البديع في علم العربيةصفحات 54-93

: قبل أن نخوض فى ذكر أحكام المبتدأ فلنذكر جملة المرفوعات التى المبتدأ أحدها وجملتها خمسة: المبتدأ، والخبر، والفاعل، والمفعول الّذى لم يسمّ فاعله، والمشبّه بالفاعل فى اللفظ وهو: اسم كان وأخواتها وما النافية، وخبر إنّ وأخواتها ولا النّافية.
فالخليل 1 ومن تابعه يعتقد أن هذه الخمسة عدّة، وأنّ الفاعل الأصل، والباقى محمول عليه، وسيبويه 2 ومن تابعه يجعل المبتدأ الأصل والباقى محمول عليه، وابن السرّاج 3 يعتقدها قسمة، وأنّ كل واحد منها قائم برأسه، والعدّة من القسمة كالرّسم 4 من الحدّ، ولكلّ من هذه الأقوال حجة تؤيّده، لم نطل بذكرها، إذ الغرض معرفة أحكامها، أصولا كانت أو فروعا، فلنبد أبذكر المبتدأ، ثمّ بالخبر، ثم بالفاعل ثمّ بما لم يسمّ فاعله، ونؤخّر المشبّه بالفاعل إلى باب العوامل، فإنه أولى به.

الفصل الأوّل: فى تعريفه

الابتداء: معنى يتصف به الاسم، وهو الاهتمام بتقديم النطّق به، وله وصفان، أحدهما سلبىّ، والآخر إيجابىّ.
أمّا السّلبىّ: فهو التعرّى من عوامل مخصوصة، هى: كان، وظننت، وإنّ وأخواتهنّ، وما ولا النّافيتان وما أضمر وأعمل من الأفعال، والباء فى" بحسبك قول السوء" ومن فى" ما من أحد قائم" فى لغة 1 تميم.
وأمّا الإيجابىّ: فهو أمران: أحدهما: التّهيّؤ لدخول العوامل التى تعرّى منها والثانى الإسناد إليه.
وكلّ من هذه الأوصاف معنى ليس مظهرا ولا مضمرا فى نيّة اللّفظ وكلّ منها متعلّق بالآخر، فلا تهيّؤ إلا بتعرّ، ولا يستقلّان إلّا بإسناد.
ونظم حدّه، بعد معرفة موادّه: كلّ اسم عريته من عوامل/ مخصوصة وهيّأته لدخولها عليه، وجعلته أهلا للإسناد إليه، فإذا تناول هذا المعنى الاسم رفعه لفظا أو موضعا، وسمّى مبتدأ؛ لأنّه لا عامل لفظيّا قبله، نحو: زيد قائم.
والذى قام زيد، وللنّحاة خلاف فى رافع 2 المبتدأ، والذّى ذكرناه أصحّها وأكملها.
وفى الأسماء ما لا يعمل فيه الابتداء؛ لضعف فى الاسم، نحو: أين وكيف، والظروف غير المتمكّنة، نحو: عند، وسحر، ولدن، والمصادر غير المتصرّفة، نحو: سبحان، ولبّيك.

الفصل الثّانى: فى أنواعه، ومراتبه

وهى ثلاثة أنواع: نوع يلزمه التقّديم، ونوع يلزمه التّأخير، ونوع لك الخيار فى تقديمه وتأخيره.
النّوع الأوّل: على ضربين: وأحدهما: أن يكون نائبا عن غيره، وله موضعان: الأوّل: أن يتضمّن معنى الاستفهام نحو قولك: أىّ الناس يقوم؟ الثّانى: أن يتضمّن معنى الشّرط، نحو قولك: أيّهم يقم أقم معه، فيقّدم المبتدأ فيهما؛ لأنّ الاستفهام والشّرط لهما صدر الكلام.
الضّرب الثانى: أن يكون فى الكلام لبس لو تأخّر، وله موضعان: الأوّل: أن يكون المبتدأ وخبره معرفتين، نحو: زيد أخوك، فزيد هو المبتدأ والأخ الخبر؛ لأن كلّا منهما 1 يجوز أن يجعل مبتدأ؛ فإذا خصّ أحدهما بالابتداء بيّن بالتّقديم؛ ولهذا التزم هذا الحكم فى مفعولى ظننت؛ لاتّفاق إعرابهما ولم يلتزم مع كان؛ لاختلاف إعراب الاسم والخبر.
الثّانى: أن يكون الخبر فعلا ضميره فاعله، نحو: زيد قام؛ لأنّه لو تأخّر لصار فاعلا بعد أن كان مبتدأ، وإن كان الإخبار فيهما سواء.
النّوع الثّانى: يلزمه التّأخير وإن كانت مرتبته التّقديم، وهو على ضربين: الأوّل: أن يتضمّن خبره ما يوجب تقديمه، كالاستفهام، نحو قولك: أين زيد؟ وكيف عمرو؟ / فلزم التأخير؛ للعلّة الّتى أوجبت تقديمه؛ حيث تضمّنها.
الثّانى: أن يكون فى الكلام لبس، وهو: أن يكون المبتدأ نكرة فى كلام موجب، لا معنى للدّعاء فيه، نحو: عليك

مال، وعندك رجل، ولا يجوز الابتداء بالنّكرة؛ لالتباس الخبر بالصّفة؛ فإنّك إذا قلت: رجل عندك، جاز أن يكون الظّرف صفة والخبر، منتظر، فإذا تقّدم الظّرف تمحّض للخبريّة، وبطل أن يكون صفة.
وقد أجازوا الابتداء بالنّكرة فى مواضع: الأوّل: أن تكون موصوفة، كقوله تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ 1 وكقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ 2. الثانى: أن يعطف عليها موصوف، أو تعطف على موصوف، نحو قوله: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ 3 فيمن 4 قدر الخبر محذوفا بعده، وكقوله تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ 5. الثّالث: أن يكون فيها معنى الدّعاء، كقوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ 6، وقوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ 7 وكقولك: خير بين يديك، وشرّ وراءك.
الرّابع: مع الاسسفهام، كقولك: أرجل فى الدّار أم امرأة؟ الخامس: مع النّفى كقولك: ما أحد خير منك، وقولهم: - حكاه سيبويه 8 - " شرّ أهرّ ذا ناب" منهم من ألحقه بالنّفى، أى: ما أهر ذاناب إلّا شرّ، ومنهم من جعله كالمثل، نحو قولهم:" مكره أخاك 9 " ومنهم من يجعله مصدرا؛ لتقارب المعرفة والنكرة فيه.

السّادس: فى ضرورة الّشعر كقوله (1): وقد أجاز ابن السّرّاج (2): رجل قائم، لكن فى جواب من قال: أرجل قائم أم امرأة؟ وذلك أنّه سأل عن نوعين، فأجبته بأحدهما النوع الثالث: يجوز تقديمه وتأخيره؛ اتّساعا، وهو: أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة، مفردا أو جملة، عاريا من تلك المعانى المذكورة فى النوعين الأوّل والثّانى، نحو قولك: زيد قائم، و: زيد أبوه منطلق، فزيد هو المبتدأ، تقدم أو تأخّر، وإنّما جاز ذلك؛ لأنّ النكرة/ لا يبتدأ بها، فإذا وجدت متقدّمة فى اللفظ، علم أنّها الخبر؛ فتقول: قائم زيد، و" تميمىّ أنا" و" مشنوء من يشنؤك"، ومنه قوله تعالى: سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ (3) فأمّا قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ (4) فالمعنى: سواء عليهم الإنذار وعدمه وسيجئ بيانه فى باب الخبر (5).

