البديع في علم العربيةصفحات 257-296

فإن أخبرت عن زيد قلت: الذي يطير الذباب فيغضب زيد، والطائر الذباب فيغضب زيد.
ومنها العامل والمعمول كقولك: زيد حسن وجهه، وقائم أبوه، إن أخبرت عنهما قلت: الذي زيد هو حسن وجهه، وهو قائم أبوه.
ومنها الاستفهام كقولك: أيّهم أخوك، إن أخبرت عن أيّهم قلت: أيّهم الّذي هو أخوك؟ فقدّمته على الّذي، وجعلت ضميره بعد الّذي و «هو» العائد إليه، و «أخوك» خبر ضميره، والجملة صلة «الذي».
وأنواع ما يجوز الإخبار عنه من الكلام كثيرة 1 لا يحتمل استيعابها ولا ذكر ما يتفرع عليها من المسائل، وفيما ذكرنا تنبيه على ما تركنا.
وأمّا المواضع التي لا يجوز الإخبار عنها فكثيرة منها: الفعل، والحرف والجملة، والحال، والتمييز، والظّرف غير المتمكّن، وضمير الشأن، والمضاف إلى المائة، وبعض المضاف إليه، والمجرور برب وكم، وفاعل نعم وبئس، والتعجّب، والصفة، والموصوف دون صفته، والموصول دون صلته، وغير ذلك 2. وممّا يتعلّق بهذا الباب: أنّك متى وصلت «الّذي 3» بالّذي فانظر إلى الآخر منهما فوفّه صلته، فإذا تمّ بصلته وخبره فضع موضعه اسما مضافا إلى ضمير ما قبله، ويكون الثّاني وصلته وخبره صلة للأوّل، ولا بدّ من أن يرجع إلى كل واحد منهما 4 ضمير في صلته، إلا أنّ الثّاني يحتاج أن يكون فيه ضميران: أحدهما: يرجع إليه، والآخر يرجع إلى الأوّل، وإن كان الذي بعد الذي مرتين أو ثلاثا أو أربعا فصاعدا، فحاله كحال الذي ذكرت لك من حاجة كل واحد منهما إلى ما يتمّه ويكون خبرا له، تقول: الذي (التي) 5 قامت في داره هند عمرو، فالّذي: مبتدأ، والتي: مبتدأة أيضا، وقامت في

داره: صلة التي، وفيه ضميران: أحدهما مرفوع راجع إلى التي، والثاني مجرور راجع إلى الذي، وهند خبر التي، والتي وصلتها وخبرها صلة الذي وعمرو خبر الذي.
ويعتبر هذا الباب بأن تقيم مقام كل موصول مع صلته اسما حتّى تردّ الجميع إلى واحد، فإذا قلت: الّذي الّتي اللّذان الّتي أبوها أبوهما أختها أخواك أخته زيد 1، عمدت إلى التي الثانية وصلتها: أبوها أبوهما، فأقمت مقامها «أمهما» مثلا فصار الكلام: الّذي الّتي اللّذان أمّهما أختها أخواك أخته زيد، ثمّ تقيم مقام اللذان وصلتها اسما فتقول: الّذي الّتي (صاحباها) 2 أخواك أخته زيد، ثمّ تقيم مقام «الّتي» الأولى وصلتها اسما وهو «هند» مثلا، فيصير الكلام: الذي هند 3 أخته زيد.
وتقول: اللّذان الّذي الّتي أخته أختها أختهما زيد أخواك، فأخته: مبتدأ وأختها: خبره، والجملة صلة التي، وأختها 4: خبر التي، والتي وصلتها وخبرها صلة الذي، وزيد: خبر الذي، والذي وصلته وخبره صلة «اللذان» وأخواك: خبره، والعائد إلى التي من صلتها «ها» من أختها، والعائد إلى الّذي من صلته الهاء من أخته، والعائد إلى «اللذان» من صلته «هما» من أختهما.
وهذا باب كثير المسائل والتفريعات، وقد أطنب فيها العلماء، فلم نطل بذكرها؛ لقلة الحاجة إليها؛ والفائدة منها.

الباب العاشر في معرفة الأسباب المانعة من الصرف

قد تقدم في أول الكتاب أنّ أصل الأسماء التمكّن من الإعراب والتنوين، لكن عرض لبعضها عارض من مشابهة الحرف فبني، وعرض لبعضها عارض من مشابهة الفعل فمنع ما لا يدخله من الجر والتنوين، وقد تقدم ذكر ذلك مبينا 1. ويحتاج أن نذكر في هذا الباب بيان العلل المانعة من الصرف، وما يتعلق بها من الأحكام، وهي تسع: التعريف، والعجمة، والعدل، والوصف، ووزن الفعل، والألف والنون والتركيب، والجمع، والتّأنيث.
أمّا التعريف: فقد ذكرنا أقسام المعارف في باب المعرفة والنكرة 2 إلا أنّ المانع من الصّرف منها هو التعريف الوضعي العلمي، وهو فرع على التنكير؛ لأنّ الأصل في الأسماء أن تكون نكرة، ثم تتعرف، ويجتمع معه من العلل ستّ وهي: العجمة، والعدل، والوزن، والألف والنون، والتركيب والتأنيث.
واثنان لا يجتمعان معه وهما على بابهما: الوصف، والجمع؛ لزوال معناهما بالتسمية، والجمع لا يتعرف إلا بالألف واللام.
وفي التعريف مسألة غريبة، وهو أنّ في الأسماء ما لا ينصرف نكرة فإذا عرّف تعريف الوضع انصرف، وذلك: أحاد، وثناء، وثلاث، ورباع، لا ينصرف؛ للوصف والعدل، كما ستراه 3، فإذا سمّي به خرج عن الوصف والعدل المعنويّ بالتسمية، فبقي فيه علّة واحدة وهي التّعريف فانصرف، ومنهم من لا يصرفه مع التّسمية 4، فأمّا ثلاثة وأربعة... إلى العشرة، فإذا كانت معرفة لم تنصرف 5، تقول: ما في يدك إلا ثلاثة 6 إذا أردت المعرفة والعدد

