البديع في علم العربيةصفحات 66-105

الفصل الثانى (كتاب البديع في علم العربية)

صفحات 66-105

في النحو كتب كثيرة تسمى" البديع"، فلعلي بن عيسى الربعيّ، المتوفى سنة (420 هـ) (1) كتاب في النحو يسمى (البديع)، قال عنه الأنباريّ: (وصنّف كتابا في النحو حسنا جيّدا يقال له:" البديع" (2). ولمحمد بن مسعود الغزنيّ - المتوفى سنة (421 هـ) (3) كتاب" البديع" قال عنه السيوطيّ: (أكثر أبو حيان من النقل عنه، وذكره ابن هشام في المغني، وقال: إنّه خالف فيه أقوال النحويين، وله ذكر في جمع الجوامع) (4) ونقل عنه البغداديّ في شرح أبيات المغني (5). ولابن عصفور علي بن مؤمن المتوفى سنة (669 هـ) (6) كتاب" البديع في شرح الجزوليّة" (7). وكتاب ابن الأثير" البديع في علم العربية" الذي نقوم على تحقيقه.

اسم الكتاب

: ذكره كثير من المؤرخين والمترجمين لابن الأثير، وسماه" ياقوت1234567

الحمويّ" (1) (البديع في النحو)، وكذا سمّاه القفطي (2) والسيوطيّ (3)، وسماه ابن خلكان (4):" البديع في شرح الفصول في النحو لابن الدهان".
وكذا سماه السبكيّ (5)، وابن تغري بردي (6)، وسماه ابن الشعار الموصلي:" البديع في علم الإعراب" (7)، وهو كما نرى أقرب الأسماء إلى الحقيقة، فابن الأثير قال في مقدمة كتابه: (.. وسميته كتاب البديع في علم العربية) (8)، وقد بيّن ابن الأثير أنه يريد بعلم العربية" النحو فقط"، فقال: (واعلم أن علم العربية المخصوص باسم النحو لا يعدو قسمين.. الخ) (9).

تبويب الكتاب وترتيبه

قال ياقوت الحمويّ: (كتاب البديع في النحو نحو الأربعين كراسة وقفني عليه - أي عز الدين بن الأثير - فوجدته بديعا كاسمه، سلك فيه مسلكا غريبا وبوّبه تبويبا عجيبا) 10. فما المسلك الغريب الذي سلكه المؤلف؟ وكيف بوّب الكتاب تبويبا أعجب123456789

ياقوتا؟ قال المؤلف - رحمه الله - في مقدمة الكتاب: (.. واعلم أنّ علم العربية المخصوص باسم النحو لا يعدو قسمين: أحدهما: معرفة ذات الكلمة وبنائها وما يتعلق بحروفها من التغيير.
والثاني: معرفة ما يطرأ عليها من الحركات والسكون.
وكل واحد من هذين القسمين يدخل على الآخر في التبيين لضرورة الإفهام، فهما متداخلان، لا يكاد ينفرد أحدهما بالذكر عن الآخر، إلّا أن كل واحد منهما يغلب ذكره على بعض الأبواب دون بعض) 1. وبناء على هذا: قسم المؤلف الكتاب إلى قطبين رئيسين: القطب الأول: فيما الغالب على أبوابه معرفة الحركات والسكون، وهي (عوارض الكلم).
القطب الثانى: فيما الغالب على أبوابه معرفة ذات الكلم وحروفها.
وقدّم ما يتعلق بأحكام الكلم على ما يتعلق بذات الكلم مع أن الحكمة تقتضي العكس، لأن معرفة الذات قبل معرفة الصفات، قال: (إلا أنّ العلماء عكسوا القضية، وكان الباعث على ذلك أمرين: أحدهما: مسيس الحاجة الغالبة إلى معرفة الثاني؛ لما دخل على الألسنة من الفساد، وذلك إن الإنسان يتلقف الكلم في صغره ومبدئه لضرورة الإفهام والاستفهام، على ما يعلم من صحة وفساد، ولمّا غلبت العجمة على ألسنة الناس تعلموا الكلام ملحونا فاحتاجوا إلى إصلاح ذلك، والغالب على طريقه معرفة الحركات والسكون.

والأمر الثاني: أنّ معرفة ذوات الكلم تشتمل على أشياء مشكلة: كالتصريف والتصغير والنسب، مما يصعب فهمه على المبتدئين.
وكانت معرفة الحركات والسكون أسهل مأخذا، وأقرب متناولا، فقدّموا ما غلبا عليه من الأبواب في الذكر لهذين الأمرين، وربما لغيرهما من الأمور، فاقتدينا بهم في التقديم والتأخير) 1. وقد وضّح المؤلف رحمه الله أنّ قصده بعلم العربية: هو النحو، ولكنه أدخل في النحو كل أبواب الصرف، كأن المؤلف من القائلين بعدم الفصل بين النحو والصرف، وحاول المؤلف حينما قسّم كتابه إلى قطبين: أحدهما يبحث في عوارض الكلم، والآخر في ذوات الكلم، حاول أن يوزع أبواب النحو عليهما توزيعا دقيقا، ولكنه أدخل بعض الأبواب في غير محلها؛ لأنّه - كما اعترف في مقدمته السابقة - يصعب التقسيم الدقيق للتداخل بين القسمين.
فالقطب الأول: اشتمل على الأبواب التالية: الباب الأول: في معرفة الألفاظ العامة: عرّف فيه النحو والكلمة والكلم والكلام ويّن أقسام الكلمة وخواص كل قسم وتقسيمات كل قسم.
الثانى: في المعرب.
الثالث: في المبني.
الرابع: في الإعراب.
الخامس: في البناء.
السادس: في المبتدأ.

السابع: في الخبر.
الثامن: في الفاعل.
التاسع: في ما لم يسم فاعله.
العاشر: في المفعولات.
الحادى عشر: في المشبه بالمفعول، تحدّث في هذا الباب عن الحال والتمييز والاستثناء.
الثاني عشر: في المجرورات، تحدّث فيه عن المجرور بحرف الجر، والقسم، والإضافة.
الثالث عشر: في التوابع.
الرابع عشر: في النداء.
الخامس عشر: في العوامل.
السادس عشر: في (كم).
السابع عشر: في نوني التوكيد.
الثامن عشر: في التقاء الساكنين.
التاسع عشر: في الوقف.
العشرون: في الحكاية.
والمتأمل في هذه الأبواب يرى أن باب الوقف يتعلق بذات الكلمة لا بحكمها، فكان الواجب أن يكون في القطب الثاني.
وأما القطب الثاني: فاشتمل على عشرين بابا أيضا، منها الباب العشرون في جائزات الشعر، وهذا الباب الأحسن أن يكون في القطب الأول، لأنّه يتعلق بأحكام الكلمة.

وهذا التبويب وترتيب الأبواب لم أجد أحدا من العلماء - حسب علمي - سبق ابن الأثير إليه؛ فهو تقسيم علمي دقيق، وليس التبويب والترتيب الدقيقان مستغربين من ابن الأثير؛ فالسمة البارزة على مؤلفاته - رحمه الله - التبويب والترتيب، فكتبه في الحديث كلها جمع وتبويب، فجامع الأصول في أحاديث الرسول، والنهاية في غريب الحديث، ومنال الطالب في شرح طوال الغرائب، مرتبة ترتيبا أعجب المتقدمين والمتأخرين.
ولم يكتف المؤلف - رحمه الله - بإبراز قدرته على التبويب فقط، بل نجده في كل باب يقسمه تقسيمات عجيبة دقيقة، ومن ثم يجمع الباب الواحد أشتاتا متفرقة، توزّع على الفصول والأنواع والفروع والتعاليم، ويبرز هذا فى أكثر الأبواب، ومنها: الباب الخامس عشر (في العوامل): بدأه المؤلف - رحمه الله - بمقدمة، ثم قسّمه ثلاثة أقسام: القسم الأول: في الأفعال.
القسم الثاني: في الأسماء العاملة.
القسم الثالث: في الحروف العاملة.
القسم الأول: في الأفعال، جعله ثمانية أنواع: النوع الأول: في اللازم.
النوع الثانى: في المتردد بين اللازم والمتعدي، ثم قسمه على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أفعال معدودة استعملت متعدية ولازمة.
الضرب الثاني: أفعال متعدية بنفسها أصلا، ثم أدخلوا عليها حرف الجر على تأول.
الضرب الثالث: أفعال متعدية بنفسها، فإذا أدخلت عليها قرينة اللزوم صارت قاصرة.

