وقد تقع إضافة يتجاذبها الضّربان، كقولك: رأيت رئيس القوم، فيجوز أن يكون المراد: الرئيس منهم، وأن يكون الرئيس لهم، وتقول: ثلاثمائة درهم، فإضافة الثّلاثة إلى المائة: إضافة" من"، وإضافة المائة إلى الدّرهم: إضافة الّلام، وقيل: إنها بمعنى" من" أيضا؛ لأنّ المائة من الدّراهم.
الفصل الثّاني من القسم الثّاني في أحكام تتعلّق بهذه الأنواع:
الحكم الأوّل: الإضافة على ضربين: معنويّة، ولفظيّة.
فالمعنويّة: ما أفاد تعريفا، نحو: غلام زيد، أو تخصيصا، نحو: غلام رجل، وثوب خزّ؛ فإنّ" غلام رجل" وثوب خزّ" أخصّ من: غلام وثوب.
وتعمّ الإضافة المحضة [التى بمعنى اللام] 1 والتى بمعنى" من"،
وقضّيتها: أن يجرّد لها المضاف من التّعريف عند البصريّ، والكوفيّ 2 يعرّفه فيقول: الخمسة الأثواب.
واللّفظيّة: ما أفاد تخصيصا في الّلفظ، والمعنى بحاله قبلها، وتخصّ غير المحضة، ويجوز تنكير المضاف فيها وتعريفه، تقول: ضارب الرّجل، والضّارب الرّجل؛ ولاستواء الحالين فيها، جاز وصف النكرة بها، وتضاف تارة إلى مفعولها، ك" ضارب زيد" وتارة إلى فاعلها ك" حسن الوجه".
الحكم الثاني: الإضافة المعنويّة تنقسم قسمين:
أحدهما: لازم للإضافة، وهو على ضربين: ظروف، نحو" فوق" و" تحت" و" عند" و" لدن" وغير ظروف، نحو" غير" و" مثل" و" شبه" و" بعض" و" كلّ" فهذان الضّربان لا تفارقهما الإضافة، وهما على بابهما،
تقول: زيد فوقك، وتحتك وعندك، وهذا غيرك، ومثلك.
وهذا القسم أسماء ليست بالكثيرة، وإنّما هي معدودة، أو تقارب المعدودة.
والثّاني: غير لازم، نحو: ثوب، ودار، وغلام، وغير ذلك ممّا يضاف في حال دون حال.
الحكم الثالث: المضاف يكتسى من المضاف إليه كثيرا من أحكامه، من غير أن يفارقه، كالتّعريف نحو" غلام زيد، والتّخصيص، نحو راكب حمار؛ فلا تجوز إضافة المعارف؛ لغناها 1 عنها، فأمّا الأعلام فإنّما تضاف بعد تنكيرها، فحينئذ تتعرّف بإضافتها إلى المعرفة، نحو: زيدكم، وتتنكّر بإضافتها إلى النكرة.
وكالاستفهام، نحو: غلام من ضربت؟ والشّرط، نحو: غلام من تضرب أضرب، فلا يجوز دخول همزة الاستفهام، ولا حرف الشّرط على"
غلام"، وكالبناء في قوله تعالى: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ 2 ومِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ 3، بالفتح فيهما 4. وكالتّأنيث في قوله تعالى: تلتقطه بعض السّيّارة 5، بالتاء 6، لإضافة" بعض" إلى مؤنّث، وقوله تعالى:
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها 1 والمثل مذكّر.
الحكم الرّابع: كلّ اسم معرفة يتعرّف به ما أضيف إليه إضافة معنويّة، إلّا أسماء توغّلت في إبهامها، فهي نكرات، وإن أضيفت إلى المعارف، نحو" غير"، و" مثل" و" شبه" و" سوى" تقول: هذا غيرك، فقد أضفت" غيرا" 2 إلى ضمير المخاطب، ولا يتعرّف به؛ لأنّ كلّ من جاوزه يتناوله لفظ" غير"؛ ولذلك وصفت به النكرة، نحو: مررت برجل غيرك، ولها فيه معنيان:
أحدهما: أنّك تريد الإخبار بأنّ مرورك وقع على/ المخاطب، ورجل آخر.
والثّاني: تريد أنّك لم تمرّ بالمخاطب، وإنمّا مررت بغيره.
فإن أوقعتها على الضّدّ، كانت معرفة، نحو قولك: عليك بغير الحركة؛ ولذلك تصف بها المعرفة، فتقول: عليك بالحركة غير السّكون، وكذلك إذا اشتهر المضاف إليه، كقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ 3، وهكذا حكم" مثل" و" شبه" و" سوى"، لكن بين" سوى" و" غير" فرق، وهو:
أنّ" سوى" ظرف مكان؛ فحسن قولك:" مررت برجل سواك، وقبح: مررت بسواك؛ لأنّه في معنى" مكانك"، فإذا أوليته الباء، أخرجته عن باب الظّرفيّة؛ ولهذا لم يجز وصف المعرفة بها، إلا ب" الّذى"، فتقول: مررت بزيد الذى
سواك، بخلاف" غير" فإنّك تصف بها المعرفة - إذا نابت عن الضّدّ - بغير الذي، تقول: مررت بزيد غيرك، إذا كان زيد ضدّا للمخاطب، وقد أوقعت" غيرا" عليه.
الحكم الخامس: إذا كان المضاف إليه ضميرا متّصلا، استوى معه - فى صحّة الإضافة - ما فيه النون، والتنوين وما ليسا فيه، تقول: ضاربك، وضارباك، وضاربوك، وضاربتك، والضاربك، والضارباك، والضاربوك، فأمّا قوله 1:
هم الآمرون الخير والفاعلونه
فشاذّ 2 لا يعرّج عليه.