فقط؛ لأنه اسم لا ثاني له، وتقول: ثلاثة أقلّ من أربعة، وستة أكثر من خمسة، تريد هذا العدد أكثر من هذا أو أقل.
ولا تقول: ربّ أربعة أقلّ من خمسة، فإن نكرته صرفته، كقولك: عندي ثلاثة من الدّراهم.
ولو سمّيت بمساجد لم تصرفه؛ للتّعريف، وأنّه على وزن لا يكون في الواحد مثله (1). فإن صغّرته أو نكّرته صرفته؛ لزوال الوزن والتّعريف (2). وأمّا العجمة: فإنها فرع على العربية؛ لأن الدّخيل فرع على الأصيل.
وهي على ضربين:

الضرب الأوّل: عجمة نقلت عن بابها فبقيت نكرة على حالها

3، وتنزّلت منزلة أسماء الأجناس العربيّة، كفرس ورجل، وتعتبر بدخول (الألف) 4، واللام عليها، نحو: ديباج، وإبريسم 5، ولجام، ونوروز 6، وآجرّ 7؛ فإن الألف واللام يدخلان عليه 8، وهذا الضّرب جار مجرى العربيّ في الصرف وعدمه بوجود سببه فيه وعدمه، ويستوى فيه ما له نظير في العربية نحو: ديباج ولجام، وما لا نظير له فيها نحو: آجرّ وإبريسم.12

الضّرب الثّاني: عجمة نقلت معرفة، وتعتبر بامتناع الألف واللّام من الدخول عليها 1 نحو: إبراهيم وإسحاق، وأيّوب، وخطلخ 2، وبزغش 3، وإيتكين 4 وهو المعتبر في منع الصرف إذا اجتمع مع غيره من الأسباب المانعة، على أنّ في العربيّة ألفاظا هي عين الألفاظ الأعجميّة وقد صرفوها، نحو: يعقوب، ذكر الحجل، ولم يصرفوا يعقوب اسم النبيّ، ومثله إسحاق، لا يصرف إذا كان اسما، ويصرف مصدر أسحق إسحاقا 5، وهذا شيء يرجع إلى اختيارهم.
فإن كان الاسم الأعجمي ثلاثيا صرفوه لخفّته، نحو: نوح، ولوط، 6 لأنّ العجمة أضعف العلل التّسع، فإن نكّرت هذا الضرب انصرف، تقول: مررت بإبراهيم، وإبراهيم آخر، والأسماء الأعجميةّ منهم من يزنها وزن الأسماء العربيّة 7، ومنهم من لا يزنها؛ للجهل باشتقاقها 8. وأمّا العدل: فهو فرع على ما عدل عنه، وذلك أن تذكر لفظا وتريد غيره، وكيفيته: أن تشتقّ من الاسم اسما وتغيّر بناءه؛ إمّا للتّسمية به، وإمّا لنقل معنى إلى معنى 9.

وهو على ضربين: عدل عن معرفة، وعدل عن نكرة.
أما المعدول عن المعرفة - وهو المراد للتسمية - فنحو: عمر، وزفر، المعدولين عن عامر وزافر العلمين الجاريين قبل التسمية على الأفعال.
وأمّا المعدول عن النكرة - وهو المراد لنقل المعنى - فنحو مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ 1 المعدولة عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، للمبالغة.
(وأنواع) 2 المعدول خمسة: الأوّل: نحو: عمر وزفر، فلا ينصرف للعدل والمعرفة، وينصرف في النّكرة 3، كقولك: مررت بعمر وعمر آخر، ويعتبر بالألف واللام 4، فما دخلاه لم يكن معدولا 5 في الغالب، نحو: الصّرد 6، والنّغر 7، والظّلم، وقولنا: في الغالب؛ احتراز 8 من حطم المعدول عن حاطم، لوسمّي (به) 9. الثاني: ما عدل من الأعداد من: واحد... إلى عشرة، وفيه لغتان نحو: أحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث،... إلى عشار ومعشر 10.

ومنهم من يقف فيه على المسموع، وهو من أحاد... إلى رباع 1، ولا يعتد بما جاء منه في الشعر شاذا 2. وهذا النوع لا ينصرف معرفة عند قوم 3؛ للتعريف والعدل، ولا نكرة؛ للعدل والصفة؛ ولأنه معدول اللّفظ والمعنى، أمّا اللفظ فعن 4 اثنين إلى مثنى، وأمّا المعنى: فعن معني اثنين إلى معنى اثنين اثنين 5؛ (فإنّك إذا قلت: جاء القوم مثنى، فإنما تريد: جاءوا اثنين 6 اثنين) وسواء 7 قلّ

عددهم أو كثر، وكذلك إلى العشرة، وأنكر الفارسي العدل في المعنى 1، فأمّا قول النّبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «صلاة الليل مثنى مثنى 2» فالتكرير للتوكيد.
الثالث: المعدول عن نظائره ممّا يتعاقب عليه الألف واللام والإضافة 3 نحو: آخر وأخر، وكان الأصل فيه الآخر والأخر، نحو: الأفضل والفضل 4 وقد ذكرناه في باب الإضافة وغيره 5. ومن هذا الباب «سحر» إذا أردتّ سحر ليلتك، الأصل أن يقال فيه: السحر 6. فالأوّل لا ينصرف للوصف والعدل، والثاني للتعريف والعدل، فإن نكّرته انصرف.
الرّابع: المعدول عن قياس الجمع، نحو: جمع، وكتع، فإنهما جمع جمعاء وكتعاء 7، وقياس فعلاء أن تجمع على فعل، أو فعالي، نحو: حمراء وحمر، وصحراء وصحاري، فلا ينصرف؛ للعدل والوصف، فإن سميت بهما ثم نكرتهما صرفتهما؛ لزوال الوصف بالتسمية، وسيبويه لا يصرفه 8. الخامس: ما عدل إلى مثال فعال للمؤنث، نحو: حذام وقطام، ويا فساق ويالكاع، وقد تقدم ذكره في باب العوامل 9.