النوع الثالث: في المتعدي إلى مفعول واحد.
النوع الرابع: في المتعدي إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما.
النوع الخامس: في المتعدي إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، وجعله فرعين: الفرع الأول: في تعريفه.
الفرع الثاني: في أحكامه (ذكر ثمانية أحكام).
النوع السادس: في المتعدي إلى ثلاثة مفعولين، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفه.
الفرع الثاني: في أحكامه (ذكر ستة أحكام) وخاتمة النوع السابع: في كان وأخواتها، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها ومعانيها.
الفرع الثاني: أحكامها (ذكر عشرة أحكام).
النوع الثامن: في الأفعال التي لا تتصرف، وقسّم هذا النوع إلى أربعة فصول: الفصل الأول: في" عسى وأفعال المقاربة"، وجعله ثلاثة فروع: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: أحكامها (ذكر خمسة أحكام).
الفرع الثالث: فيما أشبه عسى من أفعال المقاربة.
الفصل الثانى: في نعم وبئس، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفهما.
الفرع الثاني: أحكامها (ذكر سبعة أحكام) وخاتمة.

الفصل الثالث: في" حبّذا"، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: أحكامها.
الفصل الرابع: في التعجب، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفه.
الفرع الثاني: أحكامه (ذكر عشرة أحكام).
القسم الثاني: في الأسماء العاملة، جعله أربعة أنواع: النوع الأول: في اسم الفاعل واسم المفعول، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفهما.
الفرع الثاني: أحكامها (ذكر ثمانية أحكام).
النوع الثاني: في الصفة المشبهة، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: أحكامها (ذكر عشرة أحكام).
النوع الثالث: في المصدر، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفه.
الفرع الثاني: أحكامه (ذكر ثمانية أحكام) النوع الرابع: في أسماء الأفعال، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: أحكامها.
القسم الثالث: في الحروف العاملة، جعله خمسة أنواع: النوع الأول: في إنّ وأخواتها، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.

الفرع الثاني: أحكامها، وجعله فصلين: الفصل الأول: في الأحكام المشتركة (ذكر عشرة أحكام).
الفصل الثاني: في الأحكام المختصة (ذكر تسعة أحكام)، الحكم الثالث منها: في الفرق بين إنّ، وأنّ، قسّمه أربعة أقسام، سمّى كل واحد منها تعليما.
النوع الثاني: في (ما) المشبهة ب (ليس)، جعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: أحكامها (ذكر خمسة أحكام).
النوع الثالث: في (لا: النافية)، جعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: أحكامها (ذكر خمسة عشر حكما).
النوع الرابع: في الحروف العاملة في الأفعال الناصبة، جعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: أحكامها، جعله ثلاثة أصناف: الصنف الأول: (أن).
الصنف الثاني: (كي).
الصنف الثالث: (إذا).
النوع الخامس: في الحروف الجازمة، وجعله فرعين: الفرع الأول: تعريفها.
الفرع الثاني: في الشرط والجزاء، وجعله فصلين: الفصل الأول: في تعريفه وذكر حروفه.
الفصل الثاني: في أحكامه (ذكر سبعة عشر حكما).

وهكذا كان ابن الأثير يبوّب كتابه كلّه، وهذا يدل - ولا شك - على قدرة هائلة في الترتيب والتنظيم، أفادها من عمله في الحديث، ولكن كما رأينا أن تلك التقسيمات والتفريعات وإن كانت دقيقة إلا أنها تشتت ذهن القارئ في الجمع بين الأقسام، والفصول، ولكنها تعين القارئ الراغب في معرفة أحكام

منهج الكتاب

قال ابن الأثير - في مقدمة الكتاب - بعد البسملة والحمدلة، والصلاة على رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم: - (.. أما بعد فإنك أيها الأخ - أبقاك الله ورعاك - لما قرأت كتاب" بغية الراغب في تهذيب الفصول النحويّة"، ورأيته في غاية ما يكون من الاختصار، ويمكن من الإيجاز، مع ما اشتمل عليه من الشرائط، وحواه من الأحكام والضوابط، وكنت في مزاولة هذا الفن من العلم ناشيا، وإن كان عزمك فيه ماضيا، واطّلعت منه على مستبهم مستغلق، وسمت نفسك إلى ما هو أعلى منه قدرا، وأوضح سبيلا، وأكثر منه بسطا وأقوم قيلا، ورغبت إليّ في جمع كتاب - ينير طرق فهمه، وتتضح مذاهب معرفته، فأجبتك إلى ما سألت غير ذاهب بالإطالة إلى الإملال، ولا جانح بالإيجاز إلى الإخلال، حسب ما طلبت أن يكون باسطا لما أوجز فيه، مبيّنا لما أغلق من ألفاظه ومعانيه، تقصر عن رتبته الشروح، ولا يقصر في البيان والوضوح، جامعا لأبواب النحو وأحكامه، مشتملا على أنواعه وأقسامه، إلا ما عسى أن يشذّ منها، أو ما لا تمسّ الحاجة إليه.
ولم أكد أودعه من الأدلة إلّا ما أوجب ذكره إحكامه، وافتقر إلى معرفته

بيانه، وليس لي فيه إلا اختيار، أقوال الأئمة ونقلها، وما أضفت إليها من زيادة شرط في حدّ، واحتراز في قول، وإشارة إلى نكتة غريبة تقف عليها..) 1. ومن هذه المقدمة: يتضح لنا أنّ ابن الأثير كان قد اختصر الفصول النحوية لابن الدهان بكتاب سماه (بغية الراغب في تهذيب الفصول النحوية) وهو كتاب مفقود - حسب علمي -، وهو - كما يتضح من هذه المقدمة - كتاب مختصر، فشرحه ابن الأثير في كتابه" البديع في علم العربية"، والمطلع على كتاب البديع لا يرى فيه ذكرا ولا أثرا لفصول ابن الدهان، ولا لبغية الراغب، إلا ما ورد في المقدمة، فابن الأثير لم يمزج الفصول النحوية ولا شيئا منها بشرحه، ولم يتبع في ترتيبه ترتيب ابن الدهان.
ومن المقدمة - أيضا - نستطيع أن نبرز أهم الأسس التي وضعها المؤلف ليعتمدها في شرحه، وهي: 1 - التوسط في الشرح بين الإطناب الممّل والإيجاز المخلّ.
2 - جمع أبواب النحو وأحكامه فيه.
3 - الإيجاز في الأدلة والعلل.
4 - أن مهمته ما هي إلا اختيار لأقوال الأئمة وتعليقات يسيرة منه، هي أقرب إلى الإشارات منها إلى التعليقات.
هذه أهم الأسس التي وضعها ابن الأثير ليسير عليها في شرحه، ولا شك في أنّ المؤلف حاول التقيّد بها، ولكنه لم يستطع الالتزام بها دائما، وسيتضح ذلك في تفصيل الأسس وتطبيقها على الكتاب.

