقل، وصيرف، وما كان ماضيه على غير أربعة أحرف فإنّ حرف مضارعته مفتوح، نحو: ضرب، واكتسب واستخرج، وقد كسر بعض العرب 2 بعض حروف المضارعة 3، وهو مذكور في أول الكتاب 4. فإذا أمرت من الرباعيّ، أسقطت حرف المضارعة فقلت: دحرج وأكرم وضرّب وضارب وحوقل وصيرف، الأصل في أكرم 5: يؤكرم، فحذفت 6 تخفيفا، وقد أعاده الشاعر، وقال:

فإنّه أهل 1 لإن يوكرما 2 وإن أمرت من غير الرباعيّ حذفت حرف المضارعة، فإن كان بعده ساكن أدخلت الهمزة؛ ليمكن النطق بها، فقلت: اضرب وانطلق واستخرج، وإن كان بعده متحرّك ابتدأت به 3، فقلت في، يقوم ويبيع ويخاف: قم وبع وخف.
قال سيبويه: الأصل في قم: لتقم 4، وقد جاءت ظاهرة في قوله تعالى:" فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا" 5

فى إحدى القرائتين 1. وقد شذ من المفتوح [الأول 2] يأكل ويأخذ ويأمر، فقالوا فيها: كل، وخذ ومر 3 وقياسه: أؤخذ وأؤكل وأؤمر، ولا يحمل عليه؛ لقلّته 4، وقد جاء الأصل مع حرف العطف، كقوله تعالى:" وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ" 5 وكقول الشاعر: تحمّل حاجتي وأخذ قواها … فقد نزلت بمنزلة الضّياع 6 وأما دخولها فى الحرف ففى موضع واحد وهو لام التعريف عند سيبويه، نحو: الرجل والغلام؛ لأن اللّام وحدها عنده للتّعريف 7، وهي عند الخليل همزة قطع في الأصل (7) وإنما ذهبت من اللفظ؛ لكثرتها فى كلامهم، كما ذهبت النّون في" لم يك"، والياء في" لا أدر" 8 وهي واللام معا عنده للتعريف، بمنزلة قد في الفعل.

[الفرع] الفصل الثانى فى همزة القطع وتدخل فى الاسم والفعل والحرف، أمّا الأسم: فكلّ اسم فى أوّله همزة وليست من الأسماء العشرة، ولا من المصادر التسعة، فهى همزة قطع، نحو: أخذ، وأسد، وإبل، وأمر وأجد 1، وأكل، وإصبع، وإصطبل وإعصار وإكرام، وأوزان كثيره قد ذكرها سيبويه فى كتابه 2 لم نطل بذكرها؛ لتميّزها بانحصار همزة الوصل.
وأمّا الفعل: ففي أربعة مواضع: الأوّل: كل ماض على ثلاثة أحرف، نحو: أخذ، وأكل، وأمر، وكذلك ما لم يسمّ فاعله نحو: أخذ، وأكل، وأمر.
الثّانى: كلّ فعل ماض على أربعة أحرف نحو: أكرم، وأحسن، وأعطي وكذلك ما لم يسمّ فاعله.
الثالث: فعل الأمر من الرباعىّ، نحو: أكرم، وأحسن، وأعط.

الرابع: فعل المتكلّم المضارع نحو: أكرم، وأحسن، وأعطي، وأمّا الحرف فكل حرف أوّله همزة قطع نحو: إنّ وأنّ وأمّا، إلا حرفا واحدا (1) هو لام التعريف عند سيبويه (2).

الفصل الثالث فى أحكامها

الحكم الأول: في حركتهما، أمّا همزة القطع، فتكون: مفتوحة، ومضمومة، ومكسورة، نحو: أحد، وأجد، وأثمد، وأخذ، وأكرم.
وأمّا همزة الوصل فهي في جميع مواضعها مكسورة إلّا فى موضعين: الأوّل: تكون 3 فيه مضمومة، وهو أن يكون الحرف الثالث مضموما ضمّا لازما 4 منطوقا به أو مقدّرا، وذلك في فعلين: أحدهما الفعل الماضي إذا بني لما لم يسمّ فاعله نحو: انطلق بزيد، واستخرج ماله، واشتري له ثوّب.
الثانى: فعل الأمر من الثلاثيّ الذي عين مضارعه مضمومة 5، نحو: يقتل ويغزو، تقول فى الأمر: اقتل، واغز وتقول للمؤنّثة: اقتلي واغزي، فتحذف الواو بعد إسكانها، ثم تكسر الزّاي؛ لأجل الياء، إلا أنك تشمّها شيئا من الضّمّ؛ تنبيها على الواو المحذوفة، فإن كانت ضمّة الثالث غير لازمة، بأن12