وأهل الحجاز يبنونه 1؛ لأنّه عدل ممّا لا ينصرف، فلم يكن بعد ترك الصرف إلا البناء 2. وبنو تميم يجرونه مجرى ما لا ينصرف إلا ما آخره راء، نحو: حضار: اسم كوكب 3، وسفار 4: اسم ماء، فإنّهم يبنونه 5، وجميع هذا إذا سمّي به مذكّر لم ينصرف معرفة، وانصرف نكرة 6، وكلّ ما لا يعرف أصله من فعال فالقياس صرفه 7، قال سيبويه: ويجوز فيه الرفع والنصب 8 كقوله 9: ومرّ دهر على وبار … فهلكت جهرة وبار وأمّا الوصف: فهو فرع على الموصوف؛ لتقدمه عليه في الوجود، والمانع منه ما كان في العدد المعدول، نحو: ثلاث ورباع، وأفعل الّذي مؤنّثه فعلاء، نحو:

أحمر وحمراء، فلا ينصرف؛ للوصف ووزن الفعل، فإن سمّيت به لم ينصرف للتعريف والوزن؛ فإنّ الصفة زالت بالتّسمية، وما دخلت مؤنّثه تاء انصرف، نحو: أرمل، لقولك 1: أرملة.
فأمّا باب قائمة وظريفة فينصرف؛ لأن تأنيثه للفرق، وهو غير لازم 2، فإن سميت به مذكّرا لم تصرفه؛ للزوم التّاء بالتسمية، قال شيخنا: 3 الواجب أن لا يعتبر في الوصف أفعل فعلاء، فإنّ منه ما لم يستعمل له مؤنّث، نحو: رجل آدر 4، وأنزع 5، ويوم أيوم 6، فإن سمّيت بأفكل وأيدع (وأجمع) 7 المؤكّدة لم تصرف؛ للوزن والتعريف 8. وأمّا وزن الفعل: فهو فرع على أوزان الأسماء؛ لأن للأفعال أوزانا تخالف أوزان الأسماء، فإذا وجدت فيها كانت فرعا على أصلها، والّذي جعل منها مانعا ما خصّ الفعل أو غلب عليه 9، فالّذي يخصّه فعل 10 وفعّل وفوعل، وفعّل، وانفعل، وافتعل، واستفعل، وما أشبهها 11. والّذي يغلب عليه ما كان في أوّله إحدى الزوائد الأربع، نحو: أفعل ويفعل ونفعل وتفعل

وتفعل 1، وما سوى (ذلك) 2 فهو إمّا مختصّ بالاسم 3، أو مشترك بينهما من غير غلبة 4. فإذا نقلت المختصّ 5 والغالب إلى باب الأسماء كان مانعا، نحو: ضرب، وقدّم، وضورب، لو سمّيت بها، نحو: أحمد، ويزيد، وتغلب (ونرجس) 6 وترتب، إذا سميت بها.
وقد روعي في موازنة الاسم للفعل طرفان: أحدهما لفظيّ، وهو أن يكون على وزن لفظه، كأحمد بوزن أذهب، والآخر: معنويّ وهو أن يكون (في المعنى) 7 أفعل، ولا تكون الهمزة أصلا.
فإن زال أحد الطرفين زال حكم الموازنة، ألا ترى أنك لو سمّيت بفوعل من أمر نحو: أومر، صرفته وإن كان في اللفظ مثل أوجل مضارع وجلت؛ لأنه مخالف له في المعنى من حيث إنّ وزنه فوعل، وأوجل أفعل، وإنّما اتفق اللفظتان لفظا واختلفتا 8 حكما، فهذا زوال طرف المعنى.
وأمّا زوال طرف اللّفظ فنحو ما مثّل به سيبويه، قال: لو سمّيت رجلا بفعل من القول فقلت: قيل 9، لصرفته؛ لأنّه، وإن كان وزنا يخص الفعل حكما، فإنّه في اللّفظ موازن لما لا يخصّ الفعل ولا يغلب عليه، نحو: فيل، وديك، فمتى بطل أحد هذين السّببين لم تكن الموازنة مانعة، فإن سمّيت بفعل الأمر مما في أوّله همزة وصل، نحو: اضرب واقتل، قطعت همزة

الوصل 1، فقلت: قام إضرب، وخرج إذهب، وقدم أقتل، فإن كان مضاعفا أدغمت في التّسمية، تقول في اشدد وامدد: قام أشدّ وأمدّ، ولا تصرف شيئا منه 2. وأفعل على ثلاثة أقسام 3: قسم إذا سمّي به ونكّر انصرف، نحو: أحمد.
وقسم لا ينصرف إذا سمّي به ونكّر، نحو: أفضل منك.
وقسم فيه خلاف، نحو: أحمر إذا سمّيت به، فسيبويه لا يصرفه إذا نكّره؛ لعود الوصف إليه بالتنكير 4، والأخفش يصرفه 5؛ لأنّ الوصف إنّما زال عنه بالتسمية لا بالتعريف، فأمّا نحو: أجدل للصّقر، وأخيل للشّقرّاق، وأفعى للحيّة، ونحو ذلك، فبعضهم يجعله وصفا نظرا، إلى المعنى ولا يصرفه 6، وبعضهم يجعله اسما ويصرفه 7. وأمّا أدهم للقيد، وأسود وأرقم للحيّة، فلا تصرف؛ لأنّها صفات لم يختلف فيها 8. فإن سميت بأفعل منفردة عن «منك» لم تصرفه في المعرفة 9، فأمّا نحو: خير منك وشرّ منك فيصرف؛ لزوال الوزن 10.