الأول: التوازن بين الإيجاز والإطناب

: حينما همّ ابن الأثير في تأليف كتابه، لا أشك في أنه عمد إلى كتاب من أهم كتب شيخه" ابن الدهان"، وهو المسمى ب" الغرة في شرح لمع ابن جني" فاستقى منه أكثر مادة كتابه - كما سيأتى تفصيله 1 -، وكتاب الغرة لابن الدهان من أحسن الكتب التي ألفت في القرن السادس الهجرىّ، ومن أجمعها قال عنه ابن خلكان: (وشرح كتاب اللمع - لابن جني - شرحا كبيرا يدخل في مجلدين، وسماه" الغرة"، ولم أر مثله مع كثرة شروح هذا الكتاب) 2. وابن الدهان كان علما من أعلام النحو في عصره، وكان كما قال عنه العماد الأصفهاني: (بحر لا يغضغض، وحبر لا يغمض، سيبويه عصره، ووحيد دهره) 3. لهذا وجد ابن الأثير - وهو العازم على الاختصار - أنه يقف أمام موسوعة نحوية مطنبة؛ فكتاب الغرة جمع من الآراء والشواهد والعلل شيئا هائلا، لو نقله المؤلف في كتابه لوقع في الإطناب الذي لم يرتضه لنفسه، ولو اختصره ربما وقع في الإيجاز المحذور، فجاء كتابه لهذا السبب جامعا لكثير من مسائل النحو والصرف مفصلا لها، وإنّ من يقرأ كتاب ابن الأثير وحده ولا يطلع على كتاب ابن الدهان سينال كامل إعجابه، ولن يرى فيه الإطناب المملّ، فهو يسوق القضايا النحوية بأسلوب واضح، ويستوفي في كل قضية جوانبها، ولكنه إن اطلع على كتاب" ابن الدهان" وغيره من الكتب المتوسعة

فستتضح له بعض جوانب الإيجاز الذي قد يصل إلى درجة الإخلال بالمعنى، والإيجاز عند المؤلف يتضح في أمرين: الأول: الإيجاز في عرض المسائل.
والثاني: الإيجاز في نسبة الآراء.

أولا: الإيجاز في عرض المسائل

:

  • وقد احتوى الكتاب على مسائل مختصرة اختصارا مخلا منها: - 1 - قال - في هاء ضمير المذكر المنصوب والمجرور: (.. فإن كان قبله ساكن ففيه مذهبان: أحدهما: كالمتحرك نحو: عنهو أخذت، وعليهي مال.
    والثاني: ألا تلحقه حرفا وهو الأكثر) 1. وهذا الكلام اختصره المؤلف من كلام شيخه ابن الدهان 2، وكان لا بدّ من تفصيله، فإنه إن كان ما قبله ساكنا فإما أن يكون أحد حروف اللين، مثل: علاه، وإليه، ودعوه، فحينئذ الحذف أولى؛ لئلا يجتمع ساكنان بينهما حاجز خفي غير حصين، وهو الهاء 3. وإما ألا يكون الساكن أحد حروف اللين، مثل: عنه، ودعه، ومنه، وزده، فالإثبات حينئذ أكثر، وهو مذهب سيبويه 4، وجعل المبرد الحذف والإثبات سواء 5.

وقوله: (.. فإن كان قبله ساكن) يدخل فيه ما بعده ساكن مثل: عنه الحق، وعليه المال، وحينئذ لا يقبل الضمير الإشباع، فكان على المؤلف أن يقيده بألا يكون بعده ساكن؛ ليخرج المثالان السابقان، ولعل المؤلف استغنى عن هذا الشرط بالمثال.
2 - قال في ضمير النسوة: (.. وهي عند أكثر العلماء لجمع القلة، والهاء لما فوق ذلك، كقولك: النساء ضربتهن، وضربتها) 1، وقال أيضا: (وقد جعلها قوم للعدد القليل من المؤنث، وأطلقها آخرون على القليل والكثير، وكان الأشبه والأكثر في النظم والنثر) 2. كان على المؤلف أن يقيد الضمير بأن يعود على مؤنّث غير عاقل.. أمّا إذا عاد على مؤنث عاقل كمثال المؤلف فلم تفرق العرب بين قليله وكثيره والأفصح جمع الضمير 3. 3 - قال عن وزن أفعل: (أن يكون بمعنى فعل، ولا يكون للهمزة فيه تأثير، وهو قليل محصور) 4. وهذا القول غير صحيح، فليس قليلا، وقد ألفت فيهما كتب، منها: فعلت وأفعلت للسجستاني، وللزجاج، وما جاء على فعلت وأفعلت بمعنى واحد - للجواليقي.

4 - جعل شروط ما يجمع جمع المذكر السالم: التذكير والعلم والعلميّة، وألحق به صفته في الغالب 1. وبعض هذه الشروط يحتاج إلى تقييد، فالعلمية لا بد من تقييدها بالخالية من تاء التأنيث، والصفة لا بد من تقييدها بالقابلة لتاء التأنيث أو الدالة على التفضيل، ولما لم يفعل المؤلف ذلك اضطر إلى استثناء الأعلام المختومة بالتاء، مثل: طلحة 2، واستثناء بعض الصفات: كأفعل فعلاء، وفعلان فعلى.. إلخ 3. 5 - في حديثه عن جمع الاسم المهموز لم يستقص أنواعه كلها 4، فترك ما همزته منقلبة عن واو أو ياء أصلين: مثل كساء ورداء، وما همزته للإلحاق مثل: علباء مسمّى بها، وكان المؤلف قد استقصاها في التثنية 5، ولكنه لم يفعل ذلك في الجمع.
6 - النسب إلى المركب والجملة 6، اختصره المؤلف اختصار شديدا، فلم يذكر كل الآراء فيه، وهي آراء مشهورة 7، ولعلّه تركها لشهرتها.
7 - قال في الإخبار عن المبدل منه، في مررت بأخيك زيد: (فإن أخبرت عن أخيك قلت: الذي مررت به أخوك زيد، وإن شئت: زيد أخوك) 8.

فقوله: (وإن شئت) يشعر بجواز الأمرين على السواء، وقوله مختصر من كلام شيخه ابن الدهان 1، الذي ذكر أن للعلماء رأيين في الإخبار عن المبدل منه: فالمازنيّ وابن السراج لا يجيزان الإخبار عن المبدل منه إلا ومعه الدل، قالا: (أخوك زيد) وغيرهما يجيزه، فيخبر به دون البدل، فيقول: (الذي مررت به زيد أخوك) ولا يجيز الأول 2. فهذا الاختصار جعل المؤلف يبدو كأنه يأتي برأي ثالث، وهو جواز الأمرين.
8 - لم يستوف شروط العجمة المانعة من الصرف حينما ذكرها 3، فلم يذكر أن تكون موضوعة للواحد لا للأجناس، كديباج وياسمين وفرند.. فهذه مصروفة؛ لأنها للأجناس 4 إلا إذا كان ممن لا يرى اشتراط العلمية في العجمة.
9 - تحدث في الحكم الرابع من أحكام الهمزة في الخط، عما كانت فيه فاء الفعل همزة، واتصلت بكلام قبلها، وكان الواجب عليه أن يتحدث قبل ذلك عما لم يتصل بكلام، كما فعل شيخه ابن الدّهان 5. 10 - قال المؤلف - رحمه الله -: (قال قوم: لك أن تذهب بجميع الأفعال مذهب نعم وبئس، فتحولها إلى فعل) 6، وهذا القول - وإن كان من

