وأمّا الذّلقيّة فثلاثة أحرف: الراء، واللام، والنون؛ لأنّ مبدأها من ذلق اللّسان، وهو طرفه 1. وأمّا اللثوية فثلاثة أحرف: الظاء والذال والثاء؛ لأن مبدأها من اللثة (1). وأما الشفهية فأربعة أحرف، وهي الفاء، والباء، والميم والواو 2؛ لأنّها من بين الشفتين.
وأمّا حروف القلقلة فخمسة: القاف، والجيم، والطاء، والدال والباء 3، لأنك إذا وقفت عليها وقفت بصوت شديد يصعد من الصّدر مع الحفز والضّغط 4. ألا ترى أنّك إذا وقفت على: الحقّ، وجدت فى الصدر حفزا يصعد الصوت عنه، ولا تجده في غير هذه الحروف.
وأمّا حروف الذّلاقة فستة أحرف: الراء، واللام، والنون، والفاء والباء، والميم 5، ومعنى الذّلاقة: الاعتماد بالحرف على ذلق اللسان وهو طرفه 6، وتفيده قوة فى اللفظ وزيادة في تحريك اللّسان، ومنه قولهم: هو ذلق اللسان، ولا تكاد تجد في أبنية الرباعيّ والخماسيّ كلمة إلّا وفيها بعض حروف الذلاقة 7، نحو: جعفر فيه الفاء والراء، وسفرجل فيه الفاء والراء واللام، وقد شذّ: عسجد 8.
وأما المصمتة فماعدا حروف الذّلاقة، وهي ثلاثة وعشرون حرفا، ولا يكاد يبنى منها كلمة رباعيّة أو خماسيّة خالية من حروف الذلاقة، فكأنّها قد صمت عنها (1)، أى: سكت، ولما كانت حروف الذلاقة على غاية من القوة والحركة، وكانت هذه بخلافها سميت مصمتة.
وأمّا حروف الصفير فثلاثة: الصاد والسين والزاي، لأنك تصفر عند النطق بها (1).
النوع [الثاني (2)]: في المنفردة.
أما المكرّر فهو الراء؛ لأنّ اللسان يتعثّر فيه حتّى كأنّه ينطق بحرفين 3، وهو حرف شديد جرى فيه الصوت 4. وأمّا الهاوي فهو الألف؛ لهويّه في الحلق؛ ولأن مخرجه اتسع له الصوت أشدّ من اتّساع مخرج أخويه، وهما الياء والواو (4). وأمّا المهتوت فهو التاء، سمّيت بذلك؛ لضعفها، وخفائها 5. وأمّا المنحرف فهو اللام، وهو حرف شديد جرى فيه الصوت، سمّي بذلك؛ لانحرافه عن إخوته شيئا إلى الرّخوة 6. و [أمّا (3)] المستطيل فهو الضاد المعجمة؛ لأنّها استطالت برخاوتها حتى اتصلت بمخرج الظاء، ويسمّي المنفرد؛ لانفراده بمخرجه.12
وأمّا المتفشّي فهو الشين سمّي بذلك؛ [لاتّساع مخرجها] وأمّا الأغنّ فهو النّون الخفيفة؛ للغنّة الّتى فيها 1. وأمّا الخيشوميّ فهو النّون الساكنة، وتسمّى الخفيفة؛ والخفيّة؛ لخفتها وخفائها في النّطق.
الفصل الثانى في الإدغام
وفيه خمسة فروع:
الفرع الأول في تعريفه
الإدغام: هو التداخل، جيء به لضرب من التخفيف، فيرتفع اللّسان بالحرفين دفعة واحدة حرفا مشدّدا، حيث ثقل التقاء المتجانسين على ألسنتهم، ولا يخلو الإدغام أن يكون في: المثلين أو المتقاربين، وكلّ منهما لا يخلو: أن يكون متصلا في كلمة واحدة، أو منفصلا في كلمتين، وينقسم إلي: واجب، وجائز، وممتنع.
أمّا الواجب فنوعان:
أحدهما: أن يسكن الحرف الأوّل ويتحرك الثانى 1، نحو: لم يبرح حاتم، ولم أجعل لك.
والآخر: أن يلتقي الحرفان في كلمة، وليس أحدهما
للإلحاق 1، نحو: ردّ، ويردّ، ومردّ 2؛ لأنّك إذا أدغمت الملحق فقد نقضت الإلحاق.
وأمّا الجائز: فهو أن يلتقى الحرفان متحركين في كلمتين، وقبلهما متحرّك أو مدّة، نحو: الجمل لك، والمال لزيد، ولك في هذا الإدغام والتّرك 3.
