الفصل الأوّل: في حدّه، وآلاته
وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: في حدّه
، وقد اختلفت فيه عبارات العلماء.
فقال قوم: هو أن تخرج شيئا ممّا أدخلت فيه غيره، أو تدخله فيما أخرجت منه غيره.
وقال قوم: هو أن تخرج بعضا ممّا أدخلت فيه كلّا له، أو تدخل بعضا فيما أخرجت منه كلّا له.
وقال آخرون: هو إخراج بعض ما يوجبه الّلفظ من عموم لفظ ظاهر، أو عموم حكم، أو عموم معنى، فمن قال بالأوّل، والثّالث، فالمنقطع عنده استثناء حقيقيّ، ومن قال بالثّاني، فالمنقطع عنده استثناء مجازيّ.
ومثال عموم الّلفظ: قام القوم إلّا زيدا، ومثال عموم الحكم: لا أكلمّك إلّا يوم الجمعة، ومثال عموم المعنى: ما قام إلا زيد.
الفرع الثّاني: في آلاته
، وهى: أصليّة، وفرعيّة.
أمّا الأصليّة: فهي" إلّا" وهي التى عدّت الفعل القاصر، أو معناه - في هذا الباب - إلى المستثنى، فنصبته، كما عدّته" الواو" في باب المفعول معه و" الهمزة" في باب المفعول به، وإنّما كانت أصلا؛ لانها حرف لا معنى له سوى
الاستثناء، إلا أنّه يحمل على 1 " غير" كما سيأتي بيانه.
وللمستثنى بها حكمان: النّصب، والبدل ممّا قبله.
وفيما دخلت عليه أمران:
أحدهما: يجذبه إلى حيّز المفعول به؛ لأنّ" إلّا" عدّت الفعل - كالهمزة - فينبغي أن ينتصب المستثنى انتصاب المفعول به، فى:" أقمت زيدا".
والثاني: يجذبه إلى المشبّه بالمفعول به؛ لأنّه قد ينتصب عن معنى الفعل، نحو: القوم في الدّار إلّا زيدا، هذا قول المحقّقين من النّحاة، وهو:
أنّ المستثنى منصوب بالفعل المتقدّم، أو بمعناه بواسطة" إلّا".
وأمّا الفرعيّة: فقد شبّه به أسماء، وأفعال، وحروف.
أمّا الأسماء:/ ف" غير"، و" سوى"، و" سوى"، و" سواء"، و" بيد"، و" بله" - عند بعضهم 1 -، ولا" سيّما"، عند قوم 2.
فأمّا" غير"، فإنّ لها أصلا، وفرعا.
أمّا الأصل: فأن تكون صفة جارية على شئ، تقول: هذا رجل غيرك، ورأيت رجلا غيرك، ومررت برجل غيرك، وهي نقيضة" مثل" في المعنى، دون اللفّظ؛ لأنّك إذا قلت: مررت برجل غيرك، احتمل كلّ من تجاوز المخاطب؛ سواء كان مثله، أو ليس مثله، فأمّا إذا قلت: مررت برجل مثلك، فلا يكون إلا من يشبهه؛ ف" غير" عامّ فى النّفي، و" مثل" خاصّ في الإثبات، قال سيبويه: إنّما وقعت" غير" في الكلام؛ لتفصل بين ما أضيفت إليه وبين ما
وقعت صفة 1 له، وهي أبدا مضافة، إلّا في قولهم: لا غير، وليس غير، وسيأتي 2 بيانه.
وأمّا الفرع: فدخولها على" إلّا" في بابها؛ فيستثنى بها، وتعطى حكمها، كالمعاوضة لها عن دخول" إلّا" عليها في باب الوصف.
ولا تكون" إلّا" صفة إلّا باجتماع ثلاث شرائط:
الأولى: أن يكون موصوف" إلّا" مذكورا، تقول: قام القوم إلّا زيد، ف" إلّا" صفة، كأنّك قلت: قام القوم غير زيد، ولو قلت: ما جاء إلّا زيد، لم تكن" إلّا" صفة، كما لا تقول: ما جاء غير زيد، و" غير" استثناء.
الثّانية: أن يكون الموصوف جميعا، كالقوم، أو جنسا، كالإنسان، أو نكرة في معنى الجماعة كأحد؛ تنبيها على أصلها - الذى نقلت عنه - وهو الاستثناء، تقول في الجمع: ذهب النّاس إلّا زيد، وتقول - في الجنس: يقبح بالإنسان إلّا الصّبيّ أن يلهو، وتقول في النّكرة العامّة: ما مررت بأحد إلا زيد، ف" إلّا" - في هذه الأمثلة - صفة.
الثّالثة: أن يكون ما بعدها مفردا، لا جملة، فلو قلت: ما جاءني أحد إلّا زيد خير منه، لم تكن" إلّا" صفة.
فبهذه الشّرائط الثّلاث، تكون" إلّا" صفة، وبها ثلاثتها تكون" غير" استثناء ومنه قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا 3، ف
" إلّا" صفة،/ وبعضهم يجعلها بدلا، وهو ضعيف، ومنه قراءة الأعمش: فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ 1، بالرّفع 2، ومثله قول الشّاعر 3: وكلّ أخ مفارقة أخوه … لعمر أبيك إلّا الفرقدان وحينئذ يكون إعراب" غير" - إذا جعلتها استثناء - إعراب الاسم الواقع بعد إلّا"، إن نصبا فنصب، وإن رفعا فرفع، وإن جرّا فجرّ، ويجرّ ما بعدها بالإضافة، قال الله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ 4، قرئ برفع" غير" 5 ونصبها 6 وجرّها 7، فالرّفع: صفة القاعدين والجرّ صفة المؤمنين 8 والنّصب استثناء (8) من القاعدين، أو المؤمنين.
فأمّا إعراب الاسم الواقع بعد" إلّا"، إذا كانت صفة، فإعراب" غير" نفسها، إذا كانت صفة، في الرّفع والنّصب والجّر.
