مسند الفاروق ت إمامصفحات 45-84

كتاب البيوع

صفحات 45-84

أثر في ضمان البساتين

1 (422) قال حرب بن إسماعيل الكِرْماني: ثنا سعيد بن منصور، ثنا عبَّاد بن عبَّاد المهلَّبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنَّ أُسَيد بن حُضَير تُوفي وعليه ستةُ آلافِ درهمٍ دَينًا، فدعا عمرُ بن الخطاب غُرَماءَه، فقَبَّلَهم 2 أَرضَه سنين، وفيها النَّخلُ والشَّجرُ.
هذا إسناد جيد، وإن كان فيه انقطاع 3.

ومعنى قبَّلهم: أي: ضمَّنهم.
وقد ذهب إلى مقتضاه بعض العلماء، ونصره ابن عقيل وغيره من متأخري أصحاب الأصحاب 1 الإمام أحمد رحمه الله.

/ (ق 161)

أثر يُذكر في إحياء الموات وتملُّك المباحات

(423) قال حنبل بن إسحاق 1: ثنا داود بن شَبيب، ثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت: أنَّ أبا سفيان ابتنى دارًا بمكةَ، فأتى أهلُ مكةَ عمرَ، فقالوا: إنَّه قد ضيَّق علينا الوادي، وسيَّل علينا الماءَ.
قال: فأتاه عمرُ، فقال: خُذْ هذا الحَجَرَ فَضَعْهُ ثمَّةَ، وخُذْ هذا الحَجَرَ فَضَعْهُ ثمَّةَ، ثم قال عمرُ: الحمدُ لله الذي أَذَّل أبا سفيانَ لأَبطحَ مكةَ.
فيه انقطاع.
طريق أخرى (424) / (ق 162) قال الهيثم بن عدي: أنا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: قَدِمنا مكةَ مع عمرَ، فأَقبَلَ أهلُ مكةَ يَسعون: يا أميرَ المؤمنين، يا أميرَ المؤمنين، أبو سفيان حَبَسَ سيلَ الماءِ علينا لِيَهدمَ منازلَنا! فأَقبَلَ عمرُ ومعه الدِّرَّة، فإذا أبو سفيان قد نَصَبَ أحجارًا، فقال: ارفَعْ هذا.
فرَفَعَهُ، وهذا.
فَرَفَعَهُ، ثم قال: وهذا، وهذا.
حتى رَفَعَ أحجارًا خمسةَ أو ستةَ، ثم استَقبَلَ عمرُ الكعبةَ فقال: الحمدُ لله الذي جعل عمرَ بن الخطاب يأمُرُ أبا سفيانَ ببطنِ مكةَ فيُطيعُهُ 2.

حديث في ذلك (425) قال أبو داود 1: ثنا القَعْنبي، عن الدَّرَاوَردي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إيَّاكم والجلوسَ في الطُّرُقاتِ».
قالوا: يا رسولَ الله، ما بُدٌّ لنا من مجالسنا، فقال: «إن أَبيتم؛ فأعطُوا الطريقَ حقَّه».
قالوا: وما حقُّ الطريقِ يا رسولَ الله؟ قال: «غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السَّلامِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُّ عن المنكرِ».
(426) قال أبو داود 2: وثنا الحسن بن عيسى النَّيسابوري، أنا ابن المبارك، أنا جرير بن حازم، عن إسحاق بن سُوَيد، عن ابن حُجَير العدوي قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذه القصَّة، قال: «وتُغيثوا الملهوفَ 3، وتَهدوا الضالَّ».
وأخرجه البزَّار في «مسنده» 4 من حديث ابن المبارك، به.
إسناده عن عمرَ جيد، انفرد / (ق 163) به أبو داود، واختاره الضياء في كتابه 5. وأما عن أبي سعيد؛ ففي «الصحيح» 6،

كما سيأتي 1 في مسنده إن شاء الله تعالى.
وقد طَعَنَ علي ابن المديني في حديث عمرَ هذا، وقال: هذا عندنا وَهْم، فقد حدَّثناه وهب بن جرير، سَمِعتُ أبي يحدِّث عن إسحاق بن سُوَيد، عن يحيى بن يَعمَر: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكم والجلوسَ على ظَهْرِ الطريقِ».
ثم قال: ووهب أعلم بحديث أبيه من غيره، وعنده كتب أبيه.
ثم رواه علي، عن المعتمر بن سليمان، وعبد الوهاب الثَّقَفي، عن إسحاق بن سُوَيد، عن يحيى بن يَعمر، مرسلاً.
قال: وما أظنُّ الوَهْم أتى إلا من جرير 2. (427) ثم قال: ثنا عبد الوهاب الثَّقَفي، ثنا إسحاق بن سُوَيد، ثنا حجير بن الرَّبيع قال: سَمِعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: إيَّاكم والمزوَّجاتِ.
قالوا: يا أميرَ المؤمنين، وما المزوَّجات؟ قال: المرأة تَخرجُ في أحسنِ زينتِها ... ، فذَكَر حديثًا لا أسوقه.
كذا قال رحمه الله.
أثر آخر (428) قال أبو القاسم البغوي: ثنا نعيم بن الهيصم، ثنا أبو عَوَانة،

عن يونس، عن سعيد بن جُبَير: أنَّ عمرَ -رضي الله عنه- قال: كُلْ من الحائطِ، ولا تتَّخذْ خُبْنَةً 1.