الفصل الثّالث: فى متعلّقات المبتدأ

، وهى خمسة

المتعلّق الأوّل: خواصّه

، وهى على ضربين: عامل، وغير عامل.
أمّا العامل: فهو ما ذكرناه فى الفصل الأوّل، ممّا عرّى منها وهيّئ 6، وسيأتى ذكرها فى باب العوامل 7.12345

وأمّا غير العامل، فهى حروف، منها: لام الابتداء [نحو] (1) قولك: لزيد قائم، وقوله تعالى: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا (2) ولا تدخل على الخبر إلا إذا تأخر مع إنّ، نحو: إنّ زيدا لقائم، وقد دخلت عليه فى الشّعر قال الشّاعر (3): أمّ العجير لعحوز شهر به … ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه وفائدة دخولها: تأكيد الكلام وتحقيقه، وأنّها أغنت عن إعادته وتكريره.
ومنها: لولا، التّى معناها امتناع الشئ؛ لوجود غيره، نحو قولك: لولا زيد لأكرمتك؛ فزيد مرفوع بالابتداء والخبر محذوف، تقديره: لولا زيد موجود، أو قائم، ونحو ذلك، ولأكرمتك جواب لولا، وحذف هذا الخبر فى العربيّة كالشّريعة (4) المنسوخة؛ لطول الكلام.
ومنها: أمّا، كقولك: أمّا زيد فقائم وأمّا عمرو فذاهب.
ومنها حروف الاستفهام (5)، وإنّ وأخواتها إذا كففن بما (6)، كقولك: أزيد قائم أم عمرو، وإنّما زيد قائم، ولهذه الحروف مواضع تذكر فيها مشروحة.

المتعلّق الثّانى: الفصّل

، وهو ضمير المرفوع المنفصل، للمتكلّم والحاضر، والغائب، نحو، أنا وأنت وهو، فيتوسّط بين المبتدأ والخبر، إذا123456

كانا معرفتين، أو كان الخبر أفعل من كذا، لأنّه أشبه المعرفة؛ بامتناع دخول لام التّعريف عليه، ولا بدّ أن يكون كناية عن الإسم المذكور، ويدخل قبل دخول العوامل اللّفظيّة ومعها، لا يمنعها عن العمل؛ وجئ به إيذانا بأنّ الخبر خبر، لا وصف؛ وليفيد ضربا من التّوكيد.، ويسمّيه البصرىّ فصلا 1، والكوفىّ عمادا؛ تقول: زيد هو القائم، وزيد هو أفضل من عمرو، ومنه قوله تعالى: إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ 2 وقوله تعالى: كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ 3 وقوله تعالى: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً 4، وتدخل عليه لام الابتداء، تقول: إن كان زيد لهو الظّريف، ولو قلت: كان زيد أنت خيرا منه، ولم يجز؛ لأنّ أنت غير زيد، فإن قلت: كنت أنت خيرا من زيد، جاز أن يكون فصلا، وأن يكون تأكيدا، ولو قلت: ما أظنّ أحدا هو خيرا منك، لم يجز لأنّ أحدا نكرة، ولكن ترفع" خيرا".
وقد أجازوا دخوله مع كون الخبر فعلا مضارعا، نحو: زيد هو يقوم؛ لمشابهته الاسم، ولم يجيزوه مع الماضى؛ لعدمها، ومنه قوله تعالى: وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ 5 فإذا لم تجعله فصلا وجعلته مبتدأ وما بعده خبره، بطل فعل العوامل؛ تقول: كان زيد هو القائم وقد قرئ قوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ 6.

ومتى كان الخبر نكرة لم يكن إلّا مبتدأ، تقول: كان زيد هو قائم، ليس غير.
والفصل ملغى من الإعراب؛ فلا يؤكّد، ولا يعطف عليه، ولا يحال بينه وبين الألف والّلام، ولا يقدم على المبتدأ، ولا على كان؛ فلا تقول: زيد هو نفسه القائم، ولا: زيد هو وأنت القائم، ولا: كان هو زيد القائم، ولا: زيد هو كان القائم.

المتعلّق الثّالث: ضمير الشّأن والقصّة

من عادتهم أن يقدّموا قبل الجملة ضميرا، يسمّيه البصرىّ ضمير الشّأن 1 والقصّة، ويسمّيه/ الكوفىّ المجهول (1). ويخالف الضمّائر؛ لأنّه لا يحتاج إلى سابق يرجع إليه، ولا يكون فى الكلام دليل عليه، وبهذه المباينة، لا يعطف عليه، ولا يؤكّد، ولا يبدل منه، ولا يتقدّم خبره عليه، ولا يكون خبره مفردا، ولا يكون له عائد، ويكون منفصلا، ومتّصلا، ومذكّرا ومؤنّثا، تقول: هو زيد قائم، وهى هند ذاهبه، أى الشّأن والحديث، زيد قائم، ومنه قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 2 فإن أدخلت عليه" ظننت وإنّ وأخواتهما، برز، تقول: ظننته زيد قائم، وإنّه زيد ذاهب، ومنه قوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ 3 وقوله: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ 4. وقد يحذف فى ضرورة الشّعر.
وإذا دخلت عليه" كان" وأخواتها، استتر، كقولك: كان زيد ذاهب، أى:

كان الشبّأن والقصّة زيد ذاهب.
وقد شبّهوا كاد بكان، كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ (1).

المتعلّق الرّابع: اسم الفاعل

، إذا اعتمد على همزة الاستفهام، أو حرف النّفى، كقولك: أقائم الزّيدان؟ وما ذاهب العمران، حصل له حكم مركّب من حكمين.
أحدهما: فعلىّ وهو: العمل، فارتفع به الزّيدان ارتفاعهما بالفعل.
والثانى: اسمىّ وهو: إعراب المبتدأ؛ فارتفع بالابتداء - وإن كان نكرة - لنيابنه مناب الفعل، وسدّ معموله - الذى هو الزّيدان - مسدّ الخبر؛ لأنّه بمنزله قولك: أيقوم الزّيدان؟ ولا يجوز أن يكون" الزيدان" مبتدأ و" قائم" الخبر لاختلافهما فى العدّة.
والثانى هو الأوّل فى باب الابتداء؛ ولا تعكس القضيّة لهذه العلّة؛ ولأنّ" الزيدان" معرفة و" قائم" نكرة، وحيث ينزّل منزلة الفعل، لم يجز أن يخبر عنه؛ لأنّ الفعل لا يخبر عنه.
ولا يجوز تثنيته ولا جمعه؛ فلا تقول: أقائمان الزّيدان؟ ولا: ما ذاهبون1

الزّيدون 1، إلّا على قول من قال:" أكلونى البراغيث".
ومن المبتدآت التّى لا أخبار لها قولهم:/" أقلّ رجل يقول ذاك" و" أقلّ رجلين يقولان ذاك" و" أقلّ رجال يقولون ذاك": فأقلّ مبتدأ، ورجل مضاف إليه ويقول" صفة" رجل" وقد سدّ ذلك مسدّ لخبر؛ لأنّ أقلّ بمعنى" قلّ"، والفعل لا يخبر عنه، قال ابن السّرّاج 2: أجروا أقلّ رجل مجرى: قلّ رجل، وقد وضعته العرب موضع النفّى؛ لأنّ أقرب شئ إلى النّفى: القليل، وجعلت" أقلّ" مبتدأ صدرا؛ فلا يبنونه على شئ ولا تدخل عليه العوامل؛ فلا تقول: ليت أقلّ رجل يقول ذاك، ولا: كان أقلّ رجل 3 يقول ذاك.
وتقول:" أقلّ رجل يقول ذاك إلا زيد"، قال سيبويه: لأنّه صار فى معنى: ما أحد فيها إلّا زيد" ولا يحسن فى خبره إلّا الفعل، لو قلت: أقلّ رجل ذو جمّة، 4 لم يحسن، ويجوز فى الظّرف؛ لتضمّنه معنى الفعل، تقول: أقلّ رجل فى الدار قال 5 والقياس أن يكون موضع" يقول ذاك" رفعا، على أنّه خبر؛ لأنّ المبتدأ يقتضى الخبر، وقال الأخفش: يجوز أن يكون موضعه جرّا، على الصّفة 6، ويضمر الخبر.