كلام ابن السراج - فإنه يحتاج إلى تقييد الأفعال بالثلاثية فقط؛ لأن غيرها لا يحوّل.
11 - عرّف تنوين الترنم بأنه اللاحق لأواخر الآي والقوافي 1، وكان على المؤلف أن يقيد القوافي بالمطلقة، كما قيّد بعد ذلك التنوين الغالي باللاحق للقوافي المقيدة 2. 12 - جعل تنوين العوض نوعين: عوض عن المضاف إليه، وعوض عن نون زيدين كهندات 3. والمؤلف ترك ما تنوينه للعوض عن حرف، مثل: جوار، وغواش، وأيضا تنوين هندات ليس للعوض، بل للمقابلة، إلّا إن كان يقصد بالعوض المقابلة.
13 - قال في زيادة النون: (وإذا كانت النون ثالثة، فاحكم بزيادتها إلا أن يقوم دليل على أصليّتها) 4. وهذا الكلام مطلق لا بد من تقييده بأن تكون النون ساكنة، وأن تكون الكلمة على خمسة أحرف 5. 14 - قال عن زيادة التاء الأولى في" ترتب": (أما ترتب فزيادتها عند سيبويه لأنها ليست على مثال الأصول، والأخفش يعتقد زيادتها بالاشتقاق لأنها من الرتوب) 6. كلامه بسبب إجماله يوهم بأن سيبويه يعتقد زيادة التاء الأولى لأنه ليس

عنده وزن" فعلل" فقط، وهذا غير صحيح، فسيبويه قال: (وكذلك ترتب وتدرأ؛ لأنهن من رتب ودرأ) 1. فهو يعتقد زيادتها؛ لأنه ليس عنده وزن جعفر، وشهد به الاشتقاق، كما قال ابن جني 2. أما الأخفش فلأن من أوزان الرباعي عنده (فعلل)، فزيادتها لأنها من الرتوب فقط.
15 - قال المؤلف - في زيادة الهاء -: (وأما غير المقيس فزيدت أولا عند الخليل والأخفش، نحو: هجرع، وهبلع، جعلاهما من الجرع والبلع ونحو هركولة، من الركل في المشي) 3. فالخليل والأخفش قالا بزيادة الهاء أولا، لكن الخليل جعلها زائدة في هركولة فقط، فيما حكاه عنه أبو الحسن الأخفش، من أن هركولة «هفعولة»، وأن الهاء زائدة 4. أما هجرع وهبلع فالهاء فيهما زائدة عند الأخفش فقط، قال ابن جني: (وذهب أبو الحسن إلى أنّ الهاء في هجرع وهبلع زائدتان؛ لأنهما من الجرع والبلع) 5. أما الخليل فلم يجعلها زائدة فيهما، وهجرع وهبلع في كتاب" العين" في باب: الرباعي من العين 6، فالمؤلف - رحمه الله - لم يكن دقيقا في اختصاره ما في سر الصناعة، ولو: قال فزيدت أولا عند الخليل والأخفش،

نحو هركولة جعلاها من الركل، ونحو هجرع وهبلع عند الأخفش جعلها من الجرع والبلع - لو قال ذلك لسلم من الخطأ.

ثانيا: الإيجاز في نسبة الآراء

: إن كان بعض الإيجاز في المسائل مقبولا أو غير مذموم، فإن ترك نسبة الآراء إلى قائليها - مع القدرة على ذلك - لا شك في أنه غير محمود والمؤلف - وهو ينقل من كتاب شيخه ابن الدّهان - عمد إلى الإبهام في نسبة بعض الآراء مع أن شيخه صرّح ينسبتها، فإن كان هذا الصنيع من قبيل الإيجاز فهو معيب غير ممدوح، ولذلك في الكتاب شواهد كثيرة منها: 1 - قال في تقديم الضمير الأبعد على الأقرب: (وقد جوز بعضهم أعطاكني، وأعطاهوك، وأعطاهوني) 1، وقد نسبه ابن الدهان إلى المبرد 2 2 - قال في زيادة أل: (وقولهم: إنى لأمر بالرجل مثلك فأكرمه عند بعضهم، لأنّ مثلك نكرة وقد وصف بها الرجل وهو معرفة فقدّر اللام زائدة) 3. والمراد به الأخفش كما قال ابن الدهان 4. 3 - قال في جمع التكسير (وعلى أفعلة نحو: باب وأبوبة، ورحى وأرحية، وهو قليل، وليس بابه وقيل: هو جمع الجمع 5 والقائل هو: الخليل بن أحمد كما صرّح به ابن الدّهان 6.

4 - قال: (واختلفوا في «جمد» اسم جبل، فسيبويه رواه ساكن الميم، وغيره ضمها) 1، والمقصود بغيره: ابن جنى، كما قال ابن الدّهان 2. 5 - قال في تصغير الترخيم: (وبعض النحاة يقصر تصغير الترخيم على الأعلام) 3. هو الفراء، وقد صرّح باسمه ابن الدّهان 4. 6 - قال: (وبعضهم لا يصغر المصادر) 5، وهو الفراء كما قال ابن الدّهان 6. 7 - قال عن أحاد وثناء المعدولة: (ومنهم من لا يصرفه مع التسمية) 7، وهما الجرميّ والسيرافيّ، وقد نصّ عليهما ابن الدّهان 8. وعلى الرغم من كل ما ذكرته من صور الإيجاز فإن الكتاب يعد من الكتب المتوسعة؛ لأنه مأخوذ من كتب ابن الدّهان التي حوت سوانح النحو وشوارده.
ولكنه توسع لا يمكن أن يوصف بالإطناب، إلا أن رغبة المؤلف في التقسيمات والتفريعات توقعه في أحيان قليلة فيما يشبه الإطناب، ومن أمثلة ذلك:

1 - قسّم الإضافة إلى محضة وغير محضة، ثم قسّمها إلى معنويّة ولفظيّة 1 ومن المعروف أن المحضة هي المعنوية، وغير المحضة هي اللفظيّة، ولكن حبّ المؤلف للتقسيمات جعله يسترسل في ذكرها.
2 - قسّم الجمع بالنظر إلى إعرابه ثلاثة أقسام: جمع مذكر سالم، وجمع مؤنث سالم، وجمع تكسير، وقسّمه مرة أخرى إلى: جمع في اللفظ والمعنى، وجمع في المعنى دون اللفظ، وجمع في اللفظ دون المعنى 2. 3 - قال في التصغير: (إذا كان ثالث الاسم واوا فلا يخلو أن تكون للإلحاق أو لغير الإلحاق، فإن كانت للإلحاق أجريتها مجرى الصنف الأول - أى جواز القلب، وإقرارها على حالها - تقول في: جهور وجدول: جهيّر وجديّل، وجهيور، وجديول، وإن كانت لغير الإلحاق قلبتها ياء، وأدغمت فيها ياء التصغير نحو: عمود وعميّد) 3. لو قال المؤلف - رحمه الله -: الواو الساكنة بعد ياء التصغير تقلب ياء، والمتحركة يجوز فيها القلب والإقرار على حالها، لكان أولى من هذا التقسيم والتفصيل.
4 - ليس للاستطراد وجود في الكتاب إلا مرة واحدة، قال المؤلف - وهو يتحدث عن فعلى - بكسر الفاء -، (وقال الأخفش: إنّ ألف علقى للتأنيث أيضا) 4.