أثر في جواز الحمى للإمام

(429) قال البخاري 1: ثنا إسماعيل، ثنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنَّ عمرَ استَعمَلَ مولىً له يُدعَى هُنيًّا على الحِمَى، قال: يا هُنيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عن المسلمينَ 2، واتَّقِ دعوةَ المسكينَ 3، فإنَّ دعوةَ المظلومِ مستجابةٌ، وأَدخِلْ ربَّ الصُّريْمَةِ، وربَّ الغُنيمة 4، وإيَّاي ونَعَمَ ابنِ عفانَ وابنِ عوفٍ، فإنهما إنْ تَهلِكْ ماشيتُهُما يرجعانِ إلى زرعٍ ونخلٍ، وإنَّ ربَّ الصُّريْمَة، وربَّ الغُنيمة إنْ تَهلِكْ ماشيتُهُما يأتيني بِبَنِيهِ 5، فيقول: يا أميرَ المؤمنين؟ يا أميرَ المؤمنين؟ أَفَتَارِكُهُم أنا لا أَبَا لكَ، فالماءُ والكَلَأُ أَيسَرُ عليَّ من الذَّهبِ والوَرِقِ، إنهم لَيَرَون أنِّي قد ظلمتُهُم، إنها لَبِلادُهُم، قاتَلُوا عليها في الجاهلية، وأَسلَمُوا عليها في الإسلامِ، والذي نفسي بيدِهِ، لولا المالُ الذي أَحمِلُ

عليه في سبيلِ اللهِ 1 ما حَمَيْتُ عليهم في بلادِهِم شِبْرًا.
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزَّار 2، عن محمد بن عثمان الثَّقَفي، عن أميَّة بن خالد، عن هشام بن سعد، / (ق 164) عن زيد بن أسلم، به.
(430) وقد روى البخاري 3، وأبو داود 4، والنسائي 5 من حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصَّعب بن جثَّامة: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا حِمَى إلا للهِ ولرسولِه».
(431) قال الزهري 6: وبَلَغنا أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَمَى النَّقيعَ 7، وأنَّ

عمرَ حَمَى السَّرَفَ 1 والرَّبَذةَ 2. أثر آخر (432) قال القاسم بن الفضل الحُدَّاني 3، عن محمد بن زياد قال: كان جدِّي مولىً لبني مظعون، قال: ربما أتاني عمرُ نصفَ النهارِ واضعًا ثوبَه على رأسِهِ يَتَعاهدُ الحِمَى، ألا يُعضَدَ شَجَرُهُ، فيَجلسُ إليَّ يحدِّثني، فأُطعِمُهُ من القِثَّاء والبَقل، فقال: أراك لا تَبرحُ ههنا؟ قلت: أَجَل.
قال: إنِّي أَستَعملُكَ على ما ههنا، فمَن رأيتَ يَعضِدُ شَجَرًا أو يَخبِطُ فخُذْ فأسَهُ وحبلَهُ.
قلت: آخذ رداءَه؟ قال: لا.
أثر آخر (433) قال أبو عبيد 4: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عمرَ.
وحدثنا هشيم، عن أبي بِشر، عن مجاهد، عن عمرَ: إذا مَرَّ أحدُكُم بحائطٍ؛ فلْيَأْكُلْ منه، ولا يَتَّخِذْ ثِبَانًا -وقال الآخر-: خُبْنَةً.

قال أبو عمرو: الثِّبَان: هو الوِعَاءُ الذي تَحمِلُ فيه الشيءَ بين يديك، والخُبْنَة: ما تَحمِلُهُ في حِضْنِكَ.
أثر آخر (434) قال أبو عبيد 1: ثنا حجَّاج، عن شعبة، عن محمد بن عبيد الله الثَّقَفي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أنَّ نَفَرًا من الأنصار مَرُّوا بحيٍّ من العرب، فسألوهم القِرَى، فأَبَوا، فسألوهم الشِّرى، فأَبَوا، فَضَبطوهم، فأصابوا منهم، فأتوا عمرَ، فذَكَروا ذلك له، فهَمَّ بالأعرابِ، وقال: ابنُ السَّبيلِ أحقُّ بالماءِ من التانئ 2 عليه.
إسناد ... 3.

حديث في اللُّقَطة

(435) قال النسائي 1: ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عيسى بن يونس، ثنا الوليد بن كثير -قال عيسى: وكان ثقةً في الحديث- عن عمرو بن شعيب، عن عاصم، وعمر 2 ابني سفيان بن عبد الله: أنَّ سفيان بن عبد الله وَجَدَ عَيبَةً، فأتى بها عمرَ بن الخطاب، قال: عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ عُرِفَتْ فذاك، وإلا فهي لك 3. فلَقِيَهُ من العامِ المُقبِلِ في الموسمِ، فذَكَرها له، فقال: هي لكَ، إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم / (ق 165) أَمَرَنا بذلك.
قال: لا حاجةَ لي بها.
فقَبَضهَا عمرُ، وجَعَلهَا في بيتِ المالِ.
إسناد جيد.
وكذا وقع في رواية النسائي: «عن عاصم وعمر ابني سفيان»، والصواب: «وعمرو».
والله أعلم.

