الفصل الثاني في أدواته
:
وهي: حروف، وأسماء، فالحروف: هي الأصل، والأسماء محمولة عليها؛ لضرب من الفائدة يرد ذكره 1.
أمّا الحروف فهي: الهمزة وهل وأم.
وأمّا الأسماء فعلى ضربين: ظروف، وغير ظروف.
فغير الظروف: من، وما، وأيّ، وكيف، وكم.
والظّروف: أين، وأنّى، وأيّان، ومتى، وأيّ، وحين 2.
تقول: أزيد عندك؟ وهل قام زيد؟ وأزيد في الدار أم عمرو؟ ومن عندك؟
وما فعلت؟ وأيّ شيء قلت؟ وكيف أنت؟ وكم مالك؟ وأين زيد؟ وأنّى شئت؟ وأيّان تقوم؟ ومتى تذهب؟ وأيّ حين تخرج؟
ولكل واحدة من هذه معنى.
أمّا الهمزة.
فقد تقدم الكلام عليها في باب العطف مبسوطا 3 فلم نعده.
وهي في الاستفهام أمّ الباب، والباقي من الأدوات تبع لها، وهي أعمّ تصرفا من غيرها، تقول: أزيد عندك؟ وأزيدا ضربت؟ وأتضرب زيدا؟
وأهو أخوك؟ وتقول لمن قال لك: مررت بزيد: أبزيد مررت؟، ولمن قال:
ضربت زيدا: أزيدا ضربت؟
وقد تحذف من الكلام إذا دلّ عليها لفظه أو معناه.
كقول الشاعر 4:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا … بسبع رمين الجمر أم بثمان (4).
وهذا كثير في كلامهم، وأكثر ما رأيته جاء في الحديث 1.
وأمّا «أم»: فكذلك قد تقدّم الكلام عليها في باب العطف 2، فإذا قلت:
سواء عليّ أقمت أم قعدت؟ كان محمولا على المعنى، إذ ليس في الجملة عائد، وإنّما تقدّر الجملتان تقدير مفردين مبتدأين، وسواء خبرهما.
وقال الفارسيّ: سواء مبتدأ والجملة بعده خبره 3.
وكذلك إذا قلت: ما يضرني أجئت أم ذهبت، وما أدري أقمت أم قعدت.
فيضرني بغير فاعل، وأدري بغير مفعول.
وأمّا هل: فإنها تفارق الهمزة بأنّك مع الهمزة تكون مثبتا أحد الأمرين في قولك: أزيد عندك؟ فقد هجس في نفسك أنّه عنده، فأردت أن تستثبته، ومع «هل» فلست مثبتا ولا نافيا، ولا أحد الأمرين أرجح عندك من الآخر، وقد ترد «هل» بمعنى «قد 4» إذا جاءت من عالم بما سأل عنه، وكان بعدها فعل كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ... 5، وكقول الشاعر:
سائل فوارس يربوع بشدّتنا … أهل رأونا بوادي السّفح ذي الأكم 1.
وقال قوم 2: إن هل لم تخرج عن الاستفهام، وجعلوها تقربرا وتثبيتا، وحملوا عليه قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى
الْإِنْسانِ
يريد بالإنسان:
آدم (عليه السّلام) 3 تقريرا لمن ادّعى غير ذلك.
ومثله قوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ 4.
وقال الفرّاء 5: «هل» تكون جحدا، كقولك: هل يقدر على هذا غيري؟
أي لا يقدر.
وتكون خبرا كقولك: هل أعطيتك؟ وهل أحسنت إليك؟.
وأما «من» فلها في الكلام مواضع 6، فهي 7 في جميعها موضوعة لمن يعقل، استفهاما، وشرطا، وموصولة، وموصوفة، وقد وقعت في الصلة على ما لا يعقل كقوله تعالى: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ 8 وقيل في بعض التفسير:
أراد به البهائم 1.
وتقع على الواحد، والاثنين، والجميع، والمذكر والمؤنث، ولفظها مذكّر، والحمل عليه هو الكثير، كقوله تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً 2 بتذكير «يقنت» وتأنيث تعمل، وقد يحمل على المعى من قرأ: (تقنت) بالتاء 3، وهو قليل.
وأمّا «ما» فلها في الكلام مواضع 4، وهي في الاستفهام: سؤال عن صفة من يعقل وذات ما لا يعقل 5، تقول: ما زيد؟ وما عندك؟ وتقع سؤالا عن أشخاص الأناسيّ إذا تراءى لك شبح ولا تعلم ما هو، وإن كان إنسانا تقول: ما هذا؟.
وقد وقعت على من يعقل (في قوله تعالى) 6: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ 7 قيل: أراد (أو) 8 من ملكت أيمانهم 9، وكقوله تعالى: وَالسَّماءِ وَما بَناها 10 أي: ومن بناها 11،. وقيل: التقدير: أو ملك (12) أيمانهم 12 والسماء وبنائها، فجعل ما والفعل بمعنى المصدر 13.
قال ابن السّرّاج 1: إن جعلت الصفة موضع الموصوف على العموم، جاز أن يقع على من يعقل، ومن كلامهم: (سبحان ما سبح الرعد بحمده) (وسبحان ما سخركنّ لنا) 2. وإذا دخل عليها حرف الجرّ، حذفت ألفها، كقوله تعالى: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها 3 و عَمَّ يَتَساءَلُونَ 4. و لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ 5 و فَبِمَ تُبَشِّرُونَ 6، وأجاز الأخفش: عند م أنت؟ ولم يجز: فوق م أنت؟ 7.
وقد قلبت فى بعض المواضع هاء، نحو: أن تسمع ضجة أو جلبة 8، أو ترى أمرا فظيعا ولا تعلم سببه، فتقول: مه؟ أي: ما الخبر، وما الموجب لهذا؟
فإذا وقفت وقفت بالهاء، والألف، (فتقول) 9: فيمه ولمه، وفيما ولما؟ والهاء أجود 10.
وأمّا «أيّ»: فسؤال عن بعض ما تضاف إليه كائنا ما كان، من شخص أو مصدر أو زمان أو مكان، ولذلك أدخل أيّ حين في الزّمان والمكان.