الثاني: جمع أبواب النحو وأحكامه

: جمع المؤلف - رحمه الله - أبواب النحو وأبواب الصرف في كتابه، وقد بحثت عن أبواب منهما لم يبحثهما المؤلف فلم أجد؛ لأنه لم يكتف بالأبواب التي طرقها شيخه" ابن الدّهان" في" الغرة"، فزاد عليها باب أبنية الكلم وباب المصادر، وباب التصريف، وباب الإدغام، وأظن أن ابن الدهان قد طرق هذه الأبواب في كتابه" شرح الإيضاح والتكملة"؛ وهو كتاب مفقود فيما أعلم، لأنها من أبواب التكملة للفارسي، أما جمعه للأحكام النحوية والصرفية فأظن أنه لم يفته إلا القليل رغبة في الإيجاز والاختصار.

الثالث: الإيجاز في الأدلة والعلل غالبا

: لم يكن المؤلف - رحمه الله - ذا عناية واضحة بالعلة، ولم يجهد نفسه بالبحث فيها أو التعرض لها، وإنما كان يعرض في بعض الأحيان عللا لا يمكن أن يخالف فيها، فالمؤلف - رحمه الله - يبدو بعيدا عن المنطق والتأثر به، وربما لم يكن محبا له بحكم كونه محدثا، فلم يكن كالرمانيّ الذي ملأ شرحه لكتاب سيبويه بالعلل النحوية والمناقشات المنطقية، فنرى المؤلف يتركها في مواضع تستدعي إيضاحها بالعلل، كالفصل الذي عقده لبيان الأسماء التي لا تصغر 1 وذكر فيه كثيرا منها، فلم يعلّل سبب منع تصغيرها، وإنما كان يعلل في بعض الأحيان لبعض الأحكام التي - كما قلنا - يندر فيها الخلاف، وقد يكون المقام مستدعيا للعلة، ومن أمثلة ذلك: 1 - قال في تعليل كون الآخر محلّ الإعراب: (وأما محل الإعراب فهو من كل كلمة معربة آخرها، حكما غالبا، نحو: زيد، ويضرب؛ وإنما كان

آخرها لأن من الإعراب: الجزم، وهو سكون، ولا يمكن الابتداء بالساكن، فلم يقع أولا، ولأن وزن الكلمة يعرف بحركة وسطها نحو: فلس وفرس، وزنهما: فعل وفعل، فلو جعل وسطها لاختل وزن الكلمة عند تغير الإعراب) 1. 2 - قال في تعليل كون الغالب على البناء السكون،.
وكون البناء أصلا في الأفعال والحروف، فرعا في الأسماء: (وهو - أي البناء - إذا ضد الإعراب، والغالب على الإعراب الحركة؛ فاقتضي أن يكون البناء سكونا، وما كان الإعراب فيه أصلا أن يكن البناء فيه فرعا؛ فلذلك كان في الحروف والأفعال أصلا، وفي الأسماء فرعا..) 2 3 - قال في تعليل كون التمييز نكرة: (المميز لا يكون إلا نكرة؛ لأنهم أرادوا أن يكون المنصوب غير المنقول دليلا على الجنس؛ فحيث بلغوا مقصودهم بالنكرة، لم يتعدوها؛ ولأن النكرة واحد يدل على أكثر منه، والمعرفة معينة لا تدل على غير ما وضعت له) 3 4 - قال في تعليل نصب التمييز المحول: (والأصل فيه - أي قولك طبت به نفسا - طابت نفسي؛ فالنفس هي الفاعلة والباء مجرورة الموضع بالإضافة، ثم إنهم أسندوا الفعل إلى الياء منقولا عن موضعه؛ فارتفع به، كما ارتفعت به النفس؛ فبقي المرفوع أولا غير مستحق للرفع؛ لأنه لا يكون فاعلان لفعل واحد بغير عاطف، وليس بصفة للأول؛ لأنه نكرة، والأول معرفة، ولا هو هو، فيكون بدل كل،

ولا فيه ضمير فيكون بدل اشتمال أو بعض، ولا يجوز جره؛ لعدم الجارّ؛ فلم يبق إلا النصب؛ فنصبوه لذلك؛ ولأنه جاء بعد تمام الكلام، وهو استيفاء الفعل فاعله..) 1. 5 - قال في تعليل كون المصدر لا يثني ولا يجمع: (المصدر لا يثنى ولا يجمع لأنه جنس؛ والجنس لا حصر له إلا إذا اختلفت أنواعه، جاز تثنيته وجمعه مبهما ومؤقتا.
أما المؤقت - وهو المختص - فتقول فيه: ضربت ضربتين وضربات، إلا أن الجمع أنقص توقيتا من المفرد والمثنى؛ لأن" ضربات" يصلح لعقود القلة كلها، ولكنه لا يخرج عن حد التوقيت، من حيث دلالته على عدد، بخلاف قولك: ضربت ضربا؛ فإنه لا يدل على عدد.
فإن قلت: ضربت ثلاث ضربات، كان مثل:" ضربة" و" ضربتين" في كمال التوقيت، إلا أن الفعل فيه واقع على ما هو مصدر من جهة المعنى؛ لأن العدد عبارة عن المعدود، وليس باسم له.
وأما المبهم فلا يجوز جمعه؛ فلا تقول: قتلت قتولا، ولا ضربت ضروبا إلا على إرادة تفريق الجنس واختلاف أنواعه، كقوله تعالى (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) 2 وكقولك" فلان ينظر في علوم كثيرة.
وهذا النوع لم يطرد؛ فلم يقولوا: السلوب والنهوب، وإنما يكون ذلك - غالبا - فيما ينجذب إلى الاسمية، نحو: العلم والحلم والظن.. فإن قصدت بالمبهم الحدث، فالأكثر الأعرف أن يقال: ضروبا من القتل وضروبا من العلم) 3

6 - قال في تعليل تعدي العامل الذي لا يتعدى إلى جميع ظروف" وغير الزمان، المبهم منها والمؤقت، وعدم تعديه إلى المؤقت من ظروف المكان: (وغير المتعدي يتعدى إلى جميع ظروف الزمان، مبهمها ومؤقتها، وإلى المبهم من ظروف المكان؛ تقول في الزماني: صمت اليوم، و: يوما، وو إنما كان ذلك لأن ظروف الزمان لما شاكلت المصادر في دلالة صيغة الفعل على خصوص المصدر دلالتها على المصدر، جرت مجراها في تعدّي نوعي الفعل إليها، وحمل عليها المبهم من ظروف المكان؛ لنوع مشابهة بينهما؛ من جهة النقل والزوال والإبهام؛ فإن الجهة التي هي خلف تصير أماما، وتزول عن وأما المؤقت من ظروف المكان، فلما عدم هذه المشاكلة - وهي دلالة صيغة الفعل على خصوصه - تنزّل منزلة المفعول به في تعدي الفعل إليه، فلا تقول: قعدت المسجد، ولا: جلست الكوفة، حتى تجيء بما يعدّي الفعل إليها، فتقول: قعدت في المسجد، و: دخلت في الكوفة.
فأما: دخلت البيت، و: ذهبت الشام، فهو - عند سيبويه - على حذف حرف الجر، تقديره: دخلت إلى البيت، و: ذهبت إلى الشام، والمبرد يقول: إنه متعد بنفسه..) 1.