تكون ضمّة نقل أو إعراب، فالهمزة مكسورة، كقولك: ارموا وامشوا؛ لأنّ الأصل: ارميوا وامشيوا، فحذفت الياء، ونقلت الضّمّة 1، وكقولك: امرؤ أخذ لنفسه، وابنك منطلق؛ لأنّ ضمّة الهمزة والنّون ضمّة إعراب.
الموضع الثانى: الهمزة الداخلة على الحرف مفتوحة لا غير، نحو: الرجل والغلام 2، وهمزة ايمن التي للقسم، وإنّما لم تضم، والثالث مضموم؛ لأنّهم لم يكرهوا الخروج من الفتح إلى الضّمّ، وإنّما كرهوه من الكسر إلي الضم 3. الحكم الثانى: همزة الوصل إذا اتصلت بكلام حذفتها من اللفظ، وما قبلها إمّا أن يكون: متحركا، أو ساكنا، فالمتحرّك لا تغيّره، نحو: رأيت أبنك، وعرفت اسمك، وقلت له: اضرب، وأعجبني انطلاقة، ومررت بالرجل.
والساكن تحرّكه؛ لا لتقائه مع السّاكن الثّاني، كقولك: أكرم الرّجل، و: " قُمِ اللَّيْلَ" 4 وقد تقدّم هذا فى باب التقاء الساكنين مبسوطا 5. الحكم الثالث: إذا دخلت همزة الأستفهام على همزات الوصل جميعها.
إلا الهمزة المفتوحة، حذفتها؛ لأنّ همزة الوصل إنّما جيء بها؛ توصّلا إلي النطق بالسّاكن الّذي بعدها، فإذا تحرّك (ما) 6 قبلها استغني عنها فحذفت، كقوله

تعالى:" أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ" 1 وقوله تعالى:" أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً" 2 وكقوله" أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ" 3 وكقول الشاعر 4: فقالت: أبن زيد ذا وبعض الشّيب يعجبها فأما الهمزة المفتوحة، فلا تحذف؛ لئلّا يلتبس الخبر بالإستفهام، ولكن تعوض عنها مدّة 5 كقوله تعالى:" آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ" 6 و" آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ" 7 فأم قولهم في القسم:" آلله لأفعلنّ" 8 وإثباتهم المدّة وليس قبل الكلام استفهام؛ فلأنّهم جعلوها عوضا من واو القسم 9، ولهذا لم يجمع

بينهما، وحكى سيبوية: أفألله 1 لأفعلنّ 2، بقطع همزة الوصل، وجعل قطعها عوضا من واو القسم، وقالوا فى النّداء: يا الله فأثبتوها - مع الغنى - معها 3، ولم تجئ فى غير اسم الله تعالى، إلّا في الشّعر 4. وكذلك تعوض من ألف أيمن مدّة، فتقول: آيمن الله لأفعلنّ.
فإن دخلت همزة الأستفهام على همزة القطع فالأصل بقاؤها، كقولك: أأكرمت زيدا؟ ويجوز حذفها والتعويض منها، كما ستراه في النوع الثاني مبينا 5.