وتضاف إلى المعرفة والنكرة تقول: أيّ الرجال عندك؟ وأيّ رجل عندك؟
وإذا قلت: أيّ الثلاث أخوك أو أخواك؟ جاز؛ لأن الأخ والأخوين بعض الثلاثة، ولو قلت: إخوتك، لم يجز 11.
وأما قولهم: أيّ الدينار دينارك، وأيّ البعير بعيرك، فلأن الألف واللام للجنس.
وأمّا كيف: فسؤال عن الحال الّتي عليها الشخص المسئول عنه، فإذا
قلت: كيف زيد؟ فمعناه على أيّ حال هو؟ وقد عدّها ابن جنى في الظروف 1، وهو مذهب الكوفيّ 2، وإنّما حمله على ذلك أنّك إذا قلت: كيف زيد؟ تضمّن معنى: في أيّ حال هو، ولو قلت في جوابه: في عافية، لكان حسنا.
وأجاز الأخفش: زيد كيف؟ على أن يجعل في كيف ضميرا 3، وأنشد:
فكيف ترى طول السّلامة يفعل 4
فجعلها ظرفا.
وقد ترد ولا يراد بها الاستفهام؛ حملا على معنى الكلام، كقوله تعالى:
فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ 5 أي: فيبسطه على مقتضى مشيئته وإرادته
وأمّا «كم» فسؤال عن العدد المخصوص لجميع المعدودات، تقول:
كم مالك؟ وكم إبلك؟ وكم سرت فرسخا؟ وكم صمت يوما؟ فهي من جنس مفسّرها، أو ما تضاف إليه، فيجوز أن تكون ظرفا إذا قرنت بالظّرف أو
فسرت به، ولها باب مفرد حيث وقعت خبرا واستخبارا وقد تقدم ذكره 1.
وأمّا «أين»، و «أنّى» فسؤال عن مكان مخصوص، تقول: أين زيد؟ وأنّى زيد؟ فإنّما تسأل عن المكان الذي اختصّ به وحلّ فيه، ولم ترد مكانا مطلقا.
وفي أنّى زيادة معنى على أين، كقوله تعالى: أَنَّى لَكِ هذا 2 أي: من أين لك هذا؟ ولذلك قالت في الجواب: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وقد تجيء أنّى بمعنى متى وكيف كقوله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ 3.
وأمّا «متى» و «أيّان»، «وأيّ حين»: فسؤال عن زمان مخصوص، تقول: متى قدم زيد؟ فإنّما تسأل عن الزمان المختصّ بقدومه، لا عن زمان مجهول، وكقوله تعالى: أَيَّانَ مُرْساها 4 أي: في أيّ زمان ترسو؟.
الفصل الثالث في جواب الاستفهام
وهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون باسم من جنس المسئول عنه.
والثّاني: بحروف مخصوصة.
الضرب الأوّل تارة يكون اسما صريحا، وتارة وصفا، وتارة ظرفا.
فأمّا «من»: فإذا قيل لك: من عندك؟ فإن لم يكن عندك أحد، قلت:
ليس عندى (أحد) 1، وإن كان عندك إنسان فالجواب اسمه، قال الأخفش 2: (إذا قيل: من جاءك؟ إن شئت أجبته بنكرة على اللّفظ، فتقول:
رجل، وإن شئت أجبته بمعرفة على المعنى، فتقول: زيد).
وقال الفرّاء: («من» يقع جوابها في الاسم والنّسب، تقول في جواب من قال: من أنت؟: محمد بن فلان، وإن شئت: أحد بني تميم) 3.
وأمّا «ما» فإذا قال ما عندك فجوابه أن تقول: فرس، أو ثوب، ويجوز أن تقول: رجل، فتجيب باسم الجنس 4، فإن أقمت الصفة مقام الموصوف جاز أن تقول في جوابه: زيد 5، لأنّ «ما» سؤال عن صفة من يعقل فإذا قيل لك: ما زيد؟ قلت: طويل أو قصير 6، ونحو ذلك، فمن هاهنا جاز أن تقول في جوابه: زيد، على الاتّساع، كما تقول فى الخبر:
مررت بالكاتب، والقرشيّ، فتضع «ما» - وهي استخبار عن الأوصاف - استخبارا عن الموصوفات.
قال الفرّاء: (" ما" على وجهين: إن شئت جعلت الجواب فيها بأجناس النّاس خاصّة، وإن شئت جعلتها لكلّ الخلق، فإذا قيل: ما أنت؟ فجوابه إن كان يعلم أنّه يعرف جنسه العامّ: فارسيّ، أو عربيّ 7، ونحو ذلك، وإن كنت
لا تعرفه فقال: ما هذا؟ قيل: إنسان أو شيطان أو ما شئت من الأجناس 1.
وأما «أيّ»: فإذا أضفتها إلى معرفة كان الجواب تعيين اسم من جنس المضاف إليه، يقال: أي الرجال أخوك؟ فتقول: زيد أو عمرو، وإن أضفته إلى نكرة، كان الجواب صفة من صفات الاسم، يقال: أيّ رجل زيد؟
فتقول: كاتب أو شاعر، وهي تفصّل ما أجملته «ما»، يقال ما عندك؟
فتقول: بزّ، فيقال 2: أيّ البزّ؟ فتقول: كتّان.
وأمّا «كيف»: فالجواب عنها الحال التي عليها المسئول عنه، ولا يكون إلا نكرة، يقال: كيف زيد؟ فتقول: صحيح أو مريض.
وأمّا «كم» فجوابها تعيين العدد المسئول عنه، يقال: كم مالك؟
فتقول: عشرون دينارا، ويكون نكرة كهذا، أو معرفة كقولك في جواب من قال: كم صمت وسرت؟: اليومين والفرسخين اللاتي تعرفها، وأنكر ذلك ابن السراج 3، وقد ذكرناه مبينا في باب الظروف 4.
وأمّا «متى» و «أيّان» فجوابهما خصوص الزمان، يقال: متى قدم زيد؟
وأيّان خرج؟ فتقول: يوم الجمعة، ولو قلت: يوما أو وقتا لم يجز، ولو قلت:
نهارا أو ليلا، حسن؛ للتخصيص.