الحكم السّادس: قد أضيف الشّيء إلى غيره؛ بأدنى ملابسة
بينهما، كقول أحد حاملي الخشبة لصاحبه: خذ طرفك، قال 1:
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة … سهيل أذاعت غزلها فى القرائب
فأضاف الكوكب إليها؛ لجدّها في عملها إذا طلع سهيل.
الحكم السّابع: الإضافة من خواصّ الأسماء، ومع ذلك، فقد أضافوا أسماء الزّمان، والمكان إلى الجمل، من الفعل والفاعل، والمبتدأ والخبر، كقوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ 2 / وكقولك: جئتك زمن الحجّاج أمير، وأجلس حيث جلس زيد، وحيث زيد جالس، وقد تقدّم ذكر ذلك 3.
وقد يجوز، مع الإضافة إلي الفعل، إعراب الاسم وبناؤه، فإن كان الفعل معربا فالإعراب أحسن 4، وإن كان مبنيّا فالبناء أحسن (4)، تقول:
هذا يوم يقوم زيد، ويوم قام عمرو، فتعرب الأوّل، وتبنى الثّاني.
والأوقات الّتي يجوز أن تضاف إلى الجمل: ما كان حينا وزمانا يكون في الدّهر كلّه، لا يختصّ به شئ دون شئ، كاليوم، والّليلة، والعام والحين، والزّمان، والّليالي، والأيّام، ويقبح في الموقّتات كشهر كذا، وسنة كذا، قالوا 1: ولا يضاف فى هذا الباب شئ له عدد، مثل: يومين، وجمعة ولا مثل: صباح، ومساء (1). وقد اتّسعوا حتّى أضافوا" آية"؛ لقرب معناها من الوقت، قال 2: بآية يقدمون الخيل شعثا … كأنّ على سنابكها مداما وقالوا: اذهب بذي تسلم" و" اذهبا بذي تسلمان" و" اذهبوا بذي تسلمون"، المعنى: بالأمر الذى يسلّمك، قال المبرّد: هذان من الشّواذ 3 ولا يقاس عليهما.
الحكم الثّامن: قد فصلوا بين المضاف والمضاف إليه، بالظّرف، وحرف الجرّ، في الشّعر، قال 1: لّما رأت ساتيدما استعبرت … لله درّ اليوم من لامها وقال 2: هما أخوا في الحرب من لا أخاله … إذا خاف يوما نبوه فدعاهما وروى بعضهم عن سيبويه 3: زجّ القلوص أبي مزادة
ففصل بينهما بالمفعول، وليس بالمشهور 1.
الحكم التاسع: قد حذفوا المضاف مرّة، والمضاف إليه أخرى وحذفوهما معا، وذلك إذا أمنوا الّلبس.
الأوّل/: حذفوا المضاف، وأقاموا المضاف إليه مقامه، وأعربوه بإعرابه، كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ 2، وهذا باب واسع في العربّية، وقد أعطوه حكمه في غير الإعراب، كالتذكير، والتأنيث، كقوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ 3؛ فحذف 4 وأنّث 5
ذكّر 1، ومنه قول حسّان 2:
يسقون من ورد البريص عليهم … بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل
فذكّر الضّمير؛ حيث أراد 3: ماء بردى.
وقد حذفوه، وأبقوا المضاف إليه على إعرابه، كقولهم:" ما كلّ سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة" 4، ويقولون:" ما مثل عبد الله يقول ذاك ولا أخيه"
و" ما مثل أخيك ولا أبيك يقول ذاك"، ومنه قول الشّاعر 1:
أكلّ امرئ تحسبين امرءا … ونار نوقّد باللّيل نارا
ولا يجوز الحذف - مع الّلبس - إلّا فى الشّعر، كما قال ذو الرّمة 2:
عشيّة فرّ الحارثيّون بعد ما … قضى نحبه فى ملتقى الحرب هو بر
يريد: ابن هوبر.
والثّاني: حذفوا المضاف إليه، وأبقوا المضاف، في قولهم: حينئذ، ويومئذ، أي: حين إذ كان، وكقولك: مررت بكلّ قائما، أى: بكلّهم، ومثله قوله تعالى: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً 3، ومنه قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ 4، أيّ: قبل كلّ شئ، وبعده.
الثّالث: حذفوا المضاف، والمضاف إليه معا، في الشّعر، قال 1:
وقد جعلتنى من حزيمة إصبعا
أراد: ذا مسافة إصبع.
الحكم العاشر: ما أضيف إلى ياء المتكلّم، لا يخلو: أن يكون صحيحا، أو معتلا.
فالصّحيح: يكسر أبدا، وكذلك ما حمل عليه من المعتلّ، نحو: غلامي، ودلوى، ونحيى، وكسائى.
والمعتلّ لا يخلو: أن يكون بالألف، أو الياء، أو الواو
فالألف/: تبقى بحالها، وتفتح ياء الإضافة، نحو: عصاى، ورحاي، إلّا ما جاء عن نافع، في قوله تعالى: مَحْيايَ وَمَماتِي 2، وقد أبدلت
هذيل 1 في المفرد منها ياء، وأدغمتها فى ياء الإضافة، فقالت: عصيّ، وقالوا جميعا: لديّ، وعلىّ، وإليّ.
وأمّا الياء: فلا يخلو: أن ينفتح ما قبلها، أو ينكسر.
فالمنفتح: كياء التّثنية، والمصطفين، والأسقين، فتدغم فى ياء الإضافة، ويفتح ما بعدها، نحو: غلاميّ، و: مصطفيّ.
والمنكسر: كياء الجمع، فتدغم في ياء الإضافة، مفتوحة، نحو: زيدىّ.
ونون التثنية والجمع، في ذلك محذوفة.
وأمّا الواو: فلا يخلو أن ينفتح ما قبلها أو ينضمّ، ك" المصطفون"، و" المسلمون"، وحكمها في الحالين، حكم الياء في حاليها، ولا فرق.
وأمّا الأسماء السّتّة المعتلّة: فمنها أربعة متى أضيفت إلى ياء المتكلّم كسرت أواخرها، وسكنت الياء، تقول: هذا أبي، وأخي، وحمي، وهنى.