المتعلّق الخامس: حذف المبتدأ،

ولا يخلو الكلام؛ أن يكون فيه - إذا حذف المبتدأ - دليل عليه، أو لا يكون.
فإن لم يكن، فلا يجوز حذفه، لا تقول فى: زيد قائم: قائم، وتحذف زيدا؛ لأنه لا دليل عليه.
فأمّا ما فيه دليل، فهو على ضربين: الأوّل: لك فيه الخيار حذفا وإثباتا؛ فالحذف للاختصار، وهو أكثر استعمالا؛ والإثبات للعناية به والتوكيد، يقول القائل: كيف أنت؟ فتقول: صالح، أى: أنا صالح، وإن شئت أثبتّه فقلت: أنا صالح، وعلى الحذف قوله تعالى: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ 1 أى هى النّار، وقوله تعالى: قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ 2 أى: أمرى وشأنى صبر جميل، ومنه قول المستهلّ إذا رأى الهلال:" الهلال والله" أى: هذا الهلال والله.
وقد حذف المبتدأ وأقيم الظّرف - الّذى هو صفته - مقامه، كقوله تعالى: وَأَنَّا مِنَّا/ الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ 3 أى: ومنّا قوم دون ذلك.
الضّرب الثّانى: لا يجوز ظهوره فى الكلام، وهو قولهم:" لا سواء"، ف" سواء": خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذان لا سواء، لكنهم لم ينطقوا به، قال سيبويه 4: إنما دخلت" لا" ها هنا؛ لأنّها عاقبت ما عليه (4) سواء؛ وذلك

أنّ" لا" إذا وقعت بمعنى" غير" فلا بدّ من تكريرها، تقول: زيد لا قائم ولا نائم، فحذفوا المبتدأ ها هنا؛ ليناسب فى اللفظ" لا" التى بمعنى" ليس".
ومنهم من يجعل المبتدأ المحذوف بعد" لا" ويقدّره: لا هما 1 سواء، وهذا لا يصحّ؛ لأنّه يوجب ل" لا" أن تقع قبل المعرفة بغير تكرير.

الباب السّابع من القطب الأوّل: فى الخبر

وفيه ثلاثة فصول

الفصل الأول: فى تعريفه

حدّ الخبر: ما احتمل الصّدق أو الكذب، تقول: زيد قائم، وعمرو قام أبوه؛ فقيام زيد وأبى عمر، يجوز أن يكون صدقا، وأن يكون كذبا، وهو كلّ ما أسندته إلى المبتدأ وحدّثت به عنه.
ومن حقّه ألّا يكون استفهاما، ولا أمرا، ولا نهيا، ولا شيئا ممّا لا يتعاقب عليه الصّدق والكذب، ولكنّ العرب اتّسعت فى كلامها؛ فقالت: زيد قم إليه، و: زيد لا تضربه، وزيد كم مرّة رأيته؟ فعلوا ذلك: لمّا كان زيد فى المعنى والحقيقة داخلا فى جملة ما استفهم عنه، وأفاد الأمر والنّهى إفادة الخبر؛ فهذا الاتّساع يسمّى إسنادا وإضافة، ولا يسمّى خبرا إلّا مجازا، فالإسناد أعمّ من الإخبار.
وهو مرفوع، لفظا أو موضعا، ورافعه - كما سبق - مختلف فيه.
فالأكثر الأقوى أنّه مرفوع بالإبتداء 1 والمبتدأ معا؛ لأنّ الابتداء رفع المبتدأ كما سبق، واجتمعا معا على رفع الخبر؛ لأنّهما ليسا بشيئين يتصوّر انفصال/ أحدهما عن الآخر، فإذا اقنضى المبتدأ الخبر اقنضاه الابتداء وإذا اشتركا فى اقتضائه، وجب أن يشتركا فى العمل فيه؛ فعمل الابتداء فى المبتدأ بنفسه، وفى الخبر بواسطة المبتدأ، وبعد العمل فيه؛ لأنّ الخبر لا يكون

إلّا بعد حصول المبتدأ، ثمّ التعرّى من العوامل والتّهّيو لها لا يتمّان إلّا بعد مجئ الخبر، ألا ترى أنّك إذا قلت: زيد، ولم تجعل له خبرا، لم يكن كلاما فيجعل له إعراب، فلمّا كان الابتداء لا يستقلّ إلّا بعد وجود الجزأين جميعا جاز أن يعمل فى كلّ واحد منهما.
وقال قوم: رافع الخبر المبتدأ (1) وحده، وقال قوم: الابتداء رافع المبتدأ والخبر (1) معا.

الفصل الثّانى: فى أقسامه

وينقسم قسمين: إحداهما: معرفة ونكرة، والأخرى: مفرد وجملة.
القسمة الأولى: الأصل فى الإخبار النكرة؛ لأنّه معتمد الفائدة، كما أنّ المبتدأ معتمد البيان، والفائدة إنّما تحصل بما لا يعلم، تقول: زيد قائم، وزيد معرفة، وهو المبتدأ، و" قائم" نكرة، وهو الخبر، فأخبر المتكلّم المخاطب عن زيد الّذى يعرفه ب" قائم" الّذى لا يعرفه من حاله.
فأمّا المعرفة إذا قلت: زيد أخوك، وأنت تريد أنّه أخوه من النّسب، فإنّما يجوز إذا كان المخاطب يعرف" زيدا" على انفراده ولا يعرف أنّه أخوه، لسبب؛ فتخبره أنت أنّ زيدا الذّى يعرفه هو أخوه؛ ولذلك لو قلت: أخوك زيد، و" زيد" الخبر، كان المخاطب عارفا أنّ له أخا، جاهلا أنّه زيد؛ فأفدته بإخبارك: تعيين زيد لأخوّته، فمتى كان الخبر عن المعرفة معرفة، فالفائدة فى كلّ منهما إذا جعلته خبرا، فإن كان المخاطب يعرفهما مجتمعين، فلا فائدة فيه، فأمّا قولهم:" الله ربّنا"، و" محمد نبيّنا" فإنّما هو اعتراف من1

القائل، وإقرار، وردّ على من أنكره، أو هو جار على سبيل التّعظيم والتّمجيد، وإذا/ كانوا قد منعوا من الإخبار ببعض النكرات فى 1 قولهم: الثّلج بارد، والعسل حلو، والأثنان أكثر من واحد، فلأن يمنعوه مع المعرفة أولى.
القسمة الثّانية نوعان: النوع الأوّل: المفرد، وهو المبتدأ فى المعنى، وهو على ضربين.
أحدهما: يتحمّل الضمير إجماعا، والآخر: فى تحمّله الضّمير خلاف.
أمّا المختلف فيه: فهو ما لم يكن مشتقا، نحو: زيد وعمرو، وأخيك وغلامك، تقول: زيد أخوك، و: أخوك زيد، وعمرو غلامك، و: غلامك عمرو، فالبصرىّ 2 لا يحمّله الضمير؛ لأنّ ما تحمّل الضّمير من الأسماء؛ إنما تحمّله لمشابهة الفعل، كالأسماء المشتقة من الأفعال، والصّفات المشبّهة بها؛ فلمّا لم يكن بينه وبين الفعل مشابهة؛ بقى على أصله، والغرض من هذا القسم، أنّه دليل على شخص معلوم، فإذا قلت: زيد أخوك، فالمراد: أنّ اللّفظ الذّى هو" أخوك" دليل على الشّخص الذى يدلّ عليه لفظ زيد، وليس معناه الدّلالة على فعل وحدث، كما يدلّ عليه" قائم" و" حسن"؛ فلهذا لم يحتج إلى تحمّل ضمير؛ ولذلك قلنا: إنّ الخبر فيه هو المبتدأ فى المعنى؛ فإن زيدا هو الأخ والأخ هو زيد.
وأمّا الكوفّى 3 فيقدّر فيه معنى، ويحّمله الضّمير؛ لرجوعه إلى معنى الفعل المقتضى إسناده إلى غيره، فيقدّر فى قولك: زيد أخوك: مؤاخيك، وفى: هند أمّك: والدتك، وفى: هذا غلامك: خادمك.