وأمّا «أين»، «وأنّى» فجوابهما خصوص المكان، يقال: أين زيد؟
فتقول: في الدار، ولو قلت: مكانا أو موضعا لم يجز؛ للإبهام، فإن قلت:
خلفك، أو أمامك جاز للتخصيص.
وتزيد (من) 5 في جواب «أنّى» فتقول من عند فلان، ولو أسقطتها لم يحسن.
وأمّا" الهمزة" و" أم" فقد أخذا معنى أيّ؛ فلذلك أجيبا بالاسم، يفال: أزيد عندك أم عمرو؟ فتجيب باسم من عندك منهما.
وأمّا «هل» فإنّما يجيبها ب «لا ونعم»، وسنذكره 1.
الضرب الثّاني في الجواب بالحروف
وهي خمسة: نعم، بلى، ولا، واي، وإنّ، ويجاب بهنّ الإستفهام بالحروف، يقال: أزيد قائم، وهل زيد في الدار؟ فتقول: نعم، أو لا، ولهنّ اختصايات بالمواضع المستفهم عنها.
أمّا نعم: فمصدّقة لما سبقها من كلام منفيّ أو مثبت، خبرا كان أو استخبارا، أمّا الخبر فإذا قيل: قام زيد أو ما قام زيد، فقلت: نعم، كنت مصدّقا لما أخبر به من إثبات ونفي.
وأمّا الاستخبار فإذا قيل: أقام زيد؟ أو أما قام زيد؟ فقلت:
نعم 1، فقد حقّقت استفهامه.
وأمّا بلى: فإنها تختص بالنفي، وتفيد الإيجاب بعده، خبرا واستخبارا، يقال: لم يقم زيد، أو ألم يقم 2 زيد؟ فتقول: بلى، فتكون قد أثبت قيامه في الحالين.
ومنه قوله تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ 3 أي:
نقدر على جمعها، وكقوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى 4 ولو دخلت موضعها «نعم» لم يجز 5؛ لأنّه يكون تصديقا لنفي الرّبوبيّة.
وأمّا «لا» فتفيد نفي الخبر والاستخبار الموجبين، يقال 6: قام زيد، أو:
أقام زيد؟ فتقول: لا، فتنفي القيام في الحالين، فإن جاءت بعد النفي الخبريّ كانت إيجابا، يقال: ما قام زيد، فتقول: لا، أي: قام، وإن جاءت بعد النّفي الاستخباريّ كانت نفيا كقولك: أما قام 7 زيد؟ فتقول: لا، أي:
ما قام؛ ولهذا لا يجوز دخولها في جواب قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؛ لأنه يكون نفيا للربوبيّة، وكقوله تعالى: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا
نَعَمْ 1، ولو قالوا 2: «لا» كان نفيا لوجدان الوعد.
وأمّا «إي» فإنّها بمعنى «نعم»، ويجاب بها الاستفهام مع القسم خاصّة، يقال لك: هل قام زيد؟ فتقول: إي والله، وإي لعمري، وكقوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ 3.
وأمّا «إنّ» فإنها تكون بمعنى «نعم» 4، يقال: قام زيد، فتقول: إنّ أي: نعم، ومنه قول الشاعر 5:
ويقلن: شيب قد علا … ك وقد كبرت فقلت: إنّه.
والهاء فيها لبيان حركة النون 6.
وقد أجابوا الخبر بحرفين هما: أجل وجير، يقال: قد أتاك زيد فتقول:
أجل، وخرج الأمير، فتقول: جير، ولا يجاب بهما الاستفهام 1، وتقع جير بمعنى: حقا، في قولك: جير لأفعلن 2، وتكسر راؤها وتفتح 3.
الفصل الرابع في أحكامه
الحكم الأول: إنّما جيء في الاستفهام بالأسماء والظروف؛ لضرب من الاختصار والإيجاز،
وقد ذكرنا ذلك في باب الشرط (1)، ألا ترى أنّك إذا قلّت: من عندك؟ استغنيت به عن تعداد أسماء الذين تظنّ أنّهم عنده؛ ليقع على اسم من عنده.
وإذا قلت: متى جئت؟ استغنيت به عن تعداد الأوقات، وإذا قلت أين ذهبت؟ استغنيت به عن تعداد الأمكنة، فوقعت هذه الأسماء والظّروف موقع حرف الاستفهام، ولذلك بنيت.
الحكم الثاني: قد أدخلوا «أم» على أدوات الاستفهام ما عدا الهمزة،
كقوله تعالى: أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ.
2 وقوله: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 3. وقول الشاعر:
فأصبح لا يدري أيقعد فيكم … على حسك الشّحناء أم أين يذهب 4؟
وقال الآخر 5:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته … إثر الأحبّة يوم البين مشكوم1
وقد أدخلوا الهمزة على هل (1) في قوله:
أهل رأونا بوادي السّفح ذي الأكم؟ (2)
وسيبويه يقول: إنّ «هل» هاهنا بمعنى «قد»، فتركوا الألف قبلها؛ لأنّها لا تقع إلّا في الاستفهام (3)، وقيل: إنّها على بابها (4)، والهمزة للتقرير والتوبيخ تقديره أتقولون: هل رأونا؟.
وقال الفرّاء: (لا يجوز الجمع بين استفهامين في موضع واحد إلّا في ضرورة الشّعر، فلا تقول: أأين قمت؟
وأ أيّهم في الدّار؟ وأهل زيد في الدّار؟) (5).
الحكم الثالث: قد أدخلوا الهمزة على بعض حروف العطف
(كقوله تعالى) 6: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً 7 وكقوله تعالى: أَفَأَمِنَ 8 أَهْلُ الْقُرى 9 وكقوله تعالى: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ 10، ولا تدخل على «أم» و «أو»؛ لأنهما شكّان، وهي شكّ، ولا على «لكن» و «بل»؛ لأنّهما رجوع عمّا قبلهما وتدخل على إنّ المكسورة (كقوله تعالى) 11: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ 12 و أإنكم لتقولون 13، ولا تدخل على «لعلّ» و «ليت»؛ لأنّ معناهما غير ثابت 14.12345
الحكم الرابع: أسماء الاستفهام مبنيّة،
إلا (1) أيّا، فإنّها معربة (2).
