مواهب الجليل في شرح مختصر خليلصفحات 318-357
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ِ الْخِتَانُ

صفحات 318-357
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرعيني، الحطاب
الكتاب
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
المؤلف
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي (المتوفى: 954هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
الثالثة، 1412هـ - 1992م
عدد الأجزاء
6 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الْمُنَاجَزَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُودِعَ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَبِخِلَافِ دِرْهَمٍ بِنِصْفٍ وَفُلُوسٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ وَسَكٍّ وَاِتَّحَدَتْ وَعُرِفَ الْوَزْنُ وَانْتَقَدَ الْجَمِيعُ كَدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ وَإِلَّا فَلَا) ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ الرَّدِّ فِي الدِّرْهَمِ وَصُورَتُهَا أَنْ يُعْطَى الْإِنْسَانُ دِرْهَمًا

وَيَأْخُذَ بِنِصْفِهِ فُلُوسًا أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَبِالْبَعْضِ الْبَاقِي فِضَّةً وَالْأَصْلُ فِيهَا الْمَنْعُ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ لِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي الصَّرْفِ جِنْسٌ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ بِالتَّمَاثُلِ، وَالْجَهْلُ بِالتَّمَاثُلِ كَتَحَقُّقِ التَّفَاضُلِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ بِكَرَاهَةِ الرَّدِّ فِي الدِّرْهَمِ، ثُمَّ خَفَّفَهُ لِضَرُورَةِ النَّاسِ وَلَمَّا رَجَعَ إلَيْهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ سَحْنُونٌ وَفَصَّلَ أَشْهَبُ مَا أَجَازَهُ حَيْثُ لَا فُلُوسَ وَمَنَعَهُ فِي بَلَدٍ يُوجَدُ فِيهِ الْفُلُوسُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَكْثَرِ الشُّيُوخِ، وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْفُلُوسُ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَذَكَرُوا لِلْجَوَازِ شُرُوطًا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ غَالِبَهَا.
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي دِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَلَوْ اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ وَنِصْفٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ دِرْهَمَيْنِ وَيَأْخُذَ نِصْفًا وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى بِدِرْهَمَيْنِ وَنِصْفٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَ ثَلَاثَةً وَيَأْخُذَ نِصْفًا وَكَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَنِصْفٌ وَفَهِمَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا أَنَّ مَعْنَى هَذَا الشَّرْطِ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ الشَّخْصُ سِلْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ كُلَّ سِلْعَةٍ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَيَرُدَّ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ نِصْفَ دِرْهَمٍ قَالَ: وَأَمَّا الصُّوَرُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَجَائِزَةٌ، وَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَمَّا الْمَنْعُ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ مَسَائِلِ ابْنِ جَمَاعَةَ التُّونُسِيِّ فِي الْبُيُوعِ.
(الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الدِّرْهَمِ الْوَاحِدِ احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ كَبِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ وَيَسْتَرِدَّ فِيهَا دِرْهَمًا صَغِيرًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِ الْمَنْعِ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ وَعَبَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ: وَشَرْطُ الرَّدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَوْنُهُ فِي دِرْهَمٍ كُلُّ الثَّمَنِ وَسِكَّةُ الْمَرْدُودِ، وَعَدَمُ زِيَادَتِهِ عَلَى النِّصْفِ وَأَمَّا الصُّوَرُ الَّتِي ذَكَرَهَا فَالْمَنْعُ فِيهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْعَقْدُ وَقَعَ عَلَى السِّلْعَتَيْنِ أَوْ السِّلَعِ جَمِيعًا فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْعَقْدِ الْوَاحِدِ فَفِي السِّلْعَتَيْنِ يَدْفَعُ لَهُ دِرْهَمًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ دِرْهَمَيْنِ وَيَأْخُذُ صَرْفَ دِرْهَمٍ كَامِلٍ وَفِي السِّلَعِ الْكَثِيرَةِ الْمَنْعُ أَظْهَرُ، وَهَذَا الشَّرْطُ يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " بِخِلَافِ دِرْهَمٍ " وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ شَرْطٌ ثَانٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرَّدُّ فِي الدِّينَارِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى مَسْأَلَةِ الرَّدِّ فِي الدِّرْهَمِ: وَالْمَعْرُوفُ مَنْعُ رَدِّ الذَّهَبِ فِي مِثْلِهِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الرَّدِّ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ النَّقْلُ الَّذِي نَقَلَهُ لِغَيْرِهِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ مَنْعَ الرَّدِّ فِي الدِّينَارِ.
(قُلْت) نَقَلَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الرَّدِّ فِي الدِّينَارِ لَا أَعْرِفُهُ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ عُدُولِ بَلَدِنَا الْمُدَرِّسِينَ أَنَّهُ أَفْتَى بِهِ فَبَعَثَ إلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَمَّا نُقِلَ عَنْهُ لِيُؤَنِّبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْكَرَ فَتْوَاهُ بِذَلِكَ اهـ. (تَنْبِيهٌ) هَذَا فِي غَيْرِ الدِّينَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحُلِيِّ الْمُشْتَرَكِ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِجَوَازِ رَدِّ الذَّهَبِ فِي مِثْلِهِ لِلشَّرِيكَيْنِ فِي دِينَارٍ مَثَلًا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهَا فِي الْحُلِيِّ مِنْ بَابِ أَحْرَى؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْحُلِيِّ يَجُوزُ بِخِلَافِ قَطْعِ الدِّينَارِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى أَبُو عَلِيِّ بْنُ قَدَّاحٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَنْعِ لَمَّا بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ التُّونِسِيِّينَ مِمَّنْ كَانَ فِي طَبَقَةِ شُيُوخِهِ كَالشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الزَّوَاوِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ زَيْتُونٍ، وَنَصَّ عَلَى الْجَوَازِ أَبُو حَفْصٍ الْعَطَّارُ وَاللَّخْمِيُّ وَلَمْ يَحْفَظْ الشَّيْخَانِ الْأَوَّلَانِ نَصَّهُمَا اهـ. وَفُهِمَ مِنْ حَصْرِ الْمُصَنِّفِ الْمَسْأَلَةَ فِي نِصْفٍ وَفُلُوسٍ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ فُلُوسٌ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ الْفُلُوسَ مَعَ الْفِضَّةِ، وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ أَشْهَبَ الْمَنْعُ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ بِالْكَرَاهَةِ نَقَلَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ.
(الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ النِّصْفَ فَأَقَلَّ فَإِنْ كَانَ الْمَرْدُودُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِأَشْهَبَ وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَخَذْت بِثُلُثِهِ، أَيْ الدِّرْهَمِ طَعَامًا وَبَاقِيهِ فِضَّةً فَمَكْرُوهٌ

اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: أَيْ حَرَامٌ وَفِي الْأُمَّهَاتِ فَلَا يَجُوزُ اهـ. وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ هَذِهِ فِي الصَّرْفِ فِي تَرْجَمَةِ الَّذِي يَصْرِفُ الدَّنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ يَصْرِفُهَا بِدَنَانِيرَ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
(الشَّرْطُ الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي بَيْعٍ يُرِيدُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ إجَارَةٍ أَوْ كِرَاءٍ وَلَا يَجُوزُ فِي صَدَقَةٍ وَلَا هِبَةٍ وَلَا قَرْضٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْقَبَّابُ: إنَّمَا يَجُوزُ الرَّدُّ فِي الْكِرَاءِ وَالْإِجَارَةِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ الْمَنَافِعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ نَعْلَهُ، وَدَلْوَهُ لِمَنْ يَخْرُزُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ دِرْهَمًا كَبِيرًا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الصَّانِعُ دِرْهَمًا صَغِيرًا، وَيَتْرُكُ عِنْدَهُ شَيْئَهُ حَتَّى يَصْنَعَهُ وَيَجُوزُ ذَلِكَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ إذَا لَمْ يَكُونَا دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ اهـ. (تَنْبِيهٌ) وَعَلَى هَذَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ التُّونِسِيِّينَ فِيمَنْ اشْتَرَى لَبَنًا أَوْ مَخِيضًا فِي إنَاءٍ مِنْ عِنْدِ الْبَائِعِ يَحْمِلُ فِيهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ يَرُدُّ إلَيْهِ نِصْفًا فَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِالْمَنْعِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَلَمْ تُسْتَوْفَ فِيهَا الْمَنْفَعَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِجَوَازِهِ لِيَسَارَةِ مَنْفَعَةِ الْحَمْلِ فِي الْآنِيَةِ، نَقَلَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَيْعِ، وَالصَّرْفِ وَفِي كَلَامِهِ مَيْلٌ إلَى الْجَوَازِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ وَبِالْمَنْعِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُنَا الشَّبِيبِيُّ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّهُ لَا حِصَّةَ لِلْإِنَاءِ مِنْ الثَّمَنِ لِوَصْلَةٍ تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ، وَطَلَبَهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُعِيرُهُ اهـ. (قُلْت) أَوْ لِيَسَارَةِ ثَمَنِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ جَاءَ الْمُشْتَرِي بِإِنَاءٍ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يُنْقَصْ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ.
(الشَّرْطُ الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ وَالنِّصْفُ مَسْكُوكَيْنِ.
(الشَّرْطُ السَّادِسُ) أَنْ تَتَّحِدَ سَكَّتُهُمَا وَانْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا الشَّرْطِ وَمَا الْمُرَادُ مِنْهُ هَلْ هُوَ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ وَالنِّصْفُ سِكَّةَ مِلْكِ وَاحِدٍ أَوْ أَنْ يَكُونَا مِنْ سِكَّةٍ مُمَلَّكَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ تَعَدَّدَتْ الْمُلُوكُ إذَا كَانَ التَّعَامُلُ بَيْنَ النَّاسِ بِتِلْكَ السِّكَكِ وَلَوْ كَانَ الدِّرْهَمُ مِنْ سِكَّةِ مِلْكٍ وَالنِّصْفُ مِنْ سِكَّةِ مِلْكٍ آخَرَ وَلَكِنْ جَرَى التَّعَامُلُ بَيْن النَّاسِ عَلَى أَنَّ هَذَا نِصْفُ هَذَا وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ فَتَاوَى الْمُتَأَخِّرِينَ اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ وَاحْتَرَزُوا بِذَلِكَ عَمَّا إذَا دَفَعَ دِرْهَمًا مِنْ سِكَّةٍ لَا يُتَعَامَلُ بِهَا وَرَدَّ عَلَيْهِ مِنْ سِكَّةٍ أُخْرَى أَوْ بِالْعَكْسِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا أُجِيزَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ الدِّرْهَمَيْنِ مِنْ سِكَّةٍ لَا يُتَعَامَلُ بِهَا.
(الشَّرْطُ السَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ وَنِصْفُهُ مَعْرُوفَيْ الْوَزْنِ، وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِهَذَا الشَّرْطِ أَيْضًا هَلْ هُوَ أَنْ يَكُونَ وَزْنُ النِّصْفِ قَدْرَ نِصْفِ وَزْنِ الدِّرْهَمِ أَوْ الْمُرَادُ مَعْرِفَةُ وَزْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ وَزْنَ النِّصْفِ أَكْثَرُ مِنْ وَزْنِ نِصْفِ الدِّرْهَمِ أَوْ أَقَلُّ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيمَا إذَا كَانَ وَزْنُ النِّصْفِ الْمَرْدُودِ أَكْثَرَ فِي الْوَزْنِ مِنْ وَزْنِ نِصْفِ الدِّرْهَمِ وَلَكِنَّهُ لَا يُرَوَّجُ إلَّا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يُجِيزُهُ اعْتِبَارًا بِالنِّفَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْنَعُهُ اعْتِبَارًا بِالْوَزْنِ، وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا الْبَابِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ جَرَى التَّعَامُلُ بِأَنَّ هَذَا نِصْفُ هَذَا فَلَا عِبْرَةَ بِزِيَادَةِ وَزْنِهِ مَعَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لِلرَّدِّ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الشَّرْطَ وَلَا الشَّرْطَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ مَسْأَلَةً تَدُلُّ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ فِي هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، وَنَصُّهَا فِي مَسَائِلَ الصَّرْفِ وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ سَأَلْت عَنْهَا أَشْيَاخَنَا فَاخْتَلَفُوا فِيهَا وَهِيَ أَنَّ التَّعَامُلَ كَانَ بِتُونُسَ بِالدَّرَاهِمِ عَدَدًا فَجُهِلَ قَدْرُ الدَّرَاهِمِ وَالْأَنْصَافِ، وَالْأَرْبَاعِ لِاخْتِلَافِ السِّكَكِ وَتَسَاوِيهَا فِي النِّفَاقِ، وَلَكِنَّهَا صَارَتْ آحَادُهَا مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ فَهَلْ يَصِحُّ الرَّدُّ فِيهَا؟ فَسَأَلْتُ شَيْخَنَا الْغُبْرِينِيَّ فَمَنَعَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْجَوَازِ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ فَتْوَى مَنْ سَبَقَهُ بِذَلِكَ وَسَأَلْت شَيْخَنَا ابْنَ حَيْدَرَةَ فَقَالَ عَلَى مَا قَالَ فِي الْأَمْرِ الْمُهِمِّ هُوَ جَائِزٌ وَسَأَلْت عَنْهَا شَيْخَنَا الْإِمَامَ فَقَالَ: إنْ اضْطَرَّ الْإِنْسَانُ يَفْعَلُ وَإِلَّا فَلَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2] فَيَتَحَصَّلُ فِيمَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَاطُ وَعَمَّتْ وَغَلَبَتْ الْجَهَالَةُ فِي الْوَزْنِ وَالتَّفَاوُتِ فِي الطِّيبِ وَالرَّدَاءَةِ

وَالنَّفَاقِ وَأَحَدُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَالصَّوَابُ فَتْوَى شَيْخِنَا الْفَقِيهِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا الْبَابِ إنَّمَا هُوَ جَوَازُهُ لِلضَّرُورَةِ فَمَتَى وُجِدَتْ أُبِيحَ الْحُكْمُ وَإِلَّا فَلَا.
(الشَّرْطُ الثَّامِنُ) أَنْ يَنْقُدَ الْجَمِيعَ، أَيْ السِّلْعَةَ الْمُشْتَرَاةَ بِنِصْفِ الدِّرْهَمِ، أَوْ الْفُلُوسَ الْمَأْخُوذَةَ بِنِصْفِهِ، وَالدِّرْهَمَ الْكَبِيرَ الْمَدْفُوعَ، وَالنِّصْفَ الْمَرْدُودَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَانْتُقِدَ الْجَمِيعُ وَانْظُرْ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: كَدِينَارٍ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ غَازِي: وَإِلَّا فَلَا كَدِينَارٍ وَدِرْهَمَيْنِ قَالَ كَذَا يُصَوِّبُهُ شَيْخُنَا الْفَقِيهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيُّ، أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ الشُّرُوطُ فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ الرَّدُّ فِي الدِّينَارِ، وَلَا فِي دِرْهَمَيْنِ فَأَكْثَرَ.

ص (وَرُدَّتْ زِيَادَةٌ بَعْدَهُ لِعَيْبِهِ لَا لِعَيْبِهَا) ش: فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ عَيْبٌ لَصَحَّ الصَّرْفُ، وَلَا يُقَالُ إنَّ الزِّيَادَةَ لَمَّا كَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْعَقْدِ صَارَتْ كَجُزْءٍ مِنْ الصَّرْفِ تَأَخَّرَ فَيَفْسُدُ الصَّرْفُ بِتَأَخُّرِهِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ هِبَةٌ لِلصَّرْفِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ لِإِصْلَاحِ الصَّرْفِ أَبْطَلَتْ الصَّرْفَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي بَعِيرًا فَسُرِقَ فَأَسْلَمَ الْبَائِعَ فَحَطَّ عَنْهُ بَعْضَ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ، ثُمَّ وَجَدَهُ رَجَعَ الْبَائِعُ بِمَا وَضَعَ عَنْهُ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ وَكَذَا لَوْ حَطَّ عَنْهُ بِسَبَبِ الْخَسَارَةِ، فَرَبِحَ أَوْ خَشْيَةَ الْمَوْتِ عَنْ مَرَضٍ حَدَثَ فَعُوفِيَ فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ كَالشَّرْطِ اهـ. وَالْمَسْأَلَةُ فِي نَوَازِلٍ سَحْنُونٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ.
ص (وَهَلْ مُطْلَقًا) ش: أَيْ سَوَاءٌ أَوْجَبَ الزِّيَادَةَ أَوْ لَمْ يُوجِبْهَا عَيَّنَهَا أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهَا فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهَا إذَا ظَهَرَ فِيهَا عَيْبٌ، وَهَذَا تَأْوِيلُ مَنْ حَمَلَ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى الْخِلَافِ لِلْمُدَوَّنَةِ.
ص (أَوْ إلَّا أَنْ يُوجِبَهَا) ش: هُوَ أَحَدُ تَأْوِيلَيْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْوِفَاقِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ لَكَ رَدُّ الزِّيَادَةِ لِعَيْبٍ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُوجِبْهَا أَمَّا إذَا أَوْجَبَهَا فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا إذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، وَيُبَدِّلُهَا وَلَا يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَعَبْدِ الْحَقِّ قَالُوا كَمَا إذَا قَالَ لَهُ نَقَصْتَنِي عَنْ صَرْفِ النَّاسِ فَزِدْنِي فَيُفْهَمُ أَنَّهُ إذَا زَادَهُ فَقَدْ أَلْحَقَهُ بِصَرْفِ النَّاسِ، فَقَدْ أَوْجَبَ الزِّيَادَةَ.
ص (أَوْ إنْ عُيِّنَتْ) ش: هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الثَّانِي لِمَنْ حَمَلَ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَى الْوِفَاقِ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَيَّنَ الزِّيَادَةَ فَقَالَ لَهُ: أَزِيدُكَ هَذَا الدِّرْهَمَ مَثَلًا فَلَا رَدَّ لَهُ إنْ كَانَ زَائِفًا، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعَيِّنْ، بَلْ قَالَ: أَزِيدُكَ دِرْهَمًا فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ كَمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَرَدَّ الْمَازِرِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَزَادَهُ دِرْهَمًا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ؛ لِأَنَّ الَّذِي إلَى أَجَلٍ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَفِي كَلَامِ عَبْدِ الْحَقِّ: إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ إلَى أَجَلٍ عَلَى أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَزِيدُكَ أَوْ قَالَ: تَأْتِينِي عِنْدَ أَجَلِ كَذَا وَكَذَا فَجَاءَهُ عِنْدَ الْأَجَلِ فَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا فَوَجَدَهُ زَائِفًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ؛ لِأَنَّهُ رَاضٍ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ غَيْرُهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَزِيدُكَ دِرْهَمًا فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْجَيِّدِ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ سَنَدٌ الزِّيَادَةُ هِبَةٌ لِأَجْلِ الْعَقْدِ إنْ مَاتَ وَاهِبُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا كَذَلِكَ وَكَذَا إنْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ مَالَهُ أَوْ كَانَ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت لَا يَبْطُلُ فِي الْوَكِيلِ مُطْلَقًا بَلْ يَمْضِي إنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الْبَيْعِ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهَا إنْ رَدَّ الدِّينَارَ بِعَيْبٍ رُدَّتْ الزِّيَادَةُ يُنَافِي قَوْلَ اللَّخْمِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ قَرْضًا يُقْرِضُهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَرْضُ لِتَمَامِ عَقْدِ الصَّرْفِ فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتَمَامِ عَقْدِ الصَّرْفِ فَلَمْ يَزِدْهُ شَيْئًا قَالَ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَمْنُوعَ السَّلَفُ

لِإِحْدَاثِ نَفْعٍ مُقَارِبٍ أَوْ لَاحِقٍ، وَأَمَّا السَّابِقُ فَيَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ جَرَّهُ اهـ. (قُلْت) هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ النَّفْعَ لَاحِقٌ، وَهُوَ عَدَمُ نَقْضِ الصَّرْفِ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَإِنْ رَضِيَ بِالْحَضْرَةِ بِنَقْصِ قَدْرٍ أَوْ بِكَرَصَاصٍ بِالْحَضْرَةِ أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ أَوْ بِمَغْشُوشٍ مُطْلَقًا صَحَّ) ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ التَّأْخِيرَ يُفْسِدُ الصَّرْفَ أَخَذَ يَذْكُرُ حُكْمَ مَا إذَا حَصَلَتْ الْمُنَاجَزَةُ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي أَحَدِ النَّقْدَيْنِ أَوْ فِيهِمَا عَيْبٌ أَوْ نَقْصٌ أَوْ اسْتِحْقَاقُ أَحَدِهِمَا فَرَدَّ بِالْعَيْبِ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: الْقَدْرُ يَشْمَلُ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ، وَالْإِتْمَامُ يَشْمَلُ تَكْمِيلَ الْوَزْنِ وَالْعَدَدِ وَتَبْدِيلَ الرَّصَاصِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَشْمَلُ تَبْدِيلَ الْمَغْشُوشِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ وَمَعْنَى الْإِطْلَاقِ فِي الْمَغْشُوشِ كَأَنْ رَضِيَ قَابِضُهُ بِهِ بِالْحَضْرَةِ أَمْ لَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغِشَّ نَقْصُ صِفَةٍ لَا قَدْرٍ وَالرَّصَاصُ الصَّرْفُ وَنَحْوُهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا وَقَدْ دَرَجَ الْمُصَنِّفُ هُنَا عَلَى إلْحَاقِهِ بِالْقَدْرِ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ: نَقْصُ قَدْرٍ كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ " نَقْصُ وَزْنٍ " وَالْأُولَى أَحْسَنُ لِشُمُولِهَا نَقْصَ الْوَزْنِ وَالْعَدَدِ، كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَالثَّانِيَةُ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا حُكْمُ الْعَدَدِ وَقَوْلُهُ: " أَوْ بِكَرَصَاصٍ بِالْحَضْرَةِ " يَعْنِي إذَا وَجَدَ فِي الدَّرَاهِمِ رَصَاصًا وَمَا أَشْبَهَهُ فَهُوَ كَنَقْصِ الْقَدْرِ فَيَجُوزُ الرِّضَا بِهِ بِالْحَضْرَةِ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ " أَيْ بِإِتْمَامِ نَقْصِ الْقَدْرِ وَبِإِبْدَالِ الرَّصَاصِ وَشِبْهِهِ وَتَقْيِيدُ الْمُصَنِّفِ الصِّحَّةَ بِالْحَضْرَةِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الرِّضَا بِنَقْصِ الْقَدْرِ وَلَا بِالرَّصَاصِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَقْصِ الْمِقْدَارِ الْعَدَدِيِّ كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَجُوزُ الرِّضَا بِهِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا إنْ قَامَ بِهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْقَيْدَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِلتَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ مَعَ الطُّولِ بَيْنَ نَقْصِ الْعَدَدِ وَنَقْصِ الْمِقْدَارِ وَلِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَأُجْبِرَ عَلَى إتْمَامِهِ وَأَمَّا تَكْرِيرُ قَوْلِهِ " بِالْحَضْرَةِ " مَعَ قَوْلِهِ " بِكَرَصَاصٍ " فَلِزِيَادَةِ الْبَيَانِ فِيمَا يَظْهَرُ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ غَازِيٍّ إنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْإِتْمَامَ بِتَبْدِيلِ الْمَغْشُوشِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ فَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ وَلَوْ أَرَادَ شُمُولَهُ لَقَدَّمَ قَوْلَهُ أَوْ بِمَغْشُوشٍ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الرِّضَا بِالْمَغْشُوشِ يَصِحُّ وَلَوْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَلَوْ قَدَّمَ قَوْلَهُ أَوْ رَضِيَ بِالْمَغْشُوشِ مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِهِ " أَوْ رَضِيَ بِإِتْمَامِهِ " لَا وَهْمَ أَنَّهُ يَجُوزُ الرِّضَا بِتَبْدِيلِ الْمَغْشُوشِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ طَالَ نَقْضٌ إنْ قَامَ بِهِ وَلَا يُرِيدُ ابْنَ غَازِيٍّ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِتَبْدِيلِ الْمَغْشُوشِ بِالْحَضْرَةِ لَا يَصِحُّ الصَّرْفُ، بَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ بَابِ أَوْلَى إذْ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الرِّضَا بِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِي لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الرِّضَا بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْمِقْدَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ حَصَلَ وَإِنَّمَا وَقَعَ النَّقْصُ فِي صِفَتِهِ فَلَهُ الرِّضَا بِهِ وَالْمَغْشُوشُ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِمِصْرَ مُعَايَرًا، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ: وَتُسَمِّيهِ الْمَغَارِبَةُ النُّحَاسَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ السَّتُّوقُ اهـ. ص (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ) ش: أَجَازَ الشَّارِحُ فِي الضَّمِيرِ فِي " عَلَيْهِ " وَجْهَيْنِ

أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى نَقْصِ الْعَدَدِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى الْإِتْمَامِ الَّذِي هُوَ تَكْمِيلُ الْوَزْنِ وَالْعَدَدِ وَتَبْدِيلِ الرَّصَاصِ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَنَصُّهُ: " الضَّمِيرُ فِي ﴿عَلَيْهِ﴾ يَعُودُ إلَى الْإِتْمَامِ الَّذِي هُوَ تَكْمِيلُ الْوَزْنِ وَالْعَدَدِ وَتَبْدِيلُ الرَّصَاصِ وَنَحْوِهِ " اهـ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " إنْ لَمْ يُعَيَّنْ " أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ أَوْ الدَّرَاهِمُ مُعَيَّنَةً لَا يُجْبَرُ عَلَى الْبَدَلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ فِي تَصْحِيحِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَهَّرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ

ص (وَإِنْ طَالَ نَقْضٌ إنْ قَامَ بِهِ) ش: هَذَا مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ " بِالْحَضْرَةِ " وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إنْ اطَّلَعَ فِي أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بَعْدَ عَقْدِ الصَّرْفِ عَلَى نَقْصِ قَدْرٍ أَوْ عَلَى رَصَاصٍ وَنَحْوِهِ أَوْ عَلَى مَغْشُوشِ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوْ الطُّولِ وَقَامَ وَاجِدُهُ يَطْلُبُ تَكْمِيلَ النَّقْصِ وَتَبْدِيلَ الرَّصَاصِ وَالْمَغْشُوشِ فَإِنَّ الصَّرْفَ يُنْتَقَضُ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " إنْ قَامَ بِهِ " أَنَّهُ إنْ رَضِيَ بِهِ صَحَّ، وَإِنْ طَالَ قَالَ فَإِنْ قُلْت: هَذَا خِلَافُ مَفْهُومِ قَوْلِهِ أَوَّلًا " وَإِنْ رَضِيَ بِالْحَضْرَةِ "، قُلْت قُصَارَاهُ تَعَارُضُ مَفْهُومَيْنِ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَخَطْبُهُ سَهْلٌ اهـ. (قُلْت) وَلَمْ يُبَيِّنْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيَّ الْمَفْهُومَيْنِ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَالْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا هُوَ الْمَفْهُومُ الْآخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ رَضِيَ بِهِ صَحَّ، وَإِنْ طَالَ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ شَرْطٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَفْهُومُ ظَرْفٍ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ سَبَبِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ إلَّا إذَا كَانَ النَّقْصُ فِي الْعَدَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الصَّرْفِ، وَلَا يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ، كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (كَنَقْصِ الْعَدَدِ) ش: أَيْ فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ نَقْصٌ فِي عَدَدِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ وَالطُّولِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْضِ الصَّرْفِ وَلَا يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَنَصُّهُ: " وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ الرِّضَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ النَّقْصُ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ فِي الْوَزْنِ وَأَمَّا إنْ كَانَ النَّقْصُ فِي الْعَدَدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الرِّضَا عَلَى الْمَشْهُورِ " اهـ. وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ نَقْصَ الْعَدَدِ يُوجِبُ النَّقْضَ مَعَ الطُّولِ قَامَ بِهِ أَمْ لَا بِخِلَافِ نَقْصِ الْوَزْنِ فَكَأَنَّهُ فَرَّقَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بَيْنَ نَقْصِ الْوَزْنِ وَالْعَدَدِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّوْضِيحِ بِتَعَاكُسِ الْمَشْهُورِ فِيهِمَا وَذَكَرَ لَفْظَ التَّوْضِيحِ، ثُمَّ قَالَ: وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقْتَضِي إنْكَارَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ نَقْصِ الْوَزْنِ وَنَقْصِ الْعَدَدِ، وَأَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدِ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ صَرَفْتَ مِنْ رَجُلٍ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ أَصَبْتَهَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ زُيُوفًا أَوْ نَاقِصَةً فَرَضِيتَهَا جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَهَا انْتَقَضَ الصَّرْفُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ مِنْ الْعَدَدِ دَرَاهِمُ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ لِوُقُوعِ الصَّرْفِ فَاسِدًا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: " زُيُوفًا "، أَيْ مَغْشُوشَةً، وَقَوْلُهُ: " نَاقِصَةً "، أَيْ نَاقِصَةَ

الْآحَادِ أَيْ نَاقِصَةً فِي وَزْنِ الْآحَادِ لَا نَاقِصَةَ الْعَدَدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَقْصِ الْعَدَدِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ، وَبَيْنَ نُقْصَانِ الْآحَادِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْضَى إذْ نُقْصَانُ الْعَدَدِ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ تَفْرِيطِهِ فِي الْأَغْلَبِ، وَنُقْصَانُ الْآحَادِ لَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ وَجَدَ الدَّنَانِيرَ الْقَائِمَةَ نَاقِصَةً بَعْدَ التَّفَرُّقِ فَتَجَاوَزَهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ نَقْصًا فِي غَيْرِ الْعَدَدِ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اعْتِرَاضُهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ فِي إطْلَاقِهِ فِي نَقْصِ الْوَزْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ وَقَدْ فَصَّلَ اللَّخْمِيُّ فِي ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ فَيَنْقُصُ عَدَدُ الْمَوْزُونِ كَمَا إذَا صَرَفَ مِائَةَ مِثْقَالٍ فَوَجَدَهَا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ أَوْ يَكُونُ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ فَيَقَعُ النَّقْصُ فِي آحَادِ الْمَعْدُودِ، كَمَا إذَا صَرَفَ مِائَةَ دِينَارٍ قَائِمَةً، وَقَبَضَهَا فَوَجَدَ فِيهَا دَنَانِيرَ يَنْقُصُ وَزْنُهَا عَنْ الْوَزْنِ الْمُعْتَادِ فَالْأَوَّلُ حُكْمُهُ حُكْمُ نَقْصِ الْعَدَدِ لَا يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ، وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَاَلَّذِي رَأَيْتُ لِلَّخْمِيِّ أَنَّ النَّقْصَ فِي الصَّرْفِ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي الْعَدَدِ وَفِي الْوَزْنِ، وَهُوَ فِي الْوَزْنِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ الدَّرَاهِمُ مَجْمُوعَةً.
(وَالثَّانِي) أَنْ تَكُونَ عَدَدًا كَالْقَائِمَةِ وَالْفُرَادَى فَيَجِدُ كُلَّ دِرْهَمٍ نَاقِصًا عَنْ الْوَزْنِ الْمُعْتَادِ فَإِنْ انْعَقَدَ الصَّرْفُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَدَدًا أَوْ عَلَى الْوَزْنِ إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ فَوَجَدَهَا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّرْفَ يُنْتَقَضُ قَامَ بِحَقِّهِ فِي ذَلِكَ النَّقْصِ أَوْ لَمْ يَقُمْ، وَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ عَلَى قَائِمَةٍ أَوْ فُرَادَى أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا الصَّرْفُ فِيهِ عَلَى الْعَدَدِ فَوَجَدَ بَعْضَهَا يَنْقُصُ عَنْ الْوَزْنِ الْمُعْتَادِ كَانَ كَالزَّائِفِ إنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ صَحَّ الصَّرْفُ، وَإِنْ رَدَّهُ دَخَلَ الْخِلَافُ هَلْ يُفْسَخُ مَا يَنُوبُهُ أَوْ جَمِيعُ الصَّرْفِ؟ انْتَهَى.
فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اعْتِرَاضُ ابْنُ غَازِيٍّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي جَوَازِ الرِّضَا بِنَقْصِ الْوَزْنِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ حَيْثُ انْعَقَدَ الصَّرْفُ عَلَى مِائَةِ مِثْقَالٍ أَوْ دِينَارٍ بِالْوَزْنِ، ثُمَّ وُجِدَتْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ نَقْصِ الْعَدَدِ فَتَأَمَّلْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالدَّرَاهِمُ الْمَجْمُوعَةُ هِيَ الْمَجْمُوعَةُ مِنْ أَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ نَاقِصٍ وَوَازِنٍ وَكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهَا الْوَزْنُ وَالْقَائِمَةُ هِيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ جَيِّدٍ كَامِلٍ فِي الْوَزْنِ إذَا جُمِعَتْ زَادَتْ فِي الْوَزْنِ وَالْفُرَادَى كَالْقَائِمَةِ إلَّا أَنَّهَا إذَا جُمِعَتْ نَقَصَتْ.
ص (وَهَلْ مُعَيَّنُ مَا غُشَّ كَذَلِكَ أَوْ يَجُوزُ فِيهِ الْبَدَلُ؟ تَرَدُّدٌ) ش: أَيْ وَهَلْ إذَا كَانَ الْمَغْشُوشُ مُعَيَّنًا كَقَوْلِهِ: بِعْنِي هَذِهِ الدَّنَانِيرَ بِهَذِهِ الْعِشْرِينَ دِرْهَمًا، كَمَا إذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَيُنْتَقَضُ الصَّرْفُ إذَا قَامَ بِهِ وَأَرَادَ تَبْدِيلَهُ أَوْ الْمُعَيَّنُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ فِي الْمُعَيَّنِ إبْدَالُ الْمَغْشُوشِ وَلَوْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَالطُّولِ تَرَدَّدَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي ذَلِكَ، أَيْ اخْتَلَفُوا فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلَّخْمِيِّ وَأَصْلُهُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْمَذْهَبَ كُلَّهُ عَلَى إجَازَةِ الْبَدَلِ فِي الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا، وَفِي ذِمَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ فَلَمْ يَزَلْ مَقْبُوضًا إلَى وَقْتِ الْبَدَلِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا وَذِمَّةُ أَحَدِهِمَا مَشْغُولَةٌ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ عَزَاهَا فِي الْجَوَاهِرِ لِجُلِّ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَأَصْلُهَا لِابْنِ الْكَاتِبِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُعَيَّنِ كَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا كَانَ الصَّرْفُ عَلَى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ بِعْنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَقَوْلَانِ أَحَدُهُمَا النَّقْضُ لِلْمَازِرِيِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالثَّانِي جَوَازُ الْبَدَلِ لِابْنِ وَهْبٍ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا وَقَعَ التَّعْيِينُ مِنْ جِهَةٍ دُونَ أُخْرَى وَلَمْ يَحْكِ فِي الْبُطْلَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّعْيِينُ خِلَافًا انْتَهَى.
(قُلْت) تَعْلَمُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ اللَّخْمِيَّ إنَّمَا يَقُولُ إنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ الْبَدَلِ إذَا كَانَ التَّعْيِينُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ، كَمَا فَرَضْنَا الْمَسْأَلَةَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّعْيِينُ مِنْ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ تَعْيِينٌ، فَلَمْ يَحْكِ فِي الْبُطْلَانِ خِلَافًا فَتَأَمَّلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّعْيِينَ كَافٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ

جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَيْثُ نُقِضَ فَأَصْغَرُ دِينَارٍ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّاهُ بِأَكْبَرَ مِنْهُ لَا الْجَمِيعِ) ش: يَعْنِي إذَا قُلْنَا بِنَقْضِ الصَّرْفِ لِأَجْلِ الِاطِّلَاعِ عَلَى نَقْصٍ فِي الْوَزْنِ أَوْ الْعَدَدِ أَوْ فِي الصِّفَةِ كَالْمَغْشُوشِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُنْتَقَضُ صَرْفُ أَصْغَرِ الدَّنَانِيرِ لَا الْجَمِيعِ وَلَا يُنْتَقَلُ عَنْ الْأَصْغَرِ إلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ إلَّا إذَا تَعَدَّى النَّقْصُ أَوْ الْغِشُّ صَرْفَ الْأَصْغَرِ فَيُنْتَقَلُ إلَى دِينَارٍ أَكْبَرَ مِنْهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الصَّرْفُ عَلَى سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ السِّكَكُ فَسَيَذْكُرُ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى تِبْرٍ، ثُمَّ وَجَدَ الدَّرَاهِمَ زُيُوفًا فَإِنَّمَا يُنْتَقَضُ قَدْرُ صَرْفِ الدِّرْهَمِ مِنْ التِّبْرِ، وَإِنْ كَانَ مَصُوغًا فَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيًا كَإِسْوِرَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ مِنْ الصَّرْفِ قَدْرُ مَا يُقَابِلُ زَوْجَ إسْوِرَةٍ فَقَطْ حَتَّى يُجَاوِزَ ذَلِكَ أَمَّا إنْ تَفَاوَتَتْ الْإِسْوَرَةُ فَيُفْسَخُ الْجَمِيعُ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ وَنَحْوِهِ فِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ كُلُّ مَا هُوَ زَوْجَانِ لَا يُنْتَفَعُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ صَاحِبِهِ كَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ، وَالسِّوَارَيْنِ وَالْقُرْطَيْنِ فَوُجُودُ الْعَيْبِ بِأَحَدِهِمَا كَوُجُودِهِ بِهِمَا جَمِيعًا.
ص (وَهَلْ وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ دِينَارٍ تَرَدُّدٌ) ش: أَيْ وَهَلْ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ فَسْخُ أَصْغَرِ دِينَارٍ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّاهُ فَأَكْبَرَ مِنْهُ دُونَ فَسْخِ جَمِيعِ الصَّرْفِ سَوَاءٌ سَمَّى لِكُلِّ دِينَارٍ عَدَدًا مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ أَوْ إنَّمَا ذَلِكَ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّ فَيُنْتَقَضُ صَرْفُ الْجَمِيعِ تَرَدُّدٌ، أَيْ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِذِكْرِ هَذَا التَّرَدُّدِ، بَلْ ذِكْرُهُ يُشَوِّشُ الْفَهْمَ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ فِي التَّوْضِيحِ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلْمَازِرِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمَذْهَبَ اخْتَلَفَ هَلْ يُنْتَقَضُ جَمِيعُ الصَّرْفِ أَوْ إنَّمَا يُنْتَقَضُ صَرْفُ أَصْغَرِ دِينَارٍ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ سَوَاءٌ سَمَّيَا لِكُلِّ دِينَارٍ عَدَدًا أَمْ لَا؟ وَالطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ لِلْبَاجِيِّ أَنَّهُ إنْ سَمَّيَا لِكُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْتَقَضُ صَرْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا فَقَوْلَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ إلَّا صَرْفُ دِينَارٍ فَأَنْتَ تَرَى طَرِيقَتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْتَقَضُ صَرْفُ دِينَارٍ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْبَاجِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُفِيدُهُ فَتَأَمَّلْهُ مُنْصِفًا، وَنَصُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِذَا قِيلَ بِالنَّقْضِ لِلنَّقْصِ مُطْلَقًا فَخَمْسَةٌ قِيلَ يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ دِينَارٍ، وَقِيلَ: دِينَارٌ، وَقِيلَ: أَوْ كَسْرَانِ كَانَ النَّقْصُ يُقَابِلُهُ أَوْ أَقَلُّ، وَقِيلَ: مَا يُقَابِلُ النَّقْصَ، أَيْ إذَا قِيلَ يُنْقَضُ الصَّرْفُ لِأَجْلِ النَّقْصِ مُطْلَقًا، أَيْ فِي الْمِقْدَارِ، وَالصِّفَةِ وَالتَّعْيِينِ، وَعَدَمِهِ فَخَمْسَةُ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ عَزَاهُ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَ كُلُّهَا.
(وَالثَّانِي) يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ إنْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا، كَمَا إذَا قَالَ هَذِهِ الْعَشَرَةُ دَنَانِيرَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَأَمَّا إنْ سَمَّى كَقَوْلِهِ: كُلُّ عِشْرِينَ بِدِينَارٍ فَإِنَّمَا يُنْتَقَضُ فِي دِينَارٍ إنْ لَمْ يُقَابِلْ الزَّائِفَ أَكْثَرُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْجَلَّابِ وَزَعَمَ الْبَاجِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ يَرْتَفِعُ إذَا سَمَّى لِكُلِّ دِينَارٍ، وَأَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ إلَّا دِينَارٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا لَمْ يُسَمِّ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّ الرِّوَايَاتِ وَقَعَتْ مُطْلَقَةً، وَإِنَّمَا فَصَّلَ هَذَا التَّفْصِيلَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
(الثَّالِثُ) إنَّمَا يَنْتَقِضُ صَرْفُ دِينَارٍ وَاحِدٍ سَمَّيَا أَمْ لَا؟ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
(وَالرَّابِعُ) أَنَّهُ يُنْتَقَضُ صَرْفُ أَصْغَرِ دِينَارٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّالِثِ أَنَّهُ عَلَى الثَّالِثِ يُنْتَقَضُ صَرْفُ دِينَارٍ كَامِلٍ وَلَا يُنْتَقَضُ عَلَى الرَّابِعِ إلَّا صَرْفُ أَصْغَرِ الدَّنَانِيرِ، وَتَبِعَ فِي هَذَا ابْنَ بَشِيرٍ وَابْنَ شَاسٍ وَفِي نَقْلِهِمْ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَازِرِيَّ وَغَيْرَهُ إنَّمَا ذَكَرُوا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وَجَعَلُوا الْقَوْلَ بِنَقْضِ الدِّينَارِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَنَحْوَهُ لِابْنِ شَاسٍ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ

وَالْخَامِسُ عَلَى نَقْلِ الْمُصَنِّفِ يُنْتَقَضُ مَا يُقَابِلُ الْبَعْضَ.
اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ: وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ أَنْ يُصْرَفَ بَعْضُ دِينَارٍ انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ، وَنَصُّ كَلَامِ الْبَاجِيِّ فِي الْمُنْتَقَى إذَا قُلْنَا يُمْنَعُ الْبَدَلُ فَلَا يَخْلُو الذَّهَبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مُخْتَلِفَ الْجِنْسِ فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ بَيْعَهُ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ كُلَّ دِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَهَذَا لَا خِلَافَ أَنْ لَا يُنْتَقَضَ مِنْهُ إلَّا بِقَدْرِ دِينَارٍ وَاحِدٍ وَالثَّانِي أَنْ يَذْكُرَ جُمْلَةَ الصَّرْفِ خَاصَّةً فَيَقُولُ: أَبِيعُك هَذِهِ الْعَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ مِنْهُ إلَّا دِينَارٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يُنْتَقَضُ جَمِيعُ الصَّرْفِ انْتَهَى.
إذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الطَّرِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِالتَّرَدُّدِ هُمَا طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ وَطَرِيقَةُ الْمَازِرِيُّ، وَمَنْ وَافَقَهُ فَالْمَازِرِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقُولُونَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ إلَّا صَرْفُ دِينَارٍ سَمَّيَا لِكُلِّ دِينَارٍ أَوْ لَمْ يُسَمِّيَا وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يُنْتَقَضُ الْجَمِيعُ سَمَّيَا أَوْ لَمْ يُسَمِّيَا وَالْبَاجِيُّ يَقُولُ: إنْ سَمَّيَا فَلَا يُنْتَقَضُ إلَّا صَرْفُ دِينَارٍ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ إلَّا صَرْفُ أَصْغَرِ دِينَارٍ وَلَيْسَ هُنَا مَنْ رَجَّحَ نَقْضَ الْجَمِيعِ حَتَّى يُشِيرَ إلَيْهِ بِالتَّرَدُّدِ فَافْهَمْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ يَنْفَسِخُ فِي السِّكَكِ أَعْلَاهَا أَوْ الْجَمِيعُ قَوْلَانِ) ش: يَعْنِي أَنَّ الصَّرْفَ إذَا وَقَعَ عَلَى سِكَكٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَكَانَتْ مُخْتَلِفَةً فَفِيهَا أَعْلَى وَأَدْنَى فَقَالَ أَصْبَغُ: يَخْتَصُّ الْفَسْخُ بِالدِّينَارِ الْأَعْلَى وَالْأَطْيَبِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ يُفْسَخُ الْجَمِيعُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْبَاجِيِّ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الثَّانِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَإِنْ اُسْتُحِقَّ مُعَيَّنٌ سُكَّ بَعْدَ مُفَارَقَةٍ أَوْ طُولٍ أَوْ مَصُوغٍ مُطْلَقًا نُقِضَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الصَّرْفَ إذَا كَانَ بِمَسْكُوكٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَكَانَ ذَلِكَ الْمَسْكُوكُ مُعَيَّنًا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ ذَلِكَ الْمَسْكُوكُ الْمُعَيَّنُ بَعْدَ أَنْ افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا وَلَكِنْ بَعْدَ طُولِ الْمَجْلِسِ طُولًا لَا يَصِحُّ مَعَهُ الصَّرْفُ أَوْ كَانَ الصَّرْفُ عَلَى مَصُوغٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ ذَلِكَ الْمَصُوغُ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ بِحَضْرَةِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ وَالطُّولِ أَوْ بَعْدَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْدَهُمَا فَإِنَّ الصَّرْفَ يُنْتَقَضُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَأَمَّا إذَا اُسْتُحِقَّ الْمَصُوغُ فَالْمَذْهَبُ انْتِقَاضُ الصَّرْفِ، كَمَا ذُكِرَ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْمَصُوغَ مُرَادٌ لِعَيْنِهِ فَيُنْتَقَضُ الْبَيْعُ بِسَبَبِ

اسْتِحْقَاقِهِ فَكَيْفَ بِالصَّرْفِ وَأَمَّا الْمَسْكُوكُ الْمُعَيَّنُ إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ وَالطُّولِ فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ انْتِقَاضِ الصَّرْفِ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَابْنِ الْكَاتِبِ أَنَّهُ مُنْتَقَضٌ بِلَا خِلَافٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الِانْتِقَاضَ مَعْنَاهُ الْفَسْخُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَدَلُ وَلَوْ رَضِيَا بِذَلِكَ وَهَكَذَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يَجُوزُ الْبَدَلُ مَعَ الْمُرَاضَاةِ وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ وَالطُّولِ وَأَمَّا كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَلَيْسَ هُوَ مَعَ الطُّولِ وَالِافْتِرَاقِ، كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ بِالتَّأَمُّلِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَدَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الطَّرِيقَتَيْنِ فِي جَوَازِ الرِّضَا إلَّا مَعَ عَدَمِ الطُّولِ وَالْمُفَارَقَةِ، كَمَا سَيَأْتِي.
ص (وَالْأَصَحُّ وَهَلْ إنْ تَرَاضَيَا؟ تَرَدُّدٌ) ش: أَيْ وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْمَسْكُوكُ الْمُعَيَّنُ وَلَمْ يَحْصُلْ طُولٌ وَلَا مُفَارَقَةٌ، بَلْ اُسْتُحِقَّ بِالْحَضْرَةِ فَإِنَّ الصَّرْفَ صَحِيحٌ لَا يُنْتَقَضُ وَيُعْطِيهِ بَدَلَ الْمُسْتَحَقِّ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي نَقْلِ الْمَذْهَبِ هَلْ عَدَمُ انْتِقَاضِ الصَّرْفِ مَحَلُّهُ مَا إذَا تَرَاضَيَا يَعْنِي: الْمُتَصَارِفَيْنِ بِالْبَدَلِ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا بِالْبَدَلِ فَلَا يُجْبَرَانِ عَلَيْهِ وَيُفْسَخُ الصَّرْفُ أَوْ يُجْبَرُ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ الْمُسْتَحَقَّةِ عَلَى الْبَدَلِ وَيَصِحُّ الصَّرْفُ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا فِي ذَلِكَ؟ طَرِيقَتَانِ (الْأُولَى) مِنْهُمَا لِابْنِ يُونُسَ وَاللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ وَالرَّجْرَاجِيِّ (وَالثَّانِيَةُ) لِابْنِ الْكَاتِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا أَقْرَبُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَيَكُونُ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْمَسْكُوكِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوْ الطُّولِ اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ فَلَا خِلَافَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيُّ وَاللَّخْمِيِّ، بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْكَاتِبِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ مُفَارَقَةٌ وَلَا طُولٌ، فَحُكِيَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْكَاتِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ النَّقْضِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ أَنَّ الصَّرْفَ مُنْتَقَضٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَكِنْ يَجُوزُ الْبَدَلُ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ وَالطُّولِ انْفَسَخَ الصَّرْفُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَكِنَّهُ إذَا أَبْدَلَهَا لَهُ بِالْحَضْرَةِ وَتَرَاضَيَا جَازَ، وَإِنَّ أَشْهَبَ يَقُولُ بِالْفَسْخِ فِي الْمُعَيَّنَةِ وَبِعَدَمِهِ فِي غَيْرِهَا وَأَمَّا إنْ حَصَلَ طُولٌ أَوْ افْتِرَاقٌ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ الصَّرْفُ وَالْمَسْأَلَةُ كَثِيرَةُ الِاضْطِرَابِ، وَهَذَا مُحَصَّلُ النَّقْلِ فِيهَا وَلْنَذْكُرْ نُصُوصَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ لِيُرَاجِعَهَا مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَوْ اُسْتُحِقَّ الْمَسْكُوكُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوْ الطُّولِ وَالتَّعْيِينِ اُنْتُقِضَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَإِلَّا فَالْعَكْسُ مَا إذَا اصْطَرَفَا بِمَسْكُوكٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ جَانِبٍ فَاسْتُحِقَّ الْمَسْكُوكُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوْ بَعْدَ أَنْ طَالَ الْمَجْلِسُ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا أَوْ كَانَ الْمَسْكُوكُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ وَلَا مُفَارَقَةٌ فَإِنَّ الصَّرْفَ يُنْتَقَضُ عَلَى الْمَشْهُورِ إذْ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ مَا عَيَّنَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَقَدْ تَعَيَّنَتْ بِالْقَبْضِ أَوْ الْمُفَارَقَةِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَأَى فِي الشَّاذِّ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ، فَيُجْبَرُ عَلَى الْبَدَلِ فِي الثَّلَاثَةِ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْعَكْسُ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفَارَقَةٌ وَلَا طُولٌ وَلَا تَعْيِينٌ لَمْ يُنْتَقَضْ قَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْمَوْضُوعِ: وَالْمُرَادُ بِالْعَكْسِ عَدَمُ النَّقْضِ فَقَطْ لَا بِاعْتِبَارِ دُخُولِ الْخِلَافِ، وَانْعِكَاسِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ طُولٌ وَلَا افْتِرَاقٌ وَلَا تَعْيِينٌ أُجْبِرَ عَلَى الْبَدَلِ إذَا كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهَا بِاتِّفَاقٍ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَذَكَرَ أَنَّ الْمَشْهُورَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَعَزَا الشَّاذَّ لِأَشْهَبَ وَجَعَلَ هَذَا الْخِلَافَ إذَا حَصَلَتْ الْمُفَارَقَةُ أَوْ الطُّولُ.
وَقَالَ ابْنُ الْكَاتِبِ: إنَّمَا خِلَافُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ إذَا حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْحَضْرَةِ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهَا سَوَاءٌ وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ لَا وَعِنْدَ أَشْهَبَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُعَيَّنَةً

وَأَمَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ فَيُنْتَقَضُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْقَرَوِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ هَلْ هُوَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ وَالطُّولِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ وَلْنَذْكُرْ لَفْظَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِيَتَبَيَّنَ لَكَ الْفَهْمَانِ قَالَ فِيهَا وَمَنْ اشْتَرَى إبْرِيقَ فِضَّةٍ بِدِينَارٍ أَوْ دَرَاهِمَ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّنَانِيرُ أَوْ الدَّرَاهِمُ اُنْتُقِضَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَمَنْ صَرَفَ دَنَانِيرَ بِدَرَاهِمَ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُنْتَقَضُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّرَاهِمُ مُعَيَّنَةً يُرِيهِ إيَّاهَا وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ مِنْ دَرَاهِمَ عِنْدَهُ أَوْ مِنْ كِيسِهِ أَوْ مِنْ تَابُوتِهِ فَعَلَيْهِ مِثْلُهَا مَكَانَهُ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ أَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّتْ سَاعَةَ صَارَحَهُ، قَالَ: خُذْ مِثْلَهَا مَكَانَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ وَلَوْ طَالَ أَوْ تَفَرَّقَا لَمْ يَجُزْ فَقَوْلُهُ: فِي قَوْلِ أَشْهَبَ مَكَانَهُ لَمْ يَفْتَرِقَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُخَالِفُ مَا إذَا كَانَ بِالْحَضْرَةِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: فَيُنْتَقَضُ الصَّرْفُ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْحَضْرَةِ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ " أَنَّهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ "، وَقَالَ سَاعَةَ صَارَحَهُ خُذْ مِثْلَهَا جَازَ إذَا تَرَاضَيَا، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَمَزَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّرَاضِي قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّ الْخَلْفَ إنَّمَا يَجُوزُ بِالتَّرَاضِي لَمْ يَكُنْ لِتَقْيِيدِ هَذَا الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ: لَمْ يَفْتَرِقَا مَعْنًى؛ لِأَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا وَتَرَاضَيَا عَلَى خَلْفِ الدَّرَاهِمِ الْمُسْتَحَقَّةِ صَارَ ذَلِكَ مُسْتَأْنَفًا لَا يَمْنَعُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَقْدٍ بَطَلَ بِاسْتِحْقَاقِ الدَّرَاهِمِ الْمَازِرِيُّ وَهَذَا قَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: مَا لَمْ يَفْتَرِقَا؛ لِأَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا وَتَرَاضَيَا بِبَدَلِ الدَّرَاهِمِ الْمُسْتَحَقَّةِ صَارَ ذَلِكَ تَتِمَّةَ الْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّهُمَا لَمْ يَتَنَاجَزَا فِيهِ، وَقَدْ تَتَطَرَّقُ التُّهْمَةُ بِكَوْنِ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا قَصَدَ إلَى ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ أَوْ التَّعْيِينُ ثَابِتٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا وَكَذَا ثَبَتَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ رَاشِدٍ وَسَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْإِثْبَاتُ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ شَاسٍ فَإِنَّهُمَا أَشَارَا إلَى أَنَّهُ إنْ حَصَلَ التَّعْيِينُ يُنْتَقَضُ الصَّرْفُ، وَلَوْ مَعَ الْحَضْرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّهُمَا نَصَّا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ بِالتَّعْيِينِ، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّخْمِيُّ بِذَلِكَ أَعْنِي بِالنَّقْضِ إذَا كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُعَيَّنَةً سَوَاءٌ اُسْتُحِقَّتْ بِالْحَضْرَةِ أَمْ لَا لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يُجِيزُ الْبَدَلَ فِي الدَّرَاهِمِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَمْ لَا، وَإِنَّمَا يَأْتِي الْإِثْبَاتُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَتَأَمَّلْهُ اهـ كَلَامُ التَّوْضِيحِ فَانْظُرْ هَذَا الِاضْطِرَابَ الَّذِي فِي هَذِهِ النُّقُولِ، بَلْ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ نَفْسُهُ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ الصَّرْفُ دَنَانِيرَ بِأَعْيَانِهَا بِدَرَاهِمَ بِأَعْيَانِهَا فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ الصَّرْفُ وَسَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنْ دَعَا مَنْ اُسْتُحِقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ إلَى خَلْفِهِ لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ رَضِيَ بَائِعُ الْمُسْتَحَقِّ بِخَلْفِهِ لَمْ يُجْبَرْ الْآخَرُ عَلَى قَبُولِهِ، وَإِنْ رَضِيَا جَمِيعًا هَذَا بِخَلْفِهِ وَقِبَلَ الْآخَرُ جَازَ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ الصَّرْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالِاسْتِحْقَاقُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ وَالْمِثْلُ حَاضِرٌ مَعَ بَائِعِ الْمُسْتَحَقِّ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ مِثْلَ مَا اسْتَحَقَّ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ انْفَسَخَ الصَّرْفُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى مِثْلِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ الْآنَ مَا كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُدْفَعَ يَوْمَ كَانَ الصَّرْفُ فَذَلِكَ فَاسِدٌ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ الْبَدَلَ اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَازِرِيِّ نَحْوَهُ، وَمِثْلُهُ طَرِيقَةُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي شَرَحَهَا الْمُصَنِّفُ.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ الطُّولِ أَوْ الِافْتِرَاقِ فَالصَّرْفُ مُنْتَقَضٌ وَلَا يَلْزَمُ الْبَدَلُ، بَلْ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَالطُّولِ فَإِنْ وَقَعَ عَلَى دَرَاهِمَ مُعَيَّنَةٍ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ قَائِمَيْنِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَحَدُهُمَا الصَّرْفُ مُنْتَقَضٌ وَالْبَدَلُ جَائِزٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّانِي الصَّرْفُ وَالْبَدَلُ لَازِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ

اهـ. فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا اُسْتُحِقَّ الْمَسْكُوكُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوْ الطُّولِ اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَكِنْ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِلَا خِلَافٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ النَّقْضُ وَمُقَابِلُهُ لِأَشْهَبَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَأَمَّا إذَا اُسْتُحِقَّ بِالْحَضْرَةِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ كَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ فِي طَرِيقِ الرَّجْرَاجِيِّ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي طَرِيقِ ابْنِ شَاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ يُنْتَقَضْ بِلَا خِلَافٍ عَلَى مَا نُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَالْمَازِرِيِّ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ وَفَهِمَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَسْكُوكِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فَهِمَ ابْنُ الْكَاتِبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ فَإِنَّهُ جَعَلَ خِلَافَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِيمَا إذَا حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْحَضْرَةِ سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهَا سَوَاءٌ وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ لَا وَعِنْدَ أَشْهَبَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهَا إذَا تَعَيَّنَتْ أَمَّا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِمِثْلِهَا وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ أَوْ التَّعْيِينُ فَجَعَلَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِلَّا فَالْعَكْسُ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَحْصُلْ مُفَارَقَةٌ وَلَا طُولٌ فَيَنْعَكِسُ النَّقْلُ قَالَ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ، وَالشَّاذُّ الِانْتِقَاضُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَشْهُورَ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ سَوَاءٌ وَقَعَ الصَّرْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وَالشَّاذُّ يُقَابِلُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ وَذَلِكَ فِي الْمَشْهُورِ صَحِيحٌ وَأَمَّا الشَّاذُّ، فَإِنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الْمَسْكُوكُ مُعَيَّنًا وَهَكَذَا الْقَوْلَانِ فِي الْكِتَابِ عَلَى خِلَافٍ بَيْنَ الْقَرَوِيِّينَ فِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ هَلْ هُوَ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَالطُّولِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ الْكَاتِبِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ وَزَادَ عَلَيْهِ، وَإِنْ طَالَ بَطَلَ اتِّفَاقًا مِنْهُمَا، أَيْ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَ الصَّقَلِّيُّ كَلَامَ ابْنِ الْكَاتِبِ وَفِي قَبُولِهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ أَوَّلًا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ حَمَلَتْ عَلَى الْقُرْبِ، وَهُوَ نَصُّ سَحْنُونٍ كَانَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ خِلَافَ نَقْلِ ابْنِ الْكَاتِبِ عَنْهُ، وَإِنْ حَمَلَتْ عَلَى الطُّولِ كَانَ قَوْلُ أَشْهَبَ فِيهَا لَزِمَهُ إعْطَاءُ مِثْلِهَا خِلَافَ نَقْلِ ابْنِ الْكَاتِبِ اتِّفَاقَهُمَا بَعْدَ الطُّولِ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَإِنْ قُيِّدَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالطُّولِ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ بِالْقُرْبِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْكَاتِبِ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا أَوَّلًا اُنْتُقِضَ الصَّرْفُ، وَقَوْلُهُ ثَانِيًا لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهَا مُتَنَاقِضٌ إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ: " لَا بَأْسَ " عَلَى عَدَمِ تَوَقُّفِهِ عَلَى رِضَا الْآخَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَفْظُهَا إلَّا بِتَوَقُّفِهِ عَلَى رِضَاهُ مَعَ جَوَابِ الْمَازِرِيِّ اهـ. وَبَانَ مِنْ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَدَلُ إذَا وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ أَوْ الطُّولِ.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ مُعَيَّنَةً، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ اللَّخْمِيُّ إنَّ الْمُعَيَّنَةَ يَجُوزُ الْإِبْدَالُ فِيهَا بِرِضَاهُمَا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ أَمْ لَا فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ مَا إذَا حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْحَضْرَةِ " وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ الِانْتِقَاضِ وَعَدَمِهِ هُنَا هَلْ يُجْبَرُ دَافِعُ الْمُسْتَحَقِّ عَلَى إبْدَالِهِ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ أَوْ لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّهُ يُمْتَنَعُ مِنْ بَدَلِهِ بِتَقْدِيرِ انْتِقَاضِ الصَّرْفِ وَبِهَذَا يُتَّفَقُ أَيْضًا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَسْكُوكِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الِانْتِقَاضِ مَا بَيْنَ نَقْلِ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمَسْكُوكِ الْمُعَيَّنِ فَقَطْ وَبِأَنَّ أَيْضًا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَسْكُوكِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الِانْتِقَاضِ إذَا حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ وَالطُّولِ صَحِيحٌ بِلَا خِلَافٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَابْنِ الْكَاتِبِ وَغَيْرِهِمَا وَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا ابْنُ رَاشِدٍ وَالْمُصَنِّفُ النَّقْضُ مُطْلَقًا وَلَوْ تَرَاضَيَا

فَهِيَ طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْمُصَنِّفَ سَكَتَ عَنْ الْمَسْكُوكِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْمَسْكُوكَ أَوَّلَ كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ: الْمُعَيَّنَ، ثُمَّ قَالَ وَالْأَصَحُّ فَإِذَا أَدْخَلْنَاهُ فِي قَوْلِهِ " وَإِلَّا " اقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ الصَّرْفُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَسْكُوكِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ حَصَلَ الطُّولُ وَالْمُفَارَقَةُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ انْفِسَاخُ الصَّرْفِ مَعَ الْمُفَارَقَةِ وَالطُّولِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِانْتِقَاضِ الصَّرْفِ مَعَ الطُّولِ أَوْ الْمُفَارَقَةِ فِي الْمَسْكُوكِ الْمُعَيَّنِ فَأَحْرَى فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " وَالْأَصَحُّ " شَامِلًا لِلْمَسْكُوكِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَأَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الصَّرْفُ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ " وَهَلْ إنْ تَرَاضَيَا تَرَدُّدٌ " يُشِيرُ بِالطَّرِيقَيْنِ فِي الْمُعَيَّنِ إلَى الطَّرِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا وَفِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ إلَى طَرِيقِ الرَّجْرَاجِيِّ وَغَيْرِهِ فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) إنْ قِيلَ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ الْمَصُوغِ وَالْمَسْكُوكِ فَمَا حُكْمُ التِّبْرِ (قُلْتُ) الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمَسْكُوكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْعَيْنَ يُمْكِنُ اسْتِحْقَاقُهَا وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهَا، وَقَدْ نُصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَلِلْمُسْتَحِقِّ إجَازَتُهُ إنْ لَمْ يُخْبَرْ الْمُصْطَرِفُ) ش: يَعْنِي إذَا حَكَمْنَا بِانْتِقَاضِ الصَّرْفِ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِحْقَاقِ الْمَصُوغِ وَالْمَسْكُوكِ الْمُعَيَّنِ فَلِلْمُسْتَحِقِّ إجَازَةُ الصَّرْفِ وَإِلْزَامُهُ لِلْمُصْطَرِفِ، وَلَهُ نَقْضُهُ وَأَخْذُ حَقِّهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُصْطَرِفُ قَدْ أَخْبَرَهُ مُخْبِرٌ بِأَنَّ الْمَصُوغَ أَوْ الْمَسْكُوكَ لَيْسَ مِلْكًا لِلصَّارِفِ.
(تَنْبِيهٌ) شَرَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي إجَازَةِ ذَلِكَ حُضُورَ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ وَالثَّمَنَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُجِيزُ قَالَ فِيهَا " وَمَنْ اشْتَرَى خَلْخَالَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِدِينَارٍ أَوْ دَرَاهِمَ فَنَقَدَهُ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ بَعْدَ التَّفَرُّقِ وَأَرَادَ إجَازَةَ الْبَيْعِ وَاتِّبَاعَ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَلَوْ اسْتَحَقَّهَا قَبْلَ تَفَرُّقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَاخْتَارَ أَخْذَ الثَّمَنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ حَضَرَ الْخَلْخَالَانِ وَأَخَذَ الثَّمَنَ مَكَانَهُ وَلَوْ كَانَ الْمُبْتَاعُ قَدْ بَعَثَ بِهَا إلَى بَيْتِهِ وَلَوْ افْتَرَقَا لَمْ أَنْظُرْ إلَى ذَلِكَ الِافْتِرَاقِ وَلَكِنَّهُ إذَا حَضَرَ الْخَلْخَالَانِ وَأَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ أَوْ مِنْ الْمُبْتَاعِ مَكَانَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ غَابَ الْخَلْخَالَانِ لَمْ يَجُزْ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ التُّونُسِيُّ لَوْ أَمْضَاهُ فِي غَيْبَةِ الْبَائِعِ وَطَاعَ الْمُبْتَاعُ بِدَفْعِ ثَمَنِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ عَلَى بَائِعِهِ جَازَ.
ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ ظَاهِرُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَجَازَ مُحَلًّى) ش: لَمَّا كَانَ بَيْعُ الْمُحَلَّى مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ مَعَ عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُمَاثَلَةِ، وَمِنْ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " وَجَازَ مُحَلًّى " أَيْ وَجَازَ بَيْعُ الْمُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِصِنْفِهِ وَبِغَيْرِ صِنْفِهِ بِشُرُوطٍ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جَوَازِهِ وَلَكِنَّهُ أُجِيزَ لِلضَّرُورَةِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْمُحَلَّى عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُ مَا تَكُونُ حِلْيَتُهُ قَائِمَةً ظَاهِرَةً كَالسَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ إذَا صُفِّحَا بِالْحِلْيَةِ وَمِنْهُ مَا تَكُونُ حِلْيَتُهُ مَنْسُوجَةً فِيهِ كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ بِذَلِكَ وَالْمُطَرَّزَةِ بِهِ نَبَّهَ عَلَى الْمُحَلَّى الشَّامِلِ لِلْقِسْمَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّانِي يَخْرُجُ مِنْهُ إنْ سُبِكَ شَيْءٌ وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا عِبْرَةَ بِالْحِلْيَةِ فَقَالَ وَإِنْ ثَوْبًا يَخْرُجُ مِنْهُ عَيْنٌ إنْ سُبِكَ أَيْ وَإِنْ كَانَ الْمُحَلَّى ثَوْبًا بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ إنْ سُبِكَ.
ص (بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ) ش: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " مُحَلًّى " وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أَيْ وَجَازَ بَيْعُهُ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: ص (إنْ أُبِيحَتْ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ بِأَحَدِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ صِنْفِ مَا فِيهِ أَوْ خِلَافِهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ الْحِلْيَةُ مُبَاحَةً، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا حُلِّيَ بِالْفِضَّةِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ سَرْجٍ أَوْ قَدَحٍ أَوْ سِكِّينٍ أَوْ لِجَامٍ أَوْ رِكَابٍ مُمَوَّهٍ أَوْ مَخْرُوزٍ عَلَيْهِ أَوْ جُرُزٍ مُمَوَّهٍ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِفِضَّةٍ، وَإِنْ قَلَّتْ حِلْيَتُهُ؛ لِأَنَّ اتِّخَاذَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ السَّرَفِ بِخِلَافِ مَا أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ مِنْ السَّيْفِ الْمُحَلَّى، وَالْمُصْحَفِ وَالْخَاتَمِ وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُحَلَّى الْمُصْحَفُ وَكَانَ يَكْرَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُصَاغُ مِنْ الْفِضَّةِ مِثْلَ الْإِبْرِيقِ وَمُدَاهِنِ الْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ

وَمَجَامِرِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالْأَقْدَاحِ وَاللُّجُمِ وَالسَّكَاكِينِ الْمُفَضَّضَةِ، وَإِنْ كَانَ تَبَعًا وَكَرِهَ أَنْ تُشْتَرَى انْتَهَى.
وَالْجُرْزُ نَوْعٌ مِنْ السِّلَاحِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ زَايٌ ذَكَرَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ يَعْنِي الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ فِيمَا لَمْ يَبُحْ اتِّخَاذُهُ أَنَّهُ يُبَاعُ بِالذَّهَبِ وَنَحْوِهِ.
فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَجَوَّزَهَا بِالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ بَيْعَهَا بِمَا فِيهَا لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ هَذَا " وَكَرِهَ أَنْ تُشْتَرَى " يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وَالْأَصْلُ فِيمَا لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ بِمَا فِيهِ لَا وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْعَيْنِ يَجْمَعُهُ الْبَيْعُ وَالصَّرْفُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا فِيهِ مِنْ الْعَيْنِ أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ مِنْ الْعُرُوضِ وَذَلِكَ عَلَى أَصْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَمْعِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ انْتَهَى.، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسُمِّرَتْ) ش: هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْحِلْيَةُ مُسَمَّرَةً عَلَى الْمُحَلَّى بِحَيْثُ يَكُونُ فِي نَزْعِهَا ضَرَرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَزْعِهَا ضَرَرٌ فَلَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ الْبَاجِيُّ كَالْفُصُوصِ الْمَصُوغِ عَلَيْهَا، وَحِلْيَةِ السَّيْفِ الْمُسَمَّرَةِ عَلَيْهِ وَحِلْيَةِ السَّيْفِ الْمُسَمَّرَةِ فِي حَمَائِلِهِ وَجَفْنِهِ وَأَمَّا الْقَلَائِدُ الَّتِي لَا تَفْسُدُ عِنْدَ نَظْمِهَا فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْإِبَاحَةِ وَذَكَرَ ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَيْنِ: بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ إذَا كَانَ يَغْرَمُ ثَمَنًا فِي رَدِّ الْحِلْيَةِ بَعْدَ قَلْعِهَا، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْحِلْيَةُ مَنْقُوضَةً وَهِيَ تَبَعٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ السَّيْفُ وَحِلْيَتُهُ بِجِنْسِهَا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ قَالَ، وَأَرَى إنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا صِيغَتْ، ثُمَّ رُكِّبَتْ وَسُمِّرَتْ أَنْ يَكُونَ لَهَا حُكْمُ الْمَنْقُوضِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهَا سُمِّرَتْ بِمِسْمَارٍ انْتَهَى، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ أَمْكَنَ تَمْيِيزُ الْعَيْنِ مِنْ الْعَرْضِ دُونَ فَسَادٍ وَلَا خَسَارَةٍ فِي رَدِّهِ فَغَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَزُولُ إلَّا بِفَسَادٍ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ إنْ كَانَتْ تَزُولُ بِغَيْرِ فَسَادٍ لَكِنْ يُؤَدِّي عَلَى رَدِّهَا ثَمَنًا فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَحُلِيُّ النِّسَاءِ كُلُّهُ حُكْمُهُ حُكْمُ السَّيْفِ إلَّا مَا كَانَ مَنْظُومًا فَلَيْسَ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعُرُوضِ وَالْعَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا فِي صَفْقَةٍ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ يَسِيرَةً جِدًّا أَوْ الْعَرْضُ كَذَلِكَ فَيُبَاعُ بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِعَرْضٍ آخَرَ وَوَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ بِالْوَزْنِ نَقْدًا فَتَأَوَّلُوهُ فِيمَا فِيهِ الذَّهَبُ يَسِيرٌ أَقَلُّ مِنْ الدِّينَارِ أَوْ الْجَوْهَرِ يَسِيرٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ إذَا نُقِضَتْ فَلَا تُبَاعُ بِفِضَّةٍ انْتَهَى.
ص (وَعَجَّلَ) ش: هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَرْضُ وَالْمُحَلَّى مُعَجَّلًا.
ص (مُطْلَقًا) ش: يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ مَشْرُوطَةٌ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمُحَلَّى مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ بِيعَ بِصِنْفِ حِلْيَتِهِ أَوْ بِغَيْرِ صِنْفِ حِلْيَتِهِ.
ص (وَبِصِنْفِهِ إنْ كَانَتْ الثُّلُثَ) ش: يَعْنِي أَنَّ الْمُحَلَّى إذَا بِيعَ بِغَيْرِ صِنْفِ حِلْيَتِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَقَطْ، وَإِنْ بِيعَ بِصِنْفِ حِلْيَتِهِ اُشْتُرِطَ فِي ذَلِكَ شَرْطٌ رَابِعٌ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْحِلْيَةُ الثُّلُثَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ خِلَافٌ) ش: يَعْنِي إذَا بَنَيْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ التَّبَعَ الثُّلُثُ فَهَلْ يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بِالْقِيمَةِ أَوْ بِالْوَزْنِ؟ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فَإِذَا بِيعَ

سَيْفٌ مُحَلَّى بِذَهَبٍ بِسَبْعِينَ دِينَارًا ذَهَبًا وَكَانَ وَزْنُ الْحِلْيَةِ عِشْرِينَ وَلِصِيَاغَتِهَا تُسَاوِي ثَلَاثِينَ وَقِيمَةُ النَّصْلِ أَرْبَعُونَ جَازَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ دُونَ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَالْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ هُوَ ظَاهِرُ الْمُوَطَّإِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَعَطَفَ الثَّانِي بِقِيلَ، وَالْقَوْلُ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ قَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ تُنْسَبُ قِيمَةُ الْحِلْيَةِ أَوْ زِنَتُهَا إلَى مَجْمُوعِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ فَإِنْ كَانَتْ ثُلُثَهُ جَازَ هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي قَالَهُ النَّاسُ، وَنَسَبَ ابْنُ بَشِيرٍ ذَلِكَ إلَى قِيمَةِ الْمُحَلَّى فَإِنْ كَانَتْ ثُلُثَهُ جَازَ وَإِلَّا اُمْتُنِعَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا نُسِبَتْ إلَى الْمُحَلَّى فَكَانَتْ ثُلُثَهُ كَانَتْ رُبْعَ الْجَمِيعِ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ حَلَّى بِهِمَا لَمْ يَجُزْ بِأَحَدِهِمَا إلَّا إنْ تَبِعَا الْجَوْهَرَ) ش: أَيْ فَإِنْ كَانَا تَبَعًا لِلْجَوْهَرِ فَيُبَاعُ بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا قَوْلًا وَاحِدًا، قَالَهُ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ وَفِي بَيْعِهِ بِنِصْفِ الْأَكْثَرِ مِنْهُمَا قَوْلَانِ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحَ.