وأمّا المجمع على تحمّله الضمير: فهو الأسماء الجارية على الأفعال، والصّفات المشبّهة بها، وأفعل من، نحو قولك: زيد قائم، وعمرو حسن، وبشر أفضل من بكر، وله ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ترفع به مضمرا، فتقول: زيد قائم، ففى" قائم" ضمير فاعل، تقديره: هو، و" هو" و" زيد" و" قائم" ثلاثة أسماء لمسمى واحد، فلو أخليته من الضمير، لم تكن قد خصصته ب" زيد" وكان كالشّائع المتناول كلّ مسند إليه.
ولا يظهر هذا المضمر، كما لا يظهر فى الفعل، فى قولك: زيد قام، وقد أجازه سيبويه 1 فى بعض كلامه، وغيره يأباه، ويدلّ على صحّته: قولهم: " مررت بقوم عرب أجمعون 2 "، وقاع عرفج كلّه، و" أجمعون" تأكيد للضمير فى" عرب"، تقديره: عرب هم أجمعون، حتى لو ظهر الضّمير فقيل: عرب غلمانهم، لكان" أجمعون" تأكيدا لهم، وكذلك: بقاع عرفج كلّه؛ كأنّه قال: بقوم فصحاءهم 3 أجمعون؛ وبقاع خشن هو كلّه، أو صلب هو كلّه، وإذا كان ذلك فى عرب وعرفج 4 فما ظنّك بقائم وحسن"؟ الحالة الثانية: أن ترفع به مظهرا، فتقول: زيد قائم أخوه، فلا يتحمل الضمير؛ لأنّه لا يرفع شيئين مضمرا، ومظهرا، والهاء هى العائدة من الخبر إلى المبتدأ، إلّا أن تجعل" أخوه" مبتدأ ثانيا، وقائما خبره مقدّما عليه، وفى

" قائم" ضمير يعود إلى" الأخ"، فأمّا و" أخوه" مرفوع ب" قائم" فلا.
الحالة الثالثة: أن يجرى الضّمير على غير من هو له، فيبرز؛ دفعا للّبس إذا وقع خبرا، أو وصفا، أو حالا، أو صلة؛ لأنه لمّا نقص هذا الضرب عن رتبة الفعل فى تحمّل الضمير، وقصر عنه فى الظّهور لفظا، احتاجوا أن يظهروه، ألا ترى أنّ" ضاربا" يتحمّل ضمائر مختلفة: للمتكلّم، والمخاطب والغائب، تقول: أنا ضارب، وأنت ضارب، وهو ضارب.
والفعل يلحقه لكلّ منهم علامة تخصّه، تقول: ضربت، و: ضربت و: ضرب، فلذلك أبرزوا الضمير، تقول: هند زيد ضاربته هى، فهند مبتدأ أوّل، وزيد مبتدأ ثان، وضاربته" خبر زيد"، هو ل «هند» فقد جرى على غير من هو له؛ فأظهرت الضمير المستتر فى" ضاربته" وهو" هى"، وارتفع بأنّه فاعل وتنزّل منزلة الظّاهر؛ فكأنّك قلت: هند زيد ضاربته جاريتها، وكذلك تقول: زيد ضاربه أنا، أو أنت، فتبرز ضمير المتكلّم، إذا جعلت الفعل/ لك، وضمير المخاطب إذا جعلته له، حيث جرى فيهما خبرا لزيد.
وبين المسألتين فرق: وذلك: أنّ الأولى إذا لم يبرز الضّمير، الذّى هو" هى" علم أنّ زيدا لا حظّ له فى الفعل، والثّانيه إذا لم يبرز الضّمير، الذى هو" أنا" و" أنت" لم يعلم أنّ الفعل لغير" زيد"، إلّا أنّ اللّبس لمّا خصل فى مواضع، أجروا الباب على سنن واحد، فأبرزوا الضّمير.
وقد أبرزوا الضمير مع الفعل، فقالوا: زيد أخوه يضربه هو، إذا جعلت الفعل لزيد.
وممّا يوضّح لك هذا الأمر؛ التّثنية والجمع، تقول: الهند ان الزّيد ان ضاربتهما هما، فتثنىّ الضمير دون اسم الفاعل؛ لأنّه جار مجرى الفعل

المتقّدم فى: قام الزيدان.
ومن ثنّى وجمع ضمير الفعل - وهم الأقلّ - قال: الهندان الزيدان ضاربتاهما هما، وبناء المسألة: أن" الهندان" مبتدأ، والزيدان مبتدأ ثان وضاربتهما خبر" الزّيدان"، وهو للهندان، فقد جرى على غير من هو له فلهذا أبرز، ف" هما" الأولى عائد إلى الزيدان: وهما" الثّانية عائد" إلى الهندان" بإزاء" هى" فى المسألة الأولى: وتقول: زيد الخبز آكله هو، فتبرز الضّمير الذى فى" آكل، لأنّه جرى على الخبر، وهو ل زيد، ولو نصبت الخبز باسم الفاعل يفسّره هذا الظّاهر - قياسا على من قال: زيدا ضربته 1 - لم تحتج إلى إبراز ضمير، كأنّه قيل: زيد آكل الخبز آكله، فيكون" آكل" المضمر مع من هو له؛ فلم يجر على غير صاحبه؛ فلم يبرز الضّمير، وأمّا" آكله" المظهر، فليس بخبر عن الخبز؛ فإنّ الخبز منصوب ب" آكل" المضمر، والمخبر عنه المبتدأ لا يكون منصوبا، قال ابن السّرّاج: وهذه المبتدآت إذا أكثروها فإنما هو شئ قاسه النحويّون؛ ليتدرّب به المتعلمون، ولا أعرف له فى كلام العرب 2 نظيرا، فمن ذلك قولهم: زيد هند العمران منطلقان إليها من أجله، فزيد مبتدأ أوّل، وهند مبتدأ ثان والعمران مبتدأ ثالث، و" المنطلقان"/ خبر عن" العمران"، وفيهما ضميرهما وما بعدهما خبر ل" هند"، والراّجع إليها" الهاء" في إليها،

وهند" وما بعدها، خبر عن" زيد" والرّاجع إليه الهاء فى" 1 أجله"، وقد فرّع النحاة فى كتبهم مسائل كثيرة من هذا النّوع، فاقتصرنا بذكر هذه المسألة؛ ليقاس عليها.
النوع الثّانى من القسمة الثّانية: الجملة، وهى غير المبتدأ، وتنقسم فى الأصل - قسمين، أحدهما: جملة من فعل وفاعل، والآخر: جملة من مبتدأ وخبر، وتتفرّع عليهما ثلاث جمل: جملة من شرط وجزاء، وظرف وجارّ ومجرور، فصار منقسما إلى خمسة أقسام.
وللنّحاة فى هذا التقسيم خلاف على أقوال شتى، ومدارها على أنّ المبتدأ يخبر عنه بغير المفرد المقدّم ذكره، بهذه الأشياء الخمسة.
القسم الأوّل: الجملة من الفعل والفاعل، تقول: زيد قام أبوه، وعمرو ذهب أخوه؛ ف" زيد" مبتدأ و" قام" فعل، فاعله: أبوه، والجملة: خبر" زيد" ولا بدّ لهذه الجملة وغيرها من الجمل، إذا وقعت خبرا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو صلة لموصول، أو حالا لذى حال، من ضمير يعود منها إلى ماهى تبع له؛ لتربط التّابع بالمتبوع؛ حيث هو أجنبىّ منه، ولولا هو لما صحّ نظم الكلام؛ فلو قلت: زيد قام عمرو، لم يجز حتّى تقول: إليه أو نحوه.
ولا تخلو الجملة الفعليّة: أن يتصدّرها فعل، لفظا كهذه، أو تقديرا كقولك: إذا زيد زارنى زرته، ف" زيد" مرتفع بفعل مضمر؛ لأنّ" إذا" طالبة للفعل؛ إذ فيها معنى الشّرّط، وعليه قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ 2 وإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ 3 ومثله وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ 4 التقدير:

إذا انشقّت السّماء انشقّت، وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، فالظّاهر فى الآيتين مفسّر للمضمر؛ ولهذا نصب الشّاعر ما جاء بعدهما فى قوله 1: إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته … فقام بفأس بين جنبيك جازر وفى قوله 2: لا تجزعى إن منفسا أهلكته … وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعى ومن رفعهما بفعل مضمر، تقديره: إذا بلغك، وإن هلك - وقد جوّزه سيبويه - 3 رفع ما بعد" إذا" بالإبتداء 4، كما جوّزه فى" حيث".