واختلفوا في «من» و «ما»: هل هما معرفتان أو نكرتان؟ فحكى المبّرد عن المازنيّ جواز الأمرين (3)، وقال ابن السرّاج (4) وابن جنّي (5): هما نكرتان.
وأمّا «أيّ»: فبحسب ما تضيفها إليه، وإن أفردتّها كانت نكرة، وقيل:
إنّ إضافتها كإضافة مثل وغير، فلا يفيدها تعريفا (6)، وهذه الأسماء لا يوصفن (7)؛ لأنّهنّ لم يثبت لهنّ عين، وأجاز بعضهم وصفهنّ (8).
الحكم الخامس: ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه إلّا أن يكون ابتداء،
أو حرف جرّ أو إضافة؛ لأنّ رتبتهنّ أن يقعن صدرا، فأمّا قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ 9 فإنه منصوب ب «ينقلبون».
وقوله تعالى:
لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى 10 لم يعمل فيها «نعلم» لتقدّمه عليها، وأمّا قوله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ 11 فإن كانت (ما) 12 موصولة عمل فيها «أتل»، وإن كانت استفهاما عمل فيها «حرّم».
ولا يجوز تقديم شيء ممّا بعد الاستفهام عليه، فلا تقول في: أزيدا ضربت؟: ضربت أزيدا؟، ونحو ذلك.12345678
الحكم السادس: إعراب الجواب كإعراب السؤال،
إن رفعا فرفع، وإن نصبا فنصب، وإن جرا فجر، يقال: من عندك؟ فتقول: زيد، ومن ضربت؟ فتقول: زيدا، وبمن مررت؟ فتقول: بزيد، فتعيد حرف الجرّ، ولا يجوز حذفه، وإذا قيل:
كيف أصبحت؟ قلت: صالحا، فتنصب؛ لأنّ كيف منصوب بأصبحت، وقد أجازوا رفع الجواب في الأحوال الثّلاث 1، يقال: ما أخذت؟ فتقول: درهم، وكيف أصبحت؟ فتقول: صالح.
وبمن مررت؟ فتقول: زيد.
على تقدير:
المأخوذ درهم، والممرور به زيد، وأنا صالح، والأوّل أولى 2.
الباب التاسع في الموصول والصلة
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في تعريفه:
الكلمات الموصولة وهي الّتي لا تتم إلا بصلاتها على ثلاثة أضرب:
الضّرب الأوّل: أسماء:
وهي: الّذي والّتي، وما يتعلّق بهما من تثنية وجمع وتصغير، ومن، وما، وأيّ، وذا في أحد وجهي ماذا، وذو في لغة طيّء.
الضّرب الثاني: حروف:
وهي: أنّ، وأن، وما.
الضّرب الثالث: فيه خلاف.
هل هو اسم أو حرف، وهي: الألف واللام بمعنى الّذي والتي، و «ما» عند سيبويه 1، ونحن نبيّنها واحدا واحدا، إن شاء الله تعالى.
أمّا الّذي: فهو اسم مذكّر ناقص مبنيّ 2، وفيه لغات 3، أفصحها بالياء السّاكنة 4.
وقد حذفت ياؤها؛ استغناء بالكسرة عنها 1، وقد سكنت الذّال مع الحذف 2 وقد شدّدت الياء 3،. وأمّا تثنيتهما: فاللّذان في الرفع، واللّذين في الجر والنصب، وقد شدّدت النون 4؛ للمبالغة 5، وقيل: لغيرها 6، وقد حذفت النون؛ لطول الكلام قال: وعكرمة الفيّاض منّا وحوشب … هما فتيا النّاس اللّذا لم يعمّرا 7
وأما جمعهما: فالّذين في الأحوال الثّلاث صيغة مرتجلة للجميع، وليست جمعا على صيغة الّذي 1، وقال قوم 2: اللّذون 3 في الرفع، واللّذين في الجرّ والنصب.
وقد أطلق بعضهم الذي على الجماعة 4، وأنشد:
وإنّ الذي حانت 5 بفلج دماؤهم … هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد 6.
يريد الذين 7، وقد يحمل عليه قوله تعالى: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ 8، وقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ 9.
والّذي وتثنيته يصلح لمن يعقل ولما لا يعقل، وجمعه لا يصلح إلا لمن يعقل لأجل الياء والنون.
وأما «التي»: فهي للمؤنث كالذي للمذكر، وقد جاءت لغاتها فيها إلّا التشديد 1.
وتثنيتها: اللّتان، بالتشديد، واللّتين واللّتا بحذف النون 2، وجمعها اللّاتي من لفظها 3، والّلائي من غير لفظها 4، وقالوا: الّلات 5، والّلاء، فحذفوا الياء منهما، وأنشدوا:
من الّلاء لم يحججن يبغين حسبة … ولكن ليقتلن البريء المغفّلا 6
وقالوا: الّلا، بغير همز 7، وذكر الأخفش أنّ الّلائي يكون للرجال
والنّساء 1. وجمع اللاتي: اللواتي 2، وقد حذفوا الياء والتاء منها، فقالوا 3: اللوا 4، وقالوا: ألى 5، والألي 6، والألف واللام في الّذي والّتي زائدة 7. وأمّا (من) فقد ذكرناها في باب الاستفهام 8، وهي مختصّة ب «من» يعقل، وقد جاءت لما لا يعقل في الشعر 9، وتقع على اسم الله
تعالى كقوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ 1 (وعلى الملائكة) 2 كقوله وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ 3، وعلى الآدميّ كقوله: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ 4 وعلى الشياطين كقوله: وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ 5. وأمّا «أيّ» فهي بعض ما تضاف إليه، وقد ذكرناها في باب الاستفهام 6، وهي من بين الأسماء الموصولة معربة إلّا في موضع واحد عند سيبويه 7، كقوله تعالى: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا 8 لعدم العائد فيها، تقديره: أيّهم هو أشدّ، والخليل يقول: هي معربة، وإنّما رفعت على الحكاية، تقديره: الّذي يقال له: أيّهم أشدّ 9. فإن أظهرت المحذوف نصبت، فقلت: اضرب أيّهم هو أفضل: وقرأ أهل الكوفة 10: أَيُّهُمْ أَشَدُّ بالنّصب مع الحذف، وهذا المحذوف مع أخوات، أي: قليل.