ص (وَجَازَتْ مُبَادَلَةُ الْقَلِيلِ الْمَعْدُودِ دُونَ سَبْعَةٍ) ش: الْمُبَادَلَةُ بَيْعُ الْمَسْكُوكِ بِالْمَسْكُوكِ مِنْ نَوْعِهِ عَدَدًا مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فَإِنَّهُ إنْ دَخَلَ الْمِيزَانُ فِيهَا عَادَتْ مُرَاطَلَةً وَالنَّظَرُ يُوجِبُ مَنْعَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ طَلَبَ الْمُسَاوَاةَ فِي الْقَدْرِ، وَالْعِلْمُ بِهَا غَيْرُ حَاصِلٍ فِي الْمُبَادَلَةِ فَلَا يَجُوزُ قَصْدُ الْمَعْرُوفِ عَلَى انْفِرَادِهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِتِلْكَ الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى طَلَبِ الْمُسَاوَاةِ فَإِنَّ الْحَقَّ فِي طَلَبِ الْمُسَاوَاةِ لَيْسَ حَقَّ آدَمِيٍّ، بَلْ هُوَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْأَصْلُ مَنْعُهَا إلَّا أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ رَأَوْا أَنَّ النَّقْصَ يَجْرِي مَجْرَى الرَّدَاءَةِ وَالْكَمَالَ يَجْرِي مَجْرَى الْجَوْدَةِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ النَّقْصُ حِينَئِذٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ صَارَ إبْدَالُهُ مَعْرُوفًا وَالْمَعْرُوفُ يُوَسَّعُ فِيهِ مَا لَمْ يُوَسَّعْ فِي غَيْرِهِ بِخِلَافِ التِّبْرِ وَشِبْهِهِ انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَرَأَوْا أَنَّ قَصْدَ الْمَعْرُوفِ يُخَصِّصُ الْعُمُومَاتِ، كَمَا فِي الْقَرْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً مُمْتَنِعٌ فَإِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقَرْضِ جَازَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُبَادَلَةُ ابْنُ بَشِيرٍ بَيْعُ الْعَيْنِ بِمِثْلِهِ عَدَدًا وَالْمَذْهَبُ حُرْمَةُ بَيْعِ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَجَازَهُ الْمَخْزُومِيُّ وَعَلَى الْمَعْرُوفِ إنْ اتَّحَدَا فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ وَالْعَدَدِ فَوَاضِحٌ انْتَهَى.
وَيُرِيدُ فِي التَّعَامُلِ بِالْعَدَدِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّعَامُلُ وَزْنًا فَلَمْ تَجُزْ إلَّا بِالْوَزْنِ وَتَعُودُ مُرَاطَلَةً، كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ.
(تَنْبِيهٌ) وَأَمَّا الطَّعَامُ فَيَجُوزُ مُبَادَلَةُ الْمَأْكُولِ وَالْمَعْفُونِ مِنْهُ بِالصَّحِيحِ السَّالِمِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّرْفِ وَمَا أَوْقَعَ فِي رَسْمِ التَّسْمِيَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْبُيُوعِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ كَالدَّنَانِيرِ الْكَثِيرَةِ النَّقْصِ بِالْوَازِنَةِ فَلَمْ يُجِزْ الْمَعْفُونَ بِالصَّحِيحِ وَلَا الْكَثِيرَ الْعَفِنَ بِالْخَفِيفِ انْتَهَى.
مِنْ رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّرْفِ.
وَلِلْمُبَادَلَةِ شُرُوطٌ (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ فِي الْقَلِيلِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ " دُونَ سَبْعَةٍ " قَالَ فِي التَّوْضِيحِ " فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَدَلُ سَبْعَةٍ بِأَوْزَانٍ مِنْهَا لِزِيَادَتِهَا عَلَى ضِعْفِ أَقَلِّ الْجَمْعِ وَيَجُوزُ فِي الثَّلَاثَةِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ فِيمَا بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا أَصْلَ لِهَذَا التَّحْدِيدِ إلَّا مَا تَدُلُّ الْعَادَةُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِيهِ وَأَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي، بِقَوْلِهِ " الْمَعْدُودُ " يَعْنِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ جَوَازِ الْمُبَادَلَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَعْدُودِ، أَيْ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي يُعَامَلُ بِهَا عَدَدًا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي الدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ إذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِهَا عَدَدًا وَأَمَّا إذَا كَانَ كَالْمَجْمُوعَةِ وَشِبْهِهَا أَوْ كَانَ الذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ تِبْرًا أَوْ مَصُوغًا فَلَا تَجُوزُ إلَّا بِالْوَزْنِ فَتَعُودُ مُرَاطَلَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ التَّعَامُلُ عَدَدًا صَارَ الْبَعْضُ الْيَسِيرُ

يَجْرِي مَجْرَى الرَّدَاءَةِ وَالْكَمَالُ مَجْرَى الْجُودَةِ بِخِلَافِ التِّبْرِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: الْمُبَادَلَةُ لَقَبٌ فِي الْمَسْكُوكِينَ عَدَدًا وَهِيَ جَائِزَةٌ فِي الْعَدَدِيِّ دُونَ الْوَزْنِيِّ لَا يُقَالُ فِي كَلَامِهِ الثَّانِي تَكْرَارٌ مَعَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَفَادَ أَنَّ الْمُبَادَلَةَ بَيْعُ مَسْكُوكٍ بِمَسْكُوكٍ عَدَدًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ التَّعَامُلُ فِي ذَلِكَ الْمَسْكُوكِ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا وَالثَّانِي أَفَادَ اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ التَّعَامُلُ فِي ذَلِكَ الْمَسْكُوكِ بِالْعَدَدِ لَا بِالْوَزْنِ انْتَهَى.
ص (بِأَوْزَنَ مِنْهَا بِسُدُسٍ سُدُسٌ) ش: قَوْلُهُ: بِأَوْزَنَ، هَذَا شَرْطٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْوَزْنِ، وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْعَدَدِ فَلَا تَجُوزُ الْمُبَادَلَةُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَهُ الْقَبَّابُ، وَحَكَاهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَنَصَّهُ الثَّانِي مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ يَتَسَاوَى عَدَدُ النَّاقِصِ وَالْوَازِنِ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَدَدُ مُنِعَ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ الْمَازِرِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْمَذْهَبِ لَمْ يَذْكُرُوا غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ اللَّخْمِيُّ نَسَبَ لِلْمُغِيرَةِ إجَازَةَ بَدَلِ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ مِنْ سِكَّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ يَرْضَ الْمَازِرِيُّ هَذَا وَرَأَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا أَشْهَبُ مَعَ الْمَخْزُومِيِّ فِي جَمَلٍ نُقِدَ بِجَمَلَيْنِ مِثْلِهِ أَحَدُهُمَا نَقْدٌ وَالْآخَرُ إلَى أَجَلٍ فَأَلْزَمَهُ دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ أَحَدُهُمَا نَقْدًا، وَالْآخَرُ إلَى أَجَلٍ فَالْتَزَمَهُ وَعَابَهُ وَبَيْنَهُمَا خِلَافٌ فِي الْمُلْتَزِمِ مَنْ هُوَ انْتَهَى، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الشُّخُوصُ قَالَ فَعَلَى مَذْهَبِ مَنْ مَنَعَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يَجُوزُ بَدَلُ أَرْبَعِ قَرَارِيطَ نَاقِصَةٍ بِأَرْبَعِ قَرَارِيطَ وَازِنَةٍ اهـ. يَعْنِي: أَنَّهُ لَا يُقَالُ إنَّ الْأَرْبَعَةَ قَرَارِيطَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ الشُّخُوصُ، وَقَوْلُهُ: بِسُدُسٍ سُدُسٌ، هَذَا شَرْطٌ رَابِعٌ ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ جَمَاعَةَ التُّونُسِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَطْلَقَ اللَّخْمِيُّ وَالصَّقَلِّيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَالْجَلَّابُ وَالتَّلْقِينُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ الْقَوْلَ فِي قَدْرِ النَّقْصِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمِ: ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ جَوَازُ بَدَلِ الطَّعَامِ الْمَعْفُونِ بِالصَّحِيحِ السَّالِمِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَمَنَعَ ذَلِكَ أَشْهَبُ كَالدَّنَانِيرِ الْكَثِيرَةِ النَّقْصِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: (قُلْت) فَظَاهِرُهُ أَيْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَالصَّقَلِّيِّ وَالْمَازِرِيِّ وَالْجَلَّابِ وَالتَّلْقِينِ وَابْنِ رُشْدٍ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَنْعِهِ فِي الدَّنَانِيرِ الْكَثِيرَةِ النَّقْصِ وَلَمْ يَحُدُّوا فِيهِ حَدًّا، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ مَنْ لَقِينَاهُ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: أَبْلَغُ مَا اُعْتُبِرَ مِنْ النَّقْصِ سُدُسُ دِينَارٍ وَقِيلَ: دَانِقَانِ وَعَزَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوَّلَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ تَحْدِيدًا، بَلْ فَرْضًا، وَنَصُّهَا: " وَلَوْ أَبْدَلَ سِتَّةَ دَنَانِيرَ فَنَقَصَ سُدُسًا سُدُسًا بِسِتَّةٍ وَازِنَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ. وَقَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِهِ: أَكْثَرُ الشُّيُوخِ لَا يَذْكُرُونَ هَذَا الشَّرْطَ، وَقَدْ جَاءَ لَفْظُ السُّدُسِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّمْثِيلِ وَالشَّرْطِيَّةِ قَدْ نَصَّ اللَّخْمِيِّ عَلَى جَوَازِ بَدَلِ دِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُغِيرَةِ وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي تَعَقُّبِهِ عَلَيْهِ

أَنَّ بَيْنَ الدِّينَارِ الْوَاحِدِ وَالدِّينَارَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ سُدُسٍ فَهَذَا اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ مُقْتَضَى كَلَامِهِمَا عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعِنْدِي أَنَّ السُّدُسَ كَثِيرٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يُسَامَحَ فِيهِ عِنْدَ رُخْصِ الْفِضَّةِ أَوْ كَسَادِ الْبَيْعِ اهـ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمِنْ شَرْطِ الْمُبَادَلَةِ أَنْ تَكُونَ بِلَفْظِ الْمُبَادَلَةِ وَأَنْ تَكُونَ بِغَيْرِ الْمُرَاطَلَةِ وَأَنْ تَكُونَ وَاحِدًا بِوَاحِدٍ احْتِرَازًا مِنْ وَاحِدٍ بِاثْنَيْنِ اهـ. وَقَالَ قَبْلَهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْجَوَازِ أَنْ تَكُونَ السِّكَّةُ وَاحِدَةً اهـ. (قُلْت) هَذَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ: وَالْأَجْوَدُ أَنْقَصُ أَوْ أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ، وَقَالَ الْقَبَّابُ وَزَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي جَوَازِ الْمُبَادَلَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُكَايَسَةِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ، أَنْ تَكُونَ يَدًا بِيَدٍ وَلَا أَظُنُّهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ اهـ. (قُلْت) وَيُؤْخَذُ اشْتِرَاطُ كَوْنِهَا عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ الْآتِي.

ص (وَالْأَجْوَدُ أَنْقَصُ أَوْ أَجْوَدُ سِكَّةً مُمْتَنِعٌ وَإِلَّا جَازَ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ أَجْوَدَ فِي الْجَوْهَرِيَّةِ مِنْ الْآخَرِ إلَّا أَنَّهُ أَنْقَصُ فِي

الْوَزْنِ وَكَانَ الْآخَرُ أَرْدَأَ فِي الْجَوْهَرِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ أَوْزَنُ فَإِنَّ الْمُبَادَلَةَ مُمْتَنِعَةٌ لِدَوَرَانِ الْفَضْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَدَخَلَتْهَا الْمُكَايَسَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ أَجْوَدُ سِكَّةً هَكَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا وَالظَّاهِرُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَوْ أَجْوَدَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَالْأَجْوَدُ، وَالْمَعْنَى أَوْ الْأَجْوَدُ سِكَّةً أَنْقَصُ مِنْ الْأَرْدَأِ سِكَّةً فَإِنَّهُ يُمْتَنَعُ لِدَوَرَانِ الْفَضْلِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي فِيهَا أَوْ الْأَوْزَنُ أَجْوَدُ سِكَّةً فَلَمْ نَرَهُ فِي النُّسَخِ الَّتِي عِنْدَنَا، وَكَأَنَّهُ إصْلَاحٌ أَرَادَ بِهِ صَاحِبُهُ التَّنْبِيهَ عَلَى مَسْأَلَةِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَرَبِيعَةَ وَقَدْ اسْتَوْفَى ابْنُ غَازِيٍّ الْكَلَامَ عَلَيْهَا

ص (وَمَغْشُوشٌ بِمِثْلِهِ) ش: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَتَسَاوَ غِشُّهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ الْمُصَنِّفُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ مَعَ تَسَاوِي الْغِشِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ وَلِعُسْرِ تَحَقُّقِ تَسَاوِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ كَالْعَدَمِ، وَلِذَا أَجَازُوا مُرَاطَلَةَ الْمَغْشُوشِ بِالْخَالِصِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ صَاحِبِ الشَّامِلِ: وَقُيِّدَ إنْ تَسَاوَى الْغِشُّ وَإِلَّا فَلَا، غَيْرُ ظَاهِرٍ.
ص (وَبِخَالِصٍ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ) ش: يَعْنِي وَيَجُوزُ مُرَاطَلَةُ الْمَغْشُوشِ بِالْخَالِصِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ الْمَأْخُوذِ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَجَعَلَ صَاحِبُ الشَّامِلِ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ: وَصَحَّحَ مَنْعَهُ بِخَالِصٍ، وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ مُحْرِزٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا عَلِمْت أَنَّهُمْ إنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي الْمَغْشُوشِ الَّذِي لَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ جَوَازُ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ بِصِنْفِهِ الْخَالِصِ إذَا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ، كَمَا بِمِصْرَ عِنْدَنَا انْتَهَى.
وَبِذَلِكَ جَزَمَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: أَمَّا مَغْشُوشٌ يَتَعَامَلُ بِهِ فَيُبَاعُ بِنِصْفِهِ وَزْنًا انْتَهَى.
(قُلْت) فَظَاهِرُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ دُخُولُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَنَصَّهُ فِي أَوَاخِرِ الْمُرَاطَلَةِ ابْنُ رُشْدٍ فِي كَوْنِ الدَّنَانِيرِ الْمَشُوبَةِ بِفِضَّةٍ أَوْ نُحَاسٍ، وَالدَّرَاهِمِ الْمَشُوبَةِ بِهِ يُعْتَبَرُ وَزْنُ كُلِّهَا بِمَا فِيهَا كَوَزْنٍ خَالِصٍ وَاعْتِبَارُ قَدْرِ الْخَالِصِ فِيهَا فَقَطْ فِي الْمُرَاطَلَةِ وَالنِّكَاحِ وَالزَّكَاةِ وَالسَّرِقَةِ قَوْلَانِ لِلشُّيُوخِ اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ مُحْرِزٍ اخْتَارَ الْجَوَازَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لَا يَغُشُّ وَكُرِهَ لِمَنْ لَا يُؤْمَنُ وَفُسِخَ مِمَّنْ يَغُشُّ) ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ كَذَا هُوَ بِوَاوِ الْعَطْفِ فِي أَوَّلِهِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْعٍ أَوْ فِي صَرْفٍ أَوْ مُرَاطَلَةٍ اهـ. (قُلْت) كَأَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَتِهِ كَذَلِكَ وَالْمَوْجُودُ فِي النُّسَخِ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْكَلَامِ فِي الْمُرَاطَلَةِ فَحُكْمُ الْبَيْعِ بِهَا وَصَرْفُهَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ خَوْفُ الْغِشِّ بِهَا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجَعَلَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَبِيعَ الْمَغْشُوشَ أَوْ يَصْرِفَهُ أَوْ يُرَاطِلَ بِهِ مِنْ يَكْسِرُهُ فَهَذَا جَائِزٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: بِاتِّفَاقٍ لَكِنْ قَيَّدَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ بِمَا إذَا أُمِنَ أَنْ يَغُشَّ بِهِ مَعَ كَسْرِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْكِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَإِذَا قَطَعَهُ جَازَ بَيْعُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ يَغُرُّ بِهِ النَّاسَ وَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ بَيْنَهُمْ اهـ. فَالْمَدَارُ عَلَى انْتِفَاءِ الْغِشِّ بِهِ، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ قَالَ أَشْهَبُ إذَا كَسَرَ السَّتُّوقَ جَازَ بَيْعُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ أَنْ يُسْبَكَ فَيُجْعَلُ دَرَاهِمَ أَوْ يُسْبَكُ فَيُبَاعُ عَلَى وَجْهِ الْفِضَّةِ فَإِنْ خَافَ ذَلِكَ فَلْيَصُنْهُ حَتَّى تُبَاعَ فِضَّتُهُ

عَلَى حِدَةٍ وَنُحَاسُهُ عَلَى حِدَةٍ اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا وِفَاقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ وَالسَّتُّوقُ قَالَ عِيَاضٌ: بِضَمِّ السِّينِ وَالتَّاءِ وَتَشْدِيدِهِمَا، كَمَا ضَبَطْتُهَا، وَالصَّوَابُ: بِفَتْحِ السِّينِ، وَهُوَ مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ الْعَامَّةُ، وَهُوَ الرَّدِيءُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ النُّحَاسُ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا تَعْرِيفُهُ قَبْلَ هَذَا.
الثَّانِي أَنْ يَبِيعَهُ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغُشُّ بِهِ، وَهُوَ أَيْضًا جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، الثَّالِثُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُشَّ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ كَالصَّيَارِفَةِ فَهَذَا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.
الرَّابِعُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهِ فَهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ خَامِسًا، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ فَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهَذَا الْقِسْمُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَكُرِهَ لِمَنْ لَا يُؤْمَنُ، كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا مِمَّنْ لَا يُدْرَى مَا يَصْنَعُ بِهَا، فَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ اهـ. عَلَى أَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ نَازَعَ ابْنَ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ بِالْكَرَاهَةِ فِيمَنْ لَا يُؤْمَنُ، وَقَالَ: لَفْظُ الرِّوَايَةِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَغُرُّ بِهَا النَّاسَ كَالصَّيَارِفَةِ، وَغَيْرِهِمْ فَلَا أَرَى ذَلِكَ قَالَ: فَظَاهِرُ لَفْظِ لَا أَرَى الْمَنْعُ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْ الْكَرَاهَةِ اهـ. الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ الْقِسْمَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِيهَا أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الْمَغْشُوشَةَ بِالنُّحَاسِ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَغُشَّ بِهَا فَيُعْطِيهَا عَلَى أَنَّهَا طَيِّبَةٌ وَلَا أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهَا وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَغُشَّ بِهَا كَالصَّيَارِفَةِ وَغَيْرِهِمْ وَيُخْتَلَفُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِمَّنْ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهَا فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ.
وَرَوَى إجَازَتَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ هُنَا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَلَّذِي أَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنْ يُبَاعَ لِمَنْ لَا يَدْرِي مَا يَصْنَعُ بِهِ مَا كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَيُمْكِنُ الْغِشُّ بِهِ لِمَنْ أَرَادَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِاتِّفَاقٍ مِمَّنْ يَكْسِرُهَا أَوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغُشُّ بِهَا إلَّا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ سَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ فَإِنْ بَاعَهَا مِمَّنْ يَخْشَى أَنْ يَغُشَّ بِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُ الِاسْتِغْفَارِ، وَإِنْ بَاعَهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهَا فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَصْرِفَهَا مِنْهُ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَاخْتُلِفَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَالِقِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْفَسْخَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا بَاعَهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهَا وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الشَّارِحِ فِي الْكَبِيرِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " مِمَّنْ يَغُشُّ " فَجَعَلَ قَوْلَهُ " وَفَسْخٌ " رَاجِعًا لِقَوْلِهِ " وَكُرِهَ " لِمَنْ لَا يُؤْمَنُ وَأَمَّا فِي الْوَسَطِ فَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ص (فَهَلْ يَمْلِكُهُ) ش: نَقَصَ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ لَهُ بِهِ، وَنَصَّهُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِلَفْظِ " الثَّالِثِ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَكِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ " ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَقَدْ مَضَى تَوْجِيهُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي رَسْمِ الْبُيُوعِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ يُشِيرُ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ بَاعَ سِلَاحًا مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ مِمَّنْ يُغَازِي بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْرُجُ بِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ مِمَّنْ يَحْمِلُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وَتَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَنْ بَاعَهُ مِنْهُ وَلَا قَدَرَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ، ثُمَّ وَجَّهَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِالْجَمِيعِ بِأَنَّ الْبَيْعَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، وَأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُبْتَاعِ إنْ عَلِمَهُ وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَنْهُ إنْ جَهِلَهُ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِالزَّائِدِ بِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يُفْسَخُ فِي قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَيَمْضِي فِي الْفَوَاتِ بِالْقِيمَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ إلَّا عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْبَابِ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُفْسَخُ وَلَوْ عُثِرَ عَلَيْهِ بَلْ يُبَاعُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَقَضَاءُ قَرْضٍ بِمُسَاوٍ وَأَفْضَلُ صِفَةً) ش يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الْقَرْضِ بِالْمُسَاوِي وَالْأَفْضَلِ فِي الصِّفَةِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْقَرْضُ عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرْضًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَرْضُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَحَلَّ أَجَلُهُ

أَوْ قَضَاهُ قَبْلَ الْأَجَلِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

[فَرْعٌ إذَا أَقْرَضْتَهُ قَمْحًا فَقَضَاكَ دَقِيقًا مِثْلَ كَيْلِهِ]

ص (وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِأَقَلَّ صِفَةً وَقَدْرًا) ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقْرَضْتَهُ قَمْحًا فَقَضَاك دَقِيقًا مِثْلَ كَيْلِهِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ كَيْلِهِ لَمْ يَجُزْ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ: " مِثْلَ كَيْلِهِ جَازَ " يُرِيدُ مَا لَمْ يَكُنْ الدَّقِيقُ أَجْوَدَ عَيْنًا فَيُمْتَنَعُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ فَضْلَ رُبْعِ الْقَمْحِ بِجَوْدَةِ الدَّقِيقِ وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ كَيْلِهِ لَمْ يَجُزْ " خِلَافًا لِأَشْهَبَ فِي قَوْلِهِ " إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ " اهـ. يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ أَشْهَبَ " لَوْ اقْتَضَى دَقِيقًا مِنْ قَمْحٍ وَالدَّقِيقُ أَقَلُّ كَيْلًا فَلَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّقِيقُ أَجْوَدَ مِنْ الْقَمْحِ.

