النّوع السّادس: المتعدّى إلى ثلاثة مفعولين،
وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: فى تعريفه،
وهو سبعة أفعال: «أنبأ» و «نبّأ» و «أخبر» و «خبّر» و «أرى» و «أعلم» و «حدّث»، وبعضهم 1 يدّعيها أربعة، وهى: «نبّأ» و «أنبأ» و «أرى» و «أعلم».
واختلفوا في بعض أفعال الشّكّ واليقين، إذا عدّيت بالهمزة، فسيبويه 2 لا يلحقها بها، والأخفش 3 يلحقها، والقياس معه، وهي: «ظننت» و «حسبت» و «خلت» و «زعمت» و «وجدت».
وقد ألحقوا بها الأفعال المتعدّية إلى مفعولين، ممّا يقتصر فيه، وما لا يقتصر، إذا عدوّها إلى الظّروف الّتى يتّسع فيها وتجعل أسماء، فتصير متعدّية إلى ثلاثة، وسيجيء بيانها فى الفرع الثّانى 4.
وهذه الأفعال السّبعة على ضربين: ضرب منقول بالهمزة من باب «ظننت»، وهو: «أريت» و «أعلمت»، وضرب موضوع على التّعدّي، وهو باقيها، وقيل: إنّه منقول من فعل مرفوض، إلّا أنّها - فى الأصل - متعدّية إلى مفعول واحد، نحو قولك: نبّأت زيدا بكذا، وأنبأته بكذا، وقد يحذف منها
حرف الجرّ ويوصل الفعل؛ فيقال: أنبأته كذا، قال الله تعالى: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا (1)، وقال تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (2) ثم قال: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (3) فجمع بين اللّغتين، ومنه قول الشّاعر (4): أدان وأنبأه الأوّلون … بأنّ المدان مليّ وفيّ إلّا أنّ هذه الأفعال الخمسة لمّا كان معناها معنى الإعلام، أجريت مجراه فى التعدّي إلى ثلاثة مفعولين؛ تقول: أنبأ الله زيدا عمرا عاقلا، وأعلم الله عمرا بشرا كريما، وحدّثت زيدا عمرا شريفا، وكذلك باقيها، ومنه قوله تعالي: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ (5).
الفرع الثّانى: فى أحكامه:
الحكم الأوّل: لا يجوز إلغاء هذه الأفعال في العمل؛ لأنّها إذا ألغيت بقي ما بعدها كلاما غير مستقلّ؛ فإنّه يبقي: زيد عمرو خير النّاس، وليس كلاما.
الحكم الثّاني: لا يصلح دخولها على ضمير الشّأن والقصّة؛ لأمرين:
أحدهما: أنّه يؤدّي إلى أن نعلم غير معلم، والثّانى: أنّه يبقى ما يجب أن يكون مفسّرا غير مفيد، كما جاز ذلك فى باب «ظننت».12345
الحكم الثّالث: فى حذف مفعولاتها.
أمّا الأوّل: فمنهم 1 من يجيزه؛ لأنّه فضلة، كما حذف أحد مفعولي «أعطيت» فيقول: أعلم/ الله عمرا خير النّاس، ويحذف «زيدا» ومنهم من لا يجيزه؛ لأنّه بمنزلة فاعل «ظننت»، وظاهر كلام سيبويه 2 عليه.
وأمّا الثّاني والثّالث: فمتلازمان، ولا يجوز حذفهما وإبقاء الأوّل عند سيبويه (2)؛ لأنّه كالفاعل فى باب «ظننت»، وهما كالمفعولين فيه، وأجازه ابن السّرّاج 3؛ فيقول: أعلم الله زيدا، ومتى ذكرت المفعول الثّانى، فلا بدّ من الثّالث؛ فلذلك لا يجوز حذفه إلّا مع الثانى عند ابن السّرّاج (3).
وأمّا المفعولات الثّلاثة: فلا خلاف فى جواز حذفها.
ومتى بنيت هذه الأفعال لما لم يسمّ فاعله صارت متعديّة إلى مفعولين، تقول: أعلم زيد عمرا عاقلا؛ ومنه قول الشاعر 1:
وإنّ الّذي حدّثتم في أنوفنا … وأعناقنا من الإباء كما هيا
الحكم الرّابع: المفعول الأوّل والثّاني لا يكونان إلّا اسما صريحا؛ لأنّهما المفعول والمبتدأ فى باب «ظننت»، والمفعول الثّالث يكون مفردا، وجملة كالمفعول الثاني فيه؛ تقول: أعلم الله زيدا عمرا أبوه قائم، وقام أبوه، وفي الدّار.
وتقع «أنّ» وما عملت فيه، فتسدّ مسدّ المفعول الثّاني والثّالث، كما سدّت في «ظننت» مسدّ الأوّل والثّاني؛ فتقول: أعلمت زيدا أنّ عمرا منطلق، فإن أدخلتها علي الثّالث، وكان المفعول الثّاني جثّة كسرت «أنّ»، تقول: أعلمت زيدا عمرا إنّه عاقل، فإن كان الثّاني مصدرا، فتحتها، تقول: أعلمت زيدا قدوم عمر وأنّه قريب.
الحكم الخامس: إذا اتّسعوا في الظّروف وجعلوها أسماء غير ظروف، وأدخلوا عليها الأفعال المتعدّية إلى مفعولين صارت من هذا النّوع؛ تقول:
اليوم ظننته زيدا منطلقا، واللّيلة كسوتها زيدا ثوبا، وأعطيت زيدا ثوبا اليوم، وسرقت عبد الله الثّوب الليلة، وصار من باب قولك: 1
يا سارق اللّيلة أهل الدّار
ومنه قوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ 2، ويتّضح هذا إذا أخبرت عنه ب «الّذى»، تقول: الّذى أعطيته زيدا ثوبا اليوم؛ ف «الهاء» / ضمير «اليوم»، وهو اسم غير ظرف، ولو كان ظرفا لقلت: الذى أعطيت فيه زيدا ثوبا اليوم، وهذا الظرف المتّسع فيه لا تتعدّى إليه الأفعال المتعدّية إلى ثلاثة؛ لأنّه يخرج إلى ما لا نظر له، وهو التّعدّى إلى أربعة مفعولين.
الحكم السّادس: إذا استوفت هذه الأفعال مفعولاتها تعدّت إلى المصدر والزّمان والمكان والعلّة والحال بغير قرينة؛ فتقول: أعلمت زيدا عمرا عاقلا إعلاما اليوم عند بكر محبّة له جالسا.