وأمّا الفم: فمنهم من يقول: فيّ، فيدغم، وهو الأكثر، ومنهم من يقول:
فمي.
وأما" ذو": فلا يضاف إلّا إلى أسماء الأجناس الظاهرة، فى الأكثر، ومنهم من يضيفه إلى المضمر، وقد ذكرنا حكمه في أوّل الكتاب 2.
وأجاز المبرّد: أبيّ وأخيّ، مشدّدا 1 وأنشد 2: وأبيّ مالك ذو المجاز بدار ومن منع 3 منه أوّل هذا على الجمع، وحذف نونه؛ بالإضافة.
انتهى المجلد الأول من الجزء الأول ويليه المجلد الثاني ويبدأ بالباب الثالث عشر في التوابع
البديع في علم العربية
تأليف المبارك بن محمد الشيباني الجزري أبي السعادات مجد الدين ابن الأثير (المتوفى سنة 606 هـ)
تحقيق ودراسة د. فتحي أحمد علي الدين
[المجلد الثاني]
[تتمة القطب الأوّل: فيما الغالب على أبوابه معرفة الحركات والسّكون وهى عوارض الكلم.]
الباب الثالث عشر فى التّوابع
وهي خمسة:
وصف، وتأكيد، وبدل، وعطف بيان، وعطف بحرف.
ويشتمل الباب على مقدّمة، وخمسة أنواع.
المقدّمة:
اعلم أنّ/ التابع إمّا أن يكون مكمّلا للأوّل، أو غير مكمّل له، فغير المكمّل:
هو المعطوف بالحرف، والمكمّل لا يخلو: أن يكون فى تقدير جملتين - وهو البدل - أو في تقدير جملة واحدة، فلا يخلو؛ أن يفيد فائدة المشتقّ، فيتضمّن الضمير - وهو الوصف - أو لا يفيد فائدة المشتقّ، ولا يخلو: أن يكون محصور الألفاظ - وهو التّأكيد - أو غير محصور - وهو عطف البيان، فهذه اقسام التّوابع، وسبب انقسمها، وسنذكر حكم كلّ واحد منها مفردا.
وهذه الخمسة تتبع ما تسند إليه فى إعرابه، وأحكامه، لفظا، أو موضعا، وهي - في عواملها - على ضربين:
ضرب عامله [عامل] 1 متبوعة، عند سيبويه، وهو 2 الوصف 3
والتأكيد (1)، وعطف البيان (2) وضرب عامله غير عامل متبوعه، وهو: البدل والعطف بالحرف.
ولا يجوز تقديم واحد منها علي متبوعه؛ للتّبعيّة، والتكميل، والإيضاح.
النوع الأوّل: الوصف، وفيه ثلاثة فروع.
الفرع الأوّل: في تعريفه،
وهو: ما دلّ علي أحوال الذّات، أو بعضها، إيضاحا للمعارف، وتخصيصا للنكرات، ويرد فى الكلام على أربعة أضرب.
الأوّل: للتّخصيص مما يحتمله أمثاله، نحو: مررت بزيد الظريف، وبرجل كاتب.
الثّاني: لمجرّد المدح والثّناء، كالأوصاف الجارية علي الله سبحانه، (نحو) 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الثّالث: لمجرّد الذم والتحقير، كقوله تعالي: فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
4
وهذان الضربان لا يوجد فيهما اشتراك وإبهام يحتاج إلي إيضاح وتخصيص، وإنما هما علي سبيل المدح والذّم.
الرّابع: لمجرّد التأكيد/ كقوله تعالي: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ 512
وقوله تعالي: وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (1) فقوله: «نفخة» و «إلهين» يدلّان على الوحدة؟ والاثنينيّة، وإنّما ذكرهما تأكيد (2).
الفرع الثّانى: فى تقسيمه،
وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون وصفا محضا خالصا فى الوصفيّة.
والثّانى: أن يكون وصفا غير محض، ولا خالصا في الوصفيّة.
أمّا الضّرب الأول: فلا يخلو الوصف فيه: أن يكون بذكر معني فى الموصوف، أو فى شئ من سببه غالبا؛ احترازا من «أفعل» 3. و «مائة» ونحوها.
فالأوّل: يكون بالخلق، نحو: طويل، وقصير، وبالخلق، نحو: كريم، وبخيل، وبالعمل، نحو؛ ضارب، وراكب، وبالمصدر، نحو: عدل، وضيف، وبالنّسب، نحو؛ مكّيّ، ومدنيّ، وبالجوهر، نحو: مررت برجل ذى مال.
والثاني: يكون بما يتعلّق بالموصوف، من نسيب 4، أو صديق، أو جار، أو ملك، ونحو ذلك، تقول: مررت برجل كريم أبوه، وعاقل صديقه، وصالح جاره، وحسنة داره، فكلّ صفة رفعت ضمير الموصوف، رفعت الذى12
هو من سببه، إلا «أفعل»، فإن قلت: مررت برجل أفضل 1 منه أبوه، رفعت «أفضل» بخبر المبتدأ الذي هو «أبوه» ومنهم من أجاز: مررت برجل أفضل منه أبوه، فإذا قلت: مررت برجل عاقل أبوه، جاز أن ترفع «أبوه» ب «عاقل»، و «عاقل» صفة لرجل، وجاز أن ترفع «عاقلا»، وتجعله خبر المبتدأ، الذي هو «أبوه» والجملة صفة ل «رجل» والأوّل أولي، وأمّا: مررت بزيد الكريم أبوه، فيجوز أن ترفع «الأب» ب «لكريم»، والهاء تعود إلى الألف واللام، أو إلى مدلولهما، ويجوز أن ترفع «أبوه» بالابتداء، و «الكريم» خبره، والجملة في موضع الحال من «زيد» والعائد إلى الألف واللّام مستكن.