وأما أفعل التي توزن بها 1 الأسماء فلا تنصرف للوزن والعلمية 2؛ كقولك: أفعل إذا كانت وصفا نحو أحمر، أو اسما نحو أحمد، وأفعل إذا كان وصفا فحكمه كذا وكذا.
وما كان على «فعّل» مشددا لم تصرفه إذا سمّيت 3 به، نحو: بقّم 4، وكذلك 5 لم يصرفوا بطّح 6، وبذّر 7، وخضّم 8، وعثّر 9، وشلّم 10، وشمّر، ونحو ذلك من الأعلام.
وأمّا الألف والنون: فليسا بأصل في منع الصّرف، ولكنّهما لمّا أشبها ألفي التأنيث 11 في نحو: حمراء وصفراء، بكونهما زائدتين معا كزيادتهما معا، وامتناع دخول الهاء على ما دخلا عليه، كامتناعهما في حمراء، في الغالب؛ لأنّك لا تقول في، غضبان وسكران: غضبانة وسكرانة، وإنّما تقول: غضبى وسكرى 12، وقد ألحقوا الهاء قليلا فقالوا: عريانة وندمانة، وغير ذلك من أسباب المشابهة، ولكنّهما في المنع فرع فرع.
وينقسم الاسم الّذي يدخلانه قسمين: أحدهما: أن يكون له فعلى، نحو: سكران وغضبان، ولا ينصرف معرفة؛ للتعريف والألف والنون، ولا نكرة؛ للوصف والألف والنون 13.

والثّاني: أن لا يكون له فعلى، نحو: عثمان، وحمدان، وعمران، وغطفان، وغير ذلك من الأوزان، فلا ينصرف معرفة، ويصرف نكرة 1. وما يلحق مؤنّثه التّاء: نحو: عريان، وسعدان، وندمان، وخمصان، إذا سمّيت به لم تصرفه معرفة 2، فإن سمّيت بشيطان ودهقان وجعلتهما من شيط ودهق لم تصرفهما 3، وكذلك حسّان وسمّان، إذا كان من الحسّ 4، والسّمّ، وأمّا رمّان - اسم رجل - فلا يصرفه سيبويه والخليل 5 ويصرفه الأخفش 6. وأمّا فعلان الّتي تمثّل بها وزن 7 الأسماء فلا تصرف؛ للعلميّة والألف والنون، كما قلنا في أفعل 8. والخلاف في باب غضبان إذا سمّي به ونكّر كالخلاف في باب أحمر إذا سمّي به ونكّر 9، ومتى لم تكن الألف والنون زائدتين لم تمنع الصرف؛ لعدم المشابهة، نحو: طحّان وتبّان وحسّان ومرّان، من الطحن، والتبن، والحسن، والمرانة 10.

وأمّا التركيب فهو فرع على الإفراد 1، وحقيقته: أن تجمع بين اسمين على غير جهة الإضافة 2، فتجعلهما اسما واحدا، وتبني الأوّل منهما على الفتح نحو: حضرموت وبعلبكّ، ومعديكرب، ويكون الإعراب جاريا على آخر الاسم الثّاني، فإذا سمّيت به لم تصرفه معرفة، وصرفته نكرة 3، فإن سمّيت به مؤنّثا ونكّرته صرفته، وإن كان قد بقي فيه التركيب والتّأنيث، كما تصرف حمدة إذا نكّرتها، فتقول: هذه حضرموت وحضرموت أخرى، ومن العرب من يضيف أحد الاسمين إلى الآخر، فيعرب الأول بما يستحق (من الإعراب) 4 ويجرّ الثاني ويصرفه نحو: حضرموت 5. وفي معديكرب ثلاثة أوجه 6: الأوّل: أن تجريه مجرى ما لا ينصرف 7. والثّاني: أن تضيف معدي إلى كرب، ولا تصرف كرب؛ لأنه اسم القبيلة.
والثّالث: أن تضيف وتصرف كرب، ومن أضاف لم يفتح ياء معدي 8 ولا ياء بادي بدا 9، وقالي قلا 10، وهذه الإضافة لفظيّة؛ فإنّ كلّ واحد من الاسمين جزء من الاسم المركّب.

فإن كان الاسم الثاني صوتا بني على الكسر، نحو: سيبويه، وعمرويه، وتصرفه إذا نكّرته 1. وأمّا الجمع: فهو فرع على الواحد، وهو على ضربين: أحدهما: هو السّبب المعتبر في منع الصرف، وهو: كلّ جمع ثالثه ألف بعدها حرفان أو ثلاثة، أو حرف مشدّد، نحو: مساجد وقناديل ودوابّ؛ لأنّه جمع لا نظير له في الآحاد، فكأنّه جمع مرتين 2، فصار فيه علّتان، ألا ترى أنّ أكالب بوزن مساجد وهي جمع أكلب، وأكلب جمع كلب 3، وأعاريب بوزن قناديل، وهي جمع أعراب، وأعراب جمع عرب في المعنى، وأمّا دوابّ: فالأصل فيه دوابب، فلمّا لم يجمع هذا الجمع نزّل منزلة ما جمع مرتّين، فلا ينصرف معرفة ولا نكرة 4، فإن سمّيت به مذكّرا ثم نكّرته صرفته، تقول: مررت بمساجد ومساجد آخر؛ لزوال الجمعية، والأخفش لا يصرفه نكرة 5، قال الزجاج: وقياس سيبويه أن لا يصرفه نكرة؛ لأنّه قد عاد إلى حاله أوّلا 6، فإن أدخلت الهاء على هذا الجمع انصرف، نحو: صياقلة، صياقلة، لخروجه إلى مثال الواحد، نحو: علانية، وحزابية - وهو الغليظ 7 -، فإن سمّيت به لم ينصرف للتأنيث والتعريف، وإذا 8 كان آخر الاسم ياء قبلها كسرة، نحو: جوار، وغواش، انصرف في الرفع والجر 9؛ لنقص

الوزن بحذف الياء، ولم ينصرف في النّصب؛ لتمامه ببقائها 1 تقول: هذه جوار، ومررت بجوار، ورأيت جواري، ومنهم من يسكّن الياء في الرّفع والجرّ، ولا ينوّن 2. ومنهم من يحذفها فيهما 3، وقد قرئ: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ 4 بالرفع 5، وأمّا ثماني فهي ياء نسب مثل يمنيّ ويمان 6، وقد جعل بعض الشعراء ثماني جمعا لا ينصرف.