7 - قال في تعليل عمل" ما" عمل" ليس": (اعلم أن المشابهة تقتضي تأثرا وهذا قياس 1 في العربية مستمر، ألا ترى أن ما بني من الأسماء إنما بني لشبه الحرف، وأنّ ما أعرب من الأفعال إنما أعرب لمشابهته الأسماء، وأن ما أعمل من الأسماء، أو منع الصرف فلمشابهته الأفعال؛ فكذلك" ما" النافية لمشاركتها" ليس" في نفي الحال، وفي الدخول على المبتدأ والخبر، ودخول الباء في خبرها، حملها أهل الحجاز في العمل عليها بشريطة، فقالوا: ما زيد قائما).
2 8 - قال في تعليل إهمال" ما" إذا فقد شرط من شروط إعمالها:" لكل أصل من القوة ما يفضل به مشبهه؛ ألا ترى أن الفعل أقوى في العمل من اسم الفاعل، وأن اسم الفاعل أقوى في العمل من الصفة المشبهة به فكذلك 3 " ما" و" ليس"؛ فعملت" ليس" في المعرفة والنكرة، وتقدّم خبرها على اسمها إجماعا، وعليها عند سيبويه، ويفصل اسمها وخبرها ب" إلا"، وعملها باق عليها.
ولما كانت" ما" فرعا عليها نقصت عنها؛ فإذا تقدم خبرها، أو فصل بين اسمها وخبرها ب" إلا"، أو جاء بعده ما ينقض النفي، بطل عملها وارتفع الخبر إجماعا؛ لنقص أسباب المشابهة بينها وبين ما أشبهته) 4. 9 - قال في تعليل جمود" نعم" و" بئس" (ومعناهما المبالغة في المدح والذم، وإنما لم يتصرفا لما تضمناه من مبالغة المدح والذم الزائدين على الإخبار والشئ متى خرج بالمبالغة عن نظائره، جعلوا له تأثيرا في

اللفظ؛ ولأن المقصود من التصرف وقوع ذلك المعنى في زمن مختص، وهذان مقصوران على الماضي، صالحان للحال في المعنى؛ فلا يختصان بزمن).
1 10 - قال: (" الندبة" الاسم من قولك: ندب الميت يندبه، إذا تفجع عليه، وذكر خلاله الجميلة في معرض المدح، وإظهارا للجزع وقلة الصبر على فقده، وتعلّلا بمخاطبة الميت مخاطبة الحيّ، وإعلانا من النادب بما آلت حاله إليه.
وأكثر ما يتكلم بها النساء؛ لأنهن أرقّ قلوبا، وأكثر جزعا، وأقل في عاقبة الأمور نظرا.
وهي مستندة إلى أصل، وذلك: أن من شأن العرب مخاطبة الديار والرسوم، ونداء الأطلال والأشجار وغيرها من الجمادات، مما لا يسمع ولا يجيب، وعلى نحو من ذلك جاءت الندبة، بل هي أقرب حالا، فإن الميت وإن لم يجب، فقد كان للإجابة أهلا) 2. 11 - قال في نون الوقاية: (فأما يضربانني فإنما دخلت النون، والنون التي قبلها مكسورة لئلا يعتقد أنّ الأولى - التي هي علامة الرفع - للوقاية، وأن الفعل مجزوم أو منصوب) 3. 12 - وقال: (إنما اختص المرفوع والمنصوب بضميري المتصل والمنفصل دون المجرور؛ لأنّ المجرور لا يتقدّم على عامله، ولا يفصل بينهما، ولا يحذف عامله) 4. 13 - وقال - في حذف نون المثنى -: (مع الإضافة: نحو: غلاما زيد؛ لأن

النون دليل الانفصال، والإضافة دليل الاتصال، والجمع بينهما متعذر) 1. 14 - وقال فيه أيضا: (عند الأخفش في قولهم: ضارباك والضارباك، عنده أن الكاف في موضع نصب؛ لأن النون لا تدخل بينه وبين العامل كما تدخل مع المظهر) 2. 15 - قال في جمع الممدود الذى ليس (فعلاء أفعل): (تقلب فيه الألف واوا للفرق بينها وبين المقصورة، ولأنها قد قلبت إليها كثيرا في نحو" وقتت، وأثوب، فتقول في صحراء ونفساء: صحراوات ونفساوات) 3. 16 - قال في سبب جعل علامة النسب الياء: (وإنما جعلوها حرف علة، لأن حروف العلة أكثر ما تزاد في الكلام) 4. 17 - قال في سبب صرف قائمة وظريفة وأمثالهما: (فأما باب قائمة وظريفة فينصرف؛ لأن تأنيثه للفرق، وهو غير لازم) 5. والصحيح أن سبب منعها من الصرف وجود علة واحدة فقط هي ذكره المؤلف من العلل صحيح لا خلاف فيه، ولكنه فى أحيان قليلة جدا يجانب الصواب، ومن أمثلة ذلك: 1 - قسّم الجمع إلى: خاص ومتوسط وعام، وهذا تقسيم لم يسبقه إليه أحد من العلماء - فيما أعلم -، ويقصد بالخاص: جمع المذكر السالم، وعلّل

تسميته بذلك، فقال: (وانفرد باسم الخصوص؛ لانحصاره في المذكر العلم العالم احتراما للفظه ومسماه، ونفيا لوقوع اللبس فيه) 1. ويقصد بالمتوسط: جمع المؤنث السالم، وعلّل تسميته بذلك، فقال: (إنّما سمي متوسطا لأنّه أعم من الأول؛ لكونه للمؤنث العاقل وغير العاقل، ولأنّه أخص من الثالث - أي جمع التكسير - باقتصاره على المؤنث خاصة، فحصل بينهما) 2. والعلة الأولى في الخاص صحيحة، أما العلة الثانية في المتوسط فغير دقيقة، فهناك أسماء مذكرة غير عاقلة، جمعت بالألف والتاء مثل: حمامات واصطبلات، وعنوانات، وسرادقات، ومحلات.
2 - وقال في جمع المقصور جمع سلامة: (وقد شذّ من هذا الباب قوله: ........... … متى كنّا لأمّك مقتوينا كان القياس: مقتين: حملا على موسين، لأنّ أصلها مفعل من القتو الذي هو الخدمة، ثم نسبت، إليه فقلت: مقتويّ، ثم خففت ياء النسب، كما قلت: الأشعرون، فلما سكنت الياء سقطت؛ لالتقائها مع ياء الجمع، فصارت مقتوين 3. فالقول بشذوذ هذا البيت هو قول البصريين؛ لأن القياس أن تحذف الواو التي هي لام الكلمة؛ لأنّها متحركة وما قبلها مفتوح، فحقها أن تقلب ألفا، ثم تحذف لالتقاءها ساكنة مع الياء، ثم تجمع 4، أما العلة التي ذكرها المؤلف

فهي للكوفيين الذين لا يقولون بشذوذه 1، فالتعليل الذي ذكره المؤلف يناقض القول بشذوذه.
ومع ميل ابن الأثير - في الغالب - إلى الإيجاز المؤدي إلى فهم الحكم من أقرب طريق، فإنه قد يبسط القول، ويزيد الشرح، ويكثر الأمثلة، عند ما يرى اقتضاء المقام عدم الإيجاز.
من ذلك: 1 - قال في الفرق بين" أم و" أو" العاطفتين:" كثيرا ما تشتبه" أو" و" أم" فاحتاجا إلى الفرق بينهما.
والفرق بينهما: أنك إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لا تعلم كون أحدهما عنده فأنت تسأل عنه، وإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فأنت تعلم أن أحدهما عنده، لكنك تجهل عينه؛ فأنت تطالبه بالتعيين.
وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فمعناه: أأحدهما عندك؟ فيكون الجواب" لا" أو" نعم".
وأما إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فلا يكون الجواب" لا" ولا" نعم" إنما يكون: زيدا، أو: عمرا؛ لأن تقدير السؤال: أيهما عندك؟ وذلك أنه إنما سأل ب" أو" عن واحد منهما لا بعينه، وب" أم" عن عين أحدهما، فيفتقر إلى أن يكون عالما أن أحدهما عنده لا بعينه.
فإن لم يكن عالما، وسأل ب" أم" كان مخطئا في سؤاله، ويكون الجواب: ليس عندي زيد ولا عمرو؛ ف" أو" إذا استثبات، و" أم" إثبات

واستثبات و" أو" تثبت أحد الشيئين أو الأشياء مبهما، و" أم" تقتضي إيضاح ذلك المبهم..) (1). 2 - وقال في تحليل بعض الأبيات المشكلة:".. وقد أورد الفارسي على إعمال الثاني قول الشاعر: قضى كلّ ذي دين فوفّى غزيمه … وعزة ممطول معنى غريمها وفي الاستشهاد به إشكال؛ لأن قوله:" وعزة" مبتدأ، و" ممطول" ومعنى" خبران، وكل منهما يتعلق ب" غريمها"؛ لأن المعنى يمطل غريمها ويعنى غريمها؛ فلا يجوز أن يرفع" غريمها" ب" ممطول"؛ لأنه يكون مقدما في النية، وإذا تقدم وجب إضماره في" معنى" الذي هو بعده في التقدير، و" معنى" قد جرى على" عزة"، وهو لغيرها.
واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له، برز ضميره؛ فيحتاج أن تقول: وعزة ممطول معنى هو غريمها؛ لأن التقدير - على هذا القول -: وعزة ممطول غريمها معنى هو.
فلمّا لم يكن في البيت ضمير بارز، علمت أنّ" غريمها" مرفوع ب" معنى" كأنّه قال: وعزة ممطول غريمها.
معنى غريمها وقيل: إن" غريمها" مرتفع ب" ممطول"، و" معنى" حال منه، وعامله" ممطول" (2).

الرابع: حصر مهمته في اختيار أقوال الأئمة وفي تعليقات يسيرة

: إنّ المؤلف - رحمه الله تعالى - قد تواضع، واعترف بالحقيقة التي قلّ أن12

يعترف بها الكتّاب، المؤلفون، وإنّ المطلع على كتب النحو يتضح له تأثّر كل متأخر بمتقدم، فابن السراج مثلا أخذ كتاب سيبويه، وجعله في كتابه الأصول في النحو، وزاد عليه تعليقات وترجيحات واختيارات هي ما ينسب إلى ابن السراج من آراء، وأبو علي الفارسيّ - في الإيضاح والتكملة - أخذ كتاب الأصول في النحو، وزاد عليه ما زاد، وهكذا فعل ابن جنيّ مع الفارسيّ، ولا عيب في ذلك أبدا، وإنما هو منهج كان متبعا وغير مذموم، حتى أنّنا وجدنا كتاب التكملة - للفارسيّ - في كتاب المخصص لابن سيده، ولكن المؤلف - رحمه الله - وهو المحدّث الذي اعتاد على الصراحة والصدق خوفا من الجرح والتعديل صرّح بذلك، فهو عمد إلى أقوال النحاة وجمعها في كتابه، وكان يختارها في كثير من الأحيان، ولا ينص على أصحابها، فيبدو القول أو الرأي كأنه للمؤلف نفسه، والحقيقة أنه لغيره، لكنّ المؤلف اختاره وسار عليه، وهذا في أكثر الحالات يكون في الآراء المشهورة، وكان في بعض الأحيان يختار الآراء غير المشهورة، ويترك الآراء المشهورة، ومن أمثلة ذلك: 1 - قال: (المؤنث بالعلامة: تصغّر الكلمة عارية من العلامة، ثم تأتي بها بعد ذلك) 1. وهذا القول للمبرد 2 وابن جنّي 3 والصيمريّ 4، وهو مخالف لما عليه جمهور النحاة، فهم يرون أن الكلمة تصغر وفيها علامة التأنيث 5.

2 - عدّ الهمزة من حروف العلة (1)، وهذا مخالف لرأي الجمهور، وإنما قال به ابن السراج فقط.
3 - قسّم الممدود في النسب إلى منصرف وغير منصرف 1، وهذا تقسيم سيبويه 2، والمبرد 3، والفارسيّ 4، لكن العلماء بعدهم لم يسيروا 4 - جعل (لفعل) الممنوع من الصرف ميزانا، فقال: (ويعتبر بالألف واللام، فما دخلاه لم يكن معدولا في الغالب) 5. اتّبع المؤلف في هذا ابن جنّي 6، ولكن الصحيح أنه لا ميزان لها، وإنما هي أسماء محصورة مسموعة، والدليل على عدم شموله أن المؤلف قال: (في الغالب).
5 - تابع" الصوليّ" 7 و" الأنباريّ" 8 في جواز كتابة ألف المقصور - إذا زاد على ثلاثة أحرف - بالياء أو الألف، أما رأي الجمهور فهو أن تكتب بالياء 9. (1): (362، 719).

6 - وقال: (قد زادوا ألفا بعد واو الجمع والواو الساكنة التي هي لام الفعل في حالة الرفع إذا لم يتصل بضمير المفعول، مثل: ضربوا.. ونحو: يغزوا ويدعوا) 1، وهذا قول ابن قتيبة والكسائيّ والأخفش وثعلب وابن خالويه، أما قول الجمهور فإنه خاص بكل فعل معه واو الجمع 2. 7 - قال المؤلف عن (لو): (إذا وقع بعدها فعل مستقبل جعلته ماضي المعنى) 3. كأنّ ابن الأثير ممن ينكر أن تكون (لو) حرف شرط في المستقبل، وهو قول ابن الحاج، والصحيح أنها تكون للتعليق في المستقبل كقول الشاعر: - ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا … ومن دون رمسينا من الأرض سبسب لظلّ صدى صوتي وإن كنت رمّة … لصوت صدى ليلى يهشّ ويطرب 4 8 - اختار المؤلف أنّ ضمّ قاف (قلت) وكسر باء (بعت) لنقل حركة العين إلى الفاء 5، وهذا رأي الكسائىّ وابن جنّي 6. أما القول المشهور فهو أنه للفرق بين الواويّ واليائيّ 7. أما تعليقات ابن الأثير وإشارته فغالبا ما تكون في ترجيح بعض الأقوال، أو لمحات عن الحديث، أو تنبيه على لحن، وهي قليلة، منها:

1 - قال" في النسب إلى الاسم المنقوص": (وأما قول الناس: قضويّ، فليس من هذا الباب، وإنما هو منسوب إلى قضا، - بالقصر، لو ورد) 1 ومما تجدر الإشارة إليه أنّه كانت في الموصل مدرسة تسمى (المدرسة الكماليّة القضويّة) فربّما أنّ المؤلف قصدها 2. 2 - وقال في الإمالة: (وقول الناس: فلان قاعد، خطأ) 3، أى بإمالة قاعد.
3 - قال في" النسب إلى ما فيه ياء مشددة قبل الحرف الأخير كأسيّد: (وأصحاب الحديث يقرون الياء المشددة بحالها، فيقولون: أسيّديّ) 4 وهذا تنبيه منه - رحمه الله - على خطأ المحدّثين.
4 - قال في حذف همزة الاستفهام: (وأكثر ما رأيته جاء في الحديث) 5 فحذف الهمزة جاء في أحاديث كثيرة، منها قوله - صلّى الله عليه وسلّم: (وإن زنى، وإن سرق؟) وغيره 6. 5 - قال: (إذا كانت الهمزة بعد فتحة، وبعد الهمزة ألف، لم يثبت للهمزة صورة.. ومنهم من يكتبها ألفا، وهو الأولى عندي؛ لئلا يلتبس بالواحد) 7. فتكتب: هذا فعل زيد وعمرو أخطأ أم أصابا.