وتقول: مررت برجل مخالط بدنه داء/ ولك حذف التّنوين والجرّ، وحكى سيبويه عن بعض النحويّين أنّه كان لا يجيز في «مخالط» إلا 2 النّصب، وردّ هذا القول 3 عليه.
الضّرب الثّانى: الوصف غير الخالص، هو ثلاثة أقسام: مفرد، ومضاف، وموصول.
أمّا المفرد: فكقولك: مررت بثوب سبع، وجبّة ذراع، وأخذت منك إبلا مائة، فإن قلت: مررت بثوب سبع طوله، وجبّة ذراع طولها، رفعت، على الابتداء
والخبر، قال سيبويه: وبعض العرب يجرّه، وهم 1 قليل، تقول: مررت برجل أسد أبوه، إذا أردت أن تجعله شديدا، فإن قلت: مررت بدابّة أسد أبوها، رفعت؛ لأنّك إنّما تخبر أنّ أباها هذا السّبع، وإن أردت هذا المعنى فى الأناسيّ، رفعت، إلّا أنّك لا تجعل خلقة أبيه كخلقة الأسد؛ لأنّ هذا لا يكون، ولكنّه يجيء كالمثل.
وأمّا المضاف: فكقولك: مررت برجل أيّ رجل، وأيّما رجل، وكلّ رجل، ورجل رجل صدق، وبرجل رجل سوء، وبرجل مثلك، وغيرك.
فإن جعلت شيئا من هذه الصفات لشيء من سبه، لم تصف به الأوّل، ورفعته، فتقول: مررت برجل مثلك أخوه، ورجل من سبه، لم تصف به الأوّل، ورفعته، فتقول: مررت برجل مثلك أخوه، ورجل أبو عشرة أبوه، وقد أجاز بعضهم 2 وصف الأوّل به، وهو قليل.
وأمّا الموصول: فهو مشبّه 3 بالمضاف، نحو قولك: مررت برجل أب لك، وصاحب لك، وأفضل منك.
فإن علّقتها بشئ من سببه، رفعت، فقلت:
مررت برجل أب لك 4 أبوه، وصاحب لك أخوه، وأفضل منك ابنه، والجرّ لغة، وليست بالجيّدة (4)، قال سيبويه: قول النحويّين: مررت برجل أسد شدّة وجرأة، إنّما يريدون: مثل الأسد، وهذا ضعيف قبيح؛ لأنّه لم يجعل صفة 5؛ وإنّما
قالوه تشبيها بقولك: مررت بزيد أسدا/ وقد يكون خبرا ما لا يكون صفة.
الفرع الثّالث: فى أحكامه:
الحكم الأوّل: لا يكون الوصف إلّا من فعل، أو راجع إلى معنى الفعل؛ لافتقاره إلى تحمّل ضمير الموصوف.
فالأوّل: كاسم الفاعل، نحو: قائم وقاعد، واسم المفعول، نحو:
مضروب، ومقتول، والصّفة المشبّهة باسم الفاعل، نحو: حسن وقبيح، والثّاني: كالنّسب، والجمل، و «ذي» و «أيّ» لأنّها كلّها يقدّر لها تقدير يرجع إلى معني الفعل.
الحكم الثّاني: الوصف يتبع الموصوف في الإعراب، والإفراد والتّثنية والجمع، والتّعريف والتنكير، والتّأنيث والتّذكير، وله بهذا الاعتبار حالات:
الأولى: أن.
يتبعه في هذه الأوصاف جميعها، نحو: رجل كريم، ورجلين كريمين، ورجال كرام، وزيد الكريم، وهند الكريمة.
فإن وصفت المميّز جاز لك الإفراد والجمع، تقول: عندي عشرون رجلا صالحا، وصالحون، وصلحاء، ولا يجوز: صالحين علي أن تجعله صفة 1 «رجل» إلّا فى قول، وإذا وصفته بجمع التكسير جاز فيه النّصب والرّفع (1)، تقول: عشرون درهما جيادا (1)، وجياد، وينشد بيت عنترة 2 بهما:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة … سودا كخافية الغراب الاسحم
الثانية: أن يتبعه في الإعراب، والتعريف والتنكير، لا غير، وهو إذا كان الوصف بشئ من سبب الموصوف، نحو: مررت بزيد الظريف أبوه، وبرجل ظريف أخوه.
الثالثة: أن يوافقه في الجميع، ما عدا التأنيث والتذكير، وهو علي ثلاثة أضرب:
الأول: أن يكون مختصّا بالمذكّر نحو: رجل يفعة 1، وربعة 2.
الثاني: أن يكون مختصّا بالمؤنث، نحو: امرأة حائض، وطالق.
الثالث: أن يكون مشتركا بينهما، وهو نوعان: مقيس، وغير مقيس:
فالمقيس: ما كان علي «فعول» [بمعني فاعل] 3 نحو: رجل صبور، وامرأة شكور، أو فعيل بمعني «مفعول» / نحو: كفّ خضيب، ولحية دهين، أو ما دخلته التاء للمبالغة، نحو: راوية 4، وعلّامة.
وغير المقيس، نحو: أيّم، وضامر وبادن 5.
الرابعة: أن يخالفه في الصّيغة، وهو نوعان:
أحدهما: أن يكون المذكّر علي «أفعل»، والمؤنّث علي «فعلاء» فيختلفان في الإفراد والتثنه، ويتّفقان في الجمع، نحو: رجل أسود، وامرأة سوداء، ورجلين أسودين، وامرأتين سوداوين، وفي الجمع لهما: سود وسودان وأساود.
والثّاني: أن يكون المذكّر على «فعلان»، والمؤنّث علي «فعلى» نحو:
غضبان، وغضبي، وحكمه حكم الأوّل.
الخامسة: أن يخالفه في التنكير، فيكون الموصوف نكرة، والوصف معرفة.