ص (لَا أَزْيَدُ عَدَدًا أَوْ وَزْنًا) ش: أَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ فَلَا تَجُوزُ، وَلَوْ قَلَّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْوَزْنِ فَإِنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْوَزْنِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا كَرُجْحَانِ مِيزَانٍ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا إنْ كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ فَجَائِزٌ أَنْ يَقْضِيَ مِثْلَ الْعَدَدِ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ أَزْيَدَ فِي الْوَزْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً» وَلِهَذَا أَجَازَ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ إذَا كَانَ التَّعَامُلُ بِالْعَدَدِ لِمَنْ اسْتَسْلَفَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ نَاقِصَةً أَوْ أَنْصَافًا أَنْ يَقْضِيَهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ كَامِلَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ اهـ. (قُلْت) وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: وَإِنْ أَسْلَفْ رَجُلًا مِائَةَ دِرْهَمٍ عَدَدًا أَوْ وَزْنُهَا نِصْفُ دِرْهَمٍ فَقَضَاكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَازِنَةً عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ، وَإِنْ قَضَاكَ تِسْعِينَ وَازِنَةً فَلَا خَيْرَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ أَقْرَضَكَ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَازِنَةً عَدَدًا فَقَضَيْتُهُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَنْصَافًا جَازَ وَلَوْ قَضَيْتَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَنْصَافًا وَنِصْفَ دِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ وَزْنًا وَأَصْلُ قَوْلِهِ: إنَّكَ إذَا اسْتَقْرَضْتَ دَرَاهِمَ عَدَدًا فَجَائِزٌ أَنْ تَقْضِيَهُ مِثْلَ عَدَدِهَا كَانَتْ مِثْلَ وَزْنِ دَرَاهِمِهِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَيَجُوزُ أَنْ تَقْضِيَهُ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِهَا فِي مِثْلِ وَزْنِهَا أَوْ أَقَلَّ إذَا اتَّفَقَتْ الْعُيُونُ فَإِنْ قَضَيْتَهُ أَقَلَّ مِنْ عَدَدِهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا وَقَضَيْتَهُ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ وَزْنِهَا لَمْ يَجُزْ اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: وَهَذَا فِي بَلَدٍ تَجُوزُ فِيهِ الدَّرَاهِمُ عَدَدًا وَأَمَّا فِي بَلَدٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ الدَّرَاهِمُ إلَّا وَزْنًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا قَرْضُهَا إلَّا وَزْنًا فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْضِيَكَ عَنْ مِائَةٍ أَنْصَافًا خَمْسِينَ دِرْهَمًا عَدَدًا مِثْلُ وَزْنِهَا اهـ. (تَنْبِيهٌ) نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا

فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْجَوَازَ بِكَوْنِ الْأَنْقَصِ مُعْتَبَرًا دِرْهَمًا بِذَاتِهِ لَا نِصْفَ دِرْهَمٍ وَإِلَّا مُنِعَ كَزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ فِي الْعَدَدِ كَخَمْسِينَ قِيرَاطًا جَدِيدَةً تُونُسِيَّةً لَا يَصِحُّ عَنْهَا خَمْسُونَ دِرْهَمًا جَدِيدَةً تُونُسِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْجَوَازَ فَيَصِحُّ قَضَاءُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا عَنْ خَمْسِينَ قِيرَاطًا اهـ. بِالْمَعْنَى وَالْقِيرَاطُ عِنْدَهُمْ نِصْفُ الدِّرْهَمِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْ الْمِائَةِ الدَّرَاهِمِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَنْصَافًا وَلَا عَنْ الْمِائَةِ نِصْفَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا وَلَا عَنْ دِرْهَمٍ نِصْفَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (وَثَمَنُ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ كَذَلِكَ) ش: إنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْعَيْنِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْأَفْضَلِ فِي الطَّعَامِ وَالْعُرُوضِ قَبْلَ الْأَجَلِ مُمْتَنِعٌ

فِي الْبَيْعِ قَوْلًا وَاحِدًا لِمَا فِيهِ مِنْ حَطِّ الضَّمَانِ وَأَزِيدُكَ بِخِلَافِ الْقَرْضِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ فِي النَّوْعِيَّةِ كَأَخْذِ سَمْرَاءَ عَنْ مَحْمُولَةٍ قَبْلَ الْأَجَلِ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا اهـ. قَوْلُهُ: فَفِيهِ خِلَافٌ يَعْنِي فِي الْقَرْضِ، وَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الِاقْتِضَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ وَهِيَ الثَّامِنَةَ عَشْرَ فَإِنْ قَضَاهُ مِثْلَ الْعَدَدِ أَوْ أَكْثَرَ صِفَةً فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ عَيْنًا فَفِيهِ قَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالْجَوَازُ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ طَعَامًا فَإِنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ، فَقَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ اهـ. قَالَ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: وَلَا خَيْرَ فِي اقْتِضَاءِ صَيْحَانِيّ عَنْ عَجْوَةٍ قَبْلَ الْأَجَلِ مِنْ قَرْضٍ وَلَا زَبِيبٍ أَحْمَرَ عَنْ أَسْوَدَ، وَإِنْ كَانَ أَجْوَدَ مِنْهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الصَّيْحَانِيّ أَفْضَلُ مِنْ الْعَجْوَةِ، وَالْأَحْمَرُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَسْوَدِ ابْنُ يُونُسَ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرَ قَبْلَ هَذَا فِي إجَازَتِهِ، وَهُوَ أَحْسَنُ اهـ. وَقَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ السَّلَمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَسْلَمْت فِي مَحْمُولَةٍ أَوْ سَمْرَاءَ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ أَقْرَضْتَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بَعْضَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ قَضَاءً عَنْ بَعْضٍ مِثْلَ الْمَكِيلَةِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَهُوَ بَدَلٌ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ أَجْنَاسُ التَّمْرِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فِي بَيْعٍ وَلَا قَرْضٍ

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلٌ بِإِجَازَتِهِ مِنْ قَرْضٍ قَبْلَ الْأَجَلِ سَحْنُونٌ: وَهُوَ أَحْسَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ اهـ. مِنْ الْكَبِيرِ

ص (وَإِنْ بَطَلَتْ فُلُوسٌ فَالْمِثْلُ أَوْ عَدِمَتْ فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَدَمِ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقْرَضَ فُلُوسًا أَوْ بَاعَ بِهَا سِلْعَةً، ثُمَّ إنَّهُ بَطَلَ التَّعَامُلُ بِتِلْكَ الْفُلُوسِ وَصَارَ التَّعَامُلُ بِغَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ الْفُلُوسُ مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً وَلَوْ رَخُصَتْ أَوْ غَلَتْ فَإِنْ عَدِمَتْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ تُوجَدْ فَلَهُ قِيمَةُ الْفُلُوسِ مِنْ يَوْمِ يَجْتَمِعُ اسْتِحْقَاقُهَا، أَيْ وُجُوبُهَا وَحُلُولُهَا وَعَدَمُهَا، أَيْ انْقِطَاعُهَا وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْأَخِيرِ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ أَوَّلًا فَلَيْسَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا يَوْمَ الْعَدَمِ، وَإِنْ كَانَ الْعَدَمُ أَوَّلًا فَلَيْسَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا يَوْمَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهَذَا كَأَقْصَى الْأَجَلَيْنِ فِي الْعِدَّةِ.
(تَنْبِيهٌ) لَا خُصُوصِيَّةَ فِي الْفُلُوسِ بَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْقِينِ وَالْجَلَّابِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَمَنْ بَاعَ بِنَقْدٍ أَوْ قَرْضٍ، ثُمَّ بَطَلَ التَّعَامُلُ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ إنْ فُقِدَ اهـ. وَقَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَمَنْ اقْتَرَضَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا أَوْ بَاعَ بِهَا وَهِيَ سِكَّةٌ مَعْرُوفَةٌ، ثُمَّ غَيَّرَ السُّلْطَانُ السِّكَّةَ بِغَيْرِهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلَ السِّكَّةِ الَّتِي قَبَضَهَا وَلَزِمَتْهُ يَوْمَ الْعَقْدِ اهـ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَلَوْ انْقَطَعَ ذَلِكَ النَّقْدُ حَتَّى لَا يُوجَدُ لَكَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَإِلَّا فَيَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْمُطَالَبَةِ قَبْلَ ذَلِكَ اهـ. وَأَصْلُهُ لِلتِّلْمِسَانِيِّ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَلَّابِ: مِثْلُ السِّكَّةِ الَّتِي قَبَضَهَا يَعْنِي فِي الْقَرْضِ وَقَوْلُهُ: وَلَزِمَتْهُ يَوْمَ الْعَقْدِ يَعْنِي فِي الْبَيْعِ فَهُوَ مِنْ بَابِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الشُّيُوخِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذَا قُطِعَتْ وَبَدَّلَ غَيْرَهَا فَمَا الْوَاجِبِ فِي الدُّيُونِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشِبْهِهَا؟ فَأَجَابَ الْمَنْصُوصُ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُحْكَمُ إلَّا بِمَا وَقَعَتْ بِهِ الْمُعَامَلَةُ، فَقَالَ السَّائِلُ: بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْمُتَأَخِّرِ لِإِبْطَالِ السُّلْطَانِ إيَّاهَا فَصَارَتْ كَالْعَدَمِ، فَقَالَ: لَا يُلْتَفَتُ لِهَذَا إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ عَالِمٌ وَنَقْضٌ لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَمُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلنَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ بَيْعَ عَرْضٍ بِعَرْضٍ لَا يَجُوزُ وَلِمُبْتَاعِهِ فَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَكَذَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ فُلُوسٌ وَقَطَعَهَا السُّلْطَانُ وَجَعَلَ مَكَانَهَا دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ أَنَّ عَلَيْهِ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَتَبْطُلُ الْفُلُوسُ أَوْ أَنَّ السُّلْطَانَ إذَا بَدَّلَ الْمِكْيَالَ بِأَصْغَرَ مِنْهُ أَوْ أَكْبَرَ وَالْمَوَازِينَ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَعَامَلَا بِهَا أَنْ يَأْخُذَ بِالْمِكْيَالِ أَوْ الْمِيزَانِ الْمُحْدَثِ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ (قُلْت) فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ لَكَ عَلَيْهِ فُلُوسٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَأُسْقِطَتْ لَمْ تَتْبَعْهُ إلَّا بِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ فِي الدَّرَاهِمِ إذَا أُسْقِطَتْ، وَهُوَ نَحْوُ مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ أَبُو حَفْصٍ مَنْ لَكَ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَقُطِعَتْ فَلَمْ تُوجَدْ فَقِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ بِمَا تُسَاوِي يَوْمَ الْحُكْمِ لَوْ وُجِدَتْ وَأَجَابَ الصَّائِغُ عَمَّا إذَا فَسَدَتْ السِّكَّةُ وَبَاعَهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ، وَصَارَتْ غَيْرَهَا وَصَارَ الْأَمْرُ إلَى خِلَافِ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِهَذِهِ السِّكَّةِ الْمَوْجُودَةِ الْآنَ، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِي هَذَا الْمُتَقَدِّمُونَ وَالْمُتَأَخِّرُونَ.
وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إذَا أُسْقِطَتْ يَتْبَعُهُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ يَوْمَ قُبِضَتْ؛ لِأَنَّ الْفُلُوسَ لَا ثَمَنَ لَهَا وَوَجْهُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا جَائِحَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ غَيْرُ مَا حَكَى ابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ: لَوْ كَانَتْ مِائَةَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ أَلْفَ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَلَمْ تُوجَدْ كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّ بِالْقِيمَةِ وَقَعَ التَّأْخِيرُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إذْ لَمْ يُتَوَجَّهْ الطَّلَبُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ أَخَّرَ بَعْدَ الْأَجَلِ أَجَلًا ثَانِيًا فَالْقِيمَةُ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ، وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ: الْقِيمَةُ يَوْمَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ يَأْتِي الْكَوَالِئُ الَّتِي انْقَطَعَتْ سِكَّتُهَا مِنْ الدُّيُونِ وَالصَّدَقَاتِ اهـ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ وَمَسْأَلَةُ

الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي آخَرِ كِتَابِ الصَّرْفِ عَلَى نَصِّ مَا ذَكَرَهُ، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا فِي كِتَابِ الرُّهُونِ: وَمَنْ أَسْلَفْتَهُ فُلُوسًا فَأَخَذْت فِيهَا رَهْنًا فَعَسَرَتْ الْفُلُوسُ فَلَيْسَ لَكَ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُ فُلُوسِكَ وَيَأْخُذُ رَهْنَهُ، وَإِنْ بِعْتَهُ سِلْعَةً بِفُلُوسٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّمَا لَكَ نَقْدُ الْفُلُوسِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَلَا يُلْتَفَتُ لِكَسَادِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَقْرَضْتَهُ دِرْهَمَ فُلُوسٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مِائَةُ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَ مِائَتَا فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّمَا يَرُدُّ إلَيْكَ مَا أَخَذَ لَا غَيْرُ ذَلِكَ اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قُطِعَ التَّعَامُلُ بِهَا إنْ جَعَلَ الْإِمَامُ سِكَّةً أُخْرَى ابْنُ يُونُسَ: وَلَوْ قُطِعَتْ وَلَمْ تُوجَدْ لَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهَا فِي ذِمَّتِهِ إلَى يَوْمِ تَحَاكُمِهِ فِيهَا وَيَقْضِي عَلَيْهِ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ دَفَعَهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ فَسَدَتْ فَوَجَدَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا مِثْلُهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ: وَلَوْ قُطِعَتْ وَلَمْ تُوجَدْ كَانَ قِيمَتُهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَإِنْ كَانَتْ إلَى أَجَلٍ فَانْقَطَعَتْ قَبْلَ الْأَجَل كَانَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ يَحِلُّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ انْقَطَعَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَوَجَّهَ لَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ طَلَبٌ، وَإِنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ أَجَلًا ثَانِيًا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ حُلُولِ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ بِالْقِيمَةِ وَجَبَ التَّأْخِيرُ.
الشَّيْخُ فَانْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا وَجَبَتْ الشُّفْعَةُ بِسِكَّةٍ قَدِيمَةٍ فَلَمْ تُوجَدْ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ يَكُونُ عَلَى الشَّفِيعِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ وَعَلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ يَوْمَ انْقَطَعَتْ، وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ أَصْوَبُ، وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا لَكَ عَلَيْهِ نَقْدُ الْفُلُوسِ يَعْنِي سِكَّةَ الْفُلُوسِ اهـ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مَسْأَلَةَ الرُّهُونِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فَقَالَ: وَمِنْ الرُّهُون: وَمَنْ اسْتَقْرَضْتَهُ دَرَاهِمَ فُلُوسٍ، وَهُوَ يَوْمَ قَبْضِهَا مِائَةٌ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ مِائَتَيْنِ لَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ إلَّا عِدَّةُ مَا قُبِضَتْ وَشَرْطُكُمَا غَيْرُ ذَلِكَ بَاطِلٌ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " أَوْ عَدِمَتْ " فَالْقِيمَةُ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْعَدَمُ هَذَا اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ إنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْزِ هَذَا إلَّا لِنَقْلِ ابْنِ بَشِيرٍ وَعَزَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ

[فَرْعٌ لَوْ كَانَتْ السِّكَّةُ أَوَّلًا بِغَيْرِ مِيزَانٍ ثُمَّ حَدَثَ الْمِيزَانُ]

(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ: وَكَذَا لَوْ كَانَتْ السِّكَّةُ أَوَّلًا بِغَيْرِ مِيزَانٍ، ثُمَّ حَدَثَ الْمِيزَانُ فَلَهُ الْمُتَعَارَفُ مِنْ تِلْكَ السِّكَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْمِيزَانِ فَإِنْ جَهِلَ مِقْدَارَ ذَلِكَ كَانَ كَمَسْأَلَةِ آخِرِ كِتَابِ الصُّلْحِ فِيمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَرَاهِمُ نَسِيَا مَبْلَغَهَا جَازَ أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى مَا شَاءَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَإِنْ أَبَيَا أَعْرَضَ عَنْهُمَا الْحَاكِمُ حَتَّى يَصْطَلِحَا اهـ. وَمَسْأَلَةُ الصُّلْحِ فِي بَابِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ إذَا أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ فَلَمْ يَجِدْهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ الْآنَ أَصْلًا]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ حَكَى ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ إذَا أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ فَلَمْ يَجِدْهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ بِهِ الْآنَ أَصْلًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا بِمَوْضِعِ مَا أَقْرَضَهُ إيَّاهَا يَوْمَ الْحُكْمِ لَا يَوْمَ دَفْعِهَا إلَيْهِ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ لَهُ حِينَئِذٍ فَإِذَا فُقِدَتْ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ يُقْضَى بِهَا، ثُمَّ قَالَ وَنَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، وَهِيَ مَنْ تَسَلَّفَ دَرَاهِمَ فُلُوسًا أَوْ نُقْرَةً بِالْبِلَادِ الْمَشْرِقِيَّةِ، ثُمَّ جَاءَ مَعَ الْمُقْرِضِ إلَى بَلَدِ الْمَغْرِبِ، وَوَقَعَ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا فِي بَلَدِهَا يَوْمَ الْحُكْمِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ يُونُسَ وَأَبِي حَفْصٍ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الرُّهُونِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ: يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا فِي بَلَدِهَا يَوْمَ فُقِدَتْ وَقُطِعَتْ وَيَكُونُ حِينَئِذٍ قِيمَتُهَا يَوْمَ خُرُوجِهِ مِنْ الْبَلَدِ الَّتِي هِيَ جَارِيَةٌ فِيهِ إذْ هُوَ وَقْتُ فَقْدِهَا وَقَطْعِهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) ثُمَّ قَالَ: وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ بَعْدَ الْوُصُولِ حَالَتْ السِّكَّةُ وَالْفُلُوسُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، وَوَقَعَتْ الْفَتْوَى بِأَنَّهُ يُعْطَى قِيمَةَ الْفُلُوسِ أَوْ الدَّرَاهِمِ الْمُقْرَضَةِ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ ذَهَبًا.

[فَرْعٌ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ أَثْمَانِ مُسْتَغَلَّاتِ ضَيْعَتِهِ وَفِي الْبَلَدِ سِكَكٌ مُخْتَلِفَةٌ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْوَكَالَاتِ: سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ أَثْمَانِ مُسْتَغَلَّاتِ ضَيْعَتِهِ، ثُمَّ كَتَبَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ أَنْ ادْفَعْ لِابْنَةِ أَخِي

مِنْ مُسْتَغَلَّاتِي خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَفِي الْبَلَدِ سِكَكٌ مُخْتَلِفَةٌ وَوَقْتُ الْكَتْبِ وَالْوُصُولِ سِكَّةٌ وَاحِدَةٌ وَابْتِدَاءُ الْوَكَالَةِ سِكَّةٌ أُخْرَى، فَقَالَ الْوَكِيلُ: لَمْ يَفْضُلْ لِي شَيْءٌ إلَّا مِنْ السِّكَّةِ عِنْدَ سَفَرِهِ وَطَلَبَ أَخُو الْغَائِبِ لِابْنَتِهِ سِكَّةَ يَوْمِ الْكَتْبِ وَالْوُصُولِ فَأَجَابَ إنَّمَا لَهُ سِكَّةُ يَوْمِ الْكَتْبِ فَتُصْرَفُ تِلْكَ السِّكَّةُ الْأُولَى عَلَى سِكَّةِ يَوْمِ الْكَتْبِ وَيُقْضَى.
(قُلْت) لِأَنَّهَا الْوَاجِبَةُ يَوْمَ عَقْدِ الْهِبَةِ وَانْظُرْ لَوْ لَمْ تَزَلْ مُخْتَلِفَةً مُنْذُ الْوَكَالَةِ إلَى يَوْمِ الْكَتْبِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِالْغَالِبَةِ وَلَوْ اسْتَوَى الصَّرْفُ بِهَا فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ قَرِيبًا كَتَبَ إلَيْهِ لِيَتَعَرَّفَ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ بَعُدَ فَتَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ وَالزَّكَاةِ أَنَّ لَهُ الْوَسَطَ وَقِيلَ: يَقْضِي عَلَى عَدَدِ السِّكَكِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ كَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الزَّكَاةِ اهـ.

[فَرْعٌ اُسْتُشْعِرَ بِقَطْعِ السِّكَّةِ وَحَصَلَ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَحَدٍ هَلْ يسارع فِي إخْرَاجِهَا قَبْلَ قَطْعِهَا أَمْ لَا]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ: إذَا اُسْتُشْعِرَ بِقَطْعِ السِّكَّةِ وَحَصَلَ مِنْهَا شَيْءٌ عِنْدَ أَحَدٍ هَلْ يَسُوغُ لِمَنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ أَنْ يُسْرِعَ فِي إخْرَاجِهَا قَبْلَ قَطْعِهَا أَمْ لَا، وَهَلْ يُجْبَرُ مَنْ وَجَبَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى قَبْضِهِ فَأَفْتَى بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي لِلْعِلْمِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْإِسْرَاعُ فِي إخْرَاجِهَا وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ جَبْرُ مَنْ أَبَاهَا وَعِنْدِي أَنَّهَا تَتَخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمِدْيَانِ إذَا أَرَادُوا تَفْلِيسَهُ فَمَنْ يُجِيزُ الْأَخْذَ مِنْهُ خَشْيَةَ التَّفْلِيسِ يُجِيزُ هَذَا وَمَنْ يَمْتَنِعُ يُمْنَعُ وَمَنْ يَقُولُ: إذَا تَحَدَّثُوا فِي تَفْلِيسِهِ فَلَا يَجُوزُ فَهُنَا إذَا تَحَدَّثُوا فِي قَطْعِهَا فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَدَّثُوا فِي قَطْعِهَا فَيَجُوز اهـ. (قُلْت) أَمَّا الْجَبْرُ عَلَى أَخْذِهَا فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ قُطِعَتْ جُبِرَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْإِسْرَاعُ فِي إخْرَاجِهَا فَإِنْ كَانَ اسْتِشْعَارُ قَطْعِهَا شَائِعًا مَعْلُومًا عِنْدَ الْقَابِضِ لَهَا فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْقَابِضِ لَهَا مِنْ ذَلِكَ شُعُورٌ فَيُمْكِنُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى مَا قَالَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ قَضَاءَهُ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ لَا يُرَدُّ إذَا حَلَّ أَجَلُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا بِيَدِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَرْعٌ بَيْعِ السِّلْعَةِ بِسِكَّةٍ قَدِيمَةٍ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَفِي الْحَاوِي سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَيْعِ السِّلْعَةِ بِسِكَّةٍ قَدِيمَةٍ فَأَجَابَ شَرْطُ الْقَدِيمَةِ الطَّيِّبَةِ فِي السِّكَّةِ فَإِنْ فَهِمُوا عَنْهُ سِكَّةً بِعَيْنِهَا أَوْ سِكَكًا مُتَّحِدَةً عِنْدَ النَّاسِ فِي جُودَةِ الْعَيْنِ وَعَدَمِ التَّفَاضُلِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرْنَاهُ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ وَلَا يُنْظَرُ لِمَا فِي السِّكَكِ مِنْ الرُّقُومِ وَالْكِتَابَةِ إذَا تَسَاوَتْ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَمَنْ بَاعَ فِي زَمَنِ اتِّحَادِ السِّكَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَخَذَ مِنْ كُلٍّ عَلَى النِّسْبَةِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ وَهِيَ ثَلَاثُ سِكَكٍ أَخَذَ الثُّلُثَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى هَذَا اهـ. مِنْ أَثْنَاءِ الْبُيُوعِ

[فَرْعٌ الْعَامَّةَ إذَا اصْطَلَحَتْ عَلَى سِكَّةٍ وَإِنْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَنَحْنُ فِي زَمَنِ الْقِرَاءَةِ وَهِيَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ الْمَحْمُولَ عَلَيْهَا النُّحَاسُ كَثُرَتْ جِدًّا وَشَاعَتْ فِي بِلَادِ إفْرِيقِيَّةَ جُرَيْدِيَّةٍ وَغَيْرِهَا وَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَيْهَا حَتَّى مُنِعَ فِيهَا الرَّدِيءُ لِكَثِيرِ الْغِشِّ وَتَفَاوُتِهِ فِي أَعْيَانِ الدَّرَاهِمِ فَكَلَّمْتُ فِي ذَلِكَ شَيْخَنَا الْإِمَامَ عَسَى أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي قَطْعِهَا فَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانَ وَكَانَ فِي عَامِ سَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فَهَمَّ بِقَطْعِهَا فَبَعَثَ إلَيْهِ شَيْخُنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْغُبْرِينِيُّ وَكَانَ الْمُتَعَيِّنُ حِينَئِذٍ لِلْفَتْوَى، وَذَكَرَ لَهُ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ، وَأَنَّ الْعَامَّةَ إذَا اصْطَلَحَتْ عَلَى سِكَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً فَلَا تُقْطَعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ رُءُوسِ أَمْوَالِ النَّاسِ فَفَتَرَ الْأَمْرُ نَحْوَ الشَّهْرِ فَجَاءَتْ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ مِنْ نَاحِيَةِ بِلَادِ هَوَارَةَ نُحَاسٌ مَطْلِيَّةٌ وَشَاعَتْ فِي الْبَلَدِ فَنَظَرَ الْخَلِيفَةُ حِينَئِذٍ، وَقَالَ: هَذَا يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ رُءُوسِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَتَصِيرُ فُلُوسًا فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا حِينَئِذٍ وَنَادَى مُنَادٍ مِنْ قِبَلِهِ بِهَذَا وَرَجَعَ الْمُفْتِي إلَى فَتْوَى شَيْخِنَا الْإِمَامِ وَرَأَوْا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا هِيَ إذَا تَعَيَّنَتْ دَرَاهِمُ زَائِفَةٌ، وَهَذِهِ الدَّرَاهِمُ كُلَّ يَوْمٍ يُزَادُ فِي غِشِّهَا حَتَّى صَارَتْ نُحَاسًا وَكَذَا فِي الذَّهَبِ الْمُحَلَّاةِ لِعَدَمِ ضَبْطِهَا فِي الْغِشِّ اهـ.

ص (وَتَصَدَّقَ بِمَا غُشَّ وَلَوْ كَثُرَ) ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ: خَلْطُ الرَّدِيءِ بِالْجَيِّدِ لِلْمَبِيعِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنْ بَيَّنَ عِنْدَ الْبَيْعِ أَنَّهُ مَخْلُوطٌ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ وَيَضْرِبَ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ، وَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُ مَخْلُوطٌ جَيِّدٌ بِرَدِيءٍ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ مِقْدَارَ الرَّدِيءِ الَّذِي خُلِطَ بِالْجَيِّدِ وَصِفَتَهُمَا جَمِيعًا قَبْلَ

الْخَلْطِ حَتَّى يَسْتَوِيَ عِلْمُهُمَا فَلَا يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ أَنْ يَرُدَّ وَيَكُونَ هُوَ قَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ فِي خَلْطِهِ إذْ قَدْ يَغُشُّ بِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُغَشَّ أَوْ مِمَّنْ لَا يَدْرِي مَا يُصْنَعُ بِهِ، وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَخْشَى أَنْ يَغُشَّ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهِ، وَهَذَا فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ الَّذِي يُخْلَطُ وَلَا يَمْتَازُ بَعْدَ الْخَلْطِ جَيِّدُهُ مِنْ رَدِيئِهِ كَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ، وَالْعَسَلِ وَشِبْهِ ذَلِكَ وَأَمَّا الصِّنْفَانِ اللَّذَانِ يَمْتَازَانِ بَعْدَ الْخَلْطِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ أَوْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ أَوْ الْغَلَثِ وَالطَّعَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ مِنْهُمَا يَسِيرًا جِدًّا تَبَعًا لِصَاحِبِهِ جَازَ أَنْ يَبِيعَ وَلَا يُبَيِّنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا يَسِيرًا وَلَا تَبَعًا لِصَاحِبِهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ أَوْ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ كَالْغَلَثِ مَعَ الطَّعَامِ وَاللَّحْمِ السَّمِينِ مَعَ الْمَهْزُولِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ الْقَلِيلُ مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ كَالسَّمْنِ مِنْ الْعَسَلِ وَالْقَمْحِ مِنْ الشَّعِيرِ وَالْمَاءِ مِنْ اللَّبَنِ وَالْعَسَلِ فَقِيلَ: يَجُوزُ بَيْعُهُ، كَمَا هُوَ عَلَى بَيَانِ مَا فِيهِ إذْ لَا يُقْدَرُ عَلَى تَخْلِيصِ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ مِمَّنْ يَأْكُلهُ وَيَأْمَنُ أَنْ يُغَشَّ بِهِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي اللَّبَنِ وَالْعَسَلِ الْمَغْشُوشَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ، وَكِتَابُ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ مَنْ خَلَطَ قَمْحًا بِشَعِيرٍ لِقُوتِهِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا فَضَلَ مِنْهُ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ مِقْدَارَ الشَّعِيرِ مِنْ الْقَمْحِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ خَلَطَهُ لِلْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَإِنْ خَلَطَهُ لِلْأَكْلِ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَلَطَهُ لِلْأَكْلِ، وَهُوَ يَسِيرٌ، وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ هَذَا تَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى.
وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَنْ خَلَطَ قَمْحًا بِشَعِيرٍ لِقُوَّتِهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى الْمَنْعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْكَلَامَ عَلَى الْغِشِّ فِي أَثْنَاءِ الْبُيُوعِ وَالْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَلَا خَلْطُ دَنِيءٍ بِجَيِّدٍ خَلْطُ الدَّنِيءِ بِالْجَيِّدِ مِثْلُ: خَلْطِ حِنْطَةٍ دَنِيئَةٍ بِحِنْطَةٍ غَيْرِهَا أَوْ لَحْمِ الذُّكُورِ بِلَحْمِ الْإِنَاثِ أَوْ السَّمِينِ بِالْهَزِيلِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْجِنْسَيْنِ مِثْلَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ.