وأما الممتنع فأربعة أنواع: الأول: أن يتحرك الأول ويسكن الثاني نحو ظللت، ورسول الحسن 4. الثاني: أن يكون أحدهما للإلحاق نحو مهدد، وقد ذكرناه 5. الثالث: أن يكون ما قبل الأول حرفا ساكنا غير مدة، نحو: وليّ يحيى، وعدوّ وليد 6. الرابع: أن يؤدّي الإدغام إلى ما ليس بمثال للفعل، نحو: ظلل، وسرر 7.
وإذا أردت الإدغام فلا بدّ من سكون الحرف الأوّل؛ ليمكن النّطق به، فإن كان ساكنا أدغم في الذي بعده، وأن كان متحركا سكّن وأدغم 1.
الفرع الثاني في إدغام المثلين
وهو صنفان:
الصنف الأول إذا كانا في كلمة واحدة
وله أحكام:
الحكم الأول
: أن يجتمعا فيها عينا ولاما، ولا يخلو أن يكونا في فعل أو اسم.
أما الفعل الثلاثي فتدغم أبنيته جميعها، نحو: فرّ، يفرّ، ومدّ يمدّ، وسرّ يسرّ، فإن سكن آخر الفعل؛ لوقف أو جازم أظهرت في لغة الحجاز 1، وأدغمت في لغة غيرهم 2، نحو: اردد، ولم يردد، وقد ذكرنا ذلك في باب الوقف 3.
وأمّا الاسم فيشارك الفعل في" فعل" بالكسر، و" فعل" بالضّمّ، نحو:" رجل ضفّ الحال 4، وعفّ المئزر؛ لأنّ أصله ضفف
وعفف، وقد شذّ في بعض الكلام، قالوا: قوم ضففو الحال (1)، فإن كان الاسم على" فعل"، بالفتح، لم يدغم، نحو: طلل، وشرر، وإن خرج الاسم عن وزن الفعل لم يدغم، نحو: سرر، وظلل (2)، ومرر.
الحكم الثانى
: إذا كان المثلان لاما، فإمّا أن تكون ملحقة أو غير ملحقة، فالملحقة لا تدغم نحو: مهدد، وقعدد، ملحقين بجعفر وبرثن؛ لما سبق (3)، وغير الملحقة تدغم، نحو: احمرّ، واحمارّ، ومحمرّ، ومحمارّ.
الحكم الثالث
:
إذا لحقت الألف والنون آخر هذه الأبنية، فحكمها حكمها قبل أن يلحقاها، فإن كانت الكلمة مفتوحة العين لم تدغم،
نحو: رددان 4؛ لأنّ أصله ردد، وإن كانت مكسورة أو مضمومة أدغمت 5، نحو:
ضفّان، وعفّان، والأخفش يظهر الجميع، ويقول: هو ملحق بالألف والنّون 6 فله حكم الملحق.
الحكم الرابع: إذا كان قبل الحرف الأوّل حرف ساكن، فلا يخلو أن يكون حرفا صحيحا أو حرف لين، فإن كان صحيحا نقلت حركة الحرف123
الأوّل إلى الساكن الصحيح، نحو: استعدّ ومستعدّ 1، وإن كان حرف لين أدغمت من غير نقل 2، نحو محمارّ، وتمودّ الثوب، وأصيمّ أصله: محمرر 3 وتمودد، وأصيمم 4. الحكم الخامس: إذا اجتمع كلّ واحد من الواو والياء مع مثله، أدغمت، نحو: مغزوّ، ومدعوّ، ومرميّ، ومقضيّ بوزن مضروب 5.
الصنف الثانى إذا كان المثلان في كلمتين
وله أحكام:
الحكم الأول
: أن يكون قبل الحرف الأوّل متحرّك، ويجوز لك فيه الإدغام والترك، نحو: جعل لك، وفعل لبيد، وترك الإدغام لغة الحجاز (1).
الحكم الثانى
: أن يكون قبل الحرف الأوّل ساكن، ولا يخلو أن: يكون صحيحا، أو حرف مد، فإن كان حرف مدّ فلك الإدغام والترك، نحو: حمار راشد، والمال لك، وهم يظلمونني، والترك هاهنا أحسن 1، وإن كان صحيحا فلا يجوز [لك] 2 الإدغام، نحو: ابن نوح، واسم موسى 3 ولكن لك فيه الإخفاء 4، وقد شذ عبشّمس، في: عبد شمس، فأدغموا الدال في الشين، وضموا الباء الساكنة، وهذا من تغيير الأعلام 5.