والمذهب الأقوى: أنّ" إذا" و" إن" الشّرطيّة و" لو" و" هلّا" و" لولا" التّحضيضيّة، لا يرتفع الاسم بعدهنّ بالابتداء؛ لطلبهنّ الفعل، وإنّما يرتفع بفعل مضمر كقولهم:" لو ذات سوار لطمتنى" 1 تقديره: لو لطمتنى ذات سوار، وعليه قوله تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي 2 ومنه قول الشاعر 3: ونبّئت ليلى أرسلت بشفاعة … إلىّ فهلّا نفس ليلى شفيعها القسم الثّانى: الجملة من المبتدأ والخبر، تقول: زيد أبوه منطلق، وعمرو أخوه ذاهب؛ ف" زيد" مبتدأ، وأبوه" مبتدأ ثان، و" منطلق" خبر" أبوه" والجملة خبر" زيد"، و" الهاء" فى" أبوه" راجعة إلى" زيد"، ولا بدّ منها كالجملة الأولى، فلو قلت: زيد عمرو منطلق، لم يجز حتّى تقول: إليه أو نحوه، وهذا الضّمير لا يخصّ واحدا من جز أى الجملة الخبريّة، بل يكون تارة فى أوّلهما كقولك: زيد أبوه قائم، وتارة فى ثانيهما كقولك: زيد عمرو أخوه وتارة فى الفضلة، كقولك: زيد عمرو وذاهب إليه.
وفى قولك: زيد أبوه منطلق، خمسة أسماء؛ اثنان مسمّاهما واحد، وهما:" زيد" و" الهاء" فى أبوه"، وثلاثة مسمّاها واحد:" الأب"، و" منطلق"، والضّمير المستكنّ فيه، ولو قّدمت منطلقا لارتفع بأنّه خبر المبتدأ، وارتفع، أبوه" به؛ لأنّه فاعله، ولم يبق فى" منطلق" ضمير، لرفعه الظّاهر، فلو ثّنيت المبتدأ الثانى - لثنّيت

" منطلقا" مع الأولى، فقلت: زيد أبواه منطلقان، ولم تثّنه مع الثانية، فى القول القوىّ فتقول: زيد منطلق أبواه.
القسم الثالث: الجملة من الشّرط والجزاء/، وهى ملحقة بالقسم الأوّل وفرع عليه، تقول: زيد إن تكرمه يكرمك، و: عمرو إن تحسن إليه يحسن إليك، ولا بدّ فيها من عائد إلى المبتدأ، وهو الهاء فى" تكرمه"، إلّا أنّه لّما كان الشّرط والجزاء كلمتين لا تنفصل إحداهما عن الأخرى؛ ونزّلت لذلك منزلة الجملة الواحدة، لم يلزم أن يعود الذّكر إلى المبتدأ من كلّ واحدة منهما - وإن جاز ذلك وكان أحسن - تقول: زيد إن تكرمه يكرمك بكر، فالعائد من الشّرط، و: زيد إن نكرمه، فالعائد من الجزاء، و: زيد إن تكرمه يكرمك، بكر، فالعائد من الشّرط، و: زيد إن تكرمنى نكرمه، فالعائد من الجزاء و: زيد إن يكرمنى نكرمه يكرمك، فالعائد منهما، أمّا من الشّرط، فهو" الهاء" فى" تكرمه"، وأمّا من الجزاء، فهو الضمير المستكنّ فى" يكرمك"، فإن أخليتهما من الضمّير فقلت: زيد إن تعط عمرا يشكرك بكر، لم تجز.
القسم الرّابع: الظّرف، وفيه خلاف: فبعضهم 1 يقدّره جمله، ويجعله فرعا على القسم الأوّل، وبعضهم 2 يقدره مفردا، وكلام سيبويه يحتمل الأمرين، والأغلب عليه: الإفراد 3، وهو على ضربين: ظرف زمان، وظرف مكان.

والأسماء إمّا أحداث، كالعلم والضّرب، ويلحق به اليوم والليلة، وإمّا أعيان، كزيد وعمرو، ويلحق به ظرف المكان، وإمّا مركّب منهما، نحو: قائم وحسن، ويلحق بالأعيان.
فالأعيان: لا يقع من الظّرفين خبرا عنها إلا ظرف المكان، ويحمل عليها المركّب، تقول: زيد أمامك، وعمرو خلفك، والقائم عندك، والكريم فى الدّار، ففى الكلام محذوف يتعلّق بالظّرف؛ تقديره: زيد استقّر خلفك، أو مستقرّ، فحذف هذا المقدّر حذفا مطّردا، لا يظهر؛ تخفيفا، وللعلم به، وأقيم الظّرف مقامه، وجعل خبرا عن زيد.
وفى حكم الضمير المستكنّ فى المحذوف خلاف 1: فمنهم من ينقله إلى الظّرف ويجعل الحكم له، ومنهم من يجعله باقيا بحاله، والحكم له.
وظهور هذا المحذوف شريعة منسوخة؛ فلا تقول: زيد استقرّ، أو مستقرّ خلفك، فأمّا قوله تعالى: فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا/ عِنْدَهُ 2 فإنّ" مستقرّا ليس عاملا فى الظّرف، وإنّما هو حال من الهاء فى رآه و" عنده" ظرف للرّؤية وأمّا قولهم:" الليلة الهلال" و:" اليوم خمر 3 وغدا أمر" و:" الجباب 4 شهران" فعلى تقدير مضاف محذوف، كأنّه قيل: الليّلة طلوع الهلال، أو حدوث الهلال

، ومنه قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (5) أى: أهل القرية، وقوله تعالى: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ 1 أى: دعاءكم، وهذا باب واسع فى العربيّة، وما أكثرة فى التنزيل والشّعر: قال ابن السّرّاج 2: ألا ترى أنّك لا تقول: الشّمس اليوم ولا: القمر الليلة؛ لأنّه غير متوقّع؟ فإن قلت: اليوم زيد، وأنت تريد هذا المعنى، جاز.
وتقول: كلّ يوم لك عبد؛ لأنّ فيه معنى الملك، ويوم الجمعة عليك ثوب لاستقرار الثّوب عليك.
ويجوز رفع الليلة، على تقدير: اللّيلة ليلة الهلال؛ فلا يكون ظرفا.
وهذا الظرف المكانىّ لا يعمل فى مظهر عند سيبويه 3 4، فلا تقول: زيد خلفك أبوه، وأبوه رفع بخلفك؛ إنّما هو مرفوع بالابتداء، و" خلفك" خبره وفزه ضمير، والجملة خبر" زيد"، فإن جرى وصفا أو صلة، عمل فى مظهر كقولك: مررت برجل خلفك أبوه، ومررت بالّذى خلفك أبوه، ومنه قوله تعالى تعالى لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ 5 وغرف" مبتدأ، ولهم" خبره، و" غرف" الثانية مرتفعة بالظّرف؛ لأنّه جرى وصفا.
وأمّا الأحداث فيصحّ الإخبار عنها بالظرّفين معا، تقول: الخروج اليوم والقتال خلفك، التقدير: الخروج استقرّ، أو مستقرّ اليوم، والقتال استقرّ، أو مستقرّ خلفك.
وحكم الضّمير وباقى الأحكام الشّائعة بين الظرّفين كما سبق مع الأعيان.