وقد قرئ: تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ 1 و مَثَلًا ما بَعُوضَةً 2 بالرفع على تقدير: الّذي هو أحسن، والّذي هو بعوضة.
فإن قطعتها عن الإضافة فالنّصب لا غير، تقول: اضرب أيّا أفضل، وأمّا قولهم: (أيّي وأيّك كان شرّا فأخزاه الله) (3) فتقديرها: أيّنا، كقولهم: (أخزى الله الكاذب منّي ومنك) 3 أي: منّا.
وبعض العرب يثني أيّا، ويجمعها مذكّرا ومؤنّثا، فيقول: أيّاهم وأيّوهم وأيّتاهنّ وأيّتهنّ 4.
وأمّا «ذا» في قولهم: ماذا صنعت؟ فلها معنيان: أحدهما أن يكون ذا وحدها بمعنى الّذي، وما استفهام 5، أي: ما الّذي صنعت؟ ويكون جوابها مرفوعا، فيقول: خير، ويجوز النّصب، وقد قرئ بهما قوله
تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ 1.
وعلى الرفع قال لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول … أنحب فيقضى أم ضلال وباطل؟ 2
الثاني: أن يكون مع «ما» بمنزلة اسم واحد، ويكون موضعه بحسب العامل، ويكون جوابها منصوبا، تقول: ماذا رأيت؟ فتقول: خيرا، كأنّك قلت: ما رأيت 3؟ ومنه قوله تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً 4 ويجوز في جوابه الرفع، وليس بالوجه 5.
وأمّا (ذو): فيكون بمعنى الّذي في لغة طيّئ، ويكون للمذكّر والمؤنّث والمجموع بصيغة واحدة، وبعضهم يجعل للمؤنّث (ذات) مضمومة التاء في جميع الأحوال 6، وقيل: يجوز تثنيتها، وجمعها 7، ورفعها، ونصبها وجرّها.
وتجرى وصفا على المعرفة دون النّكرة، تقول: هذا زيد ذو قال ذاك،
ورأيت زيدا ذو قال ذاك، ومررت بزيد ذو قال ذاك، والزّيدان ذو قالا، والزّيدون ذو قالوا وأنشدوا 1:
فإنّ الماء ماء أبي وجدّى … وبئري ذو حفرت وذو طويت.
وأمّا «ما» فإذا كان العائد من صلتها مذكورا أو مقدّرا بنيّة الذكر، فإنها اسم بتقدير الّذي، تقول: رأيت ما رأيته، فما اسم، ورأيته صلتها، وهي منصوبة الموضع؛ لأنّها مفعولة، فأمّا إذا كانت هي والفعل مصدرا، ولم يكن في الكلام عائد ملفوظ به، أو مضمر، فهي عند سيبويه 2 بمنزلة أن، والأخفش 3 يراها بمنزلة الّذي، تقول: أعجبني ما قمت، أي: قيامك، وأعجبني ما صنعت، أي: صنيعك، والأخفش يقدّره 4: أعجبني الّذي صنعته، ولا يجيز أعجبني ما قمت؛ لعدم العائد، ويشهد لقول سيبويه قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ 5، وتصف لا يتعدّى إلى أكثر من واحد، وهو هنا الكذب، وقد استوفته 6، وقد
ذكرنا ما يتعلق بها في باب الاستفهام 1 فلم نعده.
وأمّا الألف (واللام) 2 بمعنى الّذي فالمازني يقول: هي حرف 3 والعائد يرجع إلى ما دلّت عليه، وابن السّرّاج يقول: هي اسم، والعائد يرجع إليها 4، تقول: عجبت من الضّارب زيدا، أي: من الّذي ضرب زيدا، ولا يكون عند سيبويه إلّا لما مضي 5، والمبرد يجيز فيها الحاضر والمستقبل 6.
وتكون الألف والّلام للمذكر والمؤنّث، والعائد يفصل بينهما، تقول:
نظرت إلي القائم أخوه، والقائم أخوها، والجالسة أخته، ومنه قوله تعالى: أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها 7 وهذه الألف واللام خارجة عن منهاج التي في الرجل، تقول: مررت بالضارب الرجل، ولا تقول: بالغلام الرجل.
وأما أنّ، (وأن) 8 فقد تقدّم ذكرهما 9 (في) 10 بابيهما 11.
الفصل الثاني في أحكامه
الحكم الأوّل: هذه الموصولات نواقص،
ولا يتمّ الكلام معها إلّا بصلة وعائد.
أمّا الصّلة: فلا تكون إلّا جملة خبريّة؛ فعلية، واسمية، وظرفية، وشرطية، تقول: الذي قام زيد، والذي زيد غلامه عمرو، والّذي خلفك زيد، والّذي إن تأته يأتك عمرو، ولا بدّ أن تكون معلومة للمخاطب، ولا يجوز أن تكون الجملة تعجبا، ولا استفهاما، ولا أمرا، ولا نهيا، ولا نداء، وألحق الفارسيّ بها نعم وبئس 1، واختلفوا في القسم، وعلى الجواز جاء قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ 2 ومن منع 3 قال: الصّلة محذوفة 4.
ولا يجوز أن يكون للجملة تعلّق بما قبل الّذي، نحو: لكنّ وإذا، فلا تقول:
مررت بالّذي لكنّه منطلق، ولا مررت بالّذي إذا ينطلق.
والضّابط في الصلة: أنّ كلّ ما تمكّن في باب الأخبار، وصلح أن يقال فيه: صدق أو كذب، وجاز أن يوصف به النّكرات، فجائز أن يكون صلة، وكل فعل تصل به (الّذي) 5 أو تصف به النّكرة، ولا يتضمّن ضمير
الموصول أو الموصوف فغير جائز أن تصل به، فلو قلت: مررت برجل نعم الرجل، ما جاز إلا أن تريد هو نعم الرجل، فتضمر المبتدأ، ومتى أضمرت القول في جميع ما منع أن يوصل به جازت الصلة به؛ لأن الكلام يصير خبرا 1، فتقول: مررت بالّذي يقال له: ما أحسنه، وبالّذي يقال 2 له:
اضرب زيدا، وبالّذي يقال (له) 3: نعم الرّجل هو، ومنه قوله 4:
وإنّي لراج نطرة قبل الّتي … لعلّي وإن شطّت نواها أزورها.