والفرق بين" غير" في الصّفة والاستثناء: أنّك في الصّفة تهمل من أضفت" غيرا" إليه، ولا تتعرّض له بنفى ولا إثبات، وفي الاستثناء تخبر عنه بالخروج من حكم ما قبل" غير"، فإذا قلت: ما جاءني أحد غير زيد، و" غير" صفة، فمعناه نفي المجئ عن جميع الناس، ولم تتعرّض ل" زيد" بنفى ولا إثبات، وكذا إذا قلت: جاءنى غير زيد، أثبتّ المجئ لمن هو غير زيد، ولم تتعرّض لزيد بشيء، فإن جعلتها استثناء، أثبتتّ - في الأولى - المجيء لزيد، وفي الثانية، لا تكون فيه" غير" استثناء؛ لأنّ المستثنى منه غير مذكور.
ويجوز الحمل على موضع" غير" في العطف، نحو: ما جاءنى غير زيد وعمرو؛ فترفعه والوجه: الجرّ.
وأمّا" سوى" و" سوى"، و" سواء" فإنهنّ ظروف غير متمكّنة، كما سبق في باب الظروف 1: فالكسر والضمّ: مع القصر، والفتح: مع المدّ، ويستثنى بهنّ، ويجرّ ما بعدهنّ.
وحكمهنّ: حكم غير، إلّا أنّ الإعراب لا يظهر في المقصورتين، ويظهر
في الممدودة، نصبا، ولا يرفع، ولا يجرّ/ إلّا في ضرورة الشعر كقوله 1: وما قصدت من أهلها لسوائكا وقد جاءت غير استثناء، في قوله 2: كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته … سواهم من جميع النّاس إنسانا وكقوله 3: فلم يبق منها سوى هامد ومنهم من جعلها استثناء بتأوّل، وحكى سيبويه 4 عن الخليل (4): أتاني القوم سواءك، كقولك: أتاني القوم مكانك (4).
وأمّا" بيد": فأكثر ما يستعمل مع" أنّ"، تقول: ذهب الناس بيد أنّي لم أذهب، ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"
.. بيد أنيّ 1 من قريش" ومعناها معنى" غير" 2، وقد يكون بمعنى" على"، وقد يبدل من بائها ميم 3، لغة.
وأمّا" بله" فهي من أسماء الأفعال، ومعناها معنى" دع" 4، ويكون ما بعدها منصوبا، تقول: قام القوم بله زيدا، أي: دع زيدا، وستجئ مبيّنة في باب 5 العوامل.
وأمّا" لا سيّما": فإنها ثلاث كلمات:" لا" النافية - ومنهم من يجعلها 6 زائدة - وسىّ بمعنى" مثل"، و" ما" بمعنى" الّذي".
والمستثنى بعدها مرفوع؛ لأنّه 1 خبر مبتدأ محذوف، تقديره:" هو"، وهو الراجع، تقول: قام القوم لا سيّما زيد (1)، أى: لا مثل الّذي هو زيد، وقيل: إنّ" ما" 2 زائدة والمستثنى بعدها مجرور بإضافة" سيّ" إليه.
وقد نصب بها قوم، وأنشدوا قول امرئ القيس 3:
ألا ربّ يوم لك منهنّ صالح ولا سيّما يوما بدارة جلجل
وفي توجيهه بعد، وإنّما نصب يوما على الظّرف 4، والفارسيّ ينصبه على التمييز 5.
وتخفّف 6 " لا سيّما"، وتثقّل، ولم يعدّها أكثر العلماء في باب الاستثناء.
وأمّا الأفعال، فعلى ضربين: أحدهما مجمع على فعليّته، والآخر مختلف فيه.
أمّا الأوّل: فهو" ليس"/ - إلا في قول ضعيف 1 -، و" لا يكون"، ولا يظهر لهما فاعل في الاستعمال.
وينتصب المستثنى بعدهما، تقول: جاءني القوم ليس زيدا، و: جاءني الرّجال لا يكون عمرا، التقدير: جاءني القوم ليس بعضهم زيدا، وجاءني الرّجال لا يكون أحدهم عمرا، فالمنصوب معهما هو خبرهما، والمضمر اسمهما، ولا يجوز إظهاره.
وقد وقعتا صفة، قالوا: أتاني القوم ليسوا زيدا، وأتتني امرأة لا تكون هندا، وفيه قبح، وليس بالكثير، وحكى سيبويه 2 عن الخليل؛ ما أتاني أحد ليس زيدا، وما أتاني رجل لا يكون زيدا، إذا جعلته بمنزلة قولك: ما أتاني أحد لا يقول ذاك، أي: غير قائل ذاك.
ومتى اتّصل المضمر المنصوب بهما، فلا يكون إلّا منفصلا، في الأكثر تقول: أتاني القوم ليس إيّاك، و: لا يكون إيّاك، وقد جاء المتّصل قليلا، نحو: ليس، وليسك، وليسني، وقد روي أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال لزيد الخيل:" ما وصف لي شئ في الجاهليّة فرأيته في الإسلام إلا ورأيته
دون الوصف 1 ليسك"، يريد: إلّا أنت.
الضّرب الثاني: المختلف فيه، وهو:" عدا" و" خلا"" وحاشا"، فالأكثر على أنّ" عدا" فعل 2، بمعنى: جاوز، وأنّ" حاشا" حرف جر 3 أوصل الفعل إلى الاسم، ومعناه التّبرئة، ومن جعله 4 فعلا، فهو بمعنى فاعل من الحشا، الجانب، وقوله تعالى حاشَ لِلَّهِ 5 معناه: براءة 6 من السّوء، وقد حذفت ألفها الآخرة، فقيل حاش لله، وتصرّف فيها، فقيل:
يحاشي، قال النّابغة 7:
ولا أرى فاعلا في النّاس يشبهه … ولا أحاشي من الأقوام من أحد
وأمّا" خلا" فالتّجاذب فيها متعادل في الفعليّة 8 والحرفيّة.
فإن جعلتهنّ أفعالا فأعطهنّ حكم" ليس" و" لا يكون"، إلّا في وقوعهما 9 صفة، ولا يحسن معهنّ المنفصل، وإن جعلتهنّ حروفا فجرّ الاسم
بهنّ، تقول: قام القوم عدا زيدا وعدا زيد/، وخلا زيدا، وخلا زيد، وحاشا زيدا وحاشا زيد، حكى أبو زيد (1) أنّه سمع أعرابيّا يقول" الّلهمّ اغفر لي ولمن يسمع، حاشا الشيطان وأبا الأصبغ" فنصب ب" حاشا".