النوع الثاني في تخفيف الهمز

1 ومعنى تخفيف الهمز: قلبه، أو حذفه، أو جعله بين بين 2، ومعنى جعله بين بين: أن تجعل الهمزة (بين الهمزة) 3 وبين ما منه حركتها 4 فالمفتوحة بين الهمزة والألف، والمضمومة بين الهمزة والواو، والمكسورة بين الهمزة والياء 5، قال سيبويه: (ولا يجوز ان تجعل الهمزة بين بين في التخفيف، إلا في موضع يجوز أن يقع موقعها حرف ساكن) 6 والتخفيف إنّما يكون في الهمزة إذا لم تكن أول كلمه مبتدأة، فإنّها تكون، محقّقة: مفتوحة كانت، أو مضمومة، أو مكسورة، همزة وصل كانت، أو همزة قطع، في فعل كانت، أو اسم أو حرف، فأمّا اذا لم تكن في أوّل كلمة مبتدأة فيجوز تحقيقها وتخفيفها وتخفيفها على ضربين: مقيس، وغير مقيس 7. فلنذكرهما في فصلين

الفصل الأول في المقيس

وفيه فرعان:

الفرع الأول فى الهمزة الواحدة

ولا تخلو أن تكون: ساكنة أو متحركة، أمّا الساكنة فلا تخلو أن يكون قبلها: فتحة أو ضمة، أو كسرة، وتقلبها في الأحوال الثلاث إلي جنس حركتها 1، فتقول في رأس: راس، وفي جؤنة 2: جونة، وفي ذئب: ذيب.
وأما المتحركة فلا يخلو أن يكون ما قبلها ساكنا أو متحرّكا، فإن كان ساكنا فإمّا أن يكون صحيحا أو معتّلا، فإن كان صحيحا نقلت الحركة التّي فيها إلى الحرف الساكن، وحذفتها 3، تقول في الخبء 4 والبرء والدّفء 5: الخب والبر والدف، وتقول في المرأة والكمأة: المرة والكمة 6، وتقول: من بوك، ومن مّك، وكم بلك 7، ويلحق بهذا القسم الملحق بالهمزة، تقول في جيأل 8: جيل 9. ومن هذا القسم لام المعرفة إذا دخلت علي ما أوّله همزة

مفتوحة، نحو: الأحمر، أو مضمومة كالأولى أو مكسورة كالإصبع، فتحذف الهمزة وتلقي حركتها على اللام، ولك فيه حينئذ مذهبان: أحدهما: أن تحذف همزة الوصل، فتقول: لحمر، ولولي 1، ولصبع.
والثانى: أن لا تحذفها، فتقول: الحمر، والولي، والصبع، وعليهما قرئ 2 قوله تعالى: (قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) 3 والان 4، وعليه قرأ أبو عمرو 5: (وعاد لو لي) 6 فإن كان الساكن الذي قبل الهمزة معتلا، فلا يخلو أن تكون حركة ما قبله 7 من جنسه أو من غير جنسه، فإن كانت من غير جنسه نقلت حركتها إلى حرف العلة، كما فعلت في الصحيح، تقول في شئ وضوء: شي، وضو.
فإن كانت من جنسه وكانت قريبا من الطّرف ولم تكن ألفا، لا أصلا، قلبتها إلى جنسها وأدغمتها فيها فتقول في خطيئة ومقروءة: خطيّة ومقروّة 8، فإن كانت ألفا، جعلت الهمزة بين بين، نحو: هباءة 9 وتساؤل

ومسائل، وإن كانت أصلا فمثل أن تبني مفعلا 1 من وأيت فتقول بعد القلب والتخفيف: موا، وتنقل الحركة إلى الحرف الساكن كما فعلت مع الصحيح؛ وان كانت بعيدة من الطرف" مثل أن تبني من سأل مثل طومار 2 فتقول: سوءال، فإذا خففت قلت: سوال، وأما اذا كان ما قبل الهمزة متحركا فلا تخلو الهمزة أن تكون: مفتوحة، أو مضمومة، أو مكسورة، فإن كانت مفتوحة وقبلها ضمة قلبت واوا، تقول في جؤن جمع جؤنة: جون 3، وإن كان قبلها كسرة قبلت ياء، تقول في مئر (جمع) 4 مئرة 5: مير، وإن كان قبلها فتحة جعلتها بين بين، نحو: سأل وقرأ.
وإن كانت الهمزة مكسورة وقبلها ضمة أو كسرة أو فتحة، فإنّك تجعل الهمزة فيه بين بين 6، فمثال الضّمّ: سئم وسئل، ومثال الفتح: سئم، ومثال الكسر: من عبد إبلك، وإن كانت الهمزة مضمومة، فهي كالمكسورة تجعلها بين بين، فمثال الضم: عبد اخته، ومثال الكسر: هذا قارئ، ومثال الفتح: لؤم الرّجل 7.