أثر آخر فيها (436) قال القاسم بن أبي شيبة: ثنا حفص بن غياث، عن السَّيباني 1، عن أبي عَون الثَّقَفي، عن السَّائب بن الأقرع: أنَّه كان جالسًا في إيوانِ كسرى، فنَظَر إلى تمثالٍ يُشيرُ بإصبعِهِ إلى موضعٍ، قال: فوَقَعَ في رُوْعي 2 أنَّه يُشيرُ إلى كنزٍ، فاحتَفَرتُ الموضعَ، فأَخرَجتُ كنزًا عظيمًا، فكَتَبتُ إلى عمرَ -رضي الله عنه- أُخبِرُهُ، فكَتَب إليَّ عمرُ: إنك أميرٌ من أمراءِ المسلمينَ فاقْسِمْهُ بين المسلمينَ 3. إسناد جيد أيضًا.

أثر في اللَّقيط

(437) قال الإمام مالك -رحمه الله- في «الموطأ» 1 عن الزهري: أنَّه سَمِعَ سُنَينًا أبا جَميلة يقول: وَجَدتُ مَنْبُوذًا على عهد عمرَ، فذَكَره عَرِيفي 2 لعمرَ، فأَرسَلَ إليَّ، فدَعَاني والعَرِيفُ عنده، فلمَّا رآني قال: «عَسَى الغُوَيرُ أَبْؤُسًا».
قال عَرِيفي: إنَّه لا يُتَّهم.
فقال عمرُ: ما حَمَلَكَ على أَخْذِ هذه النَّسَمَةِ؟ قال: قلتُ: وَجَدتُ نَفسًا بِمَضْيَعَةٍ فأَحبَبتُ أنْ يأجُرَنِي اللهُ فيها.
قال: هو حُرٌّ، وولاؤه لك، وعلينا رَضَاعُهُ.
ورواه الشافعي 3، عن مالك، كذلك.
وكذا رواه سفيان بن عيينة 4، عن الزهري، عن سُنَين، بمثله.
وذَكَره البخاري في / (ق 166) كتاب الشهادات من «صحيحه» 5 معلَّقًا بصيغة الجزم، فقال: وقال أبو جَميلة: وَجَدتُ مَنْبُوذًا، فلمَّا رآني عمرُ قال: «عَسَى الغُوَيرُ أَبْؤُسًا».
كأنَّه يَتَّهِمُني، فقال عَرِيفي: إنَّه رجلٌ صالحٌ.
قال: كذلك؟ اذهب، وعلينا نَفَقَتُهُ.
وقد رواه الإمام أبو عبيد في «الغريب» 6، عن يزيد بن هارون، عن

محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سُنَينٍ أبي جميلة، عن عمرَ، بنحوه.
قال الأصمعي: الأَبْؤُسُ: جمع البأس، وأصل هذا: أنَّه كان غارٌ فيه ناسٌ فانْهَارَ عليهم، أو قال: فأتاهم فيه عدوٌّ لهم فقتلوهم، فصار مثلاً لكلِّ شيء يُخافُ أن يأتِيَ منه شرٌّ، ثم صُغِّر الغارُ، فقيل: غُوَيرٌ.
وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي: أنَّ الغُويرَ ماءٌ لبني كلب بناحية 1، وأنَّ أوَّل مَن تكلَّم بهذا المثل الزَّبَّاءُ حين وَجَّهتْ قَصِيرًا في تلك التجارة، فرجع وقد حَمَلَ الرِّجالَ في الصناديق، وقيل: في الغَرَائِرِ، ليأخذَ بثأر جَذِيمَةَ الأَبْرَشِ منها، وسلك في رجوعه إليها غير الطريق المنهج على الغُوَير، فلمَّا بَلَغ الزَّبَّاءَ رجوعُهُ على تلك الطريق التي هي خلاف العادة، قالت: «عَسَى الغُوَيرُ أَبْؤُسًا»، وكان الأمرُ كما ظنَّت.
قال أبو عبيد: وهذا القول أشبه عندي صوابًا من الأوَّل، وإنما أراد عمرُ بهذا المثل أنْ يقولَ للرَّجل: لعلَّكَ أنت صاحبُ هذا المنبوذ، حتى أثنى عليه عَرِيفُهُ.
قال: وجَعَله ولاءً له بسبب أنَّه أنقذه من الموت، أو أنْ يلتقطه أحدٌ فيدَّعي رقبته.
قال: وهذا حُكْمٌ تَرَكه الناس، وصاروا إلى جَعْلِ ولائِهِ للمسلمين وجَرِيرَتِهِ عليهم.
قال: ونَصَبَ أَبْؤُسًا بفعلٍ مُضمَر أو بحذف الجار، تقديره: عَسَى الغُوَير أن يُحدِثَ أَبْؤُسًا، أو يأتِيَ بأَبْؤُسٍ.

قال الكُمَيت: قالوا: أساءَ بنو كُرزٍ فقلتُ لهم ... عَسَى الغُوَيرُ بإِبآسٍ وإغْوار

حديث في الوقف

(438) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا عبيد الله، ثنا يزيد بن زُرَيع وسُليم جميعًا قالا: ثنا ابن عَون، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: أصاب عمرُ أرضًا بخيبر، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فاسْتَأْمَرَهُ فيها، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي أَصبتُ أرضًا بخيبرَ، لم أُصِبْ مالاً قطُّ هو أَنفَسُ عندي منه، فما تَرَى؟ قال: «إنْ شئتَ حَبَّستَ أَصلَهَا وتَصَدَّقتَ بها».
قال: فتَصَدَّق بها عمرُ: لا يُباعُ أصلُها، ولا يُوهَبُ.
فتَصَدَّق بها عمرُ في الفقراءِ، والقُربَى، وفي الرِّقابِ، وفي سبيلِ الله، وابنِ السَّبيلِ، وفي الضَّيفِ، لا جُنَاحَ على مَن وَلِيَهَا أنْ يأكُلَ بالمعروفِ، ويُطعِمَ صديقًا غيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه.
قال ابن عَون: فذَكَرت هذا لمحمد، فقال: غيرَ مُتَأَثِّلٍ مالاً.
هكذا رواه أبو يعلى في مسند عمر.
وهكذا رواه مسلم 2، والنسائي 3 من حديث عبد الله بن عَون، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ قال: أَصَبتُ أرضًا من أرضِ خيبرَ ... ، وذَكَره.
وهو في «الصحيحين» من حديث ابن عمر 4، كما سيأتي 5 في مسنده، إن شاء الله تعالى.

/ (ق 167)

صورة كتاب وقف عمر رضي الله عنه

(439) قال أبو داود 1: ثنا سليمان بن داود المَهْري، أنا ابن وهب، أخبرني الليث، عن يحيى بن سعيد، عن صَدَقة عمرَ بن الخطاب قال: نَسَخَها لي عبد الله بن عبد الحميد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب 2: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كَتَبَ عبد الله عمرُ في ثَمْغٍ ... ، وقصَّ من خَبَرِهِ نحوَ حديث نافع، قال: غيرَ مُتَأَثّلٍ 3 مالاً، فما عَفَا عنه من ثَمَرِهِ فهو للسَّائلِ والمحرومِ ... ، وساق القصَّة: وإنْ شاءَ وَلِيُّ ثَمْغٍ 4 اشتَرَى من ثَمَرِهِ رَقِيقًا يَعمَلُهُ 5، وكَتَبَ مُعَيقيب، وشَهِدَ عبد الله بن الأرقم.
بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ماأَوصَى به عبد الله عمرُ أميرُ المؤمنين: إنْ حَدَث بي حَدَثٌ أنَّ ثَمغًا، وصِرْمَةَ ابنِ الأَكوع، والعبدَ الذي فيه، والمائةَ السَّهم الذي 6 بخيبرَ، وَرَقِيقَهُ الذي فيه، والمائةَ التي أَطعَمَهُ محمدٌ صلى الله عليه وسلم بالوادِ، تَلِيَهُ حفصةُ ما عاشت، ثم يَلِيَهُ ذو الرأي من أهلِهَا: ألا يُباعَ، ولا يُشتَرَى، فَيَضَعُهُ 7 حيثُ رأى من السَّائلِ والمحرومِ

وذي القُربَى، ولا حَرَجَ على وَلِيِّهِ 1 إنْ أَكَلَ، أو آكَلَ، أو اشتَرَى له رَقِيقًا منه.

حديث في الهبة

(440) قال الإمام أحمد 1: ثنا عبد الرحمن، عن مالك 2، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- / (ق 168) قال: حَمَلتُ على فرسٍ في سبيل الله، فأَضاعَهُ صاحبُهُ، فأَردتُ أنْ أَبتاعَه، وظننتُ أنَّه بائِعُهُ برُخْصٍ، فقلت: حتى أسألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا تَبتَعْهُ، وإنْ أَعطاكَهُ بدرهمٍ، فإنَّ الذي يَعودُ في صَدَقتِهِ كالكلبِ يَعودُ في قَيْئِهِ».
ثم رواه أحمد 3، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، بنحوه.
ورواه -أيضًا- 4، عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه 5 قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «الذي يعودُ في صدقتِهِ كمَثَلِ الذي يعودُ في قَيئِهِ».
فذَكَره، مرسلاً.
وقد رواه البخاري 6، ومسلم 7، والنسائي 8 من طرق عن مالك، كما تقدَّم.

ورواه البخاري -أيضًا- 1، عن الحميدي 2، عن سفيان قال: سَمِعتُ مالك بن أنس يسأل زيد بن أسلم ... ، فذَكَره.
وكذا رواه مسلم 3، عن ابن أبي عمر، عن سفيان، به.
وعن أميَّة بن خالد، عن يزيد بن زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، به.
ورواه ابن ماجه 4، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمرَ، ببعضه.
حديث آخر (441) قال أبو القاسم الطَّبراني 5: ثنا أحمد بن محمد بن صدقة، ثنا أبو الحطاب 6 زياد بن يحيى، ثنا مؤمَّل بن إسماعيل، ثنا شعبة، عن عاصم الأَحول، عن أبي عثمان النَّهدي، عن عمرَ بن الخطاب قال: أعطيتُ ناقةً في سبيلِ الله، فأَردتُ أنْ أشترِيَ من نَسْلِهَا -أو قال: من / (ق 169) ضِئْضِئها 7 - فسألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «دَعْها حتى تَجِيءَ يومَ القيامةِ هي وأولادُها في ميزانِكَ».
ثم قال الطَّبراني: لم يروه عن شعبة إلا مؤمَّل.
قلت: وهذا إسناد جيد 8، وليس في شيء من الكتب السِّتة.

وقد اختاره الحافظ الضياء في كتابه من هذا الوجه 1. أثر (442) قال سعيد بن منصور 2: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، عن عمرَ قال: الرَّجلُ أَحقُّ بِهِبَتِهِ ما لم يُثَبْ منها.
هذا إسناد صحيح.
وقد رواه ابن ماجه 3 من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن مجمِّع بن جارية -وهو ضعيف-، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة، مرفوعًا.
قال البخاري 4: والأوَّل هو الصحيح.
طريق أخرى (443) قال ابن وهب 5: سَمِعتُ حنظلة، سَمِعتُ سالمًا، عن أبيه، عن عمرَ قال: مَن وَهَبَ هِبَةً فهو أحقُّ بها ما لم يُثَبْ منها.
وهذا -أيضًا- صحيح.
وقد رواه عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه، مرفوعًا 6.

قال البيهقي: والأوَّل هو المحفوظ 1. ثم رواه من وجه آخر عن عمرَ، قولَه.

حديث في الوصية

(444) قال الحافظ أبو يعلى 1: ثنا زُهَير، ثنا يونس بن محمد، ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمرَ، عن عمرَ 2، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ أنْ يَبِيتَ ليلتين سَودَاوَينِ وعنده ما يُوصِي فيه إلا وَوَصِيَتُهُ مكتوبةٌ».
غريب من هذا الوجه، والعُمَري له أوهام، فإنَّ هذا الحديث في «الصحيحين» 3 عن عبد الله بن عمر نفسه، كما سيأتي 4 في مسنده.

أثر في صحة وصية المميِّز من الصبيان

(445) قال الإمام مالك في «موطئه» 1: ...... 2 عن عمرو بن سُليم الزُّرقي: أنَّه قيل لعمرَ: إنَّ ههنا غلامًا يَفاعًا 3 لم يَحتَلِم من غسَّانَ

وَوَرَثَتُهُ 1 بالشَّام وهو ذو مال، وليس له ههنا إلا ابنةُ عمٍّ له، فقال عمرُ: فلْيُوصِ لها.
فأَوصَى لها بمالٍ يقال له: بئر جُشَم.
قال عمرو بن سُليم: فَبِيعَ ذلك المالُ بثلاثين ألفًا، وابنةُ عمِّهِ التي أَوصَى لها هي أم عمرو بن سُليم.
وأما وصاة عمر بتلك الأمور التي ذَكَرها بعد ما طُعِنَ، فسيأتي إيرادها في مقتله -رضي الله عنه-، وهو في آخر سيرته 2. وقد استدلَّ العلماء بذلك على صحة وصية مَن لا يعيش مثله.

/ (ق 172)

حديث في العتق

1 (446) قال أبو عبيد 2: ثنا ابن أبي عدي، ويزيد، عن سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان النَّهدي، عن عمرَ -رضي الله عنه- قال: السَّائبةُ 3 والصَّدقةُ ليومِهِما.
قال أبو عبيد: معناه: مَن أَعتَقَ سائبةً أو تَصَدَّق بشيءٍ، فهُما ليومِهِما إلى يومِ القيامةِ، لا يَرجِعُ إلى شيءٍ من الانتفاع بهما في الدُّنيا.
قال: فإذا مات مَن أَعتَقَهُ سائبةً فرجع إليه مالُهُ بالإرث الشَّرعي فالأولى التورعُ عنه، فإنْ أَخَذَهُ فَلْيَصْرِفْهُ في مثله، وكذلك فَعَلَ ابنُ عمر 4، وليس بمُحرَّمٍ عليه أَكلُهُ، والله أعلم.

أثر آخر (447) قال أبو صالح 1: ثنا الليث، عن عمرَ بن عيسى المديني (الأسلمي) 2، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباسٍ قال: جاءت جاريةٌ إلى عمرَ، وقالت: إنَّ سيدي اتَّهَمَني فأَقعَدَني على النَّار حتى أَحرَقَ فَرْجي.
فقال: هل رأى ذلك عليكِ؟ قالت: لا.
قال: أَفَاعتَرَفتِ له بشيءٍ؟ قالت: لا.
قال: عليَّ به.
فلمَّا رأى الرَّجلَ قال: أَتعذِّبُ بعذابِ اللهِ؟! قال: يا أميرَ المؤمنين، اتَّهمتُها في نفسِها.
قال: رأيتَ ذلك عليها؟ قال: لا.
قال: فَاعْتَرَفتْ؟ قال: لا.
قال: والذي نفسي بيده، لو لم أَسمعْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يُقادُ مملوكٌ من مالكِهِ، ولا ولدٌ من والدِهِ»؛ لأَقَدتُها منكَ.
فبَرَزَهُ 3، فضَرَبَهُ مائةَ سوطٍ، ثم قال: اذهبي فأنتِ حُرَّةٌ، وأنتِ مولاةٌ للهِ ورسولِهِ، سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: / (ق 173) «مَن حُرِّقَ بالنَّارِ، أو مُثِّلَ به؛ فهو حُرٌّ، وهو مولىً للهِ ورسولِهِ».
قال اللَّيث: هذا أمر معمول به.

هكذا رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في «مسند عمر»، وهو إسناد حسن، إلا أنَّ البخاريَّ 1 قال في عمر بن عيسى هذا: هو منكر الحديث.
وكذلك قال ابن عدي 2. وقال العقيلي 3: حديثه غير محفوظ.
وقال ابن حبان 4: يروي الموضوعات، فالله أعلم.
والحديث فيه دلالة ظاهرة -لو صح- لمذهب مالك وغيره من السَّلف في أن مَن مثَّل بعبده يُعتَقُ عليه، حتى عدَّاه بعضُهم إلى من لاَطَ بمملوكه أو زَنَى بأَمَة غيره أنها تُعتَقُ عليه.
وفيه أيضًا: أنَّه لا ولاءَ له عليه والحالةُ هذه، لقوله: «وهو مولىً للهِ ورسولِهِ».
وقد نصَّ الإمام اللَّيث بن سعد على قبول هذا الحديث، وأنَّه معمولٌ به عندهم.
وأما قول قتادة، عن عمرَ أنَّه قال: مَن مَلَك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ 5 فهو حُرٌّ؛ فرواه أبو جعفر الطَّحاوي 6 من حديث الأسود، عن عمرَ، فقال: ... 7.

وسيأتي 1 في مسند سَمُرة من رواية قتادة، عن الحسن، عن سَمُرة 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وخالَفَهم محمد بن بكر البُرساني، فرواه عن حماد، عن قتادة وعاصم الأَحول، عن الحسن، عن سَمُرة ... ، فذكره! ومن هذا الوجه: أخرجه الترمذي (3/ 647) والنسائي في «الكبرى» (4902) وابن ماجه (2/ 843 رقم 2524). وقد أَعلَّ هذه الطريق الإمامُ الترمذي، فقال عقب روايته: ولا نعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث عاصمًا الأَحول، عن حماد بن سَلَمة، غير محمد بن بكر.
وأما الوجه الثاني: فأخرجه أبو داود (3947) والنسائي في «الكبرى» (4905) من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: مَن مَلَكَ ذا رَحمٍ فهو حُرٌّ.
ورواه عن ابن أبي عَروبة: ابن أبي عدي، وعبد الوهاب بن عطاء الخفَّاف.
وقد رجَّح هذا الوجه الإمام أبو داود، فقال: سعيد أحفظ من حماد.
انظر: «تحفة الأشراف» (4/ 66 رقم 4585).

وقال البيهقي في «معرفة السُّنن والآثار» (14/ 406 - 407): والحديث إذا انفرد به حماد بن سَلَمة ثم يشكُّ فيه، ثم يخالفه فيه مَن هو أحفظ منه؛ وجب التوقف فيه، وقد أشار البخاري إلى تضعيف هذا الحديث، وقال علي ابن المديني: هذا عندي منكر.
وقال الإمام مسلم في «التمييز»، كما في «شرح علل الترمذي» لابن رجب (2/ 623): حماد يخطئ في حديث قتادة كثيرًا.
وانظز: «علل الترمذي الكبير» (ص 211). وخالف هؤلاء الحفاظ محقِّقو «مسند الإمام أحمد» (33/ 338 رقم 20167 - ط مؤسسة الرسالة) فصحَّحوا رواية سَمُرة المرفوعة، ولم يَذكروا شيئًا من كلام الحفاظ حول هذا الحديث، ثم زادوا الأمر ضغثًا على إبَّالة، فذكروا له شاهدًا من حديث ابن عمر -الآتي بعد قليل-، وقوَّوا به رواية سَمُرة!! مع أن حديث ابن عمر اتفق الحفاظ على إعلاله!! كما ستراه لاحقًا.
وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما: أخرجه النسائي في «الكبرى» (4897) وابن ماجه (2525) في العتق، باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر، وابن الجارود (972) والطحاوي (3/ 109) من طريق ضَمرة بن ربيعة، عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما- مرفوعًا: «مَن ملك ذا رَحِمٍ مَحرَم فهو عَتِيق».
=

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وقد أعل هذا الحديث كبار الحفَّاظ، فقال الإمام أحمد: ضَمرة ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل، أحدهما هذا الحديث.
وقال -أيضًا-: ليس من ذا شيء، وَهِمَ ضَمرة.
وقال الترمذي: لم يُتابَع ضَمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث.
وقال النسائي: لا نعلم أنَّ أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان غير ضَمرة، وهو حديث منكر.
وقال البيهقي: المحفوظ بهذا الإسناد حديث نهى عن بيع الولاء وهبته.
وقال -أيضًا-: هذا وَهْم فاحش، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، وضَمرة بن ربيعة لم يحتجَّ به صاحبا الصحيح.
انظر: «مسائل الإمام أحمد» (ص 433 رقم 1999 - رواية أبي داود) و «سنن الترمذي» (3/ 647) و «السنن الكبرى» للبيهقي (10/ 289) و «معرفة السُّنن والآثار» (14/ 407) و «تهذيب سنن أبي داود» (5/ 409). قلت: ووجه هذا الإعلال ظاهر جدًّا؛ لأنَّ ضَمرة وإن كان ثقة، إلا أنه قد تفرَّد به عن الثوري، ومثل هذا التفرُّد يُعدُّ منكرًا، فلا التفات بعد ذلك إلى تصحيح من صحَّحه من المتأخرين، كالطحاوي، وابن التركماني، وعبد الحق الإشبيلي، وابن القطان، وابن حزم، لأنَّ مسلك هؤلاء في التعليل -غالبًا- خلاف مسلك الأئمة النُّقاد، فهم يقبلون كلَّ زيادة من الثقة، ولا يرون الإرسال علَّة للموصول، ولا الموقوف علَّة للمرفوع، وأهل الحديث الذين هم المرجع في هذا الفنِّ على خلاف ذلك، فتنبَّه.
وتابَعَهم على تصحيحه جماعة من فضلاء العصر، منهم: الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» (6/ 170) والشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لـ «شرح مشكل الآثار» (13/ 441 رقم 5398، 5399) والشيخ الحويني في تخريجه لـ «منتقى ابن الجارود» (3/ 237 رقم 972) ومحقِّقو «مسند الإمام أحمد» (33/ 340 - ط مؤسسة الرسالة).
ومما يبيِّن لك خطأ ضَمرة في هذا الحديث: أنه قد خولف في متنه، خالَفَه أبو نعيم الفضل بن دُكَين، وابن نُمَير، ووكيع، وابن مهدي، -وهم ثقات أثبات- فرووه عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمرَ -رضي الله عنهما-، بلفظ: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بيعِ الولاءِ وَهِبتِهِ.

أثر آخر في أحكام العتق

(448) قال أبو عبيد 1: ثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن أبي حَصين، عن الشَّعبي قال: لمَّا قام عمرُ قال: ليس على عربيٍّ مِلْكٌ، ولسنا بنازعي من يدِ رجلٍ شيئًا أَسلَمَ عليه، ولكنَّا نقوِّمهم المِلَّةَ 2 خمسًا من الإبلِ.
قال: فسألتُ محمدًا 3 عن تأويله، فَفَسَّرَهُ بالرَّجلِ يَسبِي الرَّجلَ في الجاهلية، ثم يُسلِمُ وهو في يدِهِ، كالمملوكِ له، فحَكَمَ عمرُ بأنَّ المَسْبِيَّ يُردُّ إلى نَسَبِهِ، لأنَّه عربيٌّ، وتكونُ قيمتُهُ عليه، يُؤدِّيها إلى الذي سَبَاهُ، لأنَّه أَسلَمَ وهو في يدِهِ.
وهكذا وَجَّهَهُ أبو عبيد.
أثر آخر (449) قال أبو عبيد 4: حدثنا ابن عُليَّة، عن أيوب، عن ابن سيرين: أنَّ الأشعثَ بن قيس خاصَمَ أهلَ نجرانَ إلى عمرَ في رقابِهِم، فقالوا:

يا أميرَ المؤمنين، إنما كنَّا عَبِيدَ مَمْلكةٍ، ولم نكن عَبِيدَ قِنٍّ.
قال: فتَغيَّظ عليه عمرُ، فقال: أردتَ أنْ تَغَفَّلَنِي 1. وكذلك ثنا معاذ، عن ابن عَون، عن ابن سيرين، عن عمرَ، إلا أنَّه قال: أردتَ أن تَعَنَّتَنِي 2. قال الكسائي: القِنُّ: أنْ يكونَ مُلِكَ وأبواه، والمَمْلكة: أنْ يَغلِبَ عليهم فيَستَعْبِدَهُم، وهم في الأصل أحرارٌ.
قال أبو عبيد: فحَكَمَ فيهم عمرُ أنْ صَيَّرَهُم أحرارًا بلا عوضٍ؛ لأنَّه كان تَمَلُّكًا، وليس بِسِبَاءٍ.
قال: وفي هذا الحديث أصلٌ لكلِّ مَن ادَّعى رَقَبَةَ رجلٍ وأَنكَرَ المُدَّعَى عليه أنْ القولَ فيه قولُهُ.
قال: وقد كان الرَّجلُ من الملوك ربما غَلَبَ على البلادِ حتى يَستَعبِدَ أهلَهَا، فيَجوزُ حُكْمُهُ فيهم، كما يَجوزُ في مماليكه، وعلى هذا عامَّةُ ملوكِ العَجَمِ اليومَ الذين في أطرافِ الأرضِ، يَهَبُ منهم ما شاءَ، ويَصطفي لنفسه ما شاءَ، ولهذا ادَّعى الأشعثُ رقابَ أهلِ نجرانَ، وكان استَعبَدَهُم في الجاهليةِ، فلمَّا أَسلَمُوا أَبَوا عليه.
أثر آخر (450) قال أبو عبيد 3: حدثني ابن مهدي، عن سفيان، عن أيوب

بن موسى، عن سليمان 1 بن يَسَار، عن عمرَ: أنَّه قَضَى في وَلَدِ المَغْرورِ غُرَّةً 2. يعني: الرَّجلَ يُزوِّجُ رجلاً مملوكةً على أنها حُرَّة، فقَضَى أنْ يَغرَمَ الزوجُ لمولى الأَمَة غُرَّةُ، ويكونُ وَلَدُهُ حُرًّا، ويَرجعُ الزَّوجُ على مَن غَرَّهُ بما غَرِمَ.
وسيأتي -أيضًا- 3 في تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ 4 قصةُ أمرِ عمرَ أنسًا أنْ يُكاتِبَ سيرينَ لما دَعَاهُ إلى ذلك، وكان كثيرَ المالِ، وأنَّ ذلك محمولٌ على الوجوب عند طائفة من السَّلف 5. وهو قول عن الشافعيِّ رحمه الله 6.

أثر في عتق أُمِّ الولد

(451) قال مالك 1 عن نافع، عن ابن عمرَ قال 2: أيُّما وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ من سَيِّدِها، فإنَّه لا يَبيعُها، ولا يَهبُها، ولا يُورِّثُها، وهو يَستَمتِعُ بها، فإذا مات فهي حُرَّةٌ.
هذا إسناد صحيح.
وقد ورد من طرق أخر عن عمرَ 3.

وروي مرفوعًا من وجوه أخر 1. وقد تَقَصَّيتُ ذلك كلَّه في جزء مُفرَد، وبيَّنتُ اختلافَ الأئمَّةِ في هذه المسألةِ، وتحصَّلَ من أقوالِهِم قريبٌ من ثمانيةِ مذاهبَ، ولله الحمدُ والمنَّةِ.
حديث آخر (452) قال أبو بكر بن أبي شيبة في «مصنَّفه» 2: ثنا معاوية بن هشام، ثنا أيوب بن عُتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمة، عن جابر قال: كنَّا نَبيعُ أمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذَكَر أنَّه زَجَر عن بيعهنَّ، وكان عمرُ -رضي الله عنه- يَشتَدُّ في بَيعِهِنَّ.
أيوب بن عُتبة هذا هو: اليمامي، وهو ضعيف 3.

(453) وقد رواه أبو داود في «سننه» 1 من طريق أخرى، فقال: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: بِعْنا أمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان عمرُ نهانا فَانْتَهَينا.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم 2، ولله الحمد.

أثر آخر (454) قال أبو عبيد 1: ثنا ابن عُليَّة ومعاذ، عن ابن عَون قال: أنبأنا غاضِرة العَبْدي 2: أنهم أَتَوا عمرَ في نساءٍ أو إمَاءٍ سَاعَيْنَ في الجاهليةِ، فأَمَرَ بأولادِهِن أنْ يُقوَّمُوا على آبائِهِم، وألا يُستَرَقُّوا.
قال: وأخبرني الأصمعي أنَّه سَمِعَ ابن عَون يَذكر هذا الحديث، قال: فقلتُ لابن عَون: إنَّ المساعاةَ لا تكونُ في الحرائرِ، وإنمَّا تكونُ في الإماءِ.
قال: فجعل ابن عَون يَنظرُ إليَّ.
قال أبو عبيد: ومعنى المساَعَاة: الزِّنى، يعني: أنَّ الأَمَة تَسعى في أداء الضَّريبة التي عليها لسيِّدها كلَّ يوم كما كانوا في الجاهلية، وكان الحُكم بينهم أنَّ مَن أَحبَلَ أَمَةَ آخرَ أنَّ الولدَ يَلحَقُهُ نَسَبُهُ إنْ ادَّعاه أو أحدٌ من عَصَباتِهِ، فحَكَم عمرُ -رضي الله عنه- أنَّ مَن زَنَى بأَمَة في الجاهليةِ ثم أَسلَمَ وادَّعاه أنَّه ولدُهُ، ويَلزمُهُ قيمتُهُ لسيِّدِ الأَمَةِ؛ لأنَّه وَطَأَها وهو يَعتقدُ أنَّ الولدَ حُرٌّ يَتبعُهُ، فإنْ ادَّعى سيِّدُ الأَمَةِ الولدَ أو أحدٌ من قراباتِهِ فهو أحقُّ، كما حَكَم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ابن وَلِيدةِ زَمْعة أنَّه لِعَبْدِ بن زَمْعة لمَّا

ادَّعاهُ مع ظهور شَبَهِهِ في عُتبة بن أبي وقاص 1. هذا حُكْم مُسَاعَاةِ الجاهلية، فأما إنْ كان الزِّنى بعد الإسلامِ فالولدُ رقيقٌ لسيِّدِ الأَمَةِ قولاً واحدًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وللعَاهِرِ الحَجَرُ» 2. (455) وقال 3: ثنا أبو معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يَسَار: أنَّ عمرَ كان يُلحِقُ أولادَ الجاهليةِ بمن ادَّعَاهُم في الإسلامِ.

/ (ق 169)

حديث في الولاء

1 (456) قال أحمد 2: ثنا عبد الله بن يزيد، ثنا ابن لَهِيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ بن الخطاب قال: سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «يَرِثُ الوَلاءَ مَن يَرِثُ المالَ من والدٍ أو وَلَدٍ».
طريق أخرى (457) قال أحمد 3: ثنا يحيى، ثنا حسين المعلِّم، ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: لما رَجَع عمرو جاء بنو معمر بن حبيب / (ق 170) يُخاصمونه في ولاءِ أختِهم إلى عمرَ بن الخطاب، فقال: أَقضي بينكم بما سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أَحرَزَ الوَلَدُ أو الوَالِدُ فهو لِعَصَبتِهِ مَن كان».
فقَضَى لنا به.
وهكذا رواه أبو داود 4، والنسائي 5، وابن ماجه 6 من حديث عبدالوارث (د) 7، وأبي أسامة (س ق) 8، عن حسين بن ذكوان المعلِّم -أحد الثقات- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن عمرَ بن الخطاب، بأبسطَ من هذا.

جارٍ التحميل