وأمّا الألف والّلام فإنّها لا تدخل إلا في الجملة الفعليّة، تقول في «قام زيد»:
القائم زيد، وتوصل بالمفرد ولا توصل بالجمل.
وأمّا العائد فلا بدّ من وجوده في الجملة غالبا؛ لأنّها كلام مستقلّ، غير محتاج إلى غيره، فإذا علّق بغيره احتاج إلى ما يربطه به فتقول: الذي قام أبوه زيد.
فأمّا قول الشّاعر 5:
وأنا الّذي قتّلت بكرا في الوغى … وتركت تغلب غير ذات سنام
فالعائد يرجع إلي «أنا»؛ (لأن) «أنا» 1 هو الّذي، ومن هاهنا جاز أن تحمل صلة الّذي على المعنى 2، فتقول: أنا الّذي قمت، وأنت الّذي قمت، وأنا الّذي ضربتك، ولو حملته على اللّفط لقلت: أنا الّذي قام، وأنت الّذي قام وأنا الّذي ضربك، فأمّا قوله تعالى: تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ بالرفع فالعائد محذوف، وقد ذكرناه 3 وقد حذفوا العائد؛ لطول الكلام في قولهم:" ما أنا بالّذي قائل لك شيئا" وقد حذفوا الصلة بأسرها في قوله: 4 ولقد رأبت ثأى العشيرة كلّها … وكفيت جانيها اللّتيّا والتي تقديره: التي من فظاعتها كيت وكيت؛ وإنّما حذفوا ليوهموا أنّ الأمر بلغ من الشدة ما تقصر العبارة عن وصفه، وتقول: أين الرجل الذّي قلت، وأين الرجل الذّي زعمت، فتكتفى ب" قلت" وزعمت من جملة الكلام الذي بعده؛ لأنّه حكاية، تريد: الذي قلت: إنّه من أمره كذا وكذا.
الحكم الثانى: لا تتقدّم الصّلة علي الموصول،
فلا تقول: مررت في الدّار بالذّي، ونحو ذلك؛ لأنّ الصّلة بمنزلة الجزء من الموصول، والكوفىّ يجيز تقديم الجار والمجرور المتصل بالصّلة علي الموصول 1، كقوله: وعزّة أحلي النّاس عندي مودّة … وعزّة عنّى المعرض المتجافى 2 ويحمل عليه قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ 3 والبصرىّ يحمل هذا علي غير الظّاهر 4، ويكون الظّاهر تبيينا، وإذا لم يجز تقديم الصّفة على الموصوف فالصلة أولى، ولذلك لا تعمل الصلة في الموصول؛ لأنها من تمامه ولا تعمل في شيء قبله؛ لأنها كانت تتعلق به، والصلة لا تتعلق بما قبل الموصول، ولا يعمل الموصول في صلته بحكم الاسمية وعدم مشابهة العامل، فأما: يعجبني أنّ زيدا قائم وأن يقوم زيد؛ فإنّ أنّ وأن حرفان وليست صلاتهما موضحة لها.
الحكم الثالث: الموصولات إذا استوفت صلاتها تنزلت منزلة اسم مفرد (1) كزيد وعمرو،
ولهذا افتقرت إلى الصلة والعائد، كالمفرد في حصول الفائدة بما يضاف إليه، تقول: الذي قام أخوه زيد، فالذي موصول، وقام أخوه صلته وعائده، وزيد خبر، وتقول: الذي أخوه زيد أخوك، فالذي مبتدأ، وأخوه مبتدأ ثان، وزيد خبره، والجملة صلة الذي، والعائد الهاء، وأخوك خبر الذي.
وتقول: جاءني من غلامه زيد، فجاءني: فعل ومفعول، ومن: فاعله وهو اسم موصول، وغلامه: مبتدأ، وزيد: خبره، والجملة صلة من، والعائد الهاء، وتم «الذي» بصلته، كأنك قلت: جاءني زيد.
الحكم الرابع: لا يجوز أن يفصل بين الصلة والموصول بأجنبيّ إلا أن يكون مؤكّدا للضّمير في:
مررت بالضّاربين أجمعون (2) زيدا، فإذا قلت: ضربني الّذي قام أخوه سوطا، كان صحيحا، فإن قلت: ضربني الّذي سوطا قام أبوه، لم يجز؛ لأنّك فصلت بالسّوط - وهو أجنبي - بين الصّلة والموصول؛ فإنّ «الّذي» موصول، و «قام أبوه» صلته وعائده، و «سوطا» معمول «ضربني» وهو أجنبي من الصّلة، فإن قلت: ضربني الّذي قام سوطا أبوه، كان أقبح؛ لأنّه فصل بين الموصول والصّلة والفعل والفاعل بالأجنبيّ؛ فإن قدّمت السّوط علي الّذي أو على ضربني صحّت المسألة.
الحكم الخامس: ظرف المكان يجوز أن يكون صلة دون ظرف الزمان،
تقول: الّذي في الدار زيد، ولا تقول: الّذي يوم الجمعة زيد؛ لأنّ ظروف الزمان لا تكون صلة للجثّة كما لا تكون خبرا عنها، فإن جعلت الّذي صفة للحدث جاز أن تصله بظرف الزمان فتقول: الذي قام يوم الجمعة زيد 3، وعجبت من القيام الّذي يوم الجمعة؛ لأن ظروف الزمان تكون صلة للأحداث، فإن وصلت الّذي بظرف12
مكان، وكان وصفا لجثّة أو حدث صحّت المسألة، تقول: عجبت من زيد الّذي خلفك، ومن القتال الذي عندك، كما كان ذلك (في (1)) الخبر والوصف والحال.