[فَرْعٌ فَسْخُ بَيْعِ الْغِشِّ]

(فَرْعٌ) وَلَا يَجِبُ فَسْخُ بَيْعِ الْغِشِّ اتِّفَاقًا، قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.

[فَرْعٌ فِيمَنْ فَجَرَ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ فِي مِكْيَالِهِ زِفْتًا]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الرَّسْمِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ فِيمَنْ فَجَرَ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ فِي مِكْيَالِهِ زِفْتًا أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ السُّوقِ وَذَلِكَ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ الضَّرْبِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنْ يَخْرُجَ أَدَبًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادَ الْغِشِّ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَنْ غَشَّ فِي أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ يُعَاقَبُ بِالسَّجْنِ وَالضَّرْبِ، وَبِالْإِخْرَاجِ مِنْ السُّوقِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَادًا لِلْغِشِّ وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّ الْمُعْتَادَ يَخْرُجُ يُرِيدُ قَدْ أُدِّبَ فَلَمْ يَرْدَعْهُ الْأَدَبُ فَقَوْلُهُ: فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ أَدَبًا لَهُ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ لِقَطْعِ ضَرَرِهِ إذْ قَدْ أُدِّبَ فَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِ الْأَدَبُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ إنَّهُ يَخْرُجُ أَدَبًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ مَالِكٍ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ بَعْدَ مُدَّةٍ يُرَى أَنَّهُ قَدْ تَابَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ تَوْبَتُهُ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ بِالْإِخْرَاجِ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى السُّوقِ وَلَا يُعْرَفُ وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى السُّوقِ وَلَا يُعْرَفُ لِاتِّسَاعِ السُّوقِ فَلَا يُؤَدَّبُ إلَّا بِالضَّرْبِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.

[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى مُصْحَفًا فَوَجَدَهُ مَلْحُونًا كَثِيرَ الْخَطَأِ غَيْرَ صَحِيحٍ]

(مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ اشْتَرَى مُصْحَفًا فَوَجَدَهُ مَلْحُونًا كَثِيرَ الْخَطَإِ غَيْرَ صَحِيحٍ هَلْ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ لَمْ يَشْتَرِهِ أَحَدٌ فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْبَيْعُ حَتَّى يُبَيِّنَ.
(قُلْتُ) فِي جَوَازِ الْبَيْعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَثِيرَ الْخَطَإِ لَا يُقْدَرُ عَلَى ضَبْطِ الصِّفَةِ مَعَهُ فَأَشْبَهَ بَيْعَ الْقَمْحِ إذَا وُجِدَ كَثِيرَ الْغَلَثِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ

حَتَّى يُغَرْبَلَ، وَكَذَلِكَ هَذَا حَتَّى يُضْبَطَ وَيُصَحَّحَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إذَا رَأَى الْيَسِيرَ مِنْهُ أَدْرَكَ كَثْرَةَ فَسَادِهِ أَوْ قِلَّتِهِ، وَيُضْبَطُ ذَلِكَ الْفَسَادُ فَيَجُوزُ وَفِي كَوْنِ هَذَا غَيْرَ عَسِيرٍ نَظَرٌ، وَمِثْلُهُ شِرَاءُ كُتُبِ الْفِقْهِ وَاللُّغَةِ، وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ إذَا وُجِدَ فِيهَا الْفَسَادُ وَالنَّقْصُ كَثِيرًا أَوْ التَّكْرَارُ فِي الْكَلَامِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصْحَفِ، وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى كُتُبًا مِنْ أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مُتَفَرِّقَةَ الْأَوْرَاقِ، وَخُرُومًا مُتَنَافِرَةَ الْأَوْرَاقِ فَلَا تَجُوزُ شِرَاؤُهَا إلَّا لِعَارِفٍ بِالتَّخْمِينِ وَالْحَزْرِ، وَكَذَلِكَ بَائِعُهَا يَكُونُ كَذَلِكَ مِنْ بَابِ شِرَاءِ الْجُزَافِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِنْ مُبْتَدِئٍ فِي الْقِرَاءَةِ وَلَا مِنْ جَاهِلٍ مُطْلَقًا إذْ لَا يَدْرِي مَا يَأْخُذُ وَلَا مَا يُعْطِي، وَقَدْ نَزَلَ هَذَا وَوَقَعَتْ الْفَتْوَى بِهَذَا وَتَقَدَّمَتْ مَسْأَلَةُ إذَا كَتَبَ مُصْحَفًا بِدَوَاةٍ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَنَّهُ يُدْفَنُ انْتَهَى مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ خُوَيْزِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى هَذَا وَكَأَنَّهُ عِنْدَهُ مِثْلُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا كَالزَّيْتِ وَالطَّعَامِ الْمَائِعِ لَا كَالثِّيَابِ الْمُتَنَجِّسَةِ وَنَحْوِهَا لِلْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مِنْ هَذَا دُونَ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.

[فَرْعُ فِي الْعَوْفِيَّة اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَجَعْلِهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ]

(فَرْعُ) قَالَ السَّخَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأَصْلِ الْأَصِيلِ فِي تَحْرِيمِ النَّقْلِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَالَ فِي الْعَوْفِيَّةِ اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا وَشِرَائِهَا وَجَعْلِهَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَأَمَّا الْإِجَارَةُ لِكِتَابَتِهَا فَلَا تَجُوزُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ جَوَازَ وَصِيَّةِ الْكَافِرِ بِهَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا مَالٌ وَجَوَّزْنَا بَيْعَهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَالْجَوَازُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَثُرَ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَتَصَدَّقُ إلَّا بِمَا كَانَ يَسِيرًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِذَلِكَ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالْعُقُوبَةُ بِالْمَالِ أَمْرٌ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَعَادَتْ الْعُقُوبَةُ فِي الْأَبْدَانِ فَكَانَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ اسْتِحْسَانًا.
وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي حَدِيثِ الَّتِي لَعَنَتْ النَّاقَةَ وَأَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ الْعُقُوبَةُ بِالْمَالِ فِي الْمَالِ لِمَنْ جَنَى فِيهِ بِمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِيهِ الْعِقَابُ بِالْمَالِ لِيَنْزَجِرَ غَيْرُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

ص (إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى كَذَلِكَ) ش: يُرِيدُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وَرِثَهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يُتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالْوَاجِبُ أَنْ يُبَاعَ مِمَّنْ يُؤْمَنُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِهِ مُدَلِّسًا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ مِنْ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ عَلَى الَّذِي غَشَّهُ يُبَاعُ مِمَّنْ يُؤْمَنُ وَيُتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ أَدَبًا لِلْغَاشِّ انْتَهَى.
ص (كَبَلِّ الْخَمْرِ بِالنَّشَا) ش: لِأَنَّهَا تَشْتَدُّ بِذَلِكَ وَتَصْفِقُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهَا مَبْلُولَةٌ بِالنَّشَا، وَأَنَّ ذَلِكَ يُصْفِقُهَا وَيَشُدُّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلَامُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مَرْشُوشَةٌ بِذَلِكَ كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ أَوْ يَرُدَّ فَإِنْ فَاتَتْ رُدَّتْ إلَى الْقِيمَةِ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ.
وَكَذَلِكَ إنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَرْشُوشَةٌ بِذَلِكَ وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ يَشُدُّهَا، وَهَذَا نَحْوُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ مَا يَصْنَعُهُ حَاكَّةُ الدِّيبَاجِ مِنْ تَصْمِيغِهَا غِشُّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ التَّصْمِيغُ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ قَدْرُ مَا أُحْدِثَ فِيهِ مِنْ الشِّدَّةِ وَالتَّصْفِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص

وَنَفْخِ اللَّحْمِ) ش: يَعْنِي بَعْدَ السَّلْخِ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ طَعْمَ اللَّحْمِ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ سَمِينٌ فَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْمُشْتَرِي فَلَهُ رَدُّهُ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ قَالَ: وَأَمَّا نَفْخُ الذَّبِيحَةِ قَبْلَ السَّلْخِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَفِيهِ صَلَاحٌ وَمَنْفَعَةٌ اهـ (فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ لَا بَأْسَ بِخَلْطِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ لِاسْتِخْرَاجِ زُبْدِهِ وَبِالْعَصِيرِ لِتَعْجِيلِ تَخْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُفْعَلُ لِلْإِصْلَاحِ لَا لِلْغِشِّ وَكَذَا التِّبْنُ يُجْعَلُ تَحْتَ الْقَمْحِ اهـ. مُخْتَصَرًا

[فَصْلٌ فِي عِلَّةِ طَعَامِ الرِّبَا]

ص (فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ تَأْوِيلَانِ) ش: تَقَدَّمَ أَنَّ الرِّبَا يَدْخُلُ فِي النُّقُودِ وَفِي الْمَطْعُومَاتِ فَلَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى النَّوْعِ الثَّانِي وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رِبَا الْفَضْلِ يَدْخُلُ هُنَا فِي الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ فَأَخَذَ يُبَيِّنُهُ بِأَنْ بَيَّنَ عِلَّةَ الرِّبَا مَا هِيَ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبُرُّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» وَفِي رِوَايَةٍ الْآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ وَقَصَرَ أَهْلُ الظَّاهِرِ عَلَى هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ لِنَفْيِهِمْ الْقِيَاسَ وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَنْعِ حَتَّى

يُقَاسَ عَلَيْهَا وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا قَوْلَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّهَا الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَتَأَوَّلَ ابْنُ رُشْدٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمَعْنَى الِاقْتِيَاتِ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مُقْتَاتًا، أَيْ تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ، وَمَعْنَى الِادِّخَارِ: أَنْ لَا يَفْسُدَ بِتَأْخِيرِهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ التَّأْخِيرُ عَنْ الْعَادَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ، وَكَوْنُهُ مُتَّخَذًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا، وَهَذَا الْقَوْلُ لِلْقَاضِيَيْنِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَعَبَّرَ عَنْهُ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ بِالْمُقْتَاتِ الْمُدَّخَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِلْمَعَاشِ غَالِبًا وَنَسَبَهُ لِلْبَغْدَادِيَّيْنِ، قَالَ: وَتَأَوَّلَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ زَرْبٍ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، فَقَالَ: وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّعْلِيقُ بِكَوْنِهِ أَصْلًا لِلْعَيْشِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ ادِّخَارُهُ غَالِبًا، وَكَوْنُهُ قُوتًا، قَالَ: وَعَلَى اخْتِلَافِ التَّعْلِيلَيْنِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي الْبَيْضِ وَالتِّينِ؛ لِأَنَّهُمَا مُدَّخَرَانِ بِأَنْ يُشْوَى وَيُجْعَلَ فِي خَلٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَقِيلَ: غَيْرُ مُدَّخَرٍ وَقِيلَ: غَيْرُ مُقْتَاتٍ، وَقِيلَ: مُقْتَاتٌ، كَمَا يَأْتِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْخِلَافُ فِيهِ خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَهَلْ لِغَلَبَةِ الْعَيْشِ مَعْنَاهُ هَلْ الْعِلَّةُ الِاقْتِيَاتُ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ الَّتِي يَذْكُرُهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فَسَيَذْكُرُ أَنَّ التِّينَ لَيْسَ رِبَوِيًّا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَيَذْكُرُ أَنَّ الْبَيْضَ رِبَوِيٌّ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ بَقِيَّةَ الْأَقْوَالِ لِضَعْفِهَا عِنْدَهُ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهَا.
فَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ: الْعِلَّةُ الِاقْتِيَاتُ وَمَا يَصْلُحُهُ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ الِادِّخَارُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ غَلَبَةُ الِادِّخَارِ وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ مُقَابِلِهِ فِي الْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَرَبَّبُ فَعَلَى الِادِّخَارِ يَخْرُجُ وَعَلَى غَلَبَتِهِ يَدْخُلُ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْعِلَّةُ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ أَوْ التَّفَكُّهُ، وَالِادِّخَارُ وَقِيلَ: الْعِلَّةُ الْمَالِيَّةُ فَلَا يُبَاعُ ثَوْبٌ بِثَوْبَيْنِ، وَنُسِبَ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ، وَهَذَا يُوجِبُ الرِّبَا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَلَا يُمْكِنُ قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْعِلَّةُ مَالِيَّةُ الزَّكَاةِ وَنُسِبَ، لِرَبِيعَةَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعِلَّةُ الْكَيْلُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الطَّعْمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَلَا حَدَّ لِلِادِّخَارِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَحَكَى التَّادَلِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ أَنَّ حَدَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ لَا بُدَّ مَعَ الِادِّخَارِ مِنْ شَرْطِ الْعَادَةِ فِيهِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا ادِّخَارُهُ نَادِرٌ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجَوْزِ وَالرُّمَّانِ، وَهَذَا نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ كَرَاهَةَ التَّفَاضُلِ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُدَّخَرٌ، وَيَيْبَسُ.
(الثَّالِثُ) لَا بُدَّ أَنْ يُقَالَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَفِي مَعْنَى الِاقْتِيَاتِ مَا يَصْلُحُ لِلْقُوتِ لِيَدْخُلَ الْمِلْحُ وَالتَّوَابِلُ.
(الرَّابِعُ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلطَّعَامِ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسَاءِ وَأَمَّا الطَّعَامُ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا النَّسَاءِ فَقَطْ وَلَا يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا التَّفَاضُلِ فَهُوَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا غَلَبَ اتِّخَاذُهُ لِأَكْلِ آدَمِيٍّ أَوْ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ لِشُرْبِهِ فَيَدْخُلُ الْمِلْحُ وَالْفُلْفُلُ وَنَحْوُهُمَا، وَاللَّبَنُ لَا الزَّعْفَرَانُ، وَإِنْ أَصْلَحَ لِعَدَمِ اتِّخَاذِهِ لِإِصْلَاحِهِ وَالْمَاءُ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَعْنِي مَا يَحْرُمَانِ فِيهِ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى رِبَوِيًّا بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى رِبَوِيًّا، وَإِنْ دَخَلَهُ نَوْعٌ مِنْ الرِّبَا وَكَأَنَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا اسْتَكْمَلَ الْأَوَّلَ مِنْ نَوْعَيْ الرِّبَا نُسِبَ إلَيْهِ.
(الْخَامِسُ) تَخْصِيصُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالذِّكْرِ لِيُنَبِّهَ بِالْبُرِّ عَلَى كُلِّ مُقْتَاتٍ فِي حَالِ الرَّفَاهِيَةِ وَتَعُمُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَبِالشَّعِيرِ عَلَى كُلِّ مَا يُقْتَاتُ فِي حَالِ الشِّدَّةِ كَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الِاقْتِيَاتِ، وَإِنْ انْفَرَدَ بِصِفَةٍ أُخْرَى لِكَوْنِهِ عَلَفًا وَبِالتَّمْرِ عَلَى كُلِّ مَا يُقْتَاتُ وَفِيهِ حَلَاوَةٌ، وَيُسْتَعْمَلُ فَاكِهَةً فِي بَعْضِ الْأَمْصَارِ كَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَبِالْمِلْحِ عَلَى كُلِّ مُصْلِحِ الْقُوتِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ إلَّا الْقَلِيلُ

[فَرْعٌ النُّخَالَة هَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّعَامِ أَمْ لَا]

(فَرْعٌ) قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الطَّعَامِ

وَالشَّرَابِ قَالَ فِي الِاسْتِغْنَاءِ اُخْتُلِفَ فِي النُّخَالَةِ هَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّعَامِ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ وَلَا بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا وَلَا اقْتِضَاءُ الطَّعَامِ مِنْ ثَمَنِهَا وَقِيلَ: يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا كَالْعَلَفِ انْتَهَى.

ص (كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ وَسُلْتٍ وَهِيَ جِنْسٌ) ش: لَمَّا كَانَ اتِّحَادُ الْجِنْسِيَّةِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ وَاخْتِلَافُ الْجِنْسِيَّةِ يُبِيحُ التَّفَاضُلَ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» احْتَاجَ إلَى بَيَانِ مَا هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مِنْ تَبْيِينِ الرِّبَوِيَّاتِ مِنْ غَيْرِهَا أَوَّلًا، ثُمَّ بَيَانُ مَا هُوَ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَوْ جِنْسَانِ بَلْ جَمَعَ ذَلِكَ لِلِاخْتِصَارِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي اتِّحَادِ الْجِنْسِيَّةِ عَلَى اسْتِوَاءِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ تَقَارُبِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ كَانَ الطَّعَامَانِ يَسْتَوِيَانِ فِي الْمَنْفَعَةِ كَأَصْنَافِ الْحِنْطَةِ أَوْ يَتَقَارَبَانِ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ كَانَا جِنْسًا، وَإِنْ تَبَايَنَا كَالتَّمْرِ مَعَ الْقَمْحِ كَانَا جِنْسَيْنِ وَالْمَنْصُوصُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ لِتَقَارُبِ الْمَنْفَعَةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ: إنَّهُ الْأَمْرُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الْمُعَلِّمِ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَقَالَ السُّيُورِيَّ وَتِلْمِيذُهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ: هُمَا جِنْسَانِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَعْنِي قَوْلَهُ: " فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ " قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَرَدَّ الْبَاجِيُّ قَوْلَ الْمُخَالِفِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّعِيرِ وَالْقَمْحِ إذْ تَخْتَارُ لُقْمَةُ هَذَا عَلَى لُقْمَةِ هَذَا بِأَنَّ هَذَا مِنْ حَيْثُ التَّرَفُّهُ، وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْأَصَالَةُ فِي الْمَنَافِعِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إحْدَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الصَّائِغُ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ أَنْ لَا يُفْتَى فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالثَّانِيَةُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَالثَّالِثَةُ التَّدْمِيَةُ الْبَيْضَاءُ وَأَمَّا السُّلْتُ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالْقَمْحِ وَفِي أَحَدِ أَقْوَالِ السُّيُورِيِّ فِيهِ نَظَرٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْأَظْهَرُ عَدَمُ جَرْيِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْقَمْحِ مِنْ الشَّعِيرِ قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ يَعْنِي فِي طَعْمِهِ وَلَوْنِهِ وَقَوَامِهِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي خِلْقَتِهِ وَيُعْرَفُ عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ بِشَعِيرِ النَّبِيِّ وَذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، فَقَالَ: وَلَا يَتَخَرَّجُ فِيهِ قَوْلُ السُّيُورِيِّ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ السُّلْتُ: حَبٌّ بَيْنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ لَا قِشْرَ لَهُ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ السُّلْتُ بِالضَّمِّ: ضَرْبٌ مِنْ الشَّعِيرِ لَيْسَ لَهُ قِشْرٌ كَأَنَّهُ الْحِنْطَةُ.
ص (وَعَلَسٍ وَأُرْزٍ وَدُخْنٍ وَذُرَةٍ وَهِيَ أَجْنَاسٌ) ش: اُخْتُلِفَ فِي الْعَلَسِ فَالْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالثَّلَاثَةِ، وَأَنَّهُ جِنْسٌ مُنْفَرِدٌ وَقِيلَ إنَّهُ يَلْحَقُ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ وَالْعَلَسُ قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: حَبٌّ صَغِيرٌ يَقْرُبُ مِنْ خِلْقَةِ الْبُرِّ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: هُوَ حَبٌّ مُسْتَطِيلٌ صَغِيرٌ مُصَوَّفٌ.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْعَلَسُ مُحَرَّكَةٌ ضَرْبٌ مِنْ الْبُرِّ يَكُونُ حَبَّتَانِ فِي قِشْرَةٍ والْإِشْقالِيَّةُ هِيَ الْعَلَسُ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الدُّخْنَ وَالذُّرَةَ، وَالْأُرْزَ أَجْنَاسٌ مُتَبَايِنَةٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَأَنَّهَا لَا تَلْحَقُ بِالْقَمْحِ، وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ: أَنَّهَا جِنْسٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرَ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْهُ أَنَّهَا تَلْحَقُ بِالْقَمْحِ وَمَا مَعَهُ، وَنَقْلُ ابْنِ بَشِيرٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيّ عَنْ اللَّيْثِ وَمَالَ إلَيْهِ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّرْفِ وَالرِّبَوِيَّاتُ، وَالْأُرْزُ مَعْلُومٌ وَالذُّرَةُ قِيلَ الْبَشْنَةُ، وَقِيلَ الْقَطَّانِيَّةُ وَعَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَالدُّخْنُ قِيلَ قَمْحُ السُّودَانِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى دِرْعًا، وَقِيلَ الْقَطَّانِيَّةُ وَسَمِعْتُ بَعْضَ شُيُوخِنَا يَقُولُ الْبَشْنَةُ انْتَهَى.
وَالْقَطَّانِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى فِي مَكَّةَ بِالذُّرَةِ وَالْبَشْنَةُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى فِي عُرْفِ أَهْلِ الطَّائِفِ بِالْأَجْرَشِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَعَلَسٌ هُوَ وَمَا بَعْدَهُ يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ وَالرَّفْعُ فَالْجَرُّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ كَحَبٍّ وَالرَّفْعُ عَلَى الْخَبَرِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فَإِنَّ قَوْلَهُ: " كَحَبٍّ " خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِثَالُهُ كَحَبٍّ إلَخْ، وَالْخَبَرُ إنَّمَا هُوَ الْمُتَعَلِّقُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَقُطْنِيَّةٌ وَمِنْهَا: كِرْسِنَّةٌ وَهِيَ أَجْنَاسٌ) ش: الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْقُطْنِيَّةَ أَجْنَاسٌ مُتَبَايِنَةٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ

وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ لِاخْتِلَافِ صُوَرِهَا وَأَسْمَائِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا وَمَنَافِعِهَا وَعَدَمِ اسْتِحَالَةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ إلَى الْعُرْفِ، وَهِيَ فِي الْعُرْفِ أَصْنَافٌ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ فِي الْقَسْمِ بِالسَّهْمِ وَقِيلَ: إنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الثَّانِي قَالَ فِي الرِّسَالَةِ: وَالْقُطْنِيَّةُ أَصْنَافٌ فِي الْبُيُوعِ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا قَوْلُهُ: فِي الزَّكَاةِ إنَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُجَانَسَةُ الْعَيْنِيَّةُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَقَارُبُ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعَيْنُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ أَلَا تَرَى أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ، وَهُمَا جِنْسَانِ فِي الْبَيْعِ، وَقِيلَ الْحِمَّصُ وَاللُّوبِيَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَالْبِسِلَّةُ وَالْجُلُبَّانُ جِنْسٌ وَمَا عَدَا ذَلِكَ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَنَسَبَهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَالْقُطْنِيَّةُ قَالَ الْجُزُولِيُّ كُلُّ مَا لَهُ مُزَوَّدٌ مِنْ الْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ وَالْجُلُبَّانِ وَاللُّوبِيَا وَغَيْرِهَا وَسُمِّيَتْ قُطْنِيَّةً؛ لِأَنَّهَا تَقْطُنُ فِي الْبُيُوتِ، أَيْ تُدَّخَرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُسْرِعُ إلَيْهَا الْأَيْدِي.
وَقَالَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ الْقُطْنِيَّةُ: كُلُّ مَا لَهُ خَرُّوبَةٌ كَالْفُولِ، وَالْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ وَاللُّوبِيَا وَالْبَسِيلَةِ وَهِيَ الْكِرْسِنَّةُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَهَا خَرُّوبَةٌ انْتَهَى، وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ الْقُطْنِيَّةُ ذَوَاتُ الْمَزَاوِدِ انْتَهَى.
قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ: الْقُطْنِيَّةُ حُبُوبٌ كَثِيرَةٌ تُقْتَاتُ وَتُخْتَبَزُ وَسُمِّيَتْ قُطْنِيَّةً لِقُطُونِهَا فِي بُيُوتِ النَّاسِ مِنْ قَطَنَ بِالْمَكَانِ إذَا أَقَامَ بِهِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا، قَالَهُ عِيَاضٌ، وَالْحِمَّصُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا قَالَ ثَعْلَبٌ الِاخْتِيَارُ الْفَتْحُ وَمِيمُهُ مُشَدَّدَةٌ، قَالَهُ الْفَاكِهَانِيُّ وَالْعَدَسُ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَاللُّوبِيَا الدَّجْرُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الدَّجْرُ مُثَلَّثَةٌ اللُّوبِيَا كَالدُّجُرِ بِضَمَّتَيْنِ، وَيَعْنِي أَنَّهُ مُثَلَّثُ الدَّالِ مَعَ سُكُونِ الْجِيمِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْكِرْسِنَّةِ هَلْ هِيَ مِنْ الْقَطَانِيِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَوْ هِيَ صِنْفٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى حِدَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقِيلَ: إنَّهَا غَيْرُ طَعَامٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى لَا زَكَاةَ فِيهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهَا عَلَفٌ، وَلَيْسَتْ بِطَعَامٍ قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ قَالَ الْبَاجِيُّ: الْكِرْسِنَّةُ الْبَسِيلَةُ هَكَذَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ عَنْهُ، وَذَكَرَ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ الْبَسِيلَةُ الْمَاشُّ، وَالْمَاشُّ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ، وَهُوَ بِالْعِرَاقِ حَبٌّ صَغِيرٌ يُشْبِهُ الْجُلُبَّانَ، وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ لَا مِرْيَةَ أَنَّ الْمَاشَّ غَيْرُ الْبَسِيلَةِ، وَإِنْ كَانَ يُشْبِهُهَا بَعْضَ شَبَهٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ الْكِرْسِنَّةُ هِيَ اللُّوبِيَا خِلَافُ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ تَفْسِيرُ مَالِكٍ الْقُطْنِيَّةَ بِقَوْلِهِ: الْجُلُبَّانُ وَاللُّوبِيَا وَالْحِمَّصُ وَالْكِرْسِنَّةُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ وَعَدَّ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ التُّرْمُسَ مَعَ الْقُطْنِيَّةِ وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي تَفْرِيعِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ) ش: لَا خِلَافَ أَنَّ أَصْنَافَ التَّمْرِ كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ أَصْنَافُ الزَّبِيبِ، وَأَنَّهُمَا أَعْنِي الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ جِنْسَانِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْجُزُولِيُّ الْقِشَمِّشُ زَبِيبٌ صَغِيرٌ لَا عَظْمَ لَهُ.
ص (وَلَحْمِ طَيْرٍ وَهُوَ نَجَسٌ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ كَدَوَابِّ الْمَاءِ وَذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ وَحْشًا وَالْجَرَادِ وَفِي رِبَوِيَّتِهِ خِلَافٌ) ش: قَالَ سَنَدٌ اللُّحُومُ عِنْدَ مَالِكٍ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ: لَحْمُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ جِنْسٌ عَلَى اخْتِلَافِ أَسْمَاءِ الْحَيَوَانِ إنْسِيِّهَا وَوَحْشِيِّهَا.
وَلَحْمُ الطَّيْرِ جِنْسٌ مُخَالِفٌ لِلَحْمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى اخْتِلَافِ الطُّيُورِ وَحْشِيِّهَا، وَإِنْسِيِّهَا وَلَحْمُ الْحُوتِ ثَالِثٌ مُخَالِفٌ لِلْجِنْسَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْحُوتِ مَا كَانَ لَهُ شَبَهٌ فِي الْبَرِّ، وَقَوَائِمُ يَمْشِي عَلَيْهِ وَمَا لَا شَبَهَ لَهُ وَالْجَرَادُ جِنْسٌ رَابِعٌ فَكُلُّ جِنْسٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالْجِنْسِ الْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَيَابِسًا بِطَرِيٍّ وَلَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ تَفَاضُلٌ وَلَا طَرِيٌّ بِيَابِسٍ خَلَا الْجَرَادِ فَإِنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ: الْجَرَادُ لَيْسَ بِلَحْمٍ وَذَكَرَ ابْنُ الْجَلَّابِ أَنَّهُ جِنْسٌ رَابِعٌ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ عِنْدَهُ إلَى الذَّكَاةِ وَيُمْنَعُ مِنْهُ الْمُحْرِمُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ جِنْسٌ رِبَوِيٌّ انْتَهَى.
وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ نَحْوَ مَا فِي الْجَلَّابِ لِقَوْلِهِ فِيهَا

يَجُوزُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْحُوتِ يَدًا بِيَدٍ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْجَرَادَ لَيْسَ بِرِبَوِيٍّ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَإِلَى مَا قَالَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمَا قَالَ سَنَدٌ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: خِلَافٌ وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ وَكُلُّ مَا يَسْكُنُ الْمَاءَ مِنْ التُّرْسِ فَمَا دُونَهُ، وَالطَّيْرِ فَمَا فَوْقَهُ صِنْفٌ لَا يُبَاعُ مُتَفَاضِلًا، وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ اخْتَلَفَتْ مَرَقَتُهُ " يَعْنِي أَنَّ لَحْمَ الطَّيْرِ إذَا طُبِخَ بِأَمْرَاقٍ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَعْنِي فِي الْمَطْبُوخِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَأَمَّا الْمَطْبُوخُ مِنْهُ بِالنِّيءِ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ إنْ طُبِخَ بِإِبْزَارٍ صَارَ جِنْسًا مُسْتَقِلًّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْمَطْبُوخُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ صِفَةُ طَبْخِهِ كَقَلْيِهِ بِعَسَلٍ وَأُخْرَى بِلَبَنٍ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى قَوْلِ اللَّخْمِيِّ: الْقِيَاسُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَ قِلِّيَّةِ الْعَسَلِ، وَقِلِّيَّةِ الْخَلِّ؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا، وَهَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِلَحْمِ الطَّيْرِ بَلْ الْحُكْمُ جَارٍ فِي لَحْمِ دَوَابِّ الْمَاءِ، وَلَحْمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَلَحْمِ الْجَرَادِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ رِبَوِيٌّ وَيُسْتَفَادُ هَذَا مِنْ تَشْبِيهِهِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِلَحْمِ الطَّيْرِ وَأَمَّا بَيْعُ الْمَطْبُوخِ مِنْ لَحْمِ أَحَدِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ بِالْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَهُوَ الْفَرْعُ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا الْمَطْبُوخُ مِنْ جِنْسَيْنِ بِالنِّيءِ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ وَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ وَقَدْ عُلِمَ حُكْمُ جَمِيعِ الْأَقْسَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَاخِرِ السَّلَمِ فِي الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا خَيْرَ فِي الصِّيرِ بِلَحْمِ الْحِيتَانِ مُتَفَاضِلًا وَلَا صِغَارِ الْحِيتَانِ بِكِبَارِهَا مُتَفَاضِلًا، قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الصِّيرُ بِكَسْرِ الصَّادِ حِيتَانٌ صِغَارٌ مَمْلُوحَةٌ قَالَ فِي الطِّرَازِ: وَلَا فَرْقَ فِي الْجِنْسِ بَيْنَ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ وَخَشِنِهِ وَنَاعِمِهِ، كَمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَمَلِ وَالْجَمَلِ وَلَا بَيْنَ النَّعَامِ وَالْحَمَامِ وَلَا بَيْنَ حُوتِ الْمَاءِ الْعَذْبِ بِحُوتِ الْمَاءِ الْمَالِحِ فَالصِّيرُ بِمِصْرَ سَمَكٌ صَغِيرٌ عَلَى هَيْئَةِ الْأُصْبُعِ يَكُونُ بِبَحْرِ النِّيلِ وَيَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ صَغِيرًا جِدًّا عَلَى هَيْئَةِ فَلْقَةِ نَوَاةِ التَّمْرِ يُسَمَّى الْقِيرَ، وَيُؤْكَلُ مَمْلُوحًا وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ قَلْيٌ وَلَا شَيٌّ، وَالصِّيرُ يَأْكُلُونَهُ مُمَلَّحًا وَمَقْلُوًّا وَالْجَمِيعُ لَهُ حُكْمُ الْحُوتِ، وَقَالَ فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ، وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الْقِلَّةِ الصِّيرِ بِالْقِلَّةِ الصِّيرِ قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إلَّا بِالتَّحَرِّي يُرِيدُ الصِّيرَ بِالصِّيرِ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ الصِّيرَ بِمَنْزِلَةِ الْجُبْنِ وَاللَّبَنِ لَا يَجُوزُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالتَّحَرِّي؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِيهَا بِوَزْنٍ جَائِزٍ قِيلَ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مَا لَمْ يَكْثُرْ جِدًّا حَتَّى لَا يُسْتَطَاعُ تَحَرِّيهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا قَلَّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَعَزَاهُ لِمَالِكٍ وَقِيلَ: يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ تَدْعُ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِيزَانِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَإِنْ عُدِمَ الْمِيزَانُ إلَّا فِي الطَّعَامِ الَّذِي يُخْشَى فَسَادُهُ، وَهَذَا فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُبَادَلَةِ ابْتِدَاءً وَأَمَّا مَنْ وَجَبَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَزْنٌ مِنْ طَعَامٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَهُ تَحَرِّيًا إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِعَدَمِ الْمِيزَانِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ سَنَدٌ وَكَبِدُ السَّمَكِ وَدُهْنُهُ وَوَدَكُهُ لَهُ حُكْمُ السَّمَكِ وَلَيْسَ الْبَطَارِخُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ بَيْضُ السَّمَكِ فَإِنَّهَا فِي حُكْمِ الْمُودَعِ فِيهِ حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْهُ كَبَيْضِ الطَّيْرِ وَلَبَنِ الْأَنْعَامِ وَكَمَا أَنَّ السَّمْنَ مُودَعٌ فِي اللَّبَنِ، وَإِنْ لَمْ يُجَانِسْهُ وَلَا يَحْنَثُ فِي الْيَمِينِ الْمُعَلَّقَةِ بِاسْمِ السَّمَكِ بِبَيْضِهِ وَلَا فِي الْيَمِينِ الْمُعَلَّقَةِ بِاسْمِ الْبَيْضِ وَالْبَطَارِخِ بِالسَّمَكِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا أُضِيفَ إلَى اللَّحْمِ مِنْ شَحْمٍ وَكَبِدٍ وَكَرِشٍ وَقَلْبٍ وَرِئَةٍ وَطِحَالٍ وَكُلًى وَحُلْقُومٍ وَخُصْيَةٍ وَكُرَاعٍ وَرَأْسٍ وَشِبْهِهِ فَلَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ فِيمَا ذَكَرْنَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِاللَّحْمِ، وَلَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الطِّحَالِ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ فِي الطِّرَازِ وَالْجِلْدُ لَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ إذَا كَانَ مَأْكُولًا، وَكَذَلِكَ الْعَصَبُ وَالْعَظْمُ وَالْبَيْضُ لَا تَقِفُ اسْتِبَاحَتُهُ عَلَى الذَّكَاةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ اللَّحْمِ كَاللَّبَنِ بِخِلَافِ الْكَبِدِ وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّحْمِ وَزْنًا بِوَزْنٍ لَا يُخْتَلَفُ فِي جَوَازِهِ، وَكَذَلِكَ

بَيْعُ الشَّحْمِ بِالشَّحْمِ إذَا كَانَ جَمِيعُهُ طَرِيًّا فَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَيَجْرِي عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي يَابِسِ اللَّحْمِ بِيَابِسِهِ وَمَالِحِهِ بِمَالِحِهِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي جِنْسِيَّةِ الْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسَيْنِ قَوْلَانِ) ش: يَعْنِي أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي لَحْمِ الْجِنْسَيْنِ إذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ هَلْ يَصِيرَانِ بِالطَّبْخِ جِنْسًا وَاحِدًا فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَبْقَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ؟ قَوْلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: الْمَذْهَبِ أَنَّ الْأَمْرَاقَ وَاللُّحُومَ الْمَطْبُوخَةَ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِلَافِ اللُّحُومِ وَلَا إلَى اخْتِلَافِ مَا تُطْبَخُ بِهِ وَتَعَقَّبَ هَذَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَأَى أَنَّ الزِّيرَبَاجَ مُخَالِفَةٌ لِلطَّبَاهِجَةِ، وَكَذَلِكَ مَا يُعْمَلُ مِنْ لَحْمِ الصِّيرِ مُخَالِفٌ لِمَا يُعْمَلُ مِنْ لَحْمِ الْغَنَمِ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ أَنَّ اللَّحْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ إذَا طُبِخَا لَا يَصِيرَانِ جِنْسًا وَاحِدًا بَلْ يَبْقَيَانِ عَلَى أَصْلَيْهِمَا اهـ. وَكَانَ الْجَارِي عَلَى قَاعِدَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ خِلَافٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَدْ رُجِّحَ.
(تَنْبِيهٌ) حُمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا طُبِخَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْبِسَاطِيِّ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إذَا طُبِخَ جِنْسَانِ مِنْ اللَّحْمِ بِمَرَقَةٍ لِإِيهَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ مَقْصُورٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ جَوَازُ بَيْع الْمَطْبُوخِ وَزْنًا، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ سَنَدٌ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ يُمْنَعُ الْقَدِيدُ بِالْقَدِيدِ وَالْمَشْوِيُّ بِالْمَشْوِيِّ لَا يَجُوزُ الْمَطْبُوخُ بِالْمَطْبُوخِ لِاخْتِلَافِ تَأْثِيرِ النَّارِ وَعَلَى الْجَوَازِ فَهَلْ تُرَاعَى الْمِثْلِيَّةُ فِي الْحَالِ أَوْ كَوْنُ اللَّحْمِ نِيئًا قَوْلَانِ قَالَ سَنَدٌ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
ص (وَالْمَرَقِ وَالْعَظْمِ وَالْجِلْدِ كَهُوَ) ش: يَعْنِي أَنَّ اللَّحْمَ الْمَطْبُوخَ إذَا بِيعَ بِاللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ وَكَانَ مَعَهُمَا مَرَقٌ فَإِنَّ حُكْمَ الْمَرَقِ كَحُكْمِ اللَّحْمِ، وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ وَالْهَرِيسَةُ بِالْهَرِيسَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّمَا يَتَحَرَّى اللَّحْمَ خَاصَّةً حَيْثُ كَانَ نِيئًا وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا إلَى مَا مَعَهُ مِنْ الْمَرَقِ كَمَا يَتَحَرَّى الْخُبْزَ بِالْخُبْزِ الرَّقِيقِ، وَقَالَ سَنَدٌ إذَا رَاعَيْنَا الْمُمَاثَلَةَ فِي بَيْعِ الْمَطْبُوخِ بِالْمَطْبُوخِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهَلْ يُعْتَبَرُ اسْتِوَاءُ الْوَزْنِ بِمَا فِي الْمِلْحِ مِنْ رُطُوبَةِ الْمَرَقِ أَوْ يَتَحَرَّى مَا فِيهِ مِنْ وَزْنِ اللَّحْمِ دُونَ مَا فِيهِ مِنْ رُطُوبَةِ الْمَرَقِ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَمَنْ جَعَلَ الْمَرَقَ جِنْسًا آخَرَ أَسْقَطَ مَا فِيهِ مِنْ رُطُوبَةِ الْمَرَقِ وَمَنْ جَعَلَ الْمَرَقَ تَابِعًا لِلَّحْمِ اعْتَبَرَهُ بِرُطُوبَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِرُطُوبَتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمَرَقَ جِنْسٌ آخَرُ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَا يُطْبَخُ مَعَ اللَّحْمِ فَضَرْبَانِ ضَرْبٌ لَهُ مَعَ الطَّبْخِ عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَاللِّفْتِ وَالْبَاذِنْجَانِ فَابْنُ أَبِي زَيْدٍ يَجْعَلُهُ تَابِعًا لِحُكْمِ اللَّحْمِ حَتَّى جَعَلَ الْهَرِيسَةَ بِالْهَرِيسَةِ كَأَنَّهُ لَحْمٌ بِلَحْمٍ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ لَحْمًا وَقَمْحًا بِلَحْمٍ وَقَمْحٍ وَغَيْرُهُ يُخَالِفُهُ، وَيَقُولُ: لَا يَبِيعُ ذَلِكَ وَلَا يُبَاعُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ وَبَقْلٌ بِلَحْمٍ وَبَقْلٍ وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا إنْ كَانَ مِنْ الْبُقُولِ غَيْرِ الْمُدَّخَرَةِ، وَإِنْ اُدُّخِرَ كَالْبَصَلِ وَالثُّومِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُتَفَاضِلًا وَضَرْبٌ لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ يُعْطِيهِ حُكْمَ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ مَاءُ اللَّحْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطِيهِ حُكْمَ الْمَاءِ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ يَجْعَلُهُ تَبَعًا لِلَّحْمِ.
ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا يَجْرِي مَا يُصْنَعُ فِي السَّمَكِ الْمَطْبُوخِ

مِنْ خَرْدَلٍ وَلَيْمُونٍ وَغَيْرِهِ هَلْ لِذَلِكَ حُكْمُ السَّمَكِ أَوْ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ اهـ بِاخْتِصَارٍ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتَصَرَهُ جِدًّا وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَنَّهُ مَشَى عَلَى كَلَامِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ فَأَعْطَى الْمَرَقَ حُكْمَ اللَّحْمِ فَإِذَا بِيعَ لَحْمٌ وَمَرَقٌ بِلَحْمٍ وَمَرَقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا وَكَذَا إذَا بِيعَ لَحْمٌ وَمَرَقٌ بِلَحْمٍ فَقَطْ أَوْ بِيعَ مَرَقٌ فَقَطْ بِمَرَقٍ فَقَطْ وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا بِيعَ لَحْمٌ بِمَرَقٍ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ دُخُولُ ذَلِكَ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَقَوْلُهُ: وَالْعَظْمُ وَالْجِلْدُ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا بِيعَ اللَّحْمُ بِاللَّحْمِ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا بِالْوَزْنِ أَوْ بِالتَّحَرِّي فَهَلْ يُبَاعُ بِعَظْمِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيُعَدُّ الْعَظْمُ كَأَنَّهُ لَحْمٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ نَوَاهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِابْنِ شَعْبَانَ أَنَّهُ يَتَحَرَّى مَا فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ فَيَسْقُطُ الْعَظْمُ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا عَلَى اخْتِصَارِ سَنَدٍ قُلْت فَهَلْ يَصْلُحُ الرَّأْسُ بِالرَّأْسِ؟ قَالَ لَا يَصْلُحُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ أَوْ عَلَى التَّحَرِّي قُلْت فَإِنْ دَخَلَ رَأْسٌ فِي وَزْنِ رَأْسَيْنِ أَوْ دَخَلَ ذَلِكَ فِي التَّحَرِّي قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ قَالَ سَنَدٌ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا يَصْلُحُ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ أَنَّ الْعَظْمَ لَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ مَا لَمْ يَكُنْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، كَمَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَتَحَرَّى اللَّحْمَ وَالْقَوْلَانِ جَارِيَانِ فِي عَظْمِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ وَالْخِلَافُ فِي الرُّءُوسِ بِاللَّحْمِ وَفِي الْأَكَارِعِ بِاللَّحْمِ فِي طَرْحِ عَظْمِ الرُّءُوسِ وَالْأَكَارِعِ يَجْرِي عَلَى ذَلِكَ اهـ. وَالْجِلْدُ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَنَدٍ أَنَّهُ كَاللَّحْمِ إذَا كَانَ مَأْكُولًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا خَيْرَ فِي شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ بِشَاةٍ مَذْبُوحَةٍ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ تَحَرِّيًا إنْ قَدَرَ عَلَى تَحَرِّيهِمَا قَبْلَ السَّلْخِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: يَنْبَغِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ كُلُّ وَاحِدٍ جِلْدَ شَاتِهِ وَإِلَّا فَهُوَ لَحْمٌ وَسِلْعَةٌ بِلَحْمٍ، وَسِلْعَةٍ قَالَ سَنَدٌ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ لَحْمٌ يُؤْكَلُ مَسْمُوطًا قَالَ سَنَدٌ وَعَلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ يُرَاعَى الصُّوفُ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَجْزُورَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا اهـ. ص (وَيُسْتَثْنَى قِشْرُ بَيْضِ النَّعَامِ) ش: اعْلَمْ أَنَّ الْبَيْضَ رِبَوِيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا يُبَاعُ الْبَيْضُ إلَّا بِالْوَزْنِ أَوْ بِالتَّحَرِّي وَقِشْرُهُ تَابِعٌ لَهُ كَالْعَظْمِ لِلَّحْمِ إلَّا بَيْضَ النَّعَامِ فَإِنَّ قِشْرَهُ كَسِلْعَةٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِبَيْضٍ آخَرَ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سِلْعَةً وَرِبَوِيٌّ بِرِبَوِيٍّ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
ص (وَذُو زَيْتٍ كَفُجْلٍ وَالزُّيُوتُ أَصْنَافٌ) ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَذُو بِالْوَاوِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَصْنَافٌ وَفِي بَعْضِهَا وَذِي بِالْيَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَجْرُورَاتِ وَأَمَّا قَوْلُهُ

وَالزُّيُوتُ فَهُوَ بِالرَّفْعِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا لَهُ زَيْتٌ كَحَبِّ الْفُجْلِ وَالسِّمْسِمِ وَالْجُلْجُلَانِ وَالْقُرْطُمِ وَالزَّيْتُونِ فَهُوَ رِبَوِيٌّ وَهَذِهِ الْحُبُوبُ أَصْنَافٌ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ مُسْتَقِلٌّ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالصِّنْفِ الْآخَرِ مُتَفَاضِلًا (تَنْبِيهٌ) شَمِلَ كَلَامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِزْرَ الْكَتَّانِ وَزَيْتَ الْكَتَّانِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ بِزْرِ الْكَتَّانِ رِبَوِيًّا رِوَايَةُ زَكَاتِهِ وَنَقَلَ اللَّخْمِيّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا زَكَاةَ فِيهِ إذْ لَيْسَ بِعَيْشٍ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
(قُلْت) وَالْجَارِي عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ رِبَوِيٍّ ثُمَّ قَالَ وَفِيهَا زَيْتُ الزَّيْتُونِ وَزَيْتُ الْفُجْلِ وَزَيْتُ الْجُلْجُلَانِ أَجْنَاسٌ لِاخْتِلَافِ مَنَافِعِهَا قَالَ ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي كُلِّ زَيْتٍ يُؤْكَلُ أَنَّهُ رِبَوِيٌّ وَأَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّفَاضُلَ فِي زَيْتِ الْكَتَّانِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ اهـ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ زَيْتُ الزَّيْتُونِ وَالْجُلْجُلَانِ وَالْفُجْلِ وَالْقُرْطُمِ وَزَيْتُ زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ وَالْجَوْزُ وَاللَّوْزُ أَصْنَافٌ يَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا بِالْآخَرِ مُتَفَاضِلًا وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي زَيْتِ زَرِيعَةِ الْكَتَّانِ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلْأَكْلِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِزَيْتِ الزَّيْتُونِ نَقْدًا وَإِلَى أَجَلٍ وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي زَيْتِ اللَّوْزِ لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ لِلْأَكْلِ غَالِبًا وَإِنَّمَا يُرَادُ لِلْعِلَاجِ وَيَدْخُلُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَكَذَلِكَ زَيْتُ اللَّوْزِ عِنْدَنَا اهـ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَبِلَهُ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الرَّاجِعَ فِي بِزْرِ الْكَتَّانِ وَزَيْتِهِ أَنَّهُمَا غَيْرُ رِبَوِيَّيْنِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا رِبَوِيَّانِ بِحَسَبِ بَلَدِهِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ بِمِصْرَ يَسْتَعْمِلُونَ زَيْتَ الْكَتَّانِ لِقَلْيِ السَّمَكِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخَرِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ: إنَّ زَرِيعَةَ الْفُجْلِ وَزَرِيعَةَ الْكَتَّانِ مِنْ الطَّعَامِ لَا تُبَاعُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ وَلَا يُبَاعُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُتَّخَذُ فِيهِ ذَلِكَ اهـ وَقَالَ فِي الطِّرَازِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الزُّيُوتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا يُؤْكَلُ فِي الْعَادَةِ فَهُوَ عَلَى حُكْمِ الطَّعَامِ وَإِنْ دَخَلَ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةِ الْأَكْلِ فَزَيْتُ الزَّيْتُونِ جِنْسٌ عَلَى اخْتِلَافِ صِفَاتِهِ فَيُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَيْلًا إلَّا أَنْ يَجْمُدَ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَنْضَمُّ أَجْزَاؤُهُ وَيُنْتَقَصُ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ بَيْعُهُ بِالْجَارِي غَيْرِ الْجَامِدِ لِأَنَّ الْجَارِيَ إذَا جَمُدَ انْتَقَصَ فَيَكُونُ مِنْ بَيْعِ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهَذَا إذَا تَحَقَّقَ نَقْصُ الْجَامِدِ عَنْ الْمَائِعِ وَزَيْتُ الْجُلْجُلَانِ جِنْسٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِزَيْتِ الزَّيْتُونِ مُتَمَاثِلًا وَمُتَفَاضِلًا مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الزَّيْتِيَّةِ قَالَ وَكَذَلِكَ زَيْتُ الْفُجْلِ لَهُ حُكْمُ الطَّعَامِ وَهُوَ بِأَرْضٍ يُؤْكَلُ بِالطَّبْخِ وَالْقَلْيِ وَهُوَ بِأَرْضِ الصَّعِيدِ صِبْغٌ لِلْآكِلِينَ وَمَنَعَ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَوْجَبَ فِيهِ الزَّكَاةَ وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ جِنْسٌ وَاحِدٌ ثُمَّ قَالَ وَمِنْ الزَّيْتُونِ زَيْتُ الْبِزْرِ وَهُوَ زَرِيعَةُ الْكَتَّانِ وَيُخْتَلَفُ فِيهِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى حُكْمِ الطَّعَامِ وَلَمَّا مَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ الزَّكَاةَ فِيهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ إذْ لَيْسَ بِعَيْشٍ وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَزَكَاتُهُ الْعُشْرُ لَا تَجِبُ فِي غَيْرِ مَأْكُولٍ وَإِنْ عَمَّتْ مَنْفَعَتُهُ وَهَذَا فِي الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالْقَصَبِ وَالشَّمَارِ بَلْ لَا تَجِبُ فِي الْحُبُوبِ وَفِي ثَمَرَةِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ حَتَّى تَرْجِعَ طَعَامًا وَتَطِيبَ أَيْضًا فَإِيجَابُ الزَّكَاةِ وَأَخْذُهَا مِنْ زَيْتِ الْكَتَّانِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَلَى حُكْمِ الطَّعَامِ وَبِزْرُ الْكَتَّانِ يُؤْكَلُ بِأَرْضِنَا عَادَةً وَيُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ كَذَلِكَ كَمَا يُبَاعُ السِّمْسِمُ وَيُؤْكَلُ نِيئًا وَمَقْلُوًّا وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَبَعْضُهُمْ لَا رِبَا فِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ لَا يُسْتَطَابُ وَلَا يُؤْكَلُ بَلْ يُسْتَخْبَثُ رِيحُهُ فَكَيْفَ بِأَكْلِهِ بَلْ يُعَدُّ أَكْلُهُ سَفَهًا فَهُوَ فِي نَفْسِهِ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِ الْمَأْكُولِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ فِي قَوْلٍ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي حَبِّهِ وَحَبُّهُ مَأْكُولٌ يُسْتَلَذُّ وَلَا يُسْتَخْبَثُ وَلَمَّا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي حَبِّهِ أُخِذَتْ مِنْ زَيْتِهِ عَلَى قِيَاسِ مَا لَهُ زَيْتٌ وَلِأَنَّ التَّفَاضُلَ لَا يَحْرُمُ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الطَّعَامِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ فِيمَا يُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ أَوْ يَصْلُحُ الْقُوتُ بِهِ، وَزَيْتُ الْكَتَّانِ خَارِجٌ عَنْ