فإن أدخلت" ما" على" عدا"، و" خلا" تمحّضتا للفعليّة، وانتصب ما بعدهما؛ لأنّ" ما" مصدريّة، والمصدريّة لا توصل إلّا بفعل، تقول: قام القوم ما عدا زيدا، وذهب النّاس ما خلا عمرا، تقديره: مجاوزتهم زيدا، وخلوّهم عمرا، أو زمن مجاوزتهم زيدا، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقد حكي الجرّ مع" ما خلا" (2) على أنّ" ما" زائدة.
الفصل الثاني: في أنواع الاستثناء
المستثنى على ضربين: أحدهما: أن يكون من موجب.
والآخر: أن يكون من غير موجب.
أمّا الموجب فنوعان:
أحدهما: أن يكون متصّلا في الجنسّية.
والآخر: أن يكون منقطعا.
وكلاهما منصوب مع" إلّا" لفظا، أو موضعا، إلا أن يكون صفة.
أمّا المتصّل: فهو أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، تقول في12
الموجب لفظا ومعنى: قام القوم إلّا زيدا، ورأيت القوم إلّا زيدا، ومررت بالقوم إلّا زيدا، وتقول في الموجب معنى، لا لفظا: ما أكل أحد إلّا الخبز إلّا زيدا، وما جاءني أحد إلّا راكبا إلّا زيدا، فمعنى الكلام: كلّ النّاس أكلوا الخبز إلّا زيدا، وكلّ النّاس جاءوني راكبين إلّا زيدا.
وأمّا المنقطع فهو: أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: هلك القوم إلّا الدّار، ورحل النّاس إلّا المنازل، والبصريّ يقدّر" إلّا" فيه بمعنى" لكن"، والكوفيّ 1 يقدّرها ب" سوى".
ولا بدّ للمنقطع البدليّ 2 من معنى يتّصل به الثّاني بالأوّل، حتّى يصير إلى أنّه لو لم يستثن لظنّ أنّه فيه، فيكون الكلام الذي قبل" إلّا" قد دلّ على ما يستثنى منه.
وأمّا غير الموجب/: فأن يقع في نفى أو نهى أو استفهام، وهو نوعان:
النّوع الأوّل: أن يكون العامل مفرّغا، فيتسلط على معموله: لأنه إذا تفرّغ ممّا يستحقّه بالوضع، لم يحتج إلى معدّ؛ فيكون وقوع" إلّا" معه ملغي لفظا، مستعملا معنى، وتعرب المستثنى بما يستحقّه من الإعراب، تقول: ما قام إلا زيد، وما رأيت إلّا زيدا، وما مررت إلا بزيد، فهذا ليس بدلا حقيقيّا؛ لأنّ المبدل منه غير مذكور فيضمر، إلا أنّ فيه معنى البدل من شئ مقدّر كأنك قلت: ما قام أحد إلّا زيد؛ لأنّ المستثنى لا يكون إلا من مستثنى منه؛
ولهذا قيل في قولهم: ما زيد إلا قائم: ما زيد شيئا من الأشياء إلا هذا، تقديرا، ولأنّك تقول: ما قام إلّا هند، فلولا هذا المقدّر لأظهرت علامة التّأنيث فقلت: ما قامت إلا هند، وهذه التّاء لا تظهر إلّا في الشّعر، كقوله 1:
فما بقيت إلا الضّلوع الجراشع
فعلمت أنّ المستثنى - في هذا الباب - معمول الفعل المفرّغ.
وقد أجاز قوم: ما قام إلا زيدا، وأنشدوا 2:
يطالبني عمّي ثمانين ناقة … وما لي يا عفراء إلّا ثمانيا
النّوع الثّانى: أن يكون العامل مشغولا بمعموله، ولا يخلو ما بعد" إلّا": أن يكون متّصلا أو منقطعا، وكلاهما يجوز فيه" البدل، والنّصب على الاستثناء، والبدل مع الّمتصل أحسن، والنّصب مع المنقطع أحسن.
أمّا البدل؛ فلأنّه يمكنك حذف المستثنى منه، وإقامة المستثنى مقامه، ولا يمكنك ذلك في الموجب، فتقول في المتّصل: ما قام أحد إلا زيد، وما رأيت أحدا إلا زيدا، وما مررت بأحد إلا زيد.
وأمّا المنقطع فالبدل فيه لغة تميم 1 وهو على ضربين:
ضرب/ حسن فيه البدل، وهو أن يكون المبدل داخلا في حيّز المبدل منه بتأويل" مّا"، كقولك: ما بالدّار أحد إلّا وتد، فالوتد يدخل في حيزّ" أحد" من حيث إنّه من توابعه، ومثله قولك: ما بالدّار شئ إلّا وتد.
وضرب لا يحسن فيه البدل، وإنّما يكون منصوبا، وهو أن يكون البدل غير داخل في حيّز المبدل منه، كقولك: ما جاءني المسلمون إلّا الكافرين، ومنه قوله تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ 2 فإذا قلت: ما قام القوم إلّا أباك، حسن النّصب، لأنّه بتقدير نفي موجب؛ فإنّه نفي قولك: قام القوم إلّا أباك، بخلاف: ما قام أحد إلّا أباك؛ لأنّ أحدا لا يقع في الإيجاب.