الحكم الثالث
: إذا اجتمع كلّ واحد من الواو والياء مع مثله، فلا يخلو ما قبل الأول أن تكون حركته من جنسه أو من غير جنسه، فإن كانت من جنسه لم تدغم 1، ولك الإخفاء، نحو: ظلموا واقدا، واضربى ياسرا، وإن لم تكن الحركة من جنسه فلك الإدغام، نحو: اخشوا واقدا، واخشي يّاسرا.
الفرع الثالث في إدغام المتقاربة
وفيه صنفان:
الصنف الأول فى أحكام كلّيّة تخصّها
الحكم الأول: الحروف المتقاربة:
الحكم الأول: الحروف المتقاربة: ما قرب مخارج بعضها من بعض، وهي في الإدغام على ضربين: أحدهما يجري الإدغام فيه، والآخر: لا يجري.
والذي يجري فيه الإدغام نوعان: أحدهما: يجوز إدغام كلّ واحد من الحرفين في الآخر، نحو الدال والتاء.
والثانى: يجوز إدغام أحد الحرفين في الآخر، ولا يجوز إدغام الآخر فيه، نحو الراء واللام 1، فالذى [لا] 2 يجري فيه الإدغام الألف 3، وسترى هذا مفصلا في الصنف الثاني 4.
الحكم الثاني: إدغام المتقاربين على ثلاثة أنواع
:
الأوّل: وهو الأصل: أن تقلب الحرف الأول إلى لفظ الثّاني، ثم تدغم 1، كقولك اضرب مّعنا، تقلب الباء ميما، ثم تدغمها في ميم معن، وكقوله تعالى:" وَقالَتْ طائِفَةٌ" 2 قلبت التاء طاء ثم أدغمتها.
الثاني: تقلب الحرف الثاني إلى لفظ الحرف الأول ثمّ تدغم 3، نحو: اصّبر، في: اصطبر، قلبت التاء صادا وأدغمتها في الصاد، ونحو: اظّلم في:
اظطلم، قلبت الطّاء ظاء، ثمّ أدغمت.
الثالث: تقلب الحرفين معا إلى غيرهما وتدغم 4، نحو اقطحّلالا، في: اقطع هلالا، قلبت العين والهاء حاءين، ثم أدغمت.
الحكم الثالث: أحسن الإدغام في المتقاربين ما كان من حروف الفم، وما قرب منها 5، وأحسن ما يكون منها فيما كان أشدّ تقاربا، وأكثرها حسنا إذا توالت في الكلمتين خمسة أحرف 6 متحركة، سواء كان الحرفان متقاربين أو متماثلين، نحو قدم رباح، وجعل لك، وما كان أقل تقاربا، وأقل متحركات كان ترك الإدغام فيه أحسن.
وأقبح الإدغام حروف الحلق وما قرب منها 7.
الحكم الرابع: قد يعرض للمقارب من الموانع ما يحرمه الإدغام، ويتفق للمباعد من الخواصّ ما يحسن معه الإدغام، ألا تري أنّهم لم يدغموا الراء والشين والضاد والفاء والميم، ويجمعها: (مرض شفّ) في ما يقاربها من الحروف، وأدغموا ما يقاربها فيها 1، فلم يدغموا الميم في الباء، ولا الراء في اللام، ولا الضاد في اللام، ولا الشين في الجيم، ولا الفاء في الباء، وأدغموا الباء في الميم، واللام في الراء، والجيم في الشين، واللام في الضاد، والباء في الفاء، كما ستراه 2.
وأما المتباعدة فقد أدغموا الواو في الباء، نحو: طيا، في: طويا 3.
الحكم الخامس: في إدغام الحروف المطبقة مذهبان: أحدهما: أن تبقي الإطباق كما تبقي الغنّة في النّون.
والآخر: أن تذهب الإطباق، والأوّل أولى 4، كقوله تعالى:" أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ" 5، وقوله:" لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ" 6 فإظهار الطّاء أولى من التاء.
الحكم السادس: لا يخلو المتقاربان أن يكونا: في كلمة واحدة أو في كلمتين، فإن كانا في كلمة واحدة، وكان الإدغام يلبس، لم يجز، نحو:
قنو، وعتد، ووتد، وزنماء 7 وزنم، لم يدغم؛ لأنّه كان يصير:
قوّ، وعدّ، وودّ، وزمّاء، وزمّ، ولذلك قالوا: وتد يتد، ووطد يطد، وقالوا في مصدرهما: تدة، وطدة، كأنّهم كرهوا وتدا ووطدا؛ لأنّهم مع بيانه وإدغامه بين نقل مكروه، ولبس مانع 1، فأمّا ودّ فليس مدغما، ولكنه لغة في:
وتد 2، ومنهم من جعله مدغما 3، فإن أمن اللبس جاز الإدغام، نحو:
امّحى وهمّرش 4، أصلهما: انمحى وهنمرش، ووزنهما انفعل وفنعلل، فأدغم؛ لأنّ افّعل وفعّلل، ليس من أبنيتهم؛ فأمنوا اللبس.
وإن كان المتقاربان في كلمتين، وقبل الأول متحرك أو مدة، فالإدغام جائز؛ لأنّه لا لبس فيه ولا تغيير، نحو: اقطع حبلك، ومن لك، وعن رأسك، والمال لك.
الصنف الثانى في تفصيل الحروف وما يجري فيها من الإدغام نفيا وإثباتا
ونحن نذكرها في 1 سياق مخارجها.
أمّا الهمزة فلا تدغم في مثلها إلّا أن تكون عينا مضاعفة، نحو: سأّل، وسأّل، وسؤّل جمع سائل، لأنّهم إذا التقت همزتان في كلامهم ألزموا الثانية التخفيف، فتنقلب واوا أو ياء أو ألفا، فتبعد عنها 2، قال سيبويه: فأمّا الهمزتان فليس فيهما إدغام كقولك: قرأ أبوك وأقرئ أباك 3، قال 4:
وزعموا أنّ ابن أبى اسحاق كان يحقّق الهمزتين وناس معه، وهي لغة رديئة، فيجوز علي ذلك إدغام الهمزة في مثلها، ولا تدغم الهمزة في غيرها، ولا يدغم غيرها فيها.
وأما الألف فلا تدغم البتة، لا في مثلها ولا في مقاربها، ولا يدغم فيها غيرها؛ لأنّها لا تكون إلا ساكنة.
وأما الهاء فتدغم في الحاء أين وقعت، قبلها أو بعدها، نحو: اجبه
حاتما 1، واذبح هذه 2، والبيان أحسن 3، ولا يدغم فيها إلا مثلها نحو: اجبه هلالا 4. وأما العين فتدغم في مثلها 5، نحو: اسمع عنّي، وقد قرئ 6: " مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ [إِلَّا بِإِذْنِهِ] 7 " 8، وتدغم في الحاء أين وقعت قبلها أو بعدها، نحو: ارفع حاتما، واربح عشرا، وتدغم في الهاء بأن تقلبها معا حاءين، نحو: اقطع هلالا 9، والبيان أحسن 10، وبنو تميم يقولون في معهم: محّم وفي مع هؤلاء: محّاولاء 11. وأما الحاء فتدغم في مثلها، نحو: اذبح حّملا 12، ولا تدغم في
العين، وروي 1 عن أبي عمرو إدغامها فيها، كقوله تعالى:" فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ" 2، قال سيبويه: (ولكنك لو قلبت العين حاء فقلت في امدح عرفة:
امد حرّفة، جاز) 3.
وأما الغين فتدغم في مثلها نحو: ادمغ غانما 4، وعليه قراءة أبي عمرو 5 " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ" 6، وتدغم في الخاء.
كقوله: ادمغ خلفا، والبيان أحسن 7.
وأما الخاء فتدغم في مثلها 8 نحو: اسلخ خروفا، وفي الغين المعجمة نحو: اسلخ غنمك، والبيان أحسن 9.
وأما القاف فتدغم في مثلها نحو: الحق قاسما 10، وفي الكاف، نحو: اصدق كّثيرا، والبيان أحسن 11، وكقوله تعالى:" فَلَمَّا
أَفاقَ قالَ" 1، وكقوله:" وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ" 2. وأما الكاف فتدغم في مثلها 3، نحو: املك كّنزا، وفي القاف، نحو: املك قّنطارا، والإدغام أحسن 4، وكقوله تعالى:" وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً" 5. وأما الجيم فتدغم في مثلها، نحو: أخرج جّابرا 6، وفي الشين، نحو: أخرج شيّئا 7، وروى 8 عن أبى عمرو إدغامها في التاء، كقوله تعالى:" ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ" 9. وأمّا الشّين فلا تدغم إلّا في
مثلها، كنحو 1: اعطش شّيخا 2. وأمّا الياء فتدغم في مثلها متّصلة، نحو: حيّ وعيّ، في حيي وعيي، وشبيهة بالمتصلة، كقاضيّ وراميّ 3، ومنفصلة إذا انفتح ما قبلها، نحو: اخشي يّاسرا 4، فإن انكسر ما قبلها في المنفصل، أو كان قبلها ياء مشددة لم تدغم، نحو: اطلبي ياسرا (4)، ووليّ يزيد.
وأمّا الضاد فلا تدغم إلا في مثلها 5، نحو: ادحض ضّعيفا، وروى 6 عن أبي عمرو أنّه أدغمها في الشين، في قوله تعالى:
" لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ" 7.
وأمّا الّلام فلا يخلو أن تكون: لام المعرفة، أو غيرها، فأمّا لام المعرفة فتدغم في نفسها، وفي ثلاثة عشر حرفا إدغاما لازما، وهي:
الشين، والضاد، والطاء، والدال، والتاء، والظاء، والذال، والثاء والصاد، والسين، والزاي، والراء، والنون 8، نحو:
ابن الأثير (حياته - ومؤلفاته)
يريد: هل شئ؟ وقرأ أبو عمرو 1: (هثوب الكفار ما كانوا يفعلون) 2 و (تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا) 3 في هل ثوّب، وبل تؤثرون، قال سيبويه: وإدغام الّلام في النون أقبح من جميع هذه الحروف 4، كقولك:
هنّخرج، وبنّحن، في: هل نخرج، وبل نحن.
وأمّا الرّاء فلا تدغم إلّا في مثلها 5 نحو: (اذْكُرْ رَبَّكَ) 6. وأمّا ما يروى 7 عن أبي عمرو من إدغام الراء في اللام 8، فنحاة البصرة لا يجيزونه، ويجلّون أبا عمرو عنه 9، ولم يروه عنه أحد إلا القرّاء، وهو غير معروف عندهم، وقالوا 10: إن أبا عمرو كان يرقّق الرّاء ويخفيها؛
فيعتقدها السامع إدغاما، وقد أجاز ذلك الكسائى 1، والفراء 2 ويعقوب الحضرمى 3.
وأمّا النّون فلها أربعة أحوال:
الأوّل: تدغم في نفسها وخمسة أحرف يجمعها (يرملون) 4، بغنّة، وغير غنّة 5، نحو: من يّحيي، ومن رّاشد، ومن مّعن، ومن لّبيد، ومن وّاقد، ومن نّصر.
الثانى: تبيّن مع حروف الحلق 6، وهي: الهمزة، والهاء، والعين والحاء، والغين، والخاء، نحو: من أجلك، ومن هذا، ومن عندك، ومن حقك، ومن غيرك، ومن خالد، وقد أخفاها قوم مع الغين والخاء المعجمتين؛ لقربهما من حروف الفم 7.
الثالث: تقلب ميما إذا كانت ساكنة وبعدها باء، نحو: عمبر، وشمباء، في عنبر وشنباء 8.
الرابع: تخفى مع باقي الحروف وهي خمسة عشر حرفا 1، نحو من تائب، ومن ثالث، ومن جابر، ومن داخل، ومن ذاكر، ومن زاهد، ومن سالم، ومن شاكر، ومن صاعد، ومن ضامن، ومن طالب، ومن ظالم، ومن فاسق، ومن قاعد، ومن كاتب.
قال المازنيّ: (وبيانها مع حروف الفم لحن) 2، ومعنى البيان: هو أن تعرّيها من الغنّة فتخرجها من الفم ولا تجد لها في الأنف أثرا، ومعنى الإخفاء: أن تكسوها غنّة مشبعة تخفى فيها، وتخرجها من الأنف، كأنّك لا تجد لها في الفم أثرا، وهذا إذا كانت ساكنة، فأمّا إذا كانت متحرّكة لم تكن إلّا من الفم، ولم يجز إلّا إثباتها.
وأما الطّاء فتدغم في نفسها، وفي أحد عشر حرفا أخرى 3، وهي:
الدّال والتّاء والظّاء والذّال والثّاء والضّاد والشّين والجيم والصاد والسين والزاي، نحو: اضبط طّالبا، واضبط دّاود، وفرّط تّالدا، واضبط ظّالما، واضبط ثّابتا، واضبط ذّاكرا، واضبط ضّامنا، واضبط شّاكرا، واضبط جّابرا، واضبط صّابرا، واضبط سّالما، واضبط زّائرا، وإدغامها في الدّال أحسن منه في التّاء 4.