والظرفان - إذا لم يكن فيهما تخصيص - لم يصحّ الإخبار بهما؛ لمعرفة ذلك قبل الإخبار، كقولك: زيد مكانا، والرّحيل وقتا.
ومن الأحداث ما لا يصحّ الإخبار عنه البتّة، نحو: سبحانك، ولبّيك ومنها ما لا يصحّ الإخبار عنه بالظرف، ويخبر عنه بالاسم، وهو: أن مع الفعل كقولك: أن 1 تأنينى يوم/ الجمعة، أو خلفك، لا يجوز: أن تأتينى خير لك وعليه 27.
قوله تعالى: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ 2. القسم الخامس: حرف الجرّ: معظم العلماء لم يفرد هذا القسم بدكر، وإنّما جعلوه فى القسم الرابع؛ لأنّ الأصل فى الظّرف حرف الجرّ، فحذف وأقيم الظّرف مقامه، فإذا قلت: القتال اليوم، وزيد خلفك، فالتقدير؛ فى اليوم، وفى خلفك، وباقي الجمل المتركّبة من حروف الجر، كذلك حكمها؛ لطلبها الفعل الّذى اجتلبت فى الأصل لأجله؛ تقول: زيد من الكرام، والحمد لله، والقوّة بالله، التقدير؛ زيد استقرّ، أو مستقرّ من الكرام.
وحكم هذا القسم، فى حمله على الجملة أو المفرد، وفى المضمر فيه وحذفه، انتقال الضمير المستكنّ فيه، وعمله فى المظهر، حكم الظروف.

الفصل الثّالث: فى متعلّقات الخبر،

وهى ثمانية المتعلّق الأوّل: إذا كان الخبر مفردا غير ظرف ولم يرفع ظاهرا، كان بعدّة المبتدأ، إلّا أفعل من كذا، فإنه يكون للاثنين، والجمع، والمؤنث، والمفرد على حدّ واحد، تقول فى الأوّل: زيد قائم، وهند قائمة، والزّيدان قائمان، والزّيدون قائمون، وقيام، وتقول فى الثّانى: زيد أفضل منك، وهند أحسن منك، والزّيدان أعلم منك، والزّيدون أشرف منك.
فأمّا قولهم: «راكب النّاقة طليحان 1، فتقديره: أحد طليحين، 2 فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون قد حذف المعطوف؛ للعلم به، تقديره: راكب النّاقة (2) والناقة طليحان، ومثله قول الشّاعر: أقول له كالنّصح بينى وبينه … هل انت بنافى الحجّ مرتحلان 3 وقد جوّز بعضهم: غلام زيد ضربتهما، فيعيد الضمير إليهما.
المتعلق الثاني:/ الجمل الواقعة أخبارا عن المبتدأ، مواضعها رفع؛ لأنّك لو جعلت موضعها مفردا، لكان مرفوعا، وكلّ جملة يصحّ أن يقع المفرد موضعها، فلها موضع من الإعراب؛ إن رفعا فرفع، وإن نصبا فنصب، وإن جرّا فجرّ.
وتنحصر فى مواضع؛ اثنتان موضعهما رفع وهما: الجملة الواقعة خبرا

للمبتدأ، والجملة الواقعة خبرا ل" إنّ" وخمس موضعهنّ نصب وهى: خبر" كان" والمفعول الثانى ل" ظننت" والمفعول الثالث ل" أعلمت"، والحال، ومعمول القول، نحو: قلت زيد قائم، وواحدة تتبع صاحبها فى إعرابه، وهى الصّفة نحو: مررت برجل أبوه منطلق، وواحدة موضعها جزم عند قوم، وهى الشّرطيّة 1، ويعضّده قوله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ 2 فيمن جزم 3 عطفا على موضع الفاء الواقعة موقع فعل الجزاء، فلو لم يكن موضعها جزما لم يعطف عليه مجزوم، ومنه قوله تعالى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ 4. المتعلّق الثالث: الضمير الراجع إلى المبتدأ، له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون موجودا فى اللفظ؛ كقولك: زيدا قام أبوه، وزيّد أبوه منطلق، ف" قام" فعل، والأب فاعله، كما سبق.
الحالة الثانية: أن لا يكون موجودا فى اللفظ، نحو: زيد قام، ففى" قام" ضمير مستتر هو فاعله راجع إلى" زيد"، لأنّ" زيدا" لا يكون فاعلا، حيث هو مقدّم على الفعل، فإذا ثنّيت أو جمعت ظهر الضّمير، مثنّى، ومجموعا؛ فقلت: الزّيدان قاما، والزيّدون قاموا.
الحالة الثّالثة: أن يحذف للعلم به، وهو على ضربين:

أحدهما قبيحّ وقلّ استعماله.
والثانى حسن، وكثر استعماله.
فمثال الأوّل نحو ما أنشده سيبويه 1: قد أصبحت أمّ الخيار تدّعى … علىّ ذنبا كلّه لم أصنع يريد: لم أصنعه، أجازه فى الشّعر، والمبرّد لا يجيزه 2 وينصب" كلّله" وعلى قول سيبويه حملت قراءة ابن عامر/ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى 3 أى: وعده الله، وأجاز الزّجّاج أن يكون 4 " ماذا" من قوله تعالى: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ 5 مرفوعا، على تقدير: يستعجله، بحذف الهاء.
ومثال الثّانى قولهم:" السّمن منوان بدرهم" و" البرّ الكرّبستّين" 6، فلا بدّ أن يقّدر فى الكلام محذوف؛ ليصحّ نظمه؛ لأنّ المنوين ليسا بجميع السّمن ولا السّمن جميعه بدرهم، وإنما المنوان بعض السّمن، فيحتاج أن يضمر فيه ما يدلّ على البعض وهو" من" فى أحد أقسامها؛ فيكون" السّمن" مبتدأ، والمنوان" مبتدأ ثان، و" منه"" صفة له؛ ولهذا ابتدئ به وهو نكرة؛ حيث وصف وبدرهم" خبر المنوين، والعائد الهاء فى" منه" وكذلك المسألة الأخرى، لكنّها تفارق الأولى، بأن منه فيها حال؛ لأنّ الكرّ معرفة، وحرف الجرّ لا يكون صفة للمعرفة، فهو حال من المضمر فى الجار [والمجرور] 7، والأولى أن يقدّر بعد قوله:" بستين" لأنّه العامل فيه، وعامل الحال، إذا كان

ضعيفا، لم يتقدّم الحال عليه، وقد جاز تقدّمه ها هنا؛ حملا على الظّرف.
فمن المحذوف، قوله تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ 1 فمن رفع بالابتداء و" صبر وغفر"، صلته، و" إنّ" وما بعده الخبر، والعائد محذوف، تقديره: منه، وذلك إشارة إلى الصّبر والغفران، ومثله قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا 2 فى قول 3، ومنه قوله: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى 4 وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ 5 وهذا فى القرآن كثير.
وليس هذا الحذف عندهم غريبا؛ فإنّهم قد حذفوا الجملة بأسرها، نحو قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ 6 أى: فعدّتهنّ ثلاثة أشهر.