خاتمة لهذا النوع: قول العرب:" أريتك زيدا ما فعل"؛ لا موضع للكاف من الإعراب عند سيبويه 3، وهى للخطاب، وموضعها عند الكسائىّ
نصب 1، وعند الفرّاء 2 رفع وتكون للواحد والاثنين والجميع والمؤنّث، بلفظ واحد، ولا فرق بين وجود الكاف وعدمها؛ تقول: أرأيتك زيدا ما صنع، وأ رأيت زيدا ما صنع، وليست من رؤية القلب، ولا من رؤية العين، ولها في الكلام موضعان: أحدهما: بمعنى" أخبرني"، فلا تقع إلّا على اسم مفرد، أو جملة شرطيّة ماضية، كقوله تعالى: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ 3، وكقوله: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ 4. والثّانى: أن يكون بمعنى" انتبه"، كقولك: أرأيتك زيدا فإنّى أحبّه، أى: انتبه له فإنّى أحبّه، وقد يحذف جواب الشّرط تارة للعلم به، ويحذف الشرط ويؤتى بالجواب، كقوله تعالى: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي 5 فلم يأت بالجواب 6، وقال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ (1) فجاء بالجواب (2) ولم يأت بالشّرط.
النّوع السّابع: فى" كان" وأخواتها،
وفيه فرعان.
الفرع الأوّل: في تعريفها ومعانيها
أمّا تعريفها فهى" كان" و" صار" و" أصبح" و" أمسى" و" أضحى" و" ظلّ" و" بات" و" ما زال" و" ما دام" و" ما انفكّ" و" ما فتئ" و" ما برح" و" ليس"، وما تصرف منها، إن كان متصرّفا، وما كان في معناها، ممّا يدلّ علي الزّمان العاري عن الحدث تقول: كان زيدا قائما، ويكون عمرو جالسا، وما زال خالد كريما.
ولم يذكر سيبويه 3 إلّا" كان" و" صار" و" ما دام" و" ليس"، ثمّ قال وما كان نحوهنّ من الفعل ممّا لا يستغنى عن الخبر.
وتسمّى الأفعال النّاقصة؛ لحاجتها إلى الخبر.
وقد ألحقوا بها" آض" و" عاد" و" غدا" و" راح"، وأفعال المقاربة، وهي:" عسى" و" كاد" و" جعل" و" طفق" و" كرب"، وجعلوا" قعد" بمنزلتها في قولهم أرهف شفرته حتّى قعدت كأنّها حربة 4.
وأمّا معانيها: فقد تقدّم القول - في تقسيم الأفعال - 5 أنّ هذه الأفعال ليست حقيقيّة، وأنّ المقصود منها: تعيين الزّمان ماضيا وحاضرا12
ومستقبلا، نحو:" كان" و" يكون" و" سيكون"، فإذا تعيّن الزّمان فلا حاجة إليها، ألا ترى أنّ معنى قولك: كان زيد قائما، وقع من زيد قيام فى زمن ماض؟ فلمّا كان هذا الغرض منها جرّدوها عن الحدث، وأخلصوها للأزمنة، قال الفارسىّ 1: هى دالّة على الزّمان بوضعها، وعلى الفعل الدال على الحدث والزّمان بلفظها، فأمّا تخصيص كلّ واحد منها 2 بمعناه الموضوع له، فنحن نذكره مفصّلا.
أمّا" كان" فإنّها ترد فى الكلام على خمسة أنحاء" ناقصة وتامّة وزائدة ومضمرا فيها اسمها وبمعنى" صار".
أمّا الناقصة: فهي أمّ الباب، وهي الّتى ترفع الاسم، وتنصب الخبر، وسترد أحكامها مع أخواتها في الفرع الثّاني 3.
وأمّا التامّة: فهى التى تكون دالّة على الحدث؛ فتستغنى عن الخبر تقول: كان زيد، أى: حدث، ووجد، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ 4 وهى فيه فعل غير متعدّ.
وأمّا المضمر فيها اسمها - وهو ضمير الشّأن والحديث - فتقع الجمل بعدها أخبارا عنها، كقولك: كان زيد قائم؛ ف" زيد" مبتدأ"، و" قائم" خبره، واسم" كان" مضمر فيها، وهو ضمير الشّأن، والجملة في موضع
نصب؛ لأنّها الخبر، ومنه قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ 1 فيمن قرأ بالتّاء 2 والرّفع 3؛ ف" أن تعلمه" مبتدأ، و" آية" خبره، واسمها مضمر فيها، ويجوز أن تكون" آية" الاسم 4، و" لهم" الخبر، و" أن تعلمه" مصدر، وهو بدل من ال" آية".
ومن هذا الباب: كان من الأمر كيت وكيت؛ لأنّهما عبارتان عن جملة والجملة لا تكون اسم كان، فأمّا: كان من الأمر كذا وكذا، فهما اسم كان.
وأمّا الزائدة: فإنّها تدخل مؤكّدة؛ فلا تحتاج إلى خبر ولا تزاد إلّا إذا كانت ماضية؛ متوسّطة أو متأخّرة، نحو: مررت برجل كان قائم، وأنشد سيبويه 5:
فكيف إذا مررت بدار قوم … وجيران لنا كانوا كرام
ف" كان" عنده زائدة 1، وخالفه المبرّد 2، وحكى سيبويه 3: أنّ كان" زائدة في قولهم:" إنّ من أفضلهم كان زيدا"، وخولف 4 فى ذلك.
وأمّا مجيئها بمعنى" صار": فكقوله 5:
بتيهاء قفر والمطيّ كأنّها … قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها
أي: قد صارت، وعليه تأوّل بعضهم 6 قوله تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا 7، أى: صار، وبعضهم 8 يجعلها زائدة، ولا يصحّ أن تكون على بابها.
وأمّا" صار": فإنّها تكون ناقصة، وتامّة.
أمّا النّاقصة: فمعناها الانتقال من حال إلى حال، تقول: كان زيد كريما، فصار بخيلا، ولا بدّ فيها/ من اتّساع؛ فإنّهم جعلوها تدلّ على زمن الوجود المتّصل، دون الزّمن الماضى، وسلبوها الدلالة على المصدر.