وأمّا الدّال فتدغم في نفسها وفيما أدغمت فيه الطّاء 1، نحو: احمد دّاود، واحمد طّالبا، واحمد تّائبا، واحمد ظّاهرا، واحمد ثّابتا، واحمد ذّاكرا، واحمد ضّامنا، واحمد شّاكرا، واحمد جّابرا، واحمد صّابرا، واحمد سّالما، واحمد
زّاهدا.
وأما التاء فتدغم في نفسها وفي هذه الأحرف الأحد عشر 2، نحو:
انعت، تّائبا، وانعت طّالبا، وكذلك باقي الأمثلة المذكورة في الطّاء والدّال، وكلّ هذه الأمثلة قرأ بها أبو عمرو أو أكثرها 3. وللتّاء حكم يتعلّق بها في الافتعال، ونسذكره في الفرع الرابع 4.
وأمّا الظاء فكذلك تدغم في نفسها وفي هذه الحروف الأحد عشر 5، نحو: احفظ ظّاهرا، واحفظ طّالبا، وباقى الأمثلة.
وأمّا الثّاء والذّال فمثل الظّاء 6، نحو: ابعث ثّائرا، وابعث ظّالما، وابعث طّالبا، ونحو: خذ ذّاكرا، وخذ ظّالما، وخذ طّالبا، وكذلك باقي الأمثلة.
وأما الصّاد فتدغم في نفسها وفي السّين والزّاي 1، نحو: انقص صّاعدا، ورقّص سّالما، وحرّص زّاهدا.
وأما السّين والزّاي فحكمهما حكم الصّاد، يدغمان في مثلهما وفي الصاد، نحو: احرس سّالما، واحرس صّابرا، واحرس زّاهدا، ونحو: احرز زّائرا، واحرز سّالما، واحرز صّابرا.
وأما الفاء فلا تدغم إلّا فيّ مثلها 2، نحو لا تسرف فيّ الأمر، وقرأ الكسائى.
(نَخْسِفْ بِهِمُ) 3 فأدغمها في الباء 4، وهو ضعيف 5.
وأمّا الباء فتدغم في مثلها وفي الفاء والميم 6، نحو: اذهب بزيّد، واذهب فإنّى معك.
واذهب مّن عندي.
وأمّا الميم فلا تدغم إلا في مثلها 7، نحو: كم مّعك، وأكرم مّحمدا وقد روي عن أبى عمرو 8 إدغامها في الباء إذا تحرّك ما قبل الميم، كقوله تعالى:
" اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ" 1 وليس بإدغام، ولكنّه إخفاء كان يتعمّده أبو عمرو في مواضع من قراءته 2. وأما الواو فلا تدغم إلّا في مثلها، وفي الياء، نحو: عدوّ، وطيّ، ولها ضابط وهو إذا كانت 3 في كلمتين فلا تدغم إلّا إذا كان [ما] 4 قبلها مفتوحا نحو: اخشوّا وّاقد، وإن كان مضموما لم تدغم، نحو: ضربوا وليدا، فإن كانت الواو في كلمة واحدة وكانت الأولى ساكنة غير منقلبة من الألف جاز إدغامها، نحو: عدوّ، ومغزوّ، فإن كانت منقلبة لم يجز، نحو: قووم، وقوول 5، من قاوم وقاول، وتدغم في الياء إذا سكنت وقبلها فتحة، نحو: طويته طيّا، ولويته ليّا، الأصل: طويا ولويا 6.
الفرع الرابع في تاء الافتعال
ولها أحكام:
الحكم الأول
: إذا بنيت افتعل وما تصرّف منه ممّا يقع الإدغام فيه 1، [نحو: اقتتلوا واشتتموا، فلك فيه البيان والإدغام 2]، فإن بيّنت فهو الأصل، وإن أدغمت فلك فيه مذهبان.
أحدهما: أن تسكّن التاء الأولى وتدغمها في الثانية، وتنقل حركتها إلى الفاء، فتستغني بالحركة عن همزة الوصل، وتحذفها، فتقول: قتّلوا بالفتح 3 بوزن قدّموا.
والثانى: أن تحذف حركة تاء الافتعال، ولا تنقل حركتها إلى الفاء، ثمّ تدغم فيلتقى ساكنان هما الفاء وتاء الافتعال، فتحرّك الفاء بالكسر، وتسقط همزة الوصل، فتقول: قتّلوا، بكسر القاف 4، وهذا أوضح المذهبين، لأنّ الأوّل يلتبس بفعّل.