الفرع الثانى فى الهمزتين

ولا يخلو أن تكونا: في كلمة واحدة، أو كلمتين، فإن كانتا فى كلمة واحدة قلبت الثانية إلي جنس الحركة التي قبلها، ساكنة كانت أو متحركة 1، فالساكنة نحو: آدم وآخر وأومن وإيمان، والمتحركة نحو: جاء وخطايا؛ لأن الأصل في جاء: جائئ 2 بوزن ضارب، فتقلب الثانية ياء؛ لإنكسار ما قبلها، فتصير: جائي بوزن قاضي، فتجريها مجراها فتقول: جاء بوزن قاض، وأمّا خطايا، في جمع خطيئة فأصله خطاء (وخطائئ) 3 بوزن دراهم، ألا أنّ بعد الألف همزتين، وفي مصيرها إلى خطايا صنعة ترد في التصريف 4. وإن كانت الهمزتان من كلمتنين كقوله تعالى: (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) 5 و (السُّفَهاءُ أَلا) 6 و (أَأَنْذَرْتَهُمْ) 7 ففيها أوجه: الأوّل: تحقيق الهمزتين 8، والثّاني: تخفيف الأولى وتحقيق الثانية، وهو

مذهب الخليل 1. والثالث: تحقيق الأولى وتخفيف الثانية، وهو مذهب أبي عمرو 2 والرابع: تخفيفهما معا، وهو لغة الحجاز 3. والخامس: أن تدخل بينهما ألفا، وبه قرأ ابن عامر: (أأنذرتهم) 4 ثم منهم من يخفف بعد إدخال الألف 5، ومنهم من يحقق 6، وللقراء في الهمزتين كلام محقّق؛ لأنهم به أعنى من غيرهم، فأحببنا ذكره، قالوا: لا تخلو الهمزتان أن تكونا فى كلمة واحدة أو كلمتين، فإن كانتا في كلمة فهما إما: متّفقتان أو مختلفتان، فالأوّل كقوله تعالى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) 7 و

(أأنذرتهم)؛ فأهل الحجاز 1 وأبو عمرو يحققون الأولى ويليّنون الثّانية 2 وأهل الكوفة 3 وابن عامر يحققونهما 4، ومنهم من يفصل بينهما مع ذلك بالألف.
5 والثانى كقوله [تعالى] 6 (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) 7، (أَإِذا مِتْنا) 8 و (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) 9 وحكمه حكم الذي قبله.
وأما اذا كانتا في كلمتين فعلي ضربين: متفقين ومختلفين، فالمتفقان كقوله [تعالى 10]: (السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) 11 و (هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ) 12 و (أَوْلِياءُ أُولئِكَ) 13 " فحقّق أهل الكوفة وابن عامر الهمزتين معا 14، وحذف أبو عمرو

ونافع الأولى وحققا الثانية 1، وقرأ ابن كثير وغيره 2 بتليين الأولي وتحقيق الثانية 3 إلا المضمومتين؛ فإن ابن كثير حقّق الأولي وليّن الثانية.
وأمّا المختلفان فعلى خمسة أضرب: كقوله تعالى: (السُّفَهاءُ أَلا) 4 وقوله: (مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ) 5 وقوله: (كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها) 6 وقوله: (شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ) 7 وقوله: (مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) 8 فحقق الهمزتين فيها أهل الكوفة وابن عامر 9، وقرأ أهل الحجاز وأبو عمرو بتليين الثّانية 10 إلّا أن تكون مفتوحة؛ فإنّهم يقلبونها في الوصل بعد المضمومة واوا وبعد المكسورة ياء كقوله تعالى: (السفهاء ولا) و (من خطبة النسائ يواكننتم) وفى قولك: اقرأ آية، ثلاثة أوجه: أحدهما: أن تقلب الأولي ألفا 11 والثاني: أن تحذف

الثانية، وتلقي حركتها على الأولى، والثالث: أن تجعلها بين بين (1).