الحكم السادس: إذا اتّصل الضمير المنصوب بالفعل في الصّلة جاز حذفه؛
لطول الكلام جوازا حسنا، تقول: كلمت الّذي (كلمت، أي: الّذي (2)) كلمته، ومنه قوله تعالى: أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا 2 وأكثر ما جاء في القرآن محذوفا 3، وقد جاء غير محذوف قليلا 4، كقوله تعالى: الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ 5. ولا يحسن الحذف مع الألف واللام، فلا تقول في:
«الذي ضربت زيد»: «الضاربه زيد»، إنّما تقول 6: الضاربه أنا زيد.
فإن كان الضّمير منفصلا، أو اتّصل بغير الفعل لم يحسن حذفه، تقول:
الّذي أعطاني زيد إيّاه درهم، لا يجوز حذف «إيّاه»، ولا تقول: الذي مررت زيد، في «الذي مررت به زيد»، وقد جاء في الشّعر كقوله 7:
فقلت لها: لا والّذي حجّ حاتم … أخونك عهدا إنّني غير خوّان
يريد: حجّ حاتم إليه، فأمّا قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي1
الْأَرْضِ إِلهٌ (1) فالعائد محذوف، تقديره: وهو الذي هو في السماء إله، والجارّ متعلّق بما في «إله» من معنى الفعل.
الحكم السابع: توابع الأسماء من الوصف والتوكيد والبدل والعطف لا تدخل على الموصول قبل تمام صلته ومعموله،
فلا تقول: مررت بالضّاربين الظريفين زيدا، وإنما تقول: مررت بالضاربين زيدا الظريفين، ولا تقول: مررت بالضاربين أجمعين زيدا، وإنما تقول: مررت بالضاربين زيدا أجمعين، فإن قلت:
أجمعون، جاز (على) 2 أن تجعله تأكيدا للضمير، وكذلك الوصف والبدل، ولا تقول: مررت بالضاربين إخوتك زيدا، إنما تقول: مررت بالضاربين زيدا إخوتك، فأما قول الشّاعر 3:
لسنا كمن حلّت إياد دارها … تكريت ترقب حبّها أن يحصدا
فإنّ «إياد» بدل من «من» ودارها منصوب بفعل مقدر؛ لئلا ينصبها ب «حلّت» فيكون قد أبدل من الموصول قبل تمامه، وتقول: ضربت الّذي قام غلامه زيد وزيدا وزيد؛ فالرّفع بدل من الغلام، والنصب بدل من الّذي، والجرّ بدل من الهاء.
ولو قلت: ضربت الذي قام غلامه زيد عمرو، جاز على أن «زيدا» بدل من الهاء، وعمرا بدل من الغلام، ولا تقول:
مررت بالضاربين وهند زيدا، وإنما تقول: مررت بالضاربين زيدا وهند، فإن رفعت هندا جاز على قبحه؛ لأنّك عطفت على الضّمير المرفوع من غير توكيد.1
الحكم الثامن: الأسماء الموصولة لا يحسن أن توصف بعد تمامها بصلاتها؛
لأنّهم حيث أرادوا ذلك أدخلوا النّعت في الصّلة إلا الّذي والّتي، تقول: رأيت الذي في الدار الكريم، ولا تقول: رأيت من في الدار الكريم، ولا رأيت ما في الدار، الكثير، وكذلك لا يوصف بهن إلا الّذي والّتي تقول: رأيت الرجل الذي في الدار، ولا تقول: رأيت الرجل من في الدار، ولا رأيت الشيء ما في الدار على الوصف، ف «الذي» لمّا كان يوصف بها حسن أن توصف، ولمّا لم يوصف ب «من وما» لم يجز أن توصفا، قال الفّراء: (من نعت من وما على القياس لم نردد عليه ونخبره أنه ليس من كلام العرب،) (1). وحكى الصيمريّ: أنّ الأسماء الموصولة كلّها لا توصف (2).
الحكم التاسع: إذا أدخلت الألف والّلام على اسم الفاعل المثنّى والمجموع جئت بعلم التّثنية والجمع،
فتقول: القائمان الزيدان، والقائمون الزيدون، كما تقول: اللذان قاما الزيدان، والذين قاموا الزّيدون، وتقول: القائم أخواهما الزّيدان، والقائم أخوهم الزّيدون، فتوحّد اسم الفاعل كما توحّد الفعل.
الحكم العاشر: تقول: أحبّ أن تذهب فتضرب زيدا،
فالثّاني مرتّب على الأوّل بالفاء، تقديره: أحبّ ذهابك فضربك زيدا، ولو جعلت مكان الفاء واوا لم يكن للحبّ بأحد الأمرين اختصاص بتقديم أو تأخير، فإن قطعت الثّاني عن الأوّل رفعته فقلت: أريد أن أزورك فيمنعني البوّاب؛ لأنك أردت أحد الأمرين ولم ترد الآخر، ولو قلت: أريد أن أزورك فتكرمني، حسن النصب؛ لأنك تريد الأمرين.
ويجوز الرفع على، القطع كقوله 3:12
وما هو إلا أن أرها فجاءة … فأبهت حتّى ما أكاد أفجيب وعلى القطع جاء قوله تعالى: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ (1) في إحدى القراءتين (2).
الحكم الحادي عشر: إنّما دخل الذي في الكلام ليتوصّل به إلى وصف المعارف بالجمل،
فتقول:
مررت بزيد الذي قام أبوه، وبهند التي خرج أخوها.
والألف واللام جارية مجراها، تقول: مررت بزيد الضارب غلامه، فأمّا «من» و «ما» و «أي» فلا يجوز أن يوصف بهنّ كما وصف بالذي، ولا يوصفن، ومن حقّ الجملة أن تكون معلومة للمخاطب؛ لتقع الفائدة بها؛ فإنّك إذا قلت:
ضربت زيدا الذي قام أبوه أمس، يحلاج المخاطب أن يعرف قيام أبي زيد حتّى يعرفه به.12
الفصل الثالث الإخبار بالذي وبالألف واللام
هذا باب وضعه النحاة رياضة للخاطر، وهو فرع على الموصول والصّلة، ليعلم به تمكّن 1 الأسماء وقصورها، تقديما وتأخيرا، وإضمارا وإظهارا، وما يصحّ الإخبار عنه وما لا يصحّ، ولم يرد في كتاب سيبويه منه شيء.