فإن بنيت منه فعلا مضارعا قلت على الأول:
يقتّلون، بفتح القاف وكسر التاء (1)؛ لأنّ الأصل: يقتتلون فألقيت حركة التاء على القاف، وأدغمت التاء في التاء الأخرى، وهي مكسورة؛ وتقول على المذهب الثاني: يقتّلون، بكسر القاف؛ لالتقاء الساكنين (2)، ومنهم من يكسر حرف المضارعة إتباعا (3). فإن بنيت منه اسم فاعل فهذا حكمه، نحو مقتّل، ومقتّل بفتح القاف وكسرها (4)، وقوم من العرب (5) يقولون: مردّفين (6)، بضم الراء إتباعا لحركة الميم، أرادوا: مرتدفين، فأمّا مصدره فلا يجوز فيه فتح القاف، لأن الأصل: اقتتال، فأدغمت التاء في التاء (7)، وألقيت حركة التاء على القاف، وهي كسرة، فسقطت همزة الوصل، فقلت: قتّال.
الحكم الثاني
: إذا كان قبل تاء الافتعال حرف مطبق قلبت طاء، إلّا أنّها لا تكون مع الطاء إلّا مدغمة، نحو: اطّلب، واطّعن 8، وأمّا مع1234567
الظّاء، فإنّها تبيّن، نحو: اظطلم، وتدغم بقلب الطّاء ظاء، أو الظّاء (1)، طاء، نحو: اظّلم، واطّلم (2). وأمّا مع الصّاد فإنّها تبيّن، نحو: اصطبر واصطفى، وتدغم بقلب الطاء صادا، نحو: اصّبر واصّفى، ولا يجوز اطّبر واطّفى (3).
الحكم الثالث
: إذا كان قبل تاء الافتعال دال أو ذال، أو زاي، قلبت دالا، أمّا الدّال والذّال فتدغم معها، نحو: ادّان وَادَّكَرَ (4) الأصل:
ادتان، واذتكر، فقلبت التاء دالا، وقلبت الذّال دالا، ولك أن تقلب دال" اذدكر" ذالا معجمة وتقول: اذّكر بذال مشددة معجمة (5)، وقد حكي (6):
اذدكر، ومذدكر.
وأمّا مع الزّاي فتبيّن الدّال المنقلبة عنها، نحو:
ازدان، وتدغم بقلب الدال زايا، نحو: ازّان (7).
الحكم الرابع
: إذا تقدم تاء الافتعال ثاء مثلثة، فلا تكون إلا مدغمة، تقلب كل واحدة منهما إلى صاحبتها، نحو: اثّأر واتّأر، ونحو: مثّرد، ومتّرد، في اثتأر، من الثّأر، واثترد، من الثّريد 8.1234567
الحكم الخامس
: إذا تقدمت تاء الافتعال سين" قلبت سينا وأدغمت، نحو: اسّمع، ومسّمع، ولا تقول: متّمع، والأصل البيان، نحو: استمع، ومستمع (1).
الحكم السّادس:
قد شبّهوا تاء الضّمير بتاء الافتعال فقلبوها؛ لتشاكل ما قبلها، قالوا في، خبطت: خبطّ 2، قال سيبويه 3: وسمعناهم ينشدون هذا البيت: وفي كلّ حيّ قد خبطّ بنعمة … فحقّ لشأس من نداك ذنوب 41
وقالوا في فزت: فزد (1)، وفي عدته: عدّه (2)، فإن تحركت تاء الضّمير، وسكنت هذه الحروف بعدها، لم تدغم، نحو: استطعم، واستضعف، واستدرك، لأنّ الأوّل متحرك والثانى ساكن، وأجروا استطال واستدان واستقال مجراه؛ لأنّها فى نيّة السّكون (3).
الحكم السابع
: قد أدغموا تاء تفعّل وتفاعل فيما بعدها نحو: اطّيّرو، وازّيّنو، وادّارؤا، واثّاقلوا، الأصل: تطيّروا، وتزيّنوا، وتدارؤا وتثاقلوا، فلمّا أسكنوا التّاء للإدغام اجتلبوا همزة الوصل؛ توصلا إلى النّطق بالسّاكن (4).
