مسند الفاروق ت إمامصفحات 153-192

كتاب النكاح

صفحات 153-192

وقد روي في النهي عن نكاح المحلَّل ولَعْنتِهِ أحاديث من طرق عديدة جيِّدة عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود 1، وعلي 2،

وأبو هريرة 1، وابن عباس 2، وعُقبة بن عامر 3،

وابن عمر 1. وقد جَمَعت ذلك في جزء مُفرَد.
وقد تكلَّم الإمام أبو العبَّاس ابن تيمية على هذه المسألة 2، فأجاد القول فيها، وحرَّر النزاع، وأتى بفوائد جمَّة رحمه الله.

أثر في النهي عن الجمع بين الأختين بمِلْك اليمين

(518) قال أبو مصعب الزهري 1: عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن أبيه: أنَّ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- سُئل عن المرأة وأختها من ملك اليمين، هل تُوطأُ إحداهُما بعد الأخرى؟ فقال عمرُ: ما أُحبُّ أن أخبرهما 2 جميعًا، ونَهَاه.
إسناد صحيح.
(519) وقال ابن وهب 3: أخبرني مالك ويونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبيه قال: سُئل عمرُ عن جمعِ الأُمِّ وابنتها في مِلْك اليمين، هل تُوطأُ إحداهُما بعد الأخرى؟ فقال عمرُ: ما أُحِبُّ أنْ تخبرهما جميعًا، ونَهَاه.

وسيأتي 1 عن أمير المؤمنين عثمانَ -رضي الله عنه- أنَّه قال: أَحَلَّتهما آيةٌ، وحَرَّمتهما آيةٌ 2.

حديث في النهي عن إتيان النساء في الأدبار

(520) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 1: ثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عثمان بن اليَمَان، عن زَمْعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن عبد الله ابن الهاد، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «استَحيُوا، فإنَّ اللهَ لا يَستحي من الحقِّ، لا تأتوا النساءَ في أدبارهِنَّ».
ورواه النسائي 2، عن سعيد بن يعقوب الطَّالْقاني، عن عثمان بن اليَمَان به.
ثم رواه -أيضًا- 3 من حديث زَمْعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، به.
وذَكَر الدارقطني في «العلل» 4 فيه اختلافًا كثيرًا، ثم قال: وقول عثمان بن اليَمَان أصحها، والله أعلم 5.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = تنبيه: جاءت رواية النسائي لهذا الحديث عند المؤلِّف مرفوعةً! وكذا جاءت في مطبوع «السُّنن»! وفي «تحفة الأشراف» (8/ 40 رقم 10488) موقوفةً! ولعلَّ هذا الاختلاف في الرفع والوقف راجع إلى اختلاف نسخ «السُّنن»، وكيفما كان؛ فالحديث منكر؛ لتفرُّد زَمْعة بن صالح وعثمان بن اليَمَان به.
وضعَّفه الحافظ ابن حجر في «مختصر زوائد البزار» (1/ 583). وخالف المنذري، فجوَّد إسناد المرفوع في «الترغيب والترهيب» (3/ 252)! ... وقد شاع عند البعض أنه لم يصح حديث في النهي عن وطء النساء في أدبارهن، لذا رأيت إخراج بعضها، وبيان صحتها: فأقول: قد صحَّ في النهيِّ عن وطء النساء في الأَدبار عدَّة أحاديث، منها:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = وقوله: يُجَبُّون: من التَّجبية، وهو الانكباب على الأرض، قال في «القاموس المحيط» (ص/1269): وجبَّى تجبيةً: وضع يديه على رُكبَتَيه، أو على الأرض، أو انكبَّ على وجهه.
وقوله: صمامًا واحدًا: أي مسلك واحد، والصِّمام: ما تُسدُّ به الفرجة، فسمِّي الفَرْج به.
انظر: «النهاية» (3/ 54).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (1/ 261): تفرَّد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدَّم من الأحاديث، ولا سيَّما رواية أم سَلَمة، فإنها مشابهة لهذا السياق، وقول ابن عباس: إنَّ ابن عمرَ -والله يغفر له- أَوهَمَ، وكأنه يشير إلى ما أخرجه البخاري [4526] ثنا إسحاق، ثنا النَّضربن شُمَيل، أنا ابن عَون، عن نافع قال: كان ابنُ عمرَ إذا قرأَ القرآنَ لم يتكلَّم حتى يَفرغَ منه، فأَخَذتُ عنه يومًا، فقرأ سورةَ البقرةِ، حتى انتهى إلى مكانٍ، قال: أتدري فيم أُنزلَتْ؟ قلت: لا، قال: أُنزِلَتْ في كذا وكذا، ثم مضى.
انتهى كلام ابن كثير.
وقوله: على حرف، أي: على جانب.
وقوله: حتى شري أمرهما: أي عَظُمَ وتفاقم.
وقوله: يشرحون النساء: إذا وطئها نائمة على قفاها.
انظر: «النهاية» (1/ 369) و (2/ 456، 468). ولحديث ابن عباس طريق أخرى: أخرجها الترمذي (1165) في الرضاع، باب ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن، والنسائي في «الكبرى» (5/ 320 رقم 9001) والبزار (11/ 380 رقم 5212) وابن الجارود (3/ 52 رقم 729) وأبو يعلى (4/ 266 رقم 2378) وابن حبان (9/ 517 رقم 4203، 4204) و (10/ 266 رقم 4418 - الإحسان) وابن عدي (3/ 1130 - ترجمة أبي خالد الأحمر) والضياء في «المختارة» (13/ 43 رقم 61، 62) من طريق أبي خالد الأحمر، عن الضحَّاك بن عثمان، عن عمرو بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَنظرُ اللهُ إلى رجلٍ أتى رجلاُ أو امرأةُ في الدُّبُر».
قال الترمذي: حسن غريب.
وصحَّحه الإمام إسحاق بن راهويه، كما في «مسائل المروزي» (ص 221 - نقلاً عن «آداب الزفاف» للألباني (ص 105). وصحَّحه -أيضًا- ابن حبان، وابن حزم في «المحلى» (10/ 70). وقال ابن دقيق العيد في «الإلمام» (ص 413، رقم 1128): رجاله رجال الصحيح.
وأعلَّه البزار، فقال: لا نعلمه يُروى عن ابن عباس بإسناد أحسن من هذا الإسناد، تفرَّد به أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن عمرو بن سليمان، عن =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = كريب.
«التلخيص الحبير» (3/ 181). وقال ابن عدي: لا أعلم يَرويه غير أبي خالد الأحمر.
قلت: أبو خالد الأحمر متكلَّم في حفظه، فوثَّقه علي ابن المديني، وابن سعد، وأبو هشام الرِّفاعي، وابن معين في رواية، وقال مرَّة: صدوق، وليس بحجَّة.
وقال النسائي: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم: صدوق.
وسئل عنه وكيع، فقال: وأبو خالد الأحمر ممَّن يسأل عنه؟! وقال العجلي: ثقة ثَبت، صاحب سُنَّة.
وقال البزَّار: اتفق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه روى عن الأعمش وغيره أحاديثَ لم يُتابَع عليها.
وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وإنما أتي من سوء حفظه، فيغلط ويخطئ، وهو في الأصل، كما قال ابن معين: صدوق، وليس بحجَّة.
انظر: «تهذيب الكمال» (11/ 394) و «الجرح والتعديل» (4/ 106 رقم 477) و «هدي السَّاري» (ص 407). فأنت ترى أنَّ الرَّجل ثقة في الجملة، وإنما يخشى من تفرُّده بأحاديث لم يُتابَع عليها، وقد خولف في هذا الحديث، خالَفَه جبل من جبال الحفظ، ألا وهو الإمام وكيع، فرواه عن الضحَّاك بن عثمان، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، موقوفًا عليه! من هذا الوجه: أخرجه النسائي في «سننه الكبرى» (5/ 320 رقم 9002). قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (3/ 181): وهو أصحُّ عندهم من المرفوعِ.
قلت: وسواء صحَّ الرفع أو الوقف، فالحجَّة به قائمة، لأنَّا لوسلَّمنا لمن صحَّح رفعه -وفي مقدَّمتهم الإمام إسحاق بن راهويه- فلا إشكال، ولو سلَّمنا لمن صحَّح وقفه؛ فلا إشكال -أيضًا-؛ لأن مثلَه لا يُقال من قِبَلِ الرأي، فله حكم الرفع.
وقد صحَّ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من وجه آخر، موقوفًا عليه: أخرجه معمر في «جامعه» الملحق بـ «المصنَّف» (11/ 442 رقم 20953) ومن طريقه: أبو بكر ابن زياد النيسابوري في «الزيادات على كتاب المُزَني» (ص 500، 502 رقم 494، 499) عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سُئل ابنُ عباس عن الذي يأتي امرأتَهُ في دُبُرِها، فقال: هذا الذي يَسألُ عن الكُفرِ.
وهذا إسناد صحيح؛ كما قال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 262) والشيخ الألباني في «آداب الزفاف» (ص 106). =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .1 = وله طريق ثالث: أخرجها ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (3/ 265 رقم 4772) عن يحيى بن معين، عن يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس بن يزيد قال: سَمِعتُ عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فأتوهن من حيث أمركم الله﴾ قال: في الفَرْج.
وهذا إسناد صحيح أيضًا.

/ (ق 193)

حديث في النهي عن العزل (1) عن الحُرَّة إلا بإذنها

(521) قال الإمام أحمد 2: ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لَهِيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن محرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نهى عن العزل عن الحُرَّةِ إلا بإذنِها.1
= بل قال الإمام الذَّهبي في «السِّير» (14/ 128): قد تيقَّنَّا بطرق لا محيد عنها نهي النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن أدبار النساء، وجَزَمنا بتحريمه، وَلِي في ذلك مصنَّف كبير.
وقد صرَّح جمع من أهل العلم بتحريم وطء النساء في الأدبار، منهم: أبو العباس ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (32/ 266) حيث قال: وطء المرأة في دُبُرها حرام بالكتاب والسُّنة، وهو قول جماهير السَّلف والخلف، بل هو اللوطية الصغرى.
وقال تلميذه البار ابن القيِّم في «زاد المعاد» (4/ 256): وأمَّا الدُّبُر فلم يُبَح قطُّ على لسان نبيٍّ من الأنبياء، ومن نسب إلى بعض السَّلف إباحة وطء الزوجة في دُبُرها؛ فقد غلط عليه.
وقال القرطبي في «تفسيره» (3/ 93): وما استدلَّ به المخالف من أنَّ قوله عزَّ وجلَّ: ﴿أنى شئتم﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجَّة فيها، إذ هي مخصَّصة بما ذكرناه، وبأحاديث حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيًا بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار.
وانظر لمزيد الفائدة: «إتحاف النُّبلاء بأدلة تحريم إتيان المحلِّ المكروه من النساء» للشيخ أبي أسامة عبد الله بن عبد الرحيم بن حسين البخاري، نشر: مكتبة الغرباء الأثرية، بالمدينة النبوية.
ورسالة: «وطء المرأة في الموضعِ الممنوع منه شرعًا» دراسة حديثية فقهية طبية، للدكتور طارق محمد الطواري، نُشرت ضمن بحوث مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، بدولة الكويت، العدد السابع والأربعون.

ورواه ابن ماجه 1، عن الحسن بن علي الخلاَّل، عن إسحاق بن عيسى، به.
وهذا إسناد حسن جيد 2، والله أعلم.

أثر آخر (522) قال الشافعي 1: أنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة -وكان ثقة-، عن سليمان بن يَسَار، عن عبد الله بن عُتبة: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: يَنكِحُ العبدُ امرأتين، ويُطلِّقُ تطليقتين، وتَعتدُّ الأَمَةُ حيضتين، فإنْ لم تكن تحيضُ فشهرين، أو شهرًا ونصفًا.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي 2: وروى الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه 3، عن علي بن أبي طالب مثلَه 4، وروي عن عبد الرحمن بن عوف 5 مثل قولهما، ولا يُعرَف لهم مخالِفٌ من الصحابة.

وقال الشافعي 1: هذا قول الأكثر من المفتين بالبلدان.

أثر آخر في الخيار في النكاح

(523) قال الشافعي 1 أنا مالك 2، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب قال: قال عمرُ: أيُّما رجلٌ تزوَّج امرأةً وبها جنونٌ، أو جُذامٌ، أو بَرَصٌ، 3، فَمَسَّها، فلها صداقها، وذلك لزوجها غُرْمٌ على وليِّها.
إسناد صحيح.

أثر آخر (524) قال الشافعي 1: أنا ابن عيينة، أنا الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ أنَّه قال في العنِّين: يُؤجَّل سَنَةً، فإنْ قَدَرَ عليها، وإلا فُرِّقَ بينهما.
صحيح أيضًا.

حديث في الصَّداق

(525) قال أبو بكر البزَّار 1: ثنا يوسف بن موسى، ثنا الفضل بن دُكَين، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لم يُصدِقْ أحدًا من نسائِهِ أكثرَ من ثنتي عشرةَ وُقِيَّةً.
إسناده جيد، ليس فيه متكلَّم فيه سوى العُمَري وحده 2. حديث آخر (526) قال الإمام أحمد 3: ثنا إسماعيل، ثنا سَلَمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين قال: نبِّئت عن أبي العَجْفاء السُّلمي قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: ألا لا تَغلُوا في صُدُق النساءِ، فإنها لو كانت مَكرُمةً في الدنيا، أو تقوًى عند الله؛ كان أولاكم بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ما أَصْدقَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم امرأةً من نسائِهِ، ولا أُصدِقَتْ امرأةٌ من بناته أكثرَ من ثنتي عشرةَ أوقيَّةً، وإنْ كان الرَّجلُ لَيُبتَلَى بصَدُقةِ امرأتِهِ، حتى يكونَ لها عداوةٌ في نفسه، / (ق 194) وحتى يقولَ: كلِّفتُ إليك عَلَقَ القِربة 4. قال: وكنتُ غلامًا عربيًا

مُولَّدًا 1، لم أدرِ ما عَلَقُ القِربةِ.
قال: وأخرى تقولونها لمن قُتِلَ في مغازيكم: قُتِلَ فلانٌ شهيدًا، أو مات فلانٌ شهيدًا، ولعله أنْ يكونَ قد أوقَرَ 2 عَجُزَ دابته، أو دَفَّ 3 راحلته ذهبًا أو وَرِقًا يلتمسُ التجارةَ، لا تقولوا ذاكم، ولكن قولوا، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن قُتل أو مات في سبيلِ اللهِ، فهو في الجنةِ».
طريق أخرى (527) قال أحمد 4: ثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، سَمِعَه من أبي العَجْفاء قال: سَمِعتُ عمرَ يقول ... ، فذَكَره.
طريق أخرى (528) قال أحمد 5: ثناه إسماعيل مرَّة أخرى، أنا سَلَمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء 6 قال: سَمِعتُ عمرَ يقول: ألا لا تُغلُوا

صُدُقَ النساءِ ... ، فذَكَر الحديث.
قال إسماعيل: وذَكَر أيوب، وهشام، وابن عَون، عن محمد، عن أبي العَجْفاء، عن عمرَ، نحوًا من حديث سَلَمة، إلا أنهم قالوا: لم يقل محمدٌ: نُبِّئتُ عن أبي العَجْفاء.
وقد رواه أهل السُّنن في كتبهم بنحوه، فرواه أبو داود 1، عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد.
والترمذي 2، عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة.
كلاهما عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء السُّلمي، واسمه: هَرِم بن نُسَيب البصري.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح 3. ورواه ابن ماجه 4 من حديث ابن عَون، عن محمد بن سيرين، به.
وأخرجه النسائي 5، عن علي بن حُجر، عن إسماعيل / (ق 195) بن عُليَّة، عن أيوب، وابن عَون، وسَلَمة بن علقمة، وهشام بن حسان -دخل حديث بعضهم في بعض-، أربعتهم عن محمد بن سيرين، به.
وفي حديث سَلَمة، عن ابن سيرين قال: نُبِّئتُ عن أبي العَجْفاء ... ، فذَكَره.

ورواه ابن حبان في «صحيحه» 1، عن الحافظ أبي يعلى، عن زُهَير بن حرب، عن يزيد بن هارون، عن ابن عَون، وهشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء، به.
وقد رواه محمد بن سعيد بن سابق، عن عمرو بن أبي قيس، عن أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن ابن أبي العَجْفاء، عن أبيه، عن عمرَ، وسمَّاه بعضهم: عبد الله بن أبي العَجْفاء 2. قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني رحمه الله 3: وقد خالف عمرو بن قيس 4 الحمَّادان، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن عُليَّة، والحارث بن عُمَير، وعبد الوهاب الثَّقَفي، ومعمر، فرووه عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي العَجْفاء.
وكذا رواه عن ابن سيرين: ابن عَون، وهشام بن حسان، ومنصور بن زَاذَان، وأشعث بن سوَّار، ومَطَر الوراق، والصَّلت بن دينار، ومحمد بن عمرو الأنصاري، وعوف الأعرابي، وإسماعيل بن مسلم، ومُجَّاعة بن الزُّبير، وعَبيدة بن حسان -هو: السِّنجاري-، وعُقبة بن خالد الشَّنِّي، ويحيى بن عَتيق، وأبو حُرَّة، وأخوه 5. قال: ورواه معاذ بن معاذ، عن ابن عَون، عن ابن سيرين، عن أبي

العَجْفاء، أو: ابن أبي العَجْفاء، عن عمرَ.
وقال منصور بن / (ق 196) زَاذَان، عن ابن سيرين: ثنا أبو العَجْفاء ... ، فذَكَره.
قال الدارقطني: فإنْ كان عمرو بن قيس 1 حفظه عن أيوب؛ فيشبه أن يكون ابن سيرين سَمِعَه من أبي العَجْفاء، وحَفِظَه عن ابن أبي العَجْفاء، عن أبيه -والله أعلم-، وذلك لقول منصور -وهو من الثقات الحفَّاظ-، عن ابن سيرين: حدثنا أبو العَجْفاء، ولكثرة مَن تابَعَه ممن رواه عن ابن سيرين، عن أبي العَجْفاء، والله أعلم.
ثم ذَكَر الدارقطني جماعة رووه من غير طريق أبي العَجْفاء، ثم قال: ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العَجْفاء 2.

قلت: بل قد رواه مسروق، عن عمرَ بن الخطاب بنحوه، كما سيأتي 1 في كتاب التفسير، إن شاء الله تعالى.

أحاديث تُذكر في الوليمة، وآداب الطعام

(529) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان الكوفي، ثنا عَبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبيد الله، عن ابن عمرَ، عن عمرَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأكلُ أحدُكُم بشمالِهِ، فإنَّ الشيطانَ يَأكلُ بشمالِهِ، ويَشربُ بشمالِهِ».
هذا إسناد صحيح 2، وليس هو في الكتب السِّتة، وإنما رواه مسلم 3 من حديث عبد الله بن عمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني رحمه الله 4: وهذا هو المحفوظ.
/ (ق 197) حديث آخر (530) قال الإمام أحمد 5: ثنا هارون، ثنا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، أنَّ عمرَ بن السائب حدَّثه، أنَّ القاسم بن أبي القاسمِ السبئي حدَّثه، عن قاصِّ الأجناد بالقسطنطينية، أنَّه سَمِعَه يحدِّث: أنَّ عمرَ بن الخطاب قال: يا أيها الناسُ، إني سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم

يقول: «مَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يَقعُدَنَّ على مائدةٍ يُدَارُ عليها الخمرُ، ومَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يَدخُلِ الحمَّامَ إلا بإزارٍ، ومَن كانت تؤمنُ باللهِ واليومِ والآخرِ فلا تَدخُلِ الحمَّامَ».
هذا إسناد حسن 1، ليس فيه مجروح، ولم يخرِّجوه.
وعمر بن السَّائب هذا: ذَكَره أبو حاتم الرازي 2، فقال: روى عن القاسم بن أبي القاسم، وعنه: عمرو بن الحارث، وابن لَهِيعة.
وقال 3 في شيخه القاسم بن أبي القاسم: روى عن قاصِّ الأجناد، وعنه: عمر بن السائب.
ولم يزد على هذا القدر، وفيه مقنع، والله أعلم.
وقد أَفرَدتُ أحاديث الحمَّام في مُصنَّف على حِدَة 4، ولله الحمد والمنَّة.

حديث آخر (531) قال الحافظ أبو بكر البزَّار 1: ثنا الفضل بن سهل، ومحمد بن عبد الرحيم قالا: ثنا الحسن بن موسى، ثنا سعيد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ قال: غلا السِّعرُ بالمدينةِ، فاشتدَّ الجَهدُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «اصبِرُوا، وأَبشِرُوا، / (ق 198) فإنِّي قد بارَكتُ على صاعِكم ومُدِّكم، فكُلُوا ولا تَفَرَّقُوا، فإنَّ طعامَ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامَ الاثنين يكفي الأربعة، وطعامَ الأربعةِ يكفي الخمسةَ والسِّتةَ، وإنَّ البركةَ في الجماعةِ، فمَن صَبَرَ على لأوائِها وشِدَّتها كنتُ له شفيعًا، أو شهيدًا يومَ القيامةِ، ومَن خَرَجَ عنها رغبةً عمَّا فيها أَبدَلَ اللهُ به مَن هو خيرٌ منه فيها، ومَن أرادها بِسُوءٍ أذابَهُ اللهُ كما يَذوبُ الملحُ في الماءِ».
وقد روى ابن ماجه 2 بعضه: «طعامُ الواحدِ يَكفي الاثنين، فكُلُوا جميعًا، ولا تَتَفرَّقُوا ...» الحديث.
عن الحسن بن علي الخلاَّل، عن الحسن بن موسى -وهو: الأشيب-، به.
وعمرو بن دينار هذا هو: قَهْرمان آل الزُّبير، وهو ضعيف 3، والله أعلم.

ففيه دلالة على استحباب الاجتماع على الطعام كما هو المألوف من شيم العرب لا التفرُّق فيه، كما هو طريقة العجم من المتصوفة وغيرهم.

أثر فيه أدب كريم

(532) قال الحافظ أبو نعيم 1: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أحمد بن الحسين، ثنا الدَّورقي، حدثني عبيد بن الوليد الدمشقي قال: سَمِعتُ سهلاً -يعني: ابن هاشم- يَذكر عن إبراهيم بن أدهم: أنَّ عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: لؤمٌ بالرَّجلِ أنْ يرفعَ يديه 2 من الطعامِ قبلَ أصحابِهِ.
هذا منقطع معضل.
أثر آخر (533) قال عبد الله بن المبارك 3: أنا حماد بن سَلَمة، / (ق 199) عن رجاء أبي المِقدام الشَّامي، عن حميد بن نعيم: أنَّ عمرَ بن الخطاب وعثمانَ بن عفان دُعيا إلى طعام، فأجابا، فلمَّا خَرَجا قال عمرُ لعثمان: قد شَهِدتُ طعامًا وَدِدتُ أني لم أَشهدهُ.
قال: وما ذاك؟ قال: خشيتُ أن يكونَ جُعِلَ مُباهاةً.

حديث آخر غريب (534) رأيت على ظَهر كتاب «الموطأ» -رواية يحيى بن يحيى-، أحضره لي الشيخ الصالح أحمد الواسطي ... 1، أخبرني أبو عبد الله بن قاسم، ثنا مُطيَّن أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان، ثنا محمد بن العلاء، ثنا مختار بن غسَّان، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن أحمد بن رومان قال: سُئل عمرُ بن الخطاب عن طعام العُرس، قالوا: مالَهُ أطيبُ ريحًا من طعامنا؟ فقال عمرُ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ طعامَ العُرسِ مَثَاقيلٌ من ريحِ الجَنَّةِ».
قال عمرُ: دعا اللهَ إبراهيمُ خليلُ اللهِ، ونبيُّ الله محمدٌ أنْ يُبارِكَ اللهُ فيه، وأنْ يُطيِّبهُ 2.

حديث يُذكر في عشرة النساء

(535) قال أبو داود الطيالسي 1: ثنا حماد بن زيد 2، عن معاوية بن قُرَّةَ المُزَني قال: أتيتُ المربدَ 3 زمنَ الأَقِط 4 والسَّمن، والأعراب يأتون بالبُرقان 5، فيبيعونها، فإذا برجلٍ طامحٍ بصرُهُ، ينظرُ إلى الناسِ، فظننتُ أنَّه غريبٌ، فدَنَوتُ منه، فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ السلامَ، وقال لي: أمِن أهل هذه أنت؟ 6 فجلستُ معه، فقلت: فممَّن أنتَ؟ قال: من بني هلال، واسمي: كَهْمس -أو قال: من بني سَلُول، واسمي: كَهْمس-، ثم قال لي: ألا أحدِّثكَ حديثًا شهدتُهُ من عمرَ بن الخطاب؟ قلت: بلى.
قال: بينما نحن جلوسٌ عنده، إذ جاءت امرأةٌ، فجَلَستْ إليه، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ زوجي قد كثُرَ شرُّه، وقَلَّ خيرُهُ.
فقال لها عمر: مَن زوجُكِ؟ قالت: أبو سَلَمة.
قال: إنَّ ذاك له صحبةً، وإنَّه لرجلُ صِدقٍ.

ثم قال عمرُ لرجل عنده جالس: أليس كذاك؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، لا نَعرفُهُ إلا بما قلتَ.
فقال عمرُ لرجل: قُم، فادعُهُ لي.
فقامت المرأة حين / (ق 200) أرسَلَ إلى زوجها، فقَعَدتْ خلفَ عمرَ، فلم يَلبث أن جاءا معًا حتى جلسا بين يدي عمر، فقال عمرُ: ما تقول هذه الجالسة خلفي؟ 1 قال: ومَن هذه يا أميرَ المؤمنين؟! قال: هذه امرأتُكَ.
قال: تقول ماذا؟ قال: تَزعمُ أنَّه قد قَلَّ خيرُكَ، وكثُرَ شرُّكَ.
فقال: بئس ما قالت يا أميرَ المؤمنين، إنها لمن صالحِ نسائِها، أكثرهُنَّ كُسوة، وأَكثرهُنَّ رفاهيةُ بيتٍ، ولكنَّ فحلُها بَكِيٌّ 2. فقال عمرُ: يرحمه الله، ما تقولين؟ قالت: صدق.
فقام إليها عمر بالدِّرَّة، فتناولها بها، وقال: أي عَدُوَّةَ نفسِهِا، أَكَلتِ مالَهُ، وأَفنيتِ شبابَهُ، ثم أنشأتِ تُخبرينَ بما ليس فيه.
فقالت: ياأميرَ المؤمنين، لا تَعجَلْ، فوالله لا أَجلسُ هذا المجلسَ أبدًا.
ثم أَمَر لها بثلاثةِ أثوابٍ، فقال: خذي هذا لما صَنَعتُ بكِ، وإيَّاكِ أنْ تشتكي هذا الشيخَ، كأني أنظرُ إليها حين قامت ومعها الثياب، ثم أَقبَلَ على زوجها، فقال: لا يمنعكَ 3 ما رأيتني صَنَعتُ بها أن تُسيءَ 4 إليها، انصرِفَا.
فقال الرَّجل: ما كنتُ لأفعل.
ثم قال عمرُ رضي الله عنه: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «خيرُ أُمَّتي القَرنُ الذي أنا منه، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يَنشَأُ قومٌ تَسبِقُ

أيمانُهُم شهادتَهم، يَشهدُون من غيرِ أن يُستَشهَدُوا، لهم لَغَطٌ في أسواقِهم».
قال معاوية: قال لي كَهْمس: أفتخافُ أنْ يكونَ هؤلاءِ من / (ق 201) أولئك؟ ثم قال لي كَهْمس: إنِّي أتيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرتُهُ بإسلامي، ثم غِبتُ عنه حولاً، ثم أتيتُهُ، فقلت: يا رسولَ الله، كأنَّك تُنكِرني؟ قال: «أَجَل».
فقلت: يا رسولَ الله، ما أَفطَرتُ منذُ فارقتُكَ.
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومَن أَمَرَكَ أن تُعذِّبَ نَفسَكَ؟ صُم يومًا من الشهرِ».
قلت: زدني.
قال: «فصُم يومين».
حتى قال لي: «فصُم ثلاثةَ أيامٍ من الشهرِ».
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
أثر آخر في ذلك (536) قال أبو القاسم البغوي: ثنا أبو رَوْح البَلَدي، ثنا أبو الأَحوص سلاَّم بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب قال: قال عمرُ رضي الله عنه: استَعينوا على النساءِ بالعُري، فإنَّ إحداهنَّ إذا كَثُرَت ثيابُها وحَسُنَت زينتُها أَعجَبَها الخروجُ 1. إسناد صحيح.
حديث آخر (537) قال الهيثم بن كُلَيب 2: ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أخي، عن سليمان -يعني: ابن بلال-،

عن عبد الله بن يَسَار الأعرج، أنَّه سَمِعَ سالم بن عبد الله يحدِّث عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب: أنَّه كان يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يَدخلون الجَنَّة: العاقُّ لوالديه، والدَّيوثُ 1، ورَجُلةُ النساءِ».
هذا حديث حسن.
اختاره الضياء في كتابه من هذا الوجه.
وأخو إسماعيل هو: عبد الحميد.
وقد رواه أحمد 2، والنسائي 3، وابن حبان في «صحيحه» 4 من حديث ابن عمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي 5، إن شاء الله تعالى.
أثر آخر (538) قال الشيخ الإمام أبو عمر ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه «الاستيعاب لأسماء الصحابة» 6: أنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا مُضَر بن محمد، ثنا إبراهيم بن عثمان 7، ثنا مَخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين: قال: جاءت امرأةٌ إلى

عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقالت: إنَّ زوجي يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ.
فقال: ما تريدينَ؟ أتريدينَ أن أَنهاهُ عن صيامِ النهارِ، وقيامِ الليلِ؟ قال: ثم رَجَعتْ إليه، فقالت: إنَّ زوجي يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ.
قال: أفتريدينَ أن أَنهاهُ عن صيامِ النهارِ، وقيامِ الليلِ؟ ثم جاءته الثالثة، فقالت: إنَّ زوجي يصومُ النهارَ، ويقومُ الليلَ.
فقال: أتريدينَ أن أَنهاهُ عن صيامِ النهارِ، وقيامِ الليلِ؟ قال: وكان عنده كعب بن سُور، فقال كعب: إنها امرأةٌ تَشتكي زوجَها.
فقال عمرُ رضي الله عنه: أَمَا إذ فَطِنتَ لها، فقُمْ، فاحكُم بينهما.
قال: فقام كعب، وجاءت بزوجها، فقالت: يا أيها القاضي الفقيهُ أَرشَدَهُ ... أَلهَى خليلي عن فراشي مسجِدَه زهَّدَهُ في مضجعي تعبّدُه ... نهارُه وليلُه ما يَرقُدُه ولستُ في أَمرِ النساءِ أَحمَدُه ... فاقضِ القَضَا يا كَعبُ لا تَردده

[فقال] الزَّوج: إني امرؤٌ قد شَفَنِي ما قد نَزَل ... في سورةِ النورِ وفي السَّبعِ الطِّوَل وفي الحواميمِ الشِّفا وفي النَّحلِ ... وفي كتابِ اللهِ تخويفٌ جَلَل

فرُدَّها عنِّي وعن سُوءِ الجَدَل فقال كعب بن سُور القاضي رحمه الله:

إنَّ السعيدَ بالقضاءِ مَن فَصَل ... ومَن قَضَى بالحقِّ حقًّا وعَدَل إنَّ لها حقًّا عليكَ يا بَعُل ... مِن أربعٍ واحدةٌ لمَن عَقَل

امضِ لها ذاكَ وَدَع عنكَ العِلَل ثم قال: أيها الرَّجلُ، إنَّ لك أنْ تتزوَّجَ مثنى، وثلاثَ، ورُباعَ، فلك ثلاثةُ أيامٍ، ولامرأتِكَ هذه يومٌ، ومن أربع ليالٍ ليلةٌ، فلا تُصَلِّ في ليلتِها إلا الفريضةَ.
قال: فبَعَثَهُ عمرُ -رضي الله عنه- قاضيًا على البصرة.
ثم قالت المرأة: يا أميرَ المؤمنين، واللهِ ما بي شوقٌ إلى ما تَشتاقُ إليه النساءُ من الرِّجال، إلا أني رأيتُهُ يقومُ الليلَ يَستغفِرُ اللهَ لوالديه، فرَجَوتُ أن يُخرِجَ اللهُ مني ومنه مَن يَستغفِرُ اللهَ لي وله.
وقد روى وكيع 1، عن زكريا، عن الشَّعبي مثل هذا، أو نحوه، وليس فيه شِعر، وهو مشهور عند الفقهاء، يَذكرونه في باب القَسْم 2.