وأمّا النّصب على أصل الاستثناء فتقول: ما بالدّار أحد إلّا وتدا، وإلّا زيدا، وما رأيت أحدا إلّا وتدا، وإلّا زيدا، وما مررت بأحد إلّا وتدا، وإلّا زيدا؛ وذلك لأنّ الكلام قد تمّ، فتوصل الفعل ب" إلّا"، وتخرجه مخرج الفضلات، فيصير النّفي - في هذا - بمنزلة الإيجاب، وقد قرئ قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ 1 بالرّفع 2، على البدل من" أحد" وبالنّصب 3، على أصل الاستثناء، ومن هذا الباب قوله تعالى: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ 4؛ فإن جعلت" من رحم" مفعولا، كان منقطعا، أي: لكن من رحم معصوم 5، وإن جعلته فاعلا، كان متّصلا، كأنّه قال: لا عاصم إلا الرّاحم (5)، يعنى: الله تعالى، وكذلك قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ 6، فالنّصب مع المنقطع، والرّفع 7، على البدل، عند الزّجّاج 8، وعلى الوصف، عند يونس 9، ومثله قولهم: لا تكوننّ من فلان في شئ إلّا سلاما بسلام 10 فالنّصب مع المنقطع، أى: لا تخالطه إلا متاركة، والرّفع، على أنّه خبر
فالنّصب مع المنقطع، أى: لا تخالطه إلا متاركة، والرّفع، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، تقديره/ إلّا شئ هو سلام بسلام، ومنه قولهم: ما زاد إلا ما نقص" و" ما نفع إلا ما ضرّ"، ف" ما" - مع الفعل - بمنزلة اسم، ولولا" ما" لم يقع الفعل بعد" إلّا"، فكأنّه قال: ما زاد الشئ ولكن النّقص أمره، وما نفع ولكن الضّرّ أمره، ومنه قول الشّاعر 1:
نجا سالم والنّفس منه بشدقه … ولم ينج إلّا جفن سيف ومئزرا
تمّ الكلام عند قوله:" ولم ينج"، ثم قال:" إلا جفن سيف ومئزرا" أي": لكن جفن سيف ومئزرا".
فإن كان في المبدل منه مانع من الحمل على لفظه، حمل على الموضع، تقول: ما جاءني من أحد إلّا زيد، ولا رجل فيها إلّا زيد، فتحمل زيدا على موضع الفاعل والمبتدأ، دون الّلفظ؛ لأنّ" من" و" لا" لا يدخلان على المعارف فى هذا المقام، ويجوز النّصب في هذا، على أصل الاستثناء، فتقول: لا رجل فى الدّار إلا زيدا، وما جاءنى من أحد إلّا زيدا، ومنه قوله 2:
مهامها وخروقا لا أنيس بها … إلّا الضّوابح والأصداء والبوما
مع تأوّل الجنسيّة، ومن هذا النّوع قولهم: ليس زيد بشئ إلّا شيئا لا يعبأ به"، فإن جعلت موضع" ليس"" ما" رفعت" شيئا.
فإن فصلت" إلّا" وما بعدها بين الصّفة والموصوف - في النّفى - فالبدل، عند سيبويه (1)، والنّصب عند المازنيّ (2)، تقول: ما مررت بأحد إلا أبيك خير من عمرو، وإلّا أباك، تقديره: ما مررت بأحد خير من عمرو إلا أبيك.
الفصل الثّالث: في أحكام الاستثناء
الحكم الأوّل: لا يجوز الاستثناء إلّا من جماعة، أو نكرة عامّة، أو اسم جنس تقول: قام القوم إلّا زيدا، وما قام أحد إلّا
زيد، وذهب الدّينار والدّرهم إلّا دنانيرك ودراهمك، وما مرّ بي البعير إلّا إبلك، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ.
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا 3 / ولو قلت: قام زيد إلّا عمرو، لم يجز.
الحكم الثّانى: لا يجوز الاستثناء بنكرة محضة من نكرة غير مؤقّتة؛ 4 لقلّة الفائدة، فلو قلت: رأيت ناسا إلا رجلا، أو رأيت رجالا إلّا إنسانا، لم يكن للاستثناء فائدة؛ لأنّ المقصود بالاستثناء: أن يخرج من الحكم ما لولا هو لدخل فيه وجوبا، وقولك: رأيت ناسا، لا يوجب دخول" رجلا" فيهم بعينه حتّى لو لم تستثنه لكان داخلا في الحكم، وإذا كان الغرض من الاستثناء غير12
متصوّر فيه؛ كان استعماله لغوا، وكان بمنزلة قولك: أخذت جملة إلا درهما.
الحكم الثالث: لا يقع بعد" إلّا" - إذا كان قبلها اسم - إلّا اسم، أو فعل مضارع؛ فتقول: ما زيد إلّا قائم، وما زيد إلّا يقوم، ولو قلت: ما زيد إلّا قام لم يجز، فإن أدخلت" قد" أجازها قوم 1، فأمّا قولك: ما أتاني زيد إلّا تكلّم بخير، فإنّ قبل" إلّا" 2 فعلا، 3 وأمّا قولك: ما تحدّثني إلا صدقت، وما تأتيني إلّا قلت حقّا، فالأوّل مضارع في تأويل ماض، كأنّك قلت: ما أتيتني إلّا قلت حقّا، فإن قلت: ما مررت بأحد إلّا زيد 4 خير منه، كان ما بعد" إلّا" جملة ابتدائيّة واقعة صفة لأحد، و" إلّا" لغو في اللفظ معطية فائدتها، جاعلة" زيدا" خيرا من جميع من مررت به.
الحكم الرّابع: لا يجوز تقديم" إلّا" على العامل والمستثنى معا فى حال، كقولك: إلّا زيدا قام 5 القوم؛ لأنّهم شبّهوها بالواو، في باب المفعول معه، وقد جاء في الشّعر مقدّما عليهما.
وأجمع البصريّون على جواز تقديم" إلّا" على المستثنى منه، إذا كان العامل مقدّما عليها: قام إلا زيدا 1 القوم، وما قام إلا زيدا أحد، فإن قلت القوم إلا زيدا في الدّار، لم يجز.
وحكم المستثني - في هذا المقام - أن يكون منصوبا أبدا، أمّا الموجب فلأنّه كان قبل التقديم منصوبا، وأمّا غير الموجب؛ فلأنّ البدل لا يتقدّم على المبدل/ منه، كالصّفة والموصوف، فبقي على أصل الاستثناء، وعليه أنشد سيبويه 2:
فما لى إلّا آل أحمد شيعة … وما لى إلا مذهب الحقّ مذهب
وقد وقعت" إلّا" غير موقعها، كقوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا 3 تقديره، إن نحن 4 إلا نظنّ ظنّا، وتقول: ما ضربنا إلّا ضربا، ولا تقول:
لسنا نضرب بإلّا ضربا؛ لأنّك تقدر أن تقول: لسنا إلّا نضرب ضربا، ولا تقدر في" ما" 1 على ذلك.
الحكم الخامس: لا يجوز حذف المستثنى وإرادته، ويجوز حذف المستثنى منه لفظا؛ حملا على المضاف والمضاف إليه، فلمّا جاز حذف 2 المضاف، جاز حذف المستثنى منه، فقيل: ما قام إلّا زيد، ولمّا لم يجز حذف المضاف إليه، لم يجز حذف المستثنى؛ فلم يقل: قام القوم، ويراد: إلّا زيدا؛ فأمّا قولهم: ليس إلّا، و: ليس غير، فشاذّ، قال ابن السّرّاج: قد يحذفون المستثنى؛ استخفاقا، نحو قولهم: ليس إلّا، و: ليس غير، كأنهم قالوا: ليس إلّا ذاك، و: ليس غير ذاك 3.
ومنه قوله عليه السّلام:" الطّيرة من الشّرك، وليس منّا إلّا، ولكنّ الله يذهبه بالتوكّل" 4، يريد: وليس منّا إلّا من يتطيّر.
الحكم السّادس: لا يستثنى ب" إلّا" اسمان؛ فلا تقول: أعطيت الناس الدنانير إلّا زيدا الدّراهم، ولا: ما أعطيت أحدا شيئا إلا زيدا درهما، كما لا تعطف اسمين بحرف واحد، فأمّا قول الشاعر 5:
وليس مجيرا إن أتى الحيّ خائف … ولا قائلا إلّا هو المتعبّيا
فشاذ، وهو محمول على فعل آخر، فإن قلت: ما أعطيت أحدا درهما إلّا زيدا دانقا، على البدل جاز، وكذلك: ما أعطيت القوم الدّراهم إلا عمرا دانقا.
الحكم السّابع: إذا تكرّرت" إلّا" فلها معنيان:
الأوّل: أن/ يكون استثناء من استثناء، فيكون الثاني ضدّ الأوّل، في الإيجاب والنّفي، كقولك: له عندى عشرة إلّا
خمسة إلّا درهما، فالخمسة مستثناة من العشرة، والدّرهم مستثنى من الخمسة، فحصل الإقرار بستّة، ومنه قوله تعالى: إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ.
إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ.
إِلَّا امْرَأَتَهُ 1، ف" آل لوط" استثنوا من" قوم مجرمين"، و" امرأته" مستثناة من" آل لوط".
الثّانى: أن يكون استثناء بعد استثناء، لا منه، فتكون" إلّا" فيه بمعنى الواو، تقول: ما فيها أحد إلّا زيد إلا عمرو، أي: وعمرو، ولك النّصب على أصل الاستثناء، فإن أخّرت المستثنى منه، فلا بدّ من نصب المستثنيين، تقول: ما فيها إلا زيدا إلّا عمرا أحد، فإن لم يكن معك مستثنى منه، فلا بدّ من رفع أحدهما، ونصب الآخر، تقول: ما أتاني إلّا زيدا إلّا عمرو، و: إلّا زيد إلّا عمرا؛ لأنّه لا يجوز أن يرتفع اثنان بفعل واحد، من غير عاطف، ومن هذا النّوع قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ
وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ 1، كأنّه قال - والله أعلم -: لا يعلمها إلّا هو وهي في كتاب مبين 2، فإن قلت: ما أكل أحد إلّا الخبز إلّا زيدا، فهذا ليس فيه إلّا نصب زيد؛ لأنّ الكلام موجب في المعنى، كأنّك قلت: كلّ النّاس أكل الخبز إلّا زيدا، وكذلك: ما جاءني أحد إلا راكبا.
إلّا زيدا، كأنّك قلت: كلّ أحد جاءني راكبا إلّا زيدا.
الحكم الثامن: إذا اجتمع" إلّا"، و" غير"، فاجعل أحدهما استثناء والآخر صفة؛ تقول: ما جاءني أحد إلا زيد غير عمرو، وما مررت بأحد إلّا وتدا غير زيد، قال شيخنا 3: ولا أعلم لصرفهما عن الاستثناءين معنى، ولا عن الوصفين إذا كانا مفترقين، فإن عطفت جاز رفعهما جميعا، تقول: ما جاءنى أحد إلا زيد وغير عمرو، فأمّا قول الشاعر 4:
ما بالمدينة دار غير واحدة … دار الخليفة إلّا دار مروانا
فترفع" غير" 1 للوصف، وتنصب" دار مروان" للاستثناء، ولك أن تنصبهما جميعا، على الاستثناء، وأن ترفعهما جميعا؛ فيصير الكلام: ما بالمدينة دار كبيرة إلّا دار مروان، ولك أن تنصب" غيرا"، وترفع" دار مروان"، وبعضهم لم يجزه (1).
الحكم التّاسع: لا يجوز الجمع بين اثنين من آلات الاستثناء، لو قلت:
جاءني القوم إلّا خلا زيدا، لم يجز، وقد أجازوا: إلّا ما خلا زيدا؛ للفصل، وأجاز الأخفش 2: جاءني القوم إلّا حاشا زيد بالجرّ.
الحكم العاشر: لا يعطف على حرف الاستثناء ب" لا"، لا تقول: قام القوم ليس زيدا ولا عمرا، ولا: قام القوم غير زيد ولا عمرو.
فأما قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 3 ف" غير" صفة 4 دالّة على النّفي؛ لأنّها صفة الّذين" بمعنى أنّهم جمعوا بين نعمة الإيمان وبين السّلامة من غضب الله والضّلال، ولو كانت استثناء لم يجز.
الحكم الحادى عشر: أكثر النحاة لا يجيزون الاستثناء بأكثر من
النّصف 1، وبعضهم 2 يجيزه، وعليه أكثر الفقهاء 3، تقول: له عندى عشرة إلا تسعة، فكأنّه قال: له عندى واحد، ويدلّ عليه قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ 4، وقال تعالى:
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 5؛ فاستثنى الغاوين من العباد والعباد من الْغاوِينَ 6.
وأمّا الاستثناء بالنّصف: فقد اعتدل الخلاف بينهم (3) فيه جوزا ومنعا وأجمعوا على أنّه لا يجوز أن يكون المستثنى أكثر من المستثنى منه؛ فلا تقول لى عنده عشرة إلّا أحد عشر (6).