الفرع الخامس
قد شذّ من الإدغام قولهم: ستّ، أصله: سدس، أبدلوا السّين تاء ثمّ أدغموا 5، ومنه ود فى لغة تميم، و [هو 6] في لغة الحجاز: وتد، فمنهم من جعله مدغما فيه، بعد أن أسكنوا التاء 7، قال ابن السّرّاج 8: ومثله1234
عدّان، في عتدان، شبّهوه بودّ، وقلّما تقع التاء فى كلامهم ساكنة فى كلمة قبل الدّال، وقد عدلوا فى بعض الأماكن الّتي يلتقي فيها المثلان والمتقاربان، فقالوا في ظللت، ومسست، وأحسست: ظلت، ومست، وأحست 1، كما قالوا في يستطيع: يسطيع (1)، وقالوا في بني العنبر وبني الحارث: بلعنبر وبلحارث، وكذا يفعلون بكل قبيلة تظهر فيها لام المعرفة 2. وقال بعضهم: علماء بنو فلان، يريدون على الماء بنو فلان 3.
الباب العشرون في جائزات الشعر
ويجوز فيه ما لا يجوز في النثر عند الاصطرار، وليس للشاعر أن يلحن، ولكن 1 يسلك طريقا له فيه مذهب، وليس له أن يفعل في شعره ما أراد؛ لدفع ضرورته، وإنّما يجوز له ما يستند إلى أصل فعلته العرب، فيسلك ما سلكوا ويقتدى بهم فيما فعلوا، قال سيبويه 2: وليس شيء يقصدون إليه إلّا وهم يحاولون به وجها، فإن جهلنا ذلك فإنما جهلنا ما علمه غيرنا، أو يكون وصل [إلى 3] الأوّل شيء لم يصل إلى الآخر، وقال ابن السراج: (ليس للشّاعر أن يحذف ما اتّفق له، ولا أن يزيد ما شاء، بل لذلك أصول يعمل عليها، فمنها ما يحسن أن يستعمل ويقاس عليه، ومنها ما جاء كالشّاذّ، ولكنّ الشّاعر إذا فعل ذلك فلا بدّ من أن يكون قد ضارع شيئا بشيء، وإنما التشبيه يختلف، فمنه قريب، ومنه بعيد) 4، وقد ذكر العلماء من جائزات الشعر أنواعا كثيرة، رأيناها أو أكثرها منحصرة في أربعة أنواع: زيادة، وحذف، ونقل، وبدل، وكل ما ذكروه من ضروب الجائزات لا يكاد يخرج عنها إلّا قليلا.
النوع الأول (في الزيادة)
وهي قسمان: حروف، وحركات:
القسم الأول (في الحروف)
الهمزة: أثبتوها في مضارع الفعل الرباعي في قوله:
فإنّه أهل لأن يؤكرما 1
وفي قوله:
وصاليات ككما يؤثفين 2
وإنّما يقال: يكرم ويثفى.
فردّه إلى الأصل.
الألف: أثبتوها مع الجازم في الفعل المعتلّ، كقوله 1: وتضحك منّي شيخة عبشميّة … كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا وأشبعوا الفتحة فصارت ألفا، كقوله: بينا نسوس النّاس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف 2 وإنما هو بين.
وأثبتوها مع أنا في الوصل، وإنما تثبت في الوقف كقوله: أنا سيف العشيرة فاعرفوني … حميدا قد تذرّيت السّناما 1 الألف واللام: أثبتوهما في المنادى الملاصق، غير اسم الله تعالى، كقوله: فيا الغلامان الّلذان فرّا … إيّاكما أن تكسبانا شرّا 2 وأدخلوهما على الفعل المضارع، كقوله: يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا … إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع 3
وعلى المضاف تشبيها بالحسن الوجه، كقوله:
من القوم الرّسول الله منهم … لهم دانت رقاب بنى معدّ 1
الراء: زادوها لإقامة النون في قوله:
وعافت من جبال الصّغد نفسى … وصدّت عن جبال خواررزم 2
وليست الراء منفردة بالزيادة، وإنّما هي تمثيل في جواز زيادة حرف للوزن.
الكاف: أدخلوها على كاف التّشبيه، في قوله:
وصاليات ككما يؤثفين 3
النون: أثبتوا نون الجمع مع الإضافة إلى المضمر، كقوله:
هم القائلون الخير والآمرونه … إذا ما خشوا يوما من الدّهر معظما 1 وأثبتوا نون التوكيد الخفيفة في الواجب والشرط والجزاء، كقوله: ربّما أوفيت في علم … ترفعن ثوبي شمالات 2
وكقوله: فمهما تشامنه فزارة يعطه … ومهما تشا منه فزارة يمنعا 1 يريد: يمنعن 2. وأثبتوا نون الأفعال الخمسة في النصب والجزم، كقوله: ونحن منعنا البحر أن يشربونه … وقد كان منهم ماؤه بمكان 3