مآخذ على أسلوبه ومنهجه

1 - قال في تثنية الممدود: (أن تكون - أي الهمزة - منقلبة عن حرف زائد لم يلحق بالأصل، كالمنقلبة عن ألف التأنيث، نحو: حمراء وصفراء) 1. فقول المؤلف: (كالمنقلبة عن ألف التأنيث)، يوهم أنّ هناك غيرها، وليس كذلك، لذا كان عليه أن يقول: ومنقلبة عن حرف زائد للتأنيث، أو يقول كما قال الفارسي: (المنقلبة عن الحرف الزائد الذي لم يلحق بالأصل) 2. 2 - عرّف الجمع بأنّه (ضمّ غير المفرد إلى المفرد) 3. وهذا تعريف غير دقيق؛ لأن قوله: (غير المفرد) يدخل فيه المثنى والجمع 3 - قال عن الأعلام المؤنثة التي على وزن فعال وآخرها راء: (وجميع هذا إذا سمي به مذكر لم ينصرف معرفة، وانصرف نكرة، وكل ما لا يعرف أصله من فعال فالقياس صرفه، قال سيبويه: ويجوز فيه الرفع والنصب) 4. يفهم من كلام المؤلف أن سيبويه يجيز الرفع والنصب في كل ما لا يعرف أصله وهذا غير صحيح، فسيبويه يجيز ذلك فيما آخره راء، فكان على المؤلف أن يأتى بكلام سيبويه قبل قوله: (وجميع هذا.. الخ).
4 - جعل ابن الأثير التي الخطاب الكاف والتاء على نوعين: اسم دال على الخطاب، وحرف خالص للخطاب 5.

وهذا تساهل من المؤلف في التعبير؛ فهما إذا كانا اسمين دلا على المخاطب لا على الخطاب، وإذا كان حرفين دلا على الخطاب، كما أنه قال في" ذلك": - (والكاف للمخاطب وهو المسؤول) (1)، وهى للخطاب؛ 5 - اعتاد العلماء أن يأتوا بالمصادر القياسية للأفعال ومن ثم يستثنون ما جاء على خلافها، لكن المؤلف - رحمه الله - أفرد لها فصلا سماه (لواحق باب المصادر) (2)، وهى ليست لواحق، وإنما هي مستثنيات.

مصادر الكتاب

حدد ابن الأثير - رحمه الله - مهمته في هذا الكتاب بكونه مختارا لآراء الأئمة وأقوالهم، ولذا زخر كتابه بالنصوص والآراء المنقولة عن العلماء السابقين الذين صرح المؤلف بأسمائهم، فتبين أن كتبهم من أهم مصادر الكتاب، وهناك مصادر غير واضحة إلا لمن تعمّق في دراسة الكتاب.
فالمؤلف - رحمه الله - لم يشر إلى أنه ينقل منها، وهي كتب محدودة كانت أمام المؤلف وهو يكتب كتابه، وسأتحدث عنها بالتفصيل فيما بعد.
ومصادر الكتاب المصرح بها عن طريق نسبة الأقوال والآراء إلى أصحابها كثيرة جدا، ومنها: 1 - سيبويه: آراؤه وأقواله المأخوذة من كتابه بلغت أكثر من واحد وعشرين وثلاثمائة نص منقول أو رأي، لم يشر المؤلف - رحمه الله - في أيّ12

موضع منها إلى أن مصدر الرأى هو الكتاب؛ ربما لأنه ليس لسيبويه غير الكتاب.
2 - أبو الحسن الأخفش: وقد بلغت آراؤه في الكتاب أكثر من ثمانين رأيا لم يوثق أي رأي منها بإحالته على أحد كتب الأخفش.
3 - ابن السراج، بلغت آراؤه في الكتاب أكثر من أربعة وسبعين رأيا، لم يعز أي واحد منها إلى مصدره.
4 - الخليل بن أحمد، زادت أراؤه على تسعة وأربعين رأيا.
5 - أبو العباس المبرد: في الكتاب أكثر من اثنين وخمسين رأيا له لم يوثّق أي واحد منها بإحالته على مصدره.
6 - أبو علي الفارسي: بلغت آراؤه أربعة وثلاثين رأيا.
7 - أبو زكريا الفراء: نقل عنه أكثر من ثمانية عشر رأيا دون إحالة على مصادرها.
8 - الكسائي: بلغت الآراء المنقولة عنه تسعة عشر رأيا.
9 - أبو عمرو بن العلاء: جاءت آراؤه وقراءاته في عشرة مواضع.
10 - أبو عثمان المازني: بلغت آراؤه اثنين وعشرين رأيا.
11 - يونس بن حبيب: بلغت آراؤه أربعة عشر رأيا.
12 - أبو الخطاب الأخفش الأكبر: له أربعة آراء.
13 - الجرمي: له تسعة آراء.
14 - أبو زيد: له ثلاثة آراء.
15 - الزجاج: بلغت آراؤه ثلاثة عشر رأيا.
16 - السيرافي: بلغت آراؤه أحد عشر رأيا.
17 - ثعلب: له ثلاثة آراء.

18 - عيسى بن عمر: له رأيان.
19 - شيخه (ابن الدهان): له سبعة آراء.
20 - الرماني: له رأيان.
ولابن جنّي اثنا عشر رأيا، وقد انفرد أبو الفتح بأنّ المؤلف قد ذكر أحد أقواله وأحاله على مصدره" كتاب سر صناعة الإعراب" وهو الكتاب الوحيد المذكور في الجزء الثاني من كتاب" البديع في علم العربية" (1). ولكل من الأصمعي والزمخشري ثلاثة آراء.
ولكل من الصيمري وابن كيسان وابن الأنباري رأي واحد.
وقد عمد المؤلف في كثير من المواضع إلى عدم ذكر اسم صاحب الرأي والتعبير عنه بقوله:" قال بعضهم"، أو" قيل"، أو" ومنهم من يقول: كذا" أو" وقال قوم".

موقفه من المصادر

إنّ المؤلف - رحمه الله تعالى - مع كثرة النصوص والآراء التي أودعها في كتابه لم يعمد إلى توثيقها بإحالتها على مصادرها الأصلية في الغالب فلم يرد في الجزء الثاني من كتابه قول معزو" إلى مصدره إلا مرة واحدة.
قال في صنعانيّ وبهرانيّ: (وحذاق النحاة يقولون: إن النون بدل من الواو المبدلة من همزة التأنيث، كأنّ الأصل: صنعاويّ وبهراويّ، حكاه ابن1

جني في سر الصناعة) (1). بل إن من عجيب الأمر أن يكون الرأى في كتاب شيخه ابن الدّهان محالا على مصدره، فيترك ابن الأثير الإحالة، ومن أمثلة ذلك قول المؤلف: (قال الأخفش من قال: هذه حمامة للذكر، وهذه حمامة للأنثي، فينبغي له إذا أراد المذكر أن يقول: ثلاثة حمامات) (2). نصّ ابن الدهان (3) على أن الأخفش قاله في كتابه (المسائل الكبير).

موقفه من النصوص

لم يلتزم المؤلف طريقة واحدة في نقله النصوص، بل اتبع ثلاث طرق في ذلك، وهي: 1 - النقل المطابق: وذلك بالالتزام بنصّ العالم لفظا ومعنّى، وهذا كثير جدا في الكتاب 4. 2 - نقل المعنى والتصرف باللفظ: إذ عمد المؤلف إلى بعض الأقوال، فنقلها بأسلوبه، ولم يلتزم فيها بنص قائلها، ولذلك أمثلة كثيرة 5 منها:

  • قال المؤلف: (قال سيبويه: سألته - يعني الخليل - عن «عقلته بثنايين»: لم لم يهمز؟ فقال: لأنّه لا يفرد له واحد) 6. ونص سيبويه في هذا: (وسألت الخليل عن قولهم: عقلته بثنايين وهنايين لم لم يهمزوا؟ فقال:123
جارٍ التحميل