الحكم الثّانى عشر: قد أوقعوا الفعل موقع الاسم المستثنى، في قولهم:" أقسمت عليك إلّا فعلت"، و" نشدتك بالله إلّا جئت"، و" عزمت عليك إلّا جئتني"، ومنه قول ابن عبّاس للأنصار - وقد نهضوا له -:
" بالإيواء والنّصر 1 إلّا جلستم"، التقدير فى هذا الحكم: ما أطلب إلّا فعلك، ولا أريد إلّا جلوسكم.
الحكم الثّالث عشر: قد حملوا المستثنى منه على المعنى، فقالوا:
" أقلّ رجل" يقول ذاك إلا زيد"، ف" زيد" بدل - فى المعنى - من رجل، كأنّك قلت: ما رجل يقول ذاك إلّا زيد.
فأما قولهم:" قلّ رجل يقول ذاك إلّا زيد" فليس ببدل من رجل؛ لأنّ" قلّ" لا يعمل في المعارف، وإنمّا معناه: أقلّ رجل، قال سيبويه: أقلّ رجل مبتدأ مبني عليه 2، فهذا يدلّ على أنّ له عنده خبرا.
وإذا قلت: قلّما يسكن الدّار إلا الظباء، فالرّفع والنّصب، فإن جعلت موضع" ما"" من" فالنّصب الوجه.
الباب الثّاني عشر فى المجرورات
وهي قسمان: مجرورات بحرف، ومجرورات بإضافة.
القسم الأوّل: فى المجرور بالحرف
، فيه فصلان:
الفصل الأوّل: في ذكر الحروف، ومعانيها
وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: في تعريفها
، حروف الجرّ ثمانية عشر حرفا، وتسمّى حروف الإضافة؛ لأنّ وضعها: أن تفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء، وهي - في ذلك - سواء، وإن اختلفت دواعيها.
منها خمسة على حرف واحد، وهي: الباء، واللام، والكاف، والتّاء والواو.
ومنها خمسة على حرفين، وهي: من، وعن، وفي، ومذ، في موضع، وكي، في موضع.
ومنها ستّة على ثلاثة أحرف، وهي: إلى، وعلى، وربّ، ومنذ، في موضع، وعدا، وخلا، في الاستثناء.
ومنها اثنان على أربعة أحرف، وهما: حاشا، في الاستثناء، وحتّي، في أحد أقسامها، وهذه جميعها متّفقة في العمل لفظا أو موضعا، ومعانيها مختلفة.
أمّا الباء: فإنّها مكسورة، ولها أربعة مواضع
الأوّل: الإلصاق، وهو أصل بابها، كقولك: أمسكت الحبل بيدى، فأمّا مررت بزيد، فعلى الاتّساع، أى: التصق مرورى بموضع يقرب منه.
الثّاني: للاستعانة، وذلك إذا اتّصلت بآلة ونحوها، كقولك: كتبت بالقلم، وضربت بالسّيف، ومنها: بتوفيق الله حججت، وبفلان أصبت الغرض وأكثر ما يجئ مع الفعل المتعدّى.
الثّالث: للمصاحبة نحو: اشتريت الفرس بسرجه ولجامه، ودخل عليه بثياب السّفر، ومنه قوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ 1.
الرّابع: للزّيادة، وقد تزاد في المرفوع، والمنصوب، والمجرور:
أمّا المرفوع: ففى الفاعل لازما، كقولك: أكرم بزيد، وغير لازم، كقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً 2، وفي المبتدأ، كقولك: بحسبك قول السّوء، وفي الخبر كقوله تعالى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها 3.
وأمّا المنصوب: فكقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) 4 ومنه:
ليس زيد بقائم.
وأمّا المجرور: فقد جاء في الشّعر شاذا، أنشده الفارسيّ:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به … أصعّد في علو الهوى أم تصوّبا 1
وقد جاءت مضمرة في القسم، كقولهم: الله لأفعلنّ، وفي قول رؤبة - وقيل له: كيف أصبحت؟، قال -: خير 2، يريد: بخير.
وأمّا اللام: فمفتوحة مع المضمر، مكسورة مع المظهر، ولها موضعان:
الأوّل: للتخصيص، وهو نوعان: أحدهما: ما اقترن معه ملك، نحو:
الدّار لزيد، والمال لجعفر، والآخر: ما عري منه، نحو:
السّرج للدّابّة، والمسجد لعبد الله.
الثاني: الزّيادة، كقوله تعالى: عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ 3،
وكقوله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ 1، وأنشدوا 2:
يذمّون للدّنيا وهم يرضعونها … أفاويق حتّى ما يدرّ لها ثعل
وقد أضمرت في قولهم:" لاه أبوك"، يعنون: لله أبوك.
وقد جعل لها قوم موضعين آخرين.
أحدهما: العلّة 3، نحو: جئت لتكرمني.
والثاني: العاقبة 4، كقوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً 5.
وأمّا الكاف: فمعناها التشبيه، ولها موضعان:
الأوّل: أن تكون غير زائدة، كقوله: جاءني الذي كزيد، فوصلت بها
" الّذي" ولو كانت اسما لكان فيه قبح؛ لحذف المبتدأ، التقدير: جاءني الّذي هو كزيد؛ ولهذا استقبحوا من قرأ: تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ 1، بالّرفع 2.
الثاني: أن تكون زائدة، كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ 3، أى:
ليس مثله شئ 4؛ لأنّ الله لا مثل له.
ولا تدخل الكاف على مضمر؛ استغناءا عنها ب" مثل"؛ فلا تقول: أنت كه، تريد: أنت كزيد، وقد جاء في الشّعر 5 شاذا.
وأمّا التّاء والواو: فمختصّان بالقسم، وسيذكران في الفصل الثاني من هذا الباب.
وأمّا" من": فلها خمسة مواضع:
الأوّل: أن تكون لابتداء الغاية، كقولك: سرت من بغداد، أي كان ابتداء السّير منها إلى الغاية التى يقصدها، وهذا الكتاب من فلان إلى فلان، أي ابتداؤه منه، فيتّصل بمن صدر عنه الكتاب، ولا اعتبار بالتأخير فيه والتّقديم، إذا قلت: هذا الكتاب إلى فلان من فلان، وإذا قلت: زيد أفضل من عمرو، إنّما ابتدأت في إعطائه الفضل؛ حيث عرفت فضل عمرو، ثم تناول ذلك من هو مثل عمرو أو دونه.
وسيبويه يذهب إلى أنّها تكون لابتداء الغاية فى الأماكن 1، قال سيبويه إذا قلت: عمرو أفضل من زيد، إنّما أراد أن يفضّله على بعض 2 ولا يعمّ، وجعل" زيدا" الموضع الّذي ارتفع منه، وكذلك إذا قال: أخزى الله الكاذب منّي ومنك.
الثّاني: للّتبعيض، كقولك: أخذت من الدّراهم، أي: بعضها، وكقوله تعالى: (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) 3، عند سيبويه 4، وقد قيل: إنّ «من» لأقلّ من 5 النّصف، كقوله تعالى: مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ 6 قال المبرّد: قولك: أخذت من ماله، إنّما جعل «ماله» ابتداء غاية ما أخذ؛ فدلّ على التبعيض من حيث صار ما بقي انتهاء له، والأصل واحد، وكذلك: أخذت منه درهما، و: سمعت منه حديثا، أى: هو أوّل مخرج الدّرهم 7 والحديث.
الثّالث: التّبيين، كقولك: ثوب من خرّ، وكقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ 1، فالرّجس جامع للأوثان، وغيرها، و «من» بيّنت أحد أنواعه، ولو كانت للتّبعيض، لأثبتّ في الأوثان ما ليس برجس.
ويعتبر هذا القسم، بأنّه يحسن أن تقع صفة 2، تقديره: الرّجس الذي هو الأوثان.
الرّابع: أن تكون لاستغراق الجنس، مزيلة للّبس، مؤكّدة للعموم في النفي والاستفهام؛ تقول: ما جاءني من رجل،
وهل من رجل في الدّار؟؛ لأنّك إذا قلت: ما جاءني رجل، جاز أن يكون قد جاءك رجلان أو أكثر، وإذا قلت: ما جاءني من رجل، لم يجز أن يجيئك رجل، ولا أكثر منه، ومنه قوله تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ 3.
ولا تدخل إلّا على النكرات؛ فلا تقول: ما جاءني من زيد
الخامس: أن تكون زائدة، لغير معنى، وجودها كعدمها، ولا تكون إلّا مع النّفي والاستفهام، في قولهم: ما جاءني من أحد، وهل من أحد في الدّار؟
فوجودها، وعدمها سواء؛ لأنّك إذا قلت: ما جاءني أحد، فقد نفيت نفيا عاما، لا يجوز أن يكون جاءك واحد، ولا أكثر منه كما إذا قلت: ما جاءني من أحد؛ لأنّ" أحدا" لا يقع في الإيجاب.
وأجاز الأخفش زيادتها في الإيجاب 1، كقوله تعالى: يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ 2، وقوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ 3، في أحد التّأويلين.
وأكثر النحاة يجعلونها في القسم الرّابع زائدة 4، وليست كذلك؛ لأنّ الزائد ما لا يفيد معنى، وهي فيه قد أفادت الاستغراق والتأكيد.
وأمّا" عن": فمعناها المجاوزة، والبعد، ولها موضعان.
الأوّل، حقيقيّ، كقولك: جلست عن يمينه، أي: في المكان الذي تجاوزه وتعدّاه، وحاذي يمينه، ومنه قوله تعالى: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ 5 وقولهم: رميت عن القوس، وكساه عن العري، وأطعمه عن الجوع.
الثّاني: مجازيّ، يرجع إلى الأوّل، كقولك: أخذت عنه العلم، وأدّيت عنه الدّين.
وأمّا" في": فعماها الظرفيّة، ولها موضعان:
الأوّل: حقيقىّ، كقولك:" زيد في الدّار، والمال في الكيس.
والثّاني: مجازيّ، وهو نوعان:
أحدهما: قريب من الحقيقيّ، كقولك: نظرت في العلم، وفي فلان عيب.
والآخر: بعيد منه، كقولهم: في عنفوان شبابه، وإنّما الإنسان محلّ
للشّباب، لا الشّباب محلّ للإنسان، ويجوز أن يصرف إلى الحقيقة على حذف مضاف تقديره: زمن عنفوان/ الشّباب.
وأمّا" كي": فالّتى فى قولهم: كيمه؟ كما تقول: لمه؟ ف" ما" اسم استفهام، وحذف الألف منها يدلّ على أنّ" كي" حرف جرّ، مثل:" فيم" و" عمّ"، وسنزيدها بيانا عند ذكر نواصب 1 الفعل المستقبل.
وأمّا" مذ" فستذكر مع أختها في آخر الفرع.
وأمّا" إلى" فهي لانتهاء الغاية، ولها موضعان:
الأوّل: حقيقيّ، كقولك: جئت إلى بغداد، وكقولهم - في الكتاب - من فلان إلى فلان.
ويجوز أن يدخل ما تجرّه في حكم ما قبله، كقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ 2، فالمرافق داخلة في الغسل، وبعضهم 3 لا يدخلها فيه، كقوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.
4
الثّاني: مجازيّ، وهو إذا كانت بمعنى المصاحبة، كقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ 5، وقولهم: «الذّود إلى الذود إبل»، وقيل: هما هنا بمعنى" مع" 6، ومن ذلك: قولهم: إنما أنا إليك، أي: أنت غايتي، وقولهم قمت إليه، فتجعله منتهاك من مكانك (7)، وقيل: هما بمعنى اللّام.
وأمّا" على": فمعناها الاستعلاء، ولها موضعان:
الأوّل: حقيقىّ، وهو أن يكون ما قبلها فوق مسمّى المجرور، إن كان ممّا يعلى، كقولك: زيد على الفرس، وعلى عمرو ثوب.
الثّاني: مجازيّ، كقولك: فلان أمير على البلد، وكقوله تعالى:
" وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ" (1)، ومنه قولهم: عليه مال، ومررت على زيد، أي: إنّ المال قد اعتلاه، وإنّ مروره على مكانه.