ومعنى قولهم: أخبر عن زيد من جملة هو فيها فاعل أو مفعول أو غير ذلك، لا يريدون به أخبر عن هذه اللّفظة، وإنّما يريدون: أخبر عن شيء هو هو، واجعل زيدا خبرا عنه 2، ومثاله: إذا أخبرت عن زيد من قولك: قام زيد، جئت بالذي وجعلته أوّل كلامك، وجعلت قام صلته، وجعلت مكان زيد ضميره، وصار فاعلا لقام، وهو العائد من الصّلة إلى الّذي، وجعلت زيدا خبر المبتدأ الّذي هو «الّذي»، فقلت: الذي قام زيد، فإن أخبرت بالألف والّلام بنيت من «قام» اسم فاعل؛ لأنّ الألف واللام لا تدخل على 3 الفعل، وجعلت في اسم الفاعل ضميرا يعود إلى الألف واللام أو إلى 4 مدلولهما، وجعلت زيدا خبرهما، فتقول: القائم زيد.
وإن أخبرت عن زيد من قولك: زيد أخوك، قلت: الذي هو أخوك زيد، انتزعت زيدا من الصلة، وجعلت موضعه «هو» فرجع إلى الّذي وجعلت زيدا الخبر.
والكلام ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: يجوز الإخبار عنه،.
والثّاني: لا يجوز الإخبار عنه، وأنواعهما كثيرة.
[ومنها ما يجوز الإخبار فيه بالّذي والألف واللّام، ومنها ما لا يجوز الإخبار فيه إلّا بالّذي] 5، ومنها ما لا يجوز الإخبار فيه إلّا بالألف واللام؛ فأنّ «الذي» تدخل على الجملتين، والألف واللام تختصّ بالفعليّة، فممّا يجوز
الإخبار عنه: المبتدأ والخبر، والفاعل، وقد ذكرناهما 1.
ومنها: المفعول، نحو: ضربت زيدا، إن أخبرت عن التاء قلت: الذي ضرب زيدا أنا، والضارب زيدا أنا، وإن أخبرت عن زيد قلت: الذي ضربته زيد 2، والضاربه أنا زيد، فأظهرت الضّمير الّذي هو «أنا»؛ لأن اسم الفاعل جرى على غير من هو له فلم يتحمّل الضّمير.
وتقول: أعطيت زيدا درهما، فإن أخبرت عن زيد قلت: الّذي أعطيته درهما زيد، وإن أخبرت عن درهم قلت 3: الّذي أعطيت زيدا إياه درهم، تجعل موضع الضمير المتصل ضميرا منفصلا 4، ولا يجوز حذفه، 5 وكذلك 6 يجرى باب ظننت وأعلمت، تقول: الذي ظن زيدا أخاك أنا، والذي أعلم زيدا عمرا خير الناس الله، إذا أخبرت عن الفاعل فيهما.
ومنها: كان زيد قائما، إن أخبرت عن اسم كان قلت: الذي كان منطلقا زيد.
وإن أخبرت عن خبرها ففيه خلاف، والأكثر جوازه 7، فتقول: الذي كان زيد إيّاه قائم، والكائن زيد إيّاه قائم، واستقبحه ابن السّرّاج 8 وأحاله
غيره 1؛ لأنّه ليس مفعولا على الحقيقة.
ومنها المصدر المؤكّد نحو 2: قمت قياما، تقول: الذي قمته قيام، وفيه قبح؛ لقلّة الفائدة 3، فإن وصفته حسن؛ للفائدة الحاصلة بالوصف، تقول:
الذي ضربت ضرب شديد، وإن شئت: ضربته، والّذي يجوز أن يخبر عنه من المصادر ما جاز أن يقوم مقام الفاعل 4 في قولك: سير بزيد سير شديد.
ومنها: الظرف، ولا يصحّ الإخبار عنه إلّا إذا كان ممّا يستعمل استعمال الأسماء 5، كاليوم واللّيلة والخلف
والقدّام، تقول: الّذي ذهبت فيه اليوم، والذي جلست فيه خلفك، ولا يجوز حذف «فيه» كما جاز حذف الهاء 6؛ لأنّ الضّمير قد انفصل بحرف الجرّ.
ومنها المضاف: ولا يخبر عنه إلّا ومعه المضاف إليه، تقول: الّذي قام غلام زيد، والذي قام غلامه زيد 7، ومن المضاف إليه ما لا يخبر عنه، كأسماء الأعلام نحو: عبد الله، وعبد الملك، ونحو ابن عرس، وابن آوى،
وحكى المازنيّ 1 أنّه قد جاء في مثل: حمار قبّان، وفي أبي الحرث للأسد، وما أشبهه، ولكنّه 2 في الشّعر شاذ.
ومنها البدل تقول: مررت بأخيك زيد، فإن أخبرت عن أخيك قلت: الّذي مررت به أخوك زيد 3، وإن شئت: زيد أخوك 4، والمارّ به أنا أخوك زيد، والمارّ أنا به زيد أخوك، وإن أخبرت عن زيد فبعضهم يجيزه 5، فتقول: الّذي مررت بأخيك به زيد، وبعضهم لا يجيزه، ووجه الخلاف: أنّ منهم من لا يجيز الإخبار عن المبدل إلّا والبدل معه، ومنهم من يجيز الإخبار عن المبدل دون البدل.
ومنها العطف: تقول: قام زيد وعمرو، إن أخبرت عن زيد قلت: الّذي قام هو وعمر وزيد 6، وإن أخبرت عن عمرو قلت: الّذي قام زيد وهو عمرو.
وتقول: يطير الذباب فيغضب زيد، إن أخبرت عن الذّباب قلت: الذي يطير فيغضب زيد الذباب، والطّائر فيغضب زيد الذباب، فتعطف يغضب على يطير وإن خلا من الضمير؛ لأنّ معنى الكلام بالفاء: إن طار الذباب غضب زيد، فلهذا لم تحتج الجملة إلى عائد، ولو جعلت موضع الفاء واوا لم يجز الإخبار؛ لخلو الواو من معنى الشرط الّذي في الفاء.