وهذه الضّمائر المتصّلة تترتّب فى الحذف.
فأحسنها حذفا: فى الصّلة المحضة كقوله تعالى: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا 1 أى: بعثه، فإن كان الموصول ألفا ولا ما، لم يحسن الحذف، لو قلت: أهذا الباعث الله رسولا، لم يجز حتى تقول: الباعثه.
الثّانى: حذفه فى الصّفة، كقولهم: النّاس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت، أى: أكرمته وأهتنه، ومنه قول جرير 2: أبحت حمى تهامة بعد نجد … وما شئ حميت بمستباح أى: حميته.
الثّالث: حذفه فى الحال، كقولك: مررت بزيد يضرب عمرو، أى: يضربه، وهذا قريب من الثانى؛ لأنّ الحال كالصّفة.
الراّبع: خبر المبتدأ كما سبق، وإنّما تأخّر، لأنّ الضمير إذا حذف من خبره، جاز للفعل أن يتسلّط عليه فينصبه، كقولك: زيدا ضربت.
فإن كان العائد متّصلا بحرف الجر، لم يحذف إلا مع الظّروف، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً 3 أى: فيه.
وقد جعل بعضهم حذف الضمير من الفعل غير المتصرّف قسما آخر، نحو: زيد ما أحسن، أى: ما أحسنه، وجعل حذفه من الحرف قسما آخر نحو: كم يسرّك أنّ لك من درهم.
وقد أجاز سيبويه فى الشّعر إعادة المظهر إلى المظهر إذا كان بلفظ

الأوّل، كقوله 1: قضى بيننا مروان أمس قضيّة … فما زادنا مروان إلّا تنائيا وقياسه فى الكلام: زيد قام زيد، وأجازه الأخفش، إذا كان بغير لف الأوّل، وكان ظاهرا وهو هو، كقولك: زيد قام أبو طاهر، ولم يرد - لسيبويه فيه نصّ، وقد حمل الأخفش 2 عليه قوله تعالى: أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ 3 أي تنقذه، وقوله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ 4 أى: يضلّه، ومثله في القرآن والشّعر كثير، وسيبويه يقدّر خبر أمثال هذه/ محذوفا.
المتعلّق الرابع: قد يرد للمبتدأ خبران فصاعدا؛ قالوا: «هذا حلو حامض» وهذا أبيض أسود، وعليه قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ 5، وهذان الخبران وقعا جميعا خبرا للمبتدأ؛ لمشابهتهما الجمل، فلا يجوز الفصل بينهما، ولا تقدّمهما معا على المبتدأ عند الأكثرين 6، ولا تقدم أحدهما وتأخّر الآخر، وأجازه بعضهم، والضمير يعود، إلى المبتدأ من معنى الكلام، كأنك قلت: هذا مز؛ لأنّه لا يجوز خلوّ الخبر من الضّمير؛ لنقض ما تقرّر من اضطرار اسم الفاعل إليه، ولا يجوز انفراد أحدهما به؛ إذ ليس بأولى من الآخر، ولا يجوز أن يكون فيهما ضمير واحد؛ لأنّ عاملين لا يعملان فى معمول واحد، ولا يجوز أن يكون فيهما ضميران؛ لأنّه يصير التقدير: كلّه

حلو وكلّه حامض، وليس هذا الغرض منه، وقال الأخفش: الخبر الثانى وقع كالصّفة 1: للأوّل، وإنما أرادو بالإخبار: أنّ هذا حلو فيه حامضه.
المتعلّق الخامس: لا تعطف الأخبار على مبتدآتها بحرف، الّا بالفاء فى موضعين؛ أحدهما لازم، والآخر غير لازم.
أمّا اللازم ففى موضعين: أحدهما: أن يكون المبتدأ شرطا جازما بالنيابة 2، وجزاؤه جملة اسميّة أو أمريّة أو نهييّة، كقولك: من يأتني فله درهم، ومن يأتك فأكرمه، ومن يكرمك فلا تهنه، ومثله قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ 3، وحمل عليه سيبويه 4 وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ 5 تقديره: ومن عاد فهو ينتقم الله منه، فالفاء داخلة على مبتدأ محذوف، ومنه قول الشّاعر 6: ورد وأشقر لم ينهئه طابخه … ما غيرّ الغلى منه فهو مأكول فأمّا قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ 7 فتستجئ في باب الشّرط 8.

الموضع الثانى من اللازم: قولهم: أمّا زيد فقائم، وقوله تعالى: وَأَمَّا/ ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ 1؛ لأنّ" أمّا" يفصّل بها ما أجمله المدّعى، قال سيبويه: تقديره مهما يكن من شيئ فزيد قائم 2؛ ففيها معنى الشّرط؛ فلزمت الفاء الخبر، وسيجئ معنى" أمّا" مبيّنا فى 3 أبنية الحروف، فأمّا قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ 4 فحذف الفاء، لأن المعنى: فيقال لهم: أكفرتم؟!.
وأمّا غير اللازم ففي موضعين: الأوّل: الأسماء الموصولة، إذا كانت صلتها فعلا أو ظرفا، تقول: الّذى يأتينى فله درهم، والّذى فى الدّار فله درهم، وفى التنزيل قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ 5 وقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ 6؛ وأمّا قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما 7 الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما 8 فالمبرّد 9 يحمله على هذا الباب ويقدّره: والذّى سرق والتي سرقت، وسيبويه 10

يرفعهما بالابتداء والخبر محذوف، تقديره: وممّا يتلى عليكم السّارق والسّارقة، ولم يرتكبه سيبويه 1، لعدم الفعل المحض والظّرف، فحذف الخبر، كما حذف المبتدأ فى قوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم … وأكرومة الحيين خلو كما هيا 2 وأمّا قوله (2): أرواح مودّع أم بكور … أنت فانظر لأىّ أمر تصير وأنت مرفوع بفعل مضمر يفسّره الظّاهر، ورواح خبر مبتدأ محذوف تقديره: أهذا رواح؟ أو أصاحب رواح أنت؟ فيكون مبتدأ، وما تقدّم خبره، أو هو مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر محذوف المبتدأ، أو مبتدأ، ورواح 3 خبره.
فإن وقعت الصّلة جملة اسميّة، أو شرطيّة، لم يجز دخول الفاء، أمّا الاسميّة؛ فلخلّوها من معنى الشرط، وأمّا الشّرطيّة؛ فلانّ الشّرط قد أخذ ما يقتضى من الجواب، فلم يبق فى الكلام معنى مجازاة يقتضى/ دخول الفاء.

الموضع الثّانى من غير اللازم: النكرات الموصوفة، إذا كانت صفتها فعلا أو ظرفا، مثل الصّلة تقول: كل رجل يأتينى فله درهم، وكل رجل فى الدّار فله درهم، ويجرى حكمها مجرى الأسماء الموصولة، ومنه قول الشّاعر 1: نرجو فواضل ربّ سيبه حسن … وكل خير لديه فهو مبذول وجوّز السّيرافىّ 2: كلّ رجل فيه شهامة فله درهم، والفرق بين وجود" الفاء" وعدمها: أنّ الدّرهم مع" الفاء" يستحقّ بالإتيان، ولا يستحقّ مع عدمها ويتنزّل منزلة الإخبار، كقولك: زيد له درهم، فإذا ثبتت هذه القاعدة، فلا يجوز دخول الفاء مع الأسماء التى لا تتضمّن نوعا من الشّرط، كزيد وعمرو؛ فلا تقول: زيد فقائم، إلّا على تقدير مبتدأين محذوفين، تقديره: هذا زيد فهو قائم، فتكون الفاء عاطفة جملة على جملة، وعليه قوله: وقائلة خولان.... 3 البيت المتعلّق السّادس: يعتبر الخبر أنّك متى سئلت عنه أجبت بالمبتدأ، لأنّه يرجع إلى أنّه هو فى المعنى؛ تقول: زيد قائم، فيقال: من القائم؟ فتقول: زيد، وتقول: عمرو أخوك، فيقال: من أخوك؟ فتقول: عمرو، وتقول: زيد أبوه منطلق، فيقال: من الذى أبوه منطلق؟ فتقول: زيد، وكذلك إذا سئلت عن المبتدأ أجبت بالخبر، فيقال: من زيد؟ فتقول: الذى أبوه منطلق.
المتعلّق السّابع: تقول: زيد ضربته، فالاختيار فيه: الرّفع على 4 الابتداء وضربته الخبر، ويجوز النّصب بفعل مضمر يفسّره الظاهر، تقول: زيدا