نحو: مررت برجل مثلك، وشبهك، وغيرك، وسواك، وبرجل واحد أمّه، وعبد بطنه.
وإنما جاز وصف النكرة بهذه الألفاظ - وإن كنّ مضافات إلي المعارف - لتقديرك فيهنّ الانفصال، وأنهنّ لا يخصصن شيئا بعينه، وأجاز الأخفش 1 أن قوله تعالى: فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ 2 أن يكون «الأوليان» صفة «آخرين»؛ لأنّه لمّا وصفه اختصّ.
وقد أجاز بعض الكوفّيين 3 وصف النكرة بالمعرفة، فيما فيه معني مدح أو ذمّ، وتأوّل عليه قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ.
الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ 4، وهذا، وأمثاله - عند البصريّين - على البدل 5، وإضمار 6 فعل أو اسم 7.
الحكم الثالث: الوصف لا يكون أخصّ من الموصوف، وقد يكون مثله؛ فيترتّب على ذلك أن لا يوصف مضمر، ولا يوصف بمضمر؛ لأنّ المضمر أعرف المعارف عند سيبويه 1 فلم يعرض له اشتراك يحتاج أن يزال بالوصف؛ ولأنّ المضمر غير مشتّق، ولا يقارب المشتقّ.
وقد أجاز بعضهم 2 وصف المضمر الغائب، نحو: رأيته الظريف.
وجوّز سيبويه:
قمت أنت 3 / فجعل «أنت» وصفا للتاء 4، وهذا ليس على حد الصّفة بالمشتقّ، وإنّما هو علي حدّ التوكيد 5 وأمّا باقى المعارف فإنّها توصف.
أمّا الأعلام فلا يوصف بها، لأنّها غير مشتقّة، ولا مقاربة له، وما جاء منها فإنّه يكون عطف بيان، وتوصف بثلاث معارف؛ للاشتراك الحادث فيها:
أحدهما: المعرّف باللّام، نحو: مررت بزيد الكريم.
الثّاني: المضاف إلي معرفة، نحو: مررت بزيد صاحبك، وصاحب عمرو.
وصاحب الأمير.
والثالث: بأسماء الإشارة، عند سيبويه 1؛ لأنّ العلم عنده، أعرف من الإشارة، نحو: مررت بزيد هذا.
وأمّا المعرّف باللّام: فإنّه يوصف بمثله في التعريف 2، وبالمضاف إلي مثله (2)، نحو: مررت بالرّجل الكريم، وبالرّجل صاحب الفرس، ومنهم من يجيزه 3 في المضاف إلى ما لا فيه الألف واللّام.
وأمّا المبهم: فيوصف بالمعرّف باللّام، اسما، وصفة، نحو: مررت بهذا الرّجل - وهو الأكثر الأحسن - وبهذا الظريف، وهو الأقلّ الأقبح، وكأنه من إقامة الصفة مقام الموصوف، تقديره: بهذا الرجل الظّريف.
فإن قلت: مررت بهذا العاقل، أو الكاتب، كان بينهما في الحسن؛ لأنّ من حقّ المبهم أن يبيّن بأسماء الأجناس، كالرجل، والغلام، وإنّما يبيّن بالصّفات عند اللّبس؛ لأنّ المبهم إشارة إلى حاضر معروف؛ فاستغني عن التّبيين، فإذا جئت بالوصف الخاص، حسن تبيينه به، بخلاف الوصف المشترك، كالطّويل.
وأما المضاف إلى المعارف: فيوصف بما أضيف كإضافته، وبالمعرّف باللّام، وبالمبهم، نحو: مررت بصاحبك غلام عمرو، و: بصاحبك الطويل، وبصاحبك هذا، وبصاحب زيد غلام عمرو.
الحكم الرّابع: إعراب الصّفات علي ثلاثة أقسام:
الأول:/ يتبع لفظ موصوفه رفعا، ونصبا، وجرّا، نحو؛ قام زيد الظريف، ورأيت زيدا الظريف، ومررت بزيد الظريف.
الثاني: يتبع موضعه، كالمبنيّات، إذا كان ممّا يوصف؛ احترازا 1 من المضمرات، ومن «اللهمّ»، عند سيبويه 2، و «كيف»، و «كم» ونحو ذلك ممّا أوغل في شبه الحروف، تقول: قام هؤلاء العلماء، ورأيت هؤلاء العلماء،
ومررت بهؤلاء العلماء.
الثالث: يتبع لفظه تارة، وموضعه أخرى وبعضه أقوى من بعض.
الأوّل: العامل مع معموله المبني، نحو: لا رجل ظريف، وظريف.
الثّاني: المضاف والمضاف إليه، فإن كان معربا وصفته على اللفظ إجماعا، نحو: أعجبنى غلام زيد الظريف، وعلى الموضع المعنويّ، إن كان فى الأوّل معنى الفعل، عند قوم، تقول أعحبنى ضارب زيد الظريف، والظريف، بالجرّ والنّصب، ومنع منه قوم.
الثّالث: «من» إذا كانت زائدة في النفي، والاستفهام، كقوله تعالي:
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ 3 وكقولك: هل من رجل في الدّار غير زيد، يجوز في «غير» الرفع 4، علي الموضع، والجرّ 5 على اللفظ.
الرّابع: «إنّ» واسمها، وقد أجاز بعضهم وصفه، على الموضع 1، وحمل عليه قوله تعالي: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ 2 فيمن رفع 3 «علّام» في أحد الأقوال.
الحكم الخامس: الوصف يكون مفردا، وجملة:
فالمفرد: يوصف به المعرفة، والنكرة، نحو؛ مررت بزيد الكريم، وبرجل كريم
والجملة، إنّما يوصف بها النكرات؛ لأنّها نكرة، نحو: مررت برجل قام أبوه، وبرجل أبوه منطلق، وبرجل إن تقم أقم معه، وبرجل خلفك، وبرجل 4 من الكرام، ولا بدّ في الثّلاث الأول من عائد إلي الموصوف، وقد جاء في الشّعر بغير عائد، قال طرفة 5:
وتبسم عن ألمى كأنّ منوّرا … تخلّل حرّ الرّمل دعص له ندى
التقدير فيه: كأنّ منوّرا بوجوده تخلّل.