حديث في الخلع

(539) قال أبو بكر البزَّار 1: ثنا إبراهيم بن هانئ النَّيسابوري، ثنا عبد الغفار بن داود، ثنا ابن لَهِيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيّب، عن عمرَ قال: إنَّ أوَّلَ مختلعةٍ في الإسلام حبيبةُ بنت سهل، كانت تحت ثابت بن قيس بن شمَّاس، فأَتَت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسولَ الله، لا أنا ولا ثابت.
فقال لها: «أَتَرُدِّين عليه ما أَخَذتِ منه؟» قالت: نعم.
وكان تزوَّجها على حديقةِ نخلٍ، فقال ثابت: أَيطيبُ ذلك يا رسولَ الله؟ قال: «نعم».
قال: ولم يجعل لها نفقة ولا سُكنى.
إسناده حسن 2، ولم يخرِّجوه من هذا الوجه.

حديث في الطَّلاق

(540) قال أبو داود الطيالسي 1: ثنا ابن أبي ذِئب، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّه طلَّق امرأتَهُ وهي حائضٌ، فأتى عمرُ -رضي الله عنه- إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يَذكرُ ذلك له، فجَعَلها واحدةً.
/ (ق 202) هذا إسناد قوي، رجاله ثقات.
وهو ظاهر الدلالة لمذهب الجمهور 2 في نفوذ الطَّلاق في زمن الحيض، والله أعلم بالصواب.
طريق أخرى (541) قال الحافظ أبو بكر البيهقي 3: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا عبد الملك بن محمد الرَّقاشي، ثنا بِشر بن عمر، ثنا شعبة، عن أنس بن سيرين ... ، فذَكَره، بنحوه -يعني حديثه عن ابن عمرَ في طلاق الحائض-، غير أنَّه قال: «فَليُطَلِّقهَا إن شاءَ».
قال: فقال عمرُ: يا رسولَ الله، أفيُحتَسَبُ بتلك التطليقة؟ قال: «نعم».

وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنَّه قد رواه البخاري في «الصحيح» 1، عن سليمان بن حرب، عن شعبة.
ومسلم 2 من حديث غُندَر عنه، بدون هذه الزيادة.
وكذلك رواه حجَّاج بن منهال، عن شعبة 3 بدونها، وقولهم أثبت وأصح، والله أعلم.
طريق أخرى (542) قال الإمام أحمد 4: ثنا يزيد، أنا عبد الملك، عن أنس بن سيرين قال: قلت لابن عمرَ: حدِّثني عن طلاقِكَ امرأتَكَ، قال: طلَّقتُها وهي حائضٌ، فذَكَرت ذلك لعمرَ، فذَكَره للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مُرْهُ فَليُرَاجِعْهَا، فإذا طَهُرَت، فَليُطَلِّقها في طُهْرِها».
قال: قلت له: هل اعْتَدَدتَ بالتي طلَّقتَها وهي حائضٌ؟ قال: فمَالي لا أَعتدُّ بها، وإنْ كنتُ قد عَجِزتُ واستَحمَقْتُ.
هكذا رواه أحمد في مسند عمر، وهو عند أصحاب الأطراف 5 في مسند ابن عمر، كما رواه الشيخان 6 من حديث شعبة.

ومسلم من طريق عبد الملك هذا، وهو: ابن أبي سليمان.
كلاهما عن أنس بن سيرين، كما سيأتي 1 إن شاء الله، وبه الثقة، وعليه التكلان.
حديث آخر (543) قال عبد بن حميد في «مسنده» 2: ثنا ابن أبي شيبة، ثنا يحيى بن آدم، عن يحيى بن زكريا، عن صالح بن حي، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، عن عمرَ: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طَلَّق حفصةَ ثم رَاجَعَها.
ورواه أبو داود 3، والنسائي 4، وابن ماجه 5، وابن حبان في «صحيحه» 6 من طرق، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح -وهو: ابن صالح بن حَي الهَمَداني-، به.
وهذا إسناد جيد قويّ ثابت 7.

/ (ق 203) طريق أخرى (544) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا أبو كُرَيب، ثنا يونس بن بُكَير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمرَ قال: دخل عمرُ على حفصةَ وهي تبكي، فقال لها: مايُبكيكِ؟ لعلَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم طلَّقكِ؟ إنَّه قد كان طلَّقكِ مرَّةً، ثم رَاجَعَكِ من أجلي، والله لئنْ كان طلَّقكِ مرَّةً أخرى لا أُكلِّمكِ أبدًا.
هذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرِّجوه.
فأما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه» 2 من حديث عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الطلاقُ على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمرَ طلاقُ الثلاثِ واحدةً، فقال عمرُ بن

جارٍ التحميل