وأمّا التامّة: فإنّها تتعدّى إلى مفعول بحرف الجرّ، تقول: صرت إلى مكّة، أى: انقلبت.
وزعم قوم أنّها تزاد 1، وليس بالمسموع.
وأمّا" أصبح": فإنّها تستعمل ناقصة، وتامة وزائدة عند الأخفش 2
أمّا النّاقصة: فإنّها تدلّ على الزّمان المختصّ بالصّباح، فإذا قلت:
أصبح زيد قائما، فمعناه: أتى عليه الصّباح، وهو قائم.
والفرق بينها وبين" كان": أنّ «كان» لما انقضى من الزّمان وانقطع، وأصبح وأمسى غير منقطعى الزّمان، ألا ترى أنّك تقول: كان زيد غنيّا، فلا يدلّ على أنّه غنيّ وقت الإخبار، وإذا قلت: أصبح غنيّا، فهو غنيّ وقت الإخبار، فأمّا قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً 3 وأمثال ذلك، فالمعنى: ما زال كذلك في القدم، وصفات الله لا تنفصل عنه.
وأمّا التّامّة: فهى التى لا تحتاج إلى الخبر، كقولك: أصبحنا، أى:
دخلنا فى الصّباح.
وأمّا الزّائدة: فقد حكى الأخفش 1: ما أصبح أبردها، ومنهم من جعلها بمعنى" صار" 2، وحمل [عليه] 3 قوله: أصبح زيد، أي: صار.
وأمّا" أمسى" فبمنزلة" أصبح" في النّقصان والتّمام والزّيادة، كقولك:
أمسى زيد قائما، وأمسى عمرو، وقولهم: ما أمسى أدفأها (1).
ومنهم من جعلها بمعنى" صار" 4 في قولهم: أصبح زيد غنيّا وأمسى زيد فقيرا.
وأمّا" أضحى" فإنها من ضحا النّهار، وتستعمل ناقصة وتامّة.
أمّا النّاقصة: فكقولك: أضحى زيد قائما وإن كان أصلها من الضّحى فإنّها تقع على الاوقات جميعها، ليلا ونهار، وخصّها قوم 5 بالنّهار.
وأمّا التّامّة: فكقولك: أضحى زيد، أى: دخل في الضّحى، كما تقول:
أظهر، وأفجر، وقد جعلت بمعنى" صار" فى قولك: أضحى زيد أميرا، أى:
صار.
وأمّا" ظلّ": فإنّها لما يعمله الإنسان نهارا، ولا تستعمل إلّا ناقصة، وفي تخصيصها/ بالنّهار نظر، ألا ترى قوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا 1 وقوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 2 وهذا لا يخصّ زمانا دون زمان، ولهذا جعلها بعضهم 3 بمعنى" صار"، وحمل الآية عليها.
وأمّا" بات": فإنّها مختصّة باللّيل دون النّهار، وتستعمل ناقصة وتامّة.
فالنّاقصة: قولك: بات زيد قائما، مثل" ظلّ" في النهار.
والتّامّة كقولك: بات زيد، فلا تريد: أنّه نام، وإنّما هو بمنزلة" أمسى" التّامّة، وجعلها بعضهم 4 بمعنى" صار"؛ حملا على" ظلّ".
وأمّا" ما دام"، وجميع ما في أوله" ما": فإنّها يراد بها المطاولة، ولزوم الشّيء ومتابعة بعضه بعضا.
وما" في" ما دام" مع الفعل بتقدير المصدر، وهو نائب عن الزّمن، تقول: أجلس ما دمت جالسا، كأنّك قلت: أجلس زمن دوام جلوسك، كقولهم:
" آتيك خفوق النّجم" و" مقدم الحاجّ".
ولا بدّ أن يتقدّمها عامل؛ لأنّها نائبة عن الظّرف، ولا نظير لها في هذا الباب، ولا يستعمل مكانها غيرها، ولا يستعمل منها فعل، ولا يعمل فيها إلّا
فعل مستقبل، نحو: أقوم ما دمت قائما، ولا يجوز إدخال «إلّا» فى خبرها وخبر أخواتها، لا تقول: ما دام زيد إلّا قائما؛ لأنّ الكلام إيجاب، فإذا استثنيت منه، أدخلت إيجابا على إيجاب، كما لا تقول: مررت إلّا بك أحد؛ ولذلك خطّئ ذو الرّمّة 1 في قوله: جراجيج لا تنفكّ إلّا مناخة … على الخسف أو نرمي بها بلدا قفرا وأمّا «ما زال»: فإنّها من" زال يزال» ضدّ ثبت، وليست من «زال يزول»؛ لأنّ هذا متعدّ وذاك قاصر، ولا من «زال يزيل»؛ لأنّ ذلك «فعل يفعل»، وهذا من «فعل يفعل»، وما فيها للنّفي، والنّفى إذا دخل على النّفي
صار موجبا.
وقد أسقطوا منها «ما»، قال 1:
تزال حبال مبرمات أعدّها … لها ما مشى يوما على خفّه الجمل
وأمّا «ما انفكّ»: فإنّ معني فكّ الشّئ: تفريق أجزائه؛ ففيه معني النّفى، فلمّا أدخلت عليه النّفى صار إيجابا، واستعمل على غير معنى وضعه، وأعطيت معنى «ما زال» و «ما برح».
وأمّا «ما فتئ»، و «ما برح» فبمنزلة:" ما زال" و" ما انفكّ"، ويلزمهما" ما" أو" لا" وقد أسقطوهما منهما فى القسم، كقوله تعالي: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ 2.
وقول امرئ القيس 3:
فقلت لها: تالله أبرح قاعدا
أي: ما تفتأ 1، وما أبرح.
وقد تستعمل هذه الأفعال تامّة، وتكون" ما" فيها خالصة للنّفي، تقول:
ما دام زيد، كما تقول: لم يدم.
وأمّا «ليس»: فأكثر النّحاة يقولون: إنّها فعل غير متصرّف، وعليه ظاهر كلام سيبويه 2 والخليل، وذهب قوم 3 إلى أنّها حرف، وعليه جاء قولهم:
ليس الطّيب إلا المسك «برفعهما، كما يرفعان ب" ما"، وقال الفارسيّ بالمذهبين، فجعلها في «الإيضاح» 4، فعلا وفي «الحلبيّات» 5 حرفا، وهى تنفى المستقبل عند ابن السّرّاج 6، ولهذا منعوا من قولهم: ليس زيد قد ذهب، ولا:
قد يذهب؛ لتضادّ الحكم بين «قد» و «ليس»، وقيل: معناها: نفي مضمون الجملة في الحال 7، تقول: ليس زيد قائما الآن، ولا تقول: ليس زيد قائما أمس، ولا غدا.