فإن اجتمع مفرد وجملة، فالأولي تقديم المفرد علي الجملة؛ لأنّه الأصل، نحو: مررت برجل قائم أبوه منطلق، وقد جاء الأمران في/ التّنزيل، قال الله تعالي: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ 1 وقال: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ 2 وعلي الثّاني قول النابغة 3: وليل أقاسيه بطئ الكواكب والوصف بالجملة الفعليّة، أقوي منه بالجملة 4 الأسمّية وأكثر، وأكثر ما وصف من الأفعال، بالماضي 5؛ لأنّه محقّق، وأمّا المستقبل؛ ففيه خلاف نحو: مررت برجل يصيد 6 غدا، التّقدير فيه: يقدّر الصيد غدا، وقوم
يجعلون الوصف بالفعل حالا، وهو عندهم 1 أولي، فأما قول الشاعر 2: حتى إذا جنّ الظّلام واختلط … جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط وقول أبي الدّرداء - رحمه الله - وجدت الناس اخبر تقله 3، فإنّما ذلك بمعني: مقول عنده هذا القول، كأنّه قال: جاءوا بمذق يتلوّن هذا اللّون، يعني به غبرة الذئب، وكأنّه قال: وجدت الناس مقولا فيهم هذا القول.
فإن أردت أن تصف المعارف بالجمل جئت ب «الّذى»، وجعلت الجملة صلتها، ووصفت ب «الذى» وثنّيته، وجمعته، وأنّثته، على حسب الموصوف.
فقلت: رأيت زيدا الذي قام أبوه، ومررت بالزيدين اللّذين قام أبوهما، وبالزّيدين الذين أبوهم منطلق.
الحكم السّادس: لك في كلّ موصوف أن تجمعه وتفرّق صفاته علي عدّته وأن تقرّق الموصوف وتجمع صفاته، إذا لم يكن في الحالين مبهما؛ تقول في الأوّل: مررت بالزيدين القائم والقاعد والنائم، ومررت برجال كاتب وشاعر وحاسب، ويجوز الرّفع، علي التبعيض؛ تقول: مررت برجال كاتب وشاعر وحاسب، فإن لم تستوف العدّة فالرّفع لا غير؛ تقول: برجال كاتب وشاعر، وتقول: مررت بثلاثة رجال كاتبين وشاعر، وتقول فى الثانى: مررت بزيد وعمرو وبكر الظّرفاء/ وقد جاء فى الشّعر وصف بعضهم.
فإن كان الموصوف مبهما لم يجز فيه هذا، لا تقول: مررت بهذين الراكع والسّاجد، علي الوصف؛ لأنّ المبهم وصفته بمنزلة اسم واحد، وكذلك إن كانت الصّفة مبهمة، لا تقول: مررت بالزّيدين هذا وهذا، فإن أردت البدل جاز فيهما.
وإذا فرّقت الوصف علي الموصوفين فالأحسن أن تجعل أوّل الوصف لآخر الموصوفين، وآخره لأوّلهم؛ كيلا تكثر الفواصل، تقول: ضرب زيد عمرا الظّريف الظّريف، وزيد ضربت غلام أخيه العاقل العاقل العاقل.
الحكم السّابع: إذا اجتمعت صفتان، فالثانية لمجموع معني الموصوف: والصّفة عند قوم، وللصّفة عند قوم، نحو: مررت بزيد الظريف العاقل، ف" العاقل" صفة «زيد» و «الظّريف» معا، وقال قوم: هو صفة للأوّل،
قال سيبويه: والنّصب فيه جائز ضعيف، تقول: هذا رجل عاقل لبيبا، قال: وإنّما ضعف؛ لانّه لم يرد أنّ الأوّل وقع وهو في هذه الحال، ولكنّه أراد: أنّهما فيه ثابتان، لم يكن (واحد) 1 منهما قبل صاحبه 2. وكلّ صفة تشتمل علي مدح أو ذمّ، فإذا تعدّدت جاز لك فيها قطعهما عن الأوّل، والنّصب، علي المدح والذّمّ، تقول جاءني زيد الظّريف العاقل اللبيب، و: مررت بزيد الخبّ اللّئيم الخبيث، وعليه تأوّل بعضهم 3 قوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ 4، ومنه قول الخرنق 5: لا يبعدن قومي الذين هم … سمّ العداة وافة الجزر النازليين بكلّ معترك والطّيّبون معاقد الأزر والرفع في المدح والذّمّ يستويان، وقد تقدّم ذكرهما في باب المفعول به مستقصى 6. الحكم الثامن: إذا اختلف الاسمان في الإعراب لفظا، ومعني/ وكان عاملهما واحدا، نحو: ضرب زيد عمرا، فلا تجوز تثنية الصّفة البتّة، لا
تقول: ضرب زيد عمرا 1 الكريمان، ولا الكريمين.
فإن اتّفقا في المعنى، واختلفا فى الإعراب - والعامل واحد - نحو: ضارب زيد عمرا؛ لم يجز وضعهما بصيغة واحدة، عند البصريين 2، وأجازه بعض الكوفيّين؛ نظرا إلى المعنى، فمنهم من 3 يقول: العاقلان، لا غير، ومنهم 4 من يقول: العاقلان، والعاقلين، أيّهما شاء.
فإن اتّفق الاسمان في الإعراب، واختلف العاملان، فلا يخلو: أن يكونا مختلفين في اللّفظ، والمعنى، أو في اللّفظ دون المعنى، أو في المعنى دون اللّفظ، نحو: أقبل زيد وأدبر عمرو، وقعد زيد وجلس عمرو، ووجد زيد، من الغني، ووجد عمرو، من الغضب، فإنّ سيبويه يجيز - فى ذلك كلّه - العاقلان 5، وغيره 6 يأباه، مع اتّفاقهم على جواز: اختلف زيد وعمرو العاقلان.