قال 1: يحد وثماني مولعا بلقاحها.
والأصول الصرف، وأما بخاتيّ فلا ينصرف؛ لأن الياء لغير النسب 2 وهي الّتي كانت في بختيّة 3، وأمّا سراويل فمن الناس من يصرفه إذا كان نكرة، ويقول: هو واحد أعجميّ، وافق وزنه الجمع وليس بجمع 4، ومنهم من لا

يصرفه تشبيها بالجمع 1. وإذا سمّيت به لم ينصرف إجماعا؛ للتعريف والتأنيث، فإن نكّرته صرفته، وإن صغرته لم تصرفه 2، وأمّا شراحيل فاسم عربيّ مفرد، وقال الفارسيّ: (كأنّه جمع شرحال أو شرحول) 3، وفي سراويل خلاف غير هذا 4، وزعم الفارسيّ: (أنّ من العرب من يصرف هذا الجمع ولا يعتدّ به

علّة قائمة مقام علّتين (1))، وعليه قرئ ﴿سلاسلا﴾ (2) ﴿قواريرا﴾ (3). وحكى الأخفش أن من العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف (4).

الضرب الثاني: من الجمع ما خالف الوزن الأوّل من أوزان الجموع ممّا له نظير في الآحاد،

وهو جار مجرى الواحد في الصّرف ومنعه، فرجال كحساب، وفلوس كسدوس، عند بعضهم 5، وكتب كطنب، وخدم كحمل، وعريان كسرحان، وكتبان كقربان وقتلى كعطشى، فكلّ ما جرى على الواحد من الصّرف وعدمه جرى عليه 6.1234

وأمّا التأنيث: فهو فرع على التذكير، والمؤنّث من الأسماء على ضربين 1: مؤنث بعلامة، ومؤنث بغير علامة.
فالمؤنّث 2 بالعلامة على ضربين: أحدهما بالتّاء، والآخر بالألف.
فالتّاء نحو: حمزة وحمدة، والألف على ضربين: مفردة، نحو: حبلى وسكرى، وألف وقعت بعد ألف زائدة فحركت فانقلبت همزة، نحو: حمراء وأصدقاء.
وأما المؤنّث بغير العلامة فعلى ضربين: ثلاثيّ ساكن الأوسط، نحو: هند، ودعد، والثّاني: على ضربين: ثلاثيّ متحرك الأوسط، نحو: قدم وعنق، والآخر ما زاد على الثّلاثة، نحو: زينب وسعاد.
فحصل من هذا التقسيم ستّة أنواع: النوع الأول: المؤنّث بالتاء، ولا ينصرف معرفة وينصرف نكرة 3، تقول: رأيت طلحة وطلحة آخر، ومررت بعزّة وعزّة أخرى، وما كان منه للمرأة أقوي في منع الصرف ممّا كان منه للرّجل، نحو: حمدة وحمزة 4. فإن كانت التّاء فارقة، نحو: قائمة وظريفة، وسمّيت به لم تصرفه، وإن لم تسمّ به صرفته؛ لزوال العلمية 5، وإذا سمّيت رجلا أو امرأة ب «ضربت» خاليا من الضمير قلبت التاء في الوقف هاء، وألحقته بحكم شجرة 6

النوع الثاني: حبلى وسكرى، ولا ينصرف معرفة ولا نكرة 1؛ لأنّ تأنيثهما لازم لا يفارقه، فكأنّ فيه تأنيثين 2: أحدهما لفظيّ، وهو نفس الكلمة، والآخر معنويّ وهو لزوم التأنيث لها، فصارت علة تقوم مقام علّتين.
ويلحق بهذا ما كانت ألفه زائدة للإلحاق إذا سميت به، نحو: ذفرى، وعلقى، وحبنطى، فلا تصرفه؛ لأنّ الألف زائدة، وقد امتنع منها علامة التأنيث في المعرفة، فأشبهت ألف التأنيث 3 الّتي لا تدخل عليها التّاء.
فإن سميت بمعزى لم يصرفه من أنّثه 4، وصرفه من ذكّره 5، وكذلك تترى 6. النوع الثالث: حمراء وأصدقاء، وهو جار مجرى النوع الثاني فلا ينصرف معرفة ولا نكرة 7. وما كان ملحقا به فإنّه ينصرف، سواء سمّيت به أو لم تسمّ، نحو: علباء وحرباء 8، فأمّا أسماء فاسم رجل، فلا ينصرف، وهو اسم؛ لأنّه من أسماء النساء 9، وقال قوم: وزنه فعلاء، والهمزة منقلبة عن واو،

تقديره: وسماء 1. النوع الرابع: هند ودعد.
ولك الخيار في صرفه لخفّته بسكون أوسطه، وترك صرفه، وهو القياس 2 فإن نكّرته أو سميت به رجلا صرفته على كلّ حال، تقول: مررت بهند وهند أخرى، فإن سمّيت امرأة باسم مذكر (كزيد) 3 لم تصرفه عند الأكثر 4 وصرفته في قول جماعة 5 منهم: الجرميّ 6 والمبرد 7. النوع الخامس: قدم وعنق: إذا سميت به مؤنّثا لم تصرفه معرفة 8، وانصرف نكرة، 9 لأنّ الحركة زادته ثقلا، وكذلك إن سمّيت المؤنّث بمذكّر متحرّك الأوسط، نحو حجر وعنب، لم تصرفه؛ للتعريف والتأنيث، وإن