الفرع الثّاني: في أحكامها:
الحكم الأوّل: الفرق بين هذه الأفعال النّاقصة وبين غيرها من الأفعال الحقيّقية:
أنّ الفاعل مع غيرها غير المفعول، وهذه: مرفوعها هو منصوبها، وأنّ تلك: تبنى لما لم يسمّ فاعله، وهذه: لا تبنى له؛ لأنّ اسمها بمنزلة المبتدأ، وأنّه لا يجوز الاقتصار على فاعلها دون مفعولها، فلا تقول: كان زيد، وهي ناقصة.
الحكم الثّانى: ما تصرّف من هذه الأفعال فإنّه/ يعمل عملها في جميع متصرّفاتها؛ من ماض وحاضر ومستقبل واسم فاعل ومفعول، إذا كان للحال والاستقبال، ولا يصحّ اسم الفاعل فيما أوّله" ما"؛ تقول: كان زيد قائما، ويكون قائما، وكن قائما، وزيد كائن قائما، قالوا: ولا يكون لها مصادر 1 فلا يقولون: كان زيد قائما كونا؛ لتعرّيها من الدّلالة على الحدث، فأمّا قولهم:
أعجبنى كون زيد قائما، ونحوه، فمحمول على المعني، تقديره أعجبنى أن كان زيد قائما، وفي هذا نظر.
الحكم الثّالث: اسم هذه الأفعال وخبرها لا يخلو: أن يكونا معرفتين، أو نكرتين، أو أحدهما معرفة والآخر نكرة.
أمّا إذا كانا معرفتين: فلك الخيار، أيّما شئت جعلت الاسم، والآخر الخبر: تقول: كان زيد أخاك، وكان أخوك زيدا، فإن كان لأحدهما ميز على الآخر في التّعريف فالأولى: أن تجعل الاسم أعرفهما، كقوله تعالي: ما
كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا 1، فالأولى: أن تنصب" الحجّة" وتجعل" إلّا أن قالوا" الاسم 2؛ لأنّ" أن" مع الفعل بمنزلة المضمر؛ حيث لا يوصف، ولا يقع حالا، والمضمر أعرف من المضاف.
فإن كان الاسم والخبر مضمرين جاز وقوع الخبر منفصلا ومتّصلا، وأولاهما: المنفصل؛ تقول: كنت إيّاه، وكان إيّاي، ويجوز: كنته، وكانني، قال الأسود 3:
فإلا يكنها أو تكنه فإنّه … أخوها غدته أمّه بلبانها
وأمّا إذا كانا نكرتين؛ فإن كان الكلام إيجابا لم يصحّ أن يكون الخبر إلّا ظرفا أو حرف جرّ، ويلزم تأخير الاسم وتقديم الخبر، كقولك: كان في الدّار رجل، وصار عليك دين، كما لزم تأخير المبتدأ إذا كان نكرة، وقد جاء تقديم الاسم في الإيجاب، كقولك: كان رجل من آل فلان فارسا، وتعتبر الفائدة في
ذلك، فلو قلت: كان رجل فارسا لم يجز؛/ لعدم الفائدة، وإن كان الكلام نفيا صحّ ذلك، اسما كان الخبر أو ظرفا، نحو: ما كان أحد، خيرا منك 1، وما كان أحد في الدّار، فإن قلت: ما كان خير منك أحدا، كنت قد عكست القضية، أو بالغت في المدح، وإذا قلت: ما كان مثلك أحد، فكلّها نكرات، لأنّ" مثل" و" شبه" نكرة - وأن أضيف إلى المعارف -
لأنّها لا تخصّ شيئا بعينه.
وأمّا إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة: فاجعل الاسم المعرفة، والخبر النكرة، وهو أكثر الكلام، تقول: كان زيد عاقلا، فأمّا جعل الاسم نكرة والخبر معرفة فلا يجوز إلّا فى الشّعر، كقوله 2:
كأنّ سبيئة من بيت راس … يكون مزاجها عسل وماء
وقد ورد فى الأشعار كثيرا، وهو مذهب سيبويه 3، وخالفه المبرد 4 وغيره، وأوّلوا ما جاء من ذلك.
الحكم الرّابع: أخبار هذه الأفعال تكون كأخبار المبتدأ، من المفرد والجملة والظّرف، تقول: كان زيد قائما، وكان زيد أبوه منطلق، وكان زيد في الدّار، إلّا ما شذّ من الأمر والنّهي؛ فإنهما لا يدخلان في خبرها، إلّا في الشّعر، كقوله 1:
وكوني بالمكارم ذكّريني
وكذلك الفاء: تدخل في خبر المبتدأ، ولا تدخل في خبرها، وقد ذكرنا ذلك في باب" ظننت" 2.
ولا بدّ في الخبر، إذا كان جملة، من ضمير يعود إلى الاسم لفظا، أو تقديرا.
الحكم الخامس: موضع أخبار هذه الأفعال بعد اسمها، ويجوز تقديمها على اسمها؛ تقول: كان قائما زيد، وما زال جالسا عمرو، فأمّا تقديم الخبر عليها أنفسها فيجوز، إلّا فيما أوّله" ما" نحو: قائما كان زيد، ولا تقول:
قائما ما زال زيد، وكذلك معمول/ الخبر، كقوله تعالى: إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ 3.
واختلفوا في" ليس"؛ فألحقها الأكثرون 1 ب" كان"، وألحقها السّيرافيّ 2 وغيره بما في أوّله" ما".
فأمّا أسماؤها: فلم يجيزوا تقديمها؛ لأنّها مشبّهة بالفاعل.
وإذا كان في الخبر معنى استفهام لزم تقديمه، تقول: أيّا كان أبوك؟
وقد فصل سيبويه 3 في تقديم الظّرف وتأخيره بين الّلغو منه، والمستقرّ، فاستحسن تقديمه إذا كان مستقرّا، نحو قولك: ما كان فيها أحد خير منك، وتأخيره إذا كان لغوا، كقولك: ما كان أحد خيرا منك فيها، ثمّ قال (3): وأهل الجفاء يقرءون: ولم يكن كفؤا له أحد 4.