وأمّا" ربّ": فمعناها التقليل، ولها صدر الكلام، وقد جاءت بمعنى التكثير في الشّعر، حملا على" كم"، والفارسيّ (2) يقول، في قوله تعالى:
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (3): لا معنى للتّقليل فيها؛ لأنّه لا حجّة عليهم فيه.
ولها أحكام
: الحكم الأوّل: لا بدّ لها من فعل تتعلّق 4 به حتى تعدّيه، ولا يكون إلّا ماضيا، متأخّرا عنها، ويجوز حذفه، وإظهاره، وأكثر ما تستعمله العرب محذوفا، تقول: ربّ رجل عاقل لقيت، فأنت مخيّر في" لقيت"، إن جعلته صفة، كان العامل محذوفا، وإنّما جاز حذفه؛ لأنّه جواب، والجواب يتسلّط123
عليه الحذف، كما سبق في المبتدأ والخبر 1، ويقول القائل: ما لقيت رجلا صالحا، فتقول: ربّ رجل صالح، أى: لقيت، وإن لم تجعل" لقيت" صفة فهو العامل في" ربّ"، فإن قلت" لقيته، لم يكن إلّا صفة؛ لأنّه قد تعدّى إلى مفعول بنفسه؛ فلم يحتج إلى حرف الجرّ.
وتقول - في العطف - ربّ رجل قد رأيت وربّ امرأة، فالاختيار: أن تعيد الصّفة، فتقول: وربّ امرأة قد رأيت.
وإذا وقع الفعل المضارع بعدها، فثمّ إضمار، نحو: ربّ رجل يقوم، تقديره: ربّ رجل كان يقوم، أو كأنّه لصدق الوعد قد وقع، ولا تقول: ربّ رجل سيقوم غدا، وليقومنّ بعد غد، إلّا أن تريد: ربّ رجل يوصف بهذا تقول: ربّ رجل يسيء اليوم محسن غدا، أى: يوصف بهذا.
الحكم الثّاني: لا تدخل" ربّ" إلّا على نكرة 2، إمّا مظهرة، وإمّا مضمرة.
أمّا المطهرة «فيلزمها أن تكون موصوفة 3 بمفرد أو جملة؛ لتكون أبلغ في التّقليل؛ فإنّ «رجلا» أعمّ من «رجل قائم»؛ تقول: ربّ جل جواد لقيت؛ وربّ رجل أبوه كريم، وربّ رجل فهم ذاك، ولا تقول: ربّ رجل، وتسكت.
وأمّا المضمرة: فيلزمها أن تفسّر بمنصوب نكرة مفرد، كقولك: ربّه رجلا، وهذا المضمر مجهول، لا يرجع إلى شئ، وإنّما هو نكرة مبهم يرمى به من غير قصد إلى مضمر سابق، ثمّ يفسّر كما يفسّر العدد المبهم، كما
سبق في ضمير الشّأن 1 والقصّة، ويجئ فى فاعل" نعم" 2 و" بئس" إذا كان مضمرا.
وهذه الهاء بلفظ واحد مع المذكّر والمؤنّث، والاثنين والجماعة، عند البصريّين 3.
وقد أدخلوا" ربّ" على" من"، إذا كانت نكرة غير موصولة، حكى عنهم: مررت بمن صالح (3)، و: ربّ من يقوم
ظريف، قال الشاعر 4:
يا ربّ من تغتشّه لك ناصح … ومؤتمن بالغيب غير أمين
وأدخلوها على" مثلك" و" شبهك"، إذا لم تتعرّفا 5 بالإضافة، وكانا - فى المعنى - نكرتين.
الحكم الثّالث: قد أدخلوا" ما" على" ربّ"، ولا تخلو: أن تكون كافّة لها عن العمل، أو زائدة، أو بتقدير شئ.
أمّا الكافّة: فتدخل بها على المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، كقولك:
ربّما زيد قائم، وربّما قام زيد، وربّما يقوم زيد، وبعضهم يمنع المستقبل - 6
كما سبق - ويقول: إنّ قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا 1 حكاية حال.
وأمّا الزّائدة: فكقوله 2:
ربّما ضربة بسيف صقيل … بين بصرى وطعنة نجلاء
وكقوله 3:
لقد رزئت كعب بن عوف وربّما … فتى لم يكن يرضى بشيء يضيمها
وأمّا التي بتقدير شئ موصوف فكقوله 4:
ربّما تكره النفوس من الأم … ر له فرحة كحلّ العقال
تقديره: ربّ شئ تكرهه النّفوس.
وقد اقتصروا ب" ربّما" عن ذكر شئ بعدها، كقوله 1:
فذلك إن يلق الكريهة يلقها … حميدا وإن يستغن يوما فربّما
الحكم الرّابع: قد أضمروا" ربّ" بعد الواو، مع المظهر، نحو قوله 2:
وبلدة ليس بها أنيس
والعمل ل" ربّ"، ولا يدخل عليها 3 واو العطف، بخلاف واو القسم؛ فإنّ واو العطف 4 تدخل عليها.
وحكم واو" ربّ" حكم" ربّ" إلّا مع المضمر، و" ما"؛ فإنّه لا تدخل عليها وأضمروها بعد" بل"، قال 5:
بل بلد ملء الفجاج قتمه
وأضمروها بعد الفاء، قال 1:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
وقد جرّوا بها مضمرة من غير نائب، قال 2.
رسم دار وقفت في طلله … كدتّ أقضي الحياة من جلله
وأمّا" حتّى": فلها في الكلام ثلاثة مواضع، وواحد فيه خلاف.
الموضع الأوّل: أن تكون حرف جرّ بمعنى" إلى"، ولها فيه حكمان:
أحدهما: أن ينتهى الأمر به.
والآخر: أن ينتهي الأمر عنده.
أمّا الأوّل: فلها فيه شرائط حتّى تجرّ:
إحداها: أن يكون ما بعدها من جنس ما قبلها، تقول: مررت بالقوم حتّى زيد، ولو قلت: حتّى الحمار، لم يجز.
الثّانية: أن يكون ما قبلها - في العدّة - أكثر ممّا بعدها، فلو قلت:
ضربت زيدا حتّى عمرو، أو حتى القوم، لم يجز.
الثّالثة: أن يكون ما بعدها مذكورا لتعظيم أو تحقير، تقول: مات