فإن اتّفق الاسمان في الإعراب، والعامل، لفظا ومعنى - نحو: قام زيد وقام عمرو [العاقلان] 7 - فالنّحويّون كلهم يجيزونها، إلّا ابن السّراج، فإنه أبي ذلك، إلا أن يعتقد في العامل الثانى التكرير 8.
فإن كان إعراب الاسمين متفقا، إلّا أنّهما اختلفا فى التّقدير، أجازه بعضهم 1، نحو: زيد منطلق وجاء عمرو العاقلان، وضربت زيدا وإنّ عمرا منطلق العاقلين.
وأمّا: هذا رجل وذاك آخر قائما، فسيبويه 2 يجيزه، والمبرد 3 يأباه.
الحكم التّاسع: إذا كان الموصوف كنيتة، لم يتببع الوصف إلّا الأول، كما لا تتبع التثنية والجمع إلّا الأوّل، تقول: جاءنى أبو بكر الكاتب، ورأيت أبوي بكر الكاتبين، ومررت بأباء بكر الكاتبين.
فإن وصفت ب «ابن»، واقعا بين علمين، حذفت تنوين الأول لفظا، فقلت: هذا زيد بن عمرو، فإن كان خبرا أو بدلا أبقيت/ التنوين وقد قرئ بالاثنين قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.
4 من جعله وصفا حذف التّنوين، وكان الخبر محذوفا، ومن جعله خبرا وحذف التنوين؛ فلأنّ «عزير» غير منصرف، أو تحفيفا 5.
وإن لقّبت مفردا بمفرد، أضفته إليه، فقلت: هذا قيس قفّة يافتي، وإن لقّبته بمضاف، جرى على الاسم نعتا، تقول: هذا زيد وزن سبعة.
فإن لقّبت مضافا بمفرد أو مضاف، جرى عليه نعتا، تقول: هذا عبد الله كرز، وعبد الله وزن سبعة.
الحكم العاشر: لا يجوز الفصل بين الصّفة والموصوف بأجنبيّ من عامل الموصوف، فأمّا قول الشّاعر 1:
قلت لقوم فى الكنيف تروّحوا … عشيّة بتنا عنّدما وان رزّح
ففصل بمعمول قلت بين الصّفة والموصوف، فشاذّ.
الحكم الحادي عشر: لك أن تحذف الموصوف، وتقيم الصّفة مقامه، إذا ظهر أمره ظهورا يستغني عن ذكره، كقوله تعالي: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً 2 وكقول الشّاعر 3:
وعليهما مسرودتان قضاهما … داود أو صنع السّوابغ تبّع
وقد يبلغ به الظّهور بحيث يطرحونه رأسا، كقولهم: الفارس 1 والصاحب، والأورق 2، والأطلس 3، ونحو ذلك كثير في كلامهم.
وفي القياس على حذف الموصوف خلاف بين سيبويه 4 والأخفش 5.
وكذلك لك أن تحذف الصّفة، وتقيم الموصوف مقامها، كقوله صلّى الله عليه وسلّم 6 «لا صلاة لجار المسجد إلّا فى المسجد» 7 فى أحد القولين؛ لأنّه لم يرد به المنع من صحّة الصّلاة، إنما أراد نفى الكمال، كأنّه قال: لا صلاة كاملة، أو لا كمال صلاة.
الحكم الثانى عشر: يجوز تقديم الصّفة علي الموصوف إذا كانت لاثنين، أو جماعة، وقد تقدّم أحد/ الموصوفين، تقول: قام زيد العاقلان وعمرو، ومنه قول الشاعر 1:
ولست مقرّا للرّجال ظلامة … أبى ذاك عمي الأكرمان وخاليا
كأنّه نظر إلى أنّ العطف كالتثنية.
وإذا ذكرت الموصوف جاز أن يتقدّم معمول الصّفة عليها، لا على موصوفها، كقولك: نعم رجلا طعامك آكلا زيد، ومثله قوله تعالى: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ 2، فإن لم تذكر الموصوف لم يتقدّم معمول الصّفة عليها، لا تقول: نعم طعامك آكلا زيد.
الحكم الثّالث عشر: إذا تقدّمت الصّفة علي الموصوف، فلا يخلو: أن يكون الموصوف معرفة أو نكرة.
فإن كان معرفة أعربتها بإعراب الموصوف، وجعلته بدلا منها، كقولك:
هذا الظريف زيد، وعليه قوله 3:
من الصّهب السّبال وكلّ وفد
يريد: من السّبال الصّهب.
وإن كان 1 نكرة، انتصبت على الحال، كقولك: هذا قائما رجل، وعليه قوله 2:
وتحت العوالى والقنا مستظلّة … ظباء أعارتها العيون الجاذر
وقد [جاء] 3 فى النكرة مثل 4 المعرفة، قال 5:
ألفيتنى أعظما فى قرقرقاع
الحكم الرّابع عشر: قد وصفوا المضاف إليه، وهم يريدون المضاف، قال 6:
علىّ يوم تملك الأمورا … صوم شهور وجبت نذورا
ونحو منه قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ 7 في الخبر 8.
الحكم الخامس عشر: يجوز أن تعطف بعض الصّفات على بعض، بالواو، إذا لم يكن فيها ترتيب، تقول: قام زيد الظريف والشّريف والكاتب، فإن كان فيها معني الترتيب/ فبالفاء، تقول: جاء زيد الرّاكب فالسّالب فالآيب.