ذَلِكَ فَلَا يُقْتَاتُ بِهِ وَلَا يَصْلُحُ بِهِ الْقُوتُ فِي الْعَادَةِ أَمَّا زَيْتُ السَّلْجَمِ فَإِنَّهُ لَا رِبَا فِيهِ وَيُخَالِفُ زَيْتَ الْفُجْلِ لِأَنَّ زَيْتَ الْفُجْلِ مَأْكُولٌ وَيُخَالِفُ زَيْتَ الْكَتَّانِ لِأَنَّ زَيْتَ الْكَتَّانِ زَيْتُ حَبٍّ مَأْكُولٍ، وَالسَّلْجَمُ لَا يُؤْكَلُ حَبُّهُ لَا زَيْتُهُ.
وَمِنْ الزُّيُوتُ زَيْتُ الْخَسِّ وَهُوَ مَأْكُولٌ وَزَيْتُهُ بِأَرْضِنَا مُدَّخَرٌ عَامُّ الْوُجُودِ وَكَذَلِكَ زَيْتُ الْجَوْزِ مَأْكُولٌ مِنْ مَأْكُولٍ وَهُوَ مُدَّخَرٌ عَامُّ الْوُجُودِ بِخُرَاسَانَ وَأَرْضِ الْعِرَاقِ وَكَذَلِكَ زَيْتُ الْقُرْطُمِ وَزَيْتُ الْبُطْمِ وَهُوَ زَيْتُ الْحَبَّةِ الْخَضْرَاءِ وَهُوَ كَثِيرٌ بِالشَّامِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ زَيْتٍ فَهُوَ يُدَّخَرُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ غَالِبًا وَيُؤْكَلُ حَبُّهُ غَالِبًا فَفِيهِ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ حَبُّهُ لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ يُؤْكَلُ فَفِيهِ الرِّبَا اعْتِبَارًا بِزَيْتِ الْفُجْلِ وَإِنْ كَانَ حَبُّهُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَهُوَ لَا يُؤْكَلُ فَفِيهِ خِلَافٌ اعْتِبَارًا بِزَيْتِ الْكَتَّانِ انْتَهَى (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْبُزُورِ وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ مَا يُطَيَّبُ مِنْ الزُّيُوتِ بِأَشْجَارِ الْأَرْضِ يَخْرُجُ مِنْ صِنْفِهِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ إذَا طُيِّبَ بِصَرِيحِ الطِّيبِ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْعُودِ وَشَبَهِهِ وَنَحْوِهِ فِي الشَّامِلِ فَمَنْ حَلَفَ عَلَى الزَّيْتِ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ وَلَا يَبِيعَهُ يَحْنَثُ بِالزَّيْتِ الْمُطَيَّبِ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ مَا فِيهِ مِنْ الطِّيبِ عَنْ صِنْفِهِ حَتَّى يَجُوزَ التَّفَاضُلُ فِيهِ إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الزَّيْتَ الْخَالِصَ فَلَا يَحْنَثُ بِالطِّيبِ عَلَى حَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا الْكَعْكَ بِأَبْزَارٍ) ش: بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى وَزْنِ أَفْعَالٍ جَمْعُ بِزْرٍ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَيُجْمَعُ أَبْزَارٌ عَلَى أَبَازِيرَ فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ وَهِيَ التَّوَابِلُ الْآتِي ذِكْرُهَا (فَرْعٌ) وَأَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ بِالْأَبْزَارِ الدُّهْنَ فَقَالَ يَجُوزُ بَيْعُ الْإِسْفَنْجِ بِالْخَلِّ مُتَفَاضِلًا وَالْإِسْفَنْجُ الزَّلَابِيَةُ وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ يَجُوزُ بَيْعُ الْإِسْفَنْجَةِ وَالْمُسَمَّنَةِ بِالْخُبْزِ مُتَفَاضِلًا

ص (وَبَيْضٍ) ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ رِبَوِيٌّ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَفِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: بَيْعُ الطَّيْرِ كُلِّهِ صِنْفِ النَّعَامِ وَالطَّاوُوسِ فَمَا دُونَهَا بِمَا يَطِيرُ أَوْ لَا يَطِيرُ يُسْتَحْيَا أَوْ لَا يُسْتَحْيَا صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ لَا يُبَاعُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ تَحَرِّيًا وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَعْدَادُ وَالْمَشْهُورُ اسْتِثْنَاءُ بَيْضِ النَّعَامِ لِأَنَّهُ سِلْعَةٌ وَغَيْرُ مُسْتَهْلَكٍ اهـ هَذَا هُوَ الَّذِي فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ قِشْرَهُ سِلْعَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَمُطْلَقُ لَبَنٍ) ش: شَمِلَ قَوْلُهُ حَتَّى لَبَنِ الْآدَمِيِّ فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ لَا بِجِنْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّالِثِ، وَقَالَ ابْنُ نَاجِي أَيْضًا فِي السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَبَنُ الْآدَمِيِّ عِنْدِي هُوَ كَأَحَدِ الْأَلْبَانِ مِنْ الْأَنْعَامِ فَيَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ وَفِيهَا، انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَحُلْبَةٍ وَهَلْ إنْ اخْضَرَّتْ تَرَدُّدٌ) ش: اُخْتُلِفَ فِي الْحُلْبَةِ هَلْ هِيَ طَعَامٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَوْ دَوَاءٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَوْ الْخَضْرَاءُ طَعَامٌ وَالْيَابِسَةُ دَوَاءٌ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَرَأَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ تَفْسِيرٌ وَأَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ تَرَدُّدٌ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْخِلَافُ فِي الْحُلْبَةِ إنَّمَا هُوَ هَلْ هِيَ طَعَامٌ أَوْ دَوَاءٌ لَا فِي أَنَّهَا رِبَوِيَّةٌ

وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ يُوهِمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِي الرِّبَوِيِّ، انْتَهَى قُلْت وَقَدْ اعْتَرَضَ الشَّارِحُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِمِثْلِ مَا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ الْخِلَافُ فِي كَوْنِهَا رِبَوِيَّةً أَمْ لَا فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ: وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ أَثْبَتَ لَهَا الْمَطْعُومِيَّةُ مُطْلَقًا وَبَيْنَ مَنْ قَيَّدَهَا بِالْخَضْرَاءِ أَنَّهَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ رِبَوِيَّةٌ لِأَنَّهَا تُدَّخَرُ لِلْإِصْلَاحِ وَعَلَى الثَّانِي الَّذِي قَيَّدَهَا بِالْخَضْرَاءِ لَا تُدَّخَرُ فَلَا تَكُونُ رِبَوِيَّةً وَإِنْ كَانَتْ طَعَامًا قَالَ: وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَطْعُومٍ وَأَنَّهَا غَالِبُ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْأَدْوِيَةِ اهـ.

ص (وَتَابِلٍ كَفُلْفُلٍ وَكُزْبَرَةٍ وَكَرَوْيَا وَأَنِيسُونَ وَشَمَارٍ وَكَمُّونَيْنِ) ش: قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالتَّابِلُ وَاحِدُ تَوَابِلَ الْقِدْرِ اهـ يَعْنِي أَنَّهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَهْمِزُهُ وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا الْكَعْكَ بِأَبْزَارٍ الْأَبْزَارُ هُوَ التَّوَابِلُ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْأَبْزَارُ التَّوَابِلُ اهـ. وَالْفُلْفُلُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالْفُلْفُلُ بِالضَّمِّ حَبٌّ مَعْرُوفٌ اهـ. وَالْكُزْبَرَةُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: هِيَ مِنْ الْأَبَازِيرِ بِضَمِّ الْبَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَأَظُنُّهُ مُعَرَّبًا اهـ. وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ مَكِّيٍّ أَنَّ الصَّوَابَ الْفَتْحُ وَفِي التَّنْبِيهَاتِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ الْكُسْبَرَةِ بِضَمِّ الْكَافِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُقَالُ بِالزَّايِ وَنَقَلَ فِي الْمُحْكَمِ: فِيهَا ضَمُّ الْبَاءِ وَفَتْحُهَا مَعَ السِّينِ وَالزَّاي وَالْكَرَوْيَا قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: الْكَرَوْيَا مِنْ الْبِزْرِ وَزْنُهَا فَعَوْلَل أَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ، انْتَهَى.
فَأَصْلُهَا كَرَوِيِّيٌّ قُلِبَتْ يَاؤُهَا الثَّانِيَةُ أَلِفًا فَصَارَتْ كَرَوِيَّا وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي بَابِ الْمِيمِ فِي فَصْلِ الْقَافِ: قَرْدَمَ الْقُرْدُمَانَى مَقْصُورٌ دَوَاءٌ وَهُوَ كَرَوْيَا اهـ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: كَرَوِيَّا مِثْلُ زَكَرِيَّا وَرِوَايَةٌ أُخْرَى كَرَوِيَّا مِثْلُ بَيَعِيَّا اهـ وَالشَّمَارُ، قَالَ فِي تَكْمِلَةِ الصِّحَاحِ لِلصَّاغَانِيِّ: الشَّمَارُ بِالْفَتْحِ الرَّازَيَانْجُ بِلُغَةِ أَهْلِ مِصْرَ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي الْقَامُوسِ وَالْكَمُّونُ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ بِالتَّشْدِيدِ مَعْرُوفٌ اهـ وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ، قَالَهُ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ فِي كَوْنِ التَّوَابِلِ طَعَامًا رِوَايَتُهَا وَرِوَايَةُ ابْنِ شَعْبَانَ وَهِيَ الْكُزْبَرَةُ وَالْقُرْنُبَاذُ وَالْفُلْفُلُ وَشِبْهُهُ قُلْت وَفِيهَا وَالشُّونِيزُ وَالتَّابِلُ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِ اللَّخْمِيّ وَشِبْهُ ذَلِكَ الزَّنْجَبِيلُ عِيَاضٌ.
الْقُرْنُبَاذُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَنُونٍ بَعْدَهَا سَاكِنَةٍ وَآخِرُهُ ذَالٌ الْكَرَوْيَا وَالشَّونِيزُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ، الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الشَّمَارُ وَالْكَمُّونَانِ وَالْأَنِيسُونُ طَعَامٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَأَصْبَغُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ لَيْسَتْ طَعَامًا هِيَ دَوَاءٌ إنَّمَا التَّابِلُ الَّذِي هُوَ طَعَامٌ الْفُلْفُلُ وَالْكَرَوْيَا وَالْكُزْبَرَةُ وَالْقَرَفَا وَالسُّنْبُلُ ابْنُ حَبِيبٍ الشُّونِيزُ وَالْخَرْدَلُ مِنْ التَّوَابِلِ إلَّا الْحُرْفُ وَهُوَ حَبُّ الرَّشَادِ دَوَاءٌ لَا طَعَامٌ وَعَزْوُ ابْنِ الْحَاجِبِ كَوْنَ التَّوَابِلِ غَيْرَ طَعَامٍ لِأَصْبَغَ يَقْتَضِي عُمُومَ قَوْلِهِ فِي جَمِيعِهَا وَاَلَّذِي فِي النَّوَادِرِ لِأَصْبَغَ خِلَافُ ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ مَا نَصُّهُ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالْمَصْطَكَى نَصٌّ فِي أَنَّهَا غَيْرُ طَعَامٍ اهـ. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ وَأَلْحَقَ ابْنُ عَرَفَةَ اللِّيمَ بِالطَّعَامِ الْمُدَّخَرِ بِخِلَافِ النَّارِنْجِ وَالزَّنْجَبِيلِ لِأَنَّهُ مُصْلَحٌ مِثْلُهُ اهـ وَسَيَأْتِي فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا نَقَلَ ابْنُ غَازِيٍّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي اللِّيمِ وَالنَّارِنْجِ.

ص (لَا خَرْدَلٍ إلَى آخِرِهِ)

ش: اعْتَرَضَ الْبِسَاطِيُّ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ بِمَا نَصُّهُ أَمَّا الْخَرْدَلُ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ رِبَوِيٌّ وَرَجَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّلْقِينِ فِيهِ خِلَافًا وَهُوَ أَظْهَرُ عِنْدِي فِي الرِّبَوِيَّةِ مِنْ الْأَنِيسُونَ اهـ فَأَمَّا

الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الشَّارِحُ بَهْرَامُ وَأَمَّا كَوْنُ الشَّيْخِ رَجَّحَهُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ إنَّمَا قَوَّى الْمُصَنِّفُ الْقَوْلَ الَّذِي فِي التِّينِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ صَاحِبُ التَّلْقِينِ الْخِلَافَ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ النَّارِنْجُ غَيْرُ طَعَامٍ وَاللِّيمُ طَعَامٌ اهـ. وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ مِثْلَهُ عَنْ الرَّمَّاحِ قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى عُرْفِ بَلَدِهِ تُونُسَ أَنَّ اللِّيمَ يَصِيرُ لِلْإِدَامِ وَالنَّارِنْجُ إنَّمَا يُوضَعُ لِلْمَصْبَغَاتِ وَنَحْوِهِ وَلَا يُؤْكَلُ إلَّا نَادِرًا وَلَوْ عُكِسَ أَوْ جَرَى مَجْرَى اللِّيمِ فِي بَلَدٍ لَكَانَ طَعَامًا.

. وَنُقِلَ عَنْ الرَّمَّاحِ أَنَّهُ قَالَ: أَشْرِبَةُ الْحَكِيمِ كُلُّهَا رِبَوِيَّةٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي رِبَوِيَّتِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ بِطَعَامٍ مُؤَخَّرٍ قُلْت قَالَ أَبُو حَفْصٍ: لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْأَشْرِبَةِ كُلِّهَا شَرَابِ الْوَرْدِ وَشَرَابِ الْبَنَفْسَجِ وَشَرَابِ الْجُلَّابِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهِ مُتَقَارِبَةٌ وَلَا يَجُوزُ عَسَلُ الْقَصَبِ الْحُلْوِ بِالْقَصَبِ الْحُلْوِ فَإِذَا صَارَ فِيهِ شَرَابٌ جَازَ لِأَنَّهُ دَخَلَهُ أَبْزَارٌ مِثْلُ الْمَطْبُوخِ بِالنَّيْءِ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَالْمَصْطَكَى لَيْسَتْ بِطَعَامٍ وَالْجُلْبَانُ طَعَامٌ، انْتَهَى.

ص (وَقَلْيِ قَمْحٍ) ش: الْقَمْحُ وَشِبْهُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسَوِيقٍ وَسَمْنٍ) ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ السَّمْنَ وَالسَّوِيقَ إذَا صُلِقَا صَارَا جِنْسًا عَنْ السَّوِيقِ غَيْرِ الْمَلْتُوتِ فَتَكُونُ الْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: السَّوِيقُ جِنْسُ غَيْرِ الْقَمْحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَلْيُ وَحْدَهُ نَاقِلًا فَأَحْرَى الْقَلْيُ وَالطَّحْنُ وَأَمَّا السَّمْنُ فَنَاقِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى لَبَنٍ أُخْرِجَ زُبْدُهُ وَإِمَّا بِلَبَنٍ فِيهِ زُبْدٌ فَلَا يُعَدُّ نَاقِلًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا الْأَسْوِقَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِهَا فَجِنْسٌ وَاحِدٌ نَقَلَهُ الْقَبَّابُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَجَازَ تَمْرٌ وَلَوْ قَدُمَ بِتَمْرٍ) ش: هَذَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُمْنَعُ بَيْعُ الْقَدِيمِ مِنْ التَّمْرِ بِالْجَدِيدِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ إنْ اخْتَلَفَ صِنْفَاهُمَا كَصَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ، كَذَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحُ بِدُونِ قَوْلِهِ إنْ اخْتَلَفَ صِنْفَاهُمَا وَفِي كِلَا النَّقْلَيْنِ نَقْصٌ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ اخْتَارَ الْمَنْعَ أَيْضًا مِنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ وَالْبُسْرِ بِالْبُسْرِ إذَا كَانَ نَقْصُهُمَا يَخْتَلِفُ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: وَالْمَنْعُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَحْسَنُ إذَا كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَصَيْحَانِيٍّ وَبَرْنِيِّ وَمَا يُعْلَمُ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي النَّقْصِ إذَا صَارَا تَمْرًا لِلْحَدِيثِ اهـ وَصَرَّحَ الْقَبَّابُ بِمُخَالَفَةِ اللَّخْمِيِّ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ.

[فَرْعٌ بَيْعُ التَّمْرِ بِالنَّوَى]

(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: بَيْعُ التَّمْرِ بِالنَّوَى فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ قِيلَ يَجُوزُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ إنْ كَانَ نَقْدًا فَجَائِزٌ وَإِلَّا فَلَا مِنْ فَوَائِدِ الدَّارِمِيِّ وَنَقَلَهَا مِنْ طُرَرِ الْفَخَّارِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَتُعْتَبَرُ الْمُمَاثَلَةُ حَالَةَ الْكَمَالِ فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِتَمْرٍ وَنَحْوِهَا بِاتِّفَاقٍ وَذَكَرَ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ السَّلَمِ وَالْآجَالِ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا خَرْدَلٍ وَزَعْفَرَانٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَلِيبٌ) ش: سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَزُبْدٍ وَسَمْنٍ

وَجُبْنٍ وَأَقِطٍ

ص (وَرُطَبٌ) ش: قَالَ الْقَبَّابُ: الرُّطَبُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ هُوَ التَّمْرُ الَّذِي دَخَلَهُ إنْضَاجٌ فَإِنْ يَبِسَ فَهُوَ تَمْرٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِمِثْلِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ.

[فَرْعٌ إذَا كَانَ نِصْفُ التَّمْرَةِ بُسْرًا وَنِصْفُهَا قَدْ أَرْطَبَ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ]

(فَرْعٌ) قَالَ الْبَاجِيُّ: وَانْظُرْ إذَا كَانَ نِصْفُ التَّمْرَةِ بُسْرًا وَنِصْفُهَا قَدْ أَرْطَبَ هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَجْزِمْ فِيهِ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْبَاجِيِّ: قُلْت الْأَظْهَرُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ.

[فَرْعٌ بَيْعُ الْبُسْرِ بِالْبُسْرِ]

(فَرْعٌ) وَيَجُوزُ بَيْعُ الْبُسْرِ بِالْبُسْرِ وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ مَنْعَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ.

ص (وَمَشْوِيٌّ وَقَدِيدٌ) ش: الْقَدِيدُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِهَا، قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَدَالُهُ مُهْمَلَةٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا خَيْرَ فِي يَابِسِ الْقَدِيدِ بِمَشْوِيِّ اللَّحْمِ وَإِنْ تَحَرَّى لِاخْتِلَافِ الْيُبْسِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَانْظُرْ هَلْ يَدْخُلُ فِيهِمَا قَوْلُ مَالِكٍ فَيَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَحَرِّيًا اهـ وَهَذَا إذَا كَانَا بِغَيْرِ أَبْزَارٍ أَوْ فِيهِمَا أَبْزَارٌ فَإِنْ كَانَ الْأَبْزَارُ فِي أَحَدِهِمَا جَازَ مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ مُتَفَاضِلًا، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: وَلَمْ يَجُزْ الْمَشْوِيُّ بِالْمَشْوِيِّ وَلَا الْقَدِيدُ بِالْقَدِيدِ مِنْ اللَّحْمِ إلَّا بِتَحَرِّي أُصُولِهِمَا.

ص (وَعَفِنٌ) ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا تَبَادَلَا قَمْحًا عَفِنًا بِعَفِنٍ مِثْلِهِ فَإِنْ اشْتَبَهَا فِي الْعَفَنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ تَبَاعَدَا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَا مَغْشُوشَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا كَثِيرَ التِّبْنِ أَوْ التُّرَابِ حَتَّى يَصِيرَ خَطَرًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَادَلَا إلَّا فِي الْغَلْثِ الْخَفِيفِ أَوْ يَكُونَا نَقِيَّيْنِ وَكَذَلِكَ سَمْرَاءُ مَغْلُوثَةٌ بِشَعِيرٍ مَغْلُوثٍ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَيْئًا خَفِيفًا وَلَيْسَ حَشَفُ التَّمْرِ بِمَنْزِلَةِ غَلْثِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْحَشَفَ مِنْ التَّمْرِ وَالْغَلْثَ غَيْرُ الطَّعَامِ اهـ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَفَنِ بِالْعَفَنِ، قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ الْعَفَنُ خَفِيفًا وَاسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ الْغَلْثِ اهـ. (قُلْتُ) لَيْسَ الْعَفَنُ كَالْغَلْثِ فَإِنَّ الْغَلْثَ لَيْسَ مِنْ الطَّعَامِ وَأَمَّا الْعَفَنُ فَهُوَ وَصْفٌ لِلطَّعَامِ وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا زَائِدًا مَعَ الطَّعَامِ فَتَأَمَّلْهُ.

[فَرْعٌ مُبَادَلَةُ الْمَأْكُولِ وَالْمَعْفُونَ مِنْ الطَّعَامُ بِالصَّحِيحِ السَّالِمِ]

(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَسْمِ الْقِبْلَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّرْفِ: وَأَمَّا الطَّعَامُ فَيَجُوزُ مُبَادَلَةُ الْمَأْكُولِ يَعْنِي الْمُسَوَّسَ وَالْمَعْفُونَ مِنْهُ بِالصَّحِيحِ السَّالِمِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمَا وَقَعَ فِي رَسْمِ الْقِسْمَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ كَالدَّنَانِيرِ الْكَثِيرَةِ النَّقْصِ بِالْوَازِنَةِ فَلَمْ يَجُزْ الْمَعْفُونُ بِالصَّحِيحِ وَلَا الْكَثِيرُ الْعَفَنِ بِالْخَفِيفِ وَهُوَ دَلِيلُ مَا فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الطَّعَامُ الْمَعْفُونُ إلَّا أَنْ يُشْبِهَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَلَا يَتَفَاوَتُ وَأَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ فِي الْمَعْفُونِ وَكَرِهَهُ فِي الْمَأْكُولِ إذَا كَانَتْ الْحَبَّةُ قَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُهَا وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي رَسْمِ الْقِسْمَةِ وَحَكَى قَوْلَ سَحْنُونٍ بِلَفْظِ: وَأَجَازَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ فِي الْمَعْفُونِ وَلَمْ يُجِزْهُ فِي الْمَأْكُولِ اهـ. (قُلْت) فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ فِي مُبَادَلَةِ الْمَعْفُونِ بِالسَّالِمِ وَالْمَأْكُولِ أَيْ الْمُسَوَّسِ بِالصَّحِيحِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، الْجَوَازُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَنْعُ فِيهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَالْجَوَازُ فِي الْمَعْفُونِ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْمَأْكُولِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ إنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ مِثْلُ مَا فِي الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَفَنُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ الْمُكَايَسَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا فِي التَّمَاثُلِ وَإِذَا كَانَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ مَعْرُوفًا مَحْضًا فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ص (وَزُبْدٍ وَسَمْنٍ وَجُبْنٍ وَأَقِطٍ) ش: اللَّبَنُ وَمَا

فصول الكتاب · 8 فصل · 560 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول مواهب الجليل في شرح مختصر خليل · 560 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
كِتَابِ الطَّهَارَةِ
الصلاة على الميتمسائل متعلقة بالغسل والدفن والصلاة
غسل الزوجين للآخر
الْعَقِيقَةِ،
ِ الْخِتَانُ
خَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل