مسند الفاروق ت إمامكتاب الجنائز

(189) قال الإمام أحمد 1: ثنا عبد الله بن نُمَير، عن مُجالِد، عن عامر، عن جابر بن عبد الله قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول لطلحةَ بن عبيد الله رضي الله عنهما: ما لي أَراك قد شَعِثْتَ واغْبَرَرْتَ مُذ تُوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ لعلَّك ساءك إمارةُ ابنِ عمِّك؟ قال: معاذَ الله، إنِّي لأَجْدَرُكم ألا أفعلَ ذلك، إنِّي سَمِعتُ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنِّي لأعلمُ كلمةً لا يقولُها رجلٌ عند حضرةِ الموتِ إلا وَجَد رُوحُه لها رَوْحًا حين تخرجُ من جسدِه، وكانت له نورًا يومَ القيامةِ».
فلم أَسأَل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم / (ق 74) عنها، ولا أَخبَرَني بها، فذلك الذي دَخَلني.
فقال عمرُ: فأنا أَعلمُهُ.
قال: فللَّهُ الحمدُ.
قال: فما هي؟! قال: هي الكلمةُ التي قالها لعمِّه: لا إلهَ إلا اللهُ.
قال: صَدَقتَ.
وكذا رواه النسائي في «اليوم والليلة» 2، عن يحيى بن موسى، عن عبد الله بن نُمَير، به.
وهذا إسناد حسن 3.

ولكن رواه أحمد -أيضًا- 1، عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل، عن الشَّعبي، عن عمر، به.
وهذا منقطع، وفيه مبهم.
طريق أخرى (190) قال أبو يعلى الموصلي 2: ثنا هارون بن إسحاق الهَمداني، ثنا محمد بن عبد الوهاب القنَّاد، عن مِسْعَر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن يحيى بن طلحة، عن أُمِّه سُعدى المُريَّة قالت: مرَّ عمرُ بطلحةَ بعد وفاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مالَكَ مُكتَئِبٌ، أَساءَتكَ 3 إمْرَةُ ابنِ عمِّكَ؟ قال: لا ... ، وذَكَر الحديث.
وقد رواه النسائي في «اليوم والليلة» -أيضًا- 4، وابن ماجه 5. جميعًا عن هارون بن إسحاق، به.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» 6، عن عبد الله بن محمد بن سَلْم، عن هارون بن إسحاق.

واختاره الضياء في كتابه 1. وقال علي ابن المديني: حدَّثنا بهذا الحديث أصحابنا، عن محمد بن عبد الوهاب الكوفي 2 -وكان رجلاً صالحًا ثقة-، عن مِسْعَر، عن إسماعيل، عن الشَّعبي، عن يحيى بن طلحة، / (ق 75) عن سُعدى بنت عوف المُريَّة، امرأة طلحة، عن طلحة، عن عمر ... ، فذَكَره، بنحوه.
قال: ورواه شعبة 3، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، عن رجل، عن سُعدى امرأة طلحة، عن طلحة: أنَّ عمرَ مَرَّ به ... ، فذَكَر نحوه.
قال: وكذا حدَّثناه يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي، به.
قال: وحدَّثناه محمد بن عبيد، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن رجل، عن الشَّعبي، وأرسله.
قال عليّ: وإنما أراد محمد: عن الشَّعبي، عن رجل.
فقال: عن رجل، عن الشَّعبي؛ لأنَّ يحيى من أثبت مَن روى عن ابن أبي خالد، وكان يتتبَّع السماع من الفقهاء، ويَشدُّه رواية شعبة -أيضًا- كذلك.
ثم رواه علي، عن المعلَّى الرازي، وعَبثر بن القاسم.
كلاهما عن مُطرِّف، عن الشَّعبي، عن يحيى بن طلحة، عن طلحة قال: مَرَّ بي عمر ... ، فذَكَره.
ورواه، عن جرير بن عبد الحميد، عن مُطرِّف، عن عامر، عن ابنٍ لطلحةَ: أنَّ عمرَ مَرَّ على طلحةَ ... ، فذَكَره 4.

طريق أخرى (191) قال أحمد 1: ثنا أسباط، ثنا مُطرِّف -يعني: ابن طَريف-، عن عامر -هو: الشَّعبي-، عن يحيى بن طلحة، عن أبيه طلحة بن عبيد الله، عن عمرَ بن الخطاب، به.
ورواه النسائي في «اليوم والليلة» 2، عن علي بن حُجر، عن عليِّ بن مُسْهِر، عن مُطرِّف، به.
ورواه أحمد بن مَنيع، وأبو يعلى الموصلي في «مسنديهما» 3 من حديث مُطرِّف، به.
واختاره الضياء في كتابه 4 من هذا الوجه 5.

/ (ق 76) طريق أخرى (192) روى أبو بكر الإسماعيلي من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن مسلم بن يَسَار، عن حُمران، عن عثمان، عن عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلَمُ كلمةً، لا يقولها عبدٌ حقًا من قلبِه فيموتُ على ذلك؛ إلا حرَّمه اللهُ على النَّارِ: لا إلهَ إلا اللهُ» 1. وهذا إسناد جيد.
حديث آخر (193) قال الإمام أحمد 2: ثنا مؤمَّل، ثنا حماد، ثنا زياد بن مِخراق، عن شَهر، عن عُقبة بن عامر، حدَّثني عمر: أنَّه سَمِعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، قيل له: اُدخُلِ الجنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثمانيةِ شئتَ».
هذا إسناد حسن 3، وليس في شيء من الكتب السِّتة.

حديث آخر (194) قال ابن ماجه 1: ثنا جعفر بن مُسَافر، حدثني كثير بن هشام، ثنا جعفر بن بُرقان، عن ميمون بن مِهران، عن عمرَ بن الخطاب قال: قال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إذا دَخَلتَ على مريضٍ، فمُرْهُ يَدعُو لكَ، فإنَّ دعاءَه كدعاءِ الملائكةِ».
إسناده حسن، ولكن ميمون بن مِهران لم يُدرك عمرَ بن الخطاب 2. حديث آخر (195) قال الإمام أحمد 3: ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن صالح، قال ابن شهاب: قال سالم: فسَمِعتُ عبد الله بن عمر يقول / (ق 77): قال عمرُ: أَرسِلُوا إليَّ طبيبًا يَنظُرُ إلى جُرحي هذا.
قال: فأَرسَلُوا إلى طبيبٍ من العرب، فسقى عمرَ نبيذًا 4، فشَبِهَ النبيذُ بالدَّم حين خَرَج من الطعنة التي تحت السُّرَّة.
قال: فدَعَوتُ طبيبًا من الأنصار من بني معاوية،

فسقاه لبنًا، فخَرَج اللَّبنُ من الطعنة يَصلِدُ 1 أبيض.
فقال له الطبيب: يا أميرَ المؤمنين، اعهَدْ.
فقال عمرُ: صَدَقني أخو بني معاوية، ولو قلتَ غيرَ ذلك كذَّبتُك.
قال: فبكى عليه القومُ حين قال ذلك، فقال: لا تَبكوا علينا، مَن كان باكيًا؛ فليَخرُجْ، ألم تَسمعوا ما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «يُعذَّبُ الميِّتُ ببكاءِ أهلِه عليه».
فمن أجل ذلك كان عبد الله لا يُقِرُّ أن يُبْكى عنده على هالكٍ من ولده ولا غيرهم.
ورواه الترمذي 2، عن عبد الله بن أبي زياد.
والنسائي 3، عن سليمان بن سيف الحرَّاني.
كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
طريق أخرى (196) قال أحمد 4: ثنا يحيى، ومحمد بن جعفر قالا: ثنا شعبة، ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «الميِّتُ يُعذَّبُ في قبره بالنياحةِ عليه».
وقال محمد بن جعفر: «بما نِيحَ عليه».
ورواه أحمد -أيضًا- 5، عن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمر، به.

وقد رواه مسلم 1، عن بُندَار، عن غُندَر.
وابن ماجه 2، عن بُندَار، ومحمد بن الوليد.
/ (ق 78) كلاهما عن غُندَر، عن شعبة، به.
ورواه النسائي 3 عن الفلاَّس، عن يحيى بن سعيد -وهو: القطَّان-، عن شعبة، به.
وأخرجه البخاري 4، عن عَبدان، عن أبيه، عن شعبة.
قال: وقال آدم، عن شعبة: «الميِّتُ يُعذَّبُ ببكاءِ الحيِّ».
قال: وتابَعَه عبد الأعلى -يعني: ابن حماد-، عن يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة.
ورواه ابن ماجه -أيضًا- 5، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أسود بن عامر -شاذان-.
وعن نصر بن علي، عن عبد الصمد، ووهب بن جرير.
كلُّ هؤلاء عن شعبة، بإسناده، نحوه.
وقد رواه الإمام أحمد -أيضًا- 6، عن غُندَر، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، بإسناده، مثله.

وهكذا رواه مسلم 1، عن محمد بن المثنَّى، عن محمد بن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، به.
ورواه أحمد -أيضًا- 2، عن عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب 3: أنَّ عمرَ قال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «الميِّتُ يُعذَّبُ ببكاءِ أهلِهِ عليه».
وهذا منقطع.
ورواه أحمد -أيضًا- 4، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيّب قال: لما مات أبو بكرٍ بُكِيَ عليه، فقال عمرُ: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ببكاءِ الحيِّ».
قلت: ورواه همام 5، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، لم يَذكر عمرَ، لكن قال في عقبه: قال قتادة: وأخبرني يحيى بن رُؤبة قال: قلت لابن عمر: يُعذَّبُ هذا / (ق 79) الميِّتُ ببكاء هذا الحيِّ؟ قال: حدَّثنيه عمرُ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ووالله ما كَذَبتُ على عمرَ، ولا كَذَب عمرُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
طريق أخرى (197) قال أحمد 6: ثنا عفان، ثنا همام، عن قتادة، عن قَزَعة قال: قلت لابن عمر: يُعذِّبُ اللهُ هذا الميِّت ببكاء هذا الحيِّ؟ فقال: حدَّثني

عمرُ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ما كَذَبتُ على عمرَ، ولا كَذَب عمرُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا إسناد صحيح على شرط الجماعة، ولم يخرِّجه أحد منهم إلا من هذا الوجه، وقَزَعة هذا هو: ابن يحيى، أخرجوا له كلُّهم.
طريق أخرى (198) قال أحمد 1: حدثنا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يُعذَّبُ الميِّتُ ببكاءِ أهلِه عليه».
وهكذا رواه النسائي 2 عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى -وهو: ابن سعيد القطَّان-، به.
وأخرجه مسلم 3، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نُمَير.
كلاهما عن محمد بن بِشر، عن عبيد الله -وهو: ابن عمر العُمَري-، به.
طريق أخرى

(199) قال أحمد 4: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة قال: كنت عند عبد الله بن عمرَ، ونحن ننتظر جنازة أمِّ أَبَان بن 5 عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس يقوده قائده، قال: فأُراه

أُخبِرَ بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، وكنتُ بينهما، فإذا صوتٌ من الدَّار، فقال ابن عمر: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ببكاءِ / (ق 80) أهلِه عليه».
فأرسلها عبد الله مرسلة 1. قال ابن عباس: كنَّا مع أمير المؤمنين عمرَ، حتى إذا كنَّا بالبيداء إذا هو برجلٍ نازلٍ في ظلِّ شجرةٍ، فقال لي: انطلِق، فاعلَمْ مَن ذاك.
فانطلقتُ، فإذا هو صهيبٌ، فرَجَعتُ إليه، فقلت: إنك أمرتني أن أَعلَمَ لك مَن ذاك، وإنَّه صهيبٌ.
قال: مُرْه 2 فليَلحَق بنا.
فقلتُ: إنَّ معه أهلُه.
فقال: وإنْ كان معه أهلُه -وربما قال أيوب: مُرْه فلْيَلْحَق بنا-، فلمَّا بَلَغنا المدينةَ، لم يَلبَثْ أميرُ المؤمنين أنْ أُصيبَ، فجاء صهيب، فقال: واأَخاهُ! واصاحِباهُ! فقال عمرُ: ألَمْ تَعلَمْ، أو: ألَمْ تَسمعْ -أو قال: أَوَ لَمْ تَعلَمْ، أَوَ لَمْ تَسمعْ 3 -: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببعضِ بكاءِ أهلِه عليه».
فأما عبد الله فأرسَلَها مرسَلَةً، وأما عمرُ فقال: «ببعض»، فأتيت عائشة، فذَكَرتُ لها قولَ عمرَ، فقالت: لا والله ما قاله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الميِّتَ ليُعذَّب ببكاءِ أحدٍ، ولكنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الكافرَ لَيَزيدُهُ اللهُ ببكاءِ أهلِه عذابًا».
وإنَّ اللهَ لهو أضحك وأبكى، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ 4.

قال أيوب: وقال ابن أبي مُلَيْكَة: حدَّثني القاسم، قال: لمَّا بَلَغ عائشةَ قولُ عمرَ وابنِ عمرَ، قالت: إنكم لتُحدِّثونني عن غير كاذِبَين، ولا مكذَّبَين، ولكنَّ السمعَ يُخطئُ 1. ثم رواه أحمد 2، عن عبد الرزاق 3، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيْكَة، قال: تُوفيت ابنة عثمان بن عفان بمكَّة ... ، وساق الحديث، بنحوه.
ورواه البخاري 4، ومسلم 5، والنسائي 6 من طرق، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عنه.
طريق أخرى (200) قال مسلم 7: / (ق 81) ثنا علي بن حُجر، ثنا علي بن مُسْهِر، عن الشَّيباني، عن أبي بُرْدة، عن أبيه قال: لما أُصيبَ عمرُ جعل صهيبٌ يقول: وا أخاهُ! فقال له عمر: يا صهيبُ، أَمَا عَلِمتَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببكاءِ الحيِّ».

وهكذا رواه البخاري 1، عن إسماعيل بن الخليل، عن علي بن مُسْهِر، عن أبي إسحاق الشَّيباني، به.
ثم رواه مسلم 2، عن علي بن حُجر، عن شعيب بن صفوان، عن عبد الملك بن عُمَير، عن أبي بُرْدة بن أبي موسى، عن أبيه، به.
طريق أخرى (201) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي 3: ثنا هُدبة، ثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس: أنَّ عمرَ لما طُعِنَ أَعوَلَتْ عليه حفصةُ، فقال: يا حفصةُ، أَمَا سَمِعتِ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ المُعوَّلَ عليه يُعذَّبُ».
ورواه مسلم 4، عن عمرو بن محمد النَّاقد، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سَلَمة، به، وزاد 5: وأَعوَلَ عليه صهيبُ ... ، وذَكَر الحديث.
فهذه الطرق تفيد التوكيد عند كثيرين من أئمَّة هذا الشأن وغيرهم عن عمرَ رضي الله عنه وأرضاه.

أثر في جواز البكاء من غير صوت

(202) قال أبو عبيد 1: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرَ: أنَّه قيل له: إنَّ النساءَ قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: وما على نساءِ بني المغيرةِ أنْ يَسْفِكْنَ من دموعِهِنَّ على أبي سليمان ما لم يكن نَقْعٌ ولا لَقْلَقَةٌ.
قال الكسائي: النَّقْعُ: صَنْعَةُ الطعامِ للمأتمِ.
وأَنكَرَ ذلك أبو عبيد، وقال: إنما النَّقيعةُ صَنْعَة الطعام عند قدوم الغائب، وإنما المراد منه هنا: رفع الصوت، وهو الذي رأيت عليه قول أكثر أهل العلم، ومنه قول لَبيد: فمتى يَنقَعْ صُراخٌ صادقٌ ... يُحلِبوها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ

قال: وقال بعضهم: المراد به ههنا: وضع التراب على الرأس.
وضعَّفه.
وقيل: شقُّ الجيوب.
وأَنكَرَه.
قال: وأما اللَقْلَقَة: فشدَّة الصوت.
لم أسمع فيه اختلافًا.

حديث آخر (203) قال الزهري: عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمرَ قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكرٍ، وعمرُ -رضي الله عنهما- يمشون أمامَ الجنازةِ 1.23456

وسيأتي 1 في مسند ابن عمر إن شاء الله.

حديث في كلام الميِّت على سريره

(204) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا رحمه الله 1: حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي 2، عن رجل من أهل البصرة، عن زيد بن أسلم 3، عن عمرَ بن الخطاب قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مَا من ميِّتٍ يُوضعُ على سريرِهِ، فيُخطَى به ثلاثَ خُطًى، إلا تكلَّم بكلامٍ يُسمعُ مَن شاءَ اللهُ إلا الثقلين، الجنَّ والإنسَ، يقول: يا إخوتاه، ويا إخواناه، ويا حملةَ نَعشَاهُ، لا تَغرنَّكُمُ الدُّنيا كما غَرَّتني، ولا يَلعَبَنَّ بكم الزمانُ كما لَعِبَ بي، خَلَّفتُ ما تَرَكتُ لِوَرَثتي، والدَّيانُ يومَ القيامةِ يُخاصِمُني، وأنتم تُشيِّعوني وتَدَعُوني».
فيه انقطاع، وفي إسناده مَن لم يُسمّ، ولكن له شاهد في «الصحيح» 4.

حديث آخر (205) قال الإمام أحمد 1: ثنا يحيى بن سعيد -أنا سألتُهُ-، ثنا سليمان بن المغيرة، ثنا ثابت، عن أنس قال: كنَّا مع عمرَ بين مكةَ والمدينةَ، فتراءَيْنا الهلالَ، وكنتُ حديدَ البصر، فرأيتُهُ، فجَعَلتُ أقولُ لعمرَ: أما تَرَاهُ؟ قال: سأَراهُ وأنا مُستلقٍ على فراشي، / (ق 82) ثم أخذ يحدِّثنا عن أهل بدر، قال: إنْ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيُرينا مصارِعَهم بالأمس، يقول: «هذا مَصرعُ فلانٍ غدًا، إنْ شاء اللهُ، وهذا مَصرعُ فلانٍ غدًا، إنْ شاء اللهُ».
قال: فجعلوا يُصرَعون عليها.
قال: قلتُ: والذي بَعَثك بالحقِّ ما أخطأوا تيكَ، كانوا يُصرَعون.
ثم أمر بهم فطُرحُوا في بئر، فانطَلَق إليهم: «يا فلانُ، يا فلانُ، هل وَجَدتُم ما وَعدَكُمُ اللهُ حقًّا، فإنِّي وَجَدتُ ما وَعدَني اللهُ حقًّا».
قال عمرُ: يارسولَ الله، ما تكلِّمُ 2 قومًا قد جَيَّفوا؟! قال: «ما أنتم بأسمعَ لما أَقولُ منهم، ولكن لا يستطيعون أن يُجيبُوا».
وهكذا رواه النسائي 3، عن عمرو بن علي الفلاَّس، عن يحيى بن سعيد القطَّان.
وأخرجه مسلم 4، عن إسحاق بن عمر بن سليط، وشيبان بن فرُّوخ.
كلاهما عن سليمان بن المغيرة، به.

وقد رواه حميد، عن أنس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يَذكر عمرَ 1، وسيأتي 2 في مسنده، إن شاء الله تعالى.
حديث آخر (206) قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثني محمد بن عُمَير، ثنا ابن قتيبة، ثنا محمد بن آدم، ثنا محمد بن فضيل، ثنا إسماعيل بن أبي خالد وليث، عن سالم، عن ابن عمرَ، عن عمر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَن صَلَّى على جنازةٍ فله قِيرَاطٌ، ومَن شَهِدَها حتى تُدفَنَ فله قِيرَاطان».
غريب من هذا الوجه 3.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وأما الوجه الثاني: فأخرجه الترمذي في «العلل الكبير» (ص 148 رقم 257) وابن أبي شيبة (3/ 13 رقم 11620،11617) في الجنائز، باب في ثواب من صلَّى على الجنازة وتَبعها حتى تُدفن، وأحمد (2/ 16 رقم 4650) والدُّولابي في «الكنى والأسماء» (2/ 56) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن سالم البرَّاد، عن ابن عمرَ ... ، فذكره.
ورواه عن إسماعيل جماعة، وهم: يزيد بن هارون، ووكيع، ومحمد بن بِشر العَبدي، ويحيى بن سعيد، وابن المبارك.
ورواية وكيع موقوفة! وأما الوجه الثالث: فأخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» (1/ 396 رقم 343) وأحمد (2/ 458) من طريق شعبة، عن عبد الملك بن عُمَير، عن سالم البرَّاد، عن أبي هريرة ... ، فذكره.
ورجَّح هذا الوجه: الإمام ابن المديني، فقال في «العلل» (ص 76 - ط الأعظمي) و (ص 167 - ط دار غراس): رواه سنان (وتحرَّف عند الأعظمي إلى: سفيان!)، عن عبد الملك بن عُمَير، عن سالم البرَّاد، عن أبي هريرة.
ورواه ابن أبي خالد، عن سالم البرَّاد، عن ابن عمرَ.
والحديث عندي حديث أبي هريرة، وحديث ابن أبي خالد وَهْم وقال البخاري، كما في «العلل الكبير» للترمذي (ص 149): رواه عبد الملك بن عُمَير، عن سالم البرَّاد، عن أبي هريرة، وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء، أنكر ابنُ عمر على أبي هريرة حديثَه.
وفي «التاريخ الكبير» للبخاري (2/ 274): لا يصح؛ لأن الزهري قال: عن سالم: أنَّ ابنَ عمرَ أنكر على أبي هريرة حتى سأل عائشة.
قلت: مراد البخاريِّ إنكار أن يكون ابنُ عمرَ حدَّث بهذا؛ لأنه لما أُخبِرَ عن أبي هريرة بهذا الحديث أنكره عليه، ولو كان الحديث عنده لما أنكره على أبي هريرة، ورواية أبي هريرة التي فيها إنكار ابن عمر: خرَّجها البخاري في «صحيحه» (3/ 193 رقم 1323، 1324) في الجنائز، باب فضل اتباع الجنائز، ومسلم (2/ 653 رقم 945) (55) في الجنائز، باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها- واللفظ له - من طريق نافع قال: قيل لابن عمرَ: إنَّ أبا هريرة يقول: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن تبع جنازةً فله قيراطٌ من الأجر»، فقال ابنُ عمرَ: أَكثَرَ علينا أبو هريرة، فبَعَث إلى عائشةَ فسألها، فصدَّقت أبا هريرة، فقال ابن عمر: لقد فرَّطنا في قراريطَ كثيرة.
فائدة: قال الحافظ في «إتحاف المهرة» (8/ 435) بعد ذِكره لإعلال البخاري: وقد راح (كذا، ولعل الصواب: راج) هذا السند على الحافظ الضياء فأخرج هذا الحديث في «المختارة»، وهو معلول، كما ترى.
وانظر: «علل الدارقطني» (4/ق 61).

أثر عن عمر (207) قال الشافعي 1: أنا مالك 2، عن نافع، عن ابن عمرَ: أنَّ عمرَ غُسِّل وكُفِّن وصُلِّي عليه.
قال الشافعي: وهو شهيد، ولكنه صار إلى الشهادة في غير حرب.
قلت: وروى البيهقي 3: أنَّ عليًّا غُسِّل وكُفِّن أيضًا.
وفي هذا دلالة على أنَّ مَن قَتَله أهلُ البغيِّ يُغسَّل ويُصلَّى عليه.
حديث آخر فيه ذِكر عمر (208) قال الدارقطني 4: ثنا محمد بن مَخلد، ثنا محمد بن الوليد القَلاَنسي أبو جعفر المُخرَّمي، ثنا الهيثم بن جميل، ثنا مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن أنس قال: كَبَّرَتِ الملائكةُ على آدمَ أربعًا، وكَبَّرَ أبو بكرٍ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أربعًا، وكَبَّرَ عمرُ على أبي بكرٍ أربعًا، وكَبَّرَ صهيبٌ على عمرَ

أربعًا، وكَبَّرَ الحسنُ بن عليٍّ على عليٍّ أربعًا، وكَبَّرَ الحسينُ على الحسنِ أربعًا.
ثم قال: محمد بن الوليد هذا: ضعيف 1. ثم روى 2 من حديث خُنَيس بن بكر بن خُنَيس، عن فُرَات بن سلمان الجَزَري 3، عن ميمون بن مِهران، عن ابن عباس، نحوه 4.

أثر آخر (209) قال الشافعي 1: ويُذكر عن يحيى بن عبد الله بن أبي بُكَير: أنَّ أُسَيد بن حُضَير مات -ويُكنى: أبا يحيى-، وحَمَلَهُ عمرُ بين عمودي السَّرير حتى وَضَعَهُ.
(210) ثم رواه الشافعي 2 عن عثمان 3، وسعد بن أبي وقاص 4،

وأبي هريرة 1، وابن عمر 2، وابن الزُّبير 3: أنهم حَمَلوا بين العمودين.

وأشار إلى تثبيت ذلك.
قال 1: وروى بعض أصحابنا عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه حَمَلَ في جنازة سعد بن معاذ بين العمودين.
أثر عن عمر (211) قال البخاري 2 في النِّياحة على الميِّت: وكان عمرُ يَضربُ فيه بالعصا، وَيرمي بالحجارة، ويَحثي بالتراب.
(212) وقال الأوزاعي 3 / (ق 83): بَلَغني أنَّ عمرَ سَمِعَ صوتَ بكاءٍ في بيتٍ، فدخل ومعه غيرُهُ، فمَالَ عليهم ضربًا، حتى بَلَغ النائحةَ، فضَرَبَها حتى سَقَطَ خمارُها، وقال: اضرِبْ، فإنها نائحةٌ، ولا حُرْمةَ لها، إنها

لا تَبكي بشَجْوكُم، إنها تُهرِيقُ دموعَها على أخذِ دراهِمِكُم، إنها تُؤذي أمواتَكُم في قبورِهِم، وأحياءَكُم في دُورِهِم، إنها تَنهى عن الصَّبر، وقد أَمَرَ اللهُ به، وتأمُرُ بالجزعِ، وقد نَهَى اللهُ عنه! فأما البكاء المجرَّد، فقد قال البخاري في «صحيحه» 1: وقال عمرُ رضي الله عنه: دَعهنَّ يَبكين على أبي سليمانَ، ما لم يَكُن نَقْعٌ أو لَقْلَقَةٌ.
والنَّقْعُ: الترابُ على الرأسِ.
واللَقْلَقَة: الصوتُ.
قلت: وأبو سليمان هذا هو: خالد بن الوليد.
ورواه أبو عبيد 2، عن جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمر.
(213) وقال البخاري 3: قال عمرُ: نِعمَ العِدْلانِ، ونِعمتِ العِلاوةُ:

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ 1. أثر آخر (214) قال ابن أبي الدُّنيا 2: حدثنا محمد بن عاصم، أخبرني أبو مَعشر، عن محمد بن المنكدر قال: مَرَّ عمرُ بن الخطاب بحفَّارين يَحفرونَ قبرَ زينبَ بنت جحش -رضي الله عنها- في يومٍ صائفٍ، فضَرَبَ عليهم فُسْطاطًا 3، فكان أوَّلَ فُسْطاطٍ ضُرِبَ على قبرٍ.

أثر آخر (215) قال أحمد في «الزهد» 1: ثنا هشيم، أنا مُجالِد، عن الشَّعبي، عن ابن عمرَ قال: أوصاني عمرُ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: إذا وَضَعتني في لَحْدي، فَافْضِ بخَدِّي إلى الأرضِ حتى لا يكونَ بين خدِّي وبين الأرض شيءٌ.
حديث آخر (216) قال أبو بكر ابن أبي داود رحمه الله 2: ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، ثنا مفضَّل -يعني: ابن صالح بن جميلة 3 -، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي شَهْر، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنتَ إذا كنتَ في أربعةِ أذرعٍ في ذراعين، فرأيتَ مُنكَرًا ونَكيرًا؟!».
قال: قلت: يارسولَ الله، وما / (ق 84) مُنكَرُ ونَكيرُ؟ قال: «فتَّانا القبرِ، يَبحثانِ الأرضَ بأنيابِهِما، ويَطَآن في أَشعارِهما، أصواتُهما كالرَّعدِ

القاصفِ، وأبصارُهما كالبرقِ الخاطفِ، معهما مِرْزبَّةٌ، لو اجتَمَعَ عليها (أهلُ الأرضِ) 1 لم يُطيقوا رَفعَها، هي أيسرُ عليهما مِن عصاي هذه».
قال: قلت: يارسولَ الله، وأنا على حالتي هذه؟ قال: نعم».
قلت: فإذًا أَكفيكهما.
هذا حديث مشهور، وهو غريب الإسناد 2، وقد ورد من طريق أخرى: (217) فقال عبد الله بن وهب 3: حدَّثني حُيَيّ بن عبد الله المُعَافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ذَكَر

فتَّاني القبر، فقال عمرُ بن الخطاب: أتُردَّ إلينا عقولُنا يارسولَ الله؟ قال: «نعم، كهيئتِكُمُ اليومَ».
قال عمرُ: بِفِيْهِ الحَجَرُ.

حديث في بعث الأجساد ليوم الحشر والمعاد

(218) قال أبو بكر ابن أبي الدُّنيا 1: حدثنا هارون 2 بن عمر القرشي، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر 3: أنَّ شيخًا من شيوخِ الجاهليةِ القساةِ 4 قال: يا محمدُ، ثلاثٌ قد بَلَغني أنك تقولُهُنَّ، لا يَنبغي لذي عقلٍ أنْ يُصدِّقك بهنَّ، بَلَغني أنك تقولُ: إنَّ العربَ تاركةٌ ما كانت تَعبدُ هي وآباؤها، وأنَّا سَنَظهَرُ على كنوزِ كِسْرَى وقيصرَ، وأنَّا سنُبعَثُ بعد أن نَرِمَّ 5. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَجَل، والذي نفسي بيده، لَتَترُكَنَّ العربُ ما كانت تَعبدُ هي وآباؤها، ولَتَظهَرنَّ على كنوزِ كِسْرَى وقيصرَ، ولَتَموتَنَّ، ثم لَتُبعَثنَّ، ثم لآخُذنَّ بيدكَ يومَ القيامةِ، فلأُذَكِرنَّك مقالتَكَ هذه».
قال: ولا تُضلَّني في الموتى ولا تَنساني؟! قال: «ولا أُضِلَّكَ في الموتى ولا أنساكَ».
قال: فبَقِيَ الشيخُ حتى قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى ظهورَ المسلمينَ على كِسْرَى وقيصرَ، فأسلَمَ، فحَسُنَ إسلامُهُ، فكان عمرُ بن الخطاب كثيرًا ما يَسْمع نَحيبَهُ في مسجدِ رسولِ الله لإعظامِهِ ما كان واجهَ به رسولَ الله، فكان عمرُ ممَّا يأتيه 6 فيُسَكِّنُ منه، ويقول: قد أَسلَمْتَ، وَوَعَدَكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يأخُذَ بيدِكَ، ولا يأخذُ رسولُ الله بيدِ أحدٍ يومَ القيامةِ إلا أَفلَحَ وسَعِدَ، إن شاء الله.

أثر عن عمر في المرأة إذا ماتت وفي جوفها وَلَد ترجى حياته

(219) قال ابن أبي الدُّنيا في كتاب «من عاش بعد الموت» 1: ثنا محمد بن الحسين، حدثني عبيد بن إسحاق، حدثني عاصم بن محمد العُمَري، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: بينا عمرُ يَعرِضُ الناسَ، إذ مَرَّ به رجلٌ معه ابنٌ له على عاتقِهِ، فقال عمرُ: ما رأيتُ غُرابًا بغُرابٍ أشبهُ من هذا بهذا! فقال الرجل: أما واللهِ يا أميرَ المؤمنين، لقد وَلَدَتهُ أُمُّه وهي ميتةٌ! قال: وَيْحكَ! ما هذا؟! وكيف ذلك؟! قال: خَرَجتُ في بَعثِ / (ق 85) كذا وكذا، وتَركتُها حاملاً، فقلت: أَستَودِعُ اللهَ ما في بطنِكِ.
فلمَّا قَدِمْتُ من سفري أُخبِرْتُ أنها قد ماتت، فبينا أنا ذاتَ ليلةٍ قاعدٌ في البقيع مع بني عمٍّ لي، إذ نَظَرتُ، فإذا ضوءٌ شبيهٌ بالسِّراج في المقابر، قلت لبني عمِّي: ما هذا؟ قالوا: لا ندري، غير أنَّا نرى هذا الضوءَ كلَّ ليلةٍ عند قبرِ فلانةٍ، فأَخَذتُ معي فأسًا، ثم انطَلَقتُ نحو القبرِ، فإذا القبرُ مفتوحٌ، وإذا هو في

حِجْرِ أُمِّهِ، فدَنَوتُ، فناداني منادٍ: أيها المستَودِعُ ربَّهُ، خُذْ وَديعَتَكَ، أَمَا لو استَودَعتَهُ أُمَّهُ، لوَجَدتَها.
فأَخَذتُ الصبيَّ، وانضمَّ القبرُ.
قال أبو جعفر 1: سألت عثمان بن زُفَر عن هذا الحديث؟ فقال: لقد سَمِعتُهُ من عاصم 2. حديث آخر (220) قال الإمام أحمد 3: ثنا يونس بن محمد، ثنا داود -يعني: ابن أبي الفُرَات-، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبي الأسود أنَّه قال: أتيتُ المدينةَ، فوافقتُها 4، وقد وقع فيها مرضٌ، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجَلَستُ إلى عمرَ بن الخطاب، فمَرَّت به جنازةٌ، فأُثْنِيَ على صاحبها خيرٌ، فقال: وَجَبَتْ، وَجَبَتْ 5. ثم مُرَّ بأُخرى 6، فأُثْنِيَ شرٌّ، فقال عمرُ: وَجَبَتْ.
فقال أبو الأسود: ما وَجَبَتْ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: قلتُ كما قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما مسلمٍ شَهِدَ له أربعةٌ بخيرٍ أَدخَلَهُ اللهُ الجنَّةَ».
قال: فقلنا: وثلاثةٌ؟ قال: فقال: «وثلاثةً».
قال: فقلنا: واثنان؟ فقال: «واثنان».
/ (ق 86) قال: ثم لم نسأله عن الواحد.
ثم قال أحمد 7: ثنا عبد الصمد، وعفَّان قالا: ثنا داود بن أبي الفُرَات ... ، وذَكَره.

وكذا رواه البخاري في كتاب الجنائز 1، فقال: وقال عفان 2. وفي الشهادات 3: عن موسى بن إسماعيل.
كلاهما عن داود بن أبي الفُرَات، به.
ورواه الترمذي 4 من حديث أبي داود الطيالسي 5، عن داود بن أبي الفُرَات، به، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه النسائي 6، عن إسحاق بن إبراهيم، عن هشام بن عبد الملك، وعبد الله بن يزيد المقرئ.
كلاهما عن داود بن أبي الفُرَات، به.
وقد رواه علي ابن المديني، عن عبد الصمد بن عبدالوارث، عن داود بن أبي الفُرَات، به، وقال: لا نحفظه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده بعض الانقطاع؛ لأنَّ عبد الله بن بُرَيدة يُدخل بينه وبين أبي الأسود يحيى بن

يَعمَر، وقد أدرك أبا الأسود، ولم يقل فيه: سَمِعتُ أبا الأسود.
وهو حديث حسن الإسناد؛ إن كان سَمِعَه من أبي الأسود.
انتهى كلامه 1. وقد رواه الإمام أحمد -أيضًا- 2، عن وكيع، عن عمر بن الوليد الشَّنِّي، عن عبد الله بن بُرَيدة قال: جَلَس عمرُ مجلسًا كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَجلِسُهُ تَمرُّ عليه الجنائزُ ... ، وذَكَر الحديث، هكذا منقطعًا 3. حديث آخر (221) قال أبو بكر الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا أبي، عن مِسْعَر، عن عمرو بن مُرَّة، / (ق 87) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة قال: كان معي رجلٌ من المدينة، فذَكَر عبد الله بن أُبَيٍّ، وما أُنزِلَ فيه، وأخذ يَشتمُهُ وأنا ساكتٌ، ثم حكى لعمرَ، فطَلَبني، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، بيني وبين عبد الله قرابةٌ وصِهرٌ، وظَنَنُتُه إنما يريدني بذاك.
فقال عمرُ للرَّجل: أما عَلِمتَ أنَّه نُهي أنْ يؤذَى الأحياءُ بسبِّ الأمواتِ؟! ثم قال: ألا رَفَعتَ يدَكَ فكَسَرتَ أنفَهُ!

هذا غريب من هذا الوجه، ورجاله كلُّهم ثقات إلا سفيان بن وكيع؛ فإنهم تكلَّموا فيه من جهة وَرَّاق له كان يُدخل في أحاديثه المنكرات ويقال له في ذلك فلا يُغيِّر، فضُعِّف حديثه 1، والله أعلم.

جارٍ التحميل