سميت بالمؤنث مذكرا، صرفته نحو: رجل سمّيته بقدم 1. النوع السادس: زينب وسعاد وعناق، ولا تصرفه معرفة، وتصرفه نكرة 2؛ لأنّ 3 الحرف الزائد الآخر أشبه تاء التّأنيث 4. وممّا يدخل في باب التّأنيث: أسماء القبائل والبلاد والسّور والألقاب.
فأمّا القبائل فما كان منها مضافا إلى أب أو أمّ اعتبرت المضاف إليه، فإن كان فيه ما يمنع الصّرف لم تصرفه، تقول: هؤلاء بنو تغلب، وإن لم يكن فيه مانع صرفته، فتقول: هؤلاء بنو تميم 5. فإن حذفت المضاف وأبقيت المضاف إليه ففيه ثلاثة أوجه 6: أحدها: أن تجريه على نية بقاء الإضافة، فتصرف المنصرف وتمنع غير المنصرف، فتقول: هؤلاء تميم - فتصرف، وهؤلاء تغلب - فلا تصرف.
والثّاني: أن تجعل 7 ما لا ينصرف اسما للقبيلة، فلا تصرفه؛ للتأنيث والتعريف.
فتقول: هذه تميم، وهذه أسد.
والثالث: أن تجعل ما لا ينصرف اسما للحيّ فتصرفه.
ولا تصرف ما لا ينصرف وإن جعلته اسما للحي، نحو: تغلب للوزن والتعريف، وباهلة للتأنيث والتعريف، وأمّا يهود ومجوس فإن جعلتهما اسمين للقبيلتين لم تصرفهما، وإن جعلتهما جمع يهوديّ ومجوسيّ صرفتهما، وتدخلهما حينئذ الألف واللام للتعريف 8. وأمّا أسماء السّور فتجريها مجرى أسماء القبائل، فإذا قدرتها مضافة

أجريتها على حكم أنفسها في الصرف ومنعه، تقول: هذه سورة هود (ونوح 1) ويونس ويوسف، وهذه هود ونوح، وهذه يونس ويوسف، فتصرف هودا ونوحا ولا تصرف يونس ويوسف، وإن (جعلت (2)) الأسماء أسماء للسور ممّا كان منها على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط، نحو، هود: ففيه من الخلاف ما في امرأة سمّيتها ب «زيد» 2، وإن كان غير ذلك، نحو حم، ويس، وطس، فلا ينصرف؛ للتعريف والعجمة، نحو: هابيل وقابيل 3، وأمّا «ص»، و «ق» فلا تصرفه؛ للتعريف والتأنيث.
قال سيبويه: (فأمّا كهيعص والمر فلا يكنّ إلا حكاية) 4. وأما أسماء البلاد والأراضي فما لا ينصرف منها فإنّما يراد به البلدة والمدينة والبقعة وما أشبه ذلك، وهو جار مجرى أسماء النّساء في الصّرف ومنعه، وما انصرف منها فإنّما يراد به البلد، والمكان، والموضع، فيجري مجرى أسماء الرّجال في الصّرف ومنعه 5. وقد يغلب على بعضها التأنيث كعمان، وحمص 6، ودمشق، وجور 7، وفارس، ويغلب على بعضها التذكير، نحو: واسط 8، ودابق 9، واستعمل بعضها مذكّرا ومؤنثا 10،

نحو: مصر (1)، وقباء (2)، وحراء (3)، وحنين (4)، وبدر (5).

خاتمة: الأسماء التي لا تنصرف

على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: لا ينصرف معرفة ولا نكرة

6، وهو ستّة أنواع: الأوّل: ما فيه ألف التّأنيث المقصورة، نحو: بشرى وحبلى.
الثاني: ما فيه ألف التأنيث الممدودة، نحو: حمراء وأصدقاء.
الثّالث: الجمع المخصوص، نحو: مساجد وقناديل.
الرابع: أفعل فعلاء، نحو: أحمر وأصفر عند سيبويه 7، فلا تصرفه معرفة؛ للتعريف والوزن، ولا نكرة؛ للوصف والوزن.
الخامس: فعلان الذي مؤنثه فعلى، نحو: غضبان وغضبى.
السّادس: المعدول عن العدد إذا سمّيت به عند بعضهم 8، أو كان نكرة نحو: ثلاث ورباع.12345

القسم الثاني: لا ينصرف معرفة وينصرف نكرة،

وهو سبعة أنواع: الأوّل: العدل عن المعرفة، نحو: عمر.
الثّاني: وزن الفعل إذا نكّرته، نحو: أحمد وتغلب، وتدخل فيه الصفة إذا سميت بها نحو: أحمر، عند الأخفش (1). الثّالث: (ما) (2) فيه الألف والنون ولا فعلى له، نحو: عثمان وعمران.
الرّابع: الأسماء الأعجمية - إذا - نكّرت، نحو: إبراهيم وإسماعيل.
الخامس: المؤنّث بغير الألفين، نحو: حمزة وقدم وزينب، وما كانت ألفه للإلحاق، نحو: حبنطى (3). السّادس: المركب، نحو: بعلبكّ إذا نكّرته.
السّابع: الجمع إذا سمّيت به ثم نكّرته، نحو: مساجد.

القسم الثالث: لا ينصرف نكرة وينصرف معرفة،

وهو المعدول عن العدد عند الأكثر، 4 نحو: ثلاث ورباع؛ فإنّه نكرة، فإذا سمّيت به زال عنه الصّفة والعدل الّذي هو للمبالغة، وقد ذكرناه في أوّل الباب 5. وهذه الأقسام منها ما لا ينصرف مكبّرا ولا مصغّرا، نحو: طلحة وعثمان؛ لبقاء المانع فيها مع التصغير، وهو التّعريف والتّأنيث في طليحة، والتّعريف والألف والنون في عثيمان، ومنها ما ينصرف مصغرا ولا ينصرف مكبرا، نحو: عمر ومساجد؛ لزوال المانع في التصغير، وهو العدل في عمير، والجمع في مسيجدات.123

ومنها ما ينصرف مكبّرا ولا ينصرف مصغّرا، نحو: تضارب، لو سمّيت به رجلا؛ لحدوث المانع في التصغيز، وهو وزن الفعل في: تضيرب.
وليس كلّ هذه العلل التّسع إذا اجتمع في الاسم منها علّتان منع الصرف؛ فإنّ أذربيجان 1 فيه خمس علل، وهي التعريف، والتأنيث غير اللازم، والتركيب، والعجمة، والألف والنون، فلا ينصرف، وإذا نكّرته صرفته، فلا بد أن تكون إحدى العلتين تعريفا أو وصفا أو عدلا أو تأنيثا لازما أو جمعا أو وزن فعل، وقد ذكرنا هذا في أول الكتاب 2.