النّوع الثّانى: في التأكيد، وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأوّل: فى تعريفه:
وهو: لفظ يتبع الاسم المؤكّد؛ تثبيتا، وتقريرا، ورفعا للّبس، وإزالة للاتّساع
أما التّثبيت، والتقرير: فلا خفاء أنّ تكرار اللّفظ يثبّت المعنى في النّفس، ويقرّره، وأمّا رفع اللّبس، فإنّك تقول: جاء القوم، وقد يجوز أن يكون قد تخلّف بعضهم؛ تغليبا للأكثر، فإذا قلت: «كلّهم» ارتفع اللبس، وتحقّق أنّه لم يتخلّف منهم أحد.
وأما إزالة الاتّساع: فإنّ الفعل قد يسند إلى غير فاعله الحقيقيّ، فيقال:
كتب الأمير، وإنما كتب كاتبه، فإذا قلت: كتب الأمير نفسه، زال الاتّساع.
وهو أشدّ ملابسة بالمؤكّد من الصّفة بالموصوف؛ لأنّ الصّفة تقام مقام الموصوف، كما سبق (1)، على قبحه عند سيبويه، ولا يقوم التوكيد مقام المؤكّد فلا تقول: رأيت أجمعين، تريد: الرّجال أجمعين، كما تقول: رأيت الظّرفاء، وأنت تريد: الرّجال الظرفاء.
الفرع الثّانى: فى أقسامه:
وينقسم قسمين: لفظيّ، ومعنوىّ.1
أمّا اللّفظىّ: فيكون بتكرار اللّفظ، اسما وفعلا وحرفا؛ واحدا ومثنى ومجموعا، معرفة ونكرة، ومظهرا ومضمرا، ومفردا وجملة.
تقول فى المظهر: قام زيد قام قام زيد، ورأيت زيدا رأيت زيدا، ورأيت زيدا زيدا، ورأيت زيدا رأيت، وزيد فى الدّار في الدّار.
وتكرار اللّفظ في القرآن كثير، كقوله تعالي: قَوارِيرَا.
قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ 1، وكقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها 2، ومنه قول المؤذّن: الله أكبر، الله أكبر، و: قد قامت الصّلاة، قد قامت الصّلاة/ وقول جرير 3:
هلّا سألت جموع كن … دة أين ولوّا أين أينا
وقول الآخر 4:
كم نعمة أسديتها كم كم وكم
وتقول فى المضمر: ما ضربني إلّا أنت أنت، وانطلقت أنت، ومررت بك
أنت، وبه هو، وبنا نحن، ورأيتنى أنا، وزيد قام هو، وهذا (باب) 1 واسع في العربيّة.
وأمّا المعنويّ: فهو بألفاظ وصيغ 2 مخصوصة محصورة، معارف لا يزاد فيها، ولا يقاس عليها، وهي: «نفسه» و «عينه» و «كلّه» «وأجمع» و «أجمعون» و «جمعاء» و «جمع» و «كلا» و «كلتا» و «أتبعوا» «أجمع» أكتع»، و «أجمعون» «أكتعون» و «جمعاء» «كتعاء»، و «جمع» «كتع»، ثمّ أتبعوا «أكتع» «أبتع»، و «أكتعون» «أبصعون»، و «كتعاء» «بصعاء»، و «كتع» " بصع"؛ تقول: قام زيد نفسه، ورأيت زيدا عينه، وقام القوم كلّهم ومررت بالجيش أجمع، ورأيت القوم أجمعين، ومررت بالقبيلة جمعاء، ورأيت النّساء جمع، وقام الرّجلان كلاهما، ورأت المرأتين كلتيهما، وقام القوم كلهم أجمعون، وأنفقت الدّرهم أجمع أكتع أبصع.
ومعانى هذه الألفاظ مختلفة:
فأمّا؛ «نفسه» و «عينه» فهما عبارة عن الجملة، وإن كانا - في أصل الوضع - لشيئين مخصوصين منها، ويؤكّد بهما حقيقة الشّئ، ممّا يتجزّأ وما لا يتجزّأ، نحو: أنفقت الدّرهم نفسه، وعينه، وجاء زيد نفسه، وعينه.
وأمّا «كلّ»: فمعناه: الإحاطة، والعموم، ولا يؤكّد بها إلّا ما يتبعض، نحو: جاء القوم كلّهم، وأكلت الرّغيف كلّه، ولا تقول: قام زيد كلّه، فأمّا قولهم:
مررت بالرّجل كلّ الرّجل، فمعناه: مررت بالرجل الذى يستحقّ لأن يكون
رجلا كاملا فى حزمه.
وجلده وشجاعته، ونحو ذلك.
وأما، «أجمع»، وأخواتها: فمعناهنّ معنى «كلّ»، وإن كان فيهنّ إشارة إلي الاجتماع، وإن لم يكن شرطا.
وليست «أجمع» و «جمعاء» علي حدّ «أحمر» و «حمراء»، وإنّما هما اسمان مرتجلان، وقعا اتّفاقا كذلك، وقع «سلمان» و «سلمى» على حدّ «غضبان» و «غضبى»، وليسا مثلهما.
أمّا «أجمع» و «جمعاء» فإنما يؤكد بهما الواحد المتجزّئ، نحو: الدّرهم والدّار، ولا يقال للرّجل أجمع، ولا للمرأة:
جمعاء.
وأمّا «أجمعون»: فإنّما يوكدّ بها المذكّرون العالمون، وليست جمع 1 «أجمع» ك «زيدون» من «زيد» وإنّما هو اسم معرفة مرتجل للجمع.
وأمّا «جمع»، فيوكّد بها من يعقل، وما لا يعقل، من المؤنّث المجموع، وليست جمعا ل «جمعاء»، وقد ذهب قوم إلى الجمعية في «أجمعون» و «جمع»، وليس بالقويّ (1).
و «أجمع» لا ينصرف، لوزن الفعل والتّعريف، و «جمعاء» لا ينصرف؛ لأجل ألف التّأنيث التي انقلبت الهمزة عنه، وهي علّة تقوم مقام علّتين، و «جمع» لا ينصرف؛ للعدل والتّعريف: فالعدل، عن «جمع» مثل «حمراء»