الحكم السّادس: قد استقبحوا وقوع أخبار هذه الأفعال أفعالا ماضية إلّا في" كان" وحدها؛ لأنّك إذا قلت: كان زيد قائما، علم أنّ قيامه في زمن ماض، فإذا قلت: زيد قام، علم منه ما علم من" كان"؛ فلم يحتج إليه فتقول: كان زيد قام، وقد جاء في أخواتها، على استقباحه، في الشّعر، فإن أدخلت عليه" قد" حسن، تقول: أصبح زيد قد استغنى.
فأمّا إذا جعلت الخبر مستقبلا، فإنّه مستحسن، تقول: كان زيد يقوم؛ لأنّ" كان" جعلت الكلام مع المستقبل حكاية حال، بخلاف الماضي.
وكذلك أدخلوا" اللام" في خبر" كان" دون أخواتها، كقولك: ما كان زيد ليقوم، وهذا إنّما يتّبع فيه السّماع.
الحكم السّابع: لم يفصلوا بين هذه الأفعال وبين معمولها بأجنبيّ، إلّا أن يكون ظرفا أو حرف جرّ؛ تقول: كان خلفك زيد قائما، وكان في الدّار زيد جالسا.
فأمّا قولهم: كانت زيدا الحمّى تأخذ، ففي" كانت" ضمير القصة، و" الحمّى" مبتدأ؛ لئلّا يقع الفصل، فإن لم يقدّر الضمير 1 لم يجز؛ للفصل، فإن قدّمت الخبر جميعه فقلت: كانت تأخذ زيدا الحمّى، جاز أن تكون" الحمّى" اسم" كانت" ويجوز:/ تأخذ زيدا كانت الحمّى، فأمّا كانت زيدا تأخذ الحمّى، فظاهر كلام سيبويه المنع 2 منها؛ لأنّه أنشد 3:
فأصبحوا والنّوى عالى معرّسهم … وليس كلّ النّوى يلقى المساكين
وقال: فلا يجوز أن تحمل" المساكين" على" ليس" فترفع، وقد قدّمت فجعلت الشّيء الّذى يعمل فيه الفعل الآخر يلى الأوّل، وهذا لا يجوز، وتقدير البيت: وليس الشّأن والقصّة يلقى المساكين كلّ النّوى، ولكنّ هذا المضمر لا يظهر.
الحكم الثامن: قد زادوا" الباء" فى خبر" ليس" مؤكّدة للكلام، فقالوا ليس زيد بقائم، ومنه قوله تعالى: لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ 1 وأَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ 2 وذهب قوم إلى أنها غير 3 زائدة، قالوا: لأنّ الزّائد ما لا يفيد معنى، وقد أفادت التوكيد فإذا قلت: زيد قائم، قلت في نفيه: ليس زيد قائما، فإن قلت: لزيد قائم، قلت في نفيه: ليس زيد بقائم، فهي في النّفي بمنزلة الّلام في الإيجاب.
وإذا أدخلت على" ليس" ألف الاستفهام، كان تقريرا، وحصل فيها معنى الإيجاب؛ فلا تقول: أليس أحد في الدّار؟؛
لأنّ" أحدا" إنّما يكون مع النّفي، وتقول: أليس زيد في الدّار؟.
الحكم التّاسع: إذا عطفت على خبر" ليس" وفيه" الباء" ففيه ثلاثة أقوال:
الأوّل: العطف على الموضع لا غير، تقول: ليس زيد بقائم ولا قاعدا، وعليه أنشدو 4:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وفيه نظر 1:
الثّاني: العطف على الّلفظ إن أمكن، وهو أولى، نحو: ليس زيد بقائم ولا قاعد.
الثّالث: جواز الأمرين.
وهذا الحكم جار في خبر" ما".
فإن كان المرفوع بالمعطوف من سبب الأوّل فحكمه حكمه، لفظا وموضعا، تقول:
ليس زيد بقائم ولا قاعد أخوه، ولا قاعدا/، وإن كان أجنبيا لم يصحّ على الّلفظ؛ لأنّه يكون عطفا على عاملين" الباء" و" ليس" فلا تقول: ليس زيد بقائم ولا قاعدا عمرو، ولا يصحّ على الموضع؛ لخلوّه من العائد، فإن رفعت" عمرا" ب" ليس" صحّ، فتقول: ليس زيد بقائم ولا قاعدا عمرو، وقد شرحنا العطف على عاملين فى باب العطف 2.
الحكم العاشر: إذا قلت: من كان أخوك؟ فلك فيه وجهان:
أحدهما: أن تنصب" الأخ" بأنّه خبر" كان" وتجعل" من" مبتدأ.
وفي" كان" ضمير مرفوع يعود إليه؛ لأنّه اسمها،
الثّاني: أن ترفع" الأخ" فتجعله اسمها، وتجعل" من" خبرها، ووجب تقديمه؛ لأنّ الاستفهام له صدر الكلام، ويظهر ذلك في" أيّ" لأنّها معربة؛ تقول: أيّ النّاس كان أخاك؟ و: أىّ الناس كان أخوك، وعلى
النّصب جاء المثل، قالوا: ما جاءت (1) حاجتك، ومنهم من يرفع، وكذلك قولك: من كانت (1) أمّك؛ بالرّفع والنّصب
النّوع الثامن: من باب العوامل، في الأفعال التى لا تتصرّف.
وهى ستّة: " عسى" و" نعم" و" بئس" و" حبّذا" وفعل التعجّب، و" ليس" والتّصرّف: هو تنقّل الفعل في الزّمن الماضى والحاضر: والمستقبل، والأمر والنّهي والمصدر واسم الفاعل والمفعول، فلا ينتقل شيء من هذه الأفعال فى هذه الأحوال، ولا يكون إلا على صورته التى سمعت من العرب؛ فلا يقال: عسى يعسي فهو عاس واعس ولا تعس؛ وإنما منعت التّصرّف لتضمّنها ما ليس لها فى الأصل؛ وهو: الزّيادة فى الإخبار، ومشابهة ما لا يتصرّف، وسنذكر علّة كلّ واحد منها في بابه، وقد تقدّم ذكر" ليس" 2 مع أخواتها، والباقية نذكرها في أربعة فصول.1
الفصل الأوّل في" عسى" وما شبّه بها من أفعال المقاربة وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأوّل: في تعريفها،
وهي فعل ماض فى اللّفظ والمعنى؛ لأنّه طمع قد حصل في شيء يستقبل، وقال قوم: هو ماض في اللّفظ 1 مستقبل في المعنى؛ لأنّه أخبر بطمع يريد أن يقع، ومعناه المقاربة.
وقد ذهب قوم إلى أنّها حرف 2؛ لعدم تصرّفها، والأوّل المذهب؛ لاتّصال علامة التأنيث والضّمير بها، وألفها منقلبة عن الياء؛ لقولهم: عسيت وليست من: عسى يعسو، وقد كسروا سينها مع تاء المتكلّم المخاطب؛ لأجل الياء.
وإنّما لم تتصرّف لزيادتها في الإخبار؛ لأنّ كلّ فعل يخبر به عن شيء فليس للمخبر فيه إلّا مجرّد الإخبار، وإذا قلت: عسى زيد أن يقوم، فلك فيه
شركة الطّمع في قيامه، وليس له فيه مشاركة في الذّكر، وقيل: إنّما لم تتصرّف لمشابهتها (1) " لعلّ" في المعنى، وهى حرف.
وقد ذهب قوم إلى أنّها تقع واجبة (2) في الشّعر، وقال آخرون: كلّ ما في التّنزيل من" عسى" وفاعلها الله تعالى، فهي (3) واجبة، وكلّ هذا يرجع بالتأويل إلى بابها (4)، فالمجاز في اللسان العربيّ واسع، وما أكثره في القرآن العزيز؟!.
الفرع الثّاني: في أحكامها:
الحكم الأوّل: لها فيما تدخل عليه من الكلام موضعان: الأوّل: ترفع فيه الاسم وتنصب الخبر، وهو أن يكون فاعلها اسما صريحا، فيلزم له الخبر، ولا يكون إلّا فعلا مستقبلا عاريا من" السّين" و1234
" سوف" وقبله" أن"؛ ليكونا بمنزلة المصدر، تقول: عسى زيد أن يقوم، ومنه قوله تعالى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ 1، وهي في هذا القسم بمعنى" قارب"، أى: قارب زيد القيام.
وقد أدخلوا على الفعل 2 " السّين" في الشّعر شاذا، ولا تقول: عسى زيد أن يحجّ العام، حتى تقول:
المستقبل؛ فإنّ الأوّل من مواضع" كاد".
الثّاني: أن يكون اسمها" أن" والفعل، فتخليها من الضّمير، ولا تحتاج إلى خبر؛ لحصول الفائدة، وتكون" أن" والفعل في موضع رفع، بعد أن كانت فى موضع نصب، تقول: عسى أن يقوم زيد، ومنه قوله تعالى:
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ 3، وهي في هذا القسم بمعنى" قرب"، أى: قرب قيام زيد.
وإنّما ألزموها" أن"، ولم يقولوا: عسى زيد الخروج، ولا عسى خروج زيد، كما قالوا في" قارب" و" قرب"؛ لأنّ" أن" إذا دخلت على" يفعل" لم يصلح إلا للاستقبال؛ ولذلك امتنعوا من دخول السّين و" سوف" عليه، فلمّا كان غرضهم في" عسى" تقريب المستقبل، لم يفارقوا الّذي هو علم الاستقبال.
الحكم الثّاني: لا يخلو الاسم الصّريح: أن يكون قبل" عسى" أو بعدها أو بعد" أن" والفعل.
الحالة الأولى: إذا قدّمت اسم" عسى" عليها فقلت: زيد عسى أن يقوم، ترفع" زيدا" بالابتداء، وتجعل في" عسى" ضمير اسمها، و" أن يقوم" في موضع الخبر؛ وحينئذ تثنّى الضمير وتجمعه وتؤنّثه؛ إذا ثنّيت الأوّل وجمعته وأنثّته؛ فتقول: الزّيدان عسيا أن يقوما، والزّيدون عسوا أن يقوموا، وهند عست أن تقوم، [وإن شئت 1: عسى أن تقوم]، وإمّا أن ترفع" زيدا" بالابتداء، وتخلي" عسى" من الضّمير، وترفع" أن والفعل" بها، وتكون" عسى" وما بعدها خبرا عن" زيد"، والعائد إليه الضّمير في" يقوم" وحينئذ لا يحتاج إلى تثنية الضّمير وجمعه وتأنيثه؛ لأنّها قد رفعت ظاهرا مفردا، تقول: الزّيدان عسى أن يقوما، والزّيدون عسى أن يقوموا، وهند عسى أن تقوم، والهندات عسى أن يقمن.
الحالة الثّانية: أن يتأخّر عنها، فتقول: عسى زيد أن يقوم، فترفع" زيدا"؛ لأنّه الفاعل، و" أن يقوم" في موضع نصب؛ لأنّه الخبر، وحينئذ تثنّي الضمير في الفعل، وتجمع وتؤنّث، إذا ثنّيت الفاعل وجمعته، وأنثّته فتقول: عسى الزيدان أن يقوما، وعسى الزيدون أن يقوموا، وعسى الهندات أن يقمن.
الحالة الثّالثة: أن يتأخّر عن" أن" والفعل، فتقول: عسى أن يقوم زيد ولك فى رفع" زيد" وجهان:
الأوّل: أن تجعله فاعل" يقوم"، و" أن" وما بعدها اسم عسى، ولا خبر لها.
الثّاني: أن تجعل" زيدا" فاعل" عسى:، و" أن" والفعل الخبر، وفيه ضمير يعود إلى" زيد"، فإذا ثنّبت قلت، على الأوّل: عسى أن يقوم الزّيدان، وعلى الثّاني: عسى أن يقوما الزّيدان؛ لأنّ" الزيدين" بنيّة التقديم.
الحكم الثّالث: إذا تقدّمت" عسى" ففيها للعرب ثلاثة مذاهب:
الأوّل: أن تفرد على كلّ حال؛ تقول: عسى زيد أن يفعل، وعسى الزّيدان، وعسى الزّيدون، وعسى الهندات.
الثّاني: أن تفرد وتثنّى وتجمع، وتؤنّث؛ فتقول: عسيت أن تفعل، وعسيتما وعسيتم، وعسيت، وعسيتنّ، وكذلك مع باقي الضّمائر.
الثّالث: أن يقولوا: عساك أن تفعل، وعساكما، وعساك، وعساكنّ، وكذلك مع باقى الضمائر.
والكاف: عند سيبويه، فى موضع نصب 1، قال الأخفش هو ضمير منصوب استعير لموضع 2 المرفوع، مثل" لولاك".
الحكم الرّابع: يجوز حذف" أن" من خبر" عسى"، ويبقى الفعل وحده الخبر؛ حملا على" كاد" فتقول: عسى زيد يقوم، وقد جاء فى الشّعر كثيرا، ومنه قوله: 3
عسى الهمّ الّذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
ولم ترد في التنزيل محذوفة.
فأمّا إذا جعلت" أن" والفعل فاعل" عسى" [قبح] (1) حذفها؛ لما يؤدّى إليه من جعل الجملة فاعلة؛ فلا يحسن: عسى يقوم زيد، وقد جاء شاذّا فى الشّعر (2)، فإن رفعت في هذه الحالة" زيدا" ب" عسى"، ولم ترفعه ب" يقوم" حسن الحذف وقلت: عسى يقوم زيد، وعسى يقومان الزّيدان، فثنّى كما سبق.
الحكم الخامس: قد جاء من أمثالهم:" عسى الغوير أبؤسا" (3) فحذفوا" أن" والفعل، وجعلوا موضعهما اسما منصوبا، وهذا يدلّك على أنّ موضع خبرها نصب، وقد جمع المصدر، وهو شاذّ، وكان التقدير: عسى الغوير أن يبأس؛ و" الغوير" تصغير غار، و" أبؤس" جمع بؤس أو بأس؛ فكأنّ قائل المثل لمّا تخيّل آثار الشّرّ قال: قارب الغوير الشّدّة والبأس، أى: عسى الغوير أن يأتى بالبأس.
الفرع الثّالث: فيما أشبه" عسى" من أفعال المقاربة
، وهى" كاد" و" جعل" و" أخذ" و" كرب" و" طفق" و" أوشك"، تقول: كاد زيد يقوم، وجعل زيد ينشد، وكرب زيد ينطلق، وطفق زيد يتكلّم، وأوشك زيد أن يجئ، وأخذ زيد يجادل، شبّهوا هذه الأفعال - وإن كانت متصرّفة - ب" عسى" في المعنى، ولم يلزموا خبرها" أن"؛ لأنها للمقاربة والإشراف على الشّئ و" أن" تخلّص الفعل للاستقبال، وقد أدخلوها في خبر" كاد"123
في الشّعر؛ تشبيها ب" عسى"، قال 1:
قد كاد من طول البلى أن يمصحا
وحملوا" أوشك" على" عسى" و" كاد"، فأدخلوا" أن" في خبرها وحذفوها.
ولا بدّ ل" كاد" من اسم وخبر، ولا يكون خبرها إلّا فعلا مضارعا مؤوّلا باسم الفاعل، وقد جاء على الأصل في الشّعر، قال 2:
فأبت إلى فهم وما كدتّ آيبا
كما جاء" عسى الغوير أبؤسا" 3
وتلحق" كاد" الضّمائر، كما لحق" عسى".
وبعض العرب يضمّ الكاف فيقول: كدت 1.
ويضمر فيها ضمير الشأن والقصّة، والجملة بعده تفسيره.
ولها معنى خاصّ، وهو: أنّها فعل متى أوجبته، لم يقع ما يخبر به عنه، ومتى نفيته، وقع، تقول: كاد زيد يقوم؛ ففي الإيجاب لم يقم، وفي النّفي قد قام، فأمّا قوله تعالى: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها 2 فإنّما هو على 3 نفي مقاربة الرّؤية، وهو أبلغ من نفي نفس الرّؤية، ومثله قوله ذي 4 الرّمّة:
إذا غيّر النّأى المحبّين لم يكد … رسيس الهوى من حب ميّة يبرح
وأمّا قوله تعالى: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها 5، فمعناه: أنّني أكاد لا أقول: هي آتيه؛ لفرط إرادة 6 إخفائها، وقيل: معناه: أكاد أخفيها
من (1) نفسى، وكذا هي في مصحف أبىّ وابن مسعود، ومن فتح الهمزة (2)، جعلها من: خفاه، إذا أظهره، ومعناها ظاهر.
الفصل الثّاني فى" نعم" و" بئس"، وفيه فرعان
الفرع الأوّل: في تعريفهما،
وهما: فعلان ماضيان في الّلفظ، صالحان للحال في المعنى، وهما غير متصرّفين.
ومعناهما: المبالغة في المدح والذّمّ؛ وإنما لم يتصرّفا لما تضّمناه من مبالغة المدح والذّمّ الزّائدين على الإخبار، والشّئ متى خرج بالمبالغة عن نظائره، جعلوا له تأثيرا في الّلفظ؛ ولأنّ المقصود من التصرّف وقوع ذلك المعنى في زمن مختصّ، وهذان مقصوران على الماضى، صالحان للحال في المعنى؛ فلا يختصّان بزمن.
وفي" نعم" أربع لغات 3، وأكثرها استعمالا: كسر النّون وسكون العين.
والكوفيّ يذهب إلى أنّهما اسمان 4، ويحكى قول العرب: ما أنت بنعم الجار، فأدخلوا عليها/ حرف الجرّ، وهو شاذ.12
الفرع الثّاني: في أحكامها:
الحكم الأوّل: لا يخلو فاعلهما: أن يكون مظهرا، أو مضمرا:
فإن كان مظهرا لم يكن إلّا معرفة بالألف والّلام الّتى للجنس، أو مضافا إلى ما فيه الألف واللام؛ لأنّهم لمّا أرادوا بهما المبالغة في المدح والذّمّ وضعوا الاسم الّذى ينتظم كلّ الجنس الممدوح والمذموم تقول: نعم وبئس الرجل زيد، ونعم غلام الرّجل عمرو، وتقول: نعم العمر عمر 1 بن الخطّاب، وبئس الحجّاج حجّاج بن يوسف، تجعل" العمر، و" الحجّاج" جنسا لكلّ من له هذا الاسم (1)، ولا يجوز: نعم الذي قام أنت؛ لأنّ" الّذي" بصلته مقصود إليه بعينه.
وإن كان فاعلهما مضمرا كان مفسّرا بنكرة منصوبة من جنسه، أو بمضاف إلى نكرة، نحو قولك: نعم رجلا زيد،
ونعم غلام رجل زيد، التقدير: نعم الرّجل زيد، فلمّا أضمرت الرّجل، فسّرته بقولك: رجلا، وقد جمعوا بين الفاعل الظّاهر 2 والمفسّر؛ تأكيدا، فقالوا: نعم الرّجل رجلا زيد.
و" زيد" في القسم الأوّل مرفوع؛ لأنّه خبر مبتدأ محذوف، كأنّ قائلا قال لمّا قلت: نعم الرّجل: من هذا الممدوح؟ قلت: زيد، أي: هو زيد 3 ويجوز أن ترفعه بالابتداء (3)، و" نعم الرّجل" خبره، والرّاجع إليه: ما تضمّنه الألف والّلام من استغراق الجنس (3)، كما تقول: مررت به المسكين،
أي: المسكين مررت به.
وأمّا" رجلا"، في القسم الثّاني: فهو منصوب على التّمييز، وحكم" زيد" حكمه في القسم الأوّل.
الحكم الثّاني: لا بدّ لهذين الفعلين من مخصوص بالمدح، أو الذّمّ، ولا يكون إلّا من جنس المظهر أو المضمر؛ تقول: نعم الرجل زيد، ونعم غلاما عمرو، ولو قلت: نعم الرجل الفرس، لم يجز، فأمّا إذا قلت: نعم الرّجل رجل، فلم يجز؛ لعدم الفائدة، ولو قلت: نعم الإنسان الرّجل، جاز.
وقد يحذف المخصوص بالمدح والذّمّ، إذا كان معلوما للمخاطب، كقوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ 1، وقوله تعالى: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ 2 أي:
نعم العبد أيّوب، ونعم الماهدون نحن، وحذف المفرد منه أسهل من حذف الجملة، وقد حذف الفاعل والمفسّر والمخصوص في قولهم:" فبها ونعمت" [أى 3: فبها ونعمت] الخصلة هي، وأمّا قوله تعالى ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا 4 فعلى حذف المضاف، أي: ساء مثلا 5 مثل القوم؛ ليكون من جنس المذموم، وأمّا قوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ 6 فلها تأويلان: أحدهما: أن يكون مثل الآية الّتى قبلها 7.
والثّاني: أن يكون موضع" الّذين" جرّا، صفة للقوم، والمقصود بالذمّ
محذوفا؛ للعلم به، التقدير: بئس مثل القوم الذين كذّبوا بآيات الله هذا 1؛ لأنّ قبله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً 2 ف" هذا" إشارة إلى المثل المذكور.
الحكم الثّالث: قد اختلف في وصف المعرّف بالألف والّلام:
فمنهم 3 من لم يجز وصفه، سواء كان الوصف خاصّا، كالكاتب والظّريف، أو عامّا، كالقائم والقاعد؛ لعدم افتقاره إلى تخصيص باستغراقه الجنس.
والفارسيّ 4 قد جوّز وصفه، وجاء في الشّعر موصوفا، قال 5:
نعم الفتى المرّيّ أنت إذا هم … حضروا لدى الحجرات نار الموقد
وقيل: إنّ" المرّيّ" بدل لا صفة 1، وامتنعوا من قولهم: مررت برجل نعم الرّجل؛ لأنّ الصّفة بابها التخصيص، وهذا عامّ في بابه، وأمّا قوله تعالى:
بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ 2 ف" المرفود"؛ إمّا بدل، وإمّا المقصود بالذّمّ.
وأجمعوا أن لا يعطف على القسم الثّاني 3، ولا يؤكّد.
الحكم الرّابع: لا يفصل بين فاعل" نعم" و" بئس"، وبينهما، وقد فصل بالممدوح بين" نعم" وما عملت فيه في الشّعر، قال الشّاعر 4:
تزوّد مثل زاد أبيك فينا … فنعم الزّاد زاد أبيك زادا
ف" زاد أبيك" هو المخصوص بالمدح، وقد فصل به بين" زاد" المنصوب ب" نعم" وبينها، وإذا كان مبتدأ كان الفصل بالمفرد، وهو أسهل.
فأمّا قوله تعالى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا 5، فإنّ الجارّ والمجرور يتبع فيه والمرفوع ب" بئس" لم يظهر، والتقدير: بئس البدل بدلا للظّالمين إبليس وذريّته.
الحكم الخامس: قد جاء فاعل:" نعم" و" بئس" غير القسمين المذكورين، قال 1:
فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم … وصاحب الرّكب عثمان بن عفّانا
فجاء فاعله نكرة مظهرة، ولا يجوز نصبه وقد عطف عليه مرفوع، فإن رفعت" صاحب الرّكب" على" نعم" أخرى، ونصبت" صاحب قوم" قربت من الجواز.
وقد شذّ: نعم هم قوما أنتم، ونعما رجلين، ونعموا رجالا، قال ابن السّرّاج: وليس هذا 2 ممّا يعرّج عليه.
الحكم السّادس: إذا كان الفاعل مؤنّثا، فلك الخيار فى إلحاق العلامة وتركها، تقول: نعم المرأة هند، ونعمت المرأة هند، وتقول: نعم الدّار البلد، ونعمت الدّار البلد؛ لأنّ البلد يسمّى دارا.
الحكم السّابع: قد اختلف في" ما" إذا أدخلتها" على" نعم" و" بئس" كقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ 3، وقوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا 4 فمنهم من جعلها مرفوعة 5 الموضع، ومنهم من جعلها منصوبة 6، والأولى: أنّها إن كانت فاعلة فهي مرفوعة، وإن كانت
مميّزة فهي منصوبة 1؛ فتكون في الأولي/ منصوبة مميّزة لفاعل" 2 «نعم» المضمر فيها، وهي نكرة، لا موصولة ولا موصوفة التقدير: فنعم شيئا هي، وتكون في الثّانية 3 فاعلة" بئس" و" اشتروا به" صلتها، والمخصوص بالذّمّ" أن يكفروا" خاتمة: قد ألحقوا ب" نعم" في المعنى غيرها، فقالوا: إذا قلت: مررت برجل كفاك رجلا، وحّدت 4 كفاك في كلّ وجه تقول: مررت بقوم كفاك قوما، وكفاك من قوم، وبعضهم يقول: كفوك قوما، وكفوك من قوم، فإن قلت: به، وحّدت" كفاك" لا غير، تقول: مررت بقوم نعم بهم قوما، ولم يستعملوا ل" كفاك" 5 مستقبلا، ولا اسم فاعل في هذا الوجه.