الباب الحادي عشر في العدد

وفيه فصلان:

الفصل الأوّل في تعريفه

العدد على أربع مراتب: آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، وضعت؛ لتدل على الأجناس ومقاديرها.
ومداره على اثنتي عشرة كلمة 1، وهي: الواحد، والاثنان، والثلاثة والأربعة، والخمسة، والستة، والسبعة، والثمانية، والتسعة، والعشرة، والمائة، والألف، وكلّها تدل على الأجناس والمقادير إلا الواحد والاثنين، تقول: ثلاثة رجال، وخمسة أثواب ولا تقول: واحد رجال، ولا: اثني دراهم، وإنما تذكر اسم الجنس مفردا أو مثنى فتقول: رجل ودرهمان، فتحصل لك الدلالتان معا بلفظة واحدة.
وقد شذ قول الراجز: كأنّ خصييه من التدلدل … ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل 2 المرتبة الأولى: من الواحد إلى العشرة.
أمّا الواحد فإذا أطلقته على عدد مذكر أو مؤنث قلت: واحد وواحدة.

وأمّا الاثنان فإذا أطلقته على عدد مذكّر قلت: اثنان، وإن كان مؤنّثا قلت: اثنتان وثنتان 1. وأمّا الثمانية الباقية فإذا أطلقتها على عدد مذكّر أثبتّ فيها التاء، وإذا أطلقتها علي عدد مؤنّث لم تدخلها التاء، ثم تضيفها إلى جمع القلّة ما أمكنك، فإن لم يكن لذلك النوع جمع قلّة أضفتها إلى جمع الكثرة، وتعرب الاسم الأول بوجوه الإعراب، إلا الثمانية في المؤنث فإن الياء تثبت في الرفع والجر ساكنة، وتفتح في النصب، تقول: عندي ثلاثة أفلس، وأربعة أجمال، وخمسة أحمرة، وست نسوة، وسبعة شسوع، وثماني أعنق، ورأيت ثماني أدراع، وتسعة كتب، وعشرة مساجد، وفي التنزيل" على أن تأجرني ثماني حجج" 2، وقد يقع جمع الكثرة موضع جمع القلة وإن جمع بهما اسم واحد كقوله تعالى:" وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ" 3، وجمع القرء للقلّة أقراء، كفرخ وأفراخ، وليس بابه.
وتجوز إضافة هذه الأعداد إلى اسم الجمع، نحو: رهط ونفر وقوم وبشر، تقول: عندي ثلاثة نفر 4، ومنه قوله تعالى:" وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ

تِسْعَةُ رَهْطٍ" 1،" ومنع 2 قوم من إضافته إلى بشر وقوم وقد أضافوها إلى" أشياء" فقالوا: خمسة أشياء، وهي عند الخليل وسيبويه 3 اسم مفرد كطرفاء وقصباء حيث كان فيها معنى الجمع، وإنما أثبتوا التاء معها وهي مؤنثة؛ لأنها صارت بدلا من" أفعال" التي للجمع، وقال قوم 4: إن" أشياء" أفعال، ولم تصرف؛ لمشابهتها فعلاء، والأخفش يقول: إنّها أفعلاء 5، وقد قطعوا الإضافة في هذه الأعداد ونوّنوا المضاف (ونصبوا المضاف 6 إليه) فقالوا: ثلاثة أثوابا 7. المرتبة الثانية: العشرات وفيها نوعان: النوع الأول: إذا جاوزت العشرة زدت الآحاد عليها، وحذفت الواو العاطفة، ولها ثلاثة أحكام:

الأوّل: تجعل أحدا موضع واحد، وتضيفه إلى عشرة، وتحذف التاء وتبنى 1 الكلمتين معا على الفتح؛ حيث تضمّنا الواو المحذوفة 2، وتضيف إليه مع المؤنّث ألفا، وإلى العشر تاء، وتسكّن شينها في لغة الحجاز، وتكسرها في لغة تميم 3. فتقول: عندى أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة، ومنه قوله تعالى:" إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً" 4. الثاني: مع الاثنين، تعربهما إعراب التثنية في الرفع والنصب والجر، وتبني العشرة 5 على الفتح؛ لوقوعه موقع نون التثنية المحذوفة للتركيب 6 وتذخل مع المؤنّث في الاسمين تاء، فتقول: عندي اثنا عشر رجلا، واثنتا عشرة امرأة واثنتا عشرة بردة، ورأيت اثني عشر ثوبا، واثنتي عشرة جارية، ومررت باثني عشر غلاما، واثنتي عشرة جارية، وفي التنزيل:" وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً" 7 وقوله:" فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً" 8.

الثالث: باقي الأعداد، تبني الاسمين معا على الفتح، وتثبت التاء مع المذكر في الأوّل وتحذفها من الثّاني، وتعكس الأمر مع المؤنث، فتقول: عندي ثلاثة عشر رجلا وثلاث عشرة امرأة، وكذلك إلى تسعة عشر وتسع عشرة، وكسر الشين مع المؤنث مطّرد في لغة تميم 1، وقد قرئ بفتحها حملا على المذكر 2، وقرئ بسكون غين" أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً" 3 ومن حقّ هذه المرتبة أن تفسر بواحد منكور منصوب، فأمّا قوله: " اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً" 4 فقيل: إن أسباطأ بدل من اثنتي عشرة، 5 وأغنى عن المفسر 6، وقيل: إن أمما بدل من اثنتي عشرة،

وأسباطا وصف له، فلمّا تقدّم صار منصوبا على الحال 1. النوع الثاني: إذا تجاوزت" تِسْعَةَ عَشَرَ" بنيت من لفظ العشرة كلمة على فعل بكسر الفاء وسكون العين، وأجريته مجرى جمع الصّحّة في الرّفع والنّصب والجرّ، واستوى فيه المذكّر والمؤنّث وفسّرته بواحد منكور منصوب، تقول: عندي عشرون غلاما، وعشرون جارية، ورأيت عشرين غلاما، وعشرين جارية، ومررت بعشرين غلاما، وعشرين جارية، وكذلك باقي العقود تجمع آحادها بغير تاء جمع الصحة، تقول: ثلاثون في الثالث، وأربعون في الرابع.. إلى تسعون في التاسع.
فإن زدت على العشرين آحادا فلها أربعة أحكام: الأول: مع الواحد، ولك فيه أن تجعل موضعه أحدا، وتعطف عليه العشرين، وتضيف مع المؤنّث إلى واحد تاء، وإلى أحد ألفا، فتقول: عندي واحد وعشرون رجلا، وأحد وعشرون درهما، وواحدة وعشرون [امرأة وإحدى وعشرون 2] جارية.
الثاني: مع الاثنين تحذف التاء منهما مع المذكّر وتثبتها مع المؤنّث، وترفع الاسمين معا في الرفع، وتنصبهما في النصب، وتجرّهما في الجرّ، فتقول: عندي اثنان وعشرون رجلا واثنتان وعشرون امرأة، ورأيت اثنين وعشرين واثنتين وعشرين.

الثالث: باقي الأعداد إلّا 1 الثمانية في المؤنّث، تثبت التاء فيهنّ مع المذكّر وتحذفها مع المؤنّث، وتعطف عليها العشرين، فتقول: عندي ثلاثة وعشرون رجلا، وثلاث وعشرون امرأة، إلى تسعة وعشرين وتسع وعشرين.
الرابع: الثمانية مع المؤنّث تحذف تاءها كأخواتها، ثم تحذف الياء في الرّفع والجرّ كما تعمل بالمنقوص، وتبقي النّون مكسورة منوّنة 2، فتقول: عندي ثمان وعشرون امرأة، ومررت بثمان وعشرين جارية.
وتفتح الياء في النّصب، تقول: رأيت ثماني وعشرين امرأة.
وقد ضمّت النون في الشعر، قال: لها ثنايا أربع حسان … وأربع فثغرها ثمان 3

وهكذا إذا أضفت الآحاد على باقي العقود إلى تسعة وتسعين، وتسع وتسعين.
المرتبة الثالثة: إذا تجاوزت التسعة والتسعين ارتجلت للعقد العاشر لفظا غير مشتق من العقود المتقدمة وهى" مائة" وأصلها" فعلة" فحذفت لامها، وزيدت التّاء فيها عوضا عنها 1، ثمّ تضيفها إلى واحد منكور، ويستوي فيها المذكّر والمؤنّث، وتجري عليه أوجه الإعراب فتقول: عندي مائة غلام ومائة جارية، وكذلك في النّصب والجرّ، ولها بعد ذلك حكمان: الأوّل: إذا أضفت إليها مثلها ثنّيتها فقلت: مائتان في الرّفع، ومائتين في الجرّ والنصب، ثمّ تحذف نونها مع الإضافة، فتقول: مائتا درهم، ومائتي درهم، وقد أثبتوا النّون وقطعوا الإضافة، ونصبوا المضاف إليه، قال 2:

إذا عاش الفتى مائتين عاما … فقد ذهب اللّذاذة والفتاء 1 الثاني: إذا زدت على المائتين أعدت الآحاد الأول إلى المائة، ولم تثبت فيها التاء؛ لأن المائة مؤنّثة فتقول: ثلاثمائة رجل وأربعمائة امرأة، وكذلك إلى تسعمائة، وتسكن ياء ثماني فى الرفع والجر، وتفتحها في النصب فتقول: عندي ثمانى مائة درهم، وملكت ثماني مائة درهم، وكان القياس في هذا النوع أن تضيفه إلى الجمع، فتقول: ثلاث مئات أو مئين، فاستغنوا عنه بالمفرد 2، فأمّا 3 قوله تعالى:" وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ

ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ 1 " فعلى عطف البيان 2 أو البدل 3 ولا يجوز أن تكون السّنين مفسرة؛ لأنّه يلزم أن يكون أقّلّ ما لبثوا تسعمائة سنة سوي التّسع 4. ولا تجوز إضافة المائة إلى السّنين، 5 وقد قرئ به 6 وهو ضعيف.
وقد جاءت في الشّعر مضافة إلى الجمع، قال:

ثلاث مئين للملوك وفى بها 1 وقال الآخر: 2 بحمس مئين من دراهم عوّضت … من العنز ما جادت به كفّ حاتم وإنما جمعت بالواو والنون لأنّها تجري وصفا للمذكر العاقل، ومناسبة للمرتبة

الثانية، وعوضا من ذهاب لامها كما قالوا فى ثبة: ثبون 1. المرتبة الرابعة: إذا تجاوزت تسعمائة وتسعة وتسعين ارتجلت للعقد العاشر ألفا، وأضفته إلى واحد منكور، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، نحو: ألف رجل، وألف امرأة، فإذا صار معه آخر مثله ثنيته رفعا ونصبا وجرا؛ فتقول: ألفان وألفين وتسقط النون للإضافة فتقول: ألفا رجل وألفى 2 امرأة، فإن تجاوزت الاثنين جمعت الألف على أفعال وأضفت العدد إليه وأثبت فيه التاء؛ لأن الألف مذكر، ثم تضيفه إلى واحد من جنس المعدود تقول: تقول: عندي ثلاثة آلاف 3 درهم، وخمسة آلاف بردة، وكذلك إلى العشرة.
وهذه الإضافة التى إلى المائة والألف بتقدير (من) وإضافة المائة والألف إلى الدرهم بتقدير اللام، قاله الفارسي، 4 وفيه نظر؛ فإنك تقول: عندي مائة من الغلمان وغلمان مائة 5.

جارٍ التحميل