ضربته، كأنّك قلت: ضربت زيدا ضربته، ومثله قوله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ 1، بالرّفع 2 والنصب 3، وقريب منه قوله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ 4، لأنّك إذا نصبت" القمر" لم تجد للنّصب فائدة لا توجد فى الرّفع وإذا نصبت/ كلا اشتمل الخلق على جميع 5 الأشياء، كأنه قال: خلقنا كلّ شئ بقدر، وفى حال الرّفع لا يتمحّض (5) للعموم.
وهذا الضّمير الّذى فى أمثال هذا الخبر على ثلاثة أضرب: الأوّل: أن يكون الفعل متعدّيا إلى ضمير الاسم المنصوب، ويكون من جنس الأوّل فى العمل، كقولك: زيدا أكرمته، ألا تراه تعدّى إلى ضمير زيد، وهو مثل المضمر فى العمل.
الثّانى: أن يكون الفعل المظهر متعدّيا إلى ما هو من سبب الاسم المنصوب بفعل مضمر، كقولك: زيدا ضربت أخاه، وهذا يتنزّل منزلة الأوّل فى إضمار فعل ينصب الاسم ويدلّ عليه المظهر؛ من حيث التبس بما هو من سببه حتّى لو قلت: زيدا ضربت عمرا، لم يجز حتى تقول: فى داره أو نحو ذلك.
الثّالث: أن يكون الفعل الظاهر من جنس المضمر فى العمل، كقولك: زيدا مررت به، فالفعل المضمر ناصب، والمظهر متعدّ بحرف الجرّ، لكنّه لمّا كان فى موضع نصب قدّر المضمر فعلا بمعنى المظهر، وهو: جزت زيدا مررت به، أو ما أشبه ذلك.
فإن عطفت هذا الاسم المختار فيه الرّفع على جملة فعليّة، اختير فيه

النّصب بمضمر كما سبق، تقول: قام زيد وعمرا أكرمته؛ لأنّه لا يعطف اسم على فعل، وسيجئ هذا الفصل مبسوطا فى باب المفعول 1 به؛ حيث هو أولى به.
المتعلّق الثاّمن: حذف الخبر، ولا يخلو الكلام أن يكون فيه دليل على الخبر إذا حذف، أو لا يكون، فإن لم يكن فلا يجوز الحذف، كما قلنا فى حذف المبتدأ، وإن كان فيه دليل على المحذوف جاز حذفه، وقد حذف مفردا وجملة.
أمّا المفرد: فعلى ضربين: ضرب يجوز وجوده فيه، وضرب لا يجوز وجوده فيه.
فالأوّل: كقولك فى جواب من قال لك: من عندك؟ فتقول: زيد، أى زيد عندى، فحذفت" عندى"/ - وهو الخبر - تخفيفا، وهو الأكثر، ولك إظهاره للتّأكيد، ومنه قول الشّاعر 2: وإنّى من قوم بهم يتّقى العدا … ورأب الثّأى والجانب المتخوف أى: وبهم رأب الثأى، فحذف" بهم" وهو الخبر، وأمّا قول الشاعر: أرواح مودّع أم بكور فقد سبق القول 3 فيه، ومن هذا النّوع قوله تعالى: طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ 4

الخبر محذوف فى أحد القولين 1، تقديره: أمثل وأولى، وإنّما حسّن الابتداء بالنكرة العطف عليها بنكرة موصوفة.
الثانى: خبر المبتدأ الواقع بعد" لولا" فى قولك: لولا زيد لأكرمتك، أى: لولا زيد موجود، فهذا الخبر المحذوف لا يظهر، وقد تقدّم ذكر ذلك فى باب 2 المبتدأ.
ومنه؛ خبر" لعمرك" فى القسم، فى قولك: لعمرك لأفعلنّ، ف" عمرك" مبتدأ خبره محذوف تقديره: لعمرك قسمى، ولأفعلنّ جواب القسم، وطول الكلام يحسن معه أشياء لا تحسن مع القصر، من الحذف وغيره.
وأمّا الجملة فعلى ضربين: الضّرب الأوّل: أن لا يكون فى اللّفظ ما ينوب عنه، وإن دلّ عليه، كقولك: زيد ضربته وعمرو، تقديره: وعمرو ضربته، فحذفت، ضربته؛ لدلالة الأولى عليه، ومنه قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ 3 فحذف الخبر، وهو: فعدّتهنّ ثلاثة أشهر؛ لدلالة ما قبله عليه، ومثله فى كلامهم كثير، قالوا:" كلّ رجل وضيعته، وأنت أعلم وربّك؛" فكلّ، رفع بالابتداء،" وضيعته" عطف عليه والخبر محذوف، تقديره: مقرونان، والمراد بالضّيعة هنا: الصّنعة 4 والحرفة وكذلك،" أنت؛ مبتدأ، وأعلم خبره، وربّك، عطف عليه، وخبره محذوف تقديره: كافيك، ولا يجوز أن يكون مثل قولك: أنت أعلم وزيد، أى: أنتما أعلم من غير كما؛ لأنّ هذا مع الله تعالى/ لا يجوز؛ وإنّما جاز هذا الحذف لأنّ فى الكلام دليلا عليه؛ ولأنّ المعنى: كلّ رجل مع ضيعته، وأنت مع

ربّكّ، ومثله: الحملان حمل 1 ودرهم، فإن ذكرت بعده رخيصا فرفعت 2 أو نصبت، قلت: بدرهم، وإن جمعت قلت: رخاص؛ ورفعت أو نصبت، فالواو بحالها؛ لأنّ فى الواو معنى مع، ولو وجدت لأغنت.
فأمّا قولهم:" سواء على أقمت أم قعدت"، فكلام محمول على المعنى، تقديره: سواء علىّ القعود والقيام؛ فسواء خبر مقدّم؛ لأنّه نكرة، وقيل: إنّه مبتدأ، وخبره ما بعده، لأنّ ما فى حيّز الاستفهام لا يتقدّم عليه؛ ولأنّ المبتدأ لا يكون جملة، ومثله قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ 3 أى: سواء عليهم الإنذار وعدمه، وأمّا قوله: سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ 4، فتقديره: [سواء عليكم أدعوتموهم 5] أم صمتّم.
قالوا: ولا يجوز أن يقع بعد سواء فعل مضارع؛ فلا تقول: سواء علىّ أتقوم أم تقعد؛ لأنّ معناه الشّرط ولم يظهر له عمل.
الضّرب الثانى: أن يكون فى اللّفظ ما ينوب عنه، وهو أن يسدّ المعمول مسدّ الخبر، كقولهم: ضربى زيدا قائما"، و" أكثر شربى السّويق ملتوتا" و" أخطب ما يكون الأمير قائما، فضربى،" وأكثر" وأخطب" يرتفعن بالابتداء و" قائما" نصب على الحال، والخبر محذوف، ولا بدّ من إضماره، وتقديره: إذ كان قائما، وإذا كان قائما، فإذا ظرف زمان، وقد جعل خبرا عن المبتدآت كما تجعل ظروف الزّمان أخبارا عن الأحداث، نحو قولك: ضربى زيدا يوم الجمعة،" وكان" تامّة بمعنى وجد، وحدث، وفيها ضمير - لزيد، وللسّويق

وللأمير، و" إذا" مضاف إليها، كما تضاف سائر ظروف الزّمان إلى الجمل كقولك: زمن يكون زيد قائما، فالمعنى: ضربى زيدا واقع إذا وجد زيد قائما، وأكثر شربى السّويق واقع إذا وجد السّويق ملتوتا، وأخطب ما يكون الأمير واقع إذا وجد الأمير/ قائما، إلّا أنّ فى مسألة الأمير اتّساعا ليس فى الأوليين وهو: إضافة أفعل إلى الظّرف المنزّل منزلة المصدر الذى دلّ عليه قوله: ما يكون الأمير، وهو: كون الأمير، وتقدير الكلام: أخطب أوقات الأمير إذا وجد قائما.
فأمّا قولهم:" حسبك درهمان"، ف" فحسبك" مبتدأ، و" درهمان" معموله تقديره: ليكفك درهمان؛ لأنّ فيه معنى الأمر، ولا خبر له؛ ولهذا المعنى جزموا ما بعدها من الجواب، كقولهم:" حسبك ينم النّاس" والمازنىّ 1 يعتقد أنّ" حسبك" مبتدأ، ودرهمان خبره.

جارٍ التحميل