الفصل الثانى" فى التخفيف غير القياسي"

2 أعلم أنّ الهمزة التي يحقّق أمثالها أهل التّحقيق، وتجعل في لغة أهل التخفيف بين بين قد تبدل مكانها 3 الألف إذا كان ما قبلها مفتوحا، والياء اذا كان ما قبلها مكسورا 4، وليس ذلك بقياس مطّرد، وإنّما يحفظ عن العرب حفظا، فمن ذلك قولهم في المرأة: المراة، وفي الكمأة: الكماة 5، وحكى سيبويه 6: أنّ من العرب من يقول في أو أنت: أوّنت، فيشدّد الواو ويحذف الهمزة، وفي ارم أباك: ارميّ باك وفي أبو أيّوب 7: أبو يّوب، وهو قليل.
فإن كانت الهمزة مكسورة أو مضمومة لم يفعلوا ذلك 8، ومنهم من يقول: ذونسه 9 وارم ختك، بحذف الهمزة البتّة؛ لاستثقال الضّمّة علي الواو والياء.1

الباب الثالث عشر فى الإمالة

وفيه خمسة فصول

الفصل الأول (فى تعريفها)

الإمالة لغة تميم وأسد وقيس وعامّة أهل نجد، فأمّا أهل الحجاز فلغتهم التفخيم 1 إلّا فى مواضع قليلة 2، والذين أمالوا فعلوا ذلك؛ لضرب من تجانس الحروف، وليجري اللّسان في النّطق علي طريقة واحدة.
وحقيقتها: أن تميل الفتحة نحو الكسرة ميلا خفيّا، فتميل الألف لذلك نحو الياء 3، فالألف الممالة واسطة بين الياء والألف، وكسّرتها واسطة بين الفتحة والكسرة؛ ولذلك جعل ألفها سيبويه من الحروف المستحسنة 4. وأسباب الإمالة المقتضية لها ستة، 5 وهى: الكسرة، والياء، والألف المنقلبة عن الياء، أو بمنزلة المنقلبة، والكسرة المتوقع وجودها في الحرف الذي قبل الألف على حال، والإمالة لإمالة، وهكذا عدّوها ستة 6، واذا رجعنا إلى

الحقيقة فإنما هى أربعة: كسرة وياء، وألف، وإمالة لإمالة.
وقد اختلف العلماء في الكسرة والياء، أيّهما أقوي فى باب الإمالة، فذهب الأكثرون 1 إلى أن الكسرة أقوى؛ لأنّها تجلب الإمالة ظاهرة أو مقدّرة، وذهب ابن السّراج إلى أنّ الياء أقوى؛ لأنّ الكسرة بعضها 2. وكما للإمالة داع فلها مانع كما ستراه مفصّلا مبينا 3، وتدخل الأسماء والأفعال وبعض الحروف.

الفصل الثانى (فى أحكام هذه الأسباب)

السبب الأول: الكسرة.

ومتى وقعت في كلمة بعد ألف نحو: عالم وجابر ومفاتيح، أو قبل الألف بحرف أو حرفين أولهما ساكن كعماد وشملال، أميلت الكلمة.
فإن تقدّمت بحرفين متحركين، أو بثلاثة أحرف لم تمل نحو: أكلت عنبا، وفتلت قنّبا.
وكلما كانت الكسرة أقرب إلى الألف كانت الإمالة أولى، فكتاب أولى من جلباب وكلما كثرت الكسرات كانت الإمالة أولى فحلبلاب أولى من جلباب، فإن كان بعد الألف ضمة أو فتحة، أو كان الحرف الذي قبل الألف مضموما أو مفتوحا لم تمل 1، نحو: كابل 2 وتابل 3 وتراب وحباب، فإن كان بين الكسرة والألف هاء أمالوا ولم يعتدوا بالهاء؛ لأنها حرف خفيّ، نحو: يريد أن ينزعها، ويضربها 4، وهؤلاء عندها، وله درهمان، وهو شاذ ولا يقاس عليه 5 وقد أجروا الكسرة العارضة مجرى الأصلية نحو: مررت ببابه، وأخذت من ماله 6.

جارٍ التحميل